← Акыда

Акыда · id 123

أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين دراسة وترجيح

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (669 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

من عمري ستون سنة، قالوا: وهبتها لابنك داود، فأنكر ذلك، فأخرجوا الكتاب، قال النبي ﷺ : فنسي آدم فنسيت ذريته وجحد آدم فجحدت ذريته" (٢٤) وروي أنه كمل لآدم عمره ولداود عمره (٢٥). فهذا داود كان عمره المكتوب أربعين سنة ثم جعله ستين (٢٦)، وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال: "اللهم إن كنت كتبتني شقيًّا فامحني واكتبني سعيدًا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت" (٢٧) " (٢٨). وأجاب أصحاب هذا المسلك عن الآيات القاضية بأن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٢٩) وقوله : ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (٣٠) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ (٣١)، أجابوا عن هذه الآيات وما في معناها: بأنَّها مختصة بالأجل إذا حضر فإنه لا يتقدم ولا يتأخر عند حضوره. قالوا: ويؤيد هذا أنَّها جاءت مقيدة بذلك كما في الآيات السابقة فإنه تعالى قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ ﴿ .. إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ﴾. وعلى هذا فيمكن الجمع بحمل هذه الآيات على هذا المعنى، فإذا حضر

стр. 457

الأجل لم يتقدم ولم يتأخر، وفي غير هذه الحالة يجوز أن يؤخره الله بالدعاء أو بصلة الرحم أو بفعل الخير، ويجوز أن يقدمه لمن عمل شرًّا أو قطع ما أمر الله به أن يوصل وانتهك محارم الله سبحانه (٣٢). - وأما قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٣٣). وكذلك الأحاديث التى فيها أنه فُرغ من تقدير الأجل والرزق والسعادة والشقاوة فأجابوا عنها: بأنها محمولة على عدم تسبب العبد بأسباب الخير والشر فإنه إذا لم يتسبب بأسباب الخير أو الشر فإنه يقع عليه الأجل المقدر كما في حديث ابن مسعود وغيره. وأما إذا تسبب العبد بأسباب الخير كصلة الرحم وغيرها فإنه قد يُزاد في عمره كما في حديث أنس وغيره (٣٤). المسلك الثاني: أن العمر لا يزيد ولا ينقص . والقائلون بِهذا حملوا الزيادة في العمر الواردة في النصوص على المجاز. وإلى هذا ذهب جمهور العلماء كما نقل ذلك الإمام مرعى بن يوسف (٣٥) والشوكاني (٣٦) عليهما رحمة الله وحكى ابن عطية في تفسيره أنه مذهب أهل السنة (٣٧). واستدل هولاء بما يلى:

стр. 458

١ - عموم الآيات التي فيها أن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٣٨) وقوله : ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ (٣٩) وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (٤٠). ٢ - قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٤١). ٣ - الأحاديث التي فيها أنه قد فُرغ من تقدير الأجل والرزق والسعادة والشقاوة، ومن ذلك: - حديث ابن مسعود رضى الله عنه وفيه: "ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقى أو سعيد" (٤٢). - حديث ابن مسعود رضى الله عنه -أيضًا- أن أم حبيبة زوج النبي ﷺ قالت: اللهم متعنى بزوجي رسول الله ﷺ وبأبي أبي سفيان وبأخى معاوية، فقال النبي ﷺ : "قد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئًا قبل حِلِّه أو يؤخر شيئًا عن حِلِّه" (٤٣). - وذكر أصحاب هذا المسلك عدة تأويلات للزيادة في العمر الواردة في النصوص، ومن هذه التأويلات ما يلى: ١ - "أن زيادة الأجل تكون بالبركة فيه وتوفيق صاحبه لفعل الخير

стр. 459

وبلوغ الأغراض، فينال في قصير العمر ما يناله غيره في طويله" (٤٤)، وإلى هذا ذهب النووي (٤٥) واستظهره الطيبي (٤٦). ٢ - أن المراد بالتأخير في الأجل: أن يبقى بعده ثناء جميل وذكر حميد وأجرٌ متكرر فكأنه لم يمت، حكى هذا القاضي عياض (٤٧) وذهب إليه القرطبي (٤٨). ٣ - أن المراد بالزيادة هنا: السعة في الرزق وعافية البدن فإن الغنى يُسمى حياةً والفقر يُسمى موتًا، ذكره ابن قتيبة (٤٩). ٤ - أن المراد بالزيادة: نفي الآفات عن صاحب البر والصلة والزيادة في فهمه وعقله. وبهذا جزم ابن فورك (٥٠). ٥ - أن المعنى: أن الله تعالى يكتب أجل عبده عنده مائة سنة، ويجعل بنيته وتركيبه وهيئته لتعمير ثمانين سنة، فإذا وصل رحمه زاد الله تعالى في ذلك التركيب وفي تلك البنية ووصل ذلك النقص، فعاش عشرين أخرى حتى يبلغ المائة، وهي الأجل الذي لا مُستأخر عنه ولا متقدم، ذكره ابن قتيبة (٥١). وأجاب أصحاب هذا المسلك عن قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ بعدم حملها على العموم، وذكروا عدة تخصيصات للآية كقولهم: إن الْمعنى: يمحو ما يشاء من الشرائع والفرائض والأحكام فينسخه ويبدله

