← Акыда

Акыда · id 123

أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين دراسة وترجيح

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (669 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة قال أبو سعيد الخدري حتي كدت أن أعذره ثم قال: أما والله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، قال: قلت له: تبًّا لك سائر اليوم" (١٩). ٦ - عن نافع قال: لقى ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة فقال له قولًا أغضبه فانتفخ حتي ملأ السكة فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها فقالت: رحمك الله ما أردت من ابن صائد أما علمت أن رسول الله -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "إنما يخرج من غضبةٍ يغضبها". وفي طريق آخر قال ابن عمر: لقيته مرتين قال: فلقيته فقلت لبعضهم هل تحدثون أنه هو؟ قال: لا والله، قال: قلت: كذبتنى والله لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتي يكون أكثركم مالًا وولدًا فكذلك هو زعموا اليوم، قال فتحدثنا ثم فارقته قال فلقيته لقيةً أخرى وقد نفرت (٢٠) عينه، قال فقلت: متي فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري، قال: قلت: لا تدري وهي في رأسك قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه قال: فنخر كأشد نخير حمار سمعت قال: فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصا كانت معى حتي تكسرت، وأما أنا فوالله ما شعرت قال: وجاء حتي دخل على أم المومنين فحدثها فقالت: ما تريد إليه ألم تعلم أنه قد قال: "إن أول ما يبعثه على الناس غضبٌ يغضبه" (٢١). بيان وجه التعارض لما كان ابن صياد فيه بعض أمارات المسيح الدجال اشتبه أمره على بعض الصحابة فمن بعدهم لا سيما وأنه يصرح بأنه يعرف مكانه وأين هو الآن وأنه

стр. 387

لو عرض عليه أن يكون المسيح الدجال ما كره أضف إلى هذا أن النبي -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تردد في شأنه في أول الأمر حتي إن عمر رضى الله عنه حلف عنده أن ابن صياد هو الدجال فلم يُنكر عليه، وهذا يدل على شدة اشتباه أمره ولذلك صرح كثير من أهل العلم بأن أمره مشكل. قال الخطابي ﵀: "وقد اختلف الناس في ابن صياد اختلافًا شديدًا وأشكل أمره حتي قيل فيه كل قول" (٢٢). وقال القرطبي ﵀: "وعلى الجملة فأمره كلُّه مشكل وهو فتنة ومحنة" (٢٣). وقال النووي ﵀: "قال العلماء: وقصته مشكلة وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره" (٢٤). وقال الحافظ ابن حجر: "ولشدة التباس الأمر في ذلك سلك البخاري مسلك الترجيح فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صياد ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم" (٢٥). وقال الشوكاني ﵀: "وإنما تكلمنا على قصة ابن صياد مع كون المقام ليس مقام الكلام عليها لأنَّها من المشكلات المعضلات التي لا يزال أهل العلم يُسألون عنها" (٢٦). * * *

стр. 388

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض التعريف بابن صياد: قبل ذكر مذاهب أهل العلم في ابن صياد لا بد من معرفة شخصيته: فاسمه: عبد الله بن صياد، ويُقال فيه: ابن صياد وابن صائد وابن الصائد (١)، قال ابن كثير: "لقبه عبد الله، ويُقال صاف، وقد جاء هذا وهذا، وقد يكون أصل اسمه صاف ثم تسمى لما أسلم بعبد الله" (٢). وكنيته: أبو يوسف (٣). وُلد: زمن النبى -صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (٤). وذكر ابن الجوزي وابن الأثير والذهبى وابن كثير وابن حجر (٥) وغيرهم، أن أباه كان من اليهود، وقال ابن كثير: كان ابن صياد من يهود المدينة، وقال ابن حجر: "وكانوا يقولون نحن بنو شهيب بن النجار فدفعهم بنو النجار" (٦). ولعل الصواب هو أنه من يهود المدينة، ومما يؤيد ذلك ما رواه الإمام

стр. 389

أحمد عن جابر رضى الله عنه أن النبي ﷺ -قال لعمر رضى الله عنه: "إن يكن هو فلست صاحبه إنما صاحبه عيسى بن مريم ﵊. وإن لا يكن هو فليس لك أن تقتل رجلًا من أهل العهد" (٧). ومن أولاده: عمارة بن عبد الله بن صياد من خيار المسلمين وسادات التابعين، روى عنه الضحاك ومالك بن أنس وغيرهم، قال فيه ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وكان مالك بن أنس لا يقدم عليه في الفضل أحدًا (٨). وفاته: قيل إن ابن صياد توفي بالمدينة (٩)، وقيل إنه فُقد يوم الحرة (١٠)، فقد أخرج أبو داود في سننه عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: "فقدنا ابن صياد يوم الحرة" (١١). قال الخطابي تعليقًا على هذه الرواية: "وهذا خلاف رواية من روى أنه مات بالمدينة" (١٢). وقال النووي: "وهذا يعطل رواية من روى أنه مات بالمدينة وصُلّىَ

стр. 390

عليه" (١٣). وقال ابن حجر: "وهذا يضعف ما تقدم أنه مات بالمدينة وأنَّهم صلوا عليه وكشفوا عن وجهه" (١٤). وبعد هذا التعريف بابن صياد إليك مذاهب أهل العلم فيه: أولًا: مذهب الجمع: وإليه ذهب الحافظ ابن حجر فقال: "وأقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقًا، وأن ابن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال في تلك المدة إلى أن توجه إلى أصبهان فاستتر مع قرينه إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها" (١٥). ثانيًا: مذهب الترجيح: وقد سلكه فريقان من الناس ففريق رجح أن ابن صياد هو الدجال الأكبر، والفريق الآخر رجح أنه ليس هو وأن المسيح الدجال هو الذي في قصة الجساسة، وإليك بيان ذلك: الفريق الأول: وهم الذين ذهبوا إلى أن ابن صياد هو المسيح الدجال وعلى رأس هؤلاء بعض الصحابة كعمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله (١٦) وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وأبي ذر (١٧) رضى الله عنهم، وتبعهم على ذلك بعض أهل العلم كأبي عبد الله القرطبي، وهو ظاهر كلام النووي

