← Акыда

Акыда · id 123

أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين دراسة وترجيح

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (669 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أعمال الجاهلية ولا يختلف فيه" (٧). -وأجمع أهل العلم أيضًا على اختلاف مذاهبهم على أن المراد بالبكاء هنا: البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين (٨)، لأن مجرد دمع العين قد ثبت عنه ﷺ من قوله وفعله كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد ابن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ﵃، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله فقال: "قد قضى؟ " قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ ، فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بكوا فقال: "ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بِهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم" (٩). من خلال هذا التحرير يتضح لنا أن الإشكال هنا إنما هو في حديث تعذيب الميت ببكاء الحى، لأن ظاهره مخالف للقرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١٠) ولذلك أنكرته عائشة ﵂ ومن تبعها، وذهب جمهور أهل العلم إلى تأويله حتي لا يخالف ما ثبت بالنص والإجماع من أن الميت لا يعذب بذنب غيره، قال الشوكاني: "وذهب جمهور العلماء إلى تأويل هذه الأحاديث لِمخالفتها للعمومات القرآنية وإثباتِها لتعذيب من لا ذنب له" (١١). والحاصل أن أهل العلم سلكوا في هذه المسألة أو بالأحرى في هذا الحديث ثلاثة مذاهب هى كالتالي:

стр. 422

أولًا: مذهب الجمع: وإليه ذهب جمهور أهل العلم ولكنهم اختلفوا في طريقة الجمع على عدة مسالك إليك بيانُها: المسلك الأول: أن هذا الحديث -وهو حديث تعذيب الميت ببكاء الحى- محمول على من أوصى بأن يُبكى عليه ويُناح عليه بعد موته كما كان أهل الجاهلية يفعلون، قال أحدهم: فإن مت فانعيني بما أنا أهله ... وشُقى عليَّ الجيب يا ابنة معبدِ (١٢) قالوا: فإذا عُذب على ذلك فإنما عُذب بذنبه لأنه هو المتسبب في ذلك، وإلى هذا المسلك ذهب المزني وإبراهيم الحربي وبعض الشافعية (١٣) والنووي ونسبه للجمهور (١٤). المسلك الثاني: أن الحديث محمول على من أهمل نَهى أهله عن ذلك مع علمه أن لهم في ذلك عادة أو ظن أنَّهم يفعلون ذلك. وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بترك النياحة إذا علم أو ظن منهم ذلك (١٥). قالوا: وإذا عُذب على ذلك فإنما عُذب بفعل نفسه لأنه فرط في نهيهم. قال ابن المرابط: "إذا علم المرء بما جاء في النهي عن النوح وعرف أن

стр. 423

أهله من شأنهم يفعلون ذلك ولم يعلمهم بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه فإذا عذب على ذلك عذب بفعل نفسه لا بفعل غيره بمجرده" (١٦). وإلى هذا المسلك ذهب داود وأبو البركات ابن تيمية وطائفة من أهل العلم (١٧). المسلك الثالث: أن الحديث محمول على من كانت النياحة من سنته وطريقته، وإلى هذا ذهب البخاري ﵀ حيث بوب على ذلك في صحيحه بقوله: "باب قول النبي ﷺ : "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه" إذا كان النوح من سنته لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (١٨) وقال النبي ﷺ : "كلكم راع ومسئول عن رعيته"" (١٩). فإذا لم يكن من سنته فهو كما قالت عائشة رضى الله عنها: " ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ". ثم ذكر رحمه الله تعالى حديث ابن مسعود -مستشهدًا به على ما ذهب إليه- أن النبي ﷺ قال: "لا تُقتل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل (٢٠) " (٢١). قال الحافظ: "وحاصل ما بحثه المصنف في هذه الترجمة أن الشخص لا

стр. 424

يُعذب بفعل غيره إلا إذا كان له فيه تسبب" (٢٢). المسلك الرابع: أنه يُعذب بما يمدح به في النياحة مما هو قبيح محرم في الشرع كما كان أهل الجاهلية يفعلون فإنَّهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وتلك الشمائل قبائح في الشرع يُعذب بِها، كما كانوا يقولون: يا مرمل النسوان وميتم الولدان ومخرب العمران ومفرق الأخدان، ونحو ذلك مما يرونه شجاعة وفخرًا وهو حرام شرعًا (٢٣). وإلى هذا المسلك ذهب ابن حزم والإسماعيلي وطائفة من أهل العلم (٢٤). واستدل أصحاب هذا المسلك بما يلى: ١ - حديث أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: "الميت يعذب ببكاء الحي عليه، إذا قالت النائحة: واعضداه واناصراه واكاسباه جبذ الميت وقيل له: أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسبها؟ " (٢٥). ٢ - حديث النعمان بن بشير رضى الله عنهما قال: أُغمي على عبد الله ابن رواحة فجعلت أخته عَمرة تبكي: واجبلاه واكذا واكذا، تعدِّد عليه، فقال