стр. 460

ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، وجملة الناسخ والمنسوخ عنده في أم الكتاب (٥٢). كما أجابوا عن قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ بأن المراد بالمعمر الطويل العمر والمراد بالناقص قصير العمر. والمعنى: كل من طال عمره أو نقص فهو مكتوب في الكتاب (٥٣) * * *

стр. 461

المطلب الثالث الترجيح الذي يظهر -والله تعالى أعلم- هو القول بأن صلة الرحم سبب في زيادة العمر، والله تعالى قدَّر السبب والمسبب فمن علم الله أنه سيصل رحمه زاد في أجله ومن علم منه خلاف ذلك نقص في أجله. ومثل هذا ما علمه الله تعالى من أن فلانًا من الناس يعيش بهذه الصحة وهذه العافية، ويتنفس بِهذا الهواء ويسلم من الآفات القاتلة مدة معلومة، فإن هذه أسبابٌ علمها الله وقدرها لابد منها حتى يصل إلى هذه المدة المعينة فالأسباب والمسببات كلها قد سبق علم الله بِها (١). وعلم الله تعالى لا يُبدل ولا يتغيَّر -كما صرح بذلك حتى أصحاب المسلك الأول- قال ابن حزم: "علم الله لا يتغير .. ولكن معلوماته تتغيَّر، ولم نقل إن علمه يتغير ومعاذ الله من هذا، ولم يزل علمه تعالى واحدًا يعلم كل شىء على تصرفه في جميع حالاته، فلم يزل يعلم أن زيدًا سيكون صغيرًا ثم شابًّا ثم كهلًا ثم شيخًا ثم ميتًا ثم مبعوثًا ثم في الجنة أو في النار، ولم يزل يعلم أنه سيؤمن ثم يكفر أو أنه يكفر ثم يؤمن .. " (٢). وقال الشوكاني: "إن الله تعالى كما علم أن العبد يكون له في العمر كذا، ومن الرزق كذا، وهو من أهل السعادة والشقاوة، قد علم أنه إذا وصل رحمه

стр. 462

زاد له في الأجل كذا، وبسط له من الرزق كذا وصار في أهل السعادة بعد أن كان في أهل الشقاوة، أو صار في أهل الشقاوة بعد أن كان في أهل السعادة، وهكذا قد علم ما ينقصه للعبد، كما علم أنه إذا دعاه واستغاث به والتجأ إليه صرف عنه الشر ودفع عنه المكروه، وليس في ذلك خلف ولا مخالفة لسبق العلم، بل فيه تقييد المسببات بأسبابها كما قدر الشبع والرَّوي بالأكل والشرب وقدر الولد بالوطء وقدر حصول الزرع بالبذر، فهل يقول عاقل بأن ربط هذه المسببات بأسبابِها يقتضي خلاف العلم السابق أو يُنافيه بوجه من الوجوه؟ " (٣). فزيادة العمر بصلة الرحم أمر مفروغ منه قد سبق به علم الله تعالى، فإذا كان ذلك كذلك فليس في هذا القول مخالفة للنصوص التى فيها أن الأجل قد فُرغ من تقديره، لأننا نقول: إن الأجل قد فُرغ من تقديره بهذه الزيادة وذلك النقص، لأن الزيادة والنقص مقدران أيضًا، كما أن الصحة والعافية -وكونهما من أسباب بلوغه هذه الغاية من العمر- مقدران أيضًا. وعلى هذا فلا حاجة لنفى الزيادة والنقصان، والله تعالى أعلم. وهذا القول لعله لا يُخالف فيه حتى أصحاب المسلك الثاني لأنَّهم إنما نفوا الزيادة والنقصان لتوهمهم أن القول بذلك يعارض النصوص القاضية بكتابة الأجل والفراغ منه، ولكنه بِهذا القول وهذا التقرير يزول هذا الوهم. ولذلك قال الإمام مرعي بن يوسف بعد ذكره لهذا القول: "ولعله مُراد كلٍّ من الفريقين والخلاف بينهما لفظى إذ لا يسع من له أدنى تأمل أن يخالف في أن علم الله تعالى لا يتغير ولا يتبدل" (٤).