стр. 391

والشوكاني (١٨). قال القرطبي ﵀: "والصحيح أن ابن صياد هو الدجال" (١٩). وقال النووي: "وأما احتجاجه هو (٢٠) بأنه مسلم والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال وقد وُلد له هو وأن لا يدخل مكة والمدينة وأن ابن صياد دخل المدينة وهو متوجه إلى مكة فلا دلالة له فيه لأن النبى ﷺ إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض .. وأما إظهاره الإسلام وحجه وجهاده وإقلاعه عمَّا كان عليه فليس بصريح في أنه غير الدجال" (٢١). فظاهر هذا الكلام من النووي ﵀ أنه يميل إلى كون ابن صياد هو الدجال الأكبر وإن كان لم يقطع في هذه المسألة بقول صريح. أدلة هذا الفريق: استدل من ذهب إلى أن ابن صياد هو المسيح الدجال بما يلي: ١ - ما تقدم من الأحاديث في أخبار ابن صياد والتي فيها أنه يأتيه صادق وكاذب وأنه يرى عرشًا فوق الماء وأنه لا يكره أن يكون هو الدجال، وأنه يعرف مكانه ومولده وأين هو الآن، ونفور عينه وانتفاخه حتي ملأ السكة كما في حديث ابن عمر ﵄، وقول أخته حفصة له بعد ذلك: ما أردت من ابن صائد أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: "إنما يخرج من غضبة يغضبها". ٢ - حلف عمر ﵁ بحضرة النبي ﷺ -كما تقدم- على أن ابن صياد هو الدجال ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك.

стр. 392

٣ - حلف بعض الصحابة رضى الله عنهم بعد عمر رضى الله عنه على أن ابن صياد هو الدجال كجابر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وأبي ذر رضى الله عنهم. - أما جابر رضى الله عنه فقد تقدمت الرواية عنه (٢٢)، وعند أبي داود أن جابرًا رضى الله عنه شهد أن المسيح الدجال هو ابن صياد، قال الراوي عنه: قلت: فإنه قد مات، قال: وإن مات، قلت: فإنه قد أسلم، قال: وإن أسلم، قلت: فإنه قد دخل المدينة، قال: وإن دخل المدينة (٢٣). - وأما ابن عمر رضى الله عنهما فقد روى عنه أبو داود أنه كان يقول: "والله ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد" (٢٤). - وأما ابن مسعود رضى الله عنه فقد روى عنه أبو يعلى والطبراني أنه كان يقول: "لأن أحلف بالله تسعًا أن ابن صياد هو الدجال أحب إليَّ من أن أحلف واحدة" (٢٥). - وأما أبو ذر رضى الله عنه فقد روى عنه الإمام أحمد أنه قال: "لأن أحلف عشر مرار أن ابن صائد هو الدجال، أحب إلي من أحلف مرة واحدة أنه ليس به" (٢٦).

стр. 393

وأجاب أصحاب هذا القول عن تردد النبي ﷺ في أمر ابن صياد بجوابين: أحدهما: أن التردد كان قبل أن يُعلمه الله تعالى بأنه هو الدجال فلما أعلمه لم ينكر على عمر حلفه. والثاني: أن العرب قد تخرج الكلام مخرج الشك وإن لم يكن في الخبر شك فيكون ذلك من تلطف النبي ﷺ بعمر في صرفه عن قتله (٢٧). الفريق الثاني: وهم الذين يذهبون إلى أن ابن صياد ليس هو المسيح الدجال وإنما هو دجال من الدجاجلة، وأن المسيح الدجال هو الوارد في حديث الجساسة، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم كالبيهقي وابن الأثير وابن تيمية وابن كثير والبرزنجي وغيرهم. قال البيهقى ﵀: "وليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي ﷺ لقول عمر فيُحتمل أنه ﷺ كان كالمتوقف في أمره ثم جاءه البيان أنه غيره كما صرح به في حديث تميم" (٢٨). وقال ابن الأثير: "الذي صح عندنا أنه ليس الدجال" (٢٩). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " .. عبد الله بن صياد الذي ظهر في زمن النبي ﷺ وكان قد ظن بعض الصحابة أنه الدجال، وتوقف النبى ﷺ في أمره حتي تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال لكنه كان من جنس الكهان" (٣٠). وقال ابن كثير ﵀: "والمقصود أن ابن صياد ليس بالدجال الذي يخرج في آخر الزمان قطعًا وذلك لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية فإنه فيصل في

стр. 394

هذا المقام" (٣١). وقال البرزنجى: "الأصح أن الدجال غير ابن صياد" (٣٢). أدلة هذا الفريق: استدل أصحاب هذا القول بما يلى: ١ - حديث الجساسة وهو عمدتُهم الذي تمسكوا به بل عده ابن كثير ﵀ فيصلًا في هذه المسألة (٣٣). وقال البيهقى بعد ذكره لحديث الجساسة: "فيه أن الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن صياد" (٣٤). ٢ - أن النبي ﷺ أخبر -كما تقدم- بصفاتٍ للمسيح الدجال لا تنطبق على ابن صياد، كإخباره ﷺ بأنه لا يولد له وأنه لا يدخل مكة ولا المدينة، وابن صياد قد وُلد له ودخل مكة والمدينة. ٣ - أن قصة تميم متأخرة عن قصة ابن صياد فهى كالناسخ له، قاله البرزنجي (٣٥). ٤ - أن في بعض طرق حديث تميم كما عند البيهقى في وصف الدجال بأنه شيخ -وسندها صحيح كما قال الحافظ ابن حجر (٣٦) - فكيف يكون ابن صياد هو الدجال وهو في حياة النبي ﷺ صغيرٌ يلعب مع الصبيان قد قارب الحلم؟ ! ٥ - أنه حين إخباره ﷺ -في قصة تميم- عن مكان الدجال أنه من قِبَل المشرق كان ابن صياد بالمدينة.