стр. 425

حين أفاق: ما قلتِ شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك (٢٦). ٣ - حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "ولكن يعذب بِهذا" (٢٧) وأشار إلى لسانه. قال ابن حزم تعليقًا على هذا الحديث: "فصح أن البكاء الذي يُعذب به الإنسان ما كان منه باللسان إذ يندبونه برياسته التي جار فيها وشجاعته التي صرفها في غير طاعة الله وجوده الذي لم يضعه في الحق، فأهله يبكون عليه بهذه المفاخر وهو يعذب بذلك" (٢٨). ٤ - قالوا: وعلى هذا تحمل رواية: "ببعض بكاء أهله" إذ ليس كل ما يُعدِّدونه من خصاله يكون مذمومًا، فقد يكون من خصاله كرم وإعتاق رقاب وكشف كرب وغير ذلك مما هو ممدوح (٢٩). المسلك الخامس: أن معني التعذيب الوارد في الحديث: توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به، فكلما ذُكر له ما نيح به عليه كان ذلك عذابًا له، قالوا: ورب توبيخ زاد على التعذيب (٣٠). -واستدل أصحاب هذا المسلك بما سبق من حديث أبي موسى الأشعري رضى الله عنه حيث رواه الترمذي بلفظ: "ما من ميت يموت فيقوم باكيهم

стр. 426

فيقول: واجبلاه واسيداه أو نحو ذلك إلا وُكِّل به ملكان يلهزانه (٣١) أهكذا كنت؟ " (٣٢). وكذلك استدلوا بحديث النعمان بن بشير الذي تقدم ذكره. المسلك السادس: أن المراد بالتعذيب في الحديث: تألم الميت وتأذيه بما يقع من أهله ورقته لهم وشفقته عليهم. وإلى هذا المسلك ذهب الطبري ورجحه ابن المرابط والقاضي عياض (٣٣) والقرطبي (٣٤) ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية (٣٥). واستدل هؤلاء بما يلى: ١ - حديث قيلة بنت مخرمة أنَّها ذكرت عند رسول الله ﷺ ولدًا لها مات ثم بكت فقال رسول الله ﷺ : "أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفًا، فإذا مات استرجع، فوالذي نفس محمد بيده، إن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم" (٣٦). ٢ - حديث أبي موسى الأشعري والنعمان بن بشير الذَيْن تقدم ذكرهما لما

стр. 427

فيهما من أن ذلك يبلغ الميت (٣٧). ٣ - قالوا: إن رسول الله ﷺ لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه، بل قال: "يعذب" والعذاب أعم من العقاب، فإن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقابًا له على ذلك السبب فإن النبي ﷺ قال: "السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه" (٣٨) فسمى السفر عذابًا وليس هو عقابًا على ذنب (٣٩). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والإنسان يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بِها، مثل الأصوات الهائلة والأرواح الخبيثة والصور القبيحة، فهو يتعذب بسماع هذا وشم هذا ورؤية هذا، ولم يكن ذلك عملًا له عوقب عليه، فكيف يُنكر أن يعذب الميت بالنياحة وإن لم تكن النياحة عملًا له يعاقب عليه؟ والإنسان في قبره يعذب بكلام بعض الناس ويتألم برؤية بعضهم وبسماع كلامه" (٤٠)، ثم قال ﵀: "وقد يندفع حكم السبب بما يعارضه، فقد يكون في الميت من قوة الكرامة ما يدفع عنه من العذاب كما يكون في بعض الناس من القوة ما يدفع ضرر الأصوات الهائلة والأرواح والصور القبيحة" (٤١). المسلك السابع: أن ذلك خاص بالكافر دون المؤمن على ما ذهبت إليه عائشة رضى الله عنها (٤٢).

стр. 428

واستدلوا بحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" (٤٣). المسلك الثامن: أن (الباء) في قوله: "ببكاء أهله" للحال أي بمعني (عند) كقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (٤٤) والمعني: أنه يعذب عند وقت النياحة أو حال بكاء أهله عليه، لأن غالب النياحة يقع عند قرب العهد، ومعظم عذاب المعذَّب في القبر يكون عند نزول اللحد، ثم يدوم منه ما يدوم، فيكون العذاب واقعًا حال النوح لا بسبب النوح وهذا المسلك كالذي قبله قالت به عائشة رضى الله عنها وبعض أهل العلم (٤٥). واستدلوا بحديث عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: "إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن" (٤٦). ثانيًا: مذهب الترجيح: وقد سلكه فريقان من الناس: فالفريق الأول: حمل حديث: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" على ظاهره وهو أن الميت يُعذب ببكاء أهله عليه، وعلى رأس القائلين بِهذا عمر ابن الخطاب وابنه عبد الله رضى الله عنهما (٤٧)، وقد تقدمت قصة عمر

стр. 429

مع صهيب وابنته حفصة (٤٨) رضى الله عنهم. وأخرج عبد الرزاق من طريقه أن ابن عمر شهد جنازة رافع بن خديج فقال لأهله: "إن رافعًا شيخ كبير لا طاقة له بالعذاب، وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" (٤٩). والفريق الثاني: ردَّ حديث تعذيب الميت ببكاء الحي واحتج عليه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٥٠). وعلى رأس القائلين بِهذا عائشة رضى الله عنها -كما تقدم- وأبو هريرة (٥١) وهو ظاهر استدلال ابن عباس -كما تقدم- بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ (٥٢) كما ذهب إلى هذا الشافعى رحمه الله تعالى وجماعة من أصحابه كأبي حامد ﵀ (٥٣) وجزم الباقلاني وغيره بأن الراوي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه (٥٤) واستدل بقول عائشة رضى الله عنها: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسى أو أخطأ إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يُبكى عليها فقال: "إنَّهم ليبكون عليها وإنَّها لتعذب في قبرها" (٥٥).

