← Акыда

Акыда · id 123

أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين دراسة وترجيح

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (669 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الخلاصة: - أنه ﷺ لم ير ربه ببصره وإنما رآه بفؤاده، ولم يثبت عن أحد من الصحابة القول بالرؤية البصرية، هذا في ليلة المعراج، وأما الذين قالوا إنه رآه ببصره فليس لهم مستند على ذلك إلا ما فهموه من الروايات المطلقة في الرؤية عن بعض الصحابة كابن عباس وغيره. - ورآه أيضًا رؤيا منامية في المدينة كما في حديث ابن عباس ومعاذ وغيرهما والله تعالى أعلم * * *

стр. 317

الفصل الثالث مسائل تتعلق بالإيمان وفيه ثلاثة مباحث: • المبحث الأول: ما جاء في مؤاخدة من أساء في الإسلام بعمله في الجاهلية والإسلام. • المبحث الثاني: أحاديث الوعد والوعيد. • المبحث الثالث: ما جاء في مكان سدرة المنتهى. * * *

стр. 318

المبحث الأول ما جاء في مؤاخدة من أساء في الإسلام بعمله في الجاهلية والإسلام وفيه ثلاثة مطالب: • المطلب الأول: ذكر الأحاديت التي قد يوهم ظاهرها التعارض. • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هدا التعارض. • المطلب الثالث: الترجيح. * * *

стр. 319

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض الحديث الأول: حديث عمرو بن العاص أنه ﷺ قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة قدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله .. " (١). الحديث الثاني: حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رجل: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء في الإسلام أُخذ بالأول والآخر" (٢). وفي رواية لمسلم: "ومن أساء أُخذ بعمله في الجاهلية والإسلام". بيان وجه التعارض وجه التعارض أن في الحديث الأول ما يفيد أن المرء إذا أسلم فإنه بإسلامه يُغفر له ما سلف في جاهليته لأن الإسلام يهدم ما كان قبله. بينما نجد في الحديث الثاني ما يفيد أن المرء إذا أسلم ثم أساء في إسلامه فإنه يعاقب على إساءته في حال إسلامه وفي حال جاهليته * * *

стр. 320

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض سلك أهل العلم في هذه المسألة ثلاثة مسالك لا تخرج كلها عن مذهب الجمع وهي كالتالي: المسلك الأول: أن المرء إذا دخل في الإسلام فإنه يغفر له في الإسلام كل ما سبق منه في الجاهلية من كفر وذنب وإن أصرَّ عليها في الإسلام. قالوا: وأما الإساءة الواردة في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ فمحمولة على الكفر سواءً كان ذلك بارتداده عن الإسلام، أو بكونه دخل في الإسلام ظاهرًا وأما في الباطن فهو باقٍ على كفره، بمعنى أنه أسلم إسلام المنافق. وإلى هذا المسلك ذهب الطحاوي (١)، وبعض الحنابلة كابن حامد والقاضي أبي يعلى (٢) ورجحه ابن بطال (٣) وعزاه لجماعة من العلماء، والقرطبي (٤) والنووي (٥) وعزاه لجماعة من المحققين، وابن حجر (٦)، وأشار إليه البخاري وذلك بإيراد هذا الحديث بعد حديث: "أكبر الكبائر شرك" وأورد كلًّا في أبواب المرتدين (٧).

стр. 321

واستدل أصحاب هذا المسلك بما يلى: ١ - دلالة الكتاب والسنة والإجماع على أن الإسلام يهدم ما كان قبله: أ - أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٨). وكذلك قوله : ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٩). فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄: أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا فأتوا محمدًا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنَزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (١٠) ونزل: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ .. ﴾ " (١١). ب - وأما السنة فتقدم حديث عمرو بن العاص وفيه أن الإسلام يهدم ما كان قبله. ج - وأما الإجماع فقد نقله غير واحد من أهل العلم كالخطابي (١٢) وابن بطال (١٣) والنووي (١٤).

стр. 322

٢ - قالوا: ومما يدل على أن الإساءة يراد بِها الكفر والشرك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٥). فقد ذهب الطبري إلى أن المراد بالسيئة هنا الشرك والكفر ونَقل هذا التفسير عن أبي هريرة وابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك وجمع من المتقدمين (١٦). قال الشوكاني عند هذه الآية: "قال جماعة من الصحابة ومن بعدهم -حتى قيل إنه مجمع عليه بين أهل التأويل-: إن المراد بالسيئة هنا الشرك، ووجه التخصيص قوله: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ فهذا الجزاء لا يكون إلا بمثل سيئة الشرك" (١٧). المسلك الثاني: ما ذهب إليه الإمام أحمد وبعض أصحابه كأبي بكر عبد العزيز بن جعفر وغيره، وهو اختيار الحليمي من الشافعية (١٨)، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (١٩)، وابن أبي العز في شرح الطحاوية (٢٠)، ونصره ابن حزم (٢١) وابن رجب، وهو قول طوائف من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم (٢٢).

