← Акыда

Акыда · id 123

أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين دراسة وترجيح

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (669 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المطلب الثالث الترجيح الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول بإطلاق هذه الأحاديث كما جاءت -سواءً أحاديث الوعد أو أحاديث الوعيد المتعلقة بأحكام الآخرة- وحملها على ظاهرها واعتقاد أن هذه الأعمال سبب وموجب لتحقق الوعد أو الوعيد المرتب عليها، لكن لا يُحكم على معيّن بتحقق الوعد أو الوعيد فيه حتي تتوفر فيه الشروط، وتنتفي عنه الموانع، وقد نصر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وقرره في مواضع كثيرة من كتبه. ويدل على صحة هذا القول في أحاديث الوعد: ١ - أنه -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة -مع الإيمان وعدم الشرك- في كثير من الأحاديث، ولم يقتصر فيها على مجرد الإتيان بالشهادتين، ومن هذه الأحاديث: أ - حديث أبي أيوب رضى الله عنه أن رجلًا قال للنبي ﷺ : أخبرني بعملٍ يدخلنى الجنة، فقال النبي -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "تعبد الله ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم" (١). ب - حديث أبي هريرة ﵁ أن أعرابيًّا أتى النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان" (٢).

стр. 352

٢ - أن الروايات المطلقة -والتي فيها أن من جاء بالشهادة أو الشهادتين دخل الجنة أو حرمه الله على النار- جاءت مقيدة في روايات أخرى (٣)، فوجب حمل المطلق على المقيد. فالروايات المطلقة ليس فيها إلا أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، ومقتض لذلك، ولكن لا بد لحصول المسبب والمُقتضى من توفر الشروط وانتفاء الموانع، أما إذا تخلف شرط أو وجد مانع فلا ريب أنه قد يتخلف المسبب أو المقتضى. ولذلك لما قيل للحسن: إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، قال: "من قال لا إله إلا الله فأدَّ حقها وفرضها دخل الجنة" (٤). وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: "بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك" (٥). وقد ذكر أهل العلم شروطًا سبعة لا بد من تحققها فيمن قال لا إله إلا الله حتي تنفعه وقد جُمعت في هذا البيت: علم يقين وإخلاص وصدقك مع ... محبة وانقياد والقبول لها (٦) قال ابن القيم معلقًا على حديث: "إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" (٧)، قال ﵀: "والشارع صلوات

стр. 353

الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلًا بمجرد قول اللسان فقط، فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن المنافقين يقولونَها بألسنتهم وهم مع ذلك في الدرك الأسفل من النار، فلا بد من قول القلب وقول اللسان. وقول القلب يتضمن من معرفتها والتصديق بِها ومعرفة حقيقة ما تضمنته -من النفى والإثبات- ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير الله المختصة به التي يستحيل ثبوتُها لغيره، وقيام هذا المعني بالقلب علمًا ومعرفة ويقينًا وحالًا: ما يوجب تحريم قائلها على النار، وكل قول رتب الشارع ما رتب عليه من الثواب فإنما هو القول التام" (٨). وقال سليمان بن عبد الله: "أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها فإن ذلك غير نافع بالاجماع" (٩). ٣ - أن أبا بكر ﵁ لما أراد قتال مانعى الزكاة احتج عليه عمر ابن الخطاب ﵁ بقوله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" (١٠) حيث فهم منه عمر رضى الله عنه وجماعة من الصحابة: أن من أتى بالشهادتين امتنع من عقوبة الدنيا بمجرد ذلك فتوقفوا في قتال مانعي الزكاة. وفهم الصديق أنه لا يمتنع قتاله إلا بأداء حقوقها لقوله ﷺ : "فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه" قال: والزكاة حق المال. ولما قرر أبو بكر رضى الله عنه هذا للصحابة رجعوا إلى قوله ورأوه صوابًا.

стр. 354

مع أن هذا الفهم الذي فهمه الصديق رضى الله عنه جاء ما يؤيده مرفوعًا إلى النبي -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كما في حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابُهم على الله" (١١) " (١٢). فإذا عُلم أن عقوبة الدنيا لا ترتفع عمن أدَّى الشهادتين مطلقًا بل قد يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام فكذلك عقوبة الآخرة (١٣). وبِهذا القول يُعلم الجمع -أيضًا- بين الأحاديث التى فيها تحريم النار على من قال لا إله إلا الله والأحاديث التي فيها خروجه من النار بالشفاعة، وذلك بأن يكون المراد بتحريم النار على من قال لا إله إلا الله: من قالها مستوفيًا لشروطها منتفية عنه موانعها. -وأما ما ذهب إليه أصحاب المسلك الثاني من التأويلات لأحاديث الوعد فإنَّها -وإن كانت محتملة- إلا أنَّها بعيدة عن ظاهر هذه الأحاديث ولذلك عدها ابن القيم ﵀ من التأويلات المستكرهة (١٤). - وأما ما ذهب إليه القائلون بأن أحاديث الوعد كانت قبل نزول الفرائض ثم نزلت نصوص الفرائض والحدود فنسختها فإنه بعيد جدًّا -سواء كان مرادهم

