← Акыда

Акыда · id 123

أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين دراسة وترجيح

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (669 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المطلب الثالث شبهات والجواب عنها الشبهة الأولي: ١ - استدل الحلولية (١) على قولِهم بأن الله تعالى حالٌ في جميع خلقه وأنه تعالى موجود بذاته في كل مكان بقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ﴾ (٢) وبقوله : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٣) ولا شك أن هذا الاستدلال باطل، يتبين بطلانه من عدة وجوه: أحدها: أن الإجماع منعقد على أن المراد بِهذه المعية: العلم وإذا وجد الإجماع فلا عبرة بقول أيِّ أحدٍ كائنًا من كان، وقد حكى الإجماع على أن المراد بِهذه المعية العلم غير واحد من أهل العلم أذكر منهم ما يلى: ١ - إسحاق بن راهويه وقد سبق نقل كلامه (٤). ٢ - ابن أبي شيبة فإنه قال: "ففسرت العلماء قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾

стр. 282

يعني علمه" (٥). ٣ - الآجري فإنه فسر المعية في الآيات السابقة بالعلم ثم قال بعد ذلك: "وهذا قول المسلمين" (٦). ٤ - ابن بطه وقد سبق نقل كلامه (٧). ٥ - الطلمنكى فإنه قال ﵀: "وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه وأن الله فوق السموات بذاته مستوٍ على عرشه كيف شاء" (٨). ٦ - ابن عبد البر فإنه قال ﵀: "وأما احتجاجهم بقوله : ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية، لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حملت عنهم التأويل في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله" (٩). ٧ - شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه قال في العقيدة الواسطية: "وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله ﷺ وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه علىٌّ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، كما جَمع بيْن

стр. 283

ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر أينما كان .. وكل هذا الكلام الذي ذكره الله -من أنه فوق العرش وأنه معنا- حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة" (١٠). - كما أن تفسير المعية بالعلم مأثور عن عدد كبير من السلف، كابن عباس (١١) والضحاك (١٢) ومقاتل بن سليمان (١٣) وسفيان الثوري (١٤) ونعيم ابن حماد (١٥) وأحمد بن حنبل (١٦) عليهم رحمة الله. الوجه الثاني: أن سياق الآية ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى﴾ يدل على أنه أراد بالمعية العلم لأنه افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم.

стр. 284

قال الآجري: "والذي يذهب إليه أهل العلم أن الله سبحانه على عرشه فوق سمواته وعلمه محيط بكل شىء .. فإن قال قائل: فأيش معنى قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (١٧) التي بِها يحتجون؟ قيل له: علمه ، والله على عرشه وعلمه محيط بِهم وبكل شىء من خلقه، كذا فسره أهل العلم والآية يدل أولها وآخرها على أنه العلم. فإن قال قائل: كيف؟ ! قيل: قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى آخر الآية قوله: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فابتدأ الله الآية بالعلم وختمها بالعلم فعلمه محيط بجميع خلقه وهو على عرشه، وهذا قول المسلمين" (١٨). الوجه الثالث: أن "لفظ المعية ليست في لغة العرب ولا شيء من القرآن يراد بها اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى كما في قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (١٩) وقوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢٠) وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢١) وقوله: ﴿جَاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ (٢٢) ومثل هذا كثير فامتنع أن يكون قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ يدل على أن ذاته مختلطة بذوات الخلق" (٢٣).

стр. 285

قال ابن قتيبة ﵀: "ونحن نقول في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ أنه معهم بالعلم بِما هم عليه، كما تقول للرجل وجهته إلى بلد شاسع ووكلته بأمر من أمورك: احذر التقصير والإغفال لشىء مِما تقدمت فيه إليك فإني معك، تريد أنه لا يخفى عليَّ تقصيرك أو جدّك للإشراف عليك والبحث عن أمورك .. وكيف يسوغ لأحد أن يقول: إنه بكل مكان على الحلول مع قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢٤) " (٢٥). وقال ابن القيم: "ليس ظاهر اللفظ ولا حقيقته أنه سبحانه مختلط بالمخلوقات ممتزج بِها ولا تدل لفظة (مع) على هذا بوجه من الوجوه فضلًا أن يكون هو حقيقة اللفظ وموضوعه فإن (مع) في كلامهم لصحبته اللائقة وهى تختلف باختلاف متعلقاتِها ومصحوبِها، فكون نفس الإنسان معه لون، وكون علمه وقدرته وقوته معه لون، وكون زوجته معه لون، وكون أميره ورئيسه معه لون، وكون ماله معه لون، فالمعية ثابتة في هذا كله مع تنوعها واختلافها، فيصح أن قال: زوجته معه وبينهما شقة بعيدة" (٢٦). الوجه الرابع: أن لفظ (المعية) جاء في كتاب الله عامًّا وجاء خاصًّا فلو كان المراد أنه بذاته مع كل شىء: لكان التعميم يناقض التخصيص (٢٧). الشبهة الثانية: كما استدل الحلولية بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ

стр. 286

إِلَهٌ﴾ (٢٨) فقالوا في هذه الآية دليل على أن الله تعالى في كل مكان. ولا شك أن هذا الاستدلال باطل لأن معنى الآية بالإجماع: أنه المعبود في السماء وفي الأرض، فهي كقولك: فلان حاكم في مكة والمدينة، فإن هذا لا يعنى أنه موجود فيهما معًا، وإنما هو موجود في إحداهما، وربما يكون ليس موجودًا في كلتيهما. وهذا المعنى للآية هو الذي عليه السلف وعامة المفسرين كالطبري (٢٩) والبغوي (٣٠) وابن كثير (٣١) وغيرهم، وقد أخرج الطبري والآجري والبيهقى عن قتادة قوله في معنى هذه الآية "هو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض" (٣٢). وقال الآجري في معنى الآية: "أنه جلَّ ذكره إله من في السموات وإله من في الأرض، إله يعبد في السموات وإله يعبد في الأرض، هكذا فسره العلماء" (٣٣). وقال ابن قتيبة: "وأما قوله ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فليس في ذلك ما يدل على الحلول بِهما، وإنما أراد به: أنه إله السماء وإله من فيها، وإله الأرض وإله من فيها ومثل هذا الكلام قولك: هو بخراسان أمير وبمصر أمير، فالإمارة تجتمع له فيهما، وهو حال بإحداهما أو بغيرهما، وهذا

стр. 287

واضح لا يخفى" (٣٤). وقال ابن عبد البر: "وأما قوله في الآية الأخرى ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فالإجماع والاتفاق قد بيَّن المراد بأنه معبود من أهل الأرض فتدبر هذا فإنه قاطع إن شاء الله" (٣٥). الشبهة الثالثة: استدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ (٣٦). والجواب: أن الآية ليس معناها أن الله تعالى في كل مكان بذاته بالإجماع كما حكاه ابن كثير ﵀ فإنه قال: "اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال، بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية الأول القائلين -تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا- بأنه في كل مكان حيث حملوا الآية على ذلك فالأصح من الأقوال: أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض، أي: يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض ويسمونه الله ويدعونه رغبًا ورهبًا إلا من كفر من الجن والإنس" (٣٧)، وإلى هذا المعنى ذهب أئمة العلم كالإمام أحمد وغيره (٣٨). الشبهة الرابعة: كما استدلت الحلولية بقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٣٩)

стр. 288

وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (٤٠) فقالوا: إن معنى القرب في هاتين الآيتين قرب ذات الله تعالى فالله قريب بذاته من حبل الوريد وفي هذا دليل على أن الله تعالى في كل مكان بذاته وأنه قريب من كل شيء بذاته وأن ذات الرب في قلب كل أحد. ولا ريب أن تفسيرهم للقرب في هاتين الآيتين بقرب الذات واستدلالهم بذلك على الحلول والاتحاد في غاية الضعف بل هو باطل يتضح بطلانه من عدة وجوه: الوجه الأول: أن الإجماع منعقد على بطلان الحلول والاتحاد وأنَّهما منفيان عن الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما أن تكون ذات الرب في قلب كل أحد كافر أو مؤمن فهذا باطل، لم يقله أحد من سلف الأمة ولا نطق به كتاب ولا سنة، بل الكتاب والسنة وإجماع السلف مع العقل يناقض ذلك" (٤١). الوجه الثاني: أن الذين يقولون: إنه في كل مكان أو أنه قريب من كل شىء بذاته: لا يخصون بذلك شيئًا دون شيء ولا يمكن مسلمًا أن يقول: إن الله قريب من الميت دون أهله ولا أنه قريب من حبل الوريد دون سائر الأعضاء. وكيف يصح هذا الكلام على أصلهم وهو عندهم في جميع بدن الإنسان؟ أو قريب من جميع بدن الإنسان، أو هو في أهل الميت كما هو في الميت؟ فكيف يقول: ونحن أقرب إليه منكم إذا كان معه ومعهم على وجه واحد؟ وهل يكون أقرب إلى نفسه من نفسه؟

стр. 289

الوجه الثالث: أن سياق الآيتين: يدل على أن المراد بِهما الملائكة فإنه قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٤٢). فقيد القرب بِهذا الزمان، وهو زمان تلقى المتلقيين، قعيد عن اليمين، وقعيد عن الشمال وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان كما قال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ومعلوم أنه لو كان المراد قرب ذات الرب: لم يختص ذلك بهذه الحال ولم يكن لذكر القعيدين والرقيب والعتيد معنى مناسب، وكذلك قوله في الآية الأخرى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (٤٣) فلو أراد قرب ذاته لم يخص ذلك بِهذه الحال. الوجه الرابع: أنه قال في الآية السابقة ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ فإن هذا إنما يقال إذا كان هناك من يجوز أن يبصر في بعض الأحوال ولكن نحن لا نبصره، والرب تعالى لا يراه في هذه الحال لا الملائكة ولا البشر (٤٤). وكما لا يجوز أن يكون المراد بِهذا القرب: قرب ذات الرب جلَّ وعلا فكذلك لا يجوز أن يكون المراد بِهذا القرب: قرب الرب الخاص كما في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ فإن ذلك إنما هو قربه إلى من دعاه أو عبده، وهذا المحتضر قد يكون كافرًا أو فاجرًا أو مؤمنًا أو مقربًا ومعلوم أن المكذب أو الكافر لا يخصه الرب بقربه من دون من حوله، وقد يكون حوله مؤمنون (٤٥).