стр. 430

وربما قال بعض أصحاب هذا القول: إن حديث عمر وابنه رضى الله عنهما مجمل وحديث عائشة ﵂ مفسر، والمفسر أولى من المجمل (٥٦). وحاصل هذا القول هو عدم الأخذ بحديث تعذيب الميت ببكاء الحى، واتِّهام الراوي له إما بالخطأ أو النسيان أو عدم الحفظ أو أنه سَمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه. ثالثًا: مذهب التوقف: وإليه ذهب الشوكاني ﵀ فقال: "نقول ثبت عن رسول الله ﷺ أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فسمعنا وأطعنا ولا نزيد على هذا" (٥٧). * * *

стр. 431

المطلب الثالث الترجيح في الحقيقة أنه ليس بين مسالك الجمع السابقة تعارض لأنه يمكن القول بِها كلها وتنْزيلها على أشخاص أو حالات مختلفة، وأما القول بأحدها وجعله هو المراد في الحديث فهو تحكم فيه نظر، إذ أنه لم يرد نص صريح في اختصاص العذاب بنوع أو سبب معين، مع ما ذكرنا -سابقًا- من أن الإجماع منعقد على أنه لا يعذب أحد بذنب غيره. "وأما ما روته عائشة عن النبي ﷺ أنه قال ذلك في الكافر أو يهودية معينة فهو غير مناف لرواية غيرها من الصحابة، لأن روايتهم مشتملة على زيادة، والتنصيص على بعض أفراد العام لا يوجب نفى الحكم عن بقية الأفراد لما تقرر في الأصول من عدم صحة التخصيص بموافق العام. والأحاديث التي ذُكر فيها تعذيب مختص بالبرزخ أو بالتألم أو بالاستعبار كما في حديث قيلة لا تدل على اختصاص التعذيب الْمطلق في الأحاديث بنوع منها، لأن التنصيص على ثبوت الحكم لشىء بدون مشعر بالاختصاص به لا ينافي ثبوته لغيره (١). - وبناءً على هذا نقول: إذا أوصى الإنسان أهله بالنياحة أو كانت النياحة من سنته أو عرف من أهله ذلك ولم ينههم أو ندبه أهله بالقبيح المحرم من أفعاله فوُبِّخ على ذلك، فإنه لا شك أن هذه أسباب يستحق عليها العذاب، فإن عُذب بِها أو ببعضها فإنه إنما يُعذب بسبب فعل نفسه.

стр. 432

- فإن لم يتلَبَّس بشىء مما سبق كان عذابه -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره- ألمه وتأذيه بما يراه من أهله، إما لمخالفتهم أمر رسوله ﷺ بالنياحة، وإما لرقته لهم وشفقته عليهم بسبب حزنهم وبكائهم عليه، وهذا لا إشكال فيه لأن الإنسان -كما قال ابن تيمية ﵀ يُعذب ويتأذى بالأمور المكروهة التي يشعر بها كالأصوات المزعجة والروائح الكريهة وإن كان ذلك ليس عملًا له عُوقب عليه. - وإن كان الميت كافرًا زاده الله عذابًا ببكاء أهله عليه، كما دلَّ على ذلك حديث عائشة رضى الله عنها: "إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه". - فإن عُذب الميت بسبب من الأسباب السابقة وبكى عليه أهله كان الأمر كما في حديث عائشة رضى الله عنها: "إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن" أي أنه يُعذب حال بكاء أهله عليه والله أعلم. قال ابن حجر ﵀ بعد أن ذكر توجيهات أهل العلم لهذا الحديث: "ويُحتمل أن يُجمع بين هذه التوجيهات فيُنزل على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلًا: من كانت طريقته النوح فمشى أهله على طريقته أو بالغ فأوصاهم بذلك عُذِّب بصنعه، ومن كان ظالمًا فنُدب بأفعاله الجائرة عُذِّب بما ندب به، ومن كان يعرف من أهله النياحة فأهمل نَهيهم عنها فإن كان راضيًا بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راض عُذِّب بالتوبيخ كيف أهمل النهى، ومن سَلِم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربِّهم" (٢).

стр. 433

مناقشة الأقوال المرجوحة: - أما حمل الحديث على أنه يُعاقب بسبب بكاء أهله عليه وليس له في ذلك أدني سبب فبعيد جدًّا، وهو مخالف للإجماع السابق ذكره المبنى على ما ثبت بالكتاب والسنة من أنه لا يُعذب أحد بذنب غيره. وأما ما ورد في قصة عمر مع صهيب وابنته حفصة وكذلك ما ورد عن ابن عمر ﵄ فغير صريح في أنهما أرادا أن الميت يعاقب بذنب غيره دون أن يكون له فيه أدني سبب، بل يبقى من الأمور المحتملة، ولذلك قال الحافظ ابن حجر: "ويحتمل أن يكون عمر كان يرى أن المؤاخذة تقع على الميت إذا كان قادرًا على النهى ولم يقع منه، فلذلك بادر إلى نَهي صهيب وكذلك نَهي حفصة" (٣). وغاية ما في حديث عمر وابنه ﵄ أنهما أطلقا الحديث في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه ولم يقيداه بيهودي ولا كافر كما روت عائشة ﵂، كما لم يُقيداه بوصية ولا غيرها كما فعل آخرون والله أعلم. - وأما ما ورد عن عائشة ﵂ من معارضتها لحديث تعذيب الميت ببكاء أهله عليه واتِّهامها الراوي له بالخطأ والنسيان وعدم الحفظ فعنه ثلاثة أجوبة: الجواب الأول: أن ما روته عائشة ﵂ حديث وهذا حديث ولا تناقض بينهما ولا تعارض، بل لكل واحدٍ منهما حكمه، وكل واحد من الرواة أخبر عمَّا سمع وشاهد (٤).

