← Акыда

Акыда · id 123

أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين دراسة وترجيح

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (669 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض صفة الرحمة لله تعالى ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل: أما الكتاب فقد "كرر الله تعالى التمدح بالرحمة مرارًا جمة، أكثر من خمسمائة مرة من كتابه الكريم، منها باسمه الرحمن أكثر من مائة وستين مرة، وباسمه الرحيم أكثر من مائتي مرة، وجمعهما للتأكيد مائة وست عشرة مرة .. " (١). وأما السنة فالأحاديث في إثبات هذه الصفة لله تعالى لا تكاد تحصى كثرة، ومنها على سبيل المثال: ١ - حديث أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إنَّ رحمتي غلبت غضبي" (٢). ٢ - حديث أبي بكر الصديق ﵁: أنه قال لرسول الله ﷺ : علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (٣).

стр. 247

٣ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قدم على النبي ﷺ سَبْىٌ، فإذا امرأة من السبي قد تحلُبُ ثديها تسقى، إذا وجدت صبيًّا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا النبي ﷺ : "أترون هذه طارحةً ولدها في النار؟ " قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: "الله أرحم بعباده من هذه بولدها" (٤). وأما الإجماع فإنه منعقد على إثبات هذه الصفة لله تعالى، قال ابن الوزير: "وقد أجمع المسلمون على حسن إطلاق الرحمة على الله تعالى" (٥). وأما العقل: فإن ظهور آثار هذه الصفة من الإحسان إلى الخلق والإنعام عليهم، ودفع النقم عنهم شاهد برحمة تامة وسعت كل شيء (٦). ولكن مع دلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل على ثبوت صفة الرحمة لله تعالى فإن هناك أحاديث قد يفهم منها بعض الناس أن هذه الصفة لله تعالى مخلوقة، وإليك هذه الأحاديث: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة" (٧). وفي رواية: "جعل الله الرحمة في مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا، وأنزل جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الحلق، حتى

стр. 248

ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه" (٨). وفي رواية لمسلم: "إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة، بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبِها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعًا وتسعين رحمة يرحم بِها عباده يوم القيامة". ٢ - حديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله مائة رحمة فمنها رحمة بِها يتراحم الخلق بينهم، وتسعة وتسعون ليوم القيامة". وفي رواية أخرى: "إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بِهذه الرحمة" (٩). بيان وجه التعارض أهل السنة والجماعة مجمعون على ما دل عليه الكتاب والسنة من إثبات صفة الرحمة لله تعالى، ومعلوم أن صفات الله تعالى غير مخلوقة، ولكن لما كان حديث "إن الله خلق الرحمة .. " قد يوهم معنًى فاسدًا عند بعض الناس، وهو كون صفة الرحمة لله تعالى مخلوقة، وذلك بسبب قوله في أول الحديث: "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة" ثم قوله عن المتبقى من هذه المائة: "يرحم بِها عباده يوم القيامة" وجب التنبيه وإزالة ما قد يرد على الأذهان من اللبس والإيهام، أو توهم التعارض.

стр. 249

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض لم يتعد أهل العلم في هذه المسألة مذهب الجمع، فسلكوا فيها مسلكين هما: المسلك الأول: أن الرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان: أحدهما: مضاف إليه إضافة صفة إلى الموصوف بها كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١)، وقوله حكاية عن الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (٢). وهذه الرحمة صفة ذاتية لازمة لله تعالى بالنظر إلى أصلها، وهي صفة فعلية بالنظر إلى أفرادها وآحادها، لأن الله تعالى يرحم بِها من يشاء من عباده، وكل صفة تتعلق بالمشيئة فهى صفة فعلية، وكلها صفات قائمة به سبحانه. ثانيهما: مضاف إليه إضافة مفعول إلى فاعله، ومخلوق إلى خالقه، وهذه الرحمة ليست صفة لله تعالى وإنما هى أثر من آثار رحمته التي هى صفته الذاتية الفعلية، ومن أمثلة هذه الرحمة قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ (٤).

стр. 250

وقوله ﷺ حكايةً عن الله أنه قال للجنة: "أنت رحمتى أرحم بك من أشاء" (٥)، وقوله ﷺ : "إن الله خلق الرحمة .. " (٦). قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "اعلم أن الرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان: أحدهما: مضاف إليه إضافة مفعول إلى فاعله. والثاني: مضاف إليه إضافة صفة إلى الموصوف بِها. فمن الأول قوله في الحديث الصحيح: "احتجت الجنة والنار .. " فذكر الحديث وفيه "فقال للجنة: إنما أنت رحمتى أرحم بك من أشاء". فهذه رحمة مخلوقة مضافة إليه إضافة المخلوق بالرحمة إلى الخالق تعالى، وسَماها رحمة لأنَّها خلقت بالرحمة وللرحمة وخص بِها أهل الرحمة وإنَّما يدخلها الرحماء. ومنه قوله ﷺ : "خلق الله الرحمة يوم خلقها مائة رحمة .. " .. وأما قوله تعالى حكاية عن ملائكته: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ فهذه رحمة الصفة التي وسعت كل شيء" (٧). المسلك الثاني: ما ذهب إليه القرطبي من أنَّ: "خلق في قوله ﷺ : "إن الله خلق يوم

