← Акыда

Акыда · id 123

أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين دراسة وترجيح

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (669 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض جاء في هذه المسألة في الصحيحين عدة أحاديث تمثل جانبين في المسألة: فالجانب الأول: الأحاديث التي تفيد نفي وجود العدوى. والجانب الثاني: الأحاديث التي يفهم منها إثبات وجود العدوى. * فأما أحاديث الجانب الأول فقد جاءت في الصحيحين عن خمسة من الصحابة وهم: أبو هريرة وأنس وابن عمر وجابر بن عبد الله والسائب بن يزيد ﵃، وهي كالتالي: الحديث الأول: حديث أبي هريرة ﵁ وقد جاء في الصحيحين من ست طرق بعضها متفق عليه وبعضها مما انفرد به البخاري وبعضها مما انفرد به مسلم وإليك بيان ذلك: الطريق الأول: من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة رضى الله عنه ولفظه: إن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى (١) ولا صفر (٢) ولا

стр. 72

هامة (٣) ". فقال أعرابي: يا رسول الله: فما بال إبلي تكون في الرمل كأنَّها الظباء، فيأتي البعير الأجرب (٤) فيدخل بينها فيجربَها؟ . فقال: "فمن أعدى الأول؟ (٥) " (٦). وفي رواية لمسلم من طريق أبي سلمة: "لا عدوى ولا طيرة .. ".

стр. 73

الطريق الثاني: من رواية سنان بن أبي سنان عن أبي هريرة ولفظه: إن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى" فقام أعرابي فقال: أرأيت الإبل تكون في الرمال أمثال الظباء فيأتيها البعير الأجرب فتجرب؟ قال النبي ﷺ : "فمن أعدى الأول؟ " (٧). الطريق الثالث: من رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ولفظه: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر" (٨). الطريق الرابع: من رواية سعيد بن ميناء عن أبي هريرة ولفظه: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر .. " (٩). الطريق الخامس: من رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة ولفظه: قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة وأحب الفأل الصالح" (١٠). الطريق السادس: من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا هامة ولا نوء (١١)

стр. 74

ولا صفر" (١٢). الحديث الثاني: حديث أنس ﵁ وقد رواه عن النبي ﷺ بلفظ "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل" قالوا: وما الفأل؟ قال: "كلمة طيبة" (١٣). الحديث الثالث: حديث ابن عمر ﵁ وقد رواه عن النبي ﷺ بلفظ: "لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث: في المرأة والدار والدابة" (١٤). الحديث الرابع: حديث جابر بن عبد الله وقد رواه عن النبي ﷺ بلفظ: "لا عدوى ولا طيرة ولا غول (١٥) " (١٦).

стр. 75

الحديث الخامس: حديث السائب بن يزيد وقد رواه عن النبي ﷺ بلفظ: "لا عدوى ولا صفر ولا هامة" (١٧). * وأما أحاديث الجانب الثاني - وهى التى يفهم منها إثبات وجود العدوى- فقد جاءت في الصحيحين عن أربعة من الصحابة وهم: أبو هريرة وعمرو بن الشريد عن أبيه وأسامة بن زيد وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهم وهى كالتالي: الحديث الأول: حديث أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال النبي ﷺ : "لا يوردنَّ ممرض على مصح (١٨) " (١٩). قال أبو سلمة بعد ما روى عن أبي هريرة ﵁ حديث "لا عدوى" وحديث "لا يورد ممرض على مصح" قال: كان أبو هريرة يحدثهما كلتيهما عن رسول الله ﷺ ثم صمت أبو هريرة عن قوله: "لا عدوى" وأقام على أن لا يورد ممرض على مصح. قال: فقال الحارث بن أبي ذباب وهو ابن عم أبي هريرة: كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثًا آخر قد سكت عنه. كنت تقول: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى"، فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك وقال: "لا يورد ممرض على مصح" فما رآه الحارث في ذلك

стр. 76

حتى غضب أبو هريرة فرطن بالحبشية فقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا. قال أبو هريرة: قلتُ أبيت. قال أبو سلمة: ولعمري كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى". فلا أدري أنسي أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر (٢٠). الحديث الثاني: حديث أبي هريرة أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : " .. وفر من المجذوم (٢١) فرارك من الأسد" (٢٢). الحديث الثالث: حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي ﷺ : "إنا قد بايعناك فارجع" (٢٣). الحديث الرابع: حديث أسامة بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطاعون (٢٤)

стр. 77

رجس أُرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم فإذا سَمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بِها فلا تخرجوا فرارًا منه" قال أبو النضر: "لا يخرجكم إلا فرارًا منه (٢٥) " (٢٦). وجاء هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ بعد قصة طويلة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بِها فلا تخرجوا فرارًا منه" (٢٧). وهذان الحديثان -أعني حديث أسامة وعبد الرحمن بن عوف ﵄ كما أنَّهما دالان على إثبات العدوى فإن الجزء الأخير منهما وهو قوله ﷺ : "وإذا وقع بأرض وأنتم بِها فلا تخرجوا فرارًا منه" قد يُفهم منه نفى العدوى فيكون عاضدًا لأدلة الجانب الأول. بيان وجه التعارض بالنظرة السريعة إلى الأحاديث الماضية قد يبدو للقارئ الكريم أن بينها تعارضًا وأنها متناقضة إذ أن في الجانب الأول منها ما يفيد نفي وجود العدوى

стр. 78

كما في قوله ﷺ : "لا عدوى". وفي الجانب الثاني ما يفيد إثبات وقوع العدوى لأنه لا مبرر لنهيه ﷺ من إيراد الممرض على المصح إلا خشية انتقال المرض. وكذا في أمره ﷺ بالفرار من المجذوم وأمره المجذوم من وفد ثقيف بالرجوع فإن ذلك كله تحرزًا من وقوع العدوى. ولذلك صرح كثير من أهل العلم بأن هذه الأحاديث ظاهرها التعارض كابن حجر (٢٨) رحمه الله تعالى. * * *