стр. 290

إذا تبين هذا وأن القرب في الآيتين السابقتين ليس المراد به قرب ذات الله تعالى وليس هو القرب الخاص فماذا يكون إذًا؟ للعلماء في ذلك قولان: أحدهما: أن المراد بالقرب في الآيتين -السابقتين- قربه إليهم بالملائكة كما تقدم. والثاني: أن المراد بالقرب هنا العلم أو العلم والقدرة، وإليه ذهب الطلمنكى (٤٦) والبغوي (٤٧) وغيرهما. وأما الأول فقد رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية -كما تقدم- وتلميذه ابن القيم واستدلا على ذلك بأدلة كثيرة (٤٨). وقال شيخ الإسلام بعد أن فسر القرب بقرب الملائكة: "وهذا هو المعروف عن المفسرين المتقدمين من السلف" (٤٩). وممن ذهب إلى هذا القول من المفسرين الطبري وابن كثير عليهما رحمة الله، قال الطبري في قوله تعالى: ﴿ .. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾: "يقول: ورسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون" (٥٠). وقال ابن كثير: "وقوله : ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ يعني: ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه، ومن

стр. 291

تأوَّله على العلم فإنَّما فر لئلا يلزم حلول أو اتِّحاد وهما منفيان بالإجماع، تعالى الله وتقدس، ولكن اللفظ لا يقتضيه فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد، وإنَّما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ كما قال في المحتضر: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ يعني ملائكته. وكما قال ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٥١) فالملائكة نزلت بالذكر وهو القرآن بإذن الله " (٥٢). وهذا القول -وهو أن المراد بالقرب هنا قرب الملائكة- هو الذي يظهر رجحانه لدلالة السياق عليه. والله تعالى أعلم.

стр. 292

المبحث الرابع ما جاء في رؤية النبي ﷺ لربه وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 293

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض أولًا: ذكر النصوص الدالة علي عدم الرؤية: عن مسروق قال: كنت متكئًا عند عائشة فقالت: "يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت ما هن؟ قالت: من زعم أن محمدًا ﷺ رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئًا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (١) ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٢) فقالت: أنا أوَّل هذه الأمة سال عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض" فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٣) أو لم تسمع أن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٤) قالت: ومن زعم أن رسول الله ﷺ كتم شيئًا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٥) قالت: ومن

стр. 294

زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٦) " (٧) وفي رواية قال مسروق: قلت لعائشة ﵂: فأين قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٨)؟ قالت: "ذاك جبريل كان يأتيه في صورة الرجل، وإنما أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسدّ الأفق" (٩). - وعن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنَّى أراه". وفي طريق آخر أنه ﷺ قال: "رأيت نورًا" (١٠). - وعن أبي إسحاق الشيباني قال: سألت زر بن حبيش عن قول الله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ قال: حدثنا ابن مسعود أنه رأى جبريل له ستمائة جناح (١١). وفي رواية لمسلم قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (١٢) قال: رأى جبريل ﵇ له ستمائة جناح.

стр. 295

وفي رواية لمسلم -أيضًا- أنه قال في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾: رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح. وفي رواية للبخاري أنه قال في الآية السابقة: رأى رفرفًا أخضر سدَّ أفق السماء (١٣) (١٤). - وعن أبي هريرة رضى الله عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (١٥): رأى جبريل (١٦). فهذه النصوص -كما ترى- جاءت عن أربعة من الصحابة رضى الله عنهم وهم: عائشة وأبو ذر وابن مسعود وأبو هريرة رضى الله عنهم كلها تفيد عدم رؤية النبي ﷺ لربه تعالى، وأن المرئي في آيات سورة النجم إنما هو جبريل ﷺ . ثانيًا: ذكر النصوص الدالة على الرؤية: لم يرد في الصحيحين ما يدل على الرؤية إلا ما أُثر عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ وَ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال: رآه بفؤاده مرتين وفي رواية قال: رآه بقلبه (١٧).

стр. 296

بيان وجه التعارض بالنظر إلى النصوص السابقة نجد أن عائشة رضى الله عنها قد نفت رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج ورفعت تفسير الآيتين إلى النبي ﷺ وأن المراد بِهما جبريل ﵇ ووافقها على هذا التفسير ابن مسعود وأبو هريرة رضى الله عنهما، ثم استدلت رضى الله عنها على نفى الرؤية بآية الأنعام وآية الشورى. وكذلك نجد في حديث أبي ذر ﵁"نور أنَّى أراه"، "رأيت نورًا"- ما يفيد نفي الرؤية. وفي المقابل نجد أن ابن عباس ﵁ قد أثبت الرؤية الفؤادية وبها فسر الآيات في سورة النجم. وبناءً على هذا فأي القولين أولى بالقبول: قول عائشة رضى الله عنها ومن وافقها، أم قول ابن عباس رضى الله عنهما ومن تبعه؟ في هذا اختلف أهل العلم كما سنبينه إن شاء الله تعالى في المطلب الثاني. تمهيد قبل الخوض في مذاهب أهل العلم تجاه نصوص الرؤية لا بد من بيان أن الأمة قد أجمعت على أنه لا يَرى الله أحدٌ في الدنيا بعينه، باستثناء ما حصل من النِّزاع في رؤية النبي ﷺ لربه تعالى وقد نقل هذا الإجماع عدد من أهل العلم كالدارمي (١٨) وشيخ الإسلام ابن تيمية (١٩) وابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية (٢٠) وغيرهم.