стр. 251

خلق السموات والأرض مئة رحمة". بمعنى قدَّر، واستشهد بقول زهير: ولأنت تفري ما خلقتَ وبعـ ... ـض القوم يخلقُ ثم لا يفري أى: يقدِّر، ويكون معناه: إن الله أظهر تقديره لتلك الرحمات (٨) * * *

стр. 252

المطلب الثالث: الترجيح الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم- هو المسلك الأول وهو التفريق بين نوعين من الرحمة المضافة إلى الله تعالى: إحداهما: المضافة إلى الله تعالى إضافة صفة إلى الموصوف بِها. والثانية: المضافة إلى الله تعالى إضافة مفعول إلى فاعله. وفي يوم القيامة يرحم الله عباده بكلا الرحمتين: الرحمة التي هى صفته تعالى، والرحمة التي هي مخلوقة له تعالى. قال المهلب: "يجوز أن يستعمل الله تلك الرحمة فيهم فيرحمهم بِها سوى رحمته التي وسعت كل شىء، وهى التي من صفة ذاته، ولم يزل موصوفًا بِها، فهى التي يرحمهم بِها زائدًا على الرحمة التي خلقها لهم" (١). وأما المسلك الثاني، والذي ذهب إليه القرطبي وهو أن: خلق بمعنى قدَّر، فإنه يُشكل عليه أن الحديث جاء أيضًا بلفظ "جعل الله الرحمة في مائة جزء" وليس من معاني جعل التقدير، بينما جاء من معانيها: الخلق (٢) كما في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (٥) أي خلقنا.

стр. 253

المبحث الثالث ما جاء في علوّ الله وفوقيته مع ورود نصوص المعية والقرب وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التى قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هدا التعارض • المطلب الثالث: شبهات والجواب عنها * * *

стр. 254

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض الأحاديث في هذه المسألة تتناول ثلاثة أشياء وهى كالتالي: الأول: علو الله تعالى: والأحاديث في إثبات هذه الصفة لله تعالى كثيرة متنوعة: أ - فمنها التصريح بلفظ العلو المطلق، كما في حديث عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: لما مرض النبي ﷺ المرض الذي مات فيه جعل يقول: "في الرفيق الأعلى" (١)، فهذا اللفظ يتناول جميع مراتب العلو ذاتًا وقدرًا وقهرًا (٢). ب - التصريح بالفوقية وأنه تعالى ليس فوقه شىء، كما في قوله ﷺ : "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء" (٣). ج - التصريح بكونه تعالى في السماء، كما في حديث أيي سعيد الخدري رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً" (٤).

стр. 255

وكما في إقراره ﷺ للجارية حين سألها بقوله: "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال: "من أنا؟ " قالت: رسول الله. قال: "أعتقها فإنَّها مؤمنة" (٥). والسماء تطلق لغة على العلو والارتفاع كما تطلق على السماء المعروفة -والتي هى سقف الأرض- فإن حملنا الحديث على المعنى الأول فالأمر ظاهر، وإن حملناه على المعنى الثاني كانت "في" بمعنى "على" وهذا جائز في اللغة، ونظيره قوله تعالى حكاية عن فرعون ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٦) أي على جذوع النخل. د - التصريح بنزوله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، كما في حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "ينْزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" (٧)، والنُّزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى أسفل. هـ - إخباره ﷺ بعروج الأشياء وصعودها وارتفاعها إلى الله تعالى، لأن العروج والصعود والارتفاع لا يكون إلا لمن كان في العلو. - فمن إخباره ﷺ بعروج الأشياء إليه: ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار

стр. 256

ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بِهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون" (٨). - ومن إخباره ﷺ بصعود الأشياء إليه، ما جاء في حديث أبي هريرة رضى الله عنه -أيضًا- قال: قال رسول الله ﷺ : "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل" (٩). - ومن إخباره ﷺ بارتفاع الأشياء إليه: ما جاء في حديث أبي موسى رضى الله عنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -وفي رواية النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (١٠). و- الإشارة الحسية إلى الله تعالى في العلو كما جاء ذلك في حديث جابر ﵁ أنه ﷺ قال في حجة الوداع: "وأنتم تُسألون عني فما أنتم قائلون" قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس "اللهم اشهد، اللهم اشهد" ثلاث مرات (١١).

стр. 257

والثاني -مما تناولته أحاديث هذه المسألة-: معيته تعالى لخلقه كما في قوله ﷺ في حديث أبي موسى الأشعري ﵁: "ارْبَعُوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم" (١٢). والثالث: قربه تعالى ودنوه من عباده: ومن أمثلة ذلك: - ما جاء في حديث أيى موسى رضى الله عنه -السابق-: "إنكم تدعون سميعًا قريبًا" وفي رواية لمسلم: "والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم". - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني. فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم، وإن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" (١٣). - وعن أبي هريرة رضى الله عنه -أيضًا - أن رسول الله ﷺ قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء" (١٤). - وعن عائشة رضى الله عنها قالت: إن رسول الله ﷺ قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بِهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء" (١٥)