стр. 323

وهو أن الإسلام إنما يكفر ما كان قبله من الكفر ولواحقه التي اجتبنها المسلم بإسلامه، فأما الذنوب التي فعلها في الجاهلية إذا أصرَّ عليها في الإسلام فإنه يؤاخذ بها، لأنه إذا أصر عليها في الإسلام لم يكن تائبًا منها فلا يُكفر عنه بدون التوبة منها، وعلى هذا فإن الإساءة في حديث ابن مسعود يراد بها الإصرار على الذنوب التي كان يعملها في الجاهلية. قال أصحاب هذا المسلك: وبِهذا القول تجتمع الأدلة وأجابوا: - عن استدلال أصحاب القول الأول بآية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ .. ﴾ بأن المراد: يغفر لهم ما سلف مما انتهوا عنه. - وأما استدلالهم بحديث: "أن الإسلام يهدم ما كان قبله" فقال أصحاب هذا القول: إن اللام في قوله (الإسلام) لتعريف العهد، والإسلام المعهود بينهم، كان الإسلام الحسن الذي يتضمن فعل الأوامر وترك النواهي فمن أسلم هذا الإسلام غفرت ذنوبه كلها. وأما ما ذهبوا إليه من حمل الإساءة في حديث ابن مسعود على الكفر فقال عنه ابن رجب: "هذا بعيد جدًّا ومتى ارتد عن الإسلام أو كان منافقًا فلم يبق معه إسلام حتى يسيء فيه" (٢٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية وقد سُئل عن اليهودي والنصراني إذا أسلم: هل يبقى عليه ذنب بعد الإسلام؟ فأجاب: "إذا أسلم باطنًا وظاهرًا غُفر له الكفر الذي تاب منه بالإسلام بلا نزاع، وأما الذنوب التي لم يتب منها مثل: أن يكون مصرًّا على ذنب أو ظلم

стр. 324

أو فاحشة، ولم يتب منها بالإسلام فقد قال بعض الناس: إنه يغفر له بالإسلام. والصحيح: أنه إنما يُغفر له ما تاب منه كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قيل: "أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ فقال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخذ بالأول والآخر" و(حسن الإسلام) أن يلتزم فعل ما أمر الله به وترك ما نَهى عنه، وهذا معنى التوبة العامة، فمن أسلم هذا الإسلام غُفِرَت ذنوبه كلها. وهكذا كان إسلام السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح لعمرو بن العاص ﵁: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله" فإن اللام لتعريف العهد، والإسلام المعهود بينهم كان الإسلام الحسن. وقوله: "ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر" أي إذا أصرَّ على ما كان يعمله من الذنوب فإنه يؤاخذ بالأول والآخر، وهذا موجب النصوص والعدل، فإن من تاب من ذنب غفر له ذلك الذنب، ولم يجب أن يغفر له غيره، والمسلم تائب من الكفر كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٢٤) وقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢٥) أى إذا انتهوا عما نُهوا عنه غفر لهم ما قد سلف فالانتهاء عن الذنب هو التوبة منه، من انتهى عن ذنب غُفر له ما سلف منه وأما من لم ينته عن ذنب فلا يجب أن يغفر له ما سلف

стр. 325

لانتهائه عن ذنب آخر" (٢٦). المسلك الثالث: ما ذهب إليه الخطابي من حمل المؤاخذة بعمله في الجاهلية على التبكيت والتعبير دون المعاقبة. وأما إساءته في الإسلام فإنه يعاقب عليها. قال ﵀: "ووجه هذا الحديث وتأويله: أنه إذا أسلم مرة لم يؤاخذ بما كان سلف من كفره ولم يعاقب عليه، وإن أساء في الإسلام غاية الإساءة، وركب أشد ما يكون من المعاصي ما دام ثابتًا على إسلامه، وإنما يؤخذ بما جناه في الإسلام من المعصية، ويُعيَّر بما كان منه في الكفر، ويُبكت به كأنه يقال له: أليس قد فعلت كيت وكيت وأنت كافر فهلا منعك إسلامك من معاودة مثله إذ أسلمت؟ " (٢٧). قال الحافظ في الفتح: "وحاصله أنه أوَّل المؤاخذة في الأول بالتبكيت وفي الآخر بالعقوبة" (٢٨). * * *

стр. 326

المطلب الثالث الترجيح أجمع أهل العلم على أن من أسلم باطنًا وظاهرًا غفر له الكفر الذي تاب منه بالإسلام (١) كما أجمعوا على أن من أسلم وحسن إسلامه وذلك بأن يلتزم بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه فإنه بهذا الإسلام تغفر له ذنوبه كلها (٢). وأجمعوا أيضًا على أنه من أسلم ظاهرًا وأبطن الكفر والنفاق فإنه لا يغفر له شيء من ذنوبه بإظهاره الإسلام لأنه منافق كافر (٣). ويبقى الخلاف حينئذ فيمن أسلم إسلامًا صادقًا ولكنَّه بقي مصرًّا على بعض المعاصي التى كان يعملها في الجاهلية، فهل يُحاسب على إساءته هذه في حال إسلامه فقط، أم أنه يُحاسب على إساءته في حال كفره وإسلامه؟ في هذا اختلف أهل العلم كما تقدم. أما المسلك الأول والثاني فلم يظهر لي رجحان أحدهما على الآخر. وأما ما ذهب إليه الخطابي من حمل المؤاخذة في الجاهلية على التبكيت والتعيير فبعيد جدًّا لأن الحديث صريح بالمؤاخذة، وإن كان هذا القول -في حقيقته- يئول إلى المسلك الأول لأن مفاده عدم المؤاخذة بالإساءة في حال الكفر استنادًا إلى أن الإسلام يهدم ما كان قبله. والحاصل أنه بالأخذ بالمسلك الأول أو الثاني يندفع الإشكال ويزول ما قد يتوهم من التعارض بين الحديثين والله تعالى أعلم.

