← Акыда

Акыда · id 123

أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين دراسة وترجيح

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (669 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فيما بين دليلين متعارضين بحيث لا يصح اجتماعهما بحال، وإلا لما كان أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا، فلو كان التعارض الحقيقي جائزًا لما كان للبحث عن إثبات الناسخ والمنسوخ -لدفع التعارض- فائدة بل كان عبثًا، وهذا لا شك أمر باطل، فدل على أن التعارض الحقيقى في نصوص الشريعة غير موجود. ٦ - أن الأصوليين قد اتفقوا على إثبات الترجيح بين الأدلة المتعارضة ظاهرًا -إذا لم يمكن الجمع ولم يعلم التاريخ بين النصين فيُقال بالنسخ- وأنه لا يصح إعمال أحد الدليلين المتعارضين جزافًا من غير نظر وبحث عن مرجحٍ له فلو كان التعارض الحقيقى جائزًا لأدى ذلك إلى رفع باب الترجيح وعدم العمل به والبحث عنه لأن البحث عنه -لدفع التعارض- ليس له فائدة ولا إليه حاجة، وذلك لجواز وقوع التعارض الحقيقى، ولكن هذا أمر باطل لا يصح، لأن الأصوليين -كما تقدم- قد اتفقوا على القول بإثبات الترجيح وعلى هذا فما ترتب على عدم إثباته -وهو القول بوجود التعارض الحقيقي- باطل أيضًا (١٣). * أسباب وقوع التعارض الظاهري بين النصوص: تقدم لنا أن التعارض الحقيقى بين الأحاديث الصحيحة لا يمكن أن يكون، وأن التعارض الموجود إنما هو في ظاهر الأمر وفي نظر المجتهد، وفيما يلي أذكر جملة من أسباب وجود هذا التعارض الظاهري: أولًا: أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه ﷺ ، وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتًا، فالثقة يغلط. ثانيًا: أن يُخبر الرسول ﷺ عن شيء فيأتي أحد الرواة بِهذا الخبر كاملًا،

стр. 37

ويأتي به آخر مختصرًا، ويأتي ثالث ببعض معناه دون بعض، فيُظن بسبب ذلك التناقض والاختلاف بين هذه الأخبار. ثالثًا: أن الرجل قد يحدث عنه ﷺ بذكر الجواب دون السؤال الذي بمعرفته يزول الإشكال وينتفى التعارض والاختلاف. رابعًا: أن يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر فيجهل البعض التناسخ بينهما فيظن ويتوهم أن بينهما تعارضًا واختلافًا، بينما الأمر على خلاف ذلك، فإذا عُرف أن أحدهما ناسخ للآخر زال التعارض وانتفى الإشكال. خامسًا: أن يكون التعارض في فهم السامع، ونظر المجتهد لا في كلامه ﷺ وذلك أن النبي ﷺ عربي اللسان والدار فقد يقول القول عامًّا يريد به العام، وعامًّا يريد به الخاص، ومطلقًا قد قيده في موضع آخر (١٤) .. إلخ. قال ابن القيم: "وما يؤتى أحدٌ إلا من غلط الفهم أو غلطٍ في الرواية، متى صحت الرواية وفُهمت كما ينبغي تبيَّن أن الأمر كله من مشكاة واحدة صادقة متضمنة لنفس الحق، وبالله التوفيق" (١٥). سادسًا: الجهل بسعة لسان العرب، فإن العرب تسمى الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وتسمي بالاسم الواحد المعاني الكثيرة، كل هذا وغيره من لسان العرب وفطرته، وبلسانِها نزل القرآن وجاءت السنة، فمن جهل ذلك اختلف عنده العلم بالكتاب والسنة (١٦). * * *

стр. 38

المبحث الرابع مسالك العلماء عند التعارض تقدم لنا أن التعارض يُدفع بأحد أمور ثلاثة هي: الجمع أو النسخ أو الترجيح، ولكن هذه الأمور الثلاثة لا تستعمل عند أهل العلم إلا على ترتيب معيَّن إليك بيانه: ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب دفع التعارض الظاهري بين الأحاديث على الترتيب التالي (١): - * أولًا: الجمع: فيجب على المجتهد أن يحاول الجمع بين الحديثين المتعارضين ظاهرًا، لأن إعمال الأدلة كلها أولى من إهمالها أو إهمال بعضها، فيحاول المجتهد أن يحمل كل واحد من الحديثين على وجه يختلف عن الوجه الذي حمل عليه الحديث الآخر، فقد يكون بينهما عموم وخصوص أو إطلاق وتقييد .. إلخ. قال الشافعي: "ولا يُنسب الحديثان إلى الاختلاف ما كان لهما وجهًا يمضيان معًا" (٢).

стр. 39

وقال أيضًا: "وكلما احتمل حديثان أن يُستعملا معًا، استعملا معًا ولم يُعطل واحد منهما الآخر" (٣). وقال الخطابي: "وسبيل الحديثين إذا اختلفا في الظاهر وأمكن التوفيق بينهما وترتيب أحدهما على الآخر: أن لا يُحملا على المنافاة ولا يُضرب بعضها ببعض، لكن يُستعمل كل واحد منهما في موضعه، وبهذا جرت قضية العلماء" (٤). * ثانيًا: النسخ: فإن تعذر الجمع -وكان الحديثان يقبلان التناسخ (٥) - نظر في التاريخ لمعرفة المتقدم من المتأخر فيكون المتأخر ناسخًا للمتقدم. قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فإذا لم يحتمل الحديثان إلا الاختلاف -كما اختلفت القبلة نحو بيت المقدس والبيت الحرام- كان أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا" (٦). وجدير بالتنبيه هنا أنه إذا قام الدليل صريحًا على بيان النسخ بين الحديثين فإنه حينئذٍ يعمل به ولا يُلجأ إلى الجمع.