стр. 297

ومن مستند هذا الإجماع قوله ﷺ وهو يحذر أمته من الدجال: "تعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت" (٢١). - وأما رؤية النبي ﷺ لربه تعالى فإن الخلاف فيها قديم منذ عهد الصحابة رضى الله عنهم، وقد جاءت الروايات الصحيحة -كما تقدم وكما سيأتي- على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: إثبات الرؤية مطلقة غير مقيدة ببصر أو فؤاد. الوجه الثاني: إثبات الرؤية مقيدة بالفؤاد أو القلب. الوجه الثالث: نفي الرؤية مطلقة غير مقيدة ببصر أو فؤاد. والقسمة العقلية تقتضي وجهًا رابعًا وهو: إثبات رؤية مقيدة بالبصر، ولكن هذا الوجه لم يثبت من طريق صحيح عن أحد من الصحابة ﵃ كما نص على ذلك عدد من أهل العلم المحققين كالقاضي عياض (٢٢) وشيخ الإسلام ابن تيمية (٢٣) والذهبي (٢٤) وابن كثير (٢٥) وابن أبي العز (٢٦) عليهم رحمة الله، وأما ما ذهب إليه بعض أهل العلم من إثبات الرؤية البصرية فإنما هو فهم فهموه من الوجه الأول وهو: الروايات التي فيها إطلاق الرؤية (٢٧) والله أعلم.

стр. 298

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هدا التعارض سلك أهل العلم في نصوص رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج ثلاثة مذاهب وهى: مذهب الجمع ومذهب الترجيح والمذهب الثالث: التوقف. وإليك بيان ذلك: أولًا: مذهب الجمع: وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حجر عليهما رحمة الله، وذلك بحمل ما جاء عن عائشة ﵂ على إنكار رؤية العين. وحمل ما جاء عن ابن عباس ﵄ على إثبات رؤية الفؤاد، خاصة وأنه صرَّح بذلك في بعض الروايات كما تقدم، وأما ما ورد عنه من الروايات المطلقة -كما سيأتي- فمحمولة على الروايات المقيدة بالفؤاد. قال شيخ الإسلام: "والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة أو مقيدة بالفؤاد .. ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه" (١). وقال ابن حجر: "الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها على رؤية البصر وإثباته على رؤية القلب" (٢). ثانيًا: مذهب الترجيح: وقد سلكه فريقان من الناس: الفريق الأول: وهم الذين أثبتوا الرؤية للنبي ﷺ كعبد الله بن عباس (٣)

стр. 299

وأنس بن مالك (٤) وأبي ذر (٥) وأبي هريرة (٦) وحكى عن ابن مسعود (٧) وعروة ابن الزبير (٨) والحسن البصري (٩) وكان يحلف على أن محمدًا رأى ربه، وكعب الأحبار (١٠) وعكرمة (١١) وعبد الله بن الحارث بن نوفل (١٢) والزهري (١٣) وإبراهيم التيمى (١٤) ومعمر بن راشد (١٥) وسائر أصحاب ابن عباس (١٦) وأحمد ابن حنبل (١٧) والطبري (١٨) وابن خزيمة (١٩) وأبي الحسن الأشعري (٢٠) وأبي يعلى الفراء (٢١) والهروي (٢٢) والنووي (٢٣) وغيرهم.

стр. 300

وقبل ذكر أدلة هذا الفريق يحسن التنبيه على أن هؤلاء كلهم جاءت ألفاظهم في إثبات الرؤية مطلقة أو مقيدة بالفؤاد، بل إن بعضهم كأبي ذر وعبد الله بن الحارث بن نوفل وإبراهيم التيمى صرحوا بنفى الرؤية البصرية وإثبات الرؤية القلبية، ولم يصرح بالرؤية البصرية من هؤلاء إلا المتأخرون منهم كالطبري وابن خزيمة وأبى الحسن الأشعري وأبى يعلى الفراء والهروي والنووي (٢٤). وأما قول البغوي ﵀ في تفسيره: "وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس والحسن وعكرمة قالوا: رأى محمد ربه" (٢٥) فليس عليه مستند سوى ما ذكره عنهم أنَّهم قالوا: رأى محمد ربه، وهذا ليس صريحًا في إثبات الرؤية البصرية، ولذلك نقل ابن كثير كلام البغوي هذا وقال: "فيه نظر" (٢٦). ومثله ما نسبه القرطبي (٢٧) والنووي (٢٨) إلى ابن عباس وأبى ذر وأبي هريرة من أنَّهم يقولون بالرؤية البصرية، فإن هذا ليس عليه مستند صحيح لأن الروايات عنهم -كما سيأتي- جاءت إما مطلقة وإما مقيدة بالفؤاد، ولم يأت شيء منها مقيد بالبصر.