стр. 395

قال البرزنجى ردًّا على من يقول إنه ﷺ أخبر بما يئول إليه أمره ولم يخبر أن ابن صياد هو الدجال الأكبر خشية أن يقتلوه قال: "هذا ليس بشيء إذ كيف يقتلون شخصًا قبل أجله والمُقدر أنه إنما يقتله نبي الله عيسى" ﷺ (٣٧) واستشهد ﵀ على ذلك بإخباره ﷺ عن الرجل الذي اعترض على قسمته بأنه أصل الخوارج وأن له أصحابًا كذا وكذا (٣٨). فلو كانت خشية القتل مانعة من الأخبار لما أخبر ﷺ عن هذا الرجل (٣٩). - وأجاب أصحاب هذا القول عن تردد النبي ﷺ في شأن ابن صياد في أول الأمر بأنه كان متوقفًا في أمره حتي تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال كما في قصة تميم الداري رضى الله عنه. قال البيهقى ﵀: "يحتمل أن يكون النبي ﷺ كان متوقفًا في أمره ثم جاء التثبت من الله تعالى بأنه غيره على ما تقتضيه قصة تميم الداري، وبه تمسك من جزم بأن الدجال غير ابن صياد وطريقه أصح، وتكون الصفة التي في ابن صياد وافقت ما في الدجال" (٤٠). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وتوقف النبي ﷺ في أمره حتي تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال" (٤١). * * *

стр. 396

المطلب الثالث الترجيح مما لا شك فيه عند أهل العلم أن ابن صياد دجال من الدجاجلة (١) وإنما وقع الخلاف بينهم في كونه المسيح الدجال أم غيره. قال النووي: "قال العلماء وقصته مشكلة وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال أم غيره ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة" (٢). وقال ابن بطال: "فإن وقع الشك في أنه الدجال الذي يقتله عيسى بن مريم فإنه لم يقع الشك في أنه أحد الدجالين الكذابين الذين أنذر بِهم النبي ﷺ في قوله: "لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله" (٣) " (٤). والراجح -والله تعالى أعلم- أن ابن صياد ليس هو المسيح الدجال الذي يقتله عيسى بن مريم ﷺ وذلك للأدلة الكثيرة التى استدل بِها أصحاب هذا القول، ولأن أحاديث ابن صياد محتملة وحديث الجساسة نص في هذه المسألة (٥) ولذلك عده ابن كثير -كما تقدم- الفيصل في هذه المسألة. وأما القدح في حديث الجساسة فليس إليه سبيل، قال ابن حجر ﵀: "وقد توهم بعضهم أنه غريب فرد وليس كذلك فقد رواه مع فاطمة بنت قيس

стр. 397

أبو هريرة وعائشة وجابر رضى الله عنهم" (٦). - وأما القول بأن عدم دخول مكة والمدينة وعدم الولادة له إنما هو في وقت خروجه على الناس فيحتاج إلى دليل يدل على أن ذلك في وقت خروجه فقط وأنه في غير وقت خروجه يدخل مكة والمدينة ويتزوج ويولد له (٧). مناقشة الأقوال المرجوحة: * أولًا: مناقشة مذهب الجمع: ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر من الجمع بين حديث الجساسة وخبر ابن صياد وقوله إن ابن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال بعيد جدًّا، كيف وقد تزوج وولد له ولد من أفاضل المسلمين وسادات التابعين وكان الإمام مالك لا يقدم عليه في الفضل أحدًا كما تقدم. قال الشيخ حمود التويجري ﵀ بعد نقله لجمع ابن حجر: "قلت: وفي هذا الجمع نظر لا يخفى فإن ابن صياد قد وُلد في المدينة وكان أبوه وأمه من اليهود وكان في زمن النبي ﷺ وقد قارب الحلم ثم أسلم بعد ذلك وولد له ابنان من خيار التابعين، ومن كانت هذه حاله فليس بشيطان تبدى في صورة الدجال وإنما هو آدمى قطعًا" (٨). * ثانيًا: مناقشة المرجحين لكون ابن صياد هو الدجال الأكبر: - أما استدلالهم بالأمور التي احتفت واقترنت بابن صياد فإنَّها لا تعدو أن تكون صفاتٍ وافقت ما عند الدجال، ولا يلزم من هذه الموافقة أن يكون هو

стр. 398

الدجال الأكبر، قال البيهقي: "ويجوز أن توافق صفة ابن صياد صفة الدجال، كما ثبت في الصحيح أن أشبه الناس بالدجال عبد العزى من قطن (٩) " (١٠). ثم إنه مع هذه الموافقة في بعض الصفات قد خالفه في صفات أخرى ككونه دخل مكة والمدينة ووُلد له والدجال ليس كذلك. - وأما حلف عمر ﵁ بحضرة النبي ﷺ على أن ابن صياد هو الدجال فليس فيه أكثر من سكوت النبي ﷺ وهذا لا يعني الإقرار دائمًا، فقد يكون سكوته ﷺ لأمرٍ آخر كأن يكون متوقفًا مثلًا، وهو كذلك في هذه المسألة كما تقدم، لأن النبي ﷺ كان مترددًا في أول الأمر كما يدل عليه قوله لعمر: "إن يكن هو فلن تستطيع قتله .. " وكذلك محاولته ﵊ أكثر من مرة لكشف أمر ابن صياد ومعرفة حقيقته، ثم تبين له بعد ذلك كما في حديث الجساسة أنه ليس هو الدجال. قال ابن حجر ﵀: "كان جابرًا لما سمع عمر يحلف عند رسول الله ﷺ فلم ينكر عليه: فهم منه المطابقة، ولكن بقى أن شرط العمل بالتقرير أن لا يعارضه التصريح بخلافه فمن قال أو فعل بحضرة النبي ﷺ شيئًا فأقرَّه دلَّ ذلك على الجواز، فإن قال النبي ﷺ أو فعل بخلاف ذلك دلَّ على نسخ ذلك التقرير، إلا إن ثبت دليل الخصوصية" (١١).