стр. 40

* ثالثًا: الترجيح: إذا تعذر الجمع ولم يقم دليل على النسخ فُزع حينئذٍ إلى الترجيح فيُعمل بالراجح ويُترك المرجوح. قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ومنها ما لا يخلو من أن يكون أحد الحديثين أشبه بمعنى كتاب الله، أو أشبه بمعنى سنن النبي ﷺ مما سوى الحديثين المختلفين أو أشبه بالقياس، فأى الأحاديث المختلفة كان هذا فهو أولاهما عندنا أن يصار إليه" (٧). والعمل بالراجح وترك المرجوح محل إجماع من أهل العلم، قال الشوكاني: "إنه متفق عليه ولم يخالف في ذلك إلا من لا يُعتد به، ومن نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم، وجدهم متفقين على العمل بالراجح وترك المرجوح" (٨). ووجوه الترجيح كثيرة مذكورة في كتب الأصول وغيرها، وقد ذكر الحازمي منها -في كتابه الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار (٩) - خمسين وجهًا، وزاد عليها بعض أهل العلم فأوصلها إلى مائة وعشرة أوجه (١٠). وقد قسم بعض أهل العلم هذه الأوجه إلى ثلاثة أقسام: ١ - باعتبار الإسناد. ٢ - باعتبار المتن. ٣ - باعتبار أمر خارجى (١١).

стр. 41

* رابعًا: التوقف (١٢): إذا تعذر الجمع والنسخ والترجيح فإنه يجب التوقف عن العمل بأحد النصين حتى يتبين وجه الحق فيهما. قال الإمام الشاطبى: "أما ترك العمل بِهما معًا مجتمعين أو متفرقين فهو التوقف عن القول بمقتضى أحدهما، وهو الواجب إذا لم يقع ترجيح" (١٣). وقال ابن حجر رحمه الله تعالى: "فصار ما ظاهره التعارض واقعًا على هذا الترتيب: الجمع إن أمكن، فاعتبار الناسخ والمنسوخ فالترجيح إن تعيَّن ثم التوقف عن العمل بأخذ الحديثين" (١٤). ولكن هذا التوقف ليس إلى أبد، وإنما هو إلى أمد، أي أنه توقف مؤقت، لأن التوقف إلى غير غاية يُفضي إلى تعطيل الأحكام الشرعية، وقد يكون الحكم مما لا يقبل التأخير، وعلى هذا فإن المتوقِّف عليه أن يبحث وينظر ويتأمل حتى يتبين له وجه الحق في المسالة (١٥) والله أعلم.

стр. 42

المبحث الخامس ترجمة موجزة للإمامين البخارى ومسلم عليهما رحمة الله تعالى * أولًا: الإمام البخارى رحمه الله تعالى: ١ - نسبه ومولده ونشأته: هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه (١) الجعفي البخاري (٢). وإنما قيل في نسبه الجعفي لأن أبا جده -المغيرة- أسلم على يد يمان الجعفي فنُسب إليه (٣) قال الحافظ ابن حجر: "فنُسب إليه نسبة ولاء عملًا بمذهب من يرى أن من أسلم على يديه شخص كان ولاءه له، وإنما قيل له الجعفى لذلك" (٤). - كانت ولادته رحمه الله تعالى يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شوال سنة أربع وتسعين ومائة (٥).

стр. 43

- ونشأ يتيمًا حيث توفي والده وهو صغير فنشأ في حجر أمه (٦)، فأحسنت تربيته وتنشئته حتى غدا مولعًا بالعلم وأهله، فأصبح يتنقل بين حلقات العلم والمحدثين وهو في سنٍّ مبكرة. وقد حصلت له قصة عجيبة في صغره رواها اللالكائي في كرامات الأولياء وغيره قال: "ذهبت عينا محمد بن إسماعيل في صغره فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل ﵇ فقال لها: يا هذه قد رد الله على ابنك بصره لكثرة بكائك -أو كثرة دعائك- فأصبح وقد رد الله عليه بصره" (٧). ٢ - بداية طلبه للعلم: سئل البخاري رحمه الله تعالى: كيف كان بدء أمرك في طلب الحديث؟ فقال: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكُتَّاب، قيل له: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ قال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكُتَّاب بعد العشر فجعلت أختلف إلى الداخلى وغيره، وقال يومًا فيما كان يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلت له: يا أبا فلان إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونظر فيه ثم خرج فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم مني وأحكم كتابه فقال: صدقت. فقيل له: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟ فقال: ابن إحدى عشرة، فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كُتب ابن المبارك ووكيع وعرفت كلام هؤلاء (٨).

стр. 44

ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججت رجع أخى بِها؟ وتخلفت في طلب الحديث، فلما طعنت في ثمان عشرة جعلت أصنف فضائل الصحابة والتابعين وأقاويلهم (٩). هذا الكلام من البخاري رحمه الله تعالى يدل على أنه بدأ في المطلب في مرحلة مبكرة من العمر، فبدأ في الكُتَّاب، ثم خرج منها وبدأ يختلف إلى علماء عصره وأئمة بلده، يأخذ عنهم ويراجعهم ويناقشهم، ثم خرج من بلده طلبًا للعلم والحديث حتى أصبح إمامًا في العلم ورأسًا في الحديث يقصده طلاب العلم ومريدوه من كل حدب وصوب. ٣ - رحلاته في طلب العلم: كانت أول رحلة قام بِها البخاري هي رحلته إلى مكة للحج، وهو في سن السادسة عشرة من عمره تقريبًا، قال ابن حجر: "فكان أول رحلته على هذا سنة عشر ومائتين ولو رحل أول ما طلب لأدرك ما أدركته أقرانه من طبقة عالية" (١٠). وقد أكثر البخاري رحمه الله تعالى بعد ذلك من الرحلة إلى سائر الأمصار في طلب العلم والحديث. قال الخطيب البغدادي: "رحل في طلب العلم إلى سائر محدثي الأمصار وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق كلها وبالحجاز والشام ومصر" (١١). وحدَّث البخاري عن نفسه فقال: "لقيت أكثر من ألف رجل: أهل الحجاز والعراق والشام ومصر لقيتهم كرَّات، أهل الشام ومصر والجزيرة