стр. 79

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هدا التعارض سلك أهل العلم حيال هذا التعارض عدة مذاهب فمن صائرٍ إلى الجمع، ومن قائل بالنسخ، ومن مائل إلى الترجيح وإليك بيان ذلك. أولًا: مذهب الجمع: أما مذهب الجمع فقد صار إليه عدد كبير من أهل العلم كالطبري والطحاوي وابن قتيبة، وابن خزيمة، والخطابي، والبيهقي، وأبي عمرو بن الصلاح، والباقلاني، وابن بطال، والنووي، وابن رجب، وابن القيم، وابن مفلح، وابن حجر، والشوكاني، وصديق حسن خان، والمباركفوري، وأحمد شاكر، وغيرهم كثير. ولكن هؤلاء مع أنَّهم قائلون بالجمع إلا أنَّهم لم يتفقوا على مسلك واحد في الجمع بل تنوعت مسالكهم وأهم هذه المسالك ما يلي: المسلك الأول: "أن المراد بنفى العدوى نفيها جملة وحمل الفرار من المجذوم، على رعاية خاطر المجذوم. لأنه إذا رأى الصحيح البدن السليم من الآفة تعظم مصيبته وتزداد حسرته ونحوه حديث "لا تديموا النظر إلى المجذومين" (١) فإنه محمول على هذا المعنى" (٢). المسلك الثاني: أن الأمر بالفرار من المجذوم ليس من باب العدوى في

стр. 80

شىء بل هو لأمر طبيعى وهو انتقال الداء من جسدٍ لجسد بواسطة الملامسة والمخالطة وشم الرائحة، ولذلك تجد كثيرًا من الأمراض تنتقل من السقيم إلى الصحيح بكثرة المخالطة والمجالسة. وأما قوله ﷺ : "لا عدوى" فإنه يريد بذلك النهى عن الخروج من البلد الذي وقع فيه المرض كالطاعون خوفًا من العدوى وظنًّا منه أن الفرار من قدر الله تعالى ينجيه منه. وهذا المسلك هو مسلك ابن قتيبة (٣) والخطابي (٤) عليهما رحمة الله. المسلك الثالث: "أن قوله "لا عدوى" نَهي لا نفي. والمعنى: لا يُعدِ بعضكم بعضًا. أي لا تتعرضوا لذلك بل اتقوه، واتقوا مكانه. وهذا كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٥). أي لا يكن ذلك منكم. ومثل قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٦) وقوله: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس" (٧) وأشباه هذا كثير. ويصحح هذا الجواب آخر الحديث، فقوله: "لا طيرة" أي لا تشاؤم،

стр. 81

معناه: لا تتطيروا ولا يقع منكم ذلك، وليس المعنى أن الطيرة مفقودة في الناس. وكذا "لا هامة" وهى طير معروف. "ولا صفر" وهو الشهر المعروف، والمراد لا تعتقدوا في شهر صفر ولا في الهامة ما كان الجاهليون يفعلونه ويعتقدونه، وليس بممكن أن يكون نفيًا" (٨). المسلك الرابع: تخصيص عموم حديث "لا عدوى" بما ورد إثبات العدوى فيه من الأحاديث كالجذام وغيره فيكون معنى قوله: "لا عدوى" أى إلا من الجذام والبرص والجرب مثلًا، وقد نسب ابن حجر هذا القول إلى القاضي أبي بكر الباقلاني وابن بطال (٩) ونصره أيضًا الشوكاني وألَّف فيه رسالة صغيرة سماها (إتحاف المهرة بالكلام على حديث لا عدوى ولا طيرة) قال فيها: "ومن المناسب للعمل الأصولي أن تجعل الأحاديث الواردة بثبوت العدوى في بعض الأمور، والأمر بالتجنب أو الفرار مُخصصة لعموم حديث "لا عدوى" وما ورد في معناه كما هو شأن العام والخاص" (١٠). المسلك الخامس: "حمل الخطاب بالنفي والإثبات على حالتين مختلفتين فحيث جاء "لا عدوى" كان المخاطب بذلك من قوي يقينه وصح توكله بحيث يستطيع أن يدفع عن نفسه اعتقاد العدوى كما يستطيع أن يدفع التطير الذي يقع في نفس كل أحد، لكن القوي اليقين لا يتأثر به، وعلى هذا يحمل حديث جابر في أكل المجذوم من القصعة (١١) وسائر ما ورد من جنسه. وحيث جاء "فر من المجذوم" كان المخاطب بذلك من ضعف يقينه ولم يتمكن من

стр. 82

تمام التوكل فلا يكون له قوة على دفع اعتقاد العدوى فأريد بذلك سد باب اعتقاد العدوى عنه بأن لا يباشر ما يكون سببًا لإثباتِها" (١٢). المسلك السادس: ما ذهب إليه ابن حجر وانتصر له وهو: "أن يقال: إن نفيه ﷺ للعدوى باقٍ على عمومه وقد صح عنه ﷺ : "لا يعدي شيء شيئًا" (١٣) وقوله ﷺ لمن عارضه بأن البعير الأجرب يكون في الإبل الصحيحة فيخالطها فتجرب حيث رد عليه بقوله: "فمن أعدى الأول" يعني أن الله ابتدأ ذلك في الثاني كما ابتدأ الأول، وأما الفرار من المجذوم فمن باب سد الذرائع لئلا يتفق للشخص الذى يخالطه شىء من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداء لا بالعدوى المنفية، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته فيعتقد صحة العدوى فيقع في الحرج فأمر بتجنبه حسمًا للمادة" (١٤). ويبدو أن ابن حجر رحمه الله تعالى بنى رأيه هذا على الحس، فإنه لما أورد كلام السبكى -وهو قوله في المطعون: "إن شهد طبيبان عارفان مسلمان عدلان أن ذلك سبب في أذى المخالط فالامتناع من مخالطته جائز أو أبلغ من ذلك- قال -يعني ابن حجر-: لا تقبل شهادة من يشهد بذلك لأن الحس يكذبه فهذه الطواعين قد تكرر وجودها في الديار المصرية والشامية وقلَّ أن يخلو بيت منها. ويوجد من أصيب به من يقوم عليه من أهله وخاصته ومُخالطتهم له