стр. 399

ثم ساق بعد ذلك كلام ابن دقيق العيد ملخصًا فقال: "قال -يعني ابن دقيق العيد- إذا أُخبر بحضرة النبي ﷺ عن أمر ليس فيه حكم شرعى، فهل يكون سكوته ﷺ دليلًا على مطابقة ما في الواقع، كما وقع لعمر في حلفه على -أن (١٢) - ابن صياد هو الدجال فلم ينكر عليه فهل يدل عدم إنكاره: على أن ابن صياد هو الدجال كما فهمه جابر حتي صار يحلف عليه ويستند إلى حلف عمر أو لا يدل؟ فيه نظر، قال: والأقرب عندي أنه لا يدل" (١٣). -وأما حلف بقية الصحابة -الذين تقدم ذكرهم- كجابر وابن عمر وغيرهم على إن ابن صياد هو الدجال فإما أنه استنادٌ إلى حلف عمر رضى الله عنه عند النبي ﷺ كما صرح بذلك جابر فإنه لما قيل له: تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي ﷺ فلم ينكره النبي ﷺ ، وقد تقدم الجواب على هذا. وإما أن يكون حلفهم على ذلك لما احتف به من القرائن والأحوال المشابَهة لما في المسيح الدجال كما يُفهم من قصة ابن عمر معه، وهذا أيضًا قد تقدم الجواب عنه. - وأما جواب أصحاب هذا القول عن تردد النبي ﷺ في شأن ابن صياد في أول الأمر بأن ذلك قبل أن يُعلمه الله أنه هو الدجال فلما أعلمه لم ينكر على عمر حلفه، أو أنه ﷺ أخرج الكلام مخرج الشك تلطفًا بعمر رضى الله عنه. أقول هذا الجواب غير مسلَّم، لأننا نقول: ما الدليل على أن الله تعالى أعلم رسوله ﷺ بأن ابن صياد هو الدجال؟ وما الدليل على أنه ﷺ أخرج كلامه مخرج الشك؟ !

стр. 400

تنبيه: اختلف فى حال ابن صياد بعد كبره فقيل إنه تاب ومات مسلمًا وقيل غير ذلك. فقد ذكر ابن الأثير في أسد الغابة في معرفة الصحابة أنه توفي مسلمًا ثم قال: "فإن كان إسلام ابن صياد في حياة النبي ﷺ فله صحبة لأنه رآه وخاطبه، وإن كان أسلم بعد النبي ﷺ فلا صحبة له، والأصح أنه أسلم بعد النبي ﷺ " (١٤). وترجم له الذهبى في تجريد أسماء الصحابة وذكر أنه أسلم وأنه تابعى له رؤية (١٥). قال ابن حجر: "وفي الجملة لا معني لذكر ابن صياد في الصحابة، لأنه إن كان الدجال فليس بصحابي قطعًا لأنه يموت كافرًا، وإن كان غيره فهو حال لقيه النبي ﷺ لم يكن مسلمًا" (١٦). وذهب البرزنجى إلى القول بكفره وعدم إسلامه حتي بعد ادِّعائه الإسلام قال ﵀: "فإن قيل كيف يُحكم بكفر ابن صياد فضلًا عن كونه دجالًا بعد أن ثبت إسلامه وحجه وجهاده، والأصل بقاؤه على الإسلام إلى الموت؟ قلت: قوله في حديث أبي سعيد لا يكره أنه يكون دجالًا ولو عرض عليه ذلك لقبله دلَّ على عدم إسلامه في الباطن، إذ كيف يرضى المسلم أن يدَّعي الربوبية أو النبوة؟ فهذا الذي جوَّز الحكم بذلك والله أعلم" (١٧).

стр. 401

ولعل أولى الأقوال في إسلامه ما قاله ابن كثير ﵀ في النهاية: "الصحيح أن الدجال غير ابن صياد وأن ابن صياد كان دجالًا من الدجاجلة ثم تاب بعد ذلك وأظهر الإسلام، والله أعلم بضميره وسيرته" (١٨). وأما الحكم على باطنه فليس أمره إلينا خاصة وأن آخر حياته غامضة مختلف فيها واحتمال حسن إسلامه عند وفاته وارد. وأما قصته مع أبي سعيد فلا شك أنها تدل على عدم حسن سريرته ولكن ما المانع من أن يكون حَسُنَ إسلامه بعد ذلك؟ وبناء على هذا فإننا نكل باطنه وسريرته إلى الله تعالى والله أعلم. * * *

стр. 402

المبحث الثاني ما جاء في الدخان هل مضى أم لم يأت بعد ؟ وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 403

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض أولًا: الأحاديث التي تفيد أن الدخان لم يأت بعد: - عن حُذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر فقال: "ما تذاكرون؟ " قالوا: نذكر الساعة، قال: "إنَّها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربِها ونزول عيسى بن مريم ﵇ ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم" (١). - وعن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال ستًّا طلوع الشمس من مغربِها أو الدخان أو الدجال أو الدابة أو خاصة أحدكم (٢) أو أمر العامة (٣) " (٤). ثانيًا: الأحاديث التي تفيد أن الدخان قد مضى: - عن مسروق قال: قال عبد الله: "خمس قد مضين: الدخان والقمر (٥)