стр. 45

مرتين، وأهل البصرة أربع مرات، وبالحجاز ستة أعوام، ولا أحصى كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثى خراسان" (١٢). ٤ - ذكاءه وحفظه: لقد رُزق البخاري رحمه الله تعالى حافظة قوية وذكاءً حادًّا وذهنًا متوقدًا واطلاعًا واسعًا. رُوي عنه أنه قال: "أحفظ مائة ألف حديث صحيح وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح (١٣) " (١٤). وليس أدل على قوة حافظة البخاري وتوقّد ذهنه من تلك الحادثة التي حدثت له ببغداد. وذلك أنه لما قدم بغداد سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونَها وأسانيدها، فجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة رجال، كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك إلى البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث فلما اطمأن المجلس بأهله، انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه فما زال يلقي عليه واحدًا

стр. 46

بعد الآخر حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل: فهم ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم. ثم انتدب إليه رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحدًا تلو الآخر حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه. فلما عرف البخاري أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل (¬١ ٥). ٥ - ثناء العلماء عليه: لقد أثنى على البخاري رحمه الله تعالى -في سعة علمه وقوة حفظه وبراعته في علم الحديث- عدد كبير من أهل العلم والفضل في سائر الأمصار، وليس المثنون عليه هم تلامذته أو من جاء بعدهم فقط، بل حتى شيوخه وأقرانه قد دانوا له بالفضل واعترفوا له بالعلم والحفظ وإليك بعض أقوالهم: قال فيه على بن المدينى: "ما رأى مثل نفسه" (١٦). وقال فيه أحمد بن حنبل: "ما أخرجت خراسان مثل محمد بن

стр. 47

إسماعيل" (١٧). وقال نعيم بن حماد: "محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة" (١٨). وقال ابن خزيمة: "ما رأيت تحت أديم هذه السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري" (١٩). وقال أبو عيسى الترمذي: "لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كثير أحدٍ أعلم من محمد بن إسماعيل (٢٠). ٦ - مصنفاته: لقد صنف البخاري رحمه الله تعالى العدد الكثير من الكتب والمؤلفات وإليك أشهر الكتب المطبوعة: ١ - الجامع الصحيح (٢١). ٢ - التاريخ الكبير. ٣ - التاريخ الأوسط. ٤ - التاريخ الصغير. ٥ - الأدب المفرد. ٦ - خلق أفعال العباد. ٧ - القراءة خلف الإمام.

стр. 48

٧ - وفاته: لقد واجه البخاري رحمه الله تعالى بعض المحن والشدائد (٢٢) في آخر حياته، حتى جعل يدعو ويقول -وقد فرغ من صلاة الليل-: "اللهم إنه قد ضاقت علىَّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك، قال: فما تم الشهر حتى قبضه الله تعالى إليه" (٢٣). وكانت وفاته ﵀ "ليلة السبت عند صلاة العشاء -ليلة الفطر-، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر يوم السبت لغرة شوال من سنة ست وخمسين ومائتين وعاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يومًا" (٢٤). * * *

стр. 49

ثانيًا: الإمام مسلم رحمه الله تعالى: ١ - نسبه ومولد ونشأته (٢٥): هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن وَرْدٍ القشيري النيسابوري (٢٦). - اختلف في مولده على أقوال أصحها ما ذهب إليه ابن الصلاح والنووي (٢٧) وغيرهما أنه ولد سنة ست ومائتين. قال ابن الصلاح ﵀: "لكن تاريخ مولده ومقدار عمره كثيرًا ما تطلب الطلاب علمه فلا يجدونه، وقد وجدناه ولله الحمد، فذكر الحاكم أبو عبد الله بن البيّع الحافظ في كتاب (المزكين لرواة الأخبار): "أنه سمع أبا عبد الله ابن الأخرم الحافظ يقول: توفي مسلم بن الحجاج ﵀ عشية يوم الأحد ودفن يوم الإثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين وهو ابن خمس وخمسين سنة، وهذا يتضمن أن مولده كان سنة ست ومائتين والله أعلم" (٢٨). وقد نشأ ﵀ في بيت علم وجاه فقد كان والده متصدرًا لتربية الناس وتعليمهم ومن كان هذه حاله فلا شك أنه سيكون له أثر على ابنه نحو طلب العلم والتزام حلقات التعليم (٢٩).

