← Акыда

Акыда · id 123

أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين دراسة وترجيح

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (669 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

خاصة عن كل دليل بعينه، وأجوبة عامة تطَّرد في جميع الأدلة، وإليك بيان ذلك: - أ - ذكر الأجوبة الخاصة عن كل دليل بعينه: - أما الآية وهي: * قوله تعالى عن يوسف ﵇: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾: فعنها جوابان: أحدهما: أن هذا جائز في شرع يوسف ﵇، منهى عنه في شرعنا. وإلى هذا ذهب ابن العربي وشيخ الإسلام ابن تيمية واستظهره سليمان ابن عبدالله (٩). قال ابن العربي: "يحتمل أن يكون ذلك جائزًا في شرع يوسف ﵇" (١٠). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا ريب أن يوسف ﵇ سمّي السيد ربًّا في قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ و ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ ونحو ذلك، وهذا كان جائزًا في شرعه، كما جاز في شرعه أن يسجد له أبواه وإخوته، وكما جاز في شرعه أن يؤخذ السارق عبدًا .. " (١١). والجواب الثاني: أن يوسف ﵇ "خاطبه على المتعارف عندهم وعلى ما كانوا يسمونَهم به، ومثله قول موسى ﵇ للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ أي الذي اتخذته إلهًا" (١٢).

стр. 212

وإلى هذا ذهب الطحاوي (١٣) وابن الأثير. * وأما قوله ﷺ في أشراط الساعة: "حتى تلد الأمة ربتها": فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن الحديث ورد بالتأنيث، فيحمل النهي على أنه موجه للذكر فلا يقال ذلك له لما فيه من إيهام المشاركة لله تعالى، أما الأنثى فإن إيهام المشاركة فيها معدوم. وثانيها: أن يقال إن إطلاق لفظ "الرب" على الذكر محرم للنهي الوارد في الحديث -"لا يقل أحدكم أطعم ربك "- وأما الأنثى فيكره لورود الحديث بذلك - "أن تلد الأمة ربتها". وثالثها: ما استظهره الشيخ سليمان بن عبد الله وهو أن يقال: إن هذا الحديث ليس فيه إلا وصفها بذلك لا دعاؤها به وتسميتها به، وفرق بين الدعاء والتسمية وبين الوصف، كما تقول: زيد فاضل وتصفه بذلك ولا تسميه به ولا تدعوه به (١٤). * وأما قوله ﷺ في ضالة الإبل: "حتى يلقاها ربُّها". فيجاب عنه: بأن ما لا تعبد عليه من سائر الحيوان والجماد يجوز إطلاق هذا الاسم عليه عند الإضافة كقولك: رب الدار ورب الدابة ورب الثوب ونحوها (١٥)

стр. 213

ب - ذكر الأجوبة العامة التي تطَّرد في الأدلة السابقة كلها (١٦): الجواب الأول: أن النهي للتنْزيه وما ورد من ذلك فلبيان الجواز (١٧)، وهذا ما تمسك به من قال بالكراهة. الجواب الثاني: ما ذهب إليه القاضي عياض والقرطبي عليهما رحمة الله من أن محل النهي هو ألا تتخذ هذه الأسماء عادة فيترك الأولى والأحسن، وليس المراد النهي عن ذكرها في الجملة أو في نادر الأحوال (١٨). الجواب الثالث: ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من التفريق بين إطلاق هذا اللفظ -رب- مع الإضافة وبين إطلاقه مجردًا من الإضافة، فالأول جائز والثاني محرم. الجواب الرابع: هو جعل النهي خاصًّا بغير النبي ﷺ (١٩). ثانيًا: ما يتعلق بلفظة "مولاي ": سلك فيها أهل العلم مذهبين: أحدهما: مذهب الجمع: وإليه ذهب سليمان بن عبد الله فحمل النهي على الكراهة أو على خلاف الأولي، وما ورد فيه من الإباحة فلبيان الجواز (٢٠). ثانيهما: مذهب الترجيح: وهو الأخذ برواية الجواز وأما رواية النهي -"ولا يقل أحدكم مولاي"- فقد رجح القاضى عياض والنووي والقرطبي حذفها وقال الأخير: "إنما صرنا إلى الترجيح للتعارض بين الحديثين، فإن

стр. 214

الأول يقتضي إباحة قول العبد: مولاي، والثاني يقتضي منعه من ذلك، والجمع متعذر والعلم بالتاريخ مفقود فلم يبق إلا الترجيح" (٢١). ومما أيدوا به ترجيحهم: أن المولى كثير التصرف، فقد ذكر النووي وابن الأثير أنه يقع على ستة عشر معني منها: الناصر والمالك والسيد والمنعم والمعتق وابن العم والحليف وغير ذلك (٢٢). قال ابن حجر: "المولى يطلق على أوجه متعددة منها الأسفل والأعلى، فكان إطلاقه أسهل وأقرب إلى عدم الكراهة" (٢٣). ثالثًا: ما يتعلق بلفظ (العبد) و (الأمة): سلك أهل العلم فيهما مسلك الجمع فذهبوا إلى أن النهي متوجه إلى السيد فيكره له أن يقول: عبدي وأمتي لأنه مظنة الاستطالة والتعاظم. وأما استعمال هذه الألفاظ من الغير للتعريف والإخبار والوصف فجائز كقولك: هذا عبد زيد وهذه أمة خالد. قال بِهذا الطحاوي (٢٤) والخطابي (٢٥) واستظهره النووي (٢٦) واستحسنه سليمان بن عبدالله (٢٧). قال الخطابي: "والمعني في ذلك كله راجع إلى البراءة من الكبر والتزام