стр. 301

أدلة هذا الفريق: استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة عن ابن عباس وأنس وأبي هريرة وأبي ذر ﵄ وإليك سياق هذه الأدلة: * أولًا: ما ورد عن ابن عباس ﵄: جاءت عدة روايات صحيحة عن ابن عباس رضى الله عنهما في رؤية النبي ﷺ لربه، في بعضها أطلق الرؤية، وفي البعض الآخر قيدها بالفؤاد أو القلب وهي كالتالي: - عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم ﵇ والكلام لموسى والرؤية لمحمد ﷺ " (٢٩). وهذا الأثر قد صدّر به ابن خزيمة -وهو من أشد المنتصرين لإثبات الرؤية البصرية- حديثه عن هذه المسألة. - وفي رواية عن ابن عباس قال: "إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمدًا بالرؤية" (٣٠). - وفي رواية أخرى عنه رضى الله عنه قال: "رأى محمد ربه" (٣١).

стр. 302

- وفي رواية أخرى عنه أيضًا أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾: قد رأى ربه ﵎ (٣٢). - وفي رواية عند مسلم -تقدم ذكرها- أنه قال في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ وَ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال: رآه بفؤاده مرتين، وفي رواية قال: رآه بقلبه (٣٣). - ورَوى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "رأيت ربى ﵎" (٣٤). فحمله بعضهم كابن الجوزي على ظاهره (٣٥). - واستدل بعضهم كالهروي وغيره (٣٦) على إثبات الرؤية البصرية بتفسير ابن عباس لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (٣٧) قال: هي رؤيا عين أُريها رسول الله ﷺ ليلة أُسري به (٣٨).

стр. 303

* ثانيًا: ما ورد عن أنس ﵁ أنه قال: "إن محمدًا ﷺ قد رأى ربه ﵎" (٣٩). * ثالثًا: ما ورد عن أبي هريرة ﵁ وقد سُئل: هل رأى محمد ربه؟ قال: نعم قد رآه (٤٠). * رابعًا: ما ورد عن أبي ذر ﵁ أنه قال: رآه بقلبه ولم تره عيناه. وفي طريق آخر عن أبي ذر رضى الله عنه قال: رآه بقلبه، يعني النبي ﷺ (٤١). قال أصحاب هذا القول موجهين استدلالهم بالأدلة السابقة: إن هؤلاء الصحابة لا يمكن أن يقولوا برأيهم وظنهم في مثل هذه المسألة الغيبية التي لا تدرك إلا بنص من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ وعلى هذا فلا بد أنهم سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ (٤٢). - وقالوا أيضًا: إن ابن عباس ومن معه أثبتوا شيئًا نفاه غيرهم والمثبت مقدم على النافي لأن النفي لا يوجب علمًا بخلاف الإثبات فإنه هو الذي يوجب العلم (٤٣). - الفريق الثاني: وهم الذين نفوا الرؤية للنبي ﷺ ليلة المعراج وعلى رأس هؤلاء أم المؤمنين عائشة ﵂، وهو الْمشهور عن ابن مسعود (٤٤) وحكي عن

стр. 304

أبي هريرة (٤٥) وأبي ذر (٤٦) وإليه ذهب الدارمي (٤٧) وجماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين (٤٨). أدلة هذا الفريق: استدل أصحاب هذا القول بما يلى: - ما جاء في الصحيحين عن مسروق قال: كنت متكئًا عند عائشة فقالت: ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمدًا ﷺ رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئًا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض" فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ أو لم تسمع أن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ الحديث (٤٩). فقالوا هذا الحديث نص صريح مرفوع إلى النبي ﷺ في أن المراد بالمرئى بالآيتين إنَّما هو جبريل ﵇ وليس الله تعالى، وقد جاء هذا أيضًا عن

стр. 305

ابن مسعود وأبي هريرة (٥٠) رضى الله عنهما. قال البيهقي: "فاتفقت رواية عبد الله بن مسعود وعائشة وأبىِ هريرة رضى الله عنهم على أن هذه الآيات أُنزلت في رؤية النبي ﷺ جبريل ﵇، وفي بعضها أسند الخبر إلى النبي ﷺ وهو أعلم بمعنى ما أنزل إليه" (٥١). وأخرج ابن مردويه بإسناد مسلم -كما يقول الحافظ ابن حجر- عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ فقال: "لا، إنما رأيت جبريل" (٥٢). ٢ - ما جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر رضى الله عنه أنه قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنَّى أراه". وفِى طريق آخر عن أبي ذر أنه ﷺ قال: "رأيت نورًا" (٥٣). فقالوا: هذا حديث صريح في نفي الرؤية، بل هو أبلغ من النفي الصريح لمجيئه على صورة الاستفهام الإنكاري، لأن معناه: كيف أراه وقد منعني من رؤيته النور؟ وهذا النور هو الحجاب الوارد في حديث أبي موسى رضى الله عنه: "حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه (٥٤) " (٥٥). ثالثًا: مذهب التوقف: حُكى عن سعيد بن جبير (٥٦) ﵀ وإليه ذهب القرطبي والذهبي وعزاه