стр. 50

٢ - بداية طلبه العلم: بدأ الإمام مسلم ﵀ في طلب العلم وسماع الحديث في سن مبكرة وكان أول سماع له سنة ثماني عشرة ومائتين وعمره آنذاك اثنتا عشرة سنة. قال الذهبي: "وأول سماعه في سنة ثمان عشرة من يحيى بن يحيى التميمي، وحج في سنة عشرين وهو أمرد، فسمع بمكة من القعنبي فهو أكبر شيخ له، وسمع بالكوفة من أحمد بن يونس وجماعة، وأسرع إلى وطنه، ثم ارتحل بعد أعوام قبل الثلاثين، وأكثر عن على بن الجعد، لكنه ما روى عنه في (الصحيح) شيئًا، وسمع بالعراق والحرمين ومصر" (٣٠). ٣ - رحلاته في طلب العلم: رحل الإمام مسلم ﵀ في طلب الحديث رحلة واسعة (٣١) فقد رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر وخراسان والري وغيرها من بلدان العالم الإسلامي (٣٢). ٤ - ثناء العلماء عليه: لقد حظي ﵀ بثناء عطر وذكر جميل من علماء عصره ومن بعدهم، وما ذاك إلا لجلالة قدره وعظيم منزلته في نفوس المسلمين بسبب كتابه (الصحيح) الذي يعد -هو وصحيح البخاري- أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. وفي ما يلي أذكر نتفًا مما قيل في الثناء عليه:

стр. 51

نظر إليه المروزي فقال: "لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين" (٣٣). وقال محمد بن بشار: "حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم ابن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى" (٣٤). وقال فيه الخطيب البغدادي: "أحد الأئمة من حفاظ الحديث" (٣٥). وقال فيه ابن الصلاح: "فرفعه الله ﵎ بكتابه الصحيح هذا إلى مناط النجوم. وصار إمامًا حجة يبدأ ذكره ويعاد في علم الحديث وغيره من العلوم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" (٣٦). وقال فيه النووي: "هو أحد أعلام أئمة هذا الشان، وكبار المبرزين فيه وأهل الحفظ والإتقان، والرحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار والبلدان، والمعترف له بالتقدم فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان والمرجوع إلى كتابه والمعتمد عليه في كل الأركان" (٣٧). ونعته الذهبي بعدة أوصاف فقال عنه مرة: "الإمام الحافظ حجة الإسلام" (٣٨).

стр. 52

وقال مرة أخرى: "الإمام الكبير الحافظ المجود الحجة الصادق" (٣٩). وقال مرة ثالثة: "الحافظ أحد أركان الحديث" (٤٠). ٥ - مصنفاته: صنف الإمام مسلم ﵀ تصانيف عديدة ومؤلفات فريدة ولكن لم يصلنا منها إلا النَّزر اليسير وأغلب تصانيفه -إن لم تكن كلها- في الحديث وعلومه كأوهام المحدثين وأسمائهم وطبقاتِهم وفي العلل وغيرها: وإليك سرد أهم كتبه المطبوعة: ١ - المسند الصحيح وهو المعروف بصحيح مسلم. ٢ - الأسماء والكنى. ٣ - التمييز. ٤ - الطبقات. ٥ - المنفردات والوحدان (٤١). ٦ - وفاته: توفي رحمه الله تعالى عشية يوم الأحد، ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين. وقد ذكروا قصة عجيبة في سبب وفاته فقالوا: إنه عقد له مجلس للمذاكرة فذُكر له حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منْزله وأوقد السراج؛ وقال

стр. 53

لمن في الدار: لا يدخلن أحد منكم هذا البيت، فقيل له: أُهديت لنا سلة فيها تمر، فقال: قدموها إليّ، فقدموها إليه فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة تمرة يمضغها، فأصبح وقد فنى التمر ووجد الحديث، قال الحاكم -الراوي لهذه القصة-: زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مرض ومات (٤٢). * * *

стр. 54

المبحث السادس مكانة الصحيحين عند الأمة سأتناول هذا المبحث من خلال الحديث عن ثلاثة أمور: أحده ا: أقوال أهل العلم في بيان مكانة الصحيحين . وثانيهما: تعريف موجز بالصحيحين. وثالثهما: الأحاديث المنتقدة فيهما. أ) أقوال أهل العلم في بيان مكانة الصحيحين: لقد حظى الصحيحان باهتمام بالغ وعناية فائقة من أهل العلم لم تحصل لغيرهما من كتب السنة، كما هو واضح من كثرة المؤلفات التي ألفت عليهما من شروح ومستخرجات ومستدركات، وتعاليق وملخصات .. ولا عجب من ذلك فهما أول الكتب المؤلفة في الصحيح المجرد، كما أنَّهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى ولذلك فقد تلقتهما الأمة بالرضى والقبول، وتواردت أقوال أهل العلم في الثناء عليهما وإعظام شأنِهما وبيان منْزلتهما، وإليك بعض أقوالهم في ذلك: قال ابن الصلاح: "أول من صنف الصحيح: البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي مولاهم، وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري .. وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز" (١). وقال النووي: "أول مُصَنَّف في الصحيح المجرد: صحيح البخاري ثم

стр. 55

مسلم، وهما أصح الكتب بعد القرآن" (٢). وقال أيضًا: "اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان: البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الذي اتفق عليه أهل العلم أنه ليس بعد القرآن كتاب أصح من كتاب البخاري ومسلم" (٤). وقال أيضًا: "ليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد القرآن وما جمع بينهما" (٥). وقال ابن كثير عن هذين الكتابين: "هما أصح كتب الحديث" (٦). وقال ابن أبي العز: "الصحيحان اللذان جمعهما البخاري ومسلم أصح الكتب المصنفة هذا الذي عليه أئمة الإسلام" (٧). وقال السخاوي: "وبالجملة فكتاباهما أصح كتب الحديث" (٨). وقال العيني: "اتفق علماء الشرق والغرب على أنه ليس بعد كتاب الله تعالى أصح من صحيحي البخاري ومسلم" (٩).