стр. 355

حقيقة النسخ أم كان مرادهم بالنسخ البيان والإيضاح -لأن كثيرًا من نصوص الوعد كان بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك وهى في آخر حياة النبي -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (١٥) كما أن أبا هريرة ﵁ من رواة أحاديث الوعد وهو متأخر الإسلام، أسلم عام خيبر سنة سبع بالاتفاق، وكانت أحكام الشريعة مستقرة وأكثر هذه الواجبات كانت فروضها مستقرة، وكانت الصلاة والصيام والزكاة وغيرها من الأحكام قد تقرر فرضها (١٦). تنبيه: قد يشكل على هذا القول الذي تقدم ترجيحه ما جاء في حديث الشفاعة عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أنه ﷺ قال: " .. فيقول الله شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حممًا فيلقيهم في نَهر في أفواه الجنة يقال له نَهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل .. " قال: "فيخرجون كاللؤلؤ في رقابِهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه" (١٧). ووجه الإشكال أن هذا الحديث فيه التصريح بخروج قوم من النار وإدخالهم الجنة مع أنَّهم لم يعملوا خيرًا قط. والجواب عن هذا الإشكال في هذا الحديث وما في معناه: هو أنه محمول على أحد أمرين: أحدهما: ما ذكره ابن خزيمة رحمه الله تعالى من أنّ "هذه اللفظة" لم

стр. 356

يعملوا خيرًا قط" (١٨) من الجنس الذي يقول العرب بنفى الاسم عن الشىء لنقصه عن الكمال والتمام فمعني هذه اللفظة على هذا الأصل: لم يعملوا خيرًا قط على التمام والكمال لا على ما أوجب عليه وأمر به، وقد بينت هذا المعني في مواضع من كتبى" (١٩). ويشهد لهذا التوجيه حديث المسيء صلاته حيث قال له النبي ﷺ : "ارجع فصل فإنك لم تصل"، فإن النبى ﷺ لم يُرد في هذا الحديث نفى مطلق الصلاة لأنَّه قد رآه يصلي وإنما أراد نفى حقيقة الصلاة وكمالها الواجب (٢٠). وثانيهما: أن يقال أنه محمول على حالات خاصة يكون فيها تارك جنس العمل غير مخلد في النار، وقد لا يدخلها أصلًا. ومن هذه الحالات التي يمكن تطبيق هذا الحديث عليها ما يلى: ١ - سكان الأطراف البعيدة والجزر النائية ممن لم يصلهم من الإسلام إلّا اسمه وينتشر فيهم الشرك والجهل في الدين فهم غافلون عنه أو معرضون عمن تعلمه ولا يعرفون من أحكامه شيئًا، فهؤلاء لا شك أن فيهم المعذور وفيهم المؤاخذ. والمؤاخذون درجات، فقد يخرج بعضهم عن حكم الإسلام بمرة، وقد يكون لا يخلد في النار .. وهكذا مما لا يعلم حقيقته إلا علام الغيوب. ٢ - بعض شرار الناس آخر الزمان حين يفشو الجهل ويندرس الدين، وعلى هذا جاء حديث حذيفة رضى الله عنه مرفوعًا: "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يُدرى ما صيام ولا صدقة ولا نسك، ويُسْرى على

стр. 357

كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ويبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله فنحن نقولها" قال صلة بن زفر لحذيفة: فما تغنى عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صيام ولا صدقة ولا نسك؟ فأعرض عنه حذيفة، فرددها عليه ثلاثًا كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة تنجيهم من النار (٢١). فهؤلاء الذين يكونون في هذا الزمن -نسأل الله العافية- نقول فيهم كما قال حذيفة رضى الله عنه: إن لا إله إلا الله تنجيهم من النار، إذ لا يعلمون غيرها في ذلك الزمان الذي هو أسوأ زمان (٢٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يندرس فيها كثير من علوم النبوات حتي لا يبقى من يُبلغ ما بعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتي يعرف ما جاء به الرسول -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (٢٣)، ثم ذكر حديث حذيفة السابق. وأما الدلالة على صحة هذا القول في أحاديث الوعيد المتعلقة بأحكام الآخرة فظاهرة:

стр. 358

وذلك أنه ﷺ فرَّق بين إطلاق هذه الأحاديث وبين الحكم بِها على المعيَّن، وذلك كما في حديث أنس رضى الله عنه قال: "لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربَها وحاملها .. " (٢٤). ففى هذا الحديث أطلق رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اللعن على شارب الخمر على وجه العموم. وثبت في صحيح البخاري من حديث عمر بن الخطاب: أن رجلًا على عهد النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارًا، وكان يضحك رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وكان النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد جلده في الشراب، فأُتي به يومًا فأمر به فجُلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يُؤتى به، فقال النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله" (٢٥) ففى هذا الحديث نَهى رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن لعن هذا الرجل الذي يشرب الخمر مع إصراره على شربه وفي الحديث الأول لعن شارب الخمر، وذلك لأن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعيَّن الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة له (٢٦). وهذا التفريق بين إطلاق نصوص الوعيد وبين الحكم بِها على معين يجب تطبيقه في جميع نصوص الوعيد المتعلقة بأحكام الآخرة، فمثلًا قوله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" (٢٧) يجب العمل به في تحريم اقتتال المؤمنين بغير حق، واعتقاد أن فاعل ذلك متوعد بِهذا الوعيد، ومع

стр. 359

ذلك فإننا لا نحكم على أهل الجمل وصفين بالنار، لأن لهم عذرًا وتأويلًا في القتال، وحسنات منعت المقتضى أن يعمل عمله (٢٨). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فثبت أن الأحاديث المتضمنة للوعيد يجب العمل بِها في مقتضاها باعتقاد أن فاعل ذلك الفعل متوعد بذلك الوعيد، لكن لحوق الوعيد به متوقف على شروط وله موانع" (٢٩). وقال أيضًا: "وهذا كما في نصوص الوعيد، فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (٣٠) فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعيَّن لا يشهد عليه بالوعيد، فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع" (٣١). وقد ذكر أهل العلم أحد عشر سببًا تُسقط العقوبة على الذنب، وتمنع من إنفاذ الوعيد وهى كالتالي: ١ - التوحيد. ٢ - التوبة: وهى مانعة من إنفاذ الوعيد بالاتفاق. ٣ - الاستغفار. ٤ - الحسنات الماحية. ٥ - دعاء المؤمنين للمؤمن مثل صلاتِهم على جنازته. ٦ - ما يُعمل للميت من أعمال البر كالصدقة ونحوها.