стр. 327

المبحث الثاني أحاديث الوعد والوعيد وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض. • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض. • المطلب الثالث: الترجيح. * * *

стр. 328

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض أولًا: أحاديث الوعد: وهي كثيرة جدًّا، ويمكن تقسيمها إلى نوعين وتحت كل نوع تندرج أحاديث كثيرة، وسأذكر هذين النوعين وأمثلة لكل نوع: النوع الأول: الأحاديث التى فيها أن من فعل كذا، أو قال كذا دخل الجنة، ومن أمثلة هذا النوع: - حديث جابر رضى الله عنه قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله ما الموجبتان فقال: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار" (١). - حديث أبي ذر ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وعليه ثوب أبيض وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فقال: "ما من عبدٍ قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق، على رغم أنف أبي ذر" (٢). - حديث عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة" (٣).

стр. 329

- حديث أبي موسى رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "من صلى البردين دخل الجنة" (٤). النوع الثاني: الأحاديث التي فيها أن من قال كذا، أو فعل كذا حرمه الله على النار، ومن أمثلته: - - حديث عتبان بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" (٥). - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان" (٦). - حديث أبي عبس عبد الرحمن بن جبر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار" (٧). - حديث أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار" (٨). ثانيًا: أحاديث الوعيد: وهي كثيرة جدًّا -أيضًا- ويمكن تقسيمها إلى ستة أنواع كبرى، وتحت كل نوع يندرج عدد كبير من الأحاديث.

стр. 330

وسأذكر هذه الأنواع مع التمثيل لكل نوع: النوع الأول: الأحاديث التي فيها إطلاق لفظ الكفر على بعض الكبائر ومن أمثلته: - حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (٩). - حديث جرير رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" (١٠). - حديث أبي ذر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ليس من رجل ادَّعى لغير أبيه -وهو يعلمه- إلا كفر" (١١). النوع الثاني: الأحاديث التى فيها نفى الإيمان عمّن ارتكب بعض الكبائر ومن أمثلته: - حديث أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال النبي ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نُهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن" (١٢).

стр. 331

- حديث أبي شريح ﵁ أن النبي ﷺ قال: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن" قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يأمن جارُهُ بوائِقه" (١٣). النوع الثالث: الأحاديث التي فيها براءة النبي ﷺ ممن ارتكب بعض الكبائر ومن أمثلته: - حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا" (١٤). - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" (١٥). - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من غش فليس مني" (١٦). النوع الرابع: الأحاديث التي فيها نفي دخول الجنة لمن ارتكب بعض الكبائر ومن أمثلته: - حديث حذيفة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة قتات" (١٧).

стр. 332

- حديث جبير بن مطعم أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة قاطع" (١٨). - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" (١٩). النوع الخامس: الأحاديث التي فيها الوعيد بالنار لمن ارتكب بعض الكبائر ومن أمثلته: - حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة" فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: "وإن قضيبًا من أراك" (٢٠). - حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا تكذبوا عليّ فإنه من كذب عليَّ فليلج النار" (٢١). - حديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صوَّرها نفسًا فتعذبه في جهنم" (٢٢). النوع السادس: الأحاديث التى فيها لعن من ارتكب بعض الكبائر، ومن أمثلته: - - حديث على بن أبي طالب ﵁ قال: ما عندنا شيءٌ إلا

стр. 333

كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي ﷺ قال: "المدينة حَرَم ما بين عائرٍ إلى كذا، من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يُقبل منه صرف ولا عدل، وقال: ذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يُقبل منه صرف ولا عدل ومن تولى قومًا بغر إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يُقبل منه صرف ولا عدل" (٢٣). - حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لعن الله الواصلة والموصولة" (٢٤). - حديث جابر ﵁ قال: "لعن رسول الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء" (٢٥). بيان وجه التعارض تدور الأحاديث السابقة حول الفاسق الملِّي الذي معه التوحيد وأصل الإيمان، ولكنه يرتكب بعض الكبائر. فأحاديث الوعد بكلا نوعيها تفيد أن هذا الفاسق الملِّى موعود بدخول الجنة والنجاة من النار، وإن ارتكب الكبائر خلا الشرك، ما دام أنه ينطق بالشهادتين ومعه أصل الإيمان بينما نجد في أحاديث الوعيد بجميع أنواعها ما يفيد أن هذا الفاسق الملِّي متوعد بالنار والحرمان من الجنة، وفي بعضها نفي الإيمان عنه وبراءة الرسول ﷺ منه بل وإطلاق الكفر عليه عند ارتكابه بعض الكبائر.

стр. 334

وجميع هذه النصوص -نصوص الوعد والوعيد- صحيحة صريحة، ولذلك اهتم أهل العلم بشأن هذه النصوص وتوجيهها بل عد بعضهم مسألة الوعد والوعيد من أكبر مسائل العلم (٢٦)، لاسيما وأن أول خلاف وقع في الإسلام في مسائل أصول الدين كان فيها (٢٧). * * *

стр. 335

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض الكلام على هذه المسألة يمكن تقسيمه إلى قسمين: القسم الأول: توجيهات أهل العلم لأحاديث الوعد: قبل ذكر مسالك أهل العلم في أحاديث الوعد لا بد من بيان: - أن الإجماع منعقد على ما دلت عليه النصوص الكثيرة من أنه لا بد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة، ثم يخرجون منها كما نطقت بذلك أحاديث الشفاعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما من جزم بأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة فهذا لا نعرفه قولًا لأحد" (١). إذا تبين هذا فما هو التوجيه الصحيح لأحاديث الوعد والتي في بعضها أن من أتى بالشهادة وحدها فقد حرم الله عليه النار؟ في هذا اختلف أهل العلم وسلكوا في توجيه هذه الأحاديث مذهبين: المذهب الأول: مذهب الجمع: وفيه عدة مسالك أوصلها الحافظ في الفتح إلى ستة مسالك (٢)، ولكن بعض هذه المسالك متداخلة وبالتالي يمكن حصرها في مسلكين: المسلك الأول: هو حمل أحاديث الوعد على ظاهرها وإطلاقها كما جاءت لكن لابد لحصول الموعود به من توفر الشروط وانتفاء الموانع وبالتالي فما ورد في الأحاديث أن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وحرم الله عليه النار،