стр. 404

والروم (٦) والبطشة (٧) واللزام (٨) " (٩). وعن مسروق قال: "كنا عند عبد الله جلوسًا وهو مضطجع بيننا فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن إن قاصًّا عند أبواب كندة يقصُّ ويزعم أن آية الدخان تجىء فتأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام، فقال عبد الله -وجلس وهو غضبان-: يا أيها الناس اتقوا الله، من علم منكم شيئًا فليقل بما يعلم، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم فإن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (١٠) إن رسول الله ﷺ لما رأى من الناس إدبارًا فقال: "اللهم سبع كسبع يوسف" فأخذتْهم سنة حصَّت (١١) كل شيء حتي أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر إلى السماء أحدهم فيرى كهيئة الدخان، فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد إنك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم، قال الله : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ (١٢)

стр. 405

قال: أفيُكشف عذاب الآخرة: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ (١٣) فالبطشة يوم بدر، وقد مضت آية الدخان والبطشة واللزام وآية الروم" (١٤). وفي طريق آخر عند مسلم: قال: "إنما كان هذا أن قريشًا لما استعصت على النبي ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابَهم قحط وجهد حتي جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، وحتى أكلوا العظام، فأتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله استغفر الله لمضر، فإنَّهم قد هلكوا فقال: "لمضر؟ إنك لجريء" قال: فدعا الله لهم فأنزل الله : ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ قال: فمطروا فلما أصابتهم الرفاهية، قال: عادوا إلى ما كانوا عليه، قال: فأنزل الله : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قال يعني يوم بدر" (١٥). بيان وجه التعارض بالنظر إلى النصوص السابقة نجد أن في حديث حذيفة وأبي هريرة رضى الله عنهما ما يفيد أن الدخان من علامات الساعة وأماراتِها وأنه لم يأت بعد، وفي المقابل نجد أن ابن مسعود رضى الله عنه يصرح بأن الدخان قد مضى وانتهى وهو ما حصل لقريش من الجهد والجوع عندما دعا عليهم النبي ﷺ حتي أصبح أحدهم ينظر إلى السماء فيرى كهيئة الدخان، ولا يكتفي ابن مسعود رضى الله عنه بالتصريح بأن الدخان قد مضى بل يغضب ويشتد نكيره على من خالف ذلك.

стр. 406

المطلب الثانى مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض سلك أهل العلم في هذه المسألة مذهبين: أحدهما مذهب الجمع والآخر مذهب الترجيح وإليك بيان ذلك: أولًا: مذهب الجمع: وإليه ذهب الطحاوي وأبو الخطاب بن دحية وأشار إليه الطبري واحتمله النووي وهو حمل ما جاء في النصوص على أنَّهما دخانان: أحدهما: ما أصاب قريش عندما دعا عليهم النبي ﷺ كما جاء ذلك عن ابن مسعود رضى الله عنه وهذا قد مضى وانتهى. والثاني: يكون من علامات الساعة قبل قيامها كما جاء ذلك في حديث حذيفة وأبي هريرة رضى الله عنهما. قال الطحاوي: "الدخان المذكور في أحاديث ابن مسعود رضى الله عنه غير الدخان المذكور في حديثي حذيفة وأبي هريرة" (١). وقال أبو الخطاب بن دحية: "والذي يقتضيه النظر الصحيح حمل ذلك على قضيتين إحداهما وقعت وكانت الأخرى ستقع وستكون، فأما التي كانت فالتى كانوا يرون فيها كهيئة دخان وهي الدخان غير الدخان الحقيقى الذي يكون عند ظهور الآيات التى هي من الأشراط والعلامات" (٢). وقال الطبري ﵀: "وبعد، فإنه غير منكر أن يكون أحل بالكفار

стр. 407

الذين توعدهم بِهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون محلًّا فيما يستأنف بعد بآخرين دخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ " (٣). وقال النووي: "ويُحتمل أنَّهما دخانان للجمع بين هذه الآثار" (٤). ثانيًا: مذهب الترجيح: وقد سلكه فريقان من الناس (٥) وإليك بيان ذلك: الفريق الأول: ذهب إلى أن الدخان قد مضى وانتهى وهو ما أصاب مشركي مكة من الجهد والجوع حتي أصبح أحدهم إذا نظر إلى السماء يرى كهيئة الدخان. وعلى رأس القائلين بِهذا ابن مسعود رضى الله عنه وتبعه على ذلك جماعة من السلف منهم أبو العالية وإبراهيم النخعي ومجاهد والضحاك وعطية العوفي (٦) وهو اختيار ابن جرير الطبري (٧). أدلة هذا الفريق: ليس لهؤلاء ما يستدلون به سوى الآيات في سورة الدخان فقالوا: إن سياق الآيات يدل على أن المراد بِها ما أصاب مشركى مكة عندما دعا عليهم الرسول ﷺ ، وبِهذا جزم ابن مسعود رضى الله عنه وغضب واشتد نكيره على من قال بخلاف هذا، وقال ﵁ مستنكرًا: أفيُكشف عذاب الآخرة. أي إن

стр. 408

كشف العذاب ثم عودهم لما هم عليه لا يكون في الآخرة وإنما يكون في الدنيا. قال ابن جرير الطبري: "قوله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ في سياق خطاب الله كفار قريش وتقريعه إياهم لشركهم بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ثم أتبع ذلك بقوله لنبيه ﷺ : ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ أمرًا منه له بالصبر إلى أن يأتيهم بأسه وتَهديدًا للمشركين، فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحله بِهم أشبه من أن يكون أخَّره عنهم لغيرهم" (٨). وقال الطحاوي مؤيدًا كون هذه الآيات إنما هى في ما أصاب مشركي مكة من الجهد والجوع، قال ﵀: "إن الله تعالى قال في كتابه في سورة الدخان: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ وأتبع ذلك قوله تعالى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ أي عقوبة لما هم عليه من الشك واللعب، ومحال أن يكون هاتان العقوبتان لغيرهم أو يؤتى بِهما بعد خروجهم من الدنيا وسلامتهم من ذلك الدخان" (٩). وعلى هذا القول يكون معني قوله تعالى حكاية عن المشركين: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ أن الكافرين الذين أصابَهم ذلك الْجهد والجوع يدعون ربِّهم أن يكشفه عنهم ويقولون: إنك إن كشفته عنا آمنا بك وعبدناك، فيرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ أي إنكم أيها المشركون إذا كشفت عنكم ما بكم من ضر عدتم إلى ضلالكم وغيِّكم (١٠).

