← Акыда

Акыда · id 123

أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين دراسة وترجيح

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (669 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

- وأما الثناء على تركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل. - وأما النهى عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النوع الذي لا يُحتاج إليه، بل يُفعل خوفًا من حدوث الداء أو عما لا يتعين طريقًا إلى الشفاء (١٨). وهذا المسلك قريبٌ جدًّا من سابقه إلا أن فيه زيادة تفصيل وذلك بتوجيه كل نوع من الأحاديث على حدة، والله أعلم. المسلك السادس: وهو أن الكى والرقى مكروهان مطلقًا وأنَّهما قادحان في التوكل بخلاف سائر أنواع الطب. وقد سبقت الإشارة إلى هذا القول وأدلته والرد عليه في المبحث السابق بما يغني عن إعادته. * * *

стр. 177

المطلب الثالث الترجيح لا شك أن لكل مسلك من المسالك السابقة وجهته ووجاهته وكلها مسالك مُحتملة، وبعضها متقاربة. والذي يظهر -والله تعالى أعلم بالصواب- أن الكى لا يمكن أن يُحكم عليه بحكم واحد، بل هو كما قال ابن حجر والمناوي عليهما رحمة الله بأنه "لا يترك مطلقًا ولا يستعمل مطلقًا (١) وبالتالي يمكننا القول بأن الكي يعتريه ثلاثة أحكام، فتارة يكون جائزًا بدون كراهة وتارة يكون مكروهًا، وتارة ثالثة يكون محرمًا، وإليك تفصيل ذلك: أ - فهو جائز إذا توفرت فيه الشروط التالية: ١ - إذا دعت الحاجة إليه، قال ابن عبد البر: "ما أعلم بينهم خلافًا أنهم لا يرون بأسًا بالكي عند الحاجة إليه" (٢). ٢ - وإذا لم يمكن الاستغناء عنه بغيره، بل تعيَّن كونه طريقًا للعلاج كما لو نزف الدم منه بشدة ولم يمكن إيقافه إلا بالكى وإلا مات، وقد يقال بوجوبه في هذه الحالة لأن عدم فعله فيه تعريض النفس للهلاك ولذلك كوى النبي ﷺ سعد بن معاذ عندما نزف الدم منه وخشى عليه الهلاك. ٣ - وإذا اعتقد أن الشفاء بيد الله تعالى وأن الكى مجرد سبب فقط. ب - وهو مكروه في الحالات التالية:

стр. 178

١ - إذا أمكن الاستغناء عنه بغيره، لما فيه من شدة الألم التي قد تفوق أحيانًا ألم المرض. ٢ - إذا كان قبل نزول البلاء والمرض وذلك لحفظ الصحة ودفع البلاء قبل وقوعه، وكُره في هذه الحالة لما فيه من ضعف التوكل على الله تعالى واستعجال الألم لشيء لم يقع، وإنما يُخشى وقوعه، وقد يُقال بتحريمه في هذه الحالة لما فيه من التعذيب بعذاب الله المنهى عنه. ج - وهو محرم إذا صَاحَبَه غلوٌّ في نسبة الشفاء إليه مما يترتب عليه نسيان المسبب الحقيقي -الذي هو الله تعالى- والالتفات إلى السبب المخلوق، والالتفات إلى الأسباب شرك فى التوحيد، والله أعلم. وبِهذا نكون قد أعملنا جميع الأدلة على وجه لا تناقض فيه ولا اختلاف، فعلى الحكم الأول تحمل أحاديث الجواز وعلى الحكمين الآخرين -الكراهة والتحريم- تحمل أحاديث النهي. والله أعلم. وأما ما ذهب إليه ابن عبد البر ﵀ من حمل أحاديث النهي على أفضلية ترك الكى ثقة بالله وتوكلًا عليه .. إلخ. فيُجاب عنه بأن فعل الأسباب لا ينافي اليقين والتوكل على الله تعالى بل إن التوكل على الله تعالى يعتبر أعظم الأسباب نفعًا فكيف ينافيها. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتِها قدرًا وشرعًا. وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة،

стр. 179

ويضعفه من حيث يظن معطِّلها أن تركه أقوى في التوكل، فإن تركها عجزٌ ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بدَّ مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلًا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا" (٣). * * *

стр. 180

المبحث الخامس ما جاء في الحلف بغير الله تعالى وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هدا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 181

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض جاء النهى منه ﷺ صريحًا عن الحلف بغير الله تعالى في عدة أحاديث كما جاء عنه ﷺ -أيضًا- ما ظاهره حلفه بغير الله تعالى. * أما أحاديث النهي فهي كالتالى: الحديث الأول: حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" قال عمر: فوالله ما حلفت بِها منذ سمعت النبي ﷺ ذاكرًا ولا آثرًا (١). الحديث الثاني: حديث ابن عمر رضى الله عنهما. وقد جاء من ثلاثة طرق هي كالتالي: الطريق الأول: من رواية نافع عن ابن عمر. ولفظه: أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم. فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو فليصمت" (٢). الطريق الثاني: من رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضى الله عنهما ولفظه: قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله"

стр. 182

وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: "لا تحلفوا بآبائكم" (٣). الطريق الثالث: من رواية سالم عن ابن عمر عن أبيه ﵄، وهو حديث عمر بن الخطاب السابق ذكره. الحديث الثالث: حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم" (٤). الحديث الرابع: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف منكم فقال في حلفه: باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق" (٥). * وأما الأحاديث التى ظاهرها حلف النبي ﷺ بغير الله تعالى فهي كالتالي: الحديث الأول: حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتي دنا من