стр. 83

أشد من مخالطة الأجانب قطعًا، والكثير منهم بل الأكثر سالم من ذلك، فمن شهد في أذى المخالط فهو مكابر" (١٥). وممن ذهب إلى هذا القول أيضًا: الطبري (١٦) والطحاوي (١٧) وابن خزيمة (١٨) والمباركفوري (١٩) عليهم رحمة الله. المسلك السابع: أن يقال إن قوله ﷺ : "لا عدوى" أراد منه نفي ما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن هذه الأمراض تعدي بطبعها دون تقدير الله تعالى. وقوله ﷺ : "وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه" أراد منه الحث على التوكل والصبر تسليمًا لأمر الله تعالى. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وبالجملة ففي النهي عن الدخول في أرضه: الأمر بالحذر والحمية والنهي عن التعرض لأسباب التلف وفي النهي عن الفرار منه الأمر بالتوكل والتسليم والتفويض. فالأول: تأديب وتعليم. والثاني: تفويض وتسليم" (٢٠). وقال ابن دقيق العيد: "ومن هذه المادة قوله: "لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموهم فاصبروا" (٢١) فأمر بترك التمني لما فيه من التعرض للبلاء وخوف اغترار النفس إذ لا يؤمن غدرها عند الوقوع. ثم أمرهم بالصبر عند الوقوع تسليمًا لأمر الله تعالى" (٢٢).

стр. 84

وأما قوله ﵊ "وفر من المجذوم فرارك من الأسد" وقوله "لا يورد ممرض على مصح" وما في معناهما فأراد منه الإرشاد إلى اجتناب ما يحصل الضرر عنده غالبًا بتقدير الله تعالى وبيان أن العدوى سبب من الأسباب التي خلقها الله تعالى وقدر حصول المرض لمن تعرض لها. وهذا المسلك هو ما ذهب إليه البيهقي رحمه الله تعالى في الجمع بين الأحاديث وكذا النووي وابن رجب وابن القيم عليهم رحمة الله. قال البيهقى: "ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: "لا عدوى" وإنما أراد على الوجه الذي كانوا يعتقدون في الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله . وقد يجعل الله تعالى بمشيئته مخالطة الصحيح من به شىء من هذه العيوب سببًا لحدوث ذلك به. ولهذا قال النبي ﷺ : "لا يورد ممرض على مصح" وقال في الطاعون: "من سمع به بأرض فلا يقدمن عليه" وغير ذلك مما في معناه. وكل ذلك بتقدير الله " (٢٣). وقال النووي: "وطريق الجمع أن حديث "لا عدوى" المراد به نفى ما كانت الجاهلية تزعمه وتعتقده أن المرض والعاهة تعدي بطبعها لا بفعل الله تعالى. وأما حديث "لا يورد ممرض على مصح" فأرشد فيه إلى مجانبة ما يحصل الضرر عنده في العادة بفعل الله تعالى وقدره. فنفى في الحديث الأول العدوى بطبعها ولم ينف حصول الضرر عند ذلك بقدر الله تعالى وفعله، وأرشد في الثاني إلى الإحتراز مما يحصل عنده الضرر بفعل الله وإرادته وقدره" (٢٤). وقال ابن رجب: "وأظهر ما قيل في معنى "لا عدوى": أنه نفى لما

стр. 85

كان يعتقده أهل الجاهلية من أن هذه الأمراض تعدي بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك. ويدل على هذا قوله: "فمن أعدى الأول" يشير إلى أن الأول إنما جرب بقضاء الله وقدره فكذلك الثاني وما بعده" (٢٥) واستدل رحمه الله تعالى أيضًا. مما أخرجه الإمام أحمد من طريق ابن مسعود وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يعدي شيء شيئًا" فقام أعرابي فقال: يا رسول الله: النقبة من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلها فقال رسول الله ﷺ : "فما أجرب الأول؟ لا عدوى ولا هامة ولا صفر، خلق الله كل نفس فكتب حياتَها ومصيباتِها ورزقها" (٢٦) فقال تعليقًا على هذا الحديث: "فأخبر أن ذلك كله بقضاء الله وقدره كما دل عليه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٢٧) " (٢٨). وقال ابن القيم: "وعندي في الحديثين مسلك آخر يتضمن إثبات الأسباب والحكم ونفى ما كانوا عليه من الشرك واعتقاد الباطل ولو قالوا: إنَّها أسباب أو أجزاءُ أسباب إذا شاء الله صرف مقتضياتِها بِمشيئته وإرادته وحكمته وإنَّها مسخرة بأمره لَما خلقت له وإنَّها في ذلك بِمنْزلة سائر الأسباب التي ربط بها مسبباتِها وجعل لها أسبابًا أخر تعارضها وتمانعها وتمنع اقتضاءها لما جعلت أَسبابًا له وإنَّها لا تقضي مسبباتِها إلا بإذنه ومشيئته وإرادته ليس لها في ذاتِها ضر ولا نفع ولا تأثيرٌ البتة إن هى إلا خلق مُسخَّر مُصرَّف مربوب لا تتحرك