стр. 434

الجواب الثاني: أن عائشة ﵂ أنكرت برأيها وقالت بظنها، وقول الرسول ﷺ إذا صح لا يلتفت معه إلى رأي أحد (٥). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وعائشة أم المؤمنين ﵂ لها مثل هذا نظائر، ترد الحديث بنوع من التأويل والاجتهاد لاعتقادها بطلان معناه، ولا يكون الأمر كذلك، ومن تدبر هذا الباب وجد هذا الحديث الصحيح الصريح الذي يرويه الثقة لا يرده أحد بمثل هذا إلا إن كان مخطئًا" (٦). وقال ابن حجر: "وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيه إشعارٌ بأنها لم تَرُدّ الحديث بحديث آخر بل بما استشعرته من معارضة القرآن" (٧). الجواب الثالث: "أن الرواة لهذا المعني كثير: عمر وابن عمر والمغيرة بن شعبة وقيلة بنت مخرمة ﵃ وهم جازمون بالرواية، فلا وجه لتخطئتهم، وإذا أُقدم على ردِّ خبر جماعة مثل هولاء مع إمكان حمله على محمل الصحيح فلأن يُرَدَّ خبر راوٍ واحد أولى، فرد خبرها أولى، على أن الصحيح: ألا يردَّ واحدٌ من تلك الأخبار، وينظر في معانيها" (٨). - وأما مذهب التوقف فبابه واسع كما تقدم. * * *

стр. 435

المبحث الثاني ما جاء في قلة النساء وكثرتهنَّ فى الجنة وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 436

المطلب الأول ذكر الأحاديث التى قد يوهم ظاهرها التعارض أولًا: الأحاديث التى تفيد أن النساء في الجنة أقل من الرجال: - عن عمران بن حصين رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "إن أقل ساكنى الجنة النساء" (١). - وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء" (٢). - وعن أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: "وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء" (٣). - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "رأيت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن" قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط" (٤).

стр. 437

- وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال للنساء: "تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم .. " (٥). ثانيًا: الأحاديث التي تفيد أن النساء في الجنة أكثر: عن محمد بن سيرين قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا الرجال في الجنة أكثر أم النساء فقال أبو هريرة ﵁: لو لم يقل أبو القاسم ﷺ : "إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتى تليها على أضواء كوكب دُري في السماء لكل امرئٍ منهم زوجتان اثنتان يُرى مخ سوقهما من وراء اللحم وما في الجنة أعزب" (٦). وفي لفظ للبخاري: "لكل امرئٍ زوجتان من الحور العين .. " (٧). بيان وجه التعارض أنه في الأحاديث الأولى ما يفيد أن النساء أقل ساكني الجنة وأكثر ساكني النار. وفي المقابل نجد في حديث أبي هريرة ما يفيد أن النساء في الجنة أكثر من الرجال لأنه إذا كان لكل واحد من الرجال زوجتان وليس في الجنة أعزب كانت النساء ضعفى عدد الرجال. * * *

стр. 438

المطلب الثاني مذهب العلماء تجاه هذا التعارض سلك أهل العلم في هذه المسألة مذهبين: أحدهما مذهب الجمع، والثاني: مذهب الترجيح وإليك بيان ذلك: أولًا: مذهب الجمع: فقالوا إن النساء من بني آدم في الجنة أقل من الرجال، وأما إذا انضم إليهن الحور العين فإنَّهن بلا شك أكثر من الرجال، وإلى هذا ذهب القرطبي (١) وابن القيم (٢) عليهما رحمة الله. واستدلوا بما تقدم من حديث عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: "إن أقل ساكنى الجنة النساء" (٣). وكذلك استدلوا بالأحاديث التي فيها أن النساء أكثر أهل النار (٤). وأجابوا عن قوله ﷺ : "لكل امرئٍ منهم زوجتان" بأن المراد بالزوجتين: أي من الحور العين، واستدلوا على ذلك. مما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "للرجل من أهل الجنة زوجتان من حور العين على كل واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب" (٥). وأما ما ورد من الزيادة على الزوجتين -كما في بعض الأحاديث- فأجابوا

стр. 439

عنه بأن ذلك بحسب منازلهم ودرجاتِهم، وأما الزوجتين الواردة في الحديث السابق فهى لأدنى أهل الجنة. قال القرطبي: "أدنى من في الجنة درجة له زوجتان، إذ ليس في الجنة أعزب كما قال، وأما غير هؤلاء: فمن ارتفعت منْزلته فزوجاتُهم على قدر درجاتِهم" (٦). وقال ابن القيم: "ولا ريب أن للمؤمن في الجنة أكثر من اثنتين لما في الصحيحين من حديث عبد الله بن قيس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن للعبد المؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة طولها ستون ميلًا، للعبد المؤمن فيها أهلون، فيطوف عليهم لا يرى بعضهم بعضًا" (٧) " (٨). وقال الحافظ ابن حجر: "والذي يظهر أن المراد أن أقل ما لكل واحد منهم زوجتان" (٩). وأما حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال وهو في طائفة من أصحابه فذكر حديثًا طويلًا وفيه: "فيدخل الرجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله تعالى وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله بعبادتِهما في الدنيا .. " (١٠).