стр. 336

أو أن من فعل كذا دخل الجنة وما في معناها كل ذلك مقيد باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع، فليس في هذه الأحاديث ما يدل إلا على أن هذه الأعمال سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، والسبب كما هو معلوم لا يلزم من تحققه تحقق المسبب، بل لا بد من توفر الشروط وانتفاء الموانع. وعلى هذا فإن هذه الأحاديث تطلق كما جاءت ويُقال: أن من فعل كذا أو قال كذا دخل الجنة لكن لا يصح تطبيقها على شخص معين فيقال إنه من أهل الجنة لأنه فعل كذا أو قال كذا لأننا لا نعلم هل توفرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع أم لا. وإلى هذا المسلك ذهب الحسن البصري ووهب بن منبه ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) وابن رجب (٤) وسليمان بن عبد الله (٥) وغيرهم. وهذا القول هو معنى قول البخاري ﵀ تعليقًا على حديث أبي ذر رضى الله عنه والذي فيه "ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" قال ﵀: "هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم وقال: لا إله إلا الله غفر له" (٦). فإن العبد إذا تاب وندم وقال لا إله إلا الله ومات عليها فقد توفرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع القادحة في هذه الشهادة. وهذا المسلك هو أيضًا معنى قول سليمان بن عبد الله: "أي من تكلم بِهذه الكلمة عارفًا لمعناها عاملًا بمقتضاها باطنًا وظاهرًا" (٧).

стр. 337

وكذلك فإن هذا المسلك هو معنى قول من قال: إن هذه الأحاديث مطلقة، وقد جاءت مقيدة بأحاديث أُخر فوجب حمل المطلق على المقيد (٨)، ومن هذه الأحاديث المقيدة: - ما جاء في حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال له: "اذهب بنعليَّ هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بِها قلبه فبشره بالجنة" (٩). - حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة" (١٠). - حديث معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه أو يقينًا من قلبه لم يدخل النار أو دخل الجنة" وقال مرة: "دخل الجنة ولم تمسه النار" (١١). قال ابن رجب ﵀: "وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد: لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله غير الله، والإله: الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالًا ومحبة وخوفًا ورجاءً وتوكلًا عليه وسؤالًا منه ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا لله ، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التى هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول: لا إله إلا الله، ونقصًا في توحيده وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك" (١٢).

стр. 338

وخلاصة هذا المسلك هو حمل أحاديث الوعد على ظاهرها وإطلاقها كما جاءت -وهذا عمل بأحاديث الوعد- لكن لا بد لتحقق هذا الوعد من توفر الشروط وانتفاء الموانع وهذا عمل بأحاديث الوعيد. المسلك الثاني: تأويل هذه الأحاديث وعدم حملها على ظاهرها، وقد ذكر أصحاب هذا المسلك عدة تأويلات متقاربة للأحاديث التي فيها تحريم دخول النار على قائل: لا إله إلا الله، ومن هذه التأويلات ما يلى: - أن المراد بتحريمه على النار تحريم خلوده فيها لا أصل دخولها، فلا يدخل النار دخول خلود وأبدية. - أو أن المراد أنه لا يدخل النار التي هي موضع الكفار والتي هي ما عدا الدرك الأعلى، فأما الدرك الأعلى فإنه يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، وبرحمة أرحم الراحمين (١٣). - وفي معنى هذين التأويلين ما ذهب إليه ابن قتيبة والقاضي عياض عليهما رحمة الله في أحاديث استحقاق الجنة لقائل لا إله إلا الله حيث حملاها على أن المراد: أن عاقبته إلى الجنة وإن عذب (١٤). المذهب الثاني: مذهب النسخ: وإليه ذهب سعيد بن المسيب والزهري والثوري والآجري عليهم رحمة الله، وحاصله أن أحاديث الوعد السابقة وما في معناها كانت في أول الإسلام

стр. 339

قبل نزول الفرائض والأمر والنهي ثم نزلت نصوص الفرائض فنسختها (١٥). قال ابن رجب بعد ذكره لبعض القائلين بِهذا القول: "وهؤلاء منهم من يقول في هذه الأحاديث: إنَّها منسوخة، ومنهم من يقول: هي محكمة ولكن ضم إليها شرائط. ويلتفت هذا إلى أن الزيادة على النص: هل هي نسخ أم لا؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور: وقد صرح الثوري وغيره بأنها منسوخة، وأن نسخها الفرائض والحدود، وقد يكون مرادهم بالنسخ البيان والإيضاح فإن السلف كانوا يطلقون النسخ على مثل ذلك كثيرًا ويكون مقصودهم أن آيات الفرائض والحدود تَبَيَّن بها توقف دخول الجنة والنجاة من النار على فعل الفرائض واجتناب المحارم، فصارت تلك النصوص منسوخة، أي: مبيَّنة مُفسَّرة، ونصوص الفرائض والحدود ناسخة أي: مفسِّرة لمعني تلك موضِّحة لها" (١٦). القسم الثاني: توجيهات أهل العلم لأحاديث الوعيد قبل ذكر هذه التوجيهات لا بد من بيان قاعدة مهمة اتفق عليها أهل السنة والجماعة فأصبحوا يوجهون نصوص الوعيد حتي لا تتعارض مع هذه القاعدة، وهذه القاعدة هى كالتالي: - أجمع أهل السنة والجماعة على عدم كفر مرتكب الكبيرة، وعدم خروجه من الإسلام ما لم يكن مستحلًّا لها (١٧).