стр. 258

بيان وجه التعارض لما أخبر الله تعالى أنه في العلو وأنه قريب من عباده، وأنه مع خلقه أينما كانوا: أشكل ذلك على بعض الناس فافترقوا على أربع فرق: ١) فزعمت طائفة -وهم معطلة الجهمية (١٦) - أن الله تعالى لا هو داخل العالم ولا خارج العالم ولا فوق ولا تحت .. فهم بِهذا يخالفون النصوص كلها ولا يأخذون بشيء منها، وإنما يصفون الله تعالى بالعدم المحض، ولذلك قال ابن المبارك فيهم: "الجهمية خارجون عن الثلاث والسبعين فرقة" (١٧). ٢) وزعمت طائفة أخرى -كالنجارية (١٨) وحلولية الجهمية من عبادهم وصوفيتهم- أن الله تعالى في كل مكان بذاته (١٩)، ويستدلون على ذلك

стр. 259

بنصوص المعية والقرب، ويتأولون نصوص العلو والاستواء. فهؤلاء تركوا النصوص الكثيرة المحكمة المبينة، وتعلقوا بنصوص قليلة اشتبهت عليهم معانيها. وكما قيل: متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئًا، ومتصوفة الجهمية يعبدون كل شيء، وذلك لأن الحلول أغلب على عباد الجهمية وصوفيتهم وعامتهم، والنفى والتعطيل أغلب على نظارهم ومتكلميهم. ٣) وزعمت طائفة ثالثة من أهل الكلام والتصوف: كأبي معاذ التومني (٢٠) أن الله تعالى فوق العرش وهو في كل مكان بذاته. فهؤلاء يدعون التمسك بالنصوص كلها، ولكن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من قال: إن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة" (٢١). ٤) وذهبت طائفة رابعة -وهم سلف الأمة وأئمتها- إلى الإيمان بجميع ما جاء به الكتاب والسنة من غير تحريف للكلم عن مواضعه، فأثبتوا أن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، وهم بائنون منه، وهو أيضًا مع العباد عمومًا بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وهو أيضًا قريب مجيب. وكان النبي ﷺ يقول: "اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل" (٢٢) فهو مع المسافر في سفره، ومع أهله في وطنه، ولا يلزم من هذا أن

стр. 260

تكون ذاته مختلطة بذواتِهم كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (٢٣) أي على الإيمان لا أن ذاته في ذاتِهم بل هم مصاحبون له (٢٤). وسنَزيد هذا القول تفصيلًا وبيانًا فيما يأتي إن شاء الله تعالى * * *

стр. 261

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هدا التعارض أجمع أهل السنة والجماعة على مذهب واحد فِى هذه النصوص -أعني نصوص العلو والفوقية ونصوص القرب والمعية- وهو مذهب الجمع فلا تعارض عندهم بين هذه النصوص وإنما أتى هذا الوهم من أتى بسبب قياسه الخالق بالمخلوق، وهذا أمر باطل لأن الله تعالى لا شبيه له في ذاته ولا في صفاته. فأهل السنة والجماعة يُثبتون لله تعالى العلو والفوقية، وكذلك القرب والمعية، ولا يرون في إثبات هذه الصفات مجتمعة لله تعالى أدنى تناقض فإن الله تعالى ليس كمثله شىء وهو السميع البصير. وفيما يلي الكلام على كل صفة من هذه الصفات على حدة: أولًا: صفة العلو والفوقية: دلَّ على إثبات هذه الصفة لله تعالى الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. - أما الكتاب فهو ملىء بالآيات المتنوعة الدلالة على علو الله تعالى وفوقيته حتى نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن بعض أكابر أصحاب الشافعى قوله: "في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله تعالى عالٍ على الخلق، وأنه فوق عباده" (١). وإليك نماذج من أنواع الأدلة الدالة على علو الله تعالى: الأول: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتًا وقدرًا وشرفًا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٢).

стр. 262

الثاني: التصريح بالفوقية مقرونًا بأداة "من" المعينة للفوقية بالذات كقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (٣). الثالث: التصريح بالعروج إليه نحو ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (٤). الرابع: التصريح بالصعود إليه كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٥). الخامس: التصريح بالاستواء مقرونًا بأداة "على" مُختصًّا بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٦). السادس: التصريح بتنْزيل الكتاب منه كقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٧). - وأما دلالة السنة على علو الله تعالى فقد سبقت الإشارة إلى نماذج كثيرة في ذلك، مما يغني عن إعادتِها، وقد جاءت تلك النصوص دالة على علو الله تعالى بالقول والفعل والإقرار: أما القول: فكما في قوله ﷺ : "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء". وأما الفعل: فكما في إشارته ﷺ بإصبعه السبابة إلى الله تعالى في العلو. وأما الإقرار: فكما في إقراره ﷺ للجارية حين سألها: "أين الله؟ " قالت: في السماء. - وأما دلالة الإجماع على علو الله تعالى: فقد نقل عدد كبير من أهل

стр. 263

العلم الإجماع على علو الله تعالى وإليك أقوالهم في ذلك: قال الأوزاعى: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته جل وعلا" (٨). وقال سعيد بن عامر الضبعي، وقد ذُكر عنده الجهمية قال: "هم شر قولًا من اليهود والنصارى، وقد أجمع أهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شىء" (٩). وقال إسحاق بن راهويه: "قال الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١٠) إجماع أهل السنة أنه فوق العرش استوى ويعلم كل شىء أسفل الأرض السابعة .. " (١١). وقال قتيبة بن سعيد: "هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة نعرف ربنا سبحانه بأنه في السماء السابعة على عرشه كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ " (١٢). وقال عثمان بن سعيد الدارمى: "قد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في السماء" (١٣).