стр. 215

الخشوع وهذا الذي يليق بسمة العبد وبصفات المربوبين ولا يحسن بعبد أن يقول: فلان عبدي وإن كان قد ملك قيادَه في الاستخدام له .. " (٢٨). رابعًا: ما يتعلق بالجمع بين الله تعالي وسوله ﷺ في ضمير واحد: سلك أهل العلم في هذه المسألة مذهبين: أحدهما: مذهب الجمع. والآخر: مذهب الترجيح، وإليك بيان ذلك: أولًا: مذهب الجمع: وإليه ذهب أكثر أهل العلم، واختلفوا فيه على عدة أقوال كما يلي: القول الأول: أن تثنية الضمير في قوله ﷺ : "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنَّها وحدها لا غية إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله مثلًا ولا يحب رسوله ﷺ لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٢٩) فأوقع محبته ﵊ مكتنفة بين قطري محبة العباد لله ومحبة الله تعالى للعباد. وأما أمر الخطيب بالإفراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، وإلى هذا ذهب البيضاوي (٣٠) والطيبي وقال: "هذا كلام حسن متين" (٣١).

стр. 216

ووصفه ابن حجر بأنه: "من محاسن الأجوبة في الجمع" (٣٢). وحسنه سليمان بن عبد الله وقال عنه: "هذا جواب بليغ جدًّا" (٣٣). القول الثاني: أن سبب إنكار النبي ﷺ على الخطيب إنما هو لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيمًا لله تعالى وتأدبًا معه، وذلك بتقديم اسمه كما في قوله ﷺ : "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان" (٣٤)، وإلى هذا القول ذهب القاضي عياض (٣٥) ﵀. وقريب من هذا القول ما ذكره أبو العباس القرطبي من أنه يحتمل أن يكون هناك من يتوهَّم التسوية من جمعهما في الضمير الواحد، فمنع ذلك لأجله، وحيث عدم ذلك جاز الإطلاق (٣٦). القول الثالث: أن سبب النهي هو أن الخطب شأنُها البسط والإيضاح واجتناب الإشارات والرموز، ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا لتُفهم. وأما تثنية الضمير في حديث أنس "أحب إليه مما سواهما" فلأن الأمر هنا ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حكم، فكلَّما قلَّ لفظه كان أقرب إلى حفظه، بخلاف خطبة الوعظ فإنه ليس المراد حفظها، وإنما المراد الاتعاظ بِها. وإلى هذا القول ذهب النووي (٣٧) عليه رحمة الله. القول الرابع: حمل حديث الخطيب على الأدب والأولى، وحمل حديث

стр. 217

أنس رضى الله عنه على بيان الجواز (٣٨). القول الخامس: أن سبب إنكار النبي ﷺ على الخطيب هو أنه وقف على قوله: ""ومن يعصهما" (٣٩). القول السادس: دعوى الخصوصية فيمتنع من غير النبي ﷺ ولا يمتنع منه، لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، وإلى هذا ذهب العز ابن عبد السلام (٤٠). وفي معني هذا القول: قول بعضهم في الجواب عن حديث الخطيب: إن المتكلم لا يدخل تحت خطاب نفسه إذا وجهه لغيره، فقوله ﷺ : "بئس الخطيب أنت" منصرف لغير النبي ﷺ لفظًا ومعني (٤١). ثانيًا: مذهب الترجيح: وذلك بترجيح حديث المنع على حديث الجواز لأسباب منها: ١ - أن حديث المنع ناقل عن الأصل، وحديث الجواز مبقٍ عليه، والناقل أولى بالاعتبار من المُبقى. ٢ - أن حديث المنع قول، وحديث الجواز فعل، والقول مقدم على الفعل (٤٢). * * *

стр. 218

المطلب الثالث الترجيح أ: أما ما يتعلق بلفظة "رَبّ": فالراجح -والله أعلم- هو القول بالتحريم، سواءً كان إطلاقها مع الإضافة أو بدونِها إلا ما لا تعبد عليه من سائر الحيوان والجماد فإنه لا بأس بإطلاق هذا الاسم عليه عند الإضافة كقولك: رب الدابة ورب الدار ونحو ذلك. وكذلك ما كان على سبيل الوصف والإخبار من الغير فإنه لا بأس به كما في قوله ﷺ : "أن تلد الأمة ربتها". سبب الترجيح: ١ - أن الأصل في النهي التحريم إلا إذا صرفه صارف ولا صارف هنا وأما ما استُدل به للجواز فيمكن الإجابة عنه كما تقدم. ٢ - أن النبي ﷺ علل النهي بما يقتضي التحريم فقال: "ولا يقولنَّ المملوك ربِّي وربَّتي وليقل المالك فتاي وفتاتي وليقل المملوك سيدي وسيدتي فإنكم المملكون والرب الله تعالى" (١). قال الخطابي في سبب النهي: "لأن الإنسان مربوب متعبَّد بإخلاص التوحيد لله وترك الإشراك معه، فكره له المضاهاة بالاسم لئلا يدخل

стр. 219

في معني الشرك، والحر والعبد في هذا بمنْزلة واحدة" (٢). ٣ - أن الأدلة التي استُدل بِها للجواز يمكن الإجابة عنها كما تقدم، وأرجح هذه الأجوبة -والله تعالى أعلم- ما يلى: - أما الآية وهى قوله تعالى عن يوسف: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ فالذي يترجح فيها هو ما ذهب إليه ابن العربي وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما من أن هذا جائز في شرع يوسف ﷺ ومنهى عنه في شرعنا. - وأما ما أجاب به الطحاوي وابن الأثير عن الآية وهو أن يوسف ﵇ خاطبهم على المتعارف عندهم وعلى ما كانوا يسمونَهم به فإنه يشكل عليه قول الله تعالى عن يوسف ﵇: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ لأن أكثر المفسرين أرجعوا الضمير في قوله ﴿رَبِّي﴾ إلى سيده وهو العزيز (٣). - وأما قوله ﷺ في أشراط الساعة "حتى تلد الأمة ربَّها" فأرجح الأجوبة فيها -والله تعالى أعلم- ما ذهب إليه سليمان بن عبد الله من التفريق بين الدعاء والتسمية وبين الوصف فالأول محرم والثاني جائز وهو الذي يُحمل عليه الحديث. - وأما الأجوبة الأخرى عن الحديث فضعيفة لأنَّها مبنية على رواية التأنيث - "ربتها" والحديث كما أنه ورد بالتأنيث فإنه قد ورد أيضًا بالتذكير "ربَّها".