стр. 183

رسول الله ﷺ فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة" فقال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: "لا إلا أن تطَّوع، وصيام شهر رمضان" فقال: هل عليَّ غيره؟ فقال: "لا إلا أن تطَّوع" وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة فقال: هل علىَّ غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطَّوع" قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله ﷺ : "أفلح وأبيه إن صدق، أو دخل الجنة وأبيه إن صدق" (٦). الحديث الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمُّك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك". وفي طريق آخر فقال -يعني رسول الله ﷺ -: "نعم وأبيك لتنبأن" (٧). الحديث الثالث: حديث أبي هريرة ﵁ -أيضًا- قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: أي الصدقة أعظم أجرًا؟ فقال: "أما وأبيك لتنبأنَّه، أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان" (٨). بيان وجه التعارض وجه التعارض في هذه الأحاديث أن في بعضها النهي عن الحلف بغير الله

стр. 184

تعالى وفي البعض الآخر ما ظاهره حلف النبي ﷺ بغير الله تعالى كما في قوله: "أفلح وأبيه إن صدق" مما قد يفهم منه جواز الحلف بغير الله تعالى. ولذلك اختلف أهل العلم في توجيه هذه النصوص كما سيأتي بيانه في المطلب التالي إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 185

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض بناءً على ما سبق من الأحاديث اختلف أهل العلم في حكم الحلف بغير الله تعالى على قولين: أ - الكراهة. ب - والتحريم (١). ومحل الخلاف في غير الصورتين التاليتين: ١ - إذا اعتقد الحالف في المحلوف به تعظيمًا مثل تعظيم الله تعالى فهذا محرم بالاتفاق بل هو كفر وردة عند جميع المذاهب. ٢ - إذا كان المحلوف به مذمومًا في الشرع، كما إذا كان مما يُعبد من دون الله تعالى كاللات والعزى وغيرهما فهذا أيضًا محرم بالاتفاق، وبعضهم أطلق الكفر على الحالف بذلك وبعضهم قيده بقصد التعظيم (٢). فهاتان الصورتان محرمتان بالإحماع، ويبقى الخلاف حينئذٍ فيما عداهما، ويمكن حصره في صورتين أيضًا هما: ١ - إذا اعتقد في المحلوف به تعظيمًا لا يصل إلى درجة تعظيم الله تعالى وكان هذا المحلوف به معظمًا في الشرع كالملائكة والأنبياء والكعبة ونحوها. ٢ - إذا اعتقد في المحلوف به تعظيمًا لا يصل إلى درجة تعظيم الله تعالى

стр. 186

وكان هذا المحلوف به ليس بمعظم ولا مذموم. ففى هاتين الصورتين وقع الخلاف بين أهل العلم على قولين: القول الأول: أن الحلف بغير الله تعالى مكروه، وهذا هو المشهور عند المالكية (٣) وقولُ جمهور الشافعية (٤) وقولٌ عند الحنفية (٥) والحنابلة (٦). واستدل هؤلاء بما يلى: ١ - الأحاديث التي ظاهرها حلف النبي ﷺ بغير الله تعالى كما في قوله ﷺ : "أفلح وأبيه إن صدق" وقوله: "أما وأبيك لتنبأن". ٢ - إقسام الله تعالى في كتابه ببعض مخلوقاته كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ (٨) إلى غير ذلك من الآيات. فكأن هؤلاء القائلين بالكراهة حملوا أحاديث النهي عن الحلف بغير الله تعالى على الكراهة والتنْزيه، وحملوا ما استدلوا به من الأدلة على بيان الجواز. القول الثاني: أن الحلف بغير الله تعالى محرم. وهذا هو المشهور عند الحنفية (٩) والحنابلة (١٠) وجزم به

стр. 187

الظاهرية (١١)، وهو قولٌ عند المالكية (١٢) والشافعية (١٣). واستدل هؤلاء بما يلى: ١ - الأحاديث التي سبق ذكرها والتى فيها النهى عن الحلف بغير الله تعالى كقوله ﷺ : "لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم" وقوله ﵊: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" وغيرها من الأحاديث. والأصل في النهي التحريم ما لم يصرفه صارف، ولا صارف هنا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية "والصحيح أنه نَهى تحريم" (١٤). وقال الصنعاني بعد ذكره لبعض الأحاديث التي سبقت: "الحديثان دليل على النهى عن الحلف بغير الله تعالى، وهو للتحريم كما هو أصله" (١٥). وتجدر الإشارة هنا إلى أن النهى عن الحلف بغير الله تعالى لا يختص بالآباء كما هو ظاهر الأحاديث السابقة، بل يتعدى إلى كل مخلوق، وإنما خُص الآباء بالذكر في الحديث لأمرين: - أ - وروده على سبب، وهو سماعه ﵊ عمر بن الخطاب ﵁ يحلف بأبيه. ب - خروجه مخرج الغالب لأنه لم يكن يقع منهم الحلف بغير الله تعالى -غالبًا- إلا بالآباء ويدل على ذلك قوله في بعض روايات حديث ابن عمر: وكانت قريش تحلف بآبائها، فقال: "لا تحلفوا بآبائكم".

стр. 188

ويدل على أن النهي عام في الآباء وغيرهم قوله ﷺ في حديث ابن عمر: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو فليصمت" وفي رواية: "من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله" (١٦). ٢ - الأحاديث التي فيها وصف الحلف بغير الله تعالى بالشرك والكفر ومن ذلك: أ - حديث ابن عمر ﷺ أنه سمع رجلًا يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا يُحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (١٧). ب - حديث قُتيلة بنت صيفى -امرأة من جهينة-: أن يهوديًّا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تُنَدِّدون وإنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقولوا: ما شاء الله ثم شئت (١٨). وقد أجاب أصحاب هذا القول عن أدلة القائلين بالكراهة بما يلي: أ - أما الأحاديث التي ظاهرها حلف النبي ﷺ بغير الله تعالى كقوله ﷺ :