стр. 340

- كما أجمعوا على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد وإن ارتكب بعض الكبائر (١٨). - وأجمعوا أيضًا على أن مقترف الذنب مستحق للوعيد المرتب على ذلك الذنب (١٩). - كما أجمعوا على أن مرتكب الكبيرة إن مات ولم يتب فأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه ثم أدخله الجنة، وإن شاء أدخله الجنة ابتداءً (٢٠). قال النووي ﵀: "اعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحدًا دخل الجنة قطعًا على كل حال، فإن كان سالمًا من المعاصى أو مرتكبًا لبعضها ولكنه تاب منها ولم يحدث معصية بعد توبته فإنه يدخل الجنة ولا يدخل النار أصلًا. وأما من كانت له معصية كبيرة ومات من غير توبة فهو في مشيئة الله تعالى، فإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة أولًا وجعله كالقسم الأول، وإن شاء عذبه القدر الذي يريده ثم يدخله الجنة، فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصى ما عمل، كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل" (٢١). وقد دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة والإجماع والنظر الصحيح. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ (٢٢) وقد بوب البخاري ﵀ في صحيحه

стр. 341

بقوله: "باب المعاصى من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابِها إلا بالشرك" (٢٣) ثم ذكر هذه الآية. - وأما السنة فقوله ﷺ في حديث عبادة ﵁: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف. فمن وفى منكم فأجره على الله. ومن أصاب من ذلك شيئًا (٢٤) فعوقب في الدنيا فهو كفارة له. ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله. إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه" (٢٥). قال النووي في فوائد هذا الحديث: "منها الدلالة لمذهب أهل الحق أن المعاصى غير الكفر لا يقطع لصاحبها بالنار إذا مات ولم يتب منها بل هو بمشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه" (٢٦). وقال ابن حجر في هذا الحديث: "إنه تضمن الرد على من يقول: إن مرتكب الكبيرة كافر أو مخلد في النار" (٢٧). - وأما كون مقترف الذنب مستحق للوعيد فقد دلت عليه أحاديث الشفاعة. - وأما الإجماع فقد تقدم نقله فِى القاعدة السابقة (٢٨).

стр. 342

- وأما النظر الصحيح فقد ذكره ابن عبد البر فقال: "ومن جهة النظر الصحيح الذي لا مدفع له: أن كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين، ثم أذْنب ذنبًا أو تأول تأويلًا فاختلفوا بعدُ في خروجه من الإسلام لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معني يوجب حجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها" (٢٩). إذا تبين هذا، فما هو توجيه ما سبق من أحاديث الوعيد؟ في هذا اختلف أهل العلم فتنوعت مسالكهم وتعددت طرقهم في توجيه هذه النصوص. وقبل ذكر هذه التوجيهات نبيِّن أن أحاديث الوعيد منها ما يتعلق بحكم الدنيا كإطلاق لفظ الكفر على من ارتكب بعض الكبائر أو نفي الإيمان عنه أو البراءة منه. ومنها ما يتعلق بحكم الآخرة كالوعيد بالنار لمن ارتكب بعض الكبائر أو عدم دخوله الجنة أو لعنه. وفيما يلى توجيهات أهل العلم لهذه الأحاديث، وسأذكر أولًا التوجيهات التي يمكن اطرادها في جميع الأحاديث (٣٠) ثم أُثني بذكر أشهر التوجيهات الخاصة بكل نوع من أنواع أحاديث الوعيد التي تقدم بيانُها: أولًا: التوجيهات التي يمكن اطرادها في جميع أحاديث الوعيد وهى على مذهبين: المذهب الأول: مذهب الجمع وفيه عدة مسالك هي كالتالي:

стр. 343

١ - ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وطرده في جميع نصوص الوعد والوعيد المتعلقة بأحكام الآخرة، وهو القول: بحملها على ظاهرها وإطلاقها كما جاءت واعتقاد أن هذا العمل سبب لاستحقاق الوعيد (٣١) المرتب عليه، لكن لا يحكم على معين باستحقاقه لهذا الوعيد حتي تتوفر فيه الشروط وتنتفي عنه الموانع، ويقوم به المقتضي الذي لا معارض له. قال ﵀: "نصوص الوعيد من الكتاب والسنة كثيرة جدًّا، والقول بموجبها واجب على وجه العموم والإطلاق من غير أن يعيَّن شخص من الأشخاص فيُقال: هذا ملعون أو مغضوب عليه أو مستحق للنار لا سيما إن كان لذلك الشخص فضائل وحسنات فإن من سوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجوز عليهم الصغائر والكبائر مع إمكان أن يكون ذلك الشخص صديقًا أو شهيدًا أو صالحًا، لما تقدم أن موجب الذنب يتخلف عنه بتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة أو بمحض مشيئة الله ورحمته" (٣٢). وقال أيضًا: "لعن المطلق لا يستلزم لعن المعيَّن الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة له، وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق، ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطًا بثبوت شروط وانتفاء موانع، فلا يلحق التائب من الذنب باتفاق المسلمين" (٣٣). ٢ - أن الوعيد في هذه النصوص إنما يكون في حق المستحل لهذه المعاصي