стр. 220

* وأما الأجوبة العامة عن أدلة الجواز فيُجاب عنها بما يلي: - أما الجواب الأول وهو: حمل النهي على الكراهة وما ورد لبيان الجواز فيرده ما تقدم من توجيه أدلة الجواز. - وأما الجواب الثاني وهو: أن محل النهي هو أن لا تُتخذ هذه الأسماء عادة، فيحتاج إلى دليل ولا دليل لديهم وليس في الحديث ما يشير إلى ذلك. - وأما الجواب الثالث وهو: التفريق بين ما كان بدون إضافة فيحرم وما كان مع الإضافة فيجوز فلا يخفى ما فيه من الضعف لأن حديث النهي ورد بالإضافة "لا يقل أحدكم أطعم ربك". كما أنه بدون الإضافة يكاد يكون محل إجماع أنه محرم وعلى هذا فلا جديد في هذا القول قال النووي ﵀: "قال العلماء: لا يطلق الرب بالألف واللام إلا على الله تعالى خاصة" (٤). - وأما الجواب الرابع وهو: دعوى الخصوصية فيحتاج إلى دليل لأن الأصل في فعله ﷺ عدم الخصوصية إلا ما قام الدليل على أنه خاص به ﷺ والله أعلم. ب- وأما ما يتعلق بلفظة "مولاي": فإن الراجح -والله تعالى أعلم- مذهب الجمع وهو حمل النهي على الكراهة أو على خلاف الأولى وما ورد من قوله ﷺ : "وليقل: سيدي مولاي" فلبيان الجواز. - وأما ما ذهب إليه القائلون بالترجيح (٥) ودعواهم بأن الجمع متعذر

стр. 221

فمتعقب بأن الجمع ممكن -كما تقدم- والترجيح لا يصار إليه مع إمكان الجمع، ولذلك قال سليمان بن عبد الله رادًّا على مذهب الترجيح: "قلت: الجمع ممكن بحمل النهي على الكراهة أو على خلاف الأولى" (٦). وقال أبو جعفر النحاس: "لا نعلم اختلافًا بين العلماء أنه لا ينبغي لأحد أن يقول لأحد من المخلوقين مولاي" (٧). ج - وأما ما يتعلق بلفظ العبد والأمة فالراجح هو: ما تقدم بيانه من أن النهي متوجه إلى السيد لأنه مظنة الاستطالة والتعاظم، وأما استعمال هذين اللفظين من الغير للتعريف والإخبار والوصف فجائز. د- وأما ما يتعلق بمسألة الجمع بين الله تعالى وسوله ﷺ في ضمير واحد فالذي يظهر والله تعالى أعلم هو كراهة ذلك لما قد يوهم من التسوية بين الله تعالى ورسوله ﷺ ، ولعل أمر النبي ﷺ الخطيب بالعطف من هذا الباب، ومن باب -أيضًا- تعظيم الله تعالى وتوقيره والتأدب معه، ولذلك فإن النبي ﷺ في حديث عمر المشهور "إنما الأعمال بالنيات .. " قال: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله .. " ولم "يقل في الجزاء: فهجرته إليهما، وإن كان أخصر، بل أتى بالظاهر فقال: فهجرته إلى الله ورسوله، وذلك من آدابه في تعظيم اسم الله أن يُجمع مع ضمير غيره" (٨).

стр. 222

وأما حديث أنس ﵁ والذي فيه "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" فإنه محتمل لجميع الأقوال السابقة في مذهب الجمع عدا القول الخامس والسادس فإن فيهما بعدًا لا يخفى. أما الخامس وهو دعوى أن الخطيب قد وقف على قوله: "ومن يعصهما" فإن الرواية ترده لأن آخر كلامه "فقد غوى"، ولذلك قال القرطبي عن هذا القول: "هذا تأويل لم تساعده الرواية الصحيحة: أنه أتي باللفظين في مساق واحد، وأن آخر كلامه إنما هو: "فقد غوى"، ثم إن النبي ﷺ ردَّ عليه وعلَّمه صواب ما أخل به، فقال: "قل: ومن يعص، الله ورسوله فقد غوى" فظهر أن ذمَّه له إنما كان على الجمع بين الاسمين في الضمير" (٩). وأما القول السادس: وهو دعوى الخصوصية فيحتاج إلى دليل وليس ثمة دليل يدل عليها. - وأما مذهب الترجيح فإنه لا يُلجأ إليه إلا عند تعذر الجمع، والجمع هنا غير متعذر كما تقدم. الخلاصة: ١ - أنه يحرم إطلاق لفظ الرب على السيد بدون إضافة وأما مع الإضافة فيجوز في حالتين ويحرم فيما عداهما، وهاتان الحالتان هما: أ - إذا كانت الإضافة إلى ما لا تعبد عليه من سائر الحيوان والجماد. ب - إذا كان إطلاقها على سبيل الوصف والإخبار من الغير. ٢ - أنه يكره أن يقول العبد لسيده: مولاي.