стр. 409

كما أنه على هذا القول يكون المراد بالبطشة الكبرى في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ بطشة الله تعالى بمشركى قريش يوم بدر كما ذهب إلى ذلك ابن مسعود ﵁ (١١)، وهو قول جماعة من السلف كابن عباس وأبي بن كعب ﵃ ومسروق ومجاهد وأبي العالية والضحاك وغيرهم (١٢). وقبل أن أنتقل إلى الفريق الثاني يحسن ذكر آيات سورة الدخان -المتعلقة بِهذه المسألة- مجتمعة حتي يفهم القول السابق ويتضح الربط بينها على ما قالوه. قال الله تعالى في سورة الدخان: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾. والفريق الثانى: ذهب إلى أن الدخان آية وأمارة من أمارات الساعة لم تأت بعد، وهذا مروي عن ابن عباس (١٣) وابن عمر (١٤) وعلي بن أبى طالب (١٥) وأبي هريرة وحذيفة ﵃ والحسن (١٦) وابن أبي مليكة (١٧) ورجح هذا القول

стр. 410

القرطبي (١٨) وابن القيم (١٩) وانتصر له ابن كثير (٢٠)، كما ذهب إليه صلاح الدين العلائى (٢١) وجمعٌ من أهل العلم عليهم رحمة الله. أدلة هذا الفريق: استدل أصحاب هذا القول بما يلى: ١ - حديث حذيفة بن أسيد أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال .. " (٢٢). قال النووي: "هذا الحديث يؤيد قول من قال إن الدخان: دخان يأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام وأنه لم يأت بعد وإنما يكون قريبًا من قيام الساعة" (٢٣). وقال العلائى: "هذا نص صريح في أن الدخان لم يأت بعد" (٢٤). ٢ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال ستًّا: طلوع الشمس من مغربِها أو الدخان أو الدجال .. " (٢٥). قالوا: فهذان الحديثان مرفوعان، والمرفوع مقدم على الموقوف (٢٦). وقال ابن كثير بعدما ساق أثر ابن عباس والذي مفاده أن الدخان لم يأت بعد، قال: "هذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ﵄ حبر الأمة

стр. 411

وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما التي أوردوها مما فيه مقنع، ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة" (٢٧). ٣ - استدل ابن كثير بقصة الرسول ﷺ مع ابن صياد وأنه خبأ له قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٢٨) فقال ابن كثير: "هذا فيه إشعار بأنه من المنتظر المرتقب" (٢٩). - قالوا: ظاهر القرآن -وهو قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ - يدل على أنه لم يأت بعد وأنه دخان من السماء واضح جلي يراه كل أحد يغشى الناس، وهذا أمر محقق عام، وليس كما رُوي عن ابن مسعود ﵁ أنه خيال في أعين قريش من شدة الجوع إذ لو كان كذلك لما قال: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ (٣٠). قال السفاريني: "قال العلماء: آية الدخان ثابتة بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ " (٣١). وأما تفسير ابن مسعود هذه الآية بما حصل لقريش فقد قال عنه ابن كثير: "هذا التفسير غريب جدًّا، ولم يُنقل مثله عن أحد من الصحابة غيره" (٣٢).

стр. 412

وعلى هذا القول تكون البطشة الكبرى -في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ - يوم القيامة كما هو مروي عن ابن عباس والحسن البصري وعكرمة (٣٣) واختاره الزجاج (٣٤) وابن كثير (٣٥) عليهم رحمة الله. * * *

стр. 413

المطلب الثالث الترجيح الذي يظهر -والله تعالى أعلم- هو القول بمذهب الجمع إذ ليس فيما أثبته ابن مسعود مما أصاب قريشًا من الجهد والجوع حتي أصبح أحدهم إذا نظر إلى السماء يرى كهيئة الدخان ليس فيه ما يخالف حديثي حذيفة وأبي هريرة رضى الله عنهما والذي فيهما أن الدخان من علامات الساعة وأنه لم يأت بعد، لا سيما وأن أبا هريرة أحد الرواة وهو لم يُسلم إلا في السنة السابعة بينما ما حدث لقريش كما في رواية ابن مسعود كان قبل وقعة بدر. وعلى هذا نقول: إنَّهما دخانان: أحدهما: ما أصاب قريش من الجهد والجوع عندما دعا عليهم النبي ﷺ حتي أصبح الواحد منهم ينظر إلى السماء فيرى كهيئة الدخان، وهذا الدخان قد مضى وانتهى كما قال ابن مسعود رضى الله عنه. والثاني: دخان يكون قرب قيام الساعة وهو من علاماتِها وأماراتِها كما في حديث حذيفة وأبي هريرة رضى الله عنهما. وقد ذكر القرطبي في التذكرة أنه رُوي عن ابن مسعود ﵁ أنَّهما دخانان فقال: "قال مجاهد: كان ابن مسعود يقول: هما دخانان قد مضى أحدهما، والذي بقى يملأ ما بين السماء والأرض ولا يجد المؤمن منه إلا كالزكمة، وأما الكافر فتثقب مسامعه" (١) فإن ثبت هذا عن ابن مسعود فهو قاطع في المسألة.