стр. 306

القرطبي لطائفة من المشايخ معللين توقفهم في هذه المسألة بأنه ليس فيها دليل قاطع نفيًا ولا إثباتًا، وغاية المُستدل على نفى ذلك أو إثباته التمسك بظواهر متعارضة (٥٧). وقال الذهبي: "ولا نعنف من أثبت الرؤية لنبينا في الدنيا ولا من نفاها، بل نقول: الله ورسوله أعلم" (٥٨). * * *

стр. 307

المطلب الثالث الترجيح الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم- مذهب الجمع وذلك بإثبات الرؤية الفؤادية ونفي الرؤية البصرية فتُحمل الروايات المطلقة في الرؤية عن ابن عباس على الروايات المقيدة عنه بالفؤاد، ويُحمل إنكار عائشة رضى الله عنها على نفى الرؤية البصرية، وبِهذا تجتمع الأدلة ويزول ما قد يُتوهم بينها من التعارض. سبب الترجيح: - أما عن سبب نفي الرؤية البصرية: ١ - فلأنه ﷺ عندما سأله أبو ذر ﵁: هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنى أراه" وهذا صريح في نفي الرؤية البصرية لأنها هي المسئول عنها. وأما دعوى ابن خزيمة الانقطاع بين عبد الله بن شقيق وأبي ذر (١) فغير مسلَّمة لأن عبد الله بن شقيق قد صرح بالتحديث عن أبي ذر كما عند مسلم ﵀. وأما ما ذهب إليه ابن الجوزي ﵀ من أن أبا ذر ﵁ يحتمل أنه سأل رسول الله ﷺ قبل الإسراء فأجابه بالنفى ولو سأله بعد الإسراء لأجابه بالإثبات (٢)، فقد قال عنه ابن كثير ﵀: "هذا ضعيف جدًّا، فإن عائشة أم

стр. 308

المؤمنين رضى الله عنها قد سألت عن ذلك بعد الإسراء ولم يُثبِت لها الرؤية" (٣). ٢ - أن التصريح بالرؤية البصرية لم يثبت عن أحد من الصحابة ﵃ بل قد نقل الدارمي إجماع الصحابة على أنه ﷺ لم ير ربه ليلة المعراج (٤)، وأما استثناء بعضهم لابن عباس ﵄ فقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: "ليس ذلك بخلاف في الحقيقة فإن ابن عباس لم يقل رآه بعيني رأسه" (٥). وقال ابن كثير: "ومن روى عنه (٦) بالبصر فقد أغرب فإنه لا يصح في ذلك شىء عن الصحابة رضى الله عنهم" (٧). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى أراه". وقد قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ (٨) ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى. وكذلك قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.

стр. 309

وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه" (٩). وقال القاضي عياض: "وأما وجوبه لنبينا ﷺ والقول بأنه رآه بعينه فليس فيه قاطع أيضًا ولا نص" (١٠). وقال الذهبي: "ولم يأتنا نص جلي بأن النبي ﷺ رأى ربه بعينه" (١١). ٣ - أن مستند القائلين بالرؤية البصرية تفسير ابن عباس رضى الله عنهما لآيات سورة النجم كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ حيث جعل المرئي فيها هو الله تعالى، وهذا غير صحيح لأن عائشة ﵂ رفعت تفسير هذه الآية إلى النبي ﷺ بأن المرئى هو جبريل ﵇ ووافقها على ذلك أبو هريرة وابن مسعود ﵄ في بقية الآيات -كما تقدمت الرواية عنهم- وأما ابن عباس ﵄ فإنه يُخبر عن اعتقاده ولم يرفعه إلى النبي ﷺ ، ولا شك أن المرفوع مقدم على الموقوف. - وأما استدلال عائشة رضى الله عنها على نفي الرؤية بالآيتين وهما: قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ .. ﴾ وقوله ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ .. ﴾ فغير مسلَّم. أما الآية الأولى فلأن المعنى فيها: لا تحيط به الأبصار، فالإدراك فيها بمعنى الإحاطة، وهى قدر زائد على الرؤية، وبالتالي فإن نفى الإدراك لا يلزم منه نفي الرؤية، فإن الشيء قد يُرى ولا يدرك كما يقول الرجل: رأيت السماء وهو صادق مع أنه لم يحط بصره بكل السماء ولم يدركها، ويقول: رأيت البحر،