стр. 463

وممن صرَّح بأن الخلاف لفظي الحافظ ابن حجر ﵀ حيث قال: "والحق أن النِّزاع لفظي وأن الذي سبق في علم الله لا يتغيَّر ولا يتبدل" (٥). - وأما التأويلات التي أوَّل بها أصحاب المسلك الثاني الزيادة في العمر -كقولهم: إن المراد بالزيادة البركة في العمر، أو قولهم: إن المراد السعة في الرزق، أو نفى الآفات عن صاحب البر، والزيادة فى فهمه وعقله، وغير ذلك- فتأويلات ضعيفة مرجوحة لأن هذه الأشياء مقدرة أيضًا قد فُرغ من تقديرها في الأزل، وعلى هذا فهم لم يتخلصوا مما فروا منه (٦). وأما ما أجابوا به عن قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ وذلك بتخصيصها وعدم حملها على العموم، فقد ردَّه أصحاب المسلك الأول لعدم وجود الدليل على التخصيص. قال الشوكاني بعد ذكره للتخصيص الذى خصصوا به الآية -والذي تقدم ذكره (٧) - قال: "ولا يخفى أن هذا تخصيص لعموم الآية لغير مخصص، وأيضًا يقال لهم: إن القلم قد جرى بما هو كائن إلى يوم القيامة كما فى الأحاديث الصحيحة، ومن جملة ذلك في الشرائع والفرائض، فهى مثل العمر إذا جاز فيها المحو والإثبات جاز في العمر المحو والإثبات" (٨). وقال أيضًا بعد ذكره لجملة من التخصيصات التي خصصوا بِها الآية: "وكل هذه الأقوال دعاوى مجردة، ولا شك أن آية المحو والإثبات عامة لكل ما يشاؤه الله سبحانه، فلا يجوز تخصيصها إلا لمخصص، وإلا كان من التقوّل على

стр. 464

الله بما لم يقل" (٩). وقال أبو عبد الله القرطبي: "مثل هذا لا يدرك بالرأي والاجتهاد، وإنَّما يؤخذ توقيفًا، فإن صح فالقول به يجب ويوقف عنده، وإلَّا فتكون الآية عامّة في جميع الأشياء وهو الأظهر واللهُ أعلم" (١٠). وأمَّا ما أجابوا به عن قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ بأن المراد بالمعمر طويل العمر، والمراد بالناقص قصير العمر، فقد ردَّه الشوكاني فقال: "في هذا نظر لأنَّ الضَّمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ يعود إلى قوله: ﴿مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ والمعنى على هذا: وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمر ذلك المعمر إلَّا في كتاب، هذا ظاهر النظم القرآني، وأمَّا التَّأويل المذكور فإنَّما يتم على إرجاع الضَّمير المذكور إلى غير ما هو المرجع في الآية، وذلك لا وجود له في النظم" (١١). إشكال وجوابه: قد يستشكل بعض النَّاس صرف النَّبِيّ ﷺ لأم حبيبة عن الدعاء بطول الأجل وحضِّه لها على التعوذ من عذاب القبر مع أن كلًّا منهما مقدر؟ ! والجواب عن هذا الإشكال: هو أنَّه لا شكَّ أن الجميع مفروغ منه مقدر، لكن الدعاء بالنجاة من عذاب النار ومن عذاب القبر ونحوهما عبادة والعبادة قال فيها ﷺ -لما قيل له: أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ - قال: "اعملوا فكل ميسر، أمَّا أهل السعادة فيُيسرون لعمل أهل السعادة، وأمَّا أهل الشقاوة

стр. 465

فيُيسرون لعمل أهل الشقاوة" (١٢). وليس معنى كونه عبادة: أنه لا تأثير للدعاء وإنما هو مجرد عبادة محضة يُثاب عليها الداعي فقط. بل المقصود أن الدعاء بالنجاة من النار ونحوه عبادة مشروعة ولذلك فإن له تأثيرًا في حصول المطلوب لأن الله تعالى جعله سببًا في حصول المقدور فالله تعالى قدَّر السبب وقدَّر المسبب، وقدَّر أن المسبب لا يحصل بدون السبب كما في الحديث السابق فإنه ﷺ أمر بالعمل مع أن الشقاوة والسعادة قد قدرتا وذلك لأنَّهما قدرتا بالسبب والذي هو العمل، وكما أن الله تعالى قدر الشبع والري بالأكل والشرب وقدر الولد بالوطء وقدر حصول الزرع بالبذر، قدر أيضًا حصول المطلوب بالدعاء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الله جعل الدعاء والسؤال من الأسباب التي يُنال بها مغفرته ورحمته وهداه ونصره ورزقه، وإذا قدر للعبد خيرًا يناله بالدعاء لم يحصل بدون الدعاء، وما قدره الله وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم فإنما قدره الله بأسباب يسوق المقادير إلى المواقيت، فليس في الدنيا والآخرة شىء إلا بسبب، والله خالق الأسباب والمسببات" (١٣). وأما الدعاء بطول الأجل فليس عبادة ولذلك فإنه لا يشرع لأنه من التعدي في الدعاء، وقد أثر عن الإمام أحمد أنه كان يكره أن يُدعى له بطول الأجل ويقول: "هذا أمر قد فرغ منه". ومما يؤيد هذا الجواب أن الدعاء بطول العمر إذا تضمن النفع الأخروي فإنه مشروع كما جاء ذلك عن النبي ﷺ في حديث عمار بن ياسر أنه كان يدعو

стр. 466

بِهذا الدعاء: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينى ما علمت الحياة خيرًا لى وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي .. " (١٤) " (١٥). وخلاصة هذا الجواب: أنه ﷺ صرف أم حبيبة عن الدعاء بطول الأجل لأنه دعاء غير مشروع وأرشدها ﷺ إلى التعوذ من عذاب القبر لأنه دعاء مشروع نافع مؤثر، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 467

المبحث الثاني ما جاء في أن الشقي من شقي في بطن أمه مع ورود ما يدل على أن كل مولود يولد على الفطرة وفيه مطلبان • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض * * *

стр. 468

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض جاءت الأحاديث بما يُفيد أن الإنسان قد كتبت عليه الشقاوة أو السعادة قبل أن يولد ومن هذه الأحاديث ما يلي: - حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أنه قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح" (١). - وعنه ﵁ قال: "الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وُعظ بغيره" (٢). - حديث أنس رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إن الله وكّل بالرحم ملكًا يقول: يا رب نطفة، يا رب علقة، يا رب مضغة، فإذا أراد أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى، شقي أم سعيد" (٣). - حديث حذيفة بن أسيد ﵁ يبلغ به النبي ﷺ أنه قال: "يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقي أم سعيد، فيكتبان .. " (٤).