стр. 414

إذا تبين هذا فعلى أي الدخانين تُحمل الآيات التى في سورة الدخان؟ هل نحملها على ما أصاب قريشًا كما فعل ابن مسعود رضى الله عنه؟ أم نحملها على أنه الدخان الذي يكون من علامات الساعة قرب قيامها؟ ! في ظني أن هذا هو موطن النزاع وسبب الخلاف، والحقيقة أن الآية وهي قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ تحتمل كلا القولين فإننا إذا نظرنا إلى سياق الآية وما قبلها وما بعدها وجدنا أنَّها تؤيد ما ذهب إليه ابن مسعود رضى الله عنه، ولذلك فإنه حتي الذين خالفوه: منهم من فسَّر بعض تلك الآيات بما حصل لقريش كالبطشة الكبرى فإن منهم من فسرها بوقعة بدر، وإذا نظرنا إلى لفظ الآية وأن الأصل أن يحمل الدخان على الحقيقة والذي في حديث ابن مسعود ليس دخانًا حقيقة وإنما هو شىء تتوهمه قريش أنه دخان، إذا نظرنا إلى هذا وجدنا أن الآية تؤيد ما ذهب إليه غير ابن مسعود رضى الله عنه، وإن كان الطحاوي ﵀ قد أجاب عن هذا بأن المذكور في حديث ابن مسعود سمى دخانًا على المجاز لتوهم قريش أنه دخان على الحقيقة (٢)، ولكن هذا الجواب غير مقنع. وعلى كل حال فإنه حتي لو قلنا إن الآية تؤيد ما ذهب إليه ابن مسعود فإنه لا يُعارض كون الدخان من علامات الساعة وأنه لم يأت بعد، وذلك بحمل ما جاء في النصوص والآثار على أنَّهما دخانان كما تقدم، ويكون الدخان الذي هو من علامات الساعة ثابتًا في السنة فقط كما ذهب إلى هذا الشيخ مرعي فيما نقل عنه السفارينى (٣) والله تعالى أعلم. * * *

стр. 415

الفصل الثاني مسائل تتعلق باليوم الآخر وفيه مبحثان • المبحث الأول: ما جاء في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه. • المبحث الثاني: ما جاء في قلة النساء وكثرتهن في الجنة. * * *

стр. 416

المبحث الأول ما جاء في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 417

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض أولًا: الأحاديث التي تفيد أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه: - عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه" (١). وفي رواية أنه لما أصيب عمر رضى الله عنه جعل صهيب يقول: واأخاه، فقال عمر: أما علمت أن النبي قال: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي" (٢). وفي رواية أخرى قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الميت يُعذب ببعض بكاء أهله عليه" (٣). وفي رواية لمسلم: أن عمر لما طُعن عوَّلت عليه حفصة، فقال: يا حفصة أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المعول عليه يُعذب" وعوَّل عليه صهيب فقال عمر: يا صهيب أما علمت أن المعول عليه يعذب. -وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" (٤).

стр. 418

- وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نيح عليه يُعذب بما نيح عليه" (٥). ثانيًا: الأحاديث التي تنفي ذلك: - عن ابن عباس ﵄ قال: لما مات عمر ﵁ ذكرت ذلك (٦) لعائشة ﵂ فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدَّث رسول الله ﷺ إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" وقالت حسبكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٧)، قال ابن عباس ﵄ عند ذلك: والله هو أضحك وأبكى (٨). وفي رواية لمسلم: لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر ﵃ قالت: إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ (٩). وفي رواية أنه ذُكِر عند عائشة رضى الله عنها أن ابن عمر رضى الله عنه رفع إلى النبي ﷺ : "إن الميت ليعذب في قبره ببكاء أهله" فقالت: وَهِلَ ابن عمر ﵀ إنما قال رسول الله ﷺ : "إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن" (١٠).

стр. 419

وفي رواية أخرى أنه ذُكر لعائشة أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي، فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما مرَّ رسول الله ﷺ على يهودية يُبكى عليها فقال: "إنَّهم ليبكون عليها وإنَّها لتعذب في قبرها" (١١). وفي رواية لمسلم أنَّها قالت: رحم الله أبا عبد الرحمن شيئًا فلم يحفظه (١٢)، ثم ذكرت الحديث السابق. بيان وجه التعارض بالنظر إلى الأحاديث السابقة نجد أن عمر وابنه والمغيرة بن شعبة ﵃ يروون عن النبى ﷺ أن الميت يعذب ببكاء الحى عليه. وفي المقابل نجد أن عائشة رضى الله عنها تنكر هذه الرواية وترى أنَّها معارضة للقرآن، وتتهم الراوي لها بالخطأ والنسيان، وتروي أن النبي ﷺ قال ذلك في الكافر، وفي بعض الأحيان تروي ما يفيد أن النبي ﷺ أراد بقوله ذلك أن الميت يعذب حال بكاء أهله عليه كما في قوله ﷺ : "إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن"؟ ! . * * *

стр. 420

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض الخلاف في هذه المسألة قديم منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وبناءً على اختلافهم اختلف أهل العلم من بعدهم على عدة أقوال ومذاهب، ولكن قبل ذكر مذاهب أهل العلم تجاه هذه الأحاديث لا بد من تحرير محل النِّزاع كما يلى: - أجمع أهل العلم على أنه لا يعذب أحد بذنب غيره كما دلَّ على ذلك الكتاب والسنة (١). - كما أجمع أهل العلم على تحريم النياحة (٢)، قال النووي ﵀ تعليقًا على حديث أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتِها تقام يوم القيامة وعليها سربال (٣) من قطران (٤) ودرع من جرب" (٥). قال: "فيه دليل على تحريم النياحة وهو مجمع عليه" (٦). وقال القرطبى بعد أن ذكر شيئًا من صور النياحة: "فكل ذلك محرم من