стр. 310

ولم يدرك بصره كل البحر، ويقول: رأيت الشمس وهو عاجز عن الإحاطة بِها على ما هى عليه، والعرب تقول: رأيت الشيء وما أدركته، وعلى هذا فإن الله تعالى يُرى لكن لا يُدرك ولا يحاط به لعظمته تعالى، ونظير جواز وصفه بأنه يُرى ولا يدرك: جواز وصفه بأنه يعلم ولا يُحاط بعلمه كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ (١٢) فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشيء من علمه إلا بما شاء: نفى عن أن يعلموه، فهو تعالى يُعلم ولا يحاط به علمًا ويُرى ولا يحاط به لكمال عظمته . وهذا التفسير للآية ذكره الطبري عن ابن عباس وقتادة وعطية العوفي (١٣) ونسبه البغوي لسعيد بن المسيب وعطاء ومقاتل (١٤) وهو قول جمع من أهل العلم كالطبري والآجري والبغوي والقرطبي والنووي وابن تيمية وابن القيم وابن أبي العز وابن حجر ومحمد الأمين الشنقيطي (١٥) وغيرهم. وهو قول أهل اللغة أيضًا قال الزجاج في معنى الآية "أي لا يُبلغ كُنه حقيقته، كما تقول أدركت كذا وكذا" (١٦). وقال أيضًا: "معنى هذه الآية إدراك الشيء والإحاطة بحقيقته" (١٧). وبِهذا يتضح أن الآية ليست نصًّا صريحًا في نفى الرؤية، وإنما هو استنباط

стр. 311

من عائشة ﵂ خالفها فيه ابن عباس وغيره كما تقدم. وأما الآية الثانية: فلأنه لا يلزم من إثبات الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية من غير كلام، وغاية ما تفيده الآية هو نفى كلام الله لأحدٍ من خلقه على غير هذه الأحوال الثلاثة (١٨). وأما عن سبب إثبات الرؤية الفؤادية: ١ - فلأنَّها ثبتت عن ابن عباس وأبي ذر ﵄ وقال بها جمع من المتقدمين والمتأخرين من أهل العلم. وكل أصحاب الفريق الأول من مذهب الترجيح -إلا من صرح منهم بإثبات الرؤية البصرية (١٩) - محمول كلامهم في إثبات الرؤية على الرؤية الفؤادية لأن الروايات عنهم إما مطلقة وإما مقيدة برؤية الفؤاد، وقد بينا عدم صحة إثبات الرؤية البصرية فوجب حمل المطلق من الروايات عنهم على المقيد منها بالفؤاد. ومما يحسن التنبيه عليه هنا: أنه لو كان المعوَّل عليه في إثبات الرؤية الفؤادية قول ابن عباس رضى الله عنهما فقط لما توجه القول به، لأن قوله رضى الله عنه مبني على تفسير الآيات في سورة النجم وقد ثبت -بما سبق بيانه- أن المراد بِها جبريل ﵇. ٢ - ومما يؤيد حمل الروايات المطلقة على الروايات المقيدة بالفؤاد في ما ورد عن ابن عباس: أن نفس الآيات التي ورد عن ابن عباس في تفسيرها إطلاق الرؤية هى بعينها الآيات التي ورد عن ابن عباس في تفسيرها تقييد الرؤية

стр. 312

بالفؤاد (٢٠). مما يدل على أنه لم يرد بالاطلاق إثبات الرؤية البصرية وإنما أراد الرؤية الفؤادية والله أعلم. ٣ - ومما يؤيد ذلك أيضًا ما رُوي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "لم يره رسول الله ﷺ بعينه وإنما رآه بقلبه" (٢١) فإن صح هذا فهو قاطع فيما نُسب لابن عباس. ٤ - أنني لم أجد حسب اطلاعي وبحثي -المتواضع- مَن صرح بنفي الرؤية الفؤادية بل إن بعض الذين يثبتون الرؤية البصرية قد صرحوا بإثبات الرؤية الفؤادية (٢٢). - مناقشة أدلة المثبتين للرؤية البصرية: ١ - أما ما استدلوا به من قول ابن عباس رضى الله عنهما: "أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد ﷺ " وغيره مما ورد فيه عن ابن عباس إطلاق الرؤية فقد سبق بيان ذلك وأنه محمول على ما ورد عنه من الروايات المقيدة للرؤية بالفؤاد، ومثل هذا يُقال فيما ورد عن أنس وأبي هريرة ﵄، لأن إطلاقهما للرؤية ليس فيه أنهما أرادا الرؤية البصرية. ٢ - وأما ما استندوا إليه من تفسير ابن عباس ﵄ للآيات في سورة النجم -وهي قوله تعالى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ - بأن المرئى فيها هو الله تعالى، فإنه معارض بتفسير ابن مسعود للآية الأولى وكذا أبي هريرة وعائشة للآية الثانية وقد رفعت عائشة هذا التفسير إلى

стр. 313

النبي ﷺ بأن المرئي هو جبريل ﵇، ثم لو سلمنا جدلًا أن الصواب مع ابن عباس ﵄ في أن المراد بالمرئي هو الله تعالى، فإنه ليس فيه إثبات الرؤية البصرية، لأن الرواية عن ابن عباس في هذه الآيات إما مطلقة وإما مقيدة بالفؤاد وليس فيما ثبت عنه من الروايات التصريح بالرؤية البصرية. ٣ - وأما ما رواه ابن عباس بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "رأيت ربى ﵎" فإنه مختصر من حديث المنام (٢٣) كما بيَّن ذلك ابن كثير

стр. 314

وغيره (٢٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا الحديث لم يكن ليلة المعراج، فإن هذا الحديث كان بالمدينة، وفِى الحديث: أن النبي ﷺ نام عن صلاة الصبح ثم خرج إليهم وقال: "رأيت كذا وكذا" وهو من رواية من لم يصل خلفه إلا بالمدينة .. والمعراج إنما كان من مكة باتفاق أهل العلم وبنص القرآن والسنة المتواترة كما قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (٢٥) فعُلم أن هذا الحديث كان رؤيا منام بالمدينة كما جاء مفسرًا في كثير من طرقه: أنه كان رؤيا منام -مع أن رؤيا الأنبياء وحي- لم يكن رؤيا يقظة ليلة المعراج" (٢٦).