стр. 360

٧ - شفاعة النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة. ٨ - المصائب الدنيوية التى يُكفر الله بِها الخطايا. ٩ - ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة فإن هذا مما يكفر به الخطايا. ١٠ - أهوال يوم القيامة وكربِها وشدائدها. ١١ - رحمة الله وعفوه ومغفرته من غير شفاعة (٣٢). وأما أحاديث الوعيد المتعلقة بأحكام الدنيا، كالتي فيها إطلاق الكفر على من ارتكب بعض الكبائر أو نفى الإيمان عنه أو البراءة منه، فإنه لا يصح حملها على الكفر المخرج من الملَّة، لأن الإجماع منعقد -كما تقدم- على عدم كفر مرتكب الكبيرة ما لم تكن شركًا أو يكون مستحلًّا لها. - وعلى هذا فإن الصحيح في الأحاديث التى ورد فيها إطلاق الكفر على من ارتكب بعض الكبائر: أن المراد بِها الكفر الأصغر والذي عبر عنه بعض السلف بقولهم كفر دون كفر، وضابط هذا الكفر: أنه كل ما ثبت بنص أنه كفر، لكن دلت الدلائل على أنه ليس كفرًا مخرجًا من الملَّة، مثال ذلك: قوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" (٣٣) مع قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٣٤) فالكفر المراد في الحديث ليس

стр. 361

الكفر المخرج من الملَّة، وإلا لما أثبت الله لمن تقاتلوا وصف الإيمان الذي هو في الآية الإسلام الظاهر (٣٥). - وأما الأحاديث التى ورد فيها نفى الإيمان عمَّن ارتكب بعض الكبائر فإن المراد بالمنفى فيها كمال الإيمان الواجب وليس المراد نفى مطلق الإيمان، ولا نفى كمال الإيمان المستحب وهذا هو الذي ذهب إليه جمع من أهل العلم، كما تقدم. - وكذلك أحاديث البراءة من أصحاب الكبائر فإنَّها محمولة على هذا فيكون المعني فيها: ليس من المؤمنين الإيمان الواجب الذي به يستحقون الثواب بلا عقاب. وهذا القول والذي قبله في نصوص الكفر مبنى على أصل عظيم عند أهل السنة والجماعة وهو أن الشخص الواحد يمكن أن يجتمع فيه كفر وإيمان ونفاق وإيمان، وليس مرادهم بالكفر، أصل الكفر المُخرج من الملَّة، فإنه لا يجتمع مع الإيمان، وإنما مرادهم شعبة من شعب الكفر إذ المعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات من شعب الإيمان، وكذلك ليس مرادهم بالنفاق: النفاق الاعتقادي المخرج من الملَّة، وإنما مرادهم النفاق العملي، قال ابن القيم ﵀: "الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان، وهذا من أعظم أصول أهل السنة، وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع، كالخوارج (٣٦) والمعتزلة والقدرية، ومسألة خروج أهل الكبائر من

стр. 362

النار وتخليدهم فيها مبنية على هذا الأصل، وقد دل عليه القرآن والسنة، والفطرة وإجماع الصحابة" (٣٧) ثم ساق الأدلة على هذا الأصل. فإذا قام بالشخص شىء من شعب الكفر فإنه ينتفى عنه الإيمان المطلق فلا يوصف به، وإنما يوصف بالإسلام -لأن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنًا- ولذلك قال بعض السلف في قوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن .. " قال: هذا الإسلام ودوَّر دائرة واسعة، وهذا الإيمان ودور دائرة صغيرة في وسط الكبيرة، فإذا زني أو سرق خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الكفر بالله (٣٨). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان، وشعبة من شعب النفاق، وقد يكون مسلمًا وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية، كما قال الصحابة، ابن عبَّاس وغيره: كفر دون كفر، وهذا قول عامة السلف وهو الذي نص عليه أحمد وغيره ممن قال في السارق والشارب ونحوهم ممن قال فيه النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إنه ليس بمؤمن" إنه يُقال لهم: مسلمون لا مؤمنون، واستدلوا بالقرآن والسنة على نفى الإيمان مع إثبات اسم الإسلام، وبأن الرجل قد يكون مسلمًا ومعه كفر لا ينقل عن الملَّة بل كفر دون كفر" (٣٩). فالإيمان من حيث العموم له مرتبتان:

стр. 363

الأولى: وهى الإسلام الذي هو أصل الدين. والثانية: وهى الإيمان الخاص. ونفى المرتبة الأولى يتضمن نفى المرتبة الثانية، لكن نفى المرتبة الثانية لا يتضمن نفى المرتبة الأولى. وكذلك فإن الكفر مرتبتان هما: الكفر المخرج من الملَّة المقابل للإيمان الذي هو الإسلام على الحقيقة. والكفر الذي لا يخرج من الملَّة ويقابل الإيمان الواجب الذي هو زائد على مرتبة الإسلام على الحقيقة. وبناءً على هذا فإنه لا يلزم من إطلاق وصف الكفر أن يكون المراد به الكفر المخرج من الملَّة، بل قد يراد به الكفر الأصغر، كما أنه لا يلزم من نفي الإيمان نفيه بالكلية، بل قد يكون المراد نفى الإيمان الواجب مع بقاء وصف الإسلام (٤٠). مناقشة الأقوال والتوجيهات المرجوحة لأحاديث الوعيد: قبل المناقشة لا بد من التنبيه على أن بعض التوجيهات السابقة لأحاديث الوعيد متداخلة أو على أقل الأحوال ليست متعارضة، ولذلك قال ابن حجر ﵀: "بعض الأقوال المنسوبة لأهل السنة يمكن رد بعضها إلى بعض" (٤١). كما أنه من الملاحظ أن جميع التوجيهات -سواءً في أحاديث الوعد أو الوعيد- تشترك في شيء معين، من أجله قال أهل العلم بِهذه التوجيهات: ففي أحاديث الوعد نجد أن جميع الأقوال تشترك في كون مرتكب الكبيرة

стр. 364

مستحقًّا للعقاب وهذا بلا شك أمر متفق عليه عند أهل السنة. وفي أحاديث الوعيد نجد أن جميع الأقوال تشترك في عدم كفر مرتكب الكبيرة كفرًا مخرجًا من الملَّة، إذا لم يكن مستحلًّا لها، وعدم خلوده في النار إن دخلها، وهذا أمر متفق عليه كما تقدم. وفيما يلى مناقشة التوجيهات المرجوحة التي يمكن أن يُقال باطِّرادها في جميع أحاديث الوعيد، لأنَّها هى التي تتكرر كثيرًا ويُقال بِها في جميع أحاديث الوعيد (٤٢). - أما ما ذهب إليه بعضهم من حمل هذه النصوص على المستحل لها (٤٣) فقد أنكره الإمام أحمد وقال: "لو استحل ذلك ولم يفعله كان كافرًا، والنبي ﷺ قال: "من فعل كذا وكذا .. "" (٤٤). وقال الحافظ في الفتح بعد ما استبعد هذا القول: "لو كان مرادًا لم يحصل التفريق بين السباب والقتال (٤٥) فإن مستحل لعن المسلم بغير تأويل يكفر أيضًا" (٤٦). - وأما حمل هذه الأحاديث على أن المراد بها الزجر والترهيب والتحذير، فقد رده أبو عبيد القاسم بن سلام فقال: هذا "أفظع تأوُّل على رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

стр. 365

وأصحابه، أن جعلوا الخبر عن الله وعن دينه وعيدًا لا حقيقة له، وهذا يئول إلى إبطال العقاب" (٤٧) وقد عدَّ شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول من التأويلات المستكرهة (٤٨). - وأما قول بعضهم في توجيه هذه الأحاديث: إن هذا وعيد وإخلاف الوعيد جائز بخلاف إخلاف الوعد، فقول صحيح لكنه داخل ضمن القول الذي سبق ترجيحه، فإخلاف الله لوعيده معناه: عفوه ورحمته ومغفرته، وهذا مانع واحد من عدة موانع للوعيد تقدم ذكرها. وأما تضعيف شيخ الإسلام ابن تيمية لهذا القول ففيه نظر حيث قال ﵀ تعليقًا على قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٤٩). قال ﵀: "وهذه الآية تضعف جواب من يقول: إن إخلاف الوعيد جائز، فإن قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ بعد قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ دليل على أن وعيده لا يبدل كما لا يبدل وعده" (٥٠).

стр. 366

والصحيح أن إخلاف الوعيد جائز في حق المؤمنين، ولا يجوز في حق الكافرين، وسياق هذه الآيات التي استدل بِها شيخ الإسلام يدل على أنَّها واردة في الكفار. والذي يدل على أن إخلاف الوعيد جائز في حق المسلمين ما جاء في أحاديث الشفاعة وإخراج الله تعالى لأقوام من النار، وكذلك تعلق المغفرة بالمشيئة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ (٥١)، (٥٢). - وأما القول بالتوقف في هذه الأحاديث فليس المراد به: التوقف في كفر مرتكب الكبيرة أو خروجه من الإسلام، أو عدم دخوله الجنة مطلقًا أو خلوده في النار، لأن هذه الأمور قد تقدم نقل الإجماع على أنه لا يحكم بِها على مرتكب الكبيرة بسبب كبيرته ما لم يكن مستحلًّا لها، فلم يبق إلا أن يكون مرادهم بِهذا التوقف: التوقف في توجيه هذه الأحاديث أو بعضها، وعلى أي التوجيهات يمكن أن تحمل، وهذا بابه واسع كما تقدم والله أعلم. الخلاصة أن القول الصحيح في أحاديث الوعد وكذلك أحاديث الوعيد المتعلقة بأحكام الآخرة، هو إطلاق القول بِها كما جاءت واعتقاد أن هذا العمل سبب لاستحقاق الوعد أو الوعيد المرتب عليه، لكن لا يحكم على معين بدخوله في هذا الوعد أو ذاك الوعيد حتي تتوفر فيه الشروط، وتنتفى عنه الموانع.