стр. 421

أعمال الجاهلية ولا يختلف فيه" (٧). -وأجمع أهل العلم أيضًا على اختلاف مذاهبهم على أن المراد بالبكاء هنا: البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين (٨)، لأن مجرد دمع العين قد ثبت عنه ﷺ من قوله وفعله كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد ابن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ﵃، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله فقال: "قد قضى؟ " قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ ، فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بكوا فقال: "ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بِهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم" (٩). من خلال هذا التحرير يتضح لنا أن الإشكال هنا إنما هو في حديث تعذيب الميت ببكاء الحى، لأن ظاهره مخالف للقرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١٠) ولذلك أنكرته عائشة ﵂ ومن تبعها، وذهب جمهور أهل العلم إلى تأويله حتي لا يخالف ما ثبت بالنص والإجماع من أن الميت لا يعذب بذنب غيره، قال الشوكاني: "وذهب جمهور العلماء إلى تأويل هذه الأحاديث لِمخالفتها للعمومات القرآنية وإثباتِها لتعذيب من لا ذنب له" (١١). والحاصل أن أهل العلم سلكوا في هذه المسألة أو بالأحرى في هذا الحديث ثلاثة مذاهب هى كالتالي:

стр. 422

أولًا: مذهب الجمع: وإليه ذهب جمهور أهل العلم ولكنهم اختلفوا في طريقة الجمع على عدة مسالك إليك بيانُها: المسلك الأول: أن هذا الحديث -وهو حديث تعذيب الميت ببكاء الحى- محمول على من أوصى بأن يُبكى عليه ويُناح عليه بعد موته كما كان أهل الجاهلية يفعلون، قال أحدهم: فإن مت فانعيني بما أنا أهله ... وشُقى عليَّ الجيب يا ابنة معبدِ (١٢) قالوا: فإذا عُذب على ذلك فإنما عُذب بذنبه لأنه هو المتسبب في ذلك، وإلى هذا المسلك ذهب المزني وإبراهيم الحربي وبعض الشافعية (١٣) والنووي ونسبه للجمهور (١٤). المسلك الثاني: أن الحديث محمول على من أهمل نَهى أهله عن ذلك مع علمه أن لهم في ذلك عادة أو ظن أنَّهم يفعلون ذلك. وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بترك النياحة إذا علم أو ظن منهم ذلك (١٥). قالوا: وإذا عُذب على ذلك فإنما عُذب بفعل نفسه لأنه فرط في نهيهم. قال ابن المرابط: "إذا علم المرء بما جاء في النهي عن النوح وعرف أن

стр. 423

أهله من شأنهم يفعلون ذلك ولم يعلمهم بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه فإذا عذب على ذلك عذب بفعل نفسه لا بفعل غيره بمجرده" (١٦). وإلى هذا المسلك ذهب داود وأبو البركات ابن تيمية وطائفة من أهل العلم (١٧). المسلك الثالث: أن الحديث محمول على من كانت النياحة من سنته وطريقته، وإلى هذا ذهب البخاري ﵀ حيث بوب على ذلك في صحيحه بقوله: "باب قول النبي ﷺ : "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه" إذا كان النوح من سنته لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (١٨) وقال النبي ﷺ : "كلكم راع ومسئول عن رعيته"" (١٩). فإذا لم يكن من سنته فهو كما قالت عائشة رضى الله عنها: " ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ". ثم ذكر رحمه الله تعالى حديث ابن مسعود -مستشهدًا به على ما ذهب إليه- أن النبي ﷺ قال: "لا تُقتل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل (٢٠) " (٢١). قال الحافظ: "وحاصل ما بحثه المصنف في هذه الترجمة أن الشخص لا

стр. 424

يُعذب بفعل غيره إلا إذا كان له فيه تسبب" (٢٢). المسلك الرابع: أنه يُعذب بما يمدح به في النياحة مما هو قبيح محرم في الشرع كما كان أهل الجاهلية يفعلون فإنَّهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وتلك الشمائل قبائح في الشرع يُعذب بِها، كما كانوا يقولون: يا مرمل النسوان وميتم الولدان ومخرب العمران ومفرق الأخدان، ونحو ذلك مما يرونه شجاعة وفخرًا وهو حرام شرعًا (٢٣). وإلى هذا المسلك ذهب ابن حزم والإسماعيلي وطائفة من أهل العلم (٢٤). واستدل أصحاب هذا المسلك بما يلى: ١ - حديث أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: "الميت يعذب ببكاء الحي عليه، إذا قالت النائحة: واعضداه واناصراه واكاسباه جبذ الميت وقيل له: أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسبها؟ " (٢٥). ٢ - حديث النعمان بن بشير رضى الله عنهما قال: أُغمي على عبد الله ابن رواحة فجعلت أخته عَمرة تبكي: واجبلاه واكذا واكذا، تعدِّد عليه، فقال

стр. 425

حين أفاق: ما قلتِ شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك (٢٦). ٣ - حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "ولكن يعذب بِهذا" (٢٧) وأشار إلى لسانه. قال ابن حزم تعليقًا على هذا الحديث: "فصح أن البكاء الذي يُعذب به الإنسان ما كان منه باللسان إذ يندبونه برياسته التي جار فيها وشجاعته التي صرفها في غير طاعة الله وجوده الذي لم يضعه في الحق، فأهله يبكون عليه بهذه المفاخر وهو يعذب بذلك" (٢٨). ٤ - قالوا: وعلى هذا تحمل رواية: "ببعض بكاء أهله" إذ ليس كل ما يُعدِّدونه من خصاله يكون مذمومًا، فقد يكون من خصاله كرم وإعتاق رقاب وكشف كرب وغير ذلك مما هو ممدوح (٢٩). المسلك الخامس: أن معني التعذيب الوارد في الحديث: توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به، فكلما ذُكر له ما نيح به عليه كان ذلك عذابًا له، قالوا: ورب توبيخ زاد على التعذيب (٣٠). -واستدل أصحاب هذا المسلك بما سبق من حديث أبي موسى الأشعري رضى الله عنه حيث رواه الترمذي بلفظ: "ما من ميت يموت فيقوم باكيهم
следующие страницы →