стр. 56

ب) تعريف موجز بهذين الكتابين: أولًا: صحيح البخاري: وسأتناول التعريف به من خلال ثلاثة أمور: ١ - التسمية الكاملة لهذا الكتاب: اشتهر هذا الكتاب وعرف عند أهل العلم قديمًا وحديثًا باسم "صحيح البخاري" ولكن هذا الاسم ليس هو الاسم الكامل للكتاب وإنما ذكره أهل العلم بِهذا الاسم اختصارًا، وذلك لطول الاسم الذي سماه به البخاري. وهو كما ذكره ابن الصلاح: "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه" (١٠). وأما ابن حجر فقد ذكره باسم: "الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه" (١١). ٢ - منهج البخاري وطريقته في كتابه هذا: لقد نَهج البخاري رحمه الله تعالى في هذا الكتاب منهجًا فريدًا ومسلكًا متميزًا فقد بالغ في الدقة والتحري واجتهد في التثبت والتوثق، يتضح ذلك من خلال النظر في أربعة أمور: أ - أنه انتقى أحاديث كتابه انتقاءً دقيقًا من بين عدد كبير من الأحاديث فقد قال ﵀: "أخرجت هذا الكتاب -يعني الصحيح- من زهاء ستمائة ألف حديث" (١٢). وقال أيضًا: "خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني

стр. 57

وبين الله تعالى" (١٣). ب - أنه استغرق وقتًا طويلًا في تصنيفه مما يدل على تحريه وتأنيه وعدم عجلته، قال ﵀: "صنفت كتابي (الصحيح) لست عشرة سنة" (١٤). ج - أنه ما وضع حديثًا في كتابه إلا اغتسل وصلى ركعتين واستخار الله تعالى، قال ﵀: "ما وضعت في كتاب (الصحيح) حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين" (١٥). د - أنه التزم الصحة فيما يخرجه من الأحاديث واشترط في ذلك أرقى وأعلا شروط الصحة. قال ﵀: "ما أدخلت في كتابي (الجامع) إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول" (١٦). وأما شرطاه اللذان تميز بِهما فيما يخرجه من الأحاديث في كتابه الصحيح فهما: ١ - أن يكون الراوي قد عاصر شيخه. ٢ - أن يثبت سماع الراوي من شيخه (١٧). وقد قسم البخاري ﵀ كتابه هذا إلى كتب -فبدأه بكتاب: بدء الوحى وختمه بكتاب: التوحيد- وقسم الكتب إلى أبواب وذكر تحت كل باب عددًا من الأحاديث، وبلغ عدد كتبه (٩٧) كتابًا، وعدد أبوابه (٣٤٥٠) بابًا.

стр. 58

٣ - عدد أحاديث صحيح البخاري: ذكر ابن الصلاح وتبعه على ذلك ابن كثير وغيره أن عدد أحاديث صحيح البخاري بالمكرر: سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثًا (٧٢٧٥) وعددها بإسقاط المكرر أربعة آلاف حديث (٤٠٠٠) (١٨). أما ابن حجر ﵀ فقد خالفهما في ذلك فجاء إحصاءه كما يلى: عدد الأحاديث بالمكرر -من غير المعلقات والمتابعات- (٧٣٩٧) حديثًا. عدد ما فيه من المعلقات (١٣٤١) حديثًا. عدد ما فيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات (٣٤١) حديثًا. وعلى هذا يكون جميع ما في الكتاب بالمكرر (٩٠٨٢) حديثًا (١٩). وأما عدد الأحاديث الموصولة من غير تكرار فهي (٢٦٠٢) حديثًا. وأما عدد المعلقات المرفوعة التي لم يصلها البخاري في موضع آخر فهو (٥٩) حديثًا. وعلى هذا فيكون مجموع الأحاديث الموصولة والمعلقة بدون تكرار (٢٧٦١) حديثًا. وهذا الإحصاء من ابن ححر ﵀ لا يدخل فيه الموقوفات على الصحابة، والمرويات عن التابعين فمن بعدهم. وفي ما يلى أسوق نص كلام الحافظ في هذا: قال ﵀: "فجملة ما في الكتاب من التعاليق ألف

стр. 59

وثلاثمائة وأحد وأربعون حديثًا، وأكثرها مكرر، مخرج في الكتاب أصول متونه، وليس فيه من المتون التى لم تخرج في الكتاب ولو من طريق أخرى إلا مائة وستون حديثًا قد أفردتها في كتاب مفرد لطيف متصلة الأسانيد إلى من علق عنه وجملة ما فيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات ثلاثمائة وأحد وأربعون حديثًا، فجميع ما في الكتاب على هذا بالمكرر: تسعة آلاف واثنان وثمانون حديثًا، وهذه العدة خارج عن الموقوفات على الصحابة والمقطوعات عن التابعين فمن بعدهم -وقد استوعبت وصل جميع ذلك في كتاب تغليق التعليق-. وهذا الذي حررته من عدة ما في صحيح البخاري تحرير بالغ فتح الله به لا أعلم من تقدمني إليه، وأنا مقر بعدم العصمة من السهو والخطأ والله المستعان" (٢٠). وقال أيضًا: "فجميع ما في صحيح البخاري من المتون الموصولة بلا تكرير على التحرير ألفا حديث وستمائة حديث وحديثان، ومن المتون المعلقة المرفوعة التى لم يوصلها في موضع آخر من الجامع المذكور مائة وتسعة وخمسون حديثًا (٢١) فجميع ذلك ألفا حديث وسبعمائة وأحد وستون حديثًا. وبين هذا العدد الذي حررته والعدد الذي ذكره ابن الصلاح وغيره تفاوت كثير، وما عرفت من أين أتى الوهم في ذلك، ثم تأولته على أنه يحتمل أن يكون العاد الأول الذي قلدوه في ذلك كان إذا رأى الحديث مطولًا في موضع ومختصرًا في موضع آخر يظن أن المختصر غير المطول، إما لبعد العهد به