стр. 223

٣ - أنه يكره أن يقول السيد لعبده وأمته: عبدي وأمتي، وأما استعمال هذه الألفاظ من الغير للتعريف والإخبار والوصف فجائز. ٤ - أنه يكره أن يجمع الإنسان بين الله تعالى ورسوله ﷺ في ضمير واحد، لما قد يوهم من التسوية بين الله تعالى ورسوله ﷺ ، والله تعالى أعلم. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: "هذه الألفاظ المنهي عنها وإن كانت تطلق لغة فالنبي ﷺ نَهى عنها تحقيقًا للتوحيد وسدًّا لذرائع الشرك لما فيها من التشريك في اللفظ، لأن الله تعالى هو رب العباد جميعهم، فإذا أُطلق على غيره شاركه في الاسم فيُنهى عنه لذلك، وإن لم يقصد بذلك التشريك في الربوبية التي هي وصف الله تعالى، وإنما المعني أن هذا مالك له فيُطلق عليه هذا اللفظ بِهذا الاعتبار فالنهي عنه حسمًا لمادة التشريك بين الخالق والمخلوق، وتحقيقًا للتوحيد؛ وبعدًا عن الشرك حتي في اللفظ وهذا من أحسن مقاصد الشريعة، لما فيه من تعظيم الرب تعالى وبعده عن مشابَهة المخلوقين، فأرشدهم ﷺ إلى ما يقوم مقام هذه الألفاظ، وهذا من باب حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد" (١٠). * * *

стр. 224

المبحث السابع في قوله ﷺ : "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب " وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 225

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض * أولًا: ما جاء في إياس الشيطان من أن يعبد في جزيرة العرب: - عن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم" (١). * ثانيًا: ما جاء في وقوع الشرك والكفر وعبادة غير الله تعالى: - عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة (٢) " (٣). - وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى" (٤). بيان وجه التعارض في الحديث الأول ما ظاهره أن الشيطان قد أيس من وقوع الشرك والكفر وعبادة غير الله تعالى من الأصنام والأوثان وغيرهما. وفي المقابل نجد أن النبي ﷺ يخبر -كما في الحديثين الأخيرين- بوقوع الشرك والكفر وعبادة الأصنام والأوثان.

стр. 226

وأيضًا فإن الواقع يؤيد ذلك فنحن نرى تعدد القبور والأضرحة التي تزار ويُطاف عليها وتعبد من دون الله تعالى .. والله المستعان. فإذا كان الأمر كذلك فما هو المخرج من هذا التعارض الظاهري؟ هذا ما سوف يتضح في المطالب التالية. تنبيه: المراد بعبادة الشيطان في حديث جابر: عبادة الصنم وغيره بدليل قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ وإنما جعل عبادة الصنم عبادة الشيطان لأنه الآمر به والداعي إليه (٥). قال الشيخ عبد الله أبا بطين: "ومن أطاع الشيطان في نوع من أنواع الكفر فقد عبده، لا تختص عبادة الشيطان بنوع الشرك لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٦) أي: لا تطيعوه فعبادته طاعته" (٧). * * *

стр. 227

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض لم يتجاوز أهل العلم في هذه المسألة مذهب الجمع، وكلامهم يدور على حديث جابر ﵁: "إن الشيطان قد أيس .. ". وأما الأحاديث التى فيها إخبار المصطفى ﷺ بوقوع الشرك وعبادة الأوثان والأصنام، فإن أهل العلم لم يختلفوا في وقوع ما دلت عليه. ولذلك بوب الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد بابًا بعنوان: "ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبدون الأوثان" قال الشيخ سليمان بن عبد الله في شرح هذه الترجمة: "أراد المصنف بِهذه الترجمة الرد على عبّاد القبور الذين يفعلون الشرك ويقولون: إنه لا يقع في هذه الأمة المحمدية وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فبيَّن في هذا الباب من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ما يدل على تنوع الشرك في هذه الأمة، ورجوع كثير منها إلى عبادة الأوثان وإن كانت طائفة منها لا تزال على الحق، ولا يضرهم من خذلهم حتي يأتي أمر الله ﵎" (١). وقال الشيخ عبد الله أبا بطين عن حديث: "إن الشيطان قد أيس .. ": "لا دلالة في الحديث على استحالة وقوع الشرك في جزيرة العرب، ويوضح ذلك: أن أكثر العرب ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ ، فكثير منهم رجعوا إلى الكفر وعبادة الأوثان، وكثير منهم صدقوا من ادعى النبوة كمسيلمة وغيره" (٢).

стр. 228

وقد اختلف أهل العلم- في الجواب على حديث جابر: "إن الشيطان قد أيس" على عدة أقوال وهي كالتالي: القول الأول: أن المراد أن الشيطان قد أيس أن يجتمعوا كلهم على الكفر، وإلى هذا ذهب ابن رجب وعبد الله أبا بطين وغيرهما (٣). القول الثاني: أن النبي ﷺ أخبر عمَّا وقع في نفس الشيطان من اليأس عندما رأى الفتوح ودخول الناس في دين الله أفواجًا، ولكن لا يلزم من هذا عدم وقوع الشرك وعبادة سوى الله تعالى، لأن الأمر يقع على خلاف ما ظنه الشيطان، كما دلت على ذلك الأحاديث الأخرى التي فيها إخبار النبي ﷺ بوقوع الشرك. قالوا: ويدل على هذا القول أن النبي ﷺ نسب الإياس في الحديث إلى الشيطان مبنيًّا للفاعل، فلم يقل: أُيس بالبناء للمفعول، بمعني أن الله أيسه، فالإياس الصائر من الشيطان لا يلزم تحقيقه واستمراره، ذكر هذا الجواب الشيخ عبد الله أبا بطين (٤)، وإليه ذهب الشيخ محمد العثيمين (٥). القول الثالث: أن المراد أن الشيطان لا يطمع أن يعبده المؤمنون في جزيرة العرب، وهم المصدقون بما جاء به الرسول ﷺ من عند ربه المذعنون له، الممتثلون لأوامره، إذ أن من كان على هذه الصفة فهو على بصيرة ونور من ربه، فلا يطمع الشيطان أن يعبده، ذكر هذا الجواب الألوسى (٦).