стр. 189

"أفلح وأبيه إن صدق" فقد تعرض له أهل العلم بالبيان والتحقيق وأجابوا عنه بعدة أجوبة، فمنهم من حاول الجمع بينه وبين أحاديث النهي، ومنهم من ذهب إلى أنه منسوخ ومنهم من سلك سبيل الترجيح والتضعيف لروايات الحلف بغير الله تعالى وإليك تفصيل ذلك: أولًا: مذهب الجمع: ذكر القائلون بالجمع عدة مسالك يمكن الجمع بِها بين حديث "أفلح وأبيه إن صدق" وبين أحاديث النهي عن الحلف بغير الله تعالى، وكل هذه المسالك تجنح إلى تأويل حديث "أفلح وأبيه إن صدق" وحمله على غير ظاهره، وإليك بيان هذه المسالك: المسلك الأول: أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير قصد الحلف كما جرى على لسانِهم عقرى (١٩) وحلقى (٢٠) وتربت يمينك (٢١) وما أشبه ذلك. وكلغو اليمين المعفو عنه في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢٢) قالت عائشة ﵂: هو قول الرجل: لا والله وبلى والله (٢٣) ونحو ذلك.

стр. 190

والنهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف. وإلى هذا جنح البغوي (٢٤) والمازري (٢٥) واحتمله الخطابي (٢٦) والبيهقي (٢٧) والقرطبي (٢٨) وقال عنه النووي: إنه الجواب المرضى (٢٩) وقوَّاه الحافظ ابن حجر (٣٠). المسلك الثاني: أنه ﵊ أضمر فيه اسم الله كأنه قال: أفلح ورب أبيه. والنهي إنما ورد فيمن لم يضمر ذلك بل قصد تعظيم أبيه على عادة العرب (٣١). ذكره الخطابىِ (٣٢) واحتمله البيهقي (٣٣). المسلك الثالث: أنه ﷺ قال ذلك على سبيل التوكيد للكلام لا على سبيل القسم، والعرب تطلق هذا اللفظ فى كلامها على ضربين: أحدهما: على وجه التعظيم. والآخر: على سبيل تأكيد الكلام وتقويته دون القسم. والنهى إنما وقع عنه إذا كان على سبيل التعظيم. ومن أمثلة ما وقع فِى كلامهم على سبيل التأكيد دون التعظيم قول الشاعر:

стр. 191

لعمر أبي الواشين إني أُحبها ... . . . . . . . . . . . . وقول الآخر: فإن ليلى استودعتني أمانةً ... فلا وأبي أعدائها لا أُذيعها. فلا يُظن أن قائل ذلك قصد تعظيم والد أعدائها، كما لم يقصد الآخر تعظيم والد من وشى به، فدل على أن القصد بذلك تأكيد الكلام لا التعظيم (٣٤). وهذا المسلك قد احتمله الخطابي (٣٥) والبيهقى (٣٦). المسلك الرابع: " أن ذلك خاص بالشارع دون غيره من أمته" (٣٧). المسلك الخامس: أن قوله "وأبيه" تصحيف من بعض الرواة، وأن الأصل هكذا: "والله" فقُصرت اللامان، حكى هذا المسلك السهيلى عن بعض مشايخه (٣٨). المسلك السادس: أن قوله "أفلح وأبيه" للتعجب، ويدل عليه أنه لم يرد بلفظ "أبي" وإنما ورد بلفظ "وأبيه" أو "وأبيك" بالإضافة إلى ضمير المخاطب حاضرًا أو غائبًا. ذكر هذا المسلك الحافظ ابن حجر ونسبه للسهيلى (٣٩).

стр. 192

هذه ستة مسالك قيلت في توجيه حديث "أفلح وأبيه إن صدق" حتي لا يتعارض مع أحاديث النهي عن الحلف بغير الله تعالى، وجميع هذه المسالك تقال أيضًا في حديث "وأبيك لتنبأن" سواءً بسواء باستثناء المسلك الخامس لأن هذا الحديث لا يحتمله. ثانيًا: مذهب النسخ: ذهب جمع من أهل العلم إلى أن ما ورد عن النبي ﷺ مما ظاهره الحلف بغير الله تعالى منسوخ وأنه قبل النهى، وممن رجح هذا الطحاوي (٤٠) وقاله الماوردي، وقال السبكى: أكثر الشراح عليه (٤١). وقوَّاه الحافظ ابن حجر (٤٢)، ونصره الشيخ سليمان بن عبد الله (٤٣) واحتمله الخطابي (٤٤) والبيهقي (٤٥) والقرطبي (٤٦). وقال ابن عبد البر: "وهذه لفظة إن صحت فهى منسوخة" (٤٧) وقال ابن قدامة: "ثم لو ثبت -يعني حديث أفلح وأبيه- فالظاهر أن النهى بعده" (٤٨). واستدل هؤلاء بما يلي: ١ - حديث قتيلة بنت صيفي: أن يهوديًّا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تندّدون وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة،

стр. 193

فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقولوا: ما شاء الله ثم شئت (٤٩). قال الطحاوي: "فكان في هذا الحديث ذكر سبب النهى من رسول الله ﷺ عن الحلف بغير الله تعالى. وكان في ذلك ما قد دل على أن المتأخر .. هو النهى عن الحلف بغير الله لا الإباحة" (٥٠). ٢ - قول عمر ﵁ -وهو يروي الحديث بعد موت النبي ﷺ -: "فوالله ما حلفت بِها منذ سمعت النبي ﷺ ذاكرًا ولا آثرًا" مما يدل على أن آخر الأمرين منه ﷺ النهي لا الإباحة (٥١). ٣ - أن من عادة العرب الحلف بالآباء كما جاء في رواية ابن عمر رضى الله عنهما: "وكانت قريش تحلف بآبائها" فالأصل عندهم هو الحلف بالآباء. وقد جاء قوله ﷺ : "أفلح وأبيه" وقوله: "وأبيك لتنبأن" مبقيًا لهذا الأصل، وجاء نَهيه ﷺ ناقلًا عن هذا الأصل وعند أهل العلم: الناقل عن الأصل مقدم على المبقى عليه، لأن الناقل فيه إثبات حكم جديد، ففيه زيادة ليست موجودة في الخبر المبقى، وغاية ما يفيده الخبر المبقي التأكيد والتقرير، بينما الخبر الناقل يفيد التأسيس، والتأسيس أولى من التأكيد (٥٢) والله أعلم. ثالثًا: مذهب الترجيح: وهو ترجيح أحاديث النهى وتضعيف روايات الحلف بغير الله تعالى وإلى