стр. 264

وقال ابن بطة: "وأجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين، أن الله ﵎ على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه، وعلمه محيط بجميع خلقه" (١٤). وقال أبو عمر الطلمنكي: "أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته" وقال أيضًا: "أجمع أهل السنة على أن الله على العرش على حقيقته لا على المجاز" (١٥). وقال أبو عثمان الصابوني: "وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ﵏ لم يختلفوا في أن الله تعالى على عرشه، وعرشه فوق سماواته" (١٦). وقال ابن عبد البر معلقًا على حديث النُّزول: "فيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة" (١٧). وقال سعد بن على الزنجاني: "وقد أجمع المسلمون على أن الله هو العلى الأعلى ونطق بذلك القرآن بقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١٨)، وأن لله علو الغلبة والعلو الأعلى من سائر وجوه العلو، لأن العلو صفة مدح عند كل عاقل، فثبت بذلك أن لله علو الذات وعلو الصفات وعلو القهر والغلبة، وجماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله جل ثناؤه من جهة الفوق في الدعاء والسؤال، فاتفاقهم بأجمعهم على الإشارة إلى الله سبحانه من جهة الفوق حجة، ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة

стр. 265

الأسفل ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق" (١٩). وقال الإمام إسماعيل بن محمد التيمي: "وقد أجمع المسلمون أن الله سبحانه العلى الأعلى ونطق بذلك القرآن .. وعند المسلمين أن لله علو الغلبة، والعلو من سائر وجوه العلو لأن العلو صفة مدح فثبت أن لله تعالى علو الذات وعلو الصفات وعلو القهر والغلبة" (٢٠). وقال ابن قدامة بعد ما ساق شيئًا من أدلة العلو: "فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف ﵏ على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله ولا تشبيهه ولا تمثيله" (٢١). وقال أيضًا: "أما بعد: فإن الله تعالى وصف نفسه بالعلو فِى السماء ووصفه بذلك رسوله محمد خاتم الأنبياء، وأجمع القول على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء والأئمة من الفقهاء وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله تعالى عليه قلوب المسلمين وجعله مغروزًا في طباع الخلق أجمعين" (٢٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: "وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله ﷺ وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه عليٌّ على خلقه" (٢٣).

стр. 266

وقال الذهبي: "مقالة السلف وأئمة السنة بل والصحابة والله ورسوله والمؤمنون: أن الله في السماء، وأن الله على العرش، وأن الله فوق سماواته، وأنه ينْزل إلى السماء الدنيا، وحجتهم على ذلك النصوص والآثار" (٢٤). وأما المأثور عن سلف هذه الأمة في إثبات هذه الصفة لله تعالى، فلا يكاد يحصى كثرة، ولكن فيما ذكرته من الإجماعات غنية وكفاية. - وأما دلالة العقل على علو الله تعالى فمن وجهين: "الوجه الأول: أن العلو صفة كمال والله تعالى قد ثبت له كل صفات الكمال فوجب إثبات العلو له سبحانه. الوجه الثاني: إذا لم يكن عاليًا فإما أن يكون تحت أو مساويًا، وهذا صفة نقص، لأنه يستلزم أن تكون الأشياء فوقه أو مثله، فلزم ثبوت العلو له. - وأما الفطرة: فلا أحد ينكرها، إلا من انحرفت فطرته، فكل إنسان يقول: يا الله! يتجه قلبه إلى السماء لا ينصرف عنه يمنة ولا يسرة لأن الله تعالى في السماء" (٢٥). يُذكر أن أبا جعفر الهمذاني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني وهو يتكلم في نفي صفة العلو ويقول: "كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان! فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة تطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟ فلطم أبو المعالي على

стр. 267

رأسه ونزل وقال: "حيرني الهمذاني، حيرني الهمذاني" (٢٦) قال ابن قتيبة: "والأمم كلها -عربيها وعجميها- تقول: إن الله تعالى فى السماء ما تُركت على فطرها، ولم تُنقل عن ذلك بالتعليم" (٢٧). وقال أبو الحسن الأشعري: "ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله مستو على العريق الذي هو فوق السموات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش" (٢٨). وقال ابن عبد البر: "ومن الحجة أيضًا في أنه على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربَهم أمر ونزلت بِهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربَّهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة، من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم" (٢٩). وأخيرًا مما ينبغى التنبيه عليه أن صفة العلو لله تعالى لا يحتاج إثباتُها إلى كثير أدلة لأن إثبات هذه الصفة لله تعالى فطرة وعقيدة مغروزة في النفوس -كما تقدم- لا يجادل فيها إلا مكابر أو منحرف الفطرة ولا عبرة بِهما، ولكن لما كثر التلبيس على الناس ممن زين لهم الشيطان سوء أعمالهم احتاج أهل العلم إلى حشد النصوص الكثيرة فى هذه المسألة -من الكتاب والسنة وما أثر عن سلف هذه الأمة- فصنفوا المصنفات العديدة المفردة في إثبات هذه الصفة لله تعالى (٣٠) والله المستعان.