стр. 229

القول الرابع: ذكره الألوسى أيضًا فقال: "يحتمل أن يراد بالمصلين أناس معلومون، بناءً على أن تكون (أل) للعهد، وأن يراد بِهم الكاملون فيها .. وهم خير القرون، يؤيد ذلك قول النبي ﷺ في آخر الحديث "ولكن في التحريش بينهم" .. يقول الطيبى: لعل المصطفى ﷺ أخبر بما يكون بعده من التحريش الواقع بين صحبه رضوان الله عليهم أجمعين، أي: أيس أن يعبد فيها، ولكن يطمع في التحريش (٧) " (٨). القول الخامس: ما ذهب إليه أبو العباس القرطبي من أن المعني: "أن المسلمين في جزيرة العرب ما أقاموا الصلاة فيها وأظهروها، لم يظهر فيها طائفة يرتدون عن الإسلام إلى عبادة الطواغيت والأوثان، فإذا تركوا الصلاة وذهب عنهم اسم المصلين فإذ ذلك يكونون شرار الخلق وهذا إنما يتم إذا قبض الله المؤمنين بالريح الباردة .. وحينئذٍ تضطرب أليات دوس حول ذي الخلصة وتُعبد اللات والعزى" (٩). القول السادس: أنّ معني الحديث: أنّ الشيطان قد أيس أن يعبد هو نفسه كما هو ظاهر الحديث، لا أنّه أيس من أن يعبد غيره من المخلوقات كالأنبياء والملائكة والصالحين والأحجار والأشجار، ولم يزعم أحد أن الشيطان قد عبد هو نفسه كفاحًا مباشرة، وإنما أُطيع في عبادة بعض المخلوقات وأضيفت العبادة إليه لأنه هو الآمر بِها الداعي إليها (١٠). * * *

стр. 230

المطلب الثالث الترجيح في الحقيقة أن جميع الأقوال السابقة محتملة وأقواها القول الثاني ثمّ الأوّل، وأضعفها القول الخامس والسادس. أمّا القول الخامس فلأن فيه أن عبادة الأصنام والأوثان لا تكون إلا في آخر الزمان عند قبض الله تعالى المؤمنين بالريح الباردة، وهذا يرده الواقع، إذ أن عبادة غير الله تعالى من الأصنام والأوثان وُجدت بعد وفاته ﷺ ولا تزال موجودة حتي الآن والله المستعان. "ولا يمكن أن يدعى أنه لن يعبد غير الله في بلاد العرب في وقت من الأوقات، فإن هذا باطل بالإجماع والضرورة والنصوص المتواترة، وقد كان في بلاد العرب يهود ونصارى وهم يعبدون غير الله حينما قال الرسول ﷺ هذا الحديث" (١). وأما القول السادس فيشكل عليه أمران: أحدهما: "أنه لم يعهد أنّ العرب المشركين في جاهليتهم كانوا يعبدون الشيطان نفسه، وإنما عهد أنهم أطاعوه في عبادة الأصنام والأوثان التي عبدوها في الجاهلية، وفي دولة الشرك والضلال، والحديث يجب أن يوجه معناه نفيًا وإثباتًا إلى ما عهد وعلم، لا إلى ما لم يعهد وما لم يعلم، فيجب أن يقال: إنّ هذه العبادة التي أيس الشيطان منها هى العبادة التي كان أهل الجاهلية

стр. 231

يقدمونَها إليه وهى طاعته في عبادة غيره من المخلوقات ناطقها وصامتها" (٢). وقد أجيب عن هذا الإشكال -أو الاعتراض- بأنه لا مانع من أنّ الشيطان كان يسعى جهده لإيقاع المشركين عبدة الأصنام والأوثان في عبادته نفسه، وأنه كان يأمل أن يعبدوه حقيقة مباشرة كما كانوا يعبدون الأحجار والأشجار والإنسان والحيوان وغير ذلك من أصناف المعبودات، وأنه كان عظيم الرجاء في أن يصل إلى هذه الغاية الشيطانية العظيمة، فلما انتشر الإسلام واتسعت رقعته وعلا شأنه وارتفع، انقطع على الشيطان رجاءه هذا، وأفسد عليه أمنيته هذه ورأى أنّه قد ظنّ باطلًا، ورجا ما لن يكون أبدًا، فانقلب ذلك الرجاء يأسًا، والأمل قنوطًا، والسعي خيبة، فأعلن يأسه وباح بإفلاسه، ونادى بويله وثبوره، فأعلن رسول الله ﷺ هذه الحقيقة وقال: "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب" (٣). فإن توجه هذا الجواب كان الإشكال الثاني قائمًا وهو: الأمر الثاني الذي يشكل على هذا القول: أنّ الحديث قد ورد برواية لا يستقيم معها هذا القول وهى: (إن إبليس يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب ولكنه سيرضى بدون ذلك منكم .. ) (٤). * * *

стр. 232

الفصل الثاني ما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات وفيه أربعة مباحث: * المبحث الأول: ما جاء في قوله ﷺ "كلتا يديه يمين" * المبحث الثاني: ما جاء في صفة الرحمة لله * المبحث الثالث: ما جاء في علو الله تعالى وفوقيته مع ورود نصوص المعية والقرب * المبحث الرابع: ما جاء في رؤية النبي ﷺ لربه * * *