стр. 469

- حديث على بن أبي طالب رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: "ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كُتب شقية أو سعيدة" (٥). - حديث أبي بن كعب رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا" (٦). هذه الأحاديث -كما أسلفنا- تفيد أن الشقاوة والسعادة قد كُتبتا قبل أن يخرج المولود من بطن أمه. ولكن جاء في الأحاديث أيضًا ما يفيد أن كل مولود يولد على الفطرة وهي الإسلام على القول الراجح كما سيأتي، ومن هذه الأحاديث: - - حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بَهمية جمعاء (٧)، هل تحسون فيها من جدعاء" (٨) ثم يقول أبو هريرة ﷺ : ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٩)، (١٠). وفي رواية لمسلم: "ما من مولود يولد إلا وهو على الملَّة".

стр. 470

وفي رواية له أيضًا "ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة حتى يعبِّر عنه لسانه". بيان وجه التعارض على القول بأن المراد بالفطرة في الحديث الإسلام (١١) -والذي هو القول

стр. 471

الراجح والمعروف عند عامة السلف (١٢)، وإليه ذهب أبو هريرة رضى الله عنه والزهري (١٣) والإمام أحمد (١٤) في إحدى الروايتين عنه والبخاري (١٥) والنووي (١٦) والقرطبي (١٧) وشيخ الإسلام ابن تيمية (١٨) وابن القيم (١٩) وابن كثير (٢٠) وغيرهم عليهم رحمة الله، واستدلوا على ذلك بما يلى: ١ - تفسير أبي هريرة رضى الله عنه حيث فسر الفطرة الواردة في الحديث بالإسلام كما يدل عليه استشهاده بالآية فقال: اقرءوا -إن شئتم- ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن المراد بالفطرة في الآية: الإسلام (٢١)، وهو مأثور عن جمع من السلف كمجاهد وعكرمة وقتادة وسعيد ابن جبير والضحاك وإبراهيم النخعى والحسن البصري (٢٢) عليهم رحمة الله. فهذا تفسير الصحابي الراوي للحديث وهو أعلم بما سمع (٢٣).

стр. 472

٢ - أنه جاء في بعض ألفاظ الحديث "ما من مولود يولد إلا وهو على الملَّة". قال ابن القيم: "فهذا صريح بأنه يُولد على ملة الإِسلام" (٢٤). ٣ - حديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال فيما يرويه عن ربه تعالى: "إنِّي خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنَّهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا" (٢٥). قالوا: فهذا الحديث صريح في كون المولود يولد على الإسلام لأن معنى الحنيفية: الإسلام (٢٦). ٤ - حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "خمس من الفطرة .. " (٢٧) فذكر منهن قص الشارب والاختتان وهي من سنن الإسلام (٢٨). - على هذا القول قد يتوهم بعض الناس أن هذا الحديث يخالف الأحاديث الأخرى والتى فيها سبق تقدير الشقاوة والسعادة، لأنه إذا كان بعض الناس قد كُتب عليه أن يكون شقيًّا فكيف يولد على الإسلام؟ * * *

стр. 473

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض لم أجد غير قول واحد في الجمع بين هذه النصوص ولعلَّه هو المتعيِّن وذلك إذا فسرنا الفطرة بالإسلام (١) كما تقدم. وأما إذا فسرنا الفطرة بغير الإسلام -كما هو الحال في الأقوال الأخرى- فإنه قد ينتفى هذا الإشكال، لكن يبقى تفسير الفطرة بغير الإسلام قولًا مرجوحًا. والتحقيق أنه حتى على القول بأن المراد بالفطرة الإسلام فإنه لا إشكال ولا تناقض ولا تعارض بين هذه النصوص بحمد الله. وبيان ذلك أن نقول: إن كتابة الشقاوة والسعادة على الإنسان قبل أن يولد حق لا مرية فيه، ولكن ليس في ذلك ما ينافي كون المولود يولد على الإسلام، لأن المراد بكتابة الشقاوة والسعادة إنما هو باعتبار المآل والخاتمة، وهذا لا يمنع من أن يكون قبل ذلك مولودًا على الإسلام. وعلى هذا فمن كُتب شقيًّا فإنه لابد أن يصير إلى ما في علم الله فيعرض له ما يُغيِّر فطرته كما تولد البهيمة جمعاء وقد علم الله أنَّها ستجدع.