стр. 268

ثانيًا: صفة المعية: دل على إثبات هذه الصفة لله تعالى الكتاب والسنة: أما الكتاب: ففى مثل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٣١) وقوله : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٣٢). وأما السنة: ففى مثل قوله ﷺ : "اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبًا، وهو معكم" (٣٣). وهذه المعية لا توجب حلولًا ولا اختلاطًا، ولا تنافي علو الله تعالى، لأن معناها بإجماع أهل العلم (٣٤): العلم والإحاطة، أي: أن الله تعالى معنا بعلمه وإحاطته، وهي عند أهل السنة والجماعة على نوعين: أحدهما: معية عامة أي: مع الخلق كلهم، ومثالها ما سبق من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ومقتضى هذه المعية: العلم والإحاطة والقدرة والسلطان. ثانيهما: معية خاصة بأنبيائه وأوليائه، ومثالها قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٣٥) وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٣٦) ومقتضى هذه المعية: النصرة والإعانة والتأييد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لفظ المعية -في اللغة- وإن اقتضى المجامعة

стр. 269

والمصاحبة والمقارنة (٣٧): فهو إذا كان مع العباد لم يناف ذلك علوه على عرشه، ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه، فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان، ويخص بعضهم بالإعانة والنصر والتأييد" (٣٨)، وهذه المعاني للمعية هي قول أهل اللغة أيضًا (٣٩). ثالثًا: قرب الله تعالى من عباده: دل على إثبات هذا القرب لله تعالى الكتاب والسنة: أما الكتاب ففي مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٤٠). وأما السنة: ففى مثل قوله ﷺ : "والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم" (٤١)، وقوله ﷺ فيما يرويه عن ربه: "وإن تقرب إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا وإن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا" (٤٢). وهذا القرب الذي وصف الله تعالى به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ لا ينافي علو الله تعالى بل هو تعالى بإجماع السلف قريب في علوه عالٍ في قربه، لأنه تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

стр. 270

قال ابن القيم: "وإن عسر على فهمك اجتماع الأمرين فإنه يوضح ذلك معرفة إحاطة الرب وسعته وأنه أكبر من كل شىء وأن السموات السبع والأرضين في يده كخردلة في كف العبد، وأنه يقبض سمواته السبع بيده والأرضين باليد الأخرى ثم يهزهن، فمَن هذا شأنه كيف يعسر عليه الدنو ممن يريد الدنو منه وهو على عرشه، وهو يوجب لك فهم اسمه الظاهر والباطن وتعلم أن التفسير الذي فسر رسول الله ﷺ به هذين الاسمين هو تفسير الحق المطابق لكونه بكل شيء محيط وكونه فوق كل شىء" (٤٣). بقي أن نعلم هل قرب الله تعالى الوارد في الكتاب والسنة: - يكون بتقريب العبد إليه فكلما قرب منه العبد كان الله تعالى قريبًا منه بالضرورة كمن قرب إلى مكة فإنها تكون قريبة منه بالضرورة دون أن يلزم منها حركة. - أم أن المراد بقرب الله تعالى: قربه بعلمه وقدرته وتدبيره من جميع خلقه. - أم أن المراد بقربه تعالى: قربه بنفسه. * أما الأول: فمحل إجماع بين أهل السنة بل هو قول كل من يثبت أن الله تعالى فوق العرش حتى من غير أهل السنة، قال الإمام الدارمي: "من آمن بأن الله فوق عرشه فوق سمواته علم يقينًا أن رأس الجبل أقرب إلى الله من أسفله، وأن السماء السابعة أقرب إلى عرش الله تعالى من السادسة، والسادسة أقرب إليه من الخامسة ثم كذلك إلى الأرض. وقرب الله إلى جميع خلقه أقصاهم وأدناهم واحد لا يبعد عنه شىء من

стр. 271

خلقه، وبعض الخلق أقرب من بعض على نحو ما فسرنا من أمر السموات والأرض، وكذلك قرب الملائكة من الله، فحملة العرش أقرب إليه من جميع الملائكة الذين في السموات، والعرش أقرب إليه من السماء السابعة، وقرب الله إلى جميع ذلك واحد، هذا معقول مفهوم إلا عند من لا يؤمن أن فوق العرش إلهًا" (٤٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقربه من قلب الداعى: له معنى متفق عليه بين أهل الإثبات الذين يقولون: إن الله فوق العرش، ومعنى آخر فيه نزاع (٤٥) فالمعنى المتفق عليه عندهم: يكون بتقريبه قلب الداعي إليه، كما يقرب إليه قلب الساجد كما ثبت في الصحيح: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (٤٦)، فالساجد يقرب الرب إليه فيدنو قلبه من ربه، وإن كان بدنه فى الأرض، ومتى قرب أحد الشيئين من الآخر صار الآخر إليه قريبًا بالضرورة، وإن قدر أنه لم يصدر من الآخر تحرك بذاته، كما أن من قرب من مكة، قربت مكة منه" (٤٧). وقال أيضًا: "أهل السنة والجماعة يثبتون أن الله على العرش وأن حملة العرش أقرب إليه ممن دونَهم، وأن ملائكة السماء العليا أقرب إلى الله من ملائكة السماء الثانية، وأن النبي ﷺ لما عُرج به إلى السماء صار يزداد قربًا إلى ربه بعروجه وصعوده، وكان عروجه إلى الله لا إلى مجرد خلق من خلقه، وأن روح المصلي تقرب إلى الله في السجود وإن كان بدنه متواضعًا، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب" (٤٨). وقال أيضًا: "فقرب الرب من قلوب المؤمنين وقرب قلوبِهم منه: أمر