стр. 233

المبحث الأول ما جاء في قوله ﷺ : "كلتا يديه يمين " وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 234

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض جاءت الأحاديث في هذه المسألة بأمرين: أحدهما: وصف كلتا يدي الله تعالى باليمين، كما جاء ذلك في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" (١). وثانيهما: وصف إحدى يدي الله تعالى بالشمال، كما جاء ذلك في حديث عبد الله ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " (٢). بيان وجه التعارض وجه التعارض بين هذين الحديثين هو أنَّ أحدهما ينص على أن كلتا يدي الله تعالى يمين. والآخر فيه وصف إحدى يدي الله تعالى بالشمال. * * *

стр. 235

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض (*) قبل ذكر مذاهب أهل العلم في هذه المسألة لا بدَّ من بيان أن أهل السنة والجماعة مجمعون على أن لله تعالى يدين وأن إحدى يديه توصف باليمين كما دلت على ذلك النصوص الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (١). وأما السنة فالأحاديث فيها كثيرة أذكر منها على سبيل المثال ما يلي: ١ - حديث أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال: "يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " (٢). ٢ - حديث أبي هريرة رضى الله عنه -أيضًا- عن النبي ﷺ قال: "إنَّ يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة .. " (٣). ويبقى الخلاف بين أهل العلم فى اليد الأخرى لله تعالى، هل توصف بالشمال أم لا؟

стр. 236

فذهب بعضهم إلى وصف اليد الأخرى بالشمال، وذهب الآخرون إلى المنع من ذلك، فالفريق الأول سلك مذهب الجمع، والفريق الثاني سلك مذهب الترجيح، وإليك بيان ذلك: أولًا: مذهب الجمع: سلك هذا المذهب من أثبت الشمال واليسار ليد الله تعالى، فأخذوا بالأحاديث التي فيها وصف يد الله تعالى بالشمال، وحملوا قوله ﷺ : "كلتا يديه يمين"، على أنه قاله على جهة التأدب، وذلك أنه لما كانت اليسار في حقِّنا أنقص من اليمين وأقل رتبةً منها بيَّن النبي ﷺ أنَّ كلتا يدي الله تعالى يمين مباركة، ليس فيها نقص ولا عيب بوجه من الوجوه، فليست الشمال بالنسبة له كالشمال بالنسبة لنا. وإلى هذا ذهب الإمام عثمان بن سعيد الدارمى وأبو يعلى الفراء ومحمد ابن عبد الوهاب وصديق حسن خان (٤)، وإليك أقوالهم وأدلتهم: قال الإمام الدارمى: "ولكن تأويله: "وكلتا يديه يمين" أي: منَزه عن النقص والضعف كما في أيدينا الشمال من النقص وعدم البطش، فقال: "كلتا يديه يمين" إجلالًا وتعظيمًا أن يوصف بالشمال، وكذلك لو لم يجز إطلاق الشمال واليسار لما أطلق رسول الله ﷺ ، ولو لم يجز أن يُقال: كلتا يدي الرحمن يمين لم يقله رسول الله ﷺ " (٥).

стр. 237

وقال أبو يعلى الفراء بعد أن ذكر حديث أيى الدرداء (٦) رضى الله عنه: "واعلم أن هذا الخبر يفيد جواز إطلاق القبضة عليه واليمين واليسار والمسح، وذلك غير ممتنع" (٧). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في آخر باب من كتاب التوحيد في المسألة السادسة: "التصريح بتسميتها الشمال" (٨) يعني ما جاء في حديث ابن عمر ﵄ وقد تقدم ذكره. وقال صديق حسن خان: "ومن صفاته سبحانه: اليد، واليمين، والكف، والإصبع، والشمال .. " (٩). أدلة هذا القول: استدل أصحاب هذا القول بما يلى: ١ - حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، وفيه: "ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول .. " (١٠) رواه مسلم. ٢ - حديث أبي الدرداء رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال: "خلق الله آدم ﵇ حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذريته سوداء كأنهم الحمم فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي وقال للذي في يساره: إلى النار ولا أبالي" (١١).

стр. 238

٣ - وصف إحدى اليدين باليمين كما في الأحاديث السابقة، وهذا يقتضى أن الأخرى ليست يمينًا فتكون شمالًا، وفي بعض الأحاديث تذكر اليمين ويذكر مقابلها: "بيده الأخرى" (١٢)، وهذا يعني أن الأخرى ليست اليمين فتكون الشمال (١٣). ثانيًا: مذهب الترجيح: سلك هذا المذهب بعض أهل العلم الذين منعوا من إطلاق الشمال واليسار على يد الله تعالى وقالوا: إن كلتا يدي الله تعالى يمين لا شمال ولا يسار فيهما، وضعفوا الرواية التي ورد فيها لفظ الشمال. وممن سلك هذا المذهب ابن خزيمة والبيهقى والألباني، وإليك أقوالهم وأدلتهم: قال ابن خزيمة: "إن لخالقنا -جل وعلا- يدين كلتاهما يمينان لا يسار لخالقنا ، إذ اليسار من صفة المخلوقين (١٤)، فجل ربنا عن أن يكون له يسار" (١٥). وقال أيضًا: " .. بل الأرض جميعًا قبضة ربنا جل وعلا، بإحدى يديه يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه وهي: اليد الأخرى، وكلتا يدي ربنا