стр. 194

هذا ذهب ابن عبد البر رحمه الله تعالى فقال عن رواية "أفلح وأبيه إن صدق": "هذه لفظة غير محفوظة في هذا الحديث في حديث من يحتج به. وقد روى هذا الحديث مالك وغيره عن أبي سهيل لم يقولوا ذلك فيه. وقد رُوي عن إسماعيل ابن جعفر هذا الحديث وفيه: "أفلح والله إن صدق أو دخل الجنة والله إن صدق". وهذا أولى من رواية من روى: "وأبيه" لأنَّها لفظة منكرة تردها الآثار الصحاح. وبالله التوفيق" (٥٣). ويمكن توضيح هذا القول بما يلي: ١ - أما حديث "أفلح وأبيه إن صدق" فإن إسناده يتفرع إلى فرعين بعد أبي سهيل عن أبيه عن طلحة ﵁: - الأول: برواية مالك عن أبي سهيل، وقد رواه عن الإمام مالك عشرة من الرواة كلهم بلفظ "أفلح إن صدق" أي بدون الحلف بغير الله تعالى، وهؤلاء الرواة هم: ١ - قتيبة بن سعد. ٢ - إسماعيل بن عبد الله. ٣ - عبد الله بن سلمة. ٤ - عبد الرحمن بن القاسم. ٥ - عبد الله بن نافع. ٦ - الإمام الشافعى. ٧ - مطرف بن عبد الله. ٨ - عبد الرحمن بن مهدي.

стр. 195

٩ - أحمد بن أبي بكر الزهري. ١٠ - معن بن عيسى. والفرع الثاني: برواية إسماعيل بن جعفر عن أبى سهيل، وإسماعيل بن جعفر مرةً يرويه بلفظ "أفلح إن صدق" -كما عند البخاري (٥٤) - أي بدون الحلف بغير الله تعالى كما رواه مالك. والمرة الأخرى يرويه بلفظ "أفلح وأبيه إن صدق" كما عند مسلم. وأما رواية مالك فقد أخرجها البخاري ومسلم بلفظ "أفلح إن صدق" (٥٥) ولم يخرجاها بغير هذا اللفظ، ولها شاهد من حديث أنس رضى الله عنه عند مسلم (٥٦). وبهذا يتبين أن لفظ الحلف بغير الله تعالى يدور على إسماعيل بن جعفر فلعل الوهم منه لا سيما وأن مالكًا يرويه عن عمه أبي سهل. ٢ - وأما حديث أبي هريرة ﵁ في بر الوالدين وفيه "نعم وأبيك لتنبأن" فقد جاء بلفظين: الأول: بدون الحلف بغير الله تعالى. والثاني: بلفظ الحلف بغير الله تعالى. أما الأول: فقد رواه عن أبي هريرة أبو زرعة. ورواه عن أبي زرعة ثلاثة من الرواة هم: عمارة بن القعقاع وعبد الله ابن شبرمة ويحيى بن أيوب. ورواه عن عمارة ثلاثة هم: جرير بن عبد الحميد وفضيل بن غزوان

стр. 196

وسفيان بن عيينة. ورواه عن عبد الله بن شبرمة اثنان هما: محمد بن طلحة ووهيب بن خالد. ورواه عن يحيى بن أيوب: عبد الله بن المبارك. وأما اللفظ الثاني: وهو لفظ الحلف بغير الله تعالى، فقد جاء من طريق شريك بن عبد الله عن عمارة بن القعقاع وابن شبرمة عن أبي زرعة عن أبي هريرة ﵁. فالحديث بِهذا اللفظ "وأبيك لتنبأن" يدور على شريك بن عبد الله، وقد رواه شريك أيضًا بلفظ "والله لتنبأن" أي: بدون الحلف بغير الله كما عند ابن ماجه وأحمد والبغوي. فشريك في إحدى روايتيه قد خالف ستة من الثقات وهم: سفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك ووهيب بن خالد ومحمد بن طلحة وجرير بن عبد الحميد وفضيل بن غزوان! فأي الروايتين تقبل: رواية هؤلاء الستة الذين فيهم ابن المبارك وابن عيينة أم إحدى روايتي شريك بن عبد الله الذي قال فيه ابن معين: "شريك: صدوق ثقة إلا أنه إذا خالف فغيره أحب إلينا منه" (٥٧)؟ ! . وقال الحافظ ابن حجر فيه: "صدوق يخطئ كثيرًا (٥٨)! ٣ - وأما حديث أبي هريرة ﵁ في الصدقة وفيه: "أما وأبيك لتنبأنَّه" فقد رواه عنه أبو زرعة.