стр. 272

معروف لا يُجهل فإن القلوب تصعد إليه على قدر ما فيها من الإيمان والمعرفة والذكر والخشية والتوكل، وهذا متفق عليه بين الناس كلهم" (٤٩). وأما المعنى الثاني: وهو أن المراد بقرب الله تعالى: قربه بعلمه وقدرته فمحل إجماع أيضًا من أهل السنة والجماعة وغيرهم من الطوائف إلا من ينكر علمه القديم من القدرية الأولى (٥٠) وغيرهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قربه الذي هو من لوازم ذاته مثل العلم والقدرة، فلا ريب أنه قريب بعلمه وقدرته وتدبيره من جميع خلقه لم يزل بِهم عالمًا ولم يزل عليهم قادرًا. هذا مذهب جميع أهل السنة وعامة الطوائف إلا من ينكر علمه القديم من القدرية والرافضة (٥١)، ونحوهم، أو ينكر قدرته على الشيء قبل كونه من

стр. 273

الرافضة والمعتزلة (٥٢) وغيرهم" (٥٣). وأما المعنى الثالث: وهو كون المراد بقربه: قربه بنفسه ففيه قولان لأهل السنة حكاهما شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه قال بعدما ذكر أن أهل السنة والجماعة يثبتون قرب الله تعالى إلى العباد بتقريبهم إليه قال: "ثم قرب الرب من عبده هل هو من لوازم هذا القرب كما أن المتقرب إلى الشيء الساكن كالبيت المحجوج والجدار والجبل كلما قربت منه قرب منك؟ أو هو قرب آخر يفعله الرب كما أنك إذا قربت إلى الشىء المتحرك إليك تحرك أيضًا إليك، فمنك فعل ومنه فعل آخر، هذا فيه قولان لأهل السنة" (٥٤). وقال أيضًا: "وأما أهل السنة فعندهم مع التجلى (٥٥) والظهور تقرب

стр. 274

ذات العبد إلى ذات ربه، وفي جواز دنو ذات الله القولان" (٥٦). وبِهذا يتبين أن إثبات قرب الله تعالى بنفسه فيه قولان لأهل السنة: القول الأول: أن الله تعالى يقرب بنفسه وإلى هذا مال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم عليهما رحمة الله تعالى، قال شيخ الإسلام: "وأما قرب الرب قربًا يقوم به بفعله القائم بنفسه: فهذا تنفيه الكلابية (٥٧) ومن يمنع قيام الأفعال الاختيارية بذاته، وأما السلف وأئمة الحديث والسنة فلا يمنعون ذلك وكذلك كثير من أهل الكلام. فنُزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا ونزوله عشية عرفة .. ونحو ذلك: هو من هذا الباب، ولهذا حد النُّزول بأنه إلى السماء الدنيا، وكذلك تكليمه لموسى ﵇، فإنه لو أريد مجرد تقريب الحجاج وقوَّام الليل إليه لم يخص نزوله بسماء الدنيا، كما لم يخص ذلك في إجابة الداعى وقرب العابدين له، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٥٨). وقال أيضًا: "فقرب الشيء من الشىء مستلزم لقرب الآخر منه، لكن قد يكون قرب الثاني هو اللازم من قرب الأول ويكون منه أيضًا قرب بنفسه. فالأول: كمن تقرب إلى مكة أو حائط الكعبة، فكلما قرب منه قرب

стр. 275

الآخر منه من غير أن يكون منه فعل. والثاني: كقرب الإنسان إلى من يتقرب هو إليه كما تقدم في هذا الأثر الإلهي (٥٩)، فتقرب العبد إلى الله وتقريبه له نطقت به نصوص متعددة مثل قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (٦٠) ونحو ذلك، فهذا قرب الرب نفسه إلى عبيده وهو مثل نزوله إلى السماء الدنيا .. فإذا تبين ذلك: فالداعي والساجد يوجه روحه إلى الله تعالى، والروح لها عروج يناسبها، فتقربُ إلى الله بلا ريب بحسب تخلصها من الشوائب، فيكون الله منها قريبًا قربًا يلزم من تقربِها. ويكون منه قرب آخر كقربه عشية عرفة وفي جوف الليل وإلى من تقرب منه شبرًا تقرب منه ذراعًا" (٦١). ولكن مع إثبات شيخ الإسلام لقرب الله تعالى بنفسه فإنه لا يجعله المراد في جميع النصوص التي ورد فيها القرب وإنما ينظر إلى النص الوارد فيحمله على المعنى الذي دل عليه سواء كان المعنى الأول للقرب أو الثاني أو الثالث. قال رحمه الله تعالى: "ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يُراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة وينظر في النص الوارد فإن دلَّ على هذا حمل عليه وإن دل على هذا حمل عليه" (٦٢). وقال ابن القيم: "والأصل أن الله قريب من المحسنين ورحمته قريبة منهم، فيكون قد أخبر عن قرب ذاته وقرب ثوابه من المحسنين" (٦٣).