стр. 239

يمين لا شمال فيهما جل ربنا وعز عن أن يكون له يسار، إذ كون إحدى اليدين يسار إنما يكون من علامات المخلوقين (١٦)، جل ربنا وعز عن شبه خلقه" (١٧). وقال البيهقي عن رواية بشماله: "ذكر الشمال فيه تفرد به عمر بن حمزة (١٨) عن سالم وقد روى هذا الحديث نافع (١٩) وعبيد الله بن مقسم (٢٠) عن ابن عمر، لم يذكروا فيه الشمال، ورواه أبو هريرة ﵁ وغيره عن النبي ﷺ فلم يذكر فيه أحدٌ منهم الشمال. ورُوي ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذه القصة، إلا أنه ضعيف بمرة، تفرد بأحدهما جعفر بن الزبير، وبالآخر يزيد الرقاشى وهما متروكان، وكيف يصح ذلك؟ وصحيح عن النبي ﷺ أنه سمى كلتي يديه يمينًا (٢١) " (٢٢). وقال الألباني ﵀ وقد سُئل: كيف نوفق بين رواية: "بشماله" الواردة في حديث ابن عمر ﵄ في صحيح مسلم، وقوله ﷺ : "وكلتا يديه يمين"؟ قال: "لا تعارض بين الحديثين بادئ بدء فقوله ﷺ : " .. وكلتا يديه

стр. 240

يمين" تأكيد لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢٣) فهذا الوصف الذي أخبر به رسول الله ﷺ تأكيد للتنْزيه، فيد الله ليست كيد البشر: شمال ويمين، ولكن كلتا يديه يمين، وأمر آخر أن رواية: "بشماله": شاذة. ويؤكد هذا أن أبا داود رواه وقال: "بيده الأخرى" بدل "بشماله" وهو الموافق لقوله ﷺ : "وكلتا يديه يمين "والله أعلم" (٢٤). أدلة هذا القول: استدل أصحاب هذا القول لما ذهبوا إليه بما يلى: ١ - ما سبق من قوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين .. " (٢٥). ٢ - حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أول ما خلق الله تعالى القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين .. " (٢٦). ٣ - حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه قال بيده وهما مقبوضتان: خذ أيهما شئت يا آدم فقال: يمين ربي وكلتا يديه يمين مباركة .. " (٢٧).

стр. 241

المطلب الثالث الترجيح الذي يظهر -والله تعالى أعلم- عدم وصف يد الله تعالى بالشمال إذ أن إثبات شىء لله تعالى لابد أن يكون من طريق صحيح يمكن الاستناد إليه، لاسيما وقد ورد النص الصحيح الصريح بأن كلتا يديه يمين. وأما الأدلة التى استدل بِها من أثبت وصف الشمال ليد الله تعالى فإنَّها لا تنهض لأن تكون حجة في ذلك: ١ - أما حديث "يطوي الأرض بشماله .. " فلأن فيه عمر بن حمزة وهو ضعيف قال فيه الإمام أحمد: أحاديثه مناكير. وقال فيه النسائي: ضعيف. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان ممن يخطئ (١). وقال فيه ابن حجر: ضعيف (٢). ٢ - وأما حديث أبي الدرداء فقد رواه عبد الله بن الإمام أحمد مختصرًا وتمامه كما عند أحمد بنفس السند: "خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنَّهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنَّهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي" (٣).

стр. 242

وبِهذا يتضح أن الضمير في قوله: "وقال للذي في يساره .. " -في رواية عبد الله بن الإمام أحمد- يعود إلى آدم ﵇، وعليه فليس في هذا الحديث حجة لمن أثبت صفة الشمال ليد الله تعالى. ٣ - وأما قولهم: إن وصف إحدى يدي الله تعالى باليمين يدل على أن الأخرى ليست يمينًا فتكون شمالًا فقول صحيح لو لم يرد في النصوص ما يدل على أن كلتا يدي الله تعالى يمين (٤). ولكن مما ينبغى التنبيه عليه هنا -مما له علاقة بِهذه المسألة- أن صفات الله تعالى تتفاضل فبعضها أفضل من بعض، ولا يلزم من ذلك أن تكون الصفة المفضولة ناقصة أو معيبة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والنصوص والآثار في تفضيل كلام الله، بل وتفضيل بعض صفاته على بعض متعددة، وقول القائل: (صفات الله كلها فاضلة في غاية التمام والكمال ليس فيها نقص) كلام صحيح ولكن توهمه أنه إذا كان بعضها أفضل من بعض كان المفضول معيبًا منقوصًا خطأ منه، فإن النصوص تدل على أن بعض أسمائه أفضل من بعض، ولهذا يُقال: دعا الله باسمه الأعظم، وتدل على أن بعض صفاته أفضل من بعض، وبعض أفعاله أفضل من

стр. 243

بعض" (٥). وقال أيضًا: "وإذا عُلم ما دل عليه الشرع مع العقل واتفاق السلف من أن بعض القرآن أفضل من بعض، وكذلك بعض صفاته أفضل من بعض .. " (٦). وعلى هذا فلا يلزم من قوله: "كلتا يديه يمين" تساويهما في الفضل، فإن اليد اليمنى أفضل من اليد الأخرى، وإلا لما كان للمقسطين مزية في كونهم عن يمين الرحمن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفي الصحيحين عن أبي موسى رضى الله عنه عن النبى ﷺ قال: "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه، والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض" (٧)، فبين ﷺ أن الفضل بيده اليمنى، والعدل بيده الأخرى، ومعلوم أنه مع أن كلتا يديه يمين فالفضل أعلى من العدل، وهو سبحانه كلُّ رحمة منه فضل، وكلُّ نقمة منه عدل، ورحمته أفضل من نقمته، ولهذا كان المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن ولم يكونوا عن يده الأخرى وجَعْلُهم عن يمين الرحمن تفضيل لهم، كما فضل في القرآن أهل اليمين وأهل الميمنة على أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة، وإن