стр. 440

فقال عنه ابن القيم ﵀: "هذا قطعة من حديث الصور الطويل ولا يُعرف إلا من حديث إسماعيل بن رافع، وقد ضعفه أحمد ويحيى وجماعة، وقال الدارقطني وغيره: متروك الحديث، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها مما فيه نظر (١١). وأما البخاري فقال فيه ما حكاه الترمذي عنه قال: سمعت محمدًا يقول فيه: هو ثقة مقارب الحديث. قلت: ولكن إذا روى مثل هذا ما يخالف الأحاديث الصحيحة لم يلتفت إلى روايته" (١٢). ثانيًا: مذهب الترجيح: وذلك بترجيح كون النساء في الجنة أكثر من الرجال، وممن ذهب إلى هذا أبو هريرة (١٣) رضى الله عنه والقاضى عياض (١٤) والعراقى (١٥) عليهما رحمة الله، واستدلوا بحديث أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: "لكل امرئٍ منهم زوجتان" فقالوا: إن المراد بالزوجتين: أي من نساء الدنيا. قال القاضى عياض: ظاهر هذا الحديث أن النساء أكثر أهل الجنة، وفي

стр. 441

الحديث الآخر أنَّهن أكثر أهل النار، فيخرج من مجموع هذا أن النساء أكثر ولد آدم، وهذا كله في الآدميات، وإلا فقد جاء للواحد من أهل الجنة من الحور العين العدد الكثير (١٦). وقال العراقى: "الزوجتان من نساء الدنيا والزيادة على ذلك من الحور العين" (١٧). واستدلوا على كون المراد بالزوجتين في الحديث السابق من نساء الدنيا بالأحاديث التي ورد فيها أن المؤمن يكون له في الجنة العدد الكثير من الحور العين، كقوله ﷺ : "للشهيد عند ربه ست خصال .. " ثم ذكر منها "ويزوّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين .. " (١٨). فقالوا: إن هذا الحديث وما في معناه يدل على أن المؤمن له في الجنة أكثر من زوجتين من الحور العين وعلى هذا تكون الزوجتان -في حديث أبي هريرة- منَ نساء الدنيا (١٩). وأجاب أصحاب هذا القول عن قوله ﷺ : "إن أقل ساكني الجنة النساء" بجوابين: أحدهما: أن قلتهن هذه إنما هى في أول الأمر عندما تكون أكثر النساء في النار، وأما بعد خروجهن بالشفاعة ورحمة الله تعالى فإنهن يكن أكثر من الرجال

стр. 442

في الجنة (٢٠). والجواب الثاني: قالوا: يحتمل أن يكون الراوي له رواه بالمعنى الذي فهمه من كونِهن أكثر ساكني النار، ففهم أنه يلزم من ذلك أن يكنَّ أقل ساكني الجنة، وهذا ليس بلازم (٢١). * وأما قوله ﷺ : "واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء" (٢٢) فأجابوا عنه: بأنه لا يلزم من أكثريتهن في النار نفى أكثريتهن في الجنة (٢٣). * * *

стр. 443

المطلب الثالث الترجيح الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم- هو مذهب الجمع وهو أن النساء من بنى آدم في الجنة أقل من الرجال كما هو صريح حديث عمران بن حصين رضى الله عنهما: "إن أقل ساكني الجنة النساء". وأما إذا انضم إليهن الحور العين فإنه على كلا القولين تكون النساء في الجنة أكثر من الرجال. قال القرطبي ﵀: "وبِهذا يُعلم أنَّ نوع النساء المشتمل على الحور والآدميات في الجنة "أكثر من نوع رجال بني آدم، ورجال بني آدم أكثر من نسائهم" (١). وأما استدلال أصحاب القول الثاني بحديث أبي هريرة: "لكل امرئٍ منهم زوجتان" وقولهم إن المراد بالزوجتين في هذا الحديث: أي من نساء الدنيا فغير مسلَّم، لأن الحديث جاء صريحًا في أن الزوجتين هاتين من الحور العين كما في روايةٍ للبخاري: "لكل امرئٍ زوجتان من الحور العين" (٢) وكما في حديث أبي هريرة الذي رواه الإِمام أحمد وقد تقدم ذكره (٣).