стр. 367

قال في شرح الطحاوية: "لكنا نقف في الشخص المعيَّن فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا من علم، لأن حقيقة باطنه وما مات عليه لا نحيط به، لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسىء" (٥٣). وقال ابن عبد البر معلقًا على أحاديث الوعيد: "والآثار في هذا الباب كثيرة جدًّا لا يمكن أن يحيط بِها كتاب، فالأحاديث اللينة ترجى والشديدة تخشى، والمؤمن بين الخوف والرجاء، والمذنب -إن لم يتب- في مشيئة الله" (٥٤). - وأما الفاسق الملِّى والذي تدور حوله هذه الأحاديث فحكمه في الدنيا: أنه لا يُنفى عنه مطلق الإيمان ولا يوصف بالإيمان التام، ولكن يُقال: مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يُعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم. وأما حكمه في الآخرة: فإنه تحت المشيئة، إن شاء الله تعالى عذبه ثم أدخله الجنة، وإن شاء أدخله الجنة ابتداءً مع اعتقاد أنه إن عُذب فإنه لا يخلد في النار (٥٥). وبِهذا القول تتبين وسطية أهل السنة والجماعة بين الفرق، حيث أخذوا بمجموع النصوص ونظروا إليها كلها ولم يكونوا كالخوارج والمعتزلة ولا المرجئة (٥٦) الذين نظروا بعين واحدة، وإلى جانب واحد من النصوص.

стр. 368

وذلك أن الخوارج والمعتزلة أخذوا بنصوص الوعيد ومن ثَمَّ حكموا على مرتكب الكبيرة في الآخرة بالخلود في النار. وأخرجته الخوارج في الدنيا من الإسلام، وجعلته المعتزلة في منْزلة بين المنْزلتين. وعلى النقيض من ذلك ذهبت المرجئة الخالصة إلى أن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، فأخذت بنصوص الوعد وأغفلت نصوص الوعيد. * * *

стр. 369

المبحث الثالث ما جاء في مكان سدرة المنتهى وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هدا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 370

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض جاء في بعض أحاديث المعراج أن سدرة المنتهى (١) في السماء السابعة أو فوقها كما في حديث مالك بن صعصعة وأنس ﵄. - ففى حديث مالك بن صعصعة قال ﷺ : " .. فأتينا السماء السابعة، قيل: من هذا؟ قيل جبريل، قيل: من معك؟ قيل: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه، مرحبًا به ونعم المجيء جاء، فأتيت على إبراهيم فسلمت عليه فقال: مرحبًا بك من ابنٍ ونبي، فرُفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم، ورُفعت لي سدرة المنتهى .. " (٢). - وفي حديث أنس ﵁: " .. ثم عُرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ . قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم ﵇ مسندًا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى .. " (٣).

стр. 371

- وجاء في حديث عبد الله بن مسعود -عند مسلم- أنها في السماء السادسة قال ﵁: "لمَّا أُسري برسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يُعرج به من الأرض فيُقبض منها، وإليها ينتهي ما يُهبط به من فوقها فيُقبض منها" (٤). بيان وجه التعارض بالنظر إلى الأحاديث السابقة نجد أن في الحديثين الأولين ما يفيد أن سدرة المنتهى في السماء السابعة أو فوقها. وفي المقابل نجد في حديث ابن مسعود ﵁ ما يفيد أنَّها في السماء السادسة. ولذلك قال القرطبى ﵀: "هذا تعارض لا شك فيه" (٥). * * *

стр. 372

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هدا التعارض سلك أهل العلم في هذه المسألة مذهبين: الأول: مذهب الجمع. والثاني: مذهب الترجيح. وإليك بيان ذلك: أولًا: مذهب الجمع: وإليه ذهب النووي وابن حجر عليهما رحمة الله فقالا: إن أصلها في السماء السادسة ومعظمها كأغصانها وفروعها في السماء السابعة. قال النووي ﵀: "ويمكن أن يجمع بينهما فيكون أصلها في السادسة ومعظمها في السابعة فقد عُلم أنها في نهاية من العِظَم" (١). وقال ابن حجر ﵀: "ولا يعارض قوله: إنَّها في السادسة ما دلت عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أن دخل السماء السابعة لأنه يحمل على أن أصلها في السماء السادسة وأغصانُها وفروعها في السابعة. وليس في السادسة منها إلا أصل ساقها" (٢). ثانيًا: مذهب الترجيح: وإليه ذهب ابن العربي (٣) والقاضى عياض (٤) والقرطبى (٥) -عليهم رحمة الله- وقال: إنه قول الأكثر فرجحوا كونَها في السابعة، واستدلوا على ذلك بما يلي:

стр. 373

١ - أن رواة كونِها في السابعة أكثر قال ابن العربي: "وفي الصحيح من الأحاديث أنها في السابعة ولا شك فيه فرواة ذلك أكثر" (٦). ٢ - قالوا: إن الأحاديث الدالة على أنَّها في السابعة مرفوعة، وأما حديث عبد الله بن مسعود -والذي فيه أنَّها في السادسة- فهو موقوف عليه من قوله. والمرفوع مقدم على الموقوف (٧). ٣ - وقالوا: إن كونَها في السابعة هو الذي يقتضيه وصفها وتسميتها بالمنتهى (٨). * * *

стр. 374

المطلب الثالث الترجيح لا شك أن الجمع بين الأحاديث وإعمالها كلها أولى من إهمال شيء منها وذلك إذا كان الجمع ممكنًا ومحتملًا، وهو الذي يلجأ إليه أهل العلم عند وجود ما يُوهم التعارض، فإن عسر عليهم ذلك، أو كان الجمع بعيدًا لا تحتمله الأحاديث لجئوا إلى مسلك آخر. وهذا المنهج يمكن تطبيقه هنا في هذه المسألة فإن الجمع ممكن كما تقدم، خاصة وأن الأدلة التي ذكرها القائلون بمذهب الترجيح لا تقدح في الجمع، لأن كون رواة السابعة أكثر وأحاديثها مرفوعة ووصفها بالمنتهى يدل على ذلك، لا يمنع من الجمع، كما أن القول بالجمع لا يعارض شيئًا من هذه الأدلة، والله أعلم. * * *