стр. 276

وقال أيضًا: "فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته قربًا ليس له نظير، وهو مع ذلك فوق سمواته على عرشه" (٦٤). القول الثاني: تفسير قرب الله تعالى الوارد في النصوص إما بالعلم وإما بتقريب عبده إليه وعدم حمله على معنى أنه يقرب بنفسه، كما أُثر ذلك عن مقاتل بن حيان أنه قال: "بلغنا -والله أعلم- في قوله : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ قبل كل شيء ﴿وَالْآخِرُ﴾ بعد كل شيء ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ فوق كل شيء ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ (٦٥) أقرب من كل شيء وإنما نعني بالقرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه" (٦٦). وقال البغوي في تفسير قوله: ﴿وَالْبَاطِنُ﴾: "العالم بكل شيء، هذا معنى قول ابن عباس" (٦٧). وقال شيخ الإسلام: "وطائفة من أهل السنة: تفسر القرب في الآية والحديث (٦٨) بالعلم لكونه هو المقصود، فإنه إذا كان يعلم ويسمع دعاء الداعى حصل مقصوده، وهذا هو الذي اقتضى أن يقول من يقول: إنه قريب من كل شيء بمعنى: العلم والقدرة، فإن هذا قد قاله بعض السلف -كما تقدم عن مقاتل بن حيان- وكثير من الخلف" (٦٩). والذي يسعى في هذا المقام هو إثبات ما جاء في الكتاب والسنة وأجمع

стр. 277

عليه سلف هذه الأمة من إثبات قرب الله تعالى قربًا يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف وأنه لا يُنافي علوه لأنه تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وأختم هذه المسألة بكلام جميل للشيخ حافظ الحكمى قال ﵀: "بل نقول آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنا برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ ولا نطلب إمامًا غير الكتاب والسنة، ولا نتخطاهما إلى غيرهما، ولا نتجاوز ما جاء فيهما فننطق بما نطقا به ونسكت عما سكتا عنه ونسير سيرهما حيث سارا ونقف معهما حيث وقفا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" (٧٠). تنبيه: إذا قلنا إن الله تعالى قريب من عبده بالإجابة أو أنه يقرب من عبده بنفسه أو أنه يقرب من عبده بتقريب عبده إليه، فمرادنا بالعبد هنا: العبد المؤمن، وعلى هذا يكون قربه تعالى بِهذا المعنى من صفاته الفعلية الاختيارية، وأما إذا فسرنا القرب بمعنى: قربه بعلمه وإحاطته وقدرته فلا شك أنه يشمل جميع العباد مؤمنهم وكافرهم، ويكون القرب على هذا المعنى صفة ذاتية لازمة له تعالى. وبالتالي فلا يصح أن نصف الله تعالى بالقرب على وجه الإطلاق إلا إذا أردنا المعنى الثاني، كما أنه لا يصح وصف الله تعالى بالمعية على وجه الإطلاق إلا إذا أريد بِها المعية العامة والله تعالى أعلم. وهل يقسم القرب إلى عام وخاص كما هو الحال في المعية أم لا؟ أما شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم فيرفضان هذا التقسيم، قال

стр. 278

شيخ الإسلام ابن تيمية: "وليس في القرآن وصف الرب تعالى بالقرب من كل شيء أصلًا، بل قربه الذي في القرآن خاص لا عام" (٧١). وقال أيضًا: "ليس في الكتاب والسنة وصفه بقرب عام من كل موجود" (٧٢). وقال ابن القيم ﵀: "ولم يجيء القرب كما جاءت المعية خاصة وعامة، فليس في القرآن ولا في السنة أن الله قريب من كل أحد وأنه قريب من الكافر والفاجر وإنما جاء خاصًّا" (٧٣). والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن القرب نوعان: أحدهما: عام يتضمن علمه بكل شىء، وقدرته على كل شىء، وعلى هذا جاء تفسير بعض السلف لقوله تعالى: ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ فقد فسروه بالقرب وفسروا القرب بالعلم والقدرة كما تقدم عن مقاتل بن حيان (٧٤). والثاني: خاص يتضمن دنوه وقربه ممن شاء من عباده وتقريبه لمن يشاء منهم (٧٥). وأما ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم عليهما رحمة الله من أنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة وصف الله تعالى بالقرب العام: فليس

стр. 279

مرادهم -والله أعلم- نفي ورود المعنى العام للقرب، وإنما مرادهم نفي أن يكون هذا المعنى العام ورد وجاء بلفظ (القرب) وأما أن يكون ورد بلفظ آخر يحمل معنى القرب كالباطن مثلًا فلا يخالفان فيه، ومما يدل على ذلك أنه قد ورد عنهما إثبات هذا المعنى العام للقرب قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قربه الذي هو من لوازم ذاته مثل العلم والقدرة فلا ريب أنه قريب بعلمه وقدرته وتدبيره من جميع خلقه، لم يزل بهم عالمًا ولم يزل عليهم قادرًا، هذا مذهب جميع أهل السنة" (٧٦). وقال ابن القيم: "فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله بعده: فالأول: قِدَمُه، والآخر: دوامه وبقاؤه، والظاهر: علوه وعظمته، والباطن: قربه ودنوَّه" (٧٧). وقال أيضًا: "بل ظهر على كل شىء فكان فوقه، وبطن فكان أقرب إلى كل شىء من نفسه وهو محيط به حيث لا يحيط الشىء بنفسه .. فهذا أقرب للإحاطة العامة. وأما القرب المذكور في القرآن والسنة فقرب خاص من عابديه وسائليه وداعيه وهو ثمرة التعبد باسمه الباطن قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٧٨) .. وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (٧٩) .. فهذا قرب خاص غير قرب الإحاطة والبطون" (٨٠).