стр. 60

أو لقلة المعرفة بالصناعة، ففى الكتاب من هذا النمط شىء كثير، وحينئذ يتبين السبب في تفاوت ما بين العددين والله الموفق" (٢٢). ثانيًا: صحيح مسلم: وسأتناول التعريف به من خلال ثلاثة أمور: ١ - التسمية الكاملة لهذا الكتاب: لم ينص الإمام مسلم ﵀ فِى كتابه هذا على اسمه ولكن وردت عنه تسميته في خارج الصحيح بعنوان: (الصحيح المسند) (٢٣). وأما التسمية المشهورة لهذا الكتاب عند أهل العلم وغيرهم فهي: (صحيح مسلم). ٢ - منهج الإمام مسلم وطريقته في كتابه: لقد اقتفى مسلم ﵀ -في تصنيف كتابه هذا- أثر البخاري ﵀ فنهج نهجه واستفاد منه حتى أصبح كتابه هو المقدم بعد صحيح البخاري بل لا يكاد يذكر صحيح البخاري إلا ويذكر صحيح مسلم معه. ولا عجب فإن البخاري شيخه وأستاذه قال الخطيب البغدادي: "إنما قفا مسلم طريق البخاري ونظر في علمه وحذا حذوه، ولما ورد البخاري نيسابور في آخر أمره لازمه مسلم وأدام الاختلاف إليه" (٢٤). وقال النووي: "وقد صح أن مسلمًا كان ممن يستفيد من البخاري

стр. 61

ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث" (٢٥). كما أن مسلمًا رحمه الله تعالى قد تأثر بشيخه البخاري في شدة الدقة والتحري والاجتهاد في التثبت والتوثق يدل على ذلك: - أنه اختار أحاديث كتابه اختيارًا دقيقًا من بين عدد كبير من الأحاديث قال رحمه الله تعالى: "صنفت هذا السند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة" (٢٦). - أنه استغرق في تصنيف كتابه هذا وقتًا طويلًا، كما نقل ذلك تلميذه أحمد بن سلمة فقال: "كنت مع مسلم في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة" (٢٧). - أنه التزم الصحة فيما يخرجه من الأحاديث فقال رحمه الله تعالى: "ليس كل شىء عندي صحيح وضعته هاهنا إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه" (٢٨). - إلا أنه رحمه الله تعالى نزل في شرطه عن البخاري فلم يشترط إلا المعاصرة مع إمكان اللقيا (٢٩). - كما أنه لم يذكر تراجم الأبواب -كما فعل البخاري- بل سرد الأحاديث بعد المقدمة سردًا (٣٠). وأما الأبواب الموجودة في النسخ المطبوعة فليست من صنيع المؤلف، وإنما

стр. 62

هي من صنيع بعض شراح الصحيح، وأهمهم في ذلك النووي فقد قال رحمه الله تعالى: "وقد ترجم جماعة أبوابه بتراجم بعضها جيد وبعضها ليس بجيد، إما لقصور في عبارة الترجمة، وإما لركاكة لفظها، وإما لغير ذلك، وأنا إن شاء الله أحرص على التعبير عنها بعبارات تليق بِها في مواطنها" (٣١). ومن الجدير بالذكر أن مسلمًا هو الذي وضع عناوين الكتب الرئيسة في صحيحه، ولذلك فإن لها ذكرًا في كتب الأقدمين (٣٢)، وأما الأبواب والتراجم التفصيلية فلم يضع شيئًا منها كما تقدم. - وقد بلغت عدد الكتب في صحيح مسلم (٥٤) كتابًا وذلك حسب ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي. وأما الأبواب فقد بلغت -على تعداد محمد فؤاد عبد الباقي تبعًا لتبويب النووي-: (١٣٢٩) بابًا، عدا أبواب المقدمة (٣٣). - وقد تميز مسلم عن البخاري بميزة فريدة وهي أنه يجمع طرق الحديث في مكان واحد ولا يكررها -غالبًا- ولا يقطعها ولا يفرقها بين الكتب والأبواب، بخلاف البخاري رحمه الله تعالى فإنه يقطع الحديث الواحد حسب مواضيعه، فيضعه في موضعين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك؛ مما يشكل صعوبة كبيرة في الحصول على كامل الحديث. قال النووي: "وقد انفرد مسلم بفائدة حسنة وهي كونه أسهل متناولًا من حيث إنه جعل لكل حديث موضعًا واحدًا يليق به، جمع فيه طرقه التي

стр. 63

ارتضاها واختار ذكرها، وأورد فيه أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة، فيسهل على الطالب النظر في وجوهه واستثمارها، ويحصل له الثقة بجميع ما أورده مسلم من طرقه، بخلاف البخاري فإنه يذكر تلك الوجوه المختلفة في أبواب متفرقة متباعدة وكثير منها يذكره في غير بابه الذي يسبق إلى الفهم أنه أولى به، وذلك لدقيقة يفهمها البخاري منه، فيصعب على الطالب جمع طرقه وحصول الثقة بجميع ما ذكره البخاري من طرق هذا الحديث، فقد رأيت جماعة من الحفاظ المتأخرين غلطوا في مثل هذا فنفوا رواية البخاري أحاديث هي موجودة في صحيحه في غير مظانِّها السابقة إلى الفهم" (٣٤). ٣ - عدد أحاديث صحيح مسلم: وقع الخلاف قديمًا وحديثًا في تعداد أحاديث صحيح مسلم، وذلك بناءً على اختلافهم في عد الأحاديث الأصول دون المكررات، واختلافهم في عد المكررات بالمتابعات والشواهد. والمشهور عند علماء المصطلح أن عدد أحاديث صحيح مسلم بدون المكرر أربعة آلاف حديث (٤٠٠٠) (٣٥). وقد قام الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي بحصر الأحاديث الأصلية في صحيح مسلم بدون المكرر فبلغت (٣٠٣٣) حديثًا، وذلك بدون المتابعات والشواهد، قال رحمه الله تعالى مبينًا ذلك: "لما كان الإمام مسلم لم يقتصر على طريق واحدة للحديث الذي يسوقه، بل يتبع هذه الطرق بطرق كثيرة متعددة