стр. 444

وأما ما ورد في بعضى الأحاديث أن للمؤمن أكثر من زوجتين من الحور العين -كما تقدم- فالجواب عنه: أنه لا يلزم من ذكر الزوجتين عدم الزيادة عليهن لأن حديث: "لكل امرئٍ منهم زوجتان" ليس فيه أنه ليس له إلا زوجتان؟ وقد تكون هاتان الزوجتان من الحور العين لأدنى أهل الجنة منْزلة كما جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدرى رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ أدنى أهل الجنة منْزلةً: رجل صرف الله وجهه عن النار قِبل الجنة ومُثِّلَ له شجرة ذات ظل .. " إلى أن قال: "ثم يدخل بيته فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين فتقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك" (٤). وأما تشكيك أصحاب القول الثاني بحديث: "إن أقل ساكني الجنة النساء" وقولهم: يحتمل أن الراوي لهذا الحديث رواه بالمعنى الذي فهمه فغريب جدًّا، وليس لهم عليه مستند إلا ما توهموه من معارضته لحديث: "لكل امرئٍ منهم زوجتان" والحق أنه ليس بينهما تعارضٌ البتة لأن الزوجتين هاتين من الحور العين كما تقدم، ثم إن الأحاديث الصحيحة لا تُردُّ بمثل هذا الاحتمال. والله أعلم. * * *

стр. 445

الباب الثالث القدر، ومسائل تتعلق بالنبوة وتحته فصلان • الفصل الأول: القدر • الفصل الثاني: مسائل تتعلق بالنبوة * * *

стр. 446

الفصل الأول القدر وفيه ستة مباحث • المبحث الأول: زيادة العمر بصلة الرحم • المبحث الثاني: ما جاء في أن الشقي من شقي في بطن أمه مع ورود ما يدل على أن كل مولود يولد على الفطرة • المبحث الثالث: "والشر ليس إليك" • المبحث الرابع: حكم أولاد المشركين في الآخرة • المبحث الخامس: ما جاء في (اللو) • المبحث السادس: وقت كتابة الملَك ما قُدِّر للعبد في بطن أمه * * *

стр. 447

المبحث الأول زيادة العمر بصلة الرحم وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 448

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض أولًا: الأحاديث التي فيها أن الأجل مكتوب مقدر لا يزيد ولا ينقص: - عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم يُنفخ فيه الروح" (١). - وعن أنس بن مالك رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال: "إن الله وكَّل بالرحم ملَكًا يقول: يا ربِّ نطفة، يا ربِّ علقة، يا رب مضغة، فإذا أراد أن يقضي خلْقه قال: ذكر أم أنثى، شقي أم سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ فيُكتب في بطن أمِّه" (٢). - وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: قالت أم حبيبة زوج النبي ﷺ : اللهم أمتعنى بزوجي رسول الله ﷺ وبأبى أبي سفيان وبأخي معاوية، قال: فقال النبي ﷺ : "قد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئًا قبل حلِّه أو يؤخر شيئًا عن حلِّه، ولو كنت سألت

стр. 449

الله أن يُعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيرًا وأفضل" (٣). - وعن حذيفة بن أَسِيْد يبلغ به النبي ﷺ قال: "يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي ربّ أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تُطوى الصحف فلا يُزاد فيها ولا ينقص" (٤). ثانيًا: الأحاديث التي فيها أن العمر يزيد بصلة الرحم: - عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سرَّه أن يبسط له في رزقه أو يُنسأَ له في أثره فليصل رحمه" (٥). - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سرَّه أن يُبسط له في رزقه وأن يُنسأَ له في أثره فليصل رحمه" (٦). بيان وجه التعارض أن في الأحاديث الأولى التصريح بأن الأجل مكتوب مُقدر لا يُزاد فيه ولا ينقص، وفي المقابل نجد في حديث أنس وأبي هريرة ﵄ التصريح بأن الأجل يُؤَخر وأن العمر يُزاد بصلة الرحم؟ ! . * * *

стр. 450

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض لم يتجاوز أهل العلم في هذه المسألة مذهب الجمع، ولكنهم اختلفوا في طريقة الجمع على عدة أقوال يمكن حصرها في مسلكين: المسلك الأول: أن العمر يزيد وينقص: والقائلون بِهذا حملوا الزيادة في العمر الواردة في النصوص على الحقيقة. وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وكعب وأبو وائل ﵃ (١) وجمع كثير من أهل العلم كالطحاوي وابن حزم (٢) وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن أبي العز وابن حجر والشوكاني وغيرهم عليهم رحمة الله. وقال هؤلاء إن الله تعالى قدر السبب والمسبب، فقدر أن هذا يصل رحمه فيزيد عمره بهذا السبب، ولو لم يصل رحمه لما زاد عمره، فبهذا كانت صلة الرحم سبب في زيادة العمر، فمن علم الله منه صلة الرحم زاد في عمره ومن علم منه خلاف ذلك نقص في عمره. وقال بعضهم: إن الزيادة والنقصان تكون في الصحف التي في أيدي الملائكة وذلك أن الله تعالى يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب.

стр. 451

قالوا: والمكتوب غير المعلوم، فما علمه الله تعالى من نِهاية العمر لا يتغيَّر، وما كتبه قد يمحى ويثبت، وعلى هذا يُحمل قول عمر رضى الله عنه وغيره: "اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليَّ الذنب والشِّقوة فامحُني وأثبتني في أهل السعادة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب" (٣). قال الطحاوي ﵀ بعدما ذكر شيئًا من النصوص السابقة: "هذا مما لا اختلاف فيه إذ كان يحتمل أن يكون الله إذا أراد أن يخلق النسمة جعل أجلها إن برت كذا وكذا وإن لم تبر كذا وكذا لما هو دون ذلك .. ويكون ذلك مما يُثبت في الصحيفة الى لا يُزاد على ما فيها ولا ينقص منه" (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب .. والله سبحانه عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله، والله يعلم الأشياء قبل كونِها وبعد كونِها، فلهذا قال العلماء: إن المحو والإِثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالمًا به فلا محو فيه ولا إثبات" (٥). وقال أيضًا: "والأجل أجلان: (أجل مطلق) يعلمه الله، (٦) (وأجل مقيد) وبِهذا يتبين معنى قوله ﷺ : "من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له