стр. 280

وبِهذا يتضح أن شيخ الإسلام وابن القيم عليهما رحمة الله يُثبتان القرب العام، لكن ليس بدلالة النصوص التي ورد فيها لفظ القرب، كما أنه بِهذا يتبيَّن أن الخلاف في هذا التقسيم لفظي، والله تعالى أعلم * * *

стр. 281

المطلب الثالث شبهات والجواب عنها الشبهة الأولي: ١ - استدل الحلولية (١) على قولِهم بأن الله تعالى حالٌ في جميع خلقه وأنه تعالى موجود بذاته في كل مكان بقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ﴾ (٢) وبقوله : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٣) ولا شك أن هذا الاستدلال باطل، يتبين بطلانه من عدة وجوه: أحدها: أن الإجماع منعقد على أن المراد بِهذه المعية: العلم وإذا وجد الإجماع فلا عبرة بقول أيِّ أحدٍ كائنًا من كان، وقد حكى الإجماع على أن المراد بِهذه المعية العلم غير واحد من أهل العلم أذكر منهم ما يلى: ١ - إسحاق بن راهويه وقد سبق نقل كلامه (٤). ٢ - ابن أبي شيبة فإنه قال: "ففسرت العلماء قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾

стр. 282

يعني علمه" (٥). ٣ - الآجري فإنه فسر المعية في الآيات السابقة بالعلم ثم قال بعد ذلك: "وهذا قول المسلمين" (٦). ٤ - ابن بطه وقد سبق نقل كلامه (٧). ٥ - الطلمنكى فإنه قال ﵀: "وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه وأن الله فوق السموات بذاته مستوٍ على عرشه كيف شاء" (٨). ٦ - ابن عبد البر فإنه قال ﵀: "وأما احتجاجهم بقوله : ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية، لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حملت عنهم التأويل في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله" (٩). ٧ - شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه قال في العقيدة الواسطية: "وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله ﷺ وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه علىٌّ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، كما جَمع بيْن

стр. 283

ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر أينما كان .. وكل هذا الكلام الذي ذكره الله -من أنه فوق العرش وأنه معنا- حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة" (١٠). - كما أن تفسير المعية بالعلم مأثور عن عدد كبير من السلف، كابن عباس (١١) والضحاك (١٢) ومقاتل بن سليمان (١٣) وسفيان الثوري (١٤) ونعيم ابن حماد (١٥) وأحمد بن حنبل (١٦) عليهم رحمة الله. الوجه الثاني: أن سياق الآية ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى﴾ يدل على أنه أراد بالمعية العلم لأنه افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم.

стр. 284

قال الآجري: "والذي يذهب إليه أهل العلم أن الله سبحانه على عرشه فوق سمواته وعلمه محيط بكل شىء .. فإن قال قائل: فأيش معنى قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (١٧) التي بِها يحتجون؟ قيل له: علمه ، والله على عرشه وعلمه محيط بِهم وبكل شىء من خلقه، كذا فسره أهل العلم والآية يدل أولها وآخرها على أنه العلم. فإن قال قائل: كيف؟ ! قيل: قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى آخر الآية قوله: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فابتدأ الله الآية بالعلم وختمها بالعلم فعلمه محيط بجميع خلقه وهو على عرشه، وهذا قول المسلمين" (١٨). الوجه الثالث: أن "لفظ المعية ليست في لغة العرب ولا شيء من القرآن يراد بها اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى كما في قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (١٩) وقوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢٠) وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢١) وقوله: ﴿جَاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ (٢٢) ومثل هذا كثير فامتنع أن يكون قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ يدل على أن ذاته مختلطة بذوات الخلق" (٢٣).

стр. 285

قال ابن قتيبة ﵀: "ونحن نقول في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ أنه معهم بالعلم بِما هم عليه، كما تقول للرجل وجهته إلى بلد شاسع ووكلته بأمر من أمورك: احذر التقصير والإغفال لشىء مِما تقدمت فيه إليك فإني معك، تريد أنه لا يخفى عليَّ تقصيرك أو جدّك للإشراف عليك والبحث عن أمورك .. وكيف يسوغ لأحد أن يقول: إنه بكل مكان على الحلول مع قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢٤) " (٢٥). وقال ابن القيم: "ليس ظاهر اللفظ ولا حقيقته أنه سبحانه مختلط بالمخلوقات ممتزج بِها ولا تدل لفظة (مع) على هذا بوجه من الوجوه فضلًا أن يكون هو حقيقة اللفظ وموضوعه فإن (مع) في كلامهم لصحبته اللائقة وهى تختلف باختلاف متعلقاتِها ومصحوبِها، فكون نفس الإنسان معه لون، وكون علمه وقدرته وقوته معه لون، وكون زوجته معه لون، وكون أميره ورئيسه معه لون، وكون ماله معه لون، فالمعية ثابتة في هذا كله مع تنوعها واختلافها، فيصح أن قال: زوجته معه وبينهما شقة بعيدة" (٢٦). الوجه الرابع: أن لفظ (المعية) جاء في كتاب الله عامًّا وجاء خاصًّا فلو كان المراد أنه بذاته مع كل شىء: لكان التعميم يناقض التخصيص (٢٧). الشبهة الثانية: كما استدل الحلولية بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ
следующие страницы →