стр. 64

للحديث الواحد، رأيت حصر هذه الأحاديث الأصلية دون النظر إلى كثرة الطرق التي تتبعها، فأعطيتها رقمًا مسلسلًا من أول الكتاب إلى آخره وبذلك بلغت عدة الأحاديث الأصلية في "صحيح مسلم": (٣٠٣٣). ثم قال رحمه الله تعالى: "وهو عمل ما سبقنى إليه أحد من جميع المشتغلين بهذا "الصحيح" إذ كان جل جهدهم أن يطلقوا عددًا ما ورقمًا تخمينًا وارتجالًا لا يرتكز على أساس سليم، فجئت أنا بهذا الحصر كي أضع حدًّا حاسمًا فاصلًا لهذا الإضطراب والبلبلة ولله الحمد" (٣٦). - وأما عدد أحاديث الصحيح بالمكرر فقد بلغت (٥٧٧٠) حديثًا عدا أحاديث المقدمة وفيها سبعة أحاديث أصول في عد الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي، وعدا المتابعات والشواهد - وأما المتابعات والشواهد فقد بلغ عددها مفردةً (١٦١٥) حديثًا عدا المقدمة وفيها ثلاثة أحاديث. - وعلى ضوء ما سبق يكون عدد أحاديث صحيح مسلم بالمكرر ومع الشواهد والمتابعات (٧٣٨٥) حديثًا عدا أحاديث المقدمة وهي عشرة (٣٧). ج) الأحاديث المنتقدة على البخاري ومسلم: مما لا شك فيه أن البخاري ومسلم عليهما رحمة الله لم يستوعبا في صحيحيهما كل الأحاديث الصحيحة، ولم يلتزما بذلك، كما نص على ذلك جمع من أهل العلم والحديث (٣٨)، بل إن البخاري ومسلمًا قد نصا على ذلك

стр. 65

أيضًا كما تقدم (٣٩). - وبناءً على هذا فإن إلزام الدارقطنى وغيره لهما بإخراج أحاديث صحيحة قد تركاها مع أنها على شرطهما ليس بلازم. قال النووي رحمه الله تعالى: "وهذا الإلزام ليس بلازم في الحقيقة، فإنَّهما لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صح عنهما تصريحهما بأنَّهما لم يستوعباه، وإنما قصدا جمع جمل من الصحيح، كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملة من مسائله، لا أنه يحصر جميع مسائله" (٤٠). وقال السخاوي: "ولكنهما لم (يعُمَّاه) أي يستوعبا كل الصحيح في كتابيهما، بل لو قيل: إنَّهما لم يستوعبا مشروطهما لكان موجهًا، وقد صرح كل منهما بعدم الإستيعاب .. وحينئذ فإلزام الدارقطنى لهما في جزء أفرده بالتصنيف بأحاديث رجال من الصحابة رُويت عنهم من وجوه صحاح، تركاها مع كونِها على شرطهما، وكذا قول ابن حبان: ينبغى أن يُناقش البخاري ومسلم في تركهما إخراج أحاديث هى من شرطهما: ليس بلازم" (٤١). - وأما الأحاديث المنتقدة عليهما من الدارقطني وغيره من النقاد فعددها (٢١٠) أحاديث انفرد البخاري منها بـ (٧٨) حديثًا، وانفرد مسلم بـ (١٠٠) حديث واشتركا جميعًا بـ (٣٢) حديثًا (٤٢). وقد انتدب لها عدد من العلماء والحفاظ فأجابوا عنها بإجابات إجمالية -عن الأحاديث كلها- وأخرى تفصيلية وذلك بالجواب عن كل حديث على

стр. 66

حدة، ومن أشهر من تعرض لذلك الإمام النووي في شرحه لمسلم، والحافظ ابن حجر في هدي الساري. غير أنَّهما -وغيرهما من أهل العلم والحديث- قد استثنيا عددًا قليلًا من هذه الأحاديث المنتقدة يصعب الجواب عنها لأن الحق فيها والصواب مع النقاد. قال الإمام ابن الصلاح بعد تقريره لصحة ما في كتابي البخاري ومسلم، وأن الأمة قد تلقت ما فيهما بالقبول قال: "إذا عرفت هذا فما أخذ عليهما من ذلك وقدح فيه معتمد من الحفاظ، فهو مستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول، وما ذلك إلا في مواضع قليلة"، (٤٣). وقال النووي بعد ذكره لمن انتقد بعض أحاديث الصحيحين: "وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره" (٤٤). قال ابن حجر تعليقًا على كلام النووي: "هو الصواب، فإن منها ما الجواب عنه غير منتهض" (٤٥). وقال أيضًا: بعد جوابه عن كل الأحاديث المنتقدة على البخاري: "هذا جميع ما تعقبه الحفاظ النقاد العارفون بعلل الأسانيد، المطلعون على خفايا الطرق، وليس كلها من أفراد البخاري بل شاركه مسلم في كثير منها .. وليست كلها قادحة، بل أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح فيه مندفع، وبعضها الجواب عنه محتمل، واليسير منه في الجواب عنه تعسف" (٤٦). وهذا الكلام من الحافظ ابن حجر ﵀ غاية في الدقة والإنصاف