стр. 375

سلسلَة الرّسائل الجامِعِيّة (١) أَحَادِيثُ العَقِيدَة التي يُوهِمُ ظاهِرهَا التّعَارض في الصّحِيحيْن درَاسَة وترْجيح تَأليف سُليمان بن محمّد الدّبيْخي المحاضر بكليّة المعَلّمين بحَائل الجزء الثانى مَكْتَبَة دَار البَيَان الحَدِيثَة

стр. 376

جَميع حُقُوق الطّبْع محْفُوظة للنَّاشِرْ الطّبعَة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م النَّاشِر مَكْتَبَة دَار البَيَان الحَدِيثَة المملكَة العَرَبيّة السعوديّة - الطّائف - هَاتف: ٧٤٥١٤١٤ - فاكس: ٧٤٥١٤١٤ هاتف: ٧٤٥٤٦٧١ - ٧٤٦٣٧٣٤

стр. 377

الباب الثاني اليوم الآخر وتحته فصلان ° الفصل الأول: أشراط الساعة ° الفصل الثاني: مسائل تتعلق باليوم الآخر. * * *

стр. 378

الفصل الأول أشراط الساعة وفيه مبحثان • المبحث الأول: ما جاء في ابن صياد، هل هو المسيح الدجال أم غيره؟ • المبحث الثاني: ما جاء في الدخان، هل مضى أم لم يأت بعد؟ * * *

стр. 379

المبحث الأول ما جاء في ابن صياد هل هو المسيح الدجال أم غيره ؟ وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 380

المطلب الأول ذكر الأحاديث التى قد يوهم ظاهرها التعارض أولًا: ذكر حديث الجساسة: عن فاطمة بنت قيس رضى الله عنها قالت: -فذكرت قصة تأيمها من زوجها واعتدادها عند ابن أم مكتوم- فَلَمّا انْقَضَتْ عِدّتِى سَمِعْتُ نِدَاءَ الْمُنَادِي، مُنَادِي رَسُول الله ﷺ يُنَادِي: الصّلاةَ جَامِعَةً، فَخَرَجْتُ إلَىَ الْمَسجدِ، فَصَلّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَكُنْتُ فِى صَفّ النّسَاءِ الّتِى تَلِى ظُهُورَ الْقَوْمِ، فَلَمّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاتَهُ، جَلَسَ عَلَىَ الْمِنْبَرِ وهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: "لِيَلْزَمْ كُلّ إِنْسَانٍ مُصَلّاهُ" ثُمّ قَالَ: "أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟ " قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "إِنِّي وَاللهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ ولَا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لأَن تَمِيمًا الدّارِيّ، كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسلَمَ، وَحَدّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الّذِي كُنْتُ أُحَدّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدّجّالِ، حَدّثَنِي أَنّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيّةٍ، مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ وجُذَامَ، فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْرًا فِي الْبَحْرِ، ثُمّ أَرْفَؤُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ حَتّى مَغْرِبِ الشّمْسِ فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ السّفِينَةِ، فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْهُمْ دَابّةٌ أَهْلَبُ (١) كَثِيرُ الشّعَرِ، لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ، مِنْ كَثْرَةِ الشّعَرِ، فَقَالُوا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسّاسَةُ (٢)، قَالُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ، قَالَتْ: أَيّهَا الْقَوْمُ انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرّجُلِ فِي الدّيْرِ (٣)، فَإِنّهُ

стр. 381

إلَى خَبَرِكُمْ بالأَشْوَاقِ، قَالَ: لَمّا سَمّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، قَالَ: فَانطَلَقْنَا سِرَاعًا، حَتّى دَخَلْنَا الدّيْرَ، فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطّ خَلْقًا، وَأَشَدّهُ وِثَاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إلَى كَعْبَيْهِ، بِالْحَدِيدِ، قُلْنَا: ويْلَكَ مَا أَنْتَ؟ قَالَ: قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِي فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ، رَكِبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيّةٍ، فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ (٤)، فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا، ثُمّ أَرْفَأْنَا إلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ، فَجَلَسْنَا فِي أَقْرُبِهَا، فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا دَابّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشّعَرِ، لَا يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشّعَرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسّاسَةُ، قُلْنَا: وَمَا الْجَسّاسَةُ؟ قَالَتِ: اعْمِدُوا إِلَى هَذَا الرّجُلِ فِي الدّيْرِ فَإِنّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالأَشْوَاقِ، فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا، وَفَزِعْنَا مِنْهَا، وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ (٥)، قُلْنَا: عَنْ أَيّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا، هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنّهُ يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ بُحَيْرَةٍ الطّبَرِيّةِ، قُلْنَا: عَنْ أَيّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قَالُوا: هِيَ كَثِيرَة المَاءِ، قَالَ: أَمَا إنّ مَاءهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ (٦) قَالُوا: عَنْ أَيّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِر؟ قَالَ: هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ؟ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيّ الأُمّيّين مَا فَعَلَ؟ قَالُوا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ، قَالَ: أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ أَنّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ، قَالَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنّ

стр. 382

ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنّي مُخْبِرُكُمْ عَنّي، إنّي أَنَا الْمَسِيحُ، وَإِنّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجُ فَأَسِيرُ فِي الأَرْضِ فَلَا أَدَعُ قَرْيَةً إلّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، غَيْرَ مَكّةَ وَطَيْبَةَ، فَهُمَا مُحَرّمَتَانِ عَلَيّ، كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً، أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السّيْفُ صَلْتًا، يَصُدّنِي عَنْهَا، وَإِنّ عَلَى كُلّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ (٧) فِي الْمِنْبَرِ: هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ -يَعْنِي الْمَدِينَةَ- أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدّثْتُكُمْ ذَلِكَ؟ " فَقَالَ النّاسُ: نَعَمْ "فَإنّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنّهُ وَافَقَ الّذِي كُنْتُ أُحَدّثُكُمْ عَنْهُ وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكّةَ، أَلَا إِنّهُ فِي بَحْرِ الشّامِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ، لَا بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ" وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إلَى الْمَشْرِقِ، قَالَتْ: فَحَفِظْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ (٨). ثانيًا: أخبار ابن صياد: ١ - عن محمد بن المنكدر قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن صياد الدجال قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فلم ينكره النبي -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (٩). ٢ - عن ابن عمر رضى الله عنهما أن عمر انطلق مع النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في رهط قِبَلَ ابن صياد حتي وجدوه يلعب مع الصبيان عند أُطُم بني مغالة (١٠)، وقد

стр. 383

قارب ابن صياد الحلم فلم يشعر حتي ضرب النبي -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بيده، ثم قال لابن صياد: "أتشهد أني رسول الله؟ " فنظر إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الأميين، فقال ابن صياد للنبي ﷺ : أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه وقال: "آمنت بالله وبرسوله" فقال له: "ماذا ترى؟ " قال ابن صياد يأتيني صادق وكاذب. فقال النبي -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "خلط عليك الأمر" ثم قال له النبي ﷺ : "إني قد خبأت لك خبيئًا" (١١) فقال ابن صياد: هو الدخ. فقال: "اخسأ، فلن تعدو قدرك" فقال عمر رضى الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنقه فقال النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إن يكنه فلن تسلط عليه وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله" (١٢).

стр. 384

وقال سالم: سمعت ابن عمر رضى الله عنهما يقول: انطلق بعد ذلك رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأُبي بن كعب إلى النخل التي فيها ابن صياد وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو مضطجع. يعنى في قطيفة له فيها رمزة أو زمرة (١٣) فرأت أم ابن صياد رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو يتقى بجذوع النخل فقالت لابن صياد: يا صاف -وهو اسم ابن صياد- هذا محمد ﷺ فثار ابن صياد فقال النبى ﷺ : "لو تركته بين" (١٤). ٣ - عن عبد الله قال: كنا مع رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فمررنا بصبيان فيهم ابن صياد ففر الصبيان وجلس ابن صياد فكأن رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كره ذلك فقال له النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "تربت يداك أتشهد أني رسول الله؟ " فقال: لا بل تشهد أني رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال عمر بن الخطاب: ذرني يا رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حتي أقتله فقال رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إن يكن الذي ترى فلن تستطيع قتله" (١٥). ٤ - عن أبي سعيد قال: لقيه رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأبو بكر وعمر في بعض طرق المدينة فقال له رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أتشهد أني رسول الله؟ " فقال هو: أتشهد أني رسول الله؟ فقال رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "آمنت بالله وملائكتة وكتبه، ما ترى؟ " قال: أرى عرشًا على الماء فقال رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى؟ " قال: أرى صادقين وكاذبًا أو كاذبين وصادقًا فقال رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لُبس عليه، دعوه" (١٦).

стр. 385

٥ - عن أبي سعيد الخدري قال: "صحبت ابن صائد إلى مكة فقال لي: أما قد لقيت من الناس يزعمون أني الدجال، ألست سمعت رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: "إنه لا يولد له" قال: قلت: بلى، قال: فقد وُلد لي، أو ليس سمعت رسول الله يقول: "لا يدخل المدينة ولا مكة" قلت: بلى، قال: فقد ولدت في المدينة وهذا أنا أريد مكة، قال ثم قال لي: في آخر قوله: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو، قال: فلبسني" (١٧). وفي طريق آخر قال: "أما والله إني لأعلم الآن حيث هو وأعرف أباه وأمه، قال: وقيل له: أيسر أنك ذاك الرجل؟ قال: فقال: لو عُرِضَ عليَّ ما كرهت". وفي طريق آخر قال أبو سعيد ﵁: "خرجنا حجاجًا أو عمارًا ومعنا ابن صائد قال: فنَزلنا منْزلًا فتفرق الناس وبقيت أنا وهو فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه قال: وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعى، فقلت: إن الحر شديد فلو وضعته تحت تلك الشجرة، قال ففعل قال: فرفعت لنا غنم فانطلق فجاء بعس (١٨) فقال: اشرب أبا سعيد فقلت: إن الحر شديد واللبن حار، ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده، أو قال آخذ عن يده، فقال: أبا سعيد! لقد هممت أن آخذ حبلًا فأعلقه بشجرة ثم اختنق مما يقول لي الناس، يا أبا سعيد من خفي عليه حديث رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ما خفي عليكم معشر الأنصار، ألستَ من أعلم الناس بحديث رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أليس قد قال رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "هو كافر" وأنا مسلم أو ليس قد قال رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "هو عقيم لا يولد له" وقد تركت ولدي بالمدينة أو ليس قد قال رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا يدخل المدينة ولا مكة" وقد