стр. 474

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود هنا تفسير "كل مولود يولد على الفطرة" وأن من قال بإثبات القدر وأن الله كتب الشقى والسعيد لم يمنع ذلك أن يكون وُلد على الإسلام ثم تغيَّر بعد ذلك كما تولد البهيمة جمعاء ثم تُغيَّر بعد ذلك، فإن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هى عليه، فيعلم أنه يولد سليمًا ثم يتغير. والآثار المنقولة عن السلف لا تدل إلا على هذا القول الذي رجحناه وهو أنهم ولدوا على الفطرة ثم صاروا إلى ما سبق في علم الله فيهم من سعادة وشقاوة، لا تدل على أنه حين الولادة لم يكن على فطرة سليمة مقتضية للإيمان مستلزمة له لولا المعارض" (٢). وقال أيضًا: "من ابتدأه على الضلالة أي كتبه أنه يموت ضالًّا، فقد يكون قبل ذلك عاملًا بعمل أهل الهدى وحينئذ من وُلد على الفطرة السليمة المقتضية للهدى لا يمتنع أن يعرض لها ما يغيرها فيصير إلى ما سبق به القدر لها، كما في الحديث الصحيح: "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يصير بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يصير بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة" (٣) " (٤). وأما قوله ﷺ : "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا" فإن معناه لا يختلف عن المعنى السابق وذلك أن معناه أن هذا الغلام قُدِّر له أنه ستتغير فطرته فيكفر وهذا ليس فيه ما يمنع أن

стр. 475

يكون وُلد على الفطرة السليمة. قال شيخ الإسلام: "طُبع: أي طُبع في الكتاب أي: قُدِّر وقضي، لا أنه كان كفره موجودًا قبل أن يولد، فهو مولود على الفطرة السليمة وعلى أنه بعد ذلك يتغير فيكفر كما طُبع كتابه يوم طُبع" (٥). * * *

стр. 476

المبحث الثالث "والشر ليس إليك " وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 477

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض أولًا: الأحاديث التي تفيد أن الشر من الله تعالى وأنه واقع بتقديره: جاءت عدة أحاديث تفيد أن الخير والشر كلاهما واقع بتقدير الله تعالى ومن هذه الأحاديث ما يلي: ١ - حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن جبريل ﵇ سأل رسول الله ﷺ عن الإيمان فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" (١). ٢ - حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: "كل شيء بقدر حتى العجز (٢) والكيس (٣) " (٤). قال ابن عبد البر ﵀: "وفي هذا الحديث أدل الدلائل وأوضحها على أن الشر والخير كل من عند الله، وهو خالقهما لا شريك له ولا إله غيره، لأن العجز شر ولو كان خيرًا ما استعاذ منه رسول الله ﷺ ، ألا ترى أن رسول الله ﷺ قد استعاذ من الكسل والعجز والجبن والدين، ومحال أن يستعيذ من الخير" (٥).

стр. 478

ثانيًا: الأحاديث التي تفيد عدم إضافة الشر إلى الله تعالى: جاء في ذلك حديث على بن أبي طالب رضى الله عنه في دعاء الاستفتاح للصلاة، وفيه أن النبي ﷺ قال: "لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك" (٦). بيان وجه التعارض مما لا شك فيه عند أهل السنة والجماعة أن الخير والشر من الله وأنه تعالى مُقدر كل منهما، وخالق كل منهما كما يدل عليه عموم قوله تعالى ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٧) وقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٨). قال أبو عثمان الصابوني: "ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشر والنفع والضر بقضاء الله وقدره، لا مرد لها ولا محيص ولا محيد عنها، ولا يصيب المرءَ إلا ما كتبه له ربه" (٩). وقال النووي ﵀: "مذهب أهل الحق أن كل المحدثات فعل الله تعالى وخلقه سواءً خيرها وشرها" (١٠). وقال ابن حجر ﵀: "ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى" (١١).

стр. 479

وقال أيضًا معلقًا على حديث ابن مسعود ﵁: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه" (١٢): "وفيه أن جميع الخير والشر بتقدير الله تعالى وإيجاده" (١٣). إذا تبيَّن هذا فما هو الجواب عن حديث: "والشر ليس إليك"؟ ! هذا ما سوف يتضح في المطلب الثاني إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 480

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض تقدم لنا أنه لا إشكال عند أهل السنة والجماعة في كون الشر إنما يقع بتقدير الله تعالى وقضاءه، وبالتالي فإن الإشكال ينحصر في حديث "والشر ليس إليك"، وقد سلك أهل العلم في توجيهه عدة مسالك كلها تنحى منحى الجمع، وإليك بيان ذلك: المسلك الأول: أن المعنى والشر لا يُتقرب به إليك، وإلى هذا ذهب الخليل بن أحمد والنضر بن شميل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين وأبو بكر بن خزيمة والأزهري (١) والطحاوي (٢) عليهم رحمة الله. المسلك الثاني: أن المعنى والشر لا يضاف إليك على انفراده فلا يُقال: يا خالق الشر ويا مقدر الشر ويا خالق القردة والخنازير ونحوها، وإلى هذا ذهب أبو عثمان الصابوني (٣) وحُكى عن المزني وغيره (٤). المسلك الثالث: أن المعنى والشر لا يصعد إليك إنما يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح (٥).