стр. 244

كانوا إنما عذبَهم بعدله، وكذلك الأحاديث والآثار جاءت بأن أهل قبضة اليمين هم أهل السعادة، وأهل القبضة الأخرى هم أهل الشقاوة" (٨). * * *

стр. 245

المبحث الثاني ما جاء في صفة الرحمة لله وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 246

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض صفة الرحمة لله تعالى ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل: أما الكتاب فقد "كرر الله تعالى التمدح بالرحمة مرارًا جمة، أكثر من خمسمائة مرة من كتابه الكريم، منها باسمه الرحمن أكثر من مائة وستين مرة، وباسمه الرحيم أكثر من مائتي مرة، وجمعهما للتأكيد مائة وست عشرة مرة .. " (١). وأما السنة فالأحاديث في إثبات هذه الصفة لله تعالى لا تكاد تحصى كثرة، ومنها على سبيل المثال: ١ - حديث أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إنَّ رحمتي غلبت غضبي" (٢). ٢ - حديث أبي بكر الصديق ﵁: أنه قال لرسول الله ﷺ : علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (٣).

стр. 247

٣ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قدم على النبي ﷺ سَبْىٌ، فإذا امرأة من السبي قد تحلُبُ ثديها تسقى، إذا وجدت صبيًّا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا النبي ﷺ : "أترون هذه طارحةً ولدها في النار؟ " قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: "الله أرحم بعباده من هذه بولدها" (٤). وأما الإجماع فإنه منعقد على إثبات هذه الصفة لله تعالى، قال ابن الوزير: "وقد أجمع المسلمون على حسن إطلاق الرحمة على الله تعالى" (٥). وأما العقل: فإن ظهور آثار هذه الصفة من الإحسان إلى الخلق والإنعام عليهم، ودفع النقم عنهم شاهد برحمة تامة وسعت كل شيء (٦). ولكن مع دلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل على ثبوت صفة الرحمة لله تعالى فإن هناك أحاديث قد يفهم منها بعض الناس أن هذه الصفة لله تعالى مخلوقة، وإليك هذه الأحاديث: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة" (٧). وفي رواية: "جعل الله الرحمة في مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا، وأنزل جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الحلق، حتى

стр. 248

ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه" (٨). وفي رواية لمسلم: "إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة، بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبِها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعًا وتسعين رحمة يرحم بِها عباده يوم القيامة". ٢ - حديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله مائة رحمة فمنها رحمة بِها يتراحم الخلق بينهم، وتسعة وتسعون ليوم القيامة". وفي رواية أخرى: "إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بِهذه الرحمة" (٩). بيان وجه التعارض أهل السنة والجماعة مجمعون على ما دل عليه الكتاب والسنة من إثبات صفة الرحمة لله تعالى، ومعلوم أن صفات الله تعالى غير مخلوقة، ولكن لما كان حديث "إن الله خلق الرحمة .. " قد يوهم معنًى فاسدًا عند بعض الناس، وهو كون صفة الرحمة لله تعالى مخلوقة، وذلك بسبب قوله في أول الحديث: "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة" ثم قوله عن المتبقى من هذه المائة: "يرحم بِها عباده يوم القيامة" وجب التنبيه وإزالة ما قد يرد على الأذهان من اللبس والإيهام، أو توهم التعارض.

стр. 249

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض لم يتعد أهل العلم في هذه المسألة مذهب الجمع، فسلكوا فيها مسلكين هما: المسلك الأول: أن الرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان: أحدهما: مضاف إليه إضافة صفة إلى الموصوف بها كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١)، وقوله حكاية عن الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (٢). وهذه الرحمة صفة ذاتية لازمة لله تعالى بالنظر إلى أصلها، وهي صفة فعلية بالنظر إلى أفرادها وآحادها، لأن الله تعالى يرحم بِها من يشاء من عباده، وكل صفة تتعلق بالمشيئة فهى صفة فعلية، وكلها صفات قائمة به سبحانه. ثانيهما: مضاف إليه إضافة مفعول إلى فاعله، ومخلوق إلى خالقه، وهذه الرحمة ليست صفة لله تعالى وإنما هى أثر من آثار رحمته التي هى صفته الذاتية الفعلية، ومن أمثلة هذه الرحمة قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ (٤).

стр. 250

وقوله ﷺ حكايةً عن الله أنه قال للجنة: "أنت رحمتى أرحم بك من أشاء" (٥)، وقوله ﷺ : "إن الله خلق الرحمة .. " (٦). قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "اعلم أن الرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان: أحدهما: مضاف إليه إضافة مفعول إلى فاعله. والثاني: مضاف إليه إضافة صفة إلى الموصوف بِها. فمن الأول قوله في الحديث الصحيح: "احتجت الجنة والنار .. " فذكر الحديث وفيه "فقال للجنة: إنما أنت رحمتى أرحم بك من أشاء". فهذه رحمة مخلوقة مضافة إليه إضافة المخلوق بالرحمة إلى الخالق تعالى، وسَماها رحمة لأنَّها خلقت بالرحمة وللرحمة وخص بِها أهل الرحمة وإنَّما يدخلها الرحماء. ومنه قوله ﷺ : "خلق الله الرحمة يوم خلقها مائة رحمة .. " .. وأما قوله تعالى حكاية عن ملائكته: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ فهذه رحمة الصفة التي وسعت كل شيء" (٧). المسلك الثاني: ما ذهب إليه القرطبي من أنَّ: "خلق في قوله ﷺ : "إن الله خلق يوم
следующие страницы →