стр. 344

إذا كان عالمًا بالتحريم، وغير متأول تأويلًا سائغًا، لأنَّه في هذه الحالة كافر كفرًا مخرجًا من الملَّة (٣٤). ٣ - أن المراد بهذه النصوص المبالغة في الزجر والترهيب والتغليظ والتحذير من الوقوع فِى هذه المعاصى (٣٥). ٤ - أن هذا وعيد وإخلاف الوعيد لا يذم بل يمدح، والله تعالى يجوز عليه إخلاف الوعيد، ولا يجوز عليه إخلاف الوعد، والفرق بينهما: أن الوعيد حقه فإخلافه عفو وهبة وإسقاط وذلك موجب كرمه وجوده وإحسانه. والوعد حق عليه أوجبه على نفسه، والله لا يخلف الميعاد (٣٦). المذهب الثاني: مذهب التوقف: ذهب بعض أهل العلم إلى التوقف في تفسير هذه الأحاديث، وقالوا بإمرارها كما جاءت من غير تعرض لتأويلها أو تفسيرها. وممن ذهب إلى هذا: - الإمام الزهري ﵀ فإنه لما سُئل عن بعضها قال: "من الله العلم وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم" (٣٧). - الإمام أحمد ﵀ فإنه لما سئل عن حديث: "من غشنا فليس منا" قال: "لا أدري إلا على ما رُوي" (٣٨).

стр. 345

- الإمام البغوي فإنه قال في حديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن": "القول ما قال رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والعلم عند الله " (٣٩). - الشيخ محمد بن عبد الوهاب فإنه قال عن نصوص الوعد والوعيد: "أحسن ما قيل في ذلك: أمروها كما جاءت، معناه: لا تتعرضوا لها بتفسير" (٤٠). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "عامة علماء السلف يقرون هذه الأحاديث ويمرونَها كما جاءت ويكرهون أن تتأول تأويلات تخرجها عن مقصود رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (٤١). ثانيًا: التوجيهات الخاصة بكل نوع من أنواع أحاديث الوعيد: * أولًا: توجيه الأحاديث المتعلقة بحكم الدنيا: سبق ذكر جملة من الأحاديث في بعضها إطلاق لفظ الكفر على من ارتكب بعض الكبائر وفي بعضها نفى الإيمان عنه، وفي بعضها براءة الرسول ﷺ منه، وقد تناول أهل العلم هذه الأحاديث بالشرح والبيان محاولين توجيهها لتتفق مع القاعدة التى سبق بيانُها ونَقْل الإجماع عليها، وجميع هذه التوجيهات لا تخرج عن مذهب الجمع، وإليك بيان ذلك: * أما الأحاديث التي ورد فيها إطلاق لفظ الكفر على من ارتكب بعض الكبائر فقد جاءت توجيهات أهل العلم لها كالتالي: ١ - أن المراد بالكفر في هذه الأحاديث: كفر دون كفر، أي ليس بالكفر

стр. 346

المخرج من الملَّة وإنما هو كفر دونه، وهو الكفر الأصغر، وإلى هذا ذهب ابن عبَّاس وأصحابه كطاوس وعطاء وغيرهما (٤٢) ونسبه شيخ الإسلام ابن تيمية لعامة السلف (٤٣). ٢ - أن المراد بالكفر في هذه الأحاديث الكفر اللغوي وهو الستر والتغطية للإحسان والنعم، فيكون معني هذا الكفر: كفر النعمة والإحسان، قالوا: ويشهد لهذا قوله ﷺ للنساء: "إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير" (٤٤) وإلى هذا القول ذهب الطحاوي (٤٥) ﵀. ٣ - أن المراد بيان أن هذه المعاصي من الأخلاق والسنن والأعمال التي عليها الكفار والمشركون، وإلى هذا ذهب الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام (٤٦)، وكذا النووي (٤٧) عليهما رحمة الله، وغيرهم. ٤ - أن المراد أن هذه المعاصي تؤول به إلى الكفر، وذلك لأن المعاصي بريد الكفر ويُخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر (٤٨). * وأما الأحاديث التي ورد فيها نفي الإيمان عمَّن ارتكب بعض الكبائر فقد جاءت توجيهات أهل العلم لها كالتالي: ١ - أن المراد بالمنفى في هذه الأحاديث إنما هو كمال الإيمان أي: ليس

стр. 347

بمستكمل الإيمان من فعل هذه المعاصى، وليس المراد نفى أصل الإيمان. وإلى هذا ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام (٤٩) وابن قتيبة (٥٠) وابن عبدالبر (٥١) والنووي (٥٢) وشيخ الإسلام ابن تيمية (٥٣) وجمع من أهل العلم عليهم رحمة الله، بل جعله النووي القول الصحيح الذي عليه المحققون. واستشهد أبو عبيد لهذا القول بقوله ﷺ للمسيء صلاته: "ارجع فصل فإنك لم تصل" (٥٤) فإن الرسول ﷺ في هذا الحديث لم يُرد نفى مطلق الصلاة لأنَّه قد رآه يصلي، وإنما أراد نفى حقيقة الصلاة وكمالها الواجب. قال النووي ﵀: "وهذا من الألفاظ التى تطلق على نفى الشيء ويُراد نفى كماله ومختاره كما يُقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة" (٥٥). ويحسن التنبيه هنا إلى أن المراد بالكمال المنفي إنما هو: الكمال الواجب، ولا يجوز أن يكون المراد الكمال المستحب، لأن من فعل الواجبات ولم ينتقص شيئًا منها لا يجوز أن يُقال إنه ما فعلها لا حقيقة ولا مجازًا، ولا يجوز أن يُنفى عنه الإيمان لأنَّه لم يفعل المستحبات. وقول الرسول ﷺ للمسىء صلاته: "ارجع فصل فإنك لم تصل" إنما