стр. 197

ورواه عن أبي زرعة: عمارة بن القعقاع. ورواه عن عمارة بن القعقاع خمسة من الرواة هم: عبد الواحد وجرير وسفيان بن عيينة وشريك بن عبد الله ومحمد بن فضيل. أما عبد الواحد وجرير وسفيان بن عيينة وشريك في إحدى روايتيه فقد رووه بدون الحلف مطلقًا، وفي الرواية الأخرى لشريك رواه بالحلف بالله تعالى. وأما محمد بن فضيل فقد رواه بلفظين: أحدهما: موافق للأربعة السابقين أي: بدون الحلف مطلقًا. والآخر: بلفظ الحلف بغير الله تعالى. فالحاصل أن رواية الحلف بغير الله تعالى تدور على محمد بن فضيل. وعليه فمن نقبل: رواية سفيان وعبد الواحد وجرير وشريك ومحمد بن فضيل في إحدى روايتيه والذين رووه بدون الحلف مطلقًا. أما إحدى روايتي محمد بن فضيل والتي فيها الحلف بغير الله تعالى (٥٩)؟ ! هذه إجابات أهل العلم عن الدليل الأول الذي استدل به القائلون بالكراهة وهو: حلف النبي ﷺ بغير الله تعالى. ب) وأما ما استدل به القائلون بالكراهة من قسم الله تعالى ببعض مخلوقاته فعنه جوابان: الأول: أن في الكلام حذفًا وإضمارًا أي أن المُقسم به مقدر فقوله: ﴿وَالضُّحَى﴾ (٦٠) أي: ورب الضحى وهكذا .. ويدل على ذلك أنه صرح

стр. 198

بِهذا المضمر فى مواضع أخرى من كتابه كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ (٦١). وقوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (٦٢)، (٦٣). والثاني: أن ذلك يختص بالله ﵎ فلا يقاس المخلوق بالخالق، لأن الخالق له أن يقسم بما شاء من خلقه تنبيهًا لشرفه، ولما فيه من الدلالة على قدرة الرب ووحدانيته وإلهيته وعلمه وحكمته وغير ذلك من صفات كماله، وأما المخلوق فلا يُقسم إلا بالخالق تعالى. قال الشعبي: الخالق يُقسم بما شاء من خلقه والمخلوق لا يقسم إلا بالخالق. وقال مطرف بن عبد الله: إنما أقسم الله بِهذه الأشياء ليعجب بِها المخلوقين ويعرفهم قدرته لعظم شأنِها عندهم ولدلالتها على خالقها (٦٤). * * * *

стр. 199

المطلب الثالث الترجيح بعد عرض الأقوال في هذه المسألة وأدلتها يظهر جليًّا أن القول بالتحريم هو المتعيِّن لا سيَّما وقد أطلق عليه النبي ﷺ وصف الشرك والكفر. ولذلك قال القرطبي: "وظاهر النهي التحريم. ولا ينبغي أن يُختلف في تحريمه" (١). ومما يعضد القول بالتحريم -بالإضافة إلى ما سبق ذكره من الأدلة- قول ابن مسعود رضى الله عنه: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليَّ من أحلف بغيره وأنا صادق" (٢). قال شيخ الإسلام تعليقًا على قول ابن مسعود: "وذلك لأن الحلف بغير الله شرك والشرك أعظم من الكذب" (٣). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: " ولا اعتبار بمن قال من المتأخرين: إن ذلك على سبيل كراهة التنْزيه، فإن هذا قول باطل، وكيف يُقال ذلك على ما أطلق عليه الرسول ﷺ أنه كفر أو شرك، بل ذلك محرم، ولهذا اختار ابن مسعود رضى الله عنه أن يحلف بالله كاذبًا ولا يحلف بغيره صادقًا، فهذا يدل على أن الحلف بغير الله أكبر من الكذب، مع أن الكذب من المحرمات في جميع

стр. 200

الملل فدلَّ ذلك: أن الحلف بغير الله من أكبر المحرمات" (٤). وقال الشوكاني: "أقل ما تقتضيه الأحاديث الكثيرة في النهي عن الحلف بغير الله والوعيد الشديد عليه أن يكون الفاعل لذلك آثمًا وقال أيضًا: "كيف تُهمل المناهى والزواجر التي وردت موردًا يقرب من التواتر بمثل هذا الحديث الذي تعرض العلماء لتأويله" (٥). بقى أن نعلم: هل المراد بالشرك والكفر الوارد في قوله ﷺ : "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" الشركُ والكفرُ المخرج من الملَّة أم المراد بذلك الشرك الأصغر؟ الذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن المراد بذلك الشرك الأصغر قال الطحاوي ﵀: "لم يُرَد به الشرك الذي يخرج من الإسلام حتي يكون به صاحبه خارجًا من الإسلام، ولكنه أُريد أنه لا ينبغي أن يحلف بغير الله تعالى، وكان من حلف بغير الله تعالى فقد جعل ما حلف به محلوفًا به كما جعل الله تعالى محلوفًا به" (٦). وقال ابن العربي: "أراد بقوله: "فقد كفر أو أشرك" شرك الأعمال وكفرها وليس المراد شرك الاعتقاد ولا كفره .. " (٧). وقال سليمان بن عبد الله: "قال الجمهور: لا يكفر كفرًا ينقله عن الملَّة ولكنه من الشرك الأصغر كما نص على ذلك ابن عباس وغيره. وأما كونه أمر من حلف باللات والعزى أن يقول: لا إله إلا الله، فلأن هذا كفارة له مع

стр. 201

استغفاره. كما قال في الحديث الصحيح: "من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله"، وفي رواية "فليستغفر" فهذا كفارة له في كونه تعاطى صورة تعظيم الصنم حيث حلف به، لا أنه لتجديد إسلامه، ولو قدِّر ذلك فهو تجديدٌ لإسلامه لنقصه بذلك لا لكفره. لكن الذي يفعله عبَّاد القبور إذا طلبت من أحدهم اليمين بالله أعطاك ما شئت من الأيمان صادقًا أو كاذبًا. فإذا طلبت منه اليمين بالشيخ أو تربته أو حياته ونحو ذلك لم يُقدم على اليمين به إن كان كاذبًا، فهذا شرك أكبر بلا ريب لأن المحلوف به عنده أخوف وأجل وأعظم من الله" (٨). وأما ما استدل به من قال بالكراهة من قسم الله تعالى بالمخلوقات فقد سبقت الإجابة عنه. وكذلك ما استدلوا به مما ظاهره حلف النبي ﷺ بغير الله تعالى سبقت الإجابة عنه بعدة أجوبة لعلَّ أظهرها -والله تعالى أعلم- مذهب الترجيح ويليه مذهب النسخ وذلك لقوَّة أدلتهما ووضوح مأخذهما وسلامتهما من الاعتراض الصحيح المبني على الدليل، علمًا أن نتيجتهما واحدة وهي: تحريم الحلف بغير الله تعالى إما لأن ما ورد فيه من الروايات المبيحة له ضعيفة وإما لأنَّها منسوخة. مناقشة مسالك الجمع: وأما مسالك الجمع فضعيفة ويمكن الإجابة عنها بما يلي: - أما المسلك الأول: وهو: أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير قصد القسم به فقد