стр. 452

في أثره فليصل رحمه" فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلًا وقال: إن وصل رحمه زده كذا وكذا، والملك لا يعلم أيزداد أم لا، لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر" (٧). وقال ابن أبي العز تعليقًا على كون صلة الرحم تزيد في العمر: "أي: هى سبب طول العمر، وقد قدَّر الله أن هذا يصل رحمه، فيعيش بهذا السبب إلى هذه الغاية، ولولا ذلك السبب لم يصل إلى هذه الغاية، ولكن قدَّر هذا السبب وقضاه، وكذلك قدَّر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إلى كذا" (٨). وقال ابن حجر ﵀: "والحق .. أن الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، وأن الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمى فيقع فيه المحو والإثبات كالزيادة في العمر والنقص وأما ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات، والعلم عند الله" (٩). وقال الشوكاني ﵀: "وهكذا يكون الجمع بين الأحاديث الواردة لسبق القضاء، وأنه فرغ من تقدير الأجل والرزق والسعادة والشقاوة، وبين الأحاديث الواردة في صلة الرحم بأنَّها تزيد في العمر، وكذلك سائر أعمال الخير، وكذلك الدعاء، فتحمل أحاديث الفراغ من القضاء على عدم تسبب العبد بأسباب الخير والشر، وتحمل الأحاديث الأخرى: على أنه قد وقع من العبد التسبب بأسباب الخير من الدعاء والعمل الصالح وصلة الرحم، أو التسبب

стр. 453

بأسباب الشر" (١٠). وقال أيضًا: "نقول إن الله سبحانه قد علم في سابق علمه أن فلانًا يطول عمره إذا وصل رحمه وأن فلانًا يحصل له من الخير كذا أو يقع عنه من الشر كذا إذا دعا ربه، وأن هذه المسببات مترتبة على حصول أسبابها وهذه المشروطات مقيدة بحصول شروطها" (١١). واستدل أصحاب هذا المسلك بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿ .. لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١٢). حيث حملوا الآية على العموم فقالوا: إنَّها عامة في كل شىء يقتضيه ظاهر هذا اللفظ (١٣). وقالوا: (المراد بالمحو والإثبات هنا إنما هو في الصحف التي في أيدي الملائكة وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ المراد به اللوح المحفوظ كما يدل عليه سياق الآية وهو قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ ثم قال: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي من ذلك الكتاب ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصله، وهو اللوح المحفوظ" (١٤). قال السعدي ﵀: " ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ من الأقدار

стр. 454

﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما يشاء منها وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه وكتبه قلمه، فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير لأن ذلك محال على الله أن يقع في علمه نقص أو خلل، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: اللوح المحفوظ (١٥) الذي ترجع إليه سائر الأشياء فهو أصلها وهى فروع وشعب، فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتِها أسبابًا، ولمحوها أسبابًا، لا تتعدى تلك الأسباب ما رُسم في اللوح المحفوظ، كما جعل الله البر والصلة والإِحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصى سببًا لمحق بركة الرزق والعمر. فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يُخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ" (١٦). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (١٧). أي: لا يطول عمر إنسان ولا ينقص إلا وهو في كتاب أي في اللوح المحفوظ (١٨). واستشهدوا على ذلك بما رواه سعيد بن المسيب قال: "لما طعن عمر بن الخطاب قال كعب: لو دعا الله عمر لأخر في أجله، فقال الناس: سبحان الله؟ !

стр. 455

أليس قد قال الله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (١٩)؟ ! قال كعب: وقد قال: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ قال الزهري -الراوي عن سعيد-: فنُرى أنه إذا حضر أجله فلا يؤخر ساعة ولا يقدم، وما لم يحضر أجله فإن الله يؤخر ما شاء ويقدم ما شاء، وليس من أحد إلا وله عمر مكتوب" (٢٠). ٣ - قوله ﷺ : "من سرَّه أن يُبسط له في رزقه أو يُنسأ له في أثره فليصل رحمه" (٢١). ٤ - قوله ﷺ فِى حديث ثوبان رضى الله عنه: "لا يزيد في العمر إلا البر ولا يرد القدر إلا الدعاء، وإن الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يُصيبه" (٢٢). ٥ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن رجح هذا المسلك: "ونظير هذا ما في الترمذي وغيره عن النبي ﷺ : "أن آدم لما طلب من الله أن يريه صورة الأنبياء من ذريته فأراهم إياهم، فرأى فيهم رجلًا له بصيص (٢٣)، فقال: من هذا يا رب؟ فقال: ابنك داود، قال: فكم عمره؟ قال: أربعون سنة، قال: وكم عمري؟ قال: ألف سنة، قال: فقد وهبت له من عمري ستين سنة، فكتب عليه كتاب، وشهدت عليه الملائكة، فلما حضرته الوفاة قال: قد بقي