стр. 481

المسلك الرابع: أن المعنى أن الله تعالى لا يخلق شرًّا محضًا وأن الشر الذي يخلقه تعالى ليس شرًّا بالنسبة إليه، لأنه صادر عن حكمة بالغة، فقضاء الله وقدره كله خير لا شر فيه بوجه من الوجوه، وإنما يكون الشر في المقضي الذي هو مفعوله ومخلوقه. ففرق بين فعل الله الذي هو فعله فإنه كله خير وبين مفعولاته ومخلوقاته فإن فيها الخير والشر. وإلى هذا القول ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن أبي العز وسليمان بن عبد الله عليهم رحمة الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ""والشر ليس إليك" فإنه لا يخلق شرًّا محضًا بل كل ما يخلقه ففيه حكمة، هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس وهو شر جزئى إضافي، فأما شر كلى أو شر مطلق فالرب منزه عنه وهذا هو الشر الذي ليس إليه" (٦). وقال ابن القيم عليه رحمة الله تعليقًا على قوله ﷺ : "والشر ليس إليك": "فتبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه، بل كل ما نسب إليه فهو خير، والشر إنما صار شرًّا لانقطاع نسبته وإضافته إليه، فلو أُضيف إليه لم يكن شرًّا، وهو سبحانه خالق الخير والشر، فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله، وخلقه وفعله وقضاؤه وقدره خير كله.

стр. 482

ولهذا تنَزَّه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته: وضع الشيء في غير موضعه، فلا يضع الأشياء إلَّا في مواضعها اللائقة بِها، وذلك خير كله، والشر وضع الشىء في غير محله، فإذا وُضع في محله لم يكن شرًّا، فعُلم أن الشر ليس إليه وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك" (٧). وقال أيضًا: "القدر لا شر فيه بوجه من الوجوه فإنه علم الله وقدرته وكتابه ومشيئته، وذلك خير محض وكمال من كل وجه، فالشر ليس إلى الرب تعالى بوجه من الوجوه لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله وإنما يدخل الشر الجزئى الاضافي في المقضي المقدَّر، ويكون شرًّا بالنسبة إلى محلٍّ وخيرًا بالنسبة إلى محل آخر، وقد يكون خيرًا بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه كما هو شر له من وجه بل هذا هو الغالب، وهذا كالقصاص وإقامة الحدود وقتل الكفار فإنه شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه، بل من وجه دون وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر والنكال ودفع الناس بعضهم ببعض" (٨). * * *

стр. 483

المطلب الثالث الترجيح في الحقيقة أن جميع المعاني السابقة للحديث معاني صحيحة يمكن أن يحمل الحديث عليها وإن كان المعنى الأخير أعم وأشمل في تنزيه الله تعالى عن الشر، كما أنَّه الأقرب لظاهر الحديث والله تعالى أعلم. قال ابن القيم ﵀: ""والشر ليس إليك" معناه أجل وأعظم من قول من قال والشر لا يتقرب به إليك، وقول من قال: والشر لا يصعد إليك، وأن هذا الذي قالوه وإن تضمن تنْزيهه عن صعود الشر إليه والتقرب به إليه فلا يتضمن تنْزيهه في ذاته وصفاته وأفعاله عن الشر بخلاف لفظ المعصوم الصادق المصدق فإنه يتضمن تنْزيهه في ذاته ﵎ عن نسبة الشر إليه بوجه ما، لا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه، وإن دخل في مخلوقاته" (١). تنبيه: ذكر أهل العلم أنَّه لم يأت قط إضافة الشر إلى الله تعالى مفردًا وأنه لم ياتِ إلَّا على أحد وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن يدخل في عموم المخلوقات، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢).

стр. 484

الوجه الثاني: أن يضاف إلى السبب المخلوق، كقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (٣). الوجه الثالث: أن يحذف فاعله كقوله تعالى حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ (٤)، (٥). مسألة: هل يقال إن الله مريد للشر ؟ الجواب عن ذلك: أنه لا يمكن إطلاق القول بإرادة الله للشر لا نفيًا ولا إثباتًا لأن أهل السنة والجماعة يُفَصلون في ذلك ويقسمون الإرادة إلى قسمين: أحدهما: الإرادة الكونية والتي بمعنى المشيئة ومن أمثلتها: - قوله تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ﴾ (٦). ثانيهما: الإرادة الشرعية والتي بمعنى المحبة ومن أمثلتها: - قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ .. ﴾ (٨).