стр. 202

أجاب عنه الشيخ سليمان بن عبد الله بقوله: "هذا جواب فاسد بل أحاديث النهي عامة مطلقة ليس فيها تفريق بين من قصد القسم وبين من لم يقصد وغاية ما يُقال: أن من جرى ذلك على لسانه من غير قصد كل معفو عنه، أمَّا أن يكون ذلك أمرًا جائزًا للمسلم أن يعتاده فكلا، وأيضًا فهذا يحتاج إلى نقل -أن (٩) - ذلك كان يجري على ألسنتهم من غير قصد للقسم، وأن النهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف، وأنَّى يوجد ذلك؟ " (١٠). كما أن العبرة بالألفاظ الشركية بمجرد الألفاظ لا بالمقاصد. فإذا أردنا الحكم على المتلفظ هل يأثم بذلك أم لا؟ وإلى الشرك الأصغر هل يصل إلى درجة الشرك الأكبر أم لا؟ رجعنا إلى قصد المتلفظ ونيته، والله أعلم. - وأما المسلك الثاني: وهو: أنه ﵊ أضمر فيه اسم الله. والنهى إنما ورد فيمن لم يضمر ذلك، فلا يخفى ما فيه من البعد لأن معناه جواز الحلف بغير الله تعالى مع الإضمار وهذا كاف في بيان ضعفه، كما أن هذا المسلك عار من الدليل القائم على أن الرسول ﷺ أراد الإضمار وأن النهي في حق من لم يضمر اسم الله تعالى. - وأما المسلك الثالث: وهو: أنه ﷺ قال ذلك على سبيل التوكيد. والنهي إنما وقع لما كان على سبيل التعظيم فقد أجاب عنه سليمان بن عبد الله بقوله: "وهذا أفسد من الذي قبله (١١) وكأن من قال ذلك لم يتصور ما قال، فهل يراد بالحلف إلا

стр. 203

تأكيد المحلوف عليه بذكر من يعظمه الحالف والمحلوف له؟ فتأكيد المحلوف عليه بذكر المحلوف به مستلزم لتعظيمه، وأيضًا فالأحاديث مطلقة ليس فيها تفريق، وأيضًا فهذا يحتاج إلى نقل أن ذلك جائز للتأكيد دون التعظيم وذلك معلوم" (١٢). - وأما المسلك الرابع: وهو: القول بالخصوصية فإنه يحتاج إلي دليل لأن الأصل في فعله ﷺ عدم الخصوصية إلا ما قام الدليل على أن ذلك خاص به ﷺ ولذلك قال ابن حجر ﵀: "وتُعقب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال" (١٣). - وأما المسلك الخامس: وهو: دعوى التصحيف فبعيد جدًّا كما أنه لا دليل عليه ولذلك قال القرطبي: "وهذا لا يُلتفت إليه لأنه يخرمُ الثقةَ برواية الثقات الأثبات" (١٤). وعلى فرض صحة هذا المسلك فإنه جواب على حديث "أفلح وأبيه" فقط، وأما حديث "أما وأبيك لتنبأن" فإنه لا يستقيم فيه هذا المسلك لأنه لا يحتمله. - وأما المسلك السادس: وهو: أن قوله ﷺ : "أفلح وأبيه" للتعجب .. إلخ فإنه على فرض صحته لم يخرج عن كونه قسمًا بغير الله تعالى (١٥) فالإشكال لم يزل قائمًا، إلا إذا أدُّعى جواز القسم بغير الله تعالى إذا كان فيه معني التعجب؟ ! ! .

стр. 204

المبحث السادس ما جاء في بعض الألفاظ الموهمة للتشريك في الربوبية وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 205

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض جاء في الصحيحين النهي منه ﷺ عن خمسة ألفاظ هى: - إطلاق لفظ (الرب) و (المولى) على السيد. - وقول السيد لمملوكه (عبدي) و (أمتي). - الجمع بين الله تعالى ورسوله ﷺ في ضمير واحد. وجاء في الصحيحين أيضًا ما ظاهره جواز إطلاق هذه الألفاظ، حيث وردت على لسان رسول الله ﷺ ، وإليك بيان ذلك: * أولًا: ما ورد في النهي عن هذه الألفاظ: - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك اسق ربك. وليقل: سيدي مولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي أمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي" (١). وفي رواية لمسلم: "ولا يقولنَّ أحدكم عبدي فكلكم عبيد الله، ولكن ليقل: فتاي ولا يقل العبد: ربي، ولكن ليقل: سيدي". وفي رواية لمسلم أيضًا: "لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي". وفي رواية أخرى لمسلم أيضًا: "ولا يقل العبد لسيده مولاي فإن مولاكم الله ".