стр. 386

أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة قال أبو سعيد الخدري حتي كدت أن أعذره ثم قال: أما والله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، قال: قلت له: تبًّا لك سائر اليوم" (١٩). ٦ - عن نافع قال: لقى ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة فقال له قولًا أغضبه فانتفخ حتي ملأ السكة فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها فقالت: رحمك الله ما أردت من ابن صائد أما علمت أن رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "إنما يخرج من غضبةٍ يغضبها". وفي طريق آخر قال ابن عمر: لقيته مرتين قال: فلقيته فقلت لبعضهم هل تحدثون أنه هو؟ قال: لا والله، قال: قلت: كذبتنى والله لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتي يكون أكثركم مالًا وولدًا فكذلك هو زعموا اليوم، قال فتحدثنا ثم فارقته قال فلقيته لقيةً أخرى وقد نفرت (٢٠) عينه، قال فقلت: متي فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري، قال: قلت: لا تدري وهي في رأسك قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه قال: فنخر كأشد نخير حمار سمعت قال: فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصا كانت معى حتي تكسرت، وأما أنا فوالله ما شعرت قال: وجاء حتي دخل على أم المومنين فحدثها فقالت: ما تريد إليه ألم تعلم أنه قد قال: "إن أول ما يبعثه على الناس غضبٌ يغضبه" (٢١). بيان وجه التعارض لما كان ابن صياد فيه بعض أمارات المسيح الدجال اشتبه أمره على بعض الصحابة فمن بعدهم لا سيما وأنه يصرح بأنه يعرف مكانه وأين هو الآن وأنه

стр. 387

لو عرض عليه أن يكون المسيح الدجال ما كره أضف إلى هذا أن النبي -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تردد في شأنه في أول الأمر حتي إن عمر رضى الله عنه حلف عنده أن ابن صياد هو الدجال فلم يُنكر عليه، وهذا يدل على شدة اشتباه أمره ولذلك صرح كثير من أهل العلم بأن أمره مشكل. قال الخطابي ﵀: "وقد اختلف الناس في ابن صياد اختلافًا شديدًا وأشكل أمره حتي قيل فيه كل قول" (٢٢). وقال القرطبي ﵀: "وعلى الجملة فأمره كلُّه مشكل وهو فتنة ومحنة" (٢٣). وقال النووي ﵀: "قال العلماء: وقصته مشكلة وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره" (٢٤). وقال الحافظ ابن حجر: "ولشدة التباس الأمر في ذلك سلك البخاري مسلك الترجيح فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صياد ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم" (٢٥). وقال الشوكاني ﵀: "وإنما تكلمنا على قصة ابن صياد مع كون المقام ليس مقام الكلام عليها لأنَّها من المشكلات المعضلات التي لا يزال أهل العلم يُسألون عنها" (٢٦). * * *

стр. 388

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض التعريف بابن صياد: قبل ذكر مذاهب أهل العلم في ابن صياد لا بد من معرفة شخصيته: فاسمه: عبد الله بن صياد، ويُقال فيه: ابن صياد وابن صائد وابن الصائد (١)، قال ابن كثير: "لقبه عبد الله، ويُقال صاف، وقد جاء هذا وهذا، وقد يكون أصل اسمه صاف ثم تسمى لما أسلم بعبد الله" (٢). وكنيته: أبو يوسف (٣). وُلد: زمن النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (٤). وذكر ابن الجوزي وابن الأثير والذهبى وابن كثير وابن حجر (٥) وغيرهم، أن أباه كان من اليهود، وقال ابن كثير: كان ابن صياد من يهود المدينة، وقال ابن حجر: "وكانوا يقولون نحن بنو شهيب بن النجار فدفعهم بنو النجار" (٦). ولعل الصواب هو أنه من يهود المدينة، ومما يؤيد ذلك ما رواه الإمام

стр. 389

أحمد عن جابر رضى الله عنه أن النبي ﷺ -قال لعمر رضى الله عنه: "إن يكن هو فلست صاحبه إنما صاحبه عيسى بن مريم ﵊. وإن لا يكن هو فليس لك أن تقتل رجلًا من أهل العهد" (٧). ومن أولاده: عمارة بن عبد الله بن صياد من خيار المسلمين وسادات التابعين، روى عنه الضحاك ومالك بن أنس وغيرهم، قال فيه ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وكان مالك بن أنس لا يقدم عليه في الفضل أحدًا (٨). وفاته: قيل إن ابن صياد توفي بالمدينة (٩)، وقيل إنه فُقد يوم الحرة (١٠)، فقد أخرج أبو داود في سننه عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: "فقدنا ابن صياد يوم الحرة" (١١). قال الخطابي تعليقًا على هذه الرواية: "وهذا خلاف رواية من روى أنه مات بالمدينة" (١٢). وقال النووي: "وهذا يعطل رواية من روى أنه مات بالمدينة وصُلّىَ

стр. 390

عليه" (١٣). وقال ابن حجر: "وهذا يضعف ما تقدم أنه مات بالمدينة وأنَّهم صلوا عليه وكشفوا عن وجهه" (١٤). وبعد هذا التعريف بابن صياد إليك مذاهب أهل العلم فيه: أولًا: مذهب الجمع: وإليه ذهب الحافظ ابن حجر فقال: "وأقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقًا، وأن ابن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال في تلك المدة إلى أن توجه إلى أصبهان فاستتر مع قرينه إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها" (١٥). ثانيًا: مذهب الترجيح: وقد سلكه فريقان من الناس ففريق رجح أن ابن صياد هو الدجال الأكبر، والفريق الآخر رجح أنه ليس هو وأن المسيح الدجال هو الذي في قصة الجساسة، وإليك بيان ذلك: الفريق الأول: وهم الذين ذهبوا إلى أن ابن صياد هو المسيح الدجال وعلى رأس هؤلاء بعض الصحابة كعمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله (١٦) وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وأبي ذر (١٧) رضى الله عنهم، وتبعهم على ذلك بعض أهل العلم كأبي عبد الله القرطبي، وهو ظاهر كلام النووي
следующие страницы →