стр. 348

كان لتركه واجب (٥٦). فهذا القيد لا بد منه، وهو كون المراد بالكمال المنفى في هذه الأحاديث: الكمال الواجب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "اسم الإيمان إذا أطلق في كلام الله ورسوله فإنه يتناول فعل الواجبات وترك المحرمات، ومن نفى الله ورسوله عنه الإيمان فلا بد أن يكون قد ترك واجبًا أو فعل محرمًا فلا يدخل في الاسم الذي يستحق أهله الوعد دون الوعيد بل يكون من أهل الوعيد" (٥٧). ٢ - وقيل: المراد إنه ينْزع منه اسم المدح الذى يُسمى به أولياء الله المؤمنون، ويستحق اسم الذم فيُقال: سارق وزان وفاجر وفاسق، وإلى هذا ذهب الطبري ﵀ (٥٨). ٣ - وقيل: إنه يُنْزع منه الإيمان عند ارتكاب الكبيرة فإذا فارقها عاد إليه الإيمان (٥٩). واستدل من قال بِهذا القول: بقوله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إذا زني الرجل خرج منه الإيمان كان عليه كالظلة فاذا انقلع رجع إليه الإيمان" (٦٠). * وأما الأحاديث التي ورد فيها براءة الرسول -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ممن ارتكب بعض الكبائر فقد جاءت توجيهات أهل العلم لها كالتالي: ١ - أن المراد: ليس من المطيعين لنا ولا من المقتدين بنا، ولا من

стр. 349

المحافظين على شرائعنا، وعلى هذا فإن الاسم المضمر في قوله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "ليس منا" ينصرف إطلاقه إلى المؤمنين الإيمان الواجب الذي به يستحقون الثواب بلا عقاب، وإلى هذا ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام (٦١) وشيخ الإسلام ابن تيمية (٦٢) عليهما رحمة الله، وهذا التوجيه في الحقيقة يرجع إلى توجيههما السابق لأحاديث نفى الإيمان. ٢ - وقيل إن المعني: ليس مثلنا، وهذا منسوب لسفيان بن عيينة (٦٣). * ثانيًا: توجيه الأحاديث المتعلقة بحكم الآخرة: تقدمت الإشارة إلى نماذج من أحاديث الوعيد في الآخرة لمن ارتكب بعض الكبائر، في بعضها لعنه ووعيده بعدم دخول الجنة، وفي البعض الآخر وعيده بدخول النار، وقد سلك أهل العلم فيها مذهب الجمع فجاءت توجيهاتهم لها كالتالي: ١ - أن المراد بقوله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا يدخل الجنة" أي: بعض الجنان التي هي أعلى وأشرف وأنبل وأكثر نعيمًا وسرورًا وبَهجة، لا أنه أراد أنه لا يدخل شيئًا من تلك الجنان التي هي في الجنة (٦٤). ٢ - وقيل المراد: لا يدخل الجنة في الوقت الذي يدخلها من لم يرتكب هذا الذنب، لأنَّه يحبس عن دخول الجنة إما للمحاسبة على الذنب أو لإدخاله النار ليعذب بقدر ذلك الذنب ثم يخرج منها ويدخل الجنة (٦٥). وهذا معني قول بعضهم: "إن المنفى هو الدخول المطلق الذي لا يكون

стр. 350

معه عذاب، لا الدخول المقيد الذي يحصل لمن دخل النار ثم دخل الجنة" (٦٦). ٣ - وقيل: إن في الكلام شرطًا أو استثناءً مقدرًا، والتقدير: لا يدخل الجنة إن عذبه، أو لا يدخل الجنة إلا أن يغفر له (٦٧). ٤ - وأما الأحاديث التي ورد فيها الوعيد بالنار لمن ارتكب بعض المعاصى فقد قال فيها النووي ﵀: "سبيل كل ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر فكلها يُقال فيها: هذا جزاؤه، وقد يُجازى وقد يعفى عنه، ثم إن جُوزي وأدخل النار فلا يُخلد فيها بل لا بد من خروجه منها بفضل الله ورحمته، ولا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، وهذه قاعدة متفق عليها عند أهل السنة" (٦٨). * * *

стр. 351

المطلب الثالث الترجيح الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول بإطلاق هذه الأحاديث كما جاءت -سواءً أحاديث الوعد أو أحاديث الوعيد المتعلقة بأحكام الآخرة- وحملها على ظاهرها واعتقاد أن هذه الأعمال سبب وموجب لتحقق الوعد أو الوعيد المرتب عليها، لكن لا يُحكم على معيّن بتحقق الوعد أو الوعيد فيه حتي تتوفر فيه الشروط، وتنتفي عنه الموانع، وقد نصر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وقرره في مواضع كثيرة من كتبه. ويدل على صحة هذا القول في أحاديث الوعد: ١ - أنه -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة -مع الإيمان وعدم الشرك- في كثير من الأحاديث، ولم يقتصر فيها على مجرد الإتيان بالشهادتين، ومن هذه الأحاديث: أ - حديث أبي أيوب رضى الله عنه أن رجلًا قال للنبي ﷺ : أخبرني بعملٍ يدخلنى الجنة، فقال النبي -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "تعبد الله ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم" (١). ب - حديث أبي هريرة ﵁ أن أعرابيًّا أتى النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان" (٢).