стр. 206

- عن عدي بن حاتم رضى الله عنه: أن رجلًا خطب عند النبي ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله ﷺ : " بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله" (٢). * ثانيًا: الأحاديث التي يُفهم منها جواز إطلاق هذه الألفاظ: جاء إطلاق هذه الألفاظ -سواءً ما كان منها يُطلق على السيد أو ما كان منها يطلق على المملوك أو ما كان فيه الجمع بين الله تعالى ورسوله ﷺ في ضمير واحد- على لسان رسول الله ﷺ في عدة أحاديث، بل إن بعضها جاء في كتاب الله تعالى، وإليك بيان ذلك: أ - فمِن ورود لفظ الرب في كتاب الله تعالى قول يوسف ﵇: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (٣) أي عند سيدك. - ومن وروده على لسان رسول الله ﷺ : ١ - ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ في أشراط الساعة، وفيه قوله ﷺ : "إذا ولدت الأمة ربَّها" وفي رواية "ربتها" (٤). ٢ - ما جاء في حديث زيد بن خالد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال عندما سُئل عن ضالة الإبل "مالك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء

стр. 207

وتأكل الشجر حتي يلقاها ربُّها" (٥). ب - ومن ورود لفظ (المولى) ما سبق من قوله ﷺ : "وليقل سيدي ومولاي". ج - ومن ورود لفظ (العبد) و (الأمة) في كتاب الله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٦). - ومن ورودهما في السنة قوله ﷺ كما في حديث ابن عمر ﵄: "العبد إذا نصح سيّده، وأحسن عبادة ربه كان له أجره مرتين" (٧). - وقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: "إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها .. " (٨). د - ومن ورود اللفظ الجامع بين الله ورسوله ﷺ في ضمير واحد قوله ﷺ -كما في حديث أنس بن مالك ﵁: "ثلاث من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" (٩).

стр. 208

بيان وجه التعارض تضمنت الأحاديث السابقة النهي عن خمسة ألفاظ، وهي: - إطلاق لفظ "الرب" و "المولى" على السيد. - قول السيد لمملوكه: "عبدي"، "أمتي". - الجمع بين الله تعالى ورسوله ﷺ في ضمير واحد. وهذا النهي يُشكل عليه ورود هذه الألفاظ على لسان رسول الله ﷺ وبعضها في كتاب الله تعالى -كما تقدم- مما قد يُفهم منه جواز إطلاق هذه الألفاظ! ولذلك اختلف أهل العلم في الإجابة عن هذا الإشكال كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 209

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض أولًا: ما يتعلق بلفظة "رَبّ ": اختلف أهل العلم في حكم إطلاق هذا اللفظ -رب- على السيد على ثلاثة أقوال لا تخرج كلها عن مذهب الجمع. وإليك هذه الأقوال: القول الأول: أن إطلاق هذا اللفظ على السيد محرم. وإليه ذهب ابن بطال وابن مفلح عليهما رحمة الله. قال ابن بطال: "لا يجوز أن يقال لأحد غير الله "رب" كما لا يجوز أن يقال له إله" (١). وقال ابن مفلح: ""وظاهر النهي التحريم .. " (٢). القول الثاني: أن إطلاق هذا اللفظ على السيد مكروه كراهة تنْزيه وليس بمحرم وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم. بل نقل الحافظ ابن حجر اتفاق العلماء على أن النهي الوارد في الحديث إنما هو للتنْزيه. حتي أهل الظاهر. ولم يستثن من هذا الاتفاق إلا ابن بطال في لفظة: "رب" (٣). وممن صرح بالكراهة من أهل العلم القاضى عياض والقرطبي والنووي عليهم رحمة الله. قال القاضي عياض: "وليس النهي للتحريم وإنما هو للأدب" (٤).

стр. 210

وقال القرطبي عن النهي الوارد في الحديث: "هذا كله من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى، لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم، فكان محل النهي في هذا الباب ألا تُتخذ هذه الأسماء عادة فيُترك الأولى والأحسن" (٥). وقال النووي: "يكره أن يقول المملوك لمالكه ربي" (٦). والقول بالكراهة هو ظاهر صنيع البخاري في صحيحه حيث بوَّب لحديث "لا يقل أحدكم أطعم ربك" بقوله: "باب كراهة التطاول على الرقيق .. " (٧) ثم ذكر شيئًا من أدلة الجواز التي سبق ذكرها. فأصحاب هذا القول جعلوا النهي الوارد في الحديث للتنزيه وما ورد من ذلك -في الآيات والأحاديث- لبيان الجواز. القول الثالث: التفصيل وهو ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ حيث حمل النهي على: إطلاق لفظ "الرب" بلا إضافة، وأما مع الإضافة فيجوز إطلاقه، قال ﵀: "الذي يختص بالله تعالى إطلاق الرب بلا إضافة، أما مع الإضافة فيجوز إطلاقه كما في قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ .. " (٨). أجوبة أهل العلم عن أدلة الجواز: لمَّا كانت الروايات في النهي واضحة وصريحة أخذ بِها أهل العلم -كما سبق- فمنهم من حمل النهي على التحريم، ومنهم من حمله على الكراهة ومنهم من فصَّل في ذلك. وأما أدلة الجواز -التي تقدم ذكرها- فقد أجاب عنها أهل العلم بأجوبة

стр. 211

خاصة عن كل دليل بعينه، وأجوبة عامة تطَّرد في جميع الأدلة، وإليك بيان ذلك: - أ - ذكر الأجوبة الخاصة عن كل دليل بعينه: - أما الآية وهي: * قوله تعالى عن يوسف ﵇: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾: فعنها جوابان: أحدهما: أن هذا جائز في شرع يوسف ﵇، منهى عنه في شرعنا. وإلى هذا ذهب ابن العربي وشيخ الإسلام ابن تيمية واستظهره سليمان ابن عبدالله (٩). قال ابن العربي: "يحتمل أن يكون ذلك جائزًا في شرع يوسف ﵇" (١٠). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا ريب أن يوسف ﵇ سمّي السيد ربًّا في قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ و ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ ونحو ذلك، وهذا كان جائزًا في شرعه، كما جاز في شرعه أن يسجد له أبواه وإخوته، وكما جاز في شرعه أن يؤخذ السارق عبدًا .. " (١١). والجواب الثاني: أن يوسف ﵇ "خاطبه على المتعارف عندهم وعلى ما كانوا يسمونَهم به، ومثله قول موسى ﵇ للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ أي الذي اتخذته إلهًا" (١٢).