стр. 67

والتجرد من التعصب والهوى والإفراط فحسبك به من إمام حافظ ناقد بصير. وختامًا فإنه لا يضير الصحيحين ما انتقد عليهما ولا ينقص ذلك من شأنهما وقدرهما بل إذا قلنا: إن ذلك لا يزيدهما إلا مكانة وشرفًا ورفعة وقدرًا، لما كان ذلك بعيدًا، لأننا إذا علمنا أنَّهما قد اشتملا على أحاديث كثيرة -تعد بالألوف- ولم يشكل منها إلا هذا النَّزر اليسير من الأحاديث ازددنا يقينًا بجلالتهما وعظيم مترلتهما. قال ابن حجر بعد ذكره للأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري والجواب عنها: "فإذا تأمل المنصف (٤٧) ما حررته من ذلك: عظم مقدار هذا المصنف في نفسه وجل تصنيفه في عينه، وعذر الأئمة من أهل العلم في تلقيه بالقبول والتسليم وتقديمهم له على كل مصنف في الحديث والقديم" (٤٨). * * *

стр. 68

الباب الأول الإيمان بالله وتحته ثلاثة فصول الفصل الأول: ما يتعلق بتوحيد الألوهية الفصل الثاني: ما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات الفصل الثالث: مسائل تتعلق بالإيمان * * *

стр. 69

الفصل الأول ما يتعلق بتوحيد الألوهية وفيه سبعة مباحث: * المبحث الأول: العدوى * المبحث الثاني: الطيرة * المبحث الثالث: الرقى * المبحث الرابع: الكي * المبحث الخامس: الحلف بغير الله تعالى * المبحث السادس: ما جاء في بعض الألفاظ الموهمة للتشريك في الربوبية * المبحث السابع: في قوله ﷺ : "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب" * * *

стр. 70

المبحث الأول العدوى وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 71

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض جاء في هذه المسألة في الصحيحين عدة أحاديث تمثل جانبين في المسألة: فالجانب الأول: الأحاديث التي تفيد نفي وجود العدوى. والجانب الثاني: الأحاديث التي يفهم منها إثبات وجود العدوى. * فأما أحاديث الجانب الأول فقد جاءت في الصحيحين عن خمسة من الصحابة وهم: أبو هريرة وأنس وابن عمر وجابر بن عبد الله والسائب بن يزيد ﵃، وهي كالتالي: الحديث الأول: حديث أبي هريرة ﵁ وقد جاء في الصحيحين من ست طرق بعضها متفق عليه وبعضها مما انفرد به البخاري وبعضها مما انفرد به مسلم وإليك بيان ذلك: الطريق الأول: من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة رضى الله عنه ولفظه: إن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى (١) ولا صفر (٢) ولا

стр. 72

هامة (٣) ". فقال أعرابي: يا رسول الله: فما بال إبلي تكون في الرمل كأنَّها الظباء، فيأتي البعير الأجرب (٤) فيدخل بينها فيجربَها؟ . فقال: "فمن أعدى الأول؟ (٥) " (٦). وفي رواية لمسلم من طريق أبي سلمة: "لا عدوى ولا طيرة .. ".

стр. 73

الطريق الثاني: من رواية سنان بن أبي سنان عن أبي هريرة ولفظه: إن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى" فقام أعرابي فقال: أرأيت الإبل تكون في الرمال أمثال الظباء فيأتيها البعير الأجرب فتجرب؟ قال النبي ﷺ : "فمن أعدى الأول؟ " (٧). الطريق الثالث: من رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ولفظه: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر" (٨). الطريق الرابع: من رواية سعيد بن ميناء عن أبي هريرة ولفظه: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر .. " (٩). الطريق الخامس: من رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة ولفظه: قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة وأحب الفأل الصالح" (١٠). الطريق السادس: من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا هامة ولا نوء (١١)

стр. 74

ولا صفر" (١٢). الحديث الثاني: حديث أنس ﵁ وقد رواه عن النبي ﷺ بلفظ "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل" قالوا: وما الفأل؟ قال: "كلمة طيبة" (١٣). الحديث الثالث: حديث ابن عمر ﵁ وقد رواه عن النبي ﷺ بلفظ: "لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث: في المرأة والدار والدابة" (١٤). الحديث الرابع: حديث جابر بن عبد الله وقد رواه عن النبي ﷺ بلفظ: "لا عدوى ولا طيرة ولا غول (١٥) " (١٦).

стр. 75

الحديث الخامس: حديث السائب بن يزيد وقد رواه عن النبي ﷺ بلفظ: "لا عدوى ولا صفر ولا هامة" (١٧). * وأما أحاديث الجانب الثاني - وهى التى يفهم منها إثبات وجود العدوى- فقد جاءت في الصحيحين عن أربعة من الصحابة وهم: أبو هريرة وعمرو بن الشريد عن أبيه وأسامة بن زيد وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهم وهى كالتالي: الحديث الأول: حديث أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال النبي ﷺ : "لا يوردنَّ ممرض على مصح (١٨) " (١٩). قال أبو سلمة بعد ما روى عن أبي هريرة ﵁ حديث "لا عدوى" وحديث "لا يورد ممرض على مصح" قال: كان أبو هريرة يحدثهما كلتيهما عن رسول الله ﷺ ثم صمت أبو هريرة عن قوله: "لا عدوى" وأقام على أن لا يورد ممرض على مصح. قال: فقال الحارث بن أبي ذباب وهو ابن عم أبي هريرة: كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثًا آخر قد سكت عنه. كنت تقول: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى"، فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك وقال: "لا يورد ممرض على مصح" فما رآه الحارث في ذلك
следующие страницы →