стр. 86

إلا بإذن خالقها ومشيئته .. فسببيتها من جنس سببية وطء الوالد في حصول الولد .. فلو أثبتوا العدوى على هذا الوجه لما انكر عليهم .. " (٢٩). ثم قال ﵀ بعد تقريره لهذا المسلك: "ويشبه هذا نفيه الشفاعة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ (٣٠). وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ (٣١). وإثباتُها في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٣٢). وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٣٣). فإنه سبحانه نفى الشفاعة الشركية التي كانوا يعتقدونَها وأمثالهم من المشركين. وهى شفاعة الوسائط لهم عند الله في جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم بذواتِها وأنفسها بدون توقف ذلك على إذن الله ومرضاته لمن شاء أن يشفع فيه الشافع .. وأثبت سبحانه الشفاعة التي لا تكون إلا بإذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع" (٣٤). وقال أحمد شاكر مؤيدًا ترجيحه هذا المسلك: "لأنه قد ثبت من العلوم الطبية الحديثة أن الأمراض المعدية تنتقل بواسطة المكروبات ويحملها الهواء أو البصاق أو غير ذلك على اختلاف أنواعها. وأن تأثيرها في الصحيح إنما يكون

стр. 87

تبعًا لقوته وضعفه بالنسبة لكل نوع من الأنواع. وإن كثيرًا من الناس لديهم وقاية خلقية تمنع قبولهم لبعض الأمراض المعينة. ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال. فاختلاط الصحيح بالمريض سبب لنقل المرض وقد يتخلف هذا السبب" (٣٥) تبعًا لتقدير الله تعالى. وممن أخذ بِهذا المسلك أيضًا بالإضافة إلى من سبق: البغوي (٣٦) وابن الصلاح (٣٧) وابن مفلح (٣٨) والطيبي (٣٩) والقسطلاني (٤٠) وسليمان بن عبد الله (٤١) وصديق حسن خان (٤٢) والألباني (٤٣). ثانيًا: مذهب النسخ: نقل القاضي عياض عن عمر بن الخطاب ﵁ وجماعة من السلف قولهم بنسخ الأحاديث المثبتة للعدوى بحديث "لا عدوى" (٤٤). ثالثًا: مذهب الترجيح: سلك هذا المذهب فريقان من الناس: أحدهما رجح الأحاديث النافية

стр. 88

للعدوى وردّ الأحاديث المثبتة للعدوى وعلى رأس هؤلاء عائشة ﵂. والفريق الآخر رجح الأحاديث المثبتة للعدوى ورد حديث "لا عدوى". فأما الفريق الأول: فقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بما يلى: - ١ - أن الأحاديث المثبتة للعدوى شاذة (٤٥). ٢ - "أن عائشة أنكرت ذلك، فأخرج الطبري عنها أن امرأة سألتها عنه (٤٦) فقالت: ما قال ذلك، ولكنه قال: "لا عدوى"، وقال: "فمن أعدى الأول؟ " قالت: وكان لي مولى به هذا الداء فكان يأكل في صحافي ويشرب في أقداحي وينام على فراشي (٤٧). ٣ - أن أبا هريرة تردد في هذا الحكم، فيؤخذ الحكم من رواية غيره. ٤ - أن الأخبار الواردة من رواية غيره في نفي العدوى كثيرة شهيرة بخلاف الأخبار المرخصة في ذلك" (٤٨). وأما الفريق الثاني وهم الذين رجحوا الأحاديث المثبتة للعدوى فإنهم ردوا حديث "لا عدوى" واستدلوا على ذلك بما يلي: - ١ - "أن أبا هريرة رجع عنه: إما لشكه فيه وإما لثبوت عكسه عنده. ٢ - أن الأخبار الدالة على الإجتناب أكثر مخارج وأكثر طرقًا فالمصير إليها أولى" (٤٩). * * *

стр. 89

المطلب الثالث الترجيح الذي يترجح -والله تعالى أعلم- هو مذهب الجمع لأنه ممكن كما سبق، وإذا أمكن الجمع فلا يصار إلى غيره إذ أن فيه إعمالًا لكلا الدليلين، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، ولذلك فقد ذهب إليه جمهور العلماء، بل صرح بعضهم بأنه هو المتعين كالنووي فإنه لما ساق أحاديث العدوى قال: "والجمع بينهما هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء ويتعين المصير إليه" (١). وقال القاضى عياض: "والصحيح الذي عليه الأكثر ويتعين المصير إليه أن لا نسخ بل يجب الجمع بين الحديثين" (٢). ثم إن الراجح -والله تعالى أعلم- من مسالك الجمع هو المسلك السابع، وهو حمل قوله ﷺ : "لا عدوى" على نفى ما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن المرض يعدي بطبعه فإن صَاحَبَ هذا الاعتقاد، اعتقاد استقلالية السبب "المرض" بذلك دون تقدير الله تعالى وفعله فهو شرك أكبر وإن كان مجرد التفات إلى السبب وغلو فيه فهو شرك أصغر، فاعتقاد الشخص في السبب هو الذي يحدد كونه شركًا أكبر أم أصغر (٣). وحمل النصوص الأخرى على إثبات العدوى وأنَّها من الأشياء التي جعلها الله سببًا لانتقال المرض من السقيم إلى الصحيح.

стр. 90

سبب الترجيح: ١ - أنَّ هذا المسلك فيه إعمالٌ لجميع الأدلة وعدم طرح شىء منها كما تقدم. ٢ - أن المسالك الأخرى يمكن الإيراد عليها والإجابة عنها كما سيأتي. ٣ - أن سياق الحديث يرجح هذا المسلك لأن قوله ﷺ : "لا عدوى" جاء مقارنًا لقوله: "ولا طيرة ولا هامة ولا صفر" وهذه الأشياء مما كانت الجاهلية تعتقدها فأبطلها رسول الله ﷺ ونفاها. ٤ - أن حاصل أكثر المسالك الأخرى هو نفى وجود العدوى "وهذا يفضي إلى تعطيل الأصول الطبية ولم يرد الشرع بتعطيلها بل ورد بإثباتِها، والعبرة بِها على وجه لا يناقض أصول التوحيد ولا مناقضة في القول بِها على الوجه الذي ذكرناه" (٤) بل إن العدوى ثابتة بالنص والإستقراء والطب: - أ - أما النص فقد سبق قوله ﷺ : "لا يورد ممرض على مصح"، وقوله ﷺ : "وفر من المجذوم فرارك من الأسد" وقوله في الطاعون: "وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه". ب - "وأما الاستقراء فما زال الناس يشاهدون الصحيح ينتابه المرض إذا خالط المريض ولا سيما بعض الأمراض كالجرب والجذام وبعض الحميات" (٥). ج - وأما الطب فقد أثبت الطب الحديث على أن ثمة عدوى بل إن إثبات وقوع العدوى أصبح من المسلمات التي لا يمكن إنكارها أو تجاهلها، فإنك لا تكاد تقرأ كتابًا في الطب إلا وجدت فيه الحديث عن العدوى وطرقها وسبل