стр. 485

والفرق بين الإرادتين: ١ - أن الإرادة الكونية تتعلق فيما وقع، سواءً أحبه الله أم كرهه، وأما الإرادة الشرعية فتتعلق فيما أحبه الله سواءً وقع أم لم يقع. ٢ - الإرادة الكونية يتعين فيها وقوع المراد، وأما الإرادة الشرعية فلا يتعين فيها وقوع المراد (٩). وبناءً على هذا التفصيل نقول: إن الله تعالى أراد الشر والكفر والمعاصي كونًا وقدرًا، لكنه لم يردها شرعًا لأنه تعالى لا يحبها ولا يرضاها كما قال : ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (١٠). قال ابن القيم ﵀: "وتحقيق القول في ذلك: أنَّه يمتنع إطلاق إرادة الشر عليه وفعله، نفيًا وإثباتًا لما في إطلاق لفظ الإرادة والفعل من إيهام المعنى الباطل، ونفى المعنى الصحيح، فإن الإرادة تطلق بمعنى المشيئة وبمعنى المحبة والرضا" (١١). وقال أيضًا: "فإذا قيل هو مريد للشر أوهم أنَّه محب له راض به، وإذا قيل إنه لم يرده أوهم أنه لم يخلقه ولا كوَّنه وكلاهما باطل" (١٢). وقد ضل في هذه المسألة فريقان من الناس: أحدهما: المعتزلة القدرية. وثانيهما: المجبرة الجهمية. أما الأولى فقالت: إن الشر والكفر والمعاصي لا يحبها الله ولا يرضاها

стр. 486

فهى واقعة بغير مشيئته تعالى وإرادته. وقالت الجبرية: بل هى واقعة بمشيئة الله تعالى وإرادته وعلى هذا فهو يحبها ويرضاها. ومنشأ ضلال هاتين الفرقتين هو: التسوية بين المشيئة وبين المحبة والرضا، فقالت الجبرية: الكون كله بقضاء الله وقدره فيكون محبوبًا مرضيًّا، وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصى محبوبة لله ولا مرضية له فليست مقدرة ولا مقضية فهى خارجة عن مشيئته وخلقه (١٣). قال القاضي عبد الجبار: "المحبة والرضا والإرادة من باب واحد بدلالة أنَّه لا فرق بين أن يقول القائل: أحببت أو رضيت، وبين أن يقول: أردت، حتى لو أثبت أحدهما ونفى الآخر لعد متناقضًا" (١٤). وقال شيخ الإسلام: "وجهم ومن وافقه من المعتزلة اشتركوا في أن مشيئة الله ومحبته ورضاه بمعنى واحد، ثم قالت المعتزلة: وهو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان فلا يشاءه فقالوا إنه يكون بلا مشيئة. وقالت الجهمية: بل هو يشاء ذلك فهو يحبه ويرضاه" (١٥). والحق في ذلك هو التفريق بين المشيئة وبين المحبة والرضا كما قد دلَّ على ذلك الكتاب والسنة والعقل والفطرة الصحيحة وإجماع المسلمين (١٦). * * *

стр. 487

المبحث الرابع حكم أولاد المشركين في الآخرة وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هدا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 488

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض جاءت الأحاديث في هذه المسألة بدلالات شتي، فمنها ما يُفيد أن أطفال المشركين في الجنة، ومنها ما يُفيد أن حكمهم التوقف، ومنها ما يُفيد أنَّهم في النار كما فهم ذلك منها بعض أهل العلم، وإليك سياق هذه الأحاديث على هذا الترتيب: - حديث سمرة بن جندب في قصة رؤيا النبى ﷺ ، وفيها أنه قال: "وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﵇، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة" قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : "وأولاد المشركين" (١). - حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بَهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ثم يقول أبو هريرة رضى الله عنه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٢) متفق عليه" (٣). وفي رواية: قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (٤).

стр. 489

- حديث ابن عباس ﵄ قال: سُئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: "الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين" (٥). - حديث أبي هريرة ﵁ قال: سُئل النبي ﷺ عن ذراري المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (٦). - حديث عائشة ﵂ قالت: دُعى رسول الله ﷺ إلى جنازة صبى من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: "أوَ غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" (٧). - حديث الصعب بن جثامة ﵁: أن النبي ﷺ سُئل عن أهل الدار يُبيَّتون من المشركين فيُصاب من نسائهم وذراريهم، قال: "هم منهم" (٨). وفي رواية لمسلم أن النبى ﷺ قيل له: إن خيلًا أغارت من الليل فأصابت من أبناء المشركين قال: "هم من آبائهم".

стр. 490

بيان وجه التعارض هذه المسألة أشكلت على كثير من أهل العلم لأن الأحاديث فيها مختلفة، وفهم منها أهل العلم دلالات متباينة فمثلًا: أخذ بعضهم بحديث سمرة بن جندب رضى الله عنه فقال: إن أطفال المشركين في الجنة، وأخذ آخرون بعموم حديث الصعب بن جثامة رضى الله عنه: -"هم منهم"- فحكموا عليهم بالنار، وتوقف فريق ثالث متمسكًا بقوله ﷺ : "الله أعلم بما كانوا عاملين". قال الشوكاني ﵀: "والحاصل أن مسألة أطفال الكفار باعتبار أمر الآخرة من المعارك الشديدة لاختلاف الأحاديث فيها ولها ذيول مطولة" (٩). وسيأتي في المطلب الثاني إن شاء الله تعالى تفصيل الأقوال وبيان أدلتها. * * *