стр. 212

وإلى هذا ذهب الطحاوي (١٣) وابن الأثير. * وأما قوله ﷺ في أشراط الساعة: "حتى تلد الأمة ربتها": فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن الحديث ورد بالتأنيث، فيحمل النهي على أنه موجه للذكر فلا يقال ذلك له لما فيه من إيهام المشاركة لله تعالى، أما الأنثى فإن إيهام المشاركة فيها معدوم. وثانيها: أن يقال إن إطلاق لفظ "الرب" على الذكر محرم للنهي الوارد في الحديث -"لا يقل أحدكم أطعم ربك "- وأما الأنثى فيكره لورود الحديث بذلك - "أن تلد الأمة ربتها". وثالثها: ما استظهره الشيخ سليمان بن عبد الله وهو أن يقال: إن هذا الحديث ليس فيه إلا وصفها بذلك لا دعاؤها به وتسميتها به، وفرق بين الدعاء والتسمية وبين الوصف، كما تقول: زيد فاضل وتصفه بذلك ولا تسميه به ولا تدعوه به (١٤). * وأما قوله ﷺ في ضالة الإبل: "حتى يلقاها ربُّها". فيجاب عنه: بأن ما لا تعبد عليه من سائر الحيوان والجماد يجوز إطلاق هذا الاسم عليه عند الإضافة كقولك: رب الدار ورب الدابة ورب الثوب ونحوها (١٥)

стр. 213

ب - ذكر الأجوبة العامة التي تطَّرد في الأدلة السابقة كلها (١٦): الجواب الأول: أن النهي للتنْزيه وما ورد من ذلك فلبيان الجواز (١٧)، وهذا ما تمسك به من قال بالكراهة. الجواب الثاني: ما ذهب إليه القاضي عياض والقرطبي عليهما رحمة الله من أن محل النهي هو ألا تتخذ هذه الأسماء عادة فيترك الأولى والأحسن، وليس المراد النهي عن ذكرها في الجملة أو في نادر الأحوال (١٨). الجواب الثالث: ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من التفريق بين إطلاق هذا اللفظ -رب- مع الإضافة وبين إطلاقه مجردًا من الإضافة، فالأول جائز والثاني محرم. الجواب الرابع: هو جعل النهي خاصًّا بغير النبي ﷺ (١٩). ثانيًا: ما يتعلق بلفظة "مولاي ": سلك فيها أهل العلم مذهبين: أحدهما: مذهب الجمع: وإليه ذهب سليمان بن عبد الله فحمل النهي على الكراهة أو على خلاف الأولي، وما ورد فيه من الإباحة فلبيان الجواز (٢٠). ثانيهما: مذهب الترجيح: وهو الأخذ برواية الجواز وأما رواية النهي -"ولا يقل أحدكم مولاي"- فقد رجح القاضى عياض والنووي والقرطبي حذفها وقال الأخير: "إنما صرنا إلى الترجيح للتعارض بين الحديثين، فإن

стр. 214

الأول يقتضي إباحة قول العبد: مولاي، والثاني يقتضي منعه من ذلك، والجمع متعذر والعلم بالتاريخ مفقود فلم يبق إلا الترجيح" (٢١). ومما أيدوا به ترجيحهم: أن المولى كثير التصرف، فقد ذكر النووي وابن الأثير أنه يقع على ستة عشر معني منها: الناصر والمالك والسيد والمنعم والمعتق وابن العم والحليف وغير ذلك (٢٢). قال ابن حجر: "المولى يطلق على أوجه متعددة منها الأسفل والأعلى، فكان إطلاقه أسهل وأقرب إلى عدم الكراهة" (٢٣). ثالثًا: ما يتعلق بلفظ (العبد) و (الأمة): سلك أهل العلم فيهما مسلك الجمع فذهبوا إلى أن النهي متوجه إلى السيد فيكره له أن يقول: عبدي وأمتي لأنه مظنة الاستطالة والتعاظم. وأما استعمال هذه الألفاظ من الغير للتعريف والإخبار والوصف فجائز كقولك: هذا عبد زيد وهذه أمة خالد. قال بِهذا الطحاوي (٢٤) والخطابي (٢٥) واستظهره النووي (٢٦) واستحسنه سليمان بن عبدالله (٢٧). قال الخطابي: "والمعني في ذلك كله راجع إلى البراءة من الكبر والتزام

стр. 215

الخشوع وهذا الذي يليق بسمة العبد وبصفات المربوبين ولا يحسن بعبد أن يقول: فلان عبدي وإن كان قد ملك قيادَه في الاستخدام له .. " (٢٨). رابعًا: ما يتعلق بالجمع بين الله تعالي وسوله ﷺ في ضمير واحد: سلك أهل العلم في هذه المسألة مذهبين: أحدهما: مذهب الجمع. والآخر: مذهب الترجيح، وإليك بيان ذلك: أولًا: مذهب الجمع: وإليه ذهب أكثر أهل العلم، واختلفوا فيه على عدة أقوال كما يلي: القول الأول: أن تثنية الضمير في قوله ﷺ : "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنَّها وحدها لا غية إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله مثلًا ولا يحب رسوله ﷺ لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٢٩) فأوقع محبته ﵊ مكتنفة بين قطري محبة العباد لله ومحبة الله تعالى للعباد. وأما أمر الخطيب بالإفراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، وإلى هذا ذهب البيضاوي (٣٠) والطيبي وقال: "هذا كلام حسن متين" (٣١).
следующие страницы →