стр. 315

٤ - وأما ما استدل به الهروي وغيره من تفسير ابن عباس ﵄ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ بقوله: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، فليس فيه دليل على أنه أراد رؤية النبي ﷺ لربه لأنه لم يذكر متعلق الرؤية. قال سفيان ابن عيينة وهو أحد الرواة لهذا الأثر: "ليس الخبر بالبيِّن أيضًا: أن ابن عباس أراد بقوله (رؤيا عين): رؤية النبي ﷺ ربه بعينه" (٢٧). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذه (رؤيا الآيات) لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج فكان ذلك فتنة لهم حيث صدقه قوم وكذبه قوم ولم يخبرهم بأنه رأى ربه بعينه، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه" (٢٨). ولذلك فإن هذا الدليل لا يُسلم به حتى بعض أصحاب هذا القول (٢٩). ٥ - وأما قولهم: إن ابن عباس أثبت شيئًا نفاه غيره والمثبت مقدم على النافي، فإن هذا صحيح فيما كان الأصل فيه الإثبات، أما هنا فالأصل النفي، ولا بد لتقديم الإثبات عليه من دليل قاطع، كيف وقد قام الدليل على النفي كما تقدم. وأما مذهب التوقف فبابه واسع وهو كما قال الذهبي: "وهذه المسألة مما يسع المرء المسلم في دينه السكوت عنها" (٣٠).

стр. 316

الخلاصة: - أنه ﷺ لم ير ربه ببصره وإنما رآه بفؤاده، ولم يثبت عن أحد من الصحابة القول بالرؤية البصرية، هذا في ليلة المعراج، وأما الذين قالوا إنه رآه ببصره فليس لهم مستند على ذلك إلا ما فهموه من الروايات المطلقة في الرؤية عن بعض الصحابة كابن عباس وغيره. - ورآه أيضًا رؤيا منامية في المدينة كما في حديث ابن عباس ومعاذ وغيرهما والله تعالى أعلم * * *

стр. 317

الفصل الثالث مسائل تتعلق بالإيمان وفيه ثلاثة مباحث: • المبحث الأول: ما جاء في مؤاخدة من أساء في الإسلام بعمله في الجاهلية والإسلام. • المبحث الثاني: أحاديث الوعد والوعيد. • المبحث الثالث: ما جاء في مكان سدرة المنتهى. * * *

стр. 318

المبحث الأول ما جاء في مؤاخدة من أساء في الإسلام بعمله في الجاهلية والإسلام وفيه ثلاثة مطالب: • المطلب الأول: ذكر الأحاديت التي قد يوهم ظاهرها التعارض. • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هدا التعارض. • المطلب الثالث: الترجيح. * * *

стр. 319

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض الحديث الأول: حديث عمرو بن العاص أنه ﷺ قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة قدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله .. " (١). الحديث الثاني: حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رجل: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء في الإسلام أُخذ بالأول والآخر" (٢). وفي رواية لمسلم: "ومن أساء أُخذ بعمله في الجاهلية والإسلام". بيان وجه التعارض وجه التعارض أن في الحديث الأول ما يفيد أن المرء إذا أسلم فإنه بإسلامه يُغفر له ما سلف في جاهليته لأن الإسلام يهدم ما كان قبله. بينما نجد في الحديث الثاني ما يفيد أن المرء إذا أسلم ثم أساء في إسلامه فإنه يعاقب على إساءته في حال إسلامه وفي حال جاهليته * * *

стр. 320

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض سلك أهل العلم في هذه المسألة ثلاثة مسالك لا تخرج كلها عن مذهب الجمع وهي كالتالي: المسلك الأول: أن المرء إذا دخل في الإسلام فإنه يغفر له في الإسلام كل ما سبق منه في الجاهلية من كفر وذنب وإن أصرَّ عليها في الإسلام. قالوا: وأما الإساءة الواردة في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ فمحمولة على الكفر سواءً كان ذلك بارتداده عن الإسلام، أو بكونه دخل في الإسلام ظاهرًا وأما في الباطن فهو باقٍ على كفره، بمعنى أنه أسلم إسلام المنافق. وإلى هذا المسلك ذهب الطحاوي (١)، وبعض الحنابلة كابن حامد والقاضي أبي يعلى (٢) ورجحه ابن بطال (٣) وعزاه لجماعة من العلماء، والقرطبي (٤) والنووي (٥) وعزاه لجماعة من المحققين، وابن حجر (٦)، وأشار إليه البخاري وذلك بإيراد هذا الحديث بعد حديث: "أكبر الكبائر شرك" وأورد كلًّا في أبواب المرتدين (٧).
следующие страницы →