стр. 91

الوقاية منها (٦). يقول الدكتور محمد على البار: "وأما الأمراض المعدية فهي التي تنتقل من مريض إلى آخر بأحد طرق العدوى العديدة وهى: - ١ - إما بواسطة التنفس كما في أمراض الجهاز التنفسي كالأنفلوينزا والسل الرئوي. ٢ - أو بطريق الفم مثل أمراض الجهاز الهضمي .. كشلل الأطفال والتهاب الكبد الوبائي. ٣ - وعن طريق الزنا واللواط مثل الأمراض التناسلية كالزهري والسيلان. ٤ - أو عن طريق الملامسة مثل الجدري أو الجذام. ٥ - أو بواسطة الحقن أو نقل الدم مثل التهاب الكبد الفيروسي. ٦ - أو بواسطة وخز الحشرات كالبعوضة التي تنقل مرض الملاريا .. " (٧). وبِهذا يحصل الجمع بين الأحاديث ويزول ما قد يُتوهم من التعارض وتتفق أقوال النبوة مع أحدث النظريات الطبية. ولو قيل إن ما ورد عن الرسول ﷺ من الأحاديث في إثبات العدوى يعتبر من أعلام نبوته لكان ذلك صوابًا، إذ أن العلم الحديث قد أثبت ما أخبر به الرسول ﷺ منذ عدة قرون والله أعلم.

стр. 92

مناقشة الأقوال المرجوحة: أولًا: مناقشة مسالك الجمع: أما المسلك الأول: وهو حمل الفرار من المجذوم على رعاية خاطر المجذوم لأنه إذا رأى الصحيح البدن السليم من الآفة تعظم مصيبته وتزداد حسرته، فإنه لا يخفى ما فيه من الضعف لأن الأمر بالفرار ظاهر في تنفير الصحيح من القرب من المجذوم. فهو ينظر فيه لمصلحة الصحيح أولًا. مع قوة التشبيه بالفرار من الأسد لأنه لا يفر الإنسان من الأسد رعاية لخاطر الأسد أيضًا (٨). وأما كون المجذوم تعظم مصيبته وتزداد حسرته إذا رأى السليم البدن فإن هذا حاصل بصورة أظهر في فرار الناس منه وبعدهم عنه لئلا يحل بهم ما حل به والله أعلم. وأما المسلك الثاني: وهو ما ذهب إليه ابن قتيبة والخطابي فيمكن الإيراد عليه بأن يقال إن الأمر الطبيعي الذي هو انتقال الداء من جسد إلى جسد بواسطة الملامسة والمخالطة وشم الرائحة هو بعينه العدوى، فلا معنى لنفى وقوعها حينئذٍ والله أعلم. وقد نص ابن القيم وغيره على أن الرائحة أحد أسباب العدوى (٩). وأما المسلك الثالث: وهو حمل قوله ﷺ : "لا عدوى" على أنه نَهي لا نفى، فيشكل عليه قوله ﷺ في آخر الحديث: "فمن أعدى الأول؟ " فإن هذا الحديث قد فهم منه الأعرابي النفي ولهذا استشكل نفيه وأورد ما أورده

стр. 93

وأقره النبي ﷺ على فهمه ولم ينكره عليه وإنما بين له أن أصل وجود المرض وانتقاله من جسم إلى جسم إنما هو بتقدير الله تعالى ولذلك قال: "فمن أعدى الأول؟ " (١٠). وأما المسلك الرابع: وهو التخصيص فيمكن الإيراد عليه بأن العدوى موجودة وثابتة في غير الأمراض المذكورة في الأحاديث كالزكام والملاريا مثلًا، فلا معنى إذًا للقول بالتخصيص والله أعلم. وأما المسلك الخامس: وهو التفريق بين قوي اليقين وضعيفه فإنه قد يتوجه في الجمع بين أكله ﷺ مع المجذوم -على فرض صحته- وأمره بالفرار منه، لكن لا يتوجه في مثل حديث "لا عدوى" لأنه نكرة في سياق النفى، والنكرة في سياق النفى من صيغ العموم فهو حديث عام يشمل من قوي يقينه ومن ضعف يقينه ثم إنه لا دليل على هذا التفصيل. كما أن حاصل هذا المسلك هو نفى وقوع العدوى أصلًا، وهذا غير صحيح كما تقدم. ولهذا قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بعد ذكره لهذا المسلك: "ذكره بعض أصحابنا واختاره وفيه نظر" (١١). وأما المسلك السادس: وهو ما ذهب إليه ابن حجر وغيره فإنه يجاب عنه بما يلي: ١ - أن اعتماده على الحس فيما ذهب إليه من نفي العدوى غير مسلم به، وقد سبق بيان دلالة النص والاستقراء والطب على وقوع العدوى وأنه لا مجال