стр. 456

من عمري ستون سنة، قالوا: وهبتها لابنك داود، فأنكر ذلك، فأخرجوا الكتاب، قال النبي ﷺ : فنسي آدم فنسيت ذريته وجحد آدم فجحدت ذريته" (٢٤) وروي أنه كمل لآدم عمره ولداود عمره (٢٥). فهذا داود كان عمره المكتوب أربعين سنة ثم جعله ستين (٢٦)، وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال: "اللهم إن كنت كتبتني شقيًّا فامحني واكتبني سعيدًا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت" (٢٧) " (٢٨). وأجاب أصحاب هذا المسلك عن الآيات القاضية بأن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٢٩) وقوله : ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (٣٠) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ (٣١)، أجابوا عن هذه الآيات وما في معناها: بأنَّها مختصة بالأجل إذا حضر فإنه لا يتقدم ولا يتأخر عند حضوره. قالوا: ويؤيد هذا أنَّها جاءت مقيدة بذلك كما في الآيات السابقة فإنه تعالى قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ ﴿ .. إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ﴾. وعلى هذا فيمكن الجمع بحمل هذه الآيات على هذا المعنى، فإذا حضر

стр. 457

الأجل لم يتقدم ولم يتأخر، وفي غير هذه الحالة يجوز أن يؤخره الله بالدعاء أو بصلة الرحم أو بفعل الخير، ويجوز أن يقدمه لمن عمل شرًّا أو قطع ما أمر الله به أن يوصل وانتهك محارم الله سبحانه (٣٢). - وأما قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٣٣). وكذلك الأحاديث التى فيها أنه فُرغ من تقدير الأجل والرزق والسعادة والشقاوة فأجابوا عنها: بأنها محمولة على عدم تسبب العبد بأسباب الخير والشر فإنه إذا لم يتسبب بأسباب الخير أو الشر فإنه يقع عليه الأجل المقدر كما في حديث ابن مسعود وغيره. وأما إذا تسبب العبد بأسباب الخير كصلة الرحم وغيرها فإنه قد يُزاد في عمره كما في حديث أنس وغيره (٣٤). المسلك الثاني: أن العمر لا يزيد ولا ينقص . والقائلون بِهذا حملوا الزيادة في العمر الواردة في النصوص على المجاز. وإلى هذا ذهب جمهور العلماء كما نقل ذلك الإمام مرعى بن يوسف (٣٥) والشوكاني (٣٦) عليهما رحمة الله وحكى ابن عطية في تفسيره أنه مذهب أهل السنة (٣٧). واستدل هولاء بما يلى:

стр. 458

١ - عموم الآيات التي فيها أن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٣٨) وقوله : ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ (٣٩) وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (٤٠). ٢ - قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٤١). ٣ - الأحاديث التي فيها أنه قد فُرغ من تقدير الأجل والرزق والسعادة والشقاوة، ومن ذلك: - حديث ابن مسعود رضى الله عنه وفيه: "ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقى أو سعيد" (٤٢). - حديث ابن مسعود رضى الله عنه -أيضًا- أن أم حبيبة زوج النبي ﷺ قالت: اللهم متعنى بزوجي رسول الله ﷺ وبأبي أبي سفيان وبأخى معاوية، فقال النبي ﷺ : "قد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئًا قبل حِلِّه أو يؤخر شيئًا عن حِلِّه" (٤٣). - وذكر أصحاب هذا المسلك عدة تأويلات للزيادة في العمر الواردة في النصوص، ومن هذه التأويلات ما يلى: ١ - "أن زيادة الأجل تكون بالبركة فيه وتوفيق صاحبه لفعل الخير

стр. 459

وبلوغ الأغراض، فينال في قصير العمر ما يناله غيره في طويله" (٤٤)، وإلى هذا ذهب النووي (٤٥) واستظهره الطيبي (٤٦). ٢ - أن المراد بالتأخير في الأجل: أن يبقى بعده ثناء جميل وذكر حميد وأجرٌ متكرر فكأنه لم يمت، حكى هذا القاضي عياض (٤٧) وذهب إليه القرطبي (٤٨). ٣ - أن المراد بالزيادة هنا: السعة في الرزق وعافية البدن فإن الغنى يُسمى حياةً والفقر يُسمى موتًا، ذكره ابن قتيبة (٤٩). ٤ - أن المراد بالزيادة: نفي الآفات عن صاحب البر والصلة والزيادة في فهمه وعقله. وبهذا جزم ابن فورك (٥٠). ٥ - أن المعنى: أن الله تعالى يكتب أجل عبده عنده مائة سنة، ويجعل بنيته وتركيبه وهيئته لتعمير ثمانين سنة، فإذا وصل رحمه زاد الله تعالى في ذلك التركيب وفي تلك البنية ووصل ذلك النقص، فعاش عشرين أخرى حتى يبلغ المائة، وهي الأجل الذي لا مُستأخر عنه ولا متقدم، ذكره ابن قتيبة (٥١). وأجاب أصحاب هذا المسلك عن قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ بعدم حملها على العموم، وذكروا عدة تخصيصات للآية كقولهم: إن الْمعنى: يمحو ما يشاء من الشرائع والفرائض والأحكام فينسخه ويبدله

стр. 460

ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، وجملة الناسخ والمنسوخ عنده في أم الكتاب (٥٢). كما أجابوا عن قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ بأن المراد بالمعمر الطويل العمر والمراد بالناقص قصير العمر. والمعنى: كل من طال عمره أو نقص فهو مكتوب في الكتاب (٥٣) * * *
следующие страницы →