стр. 352

٢ - أن الروايات المطلقة -والتي فيها أن من جاء بالشهادة أو الشهادتين دخل الجنة أو حرمه الله على النار- جاءت مقيدة في روايات أخرى (٣)، فوجب حمل المطلق على المقيد. فالروايات المطلقة ليس فيها إلا أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، ومقتض لذلك، ولكن لا بد لحصول المسبب والمُقتضى من توفر الشروط وانتفاء الموانع، أما إذا تخلف شرط أو وجد مانع فلا ريب أنه قد يتخلف المسبب أو المقتضى. ولذلك لما قيل للحسن: إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، قال: "من قال لا إله إلا الله فأدَّ حقها وفرضها دخل الجنة" (٤). وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: "بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك" (٥). وقد ذكر أهل العلم شروطًا سبعة لا بد من تحققها فيمن قال لا إله إلا الله حتي تنفعه وقد جُمعت في هذا البيت: علم يقين وإخلاص وصدقك مع ... محبة وانقياد والقبول لها (٦) قال ابن القيم معلقًا على حديث: "إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" (٧)، قال ﵀: "والشارع صلوات

стр. 353

الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلًا بمجرد قول اللسان فقط، فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن المنافقين يقولونَها بألسنتهم وهم مع ذلك في الدرك الأسفل من النار، فلا بد من قول القلب وقول اللسان. وقول القلب يتضمن من معرفتها والتصديق بِها ومعرفة حقيقة ما تضمنته -من النفى والإثبات- ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير الله المختصة به التي يستحيل ثبوتُها لغيره، وقيام هذا المعني بالقلب علمًا ومعرفة ويقينًا وحالًا: ما يوجب تحريم قائلها على النار، وكل قول رتب الشارع ما رتب عليه من الثواب فإنما هو القول التام" (٨). وقال سليمان بن عبد الله: "أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها فإن ذلك غير نافع بالاجماع" (٩). ٣ - أن أبا بكر ﵁ لما أراد قتال مانعى الزكاة احتج عليه عمر ابن الخطاب ﵁ بقوله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" (١٠) حيث فهم منه عمر رضى الله عنه وجماعة من الصحابة: أن من أتى بالشهادتين امتنع من عقوبة الدنيا بمجرد ذلك فتوقفوا في قتال مانعي الزكاة. وفهم الصديق أنه لا يمتنع قتاله إلا بأداء حقوقها لقوله ﷺ : "فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه" قال: والزكاة حق المال. ولما قرر أبو بكر رضى الله عنه هذا للصحابة رجعوا إلى قوله ورأوه صوابًا.

стр. 354

مع أن هذا الفهم الذي فهمه الصديق رضى الله عنه جاء ما يؤيده مرفوعًا إلى النبي -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كما في حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابُهم على الله" (١١) " (١٢). فإذا عُلم أن عقوبة الدنيا لا ترتفع عمن أدَّى الشهادتين مطلقًا بل قد يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام فكذلك عقوبة الآخرة (١٣). وبِهذا القول يُعلم الجمع -أيضًا- بين الأحاديث التى فيها تحريم النار على من قال لا إله إلا الله والأحاديث التي فيها خروجه من النار بالشفاعة، وذلك بأن يكون المراد بتحريم النار على من قال لا إله إلا الله: من قالها مستوفيًا لشروطها منتفية عنه موانعها. -وأما ما ذهب إليه أصحاب المسلك الثاني من التأويلات لأحاديث الوعد فإنَّها -وإن كانت محتملة- إلا أنَّها بعيدة عن ظاهر هذه الأحاديث ولذلك عدها ابن القيم ﵀ من التأويلات المستكرهة (١٤). - وأما ما ذهب إليه القائلون بأن أحاديث الوعد كانت قبل نزول الفرائض ثم نزلت نصوص الفرائض والحدود فنسختها فإنه بعيد جدًّا -سواء كان مرادهم

стр. 355

حقيقة النسخ أم كان مرادهم بالنسخ البيان والإيضاح -لأن كثيرًا من نصوص الوعد كان بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك وهى في آخر حياة النبي -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (١٥) كما أن أبا هريرة ﵁ من رواة أحاديث الوعد وهو متأخر الإسلام، أسلم عام خيبر سنة سبع بالاتفاق، وكانت أحكام الشريعة مستقرة وأكثر هذه الواجبات كانت فروضها مستقرة، وكانت الصلاة والصيام والزكاة وغيرها من الأحكام قد تقرر فرضها (١٦). تنبيه: قد يشكل على هذا القول الذي تقدم ترجيحه ما جاء في حديث الشفاعة عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أنه ﷺ قال: " .. فيقول الله شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حممًا فيلقيهم في نَهر في أفواه الجنة يقال له نَهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل .. " قال: "فيخرجون كاللؤلؤ في رقابِهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه" (١٧). ووجه الإشكال أن هذا الحديث فيه التصريح بخروج قوم من النار وإدخالهم الجنة مع أنَّهم لم يعملوا خيرًا قط. والجواب عن هذا الإشكال في هذا الحديث وما في معناه: هو أنه محمول على أحد أمرين: أحدهما: ما ذكره ابن خزيمة رحمه الله تعالى من أنّ "هذه اللفظة" لم
следующие страницы →