стр. 94

لإنكارها. ولعل الذي دفع ابن حجر ﵀ وغيره من أهل العلم إلى إنكار العدوى ونفيها هو أن حاملات المرض من البكتريا والفيروسات وغيرها لا ترى بالعين المجردة، وإنما ترى بالأجهزة الدقيقة والمجاهر الإلكترونية وهذا ما لم يطلع عليه الأوائل، وإنما اكتُشِفَ ذلك بعد تطور العلم وتقدمه. والله أعلم. ب - وأما ما استدل به من قوله ﷺ : "لا يُعدي شيء شيئًا" فإنه يقال فيه كما قيل في حديث "لا عدوى" من أنه ﷺ أراد بذلك نفى ما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن المرض يعدي بطبعه دون تقدير الله تعالى ويدل على ذلك آخر الحديث فإنه ﷺ لمَّا قال ذلك قام أعرابي فقال: يا رسول الله إن النقبة تكون بمشفر البعير أو بعجبه فتشمل الإبل جربًا؟ قال: فسكت ساعة، فقال: "ما أعدى الأول؟ لا عدوى ولا صفر ولا هامة. خلق الله كل نفس فكتب حياتَها وموتَها ومصيباتِها ورزقها". ثانيًا: مناقشة مذهب النسخ: سبق أن ذكرنا أن القول بالنسخ -وهو نسخ الأحاديث المثبتة للعدوى بحديث "لا عدوى"- قال به جماعة من السلف وعلى رأسهم عمر بن الخطاب ﵁. ولكن دعوى النسخ هذه مردودة بما يلى: - ١ - أنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع -كما هو مقرر في علمي أصول الفقه (١٢) ومصطلح الحديث (١٣) - والجمع هنا غير متعذر وقد سبق

стр. 95

ذكر مسالك الجمع. ولذلك قال القاضى عياض بعد إيراده القول بالنسخ: "والصحيح الذي عليه الأكثر ويتعين المصير إليه أن لا نسخ بل يجب الجمع بين الحديثين" (١٤). ٢ - أنه يشترط للقول بالنسخ معرفة التاريخ حتى ننسخ المتقدم بالمتأخر منهما وهذا غير موجود هنا. قال النووي ﵀ بعد حكايته القول بالنسخ: "وهذا غلط لوجهين: أحدهما: أن النسخ يشترط فيه تعذر الجمع بين الحديثين. ولم يتعذر بل قد جمعنا بينهما. والثاني: أنه يشترط فيه معرفة التاريخ وتأخر الناسخ وليس ذلك موجودًا هنا" (١٥) ٣ - أن النسخ لا يثبت بالاحتمال. قال ابن حجر: "وأما دعوى النسخ فمردودة لأن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال ولا سيما مع إمكان الجمع" (١٦). وبهذا يتبين بطلان القول بالنسخ وممن صرح بِهذا -غير من سبق- ابن القيم (١٧) وابن رجب (١٨) عليهم رحمة الله. ثالثًا: مناقشة مذهب الترجيح: تقدم لنا أن مذهب الترجيح سلكه فريقان من الناس: أحدهما: رجح الأحاديث النافية للعدوى، ورد الأحاديث المثبتة للعدوى.

стр. 96

والفريق الثاني: رجح الأحاديث المثبتة للعدوى، ورد حديث "لا عدوى"، وتقدمت أدلة كلٍّ من الفريقين. ولكن كلٌّ من هذين الترجيحين مردود، ويمكن الإجابة عنه. أما ما ذهب إليه الفريق الأول فيجاب عنه بما يلى: ١ - أن الترجيح لا يصار إليه إلا مع تعذر الجمع -كما هو مقرر في علمي مصطلح الحديث (١٩) وأصول الفقه (٢٠) - وهو هنا غير متعذر كما سبق بيانه. ٢ - "أن ما أخرجه الطبري عن عائشة لا ينفى الأحاديث المثبتة للعدوى لأن كل ما في هذه الرواية يدل على أن عائشة رضى الله عنها لم تسمع ما سمع أبو هريرة فهو قد سمع الحديثين من رسول الله ﷺ بينما لم تسمع هي إلا أحدهما فروى كل منهما ما سمع. وقد ذكر الحافظ في الفتح (٢١) أن ابن خزيمة أخرج في كتاب التوكل عن عائشة رضى الله عنها حديث: "لا عدوى، وإذا رأيت المجذوم ففر منه كما تفر من الأسد" فإن صح هذا النقل فهو يرد قول من قال: إن عائشة رضى الله عنها أنكرت حديث "فر من المجذوم"" (٢٢). ٣ - وأما تردد أبي هريرة رضى الله عنه في الحكم فليس فيه ما يدل على ترجيح أحاديث نفي العدوى، بل لو استُدِل به على العكس وهو ترجيح

стр. 97

أحاديث إثبات العدوى لكان أقرب (٢٣)، لأن الذي صمت عنه أبو هريرة رضى الله عنه هو قوله: "لا عدوى" والذي أقام عليه هو قوله "لا يوردنَّ ممرض على مصح". ٤ - وأما قولهم بأن الأخبار الواردة من رواية غير أبي هريرة في نفى العدوى كثيرة وشهيرة بخلاف الأخبار المرخصة في ذلك فليس بمسلم لأن أحاديث إثبات العدوى أيضًا كثيرة وشهيرة كما أَنَّها وردت من رواية غير أبي هريرة -كما سبق- كعبد الرحمن بن عوف وأسامة بن زيد وعمرو بن الشريد عن أبيه وعائشة رضى الله عنهم. وأما ما ذهب إليه الفريق الثاني فيجاب عنه بما يلى: - ١ - أن الترجيح لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع كما سبق. ٢ - أن رجوع أبي هريرة عن حديث "لا عدوى" إنما هو لنسيانه، وهذا النسيان غير مؤثر على الحديث لوجهين ذكرهما النووي "أحدهما: أن نسيان الراوي للحديث الذي رواه لا يقدح في صحته عند جماهير العلماء بل يجب العمل به. والثاني: أن هذا اللفظ ثابت من رواية غير أبي هريرة فقد ذكر مسلم هذا من رواية السائب بن يزيد وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وابن عمر عن النبي ﷺ (٢٤).