стр. 491

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض سلك أهل العلم في هذه المسألة (١) ثلاثة مذاهب: - أحدها: مذهب الجمع، والثاني: مذهب الترجيح، والثالث: التوقف، وإليك بيان ذلك: أولًا: مذهب الجمع: وربما عبروا عنه بالوقف (٢) وحاصله أنَّهم يمتحنون في عرصات القيامة فيرسل إليهم رسول فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، أو ترفع لهم نار ويؤمرون باقتحامها فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا ومن أبى أدخل النار. قالوا: وبناءً على هذا يكون بعضهم في الجنة وبعضهم في النار على حسب طاعتهم وعصيانِهم. كما أنه بناءً على هذا فإنه لا يُحكم لمعين منهم بجنة ولا نار بل يُقال فيهم كما قال المصطفى ﷺ : "الله أعلم بما كانوا عاملين" فإذا كان الامتحان في عرصات القيامة ظهر علم الله تعالى فيهم. وإلى هذا ذهب أبو الحسن الأشعري ﵀ وحكاه عن أهل السنة والجماعة (٣).

стр. 492

وهو ظاهر كلام البيهقى (٤) واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٥) وقال: "هذا القول منقول عن غير واحد من السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم " (٦). وانتصر له ابن القيم (٧) وكذا ابن كثير (٨)، وذهب إليه الشنقيطي (٩) وغيره من أهل العلم عليهم رحمة الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعدما ذكر هذا القول: "وهذا أجود ما قيل في أطفال المشركين وعليه تتنَزل جميع الأحاديث" (١٠). وقال أيضًا: "والصواب أن يُقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" ولا نحكم لمعين منهم بجنة ولا نار، وقد جاء في عدة أحاديث أنَّهم يوم القيامة في عرصات القيامة يؤمرون ويُنهون، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، وهذا هو الذي ذكره أبو الحسن الأشعرى عن أهل السنة والجماعة" (١١). وقال أيضًا: "ودلت الأحاديث الصحيحة أن بعضهم في الجنة وبعضهم في النار" (١٢).

стр. 493

وقال ابن القيم بعد ذكره لهذا القول: "وهذا أعدل الأقوال وبه يجتمع شمل الأدلة وتتفق الأحاديث في هذا الباب، وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة كما في حديث سمرة وبعضهم في النار كما دلَّ عليه حديث عائشة (١٣)، وجواب النبي ﷺ يدل على هذا فإنه قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم" ومعلوم أن الله لا يعذبُهم بعلمه ما لم يقع معلومه، فهو إنما يعذب من يستحق العذاب على معلومه وهو متعلق علمه السابق فيه .. وهذا العلم يظهر معلومه في الدار الآخرة" (١٤). وقال ابن كثير بعد ذكره لهذا القول: "وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها" (١٥). وقال الشنقيطي: "ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول: بالعذر والامتحان، فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أُمر به عند ذلك الامتحان، ويتفق بذلك جمع الأدلة، والعلم عند الله تعالى" (١٦). واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - قوله ﷺ عندما سُئل عن أطفال المشركين -كما في حديث أبي هريرة وابن عباس ﵄ (١٧) -: "الله أعلم بما كانوا عاملين". قال ابن القيم: "وفي قوله: "الله أعلم بما كانوا عاملين" إشارة إلى أنه سبحانه كان يعلم ما كانوا عاملين لو عاشوا وأن من يطيعه وقت الامتحان

стр. 494

كان ممن يطيعه لو عاش في الدنيا، ومن يعصيه حينئذ كان ممن يعصيه لو عاش في الدنيا" (١٨). ٢ - حديث الأسود بن سريع عن النبى ﷺ قال: "أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في الفترة، فأما الأصم فيقول: يا رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: ربّ قد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليُطيعنَّه فيرسل إليهم رسولًا أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها كانت عليهم بردًا وسلامًا" (١٩). ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ بمعنى الحديث السابق (٢٠). ٤ - حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بأربعةٍ يوم القيامة: بالمولود والمعتوه ومن مات في الفترة وبالشيخ

стр. 495

الفانى، كلهم يتكلم بحجته فيقول الله ﵎ لِعُنق من جهنم -أحسبه قال-: ابرزي، فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلًا من أنفسهم، فإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه، فيقول من كُتب عليه الشقاء: يا رب أتدخلناها ومنها كنا نفرق؟ ومن كتب له السعادة فيمضي فيقتحم فيها مسرعًا، قال: فيقول الله: قد عصيتمونى وأنتم لرسلي أشد تكذيبًا ومعصية، قال: فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار" (٢١). ٥ - حديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ -أحسبه- قال: "يؤتى بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود، فيقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول، ويقول المعتوه: أي ربّ لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًّا، ويقول المولود: لم أُدرك العمل، قال: فترفع لهم نار فيُقال لهم: رِدُوها، أو قال: ادخلوها، فيدخلها من كان في علم الله سعيدًا إن لو أدرك العمل، قال: ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًّا إن لو أدرك العمل، فيقول ﵎: إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب" (٢٢). ٦ - حديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يؤتى يوم القيامة بالممسوح عقلًا، وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرًا، فيقول الممسوح عقلًا: يا ربِّ لو آتيتنى عقلًا ما كان من آتيته عقلًا بأسعد بعقله مني،
следующие страницы →