стр. 98

مسألة: ثبت عن النبي ﷺ : أنه قال: "فر من المجذوم فرارك من الأسد" وثبت عنه أيضًا أنه أرسل إلى مجذوم وفد ثقيف: "إنا قد بايعناك فارجع" (٢٥). وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة وقال: "كل باسم الله، ثقة بالله، وتوكلًا عليه" (٢٦). فهذه الأحاديث كما ترى قد يفهم منها التعارض إذ إن في الحديثين الأولين الإرشاد إلى تجنب المجذوم والأمر بالفرار منه وفي الحديث الثالث ما ينافي هذا فإنه ﷺ أخذ بيده ولم يتحرز منه بل أمره بالأكل معه، فكيف الخروج من

стр. 99

هذا التعارض؟ والجواب عن ذلك أن حديث جابر ضعيف. فلا يقاوم ما جاء في الصحيحين عنه ﷺ من الإرشاد إلى تجنب المجذوم بقوله وفعله: أما قوله فقد جاء في البخاري عن أبي هريرة "وفر من المجذوم فرارك من الأسد"، وأما فعله فقد جاء في مسلم عن عمرو بن الشريد عن أبيه "إنا قد بايعناك فارجع". * * *

стр. 100

المبحث الثاني الطيرة وفيه تمهيد وثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 101

التمهيد أولًا: بيان معنى الطيرة والفأل: الطيرة: "بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن: هى التشاؤم بالشىء. وهى مصدر تطيَّر يقال: تطيَّر طيرة وتخير خيرة ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما. وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما. وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع وأبطله ونَهى عنه وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر" (١). قال الأزهري: "وقيل: للشؤم طائر وطير وطيرة لأن العرب كان من شأنِها عيافة الطير وزجرها والتطير ببارحها وبنعيق غربانِها وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها فسمَّوا الشؤم طيرًا وطائرًا وطيرة لتشاؤمهم بِها وبأفعالها" (٢). وقال الحميدي: "الطيرة: التطير من الشىء والتشاؤم به والكراهية له. واشتقاقه من الطير كالغراب وما أشبهه مما كانت العرب تتشاءم به وترى أن ذلك مانع من الخير فنفى الإسلام ذلك فقال: "ولا طيرة" في جملة ما نفى" (٣). وقال ابن عبد البر: "أصل التطير واشتقاقه عند أهل العلم باللغة والسير والأخبار هو مأخوذ من زجر الطير ومروره سانحًا أو بارحًا. منه اشتقوا التطير ثم استعملوا ذلك في كل شىء من الحيوان وغير الحيوان فتطيروا من الأعور والأعضب والأبتر .. " (٤). وقال النووي: "والتطير: التشاؤم وأصله الشىء المكروه من قول أو فعل

стр. 102

أو مرئى وكانوا يتطيرون بالسوانح والبوارح فينفّرون الظباء والطيور فإن أخذت ذات اليمين تبركوا به ومضوا في سفرهم وحوائجهم وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن سفرهم وحاجتهم وتشاءموا بها فكانت تصدهم في كثير من الأوقات عن مصالحهم" (٥). وقال ابن القيم: "كانوا يزجرون الطير والوحش ويثيرونها فما تيامن منها وأخذت ذات اليمين سموه سانحًا، وما تياسر منها سموه بارحًا، وما استقبلهم منها فهو الناطح وما جاءهم من الخلف فهو القعيد، فمن العرب من يتشاءم بالبارح ويتبرك بالسانح ومنهم من يرى خلاف ذلك" (٦). قال القرافي ﵀: "التطير هو الظن السيئ الكائن في القلب والطيرة هو الفعل المرتب على هذا الظن من فرار وغيره" (٧). "والشؤم ضد اليمن. يقال تشاءمت بالشىء وتيمنت به" (٨). يظهر مما سبق أن الطيرة كانت تطلق على التَّيمُّن والتشاؤم ثم انحصر استعمالها فيما بعد على التشاؤم وعلى التيمن بما ليس فألًا، كمرور الطير سانحًا أو بارحًا ولذلك نُهى عنها. فهى من هذا الوجه أعم من التشاؤم، والتشاؤم أعم منها من وجه آخر وهو أن أصل الطيرة مأخوذ من زجر الطير ومن ثمَّ التبرك به أو التشاؤم. بينما التشاؤم يكون في الطير وغيره كالتشاؤم من ذوي العاهات كالأعور والأبتر وغيرهما.

стр. 103

وفي الشرع: الشؤم والطيرة بمعنى واحد (٩) ومما يدل على ذلك قوله ﷺ : " .. وإن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس والمرأة والدار" (١٠) فعبر بالطيرة عن الشؤم. الفأل: قال ابن الأثير: "الفأل: مهموز فيما يسر ويسوء والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء وربما استعملت فيما يسر. ومعنى التفاؤل مثل أن يكون رجل مريض فيتفاءل بما يسمع من كلام فيسمع آخر يقول: يا سالم، أو يكون طالب ضالة فيسمع آخر يقول: يا واجد. فيقع في ظنه أنه يبرأ من مرضه ويجد ضالته" (١١). وقد خص الشرع الطيرة بما يسوء والفأل بما يسر، وفسر النبي ﷺ الفأل بالكلمة الصالحة والحسنة والطيبة (١٢). وعلى هذا يكون معنى الفأل شرعًا: هو الكلمة الحسنة فقط فإن ترتب عليه إقدام أو إحجام فهو طيرة وليس بفأل. ثانيًا: حكم الطيرة تضافرت الأحاديث على نفي الطيرة وتحريمها وبيان بطلانها وأنها من الشرك، ومن ذلك: - ١ - ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا

стр. 104

طيرة وخيرها الفأل" (١٣). قال ابن القيم تعليقًا على هذا الحديث: "وهذا يحتمل أن يكون نفيًا وأن يكون نهيًا، أي: لا تطيروا، ولكن قوله في الحديث: "ولا عدوى ولا صفر ولا هامة" (١٤) يدل على أن المراد النفى وإبطال هذه الأمور التي كانت الجاهلية تعانيها، والنفى في هذا أبلغ من النهى لأن النفى يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره والنهي إنما يدل على المنع منه" (١٥). ويمكن أن يكون النفي متضمنًا لمعنى النهى فيدل على كلا المعنيين: بطلان ذلك وعدم تأثيره، والنهي عنه والله أعلم. ٢ - قوله ﷺ في حديث عبد الله بن مسعود: "الطيرة شرك، الطيرة شرك -ثلاثًا- وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" (١٦). قال الشيخ سليمان إن عبد الله: "قوله "الطيرة شرك" صريح في تحريم

стр. 105

الطيرة وأنها من الشرك لما فيها من تعلق القلب على غير الله" (١٧). والأدلة في هذا كثيرة وشهيرة وقد ذكرت ما به يحصل المقصود، وسيأتي مزيد منها في ثنايا البحث إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 106

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض جاءت أحاديث الصحيحين في هذه المسألة بأمرين: الأمر الأول: نفي الطيرة. الأمر الثاني: إثباتُها في ثلاثة أشياء في المرأة والدابة والدار وفي رواية عند مسلم "والخادم". فأما أحاديث نفى الطيرة فقد جاءت في الصحيحين عن أبي هريرة وأنس وابن عمر وجابر ومعاوية بن الحكم ﵃. وإليك سياق هذه الأحاديث. الحديث الأول: حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا طيرة وخيرها الفأل" قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: "الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم" (١). وقد جاء عن أبي هريرة رضى الله عنه من عدة طرق قوله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة" (٢). الحديث الثاني: حديث أنس ﵁ ولفظه "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل" قالوا وما الفأل؟ قال: "كلمة طيبة" متفق عليه (٣). الحديث الثالث: حديث ابن عمر ﵁ ولفظه: "لا عدوى ولا

стр. 107

طيرة والشؤم في ثلاث: في المرأة والدار والدابة" متفق عليه (٤). الحديث الرابع: حديث جابر ﵁ ولفظه "لا عدوى ولا طيرة ولا غول" رواه مسلم (٥). الحديث الخامس: حديث معاوية بن الحكم وفيه: ومنا رجال يتطيرون. قال: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنَّهم" (٦). ووجه الاستشهاد بِهذا الحديث أنه ﷺ بيَّن فيه فساد الطيرة وأنَّها لا تأثير لها بذاتِها وأرشدهم إلى عدم الالتفات لها. قال ابن القيم تعليقًا على هذا الحديث: "فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المُتَطَيَّرِ به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لا ما رآه وسمعه، فأوضح لأمته الأمر وبين لهم فساد الطيرة .. " (٧). هذه هى أحاديث نفى الطيرة. وأما أحاديث إثباتِها أو إثبات الشؤم فقد جاءت في الصحيحين عن ابن عمر وسهل بن سعد وجابر رضى الله عنهم وهي كالتالي: الحديث الأول: حديث ابن عمر ﵄ السابق وفيه "والشؤم في ثلاث: في المرأة والدار والدابة" (٨). وفي رواية أخرى "إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدار" (٩)

стр. 108

وفي رواية لمسلم: "إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمسكن والمرأة" وفي رواية أخرى لمسلم أيضًا: "إن يكن من الشؤم شيءٌ حق ففي الفرس والمرأة والدار". الحديث الثاني: حديث سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "إن كان في شيء ففي المرأة والفرس والمسكن" (١٠). الحديث الثالث: حديث جابر رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: "إن كان في شيء ففي الربع (١١) والخادم (١٢) والفرس" (١٣). بيان وجه التعارض من خلال استعراض الأحاديث في هذه المسألة قد يُتوهم أن بينها تعارضًا، وأن بعضها ينافي البعض الآخر إذ أن الأحاديث الأولى منها تنفى الطيرة كما في قوله ﷺ : "لا طيرة". بينما نرى المجموعة الثانية من الأحاديث تثبتها كما في قوله ﷺ : "الشؤم في ثلاثة" فكيف العمل تجاه هذه الأحاديث؟

стр. 109

هل نجنح إلى الترجيح فنرجح بعضها على بعض؟ أم نسلك سبيل النسخ؟ أم نحاول الجمع والتأليف فنعمل جميع الأحاديث على وجه لا تناقض فيه ولا اختلاف؟ ! هذا ما سنبينه إن شاء الله تعالى في المطلب التالي. * * *

стр. 110

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض اختلف أهل العلم في توجيه هذه الأحاديث اختلافًا كبيرًا فتنوعت مذاهبهم بين محاول للجمع بينها، وقائل بالنسخ، وثالث قد رام الترجيح. والخلاف مداره أحاديث إثبات الشؤم، وأما أحاديث نفيه فقد اتفق أهل العلم على الأخذ بها وحملها على ظاهرها، وهو النفى والتحريم. وإليك مذاهبهم في ذلك: - أولًا: مذهب الجمع: ويمكن تقسيمه إلى مسلكين: المسلك الأول: حمل أحاديث الشؤم على ظاهرها وجعلها مخصصة لأحاديث نفى الطيرة فيكون المعنى: لا طيرة إلا في هذه الثلاث، فالطيرة منفية ومحرمة إلا في هذه الأشياء الثلاث فإنها موجودة ومباحة، وإلى هذا ذهب الإمام مالك وابن قتيبة والشوكاني عليهم رحمة الله. قال الإمام مالك تعليقًا على حديث "الشؤم في ثلاث": "هو على ظاهره، وأن الدار قد يجعل الله سكناها سببًا للضرر والهلاك وكذا اتخاذ المرأة المعينة أو الفرس أو الخادم قد يحصل الضرر عنده بقضاء الله تعالى" (١). وروى أبو داود عن مالك أنه سُئل عن الشؤم في الفرس والدار؟ قال: "كم من دار سكنها قوم [ناس] فهلكوا ثم سكنها آخرون فهلكوا فهذا
следующие страницы →