← Акыда

Акыда · id 123

أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين دراسة وترجيح

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (669 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض سلك أهل العلم في هذه المسألة (١) ثلاثة مذاهب: - أحدها: مذهب الجمع، والثاني: مذهب الترجيح، والثالث: التوقف، وإليك بيان ذلك: أولًا: مذهب الجمع: وربما عبروا عنه بالوقف (٢) وحاصله أنَّهم يمتحنون في عرصات القيامة فيرسل إليهم رسول فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، أو ترفع لهم نار ويؤمرون باقتحامها فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا ومن أبى أدخل النار. قالوا: وبناءً على هذا يكون بعضهم في الجنة وبعضهم في النار على حسب طاعتهم وعصيانِهم. كما أنه بناءً على هذا فإنه لا يُحكم لمعين منهم بجنة ولا نار بل يُقال فيهم كما قال المصطفى ﷺ : "الله أعلم بما كانوا عاملين" فإذا كان الامتحان في عرصات القيامة ظهر علم الله تعالى فيهم. وإلى هذا ذهب أبو الحسن الأشعري ﵀ وحكاه عن أهل السنة والجماعة (٣).

стр. 492

وهو ظاهر كلام البيهقى (٤) واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٥) وقال: "هذا القول منقول عن غير واحد من السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم " (٦). وانتصر له ابن القيم (٧) وكذا ابن كثير (٨)، وذهب إليه الشنقيطي (٩) وغيره من أهل العلم عليهم رحمة الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعدما ذكر هذا القول: "وهذا أجود ما قيل في أطفال المشركين وعليه تتنَزل جميع الأحاديث" (١٠). وقال أيضًا: "والصواب أن يُقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" ولا نحكم لمعين منهم بجنة ولا نار، وقد جاء في عدة أحاديث أنَّهم يوم القيامة في عرصات القيامة يؤمرون ويُنهون، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، وهذا هو الذي ذكره أبو الحسن الأشعرى عن أهل السنة والجماعة" (١١). وقال أيضًا: "ودلت الأحاديث الصحيحة أن بعضهم في الجنة وبعضهم في النار" (١٢).

стр. 493

وقال ابن القيم بعد ذكره لهذا القول: "وهذا أعدل الأقوال وبه يجتمع شمل الأدلة وتتفق الأحاديث في هذا الباب، وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة كما في حديث سمرة وبعضهم في النار كما دلَّ عليه حديث عائشة (١٣)، وجواب النبي ﷺ يدل على هذا فإنه قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم" ومعلوم أن الله لا يعذبُهم بعلمه ما لم يقع معلومه، فهو إنما يعذب من يستحق العذاب على معلومه وهو متعلق علمه السابق فيه .. وهذا العلم يظهر معلومه في الدار الآخرة" (١٤). وقال ابن كثير بعد ذكره لهذا القول: "وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها" (١٥). وقال الشنقيطي: "ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول: بالعذر والامتحان، فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أُمر به عند ذلك الامتحان، ويتفق بذلك جمع الأدلة، والعلم عند الله تعالى" (١٦). واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - قوله ﷺ عندما سُئل عن أطفال المشركين -كما في حديث أبي هريرة وابن عباس ﵄ (١٧) -: "الله أعلم بما كانوا عاملين". قال ابن القيم: "وفي قوله: "الله أعلم بما كانوا عاملين" إشارة إلى أنه سبحانه كان يعلم ما كانوا عاملين لو عاشوا وأن من يطيعه وقت الامتحان

стр. 494

كان ممن يطيعه لو عاش في الدنيا، ومن يعصيه حينئذ كان ممن يعصيه لو عاش في الدنيا" (١٨). ٢ - حديث الأسود بن سريع عن النبى ﷺ قال: "أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في الفترة، فأما الأصم فيقول: يا رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: ربّ قد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليُطيعنَّه فيرسل إليهم رسولًا أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها كانت عليهم بردًا وسلامًا" (١٩). ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ بمعنى الحديث السابق (٢٠). ٤ - حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بأربعةٍ يوم القيامة: بالمولود والمعتوه ومن مات في الفترة وبالشيخ

стр. 495

الفانى، كلهم يتكلم بحجته فيقول الله ﵎ لِعُنق من جهنم -أحسبه قال-: ابرزي، فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلًا من أنفسهم، فإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه، فيقول من كُتب عليه الشقاء: يا رب أتدخلناها ومنها كنا نفرق؟ ومن كتب له السعادة فيمضي فيقتحم فيها مسرعًا، قال: فيقول الله: قد عصيتمونى وأنتم لرسلي أشد تكذيبًا ومعصية، قال: فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار" (٢١). ٥ - حديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ -أحسبه- قال: "يؤتى بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود، فيقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول، ويقول المعتوه: أي ربّ لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًّا، ويقول المولود: لم أُدرك العمل، قال: فترفع لهم نار فيُقال لهم: رِدُوها، أو قال: ادخلوها، فيدخلها من كان في علم الله سعيدًا إن لو أدرك العمل، قال: ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًّا إن لو أدرك العمل، فيقول ﵎: إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب" (٢٢). ٦ - حديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يؤتى يوم القيامة بالممسوح عقلًا، وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرًا، فيقول الممسوح عقلًا: يا ربِّ لو آتيتنى عقلًا ما كان من آتيته عقلًا بأسعد بعقله مني،

стр. 496

ويقول الهالك صغيرًا: يا ربِّ لو آتيتنى عمرًا ما كان من آتيته عمرًا بأسعد من عمره منى، ويقول الهالك في الفترة: يا ربِّ لو جاءني منك رسول ما كان بشر أتاه منك عهد بأسعد بعهدك منى، فيقول الرب تعالى: فإنى آمركم بأمر أفتطيعوني؟ فيقولون: نعم وعزتك يا رب، فيقول: اذهبوا فادخلوا جهنم، ولو دخلوها لم تضرهم شيئًا، فيخرج عليهم فرائض من النار يظنون أنَّها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك، فيقول الرب : خلقتكم بعلمي وإلى علمي تصيرون فتأخذهم النار" (٢٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكره لبعض الأحاديث السابقة: "وقد جاءت بذلك عدة آثار مرفوعة إلى النبى ﷺ وعن الصحابة والتابعين بأنه في الآخرة يمتحن أطفال المشركين وغيرهم ممن لم تبلغه الرسالة في الدنيا، وهذا تفسير قوله "الله أعلم بما كانوا عاملين"" (٢٤) وقال أيضًا: "وقد رُوي به آثار متعددة عن النبى ﷺ حِسان يصدِّق بعضها بعضًا" (٢٥). وقال ابن القيم بعد استعراضه للأحاديث السابقة: "فهذه الأحاديث يشدُّ بعضها بعضًا وتشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونِها هو مذهب السلف والسنة" (٢٦).

стр. 497

وقال ابن كثير: "أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها" (٢٧). ٧ - قالوا: دلت الأحاديث الصحيحة أن بعضهم في الجنة وبعضهم في النار وهذا إنما يكون لأَنهم يُمتحنون في الآخرة فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار، وعلى هذا فإن الأطفال منقسمون إلى شقي وسعيد كالبالغين ولذلك فإنه لا يحكم لمعين من الأطفال بجنة ولا نار. قالوا: والدليل على أن بعضهم في الجنة ما جاء في حديث سمرة بن جندب في رؤيا النبى ﷺ أطفال المشركين والمسلمين حول إبراهيم ﵇ في الروضة (٢٨). وأما الدليل على أن بعضهم في النار فهو ما جاء في حديث أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا" (٢٩). وكذلك حديث عائشة رضى الله عنها قالت: دعى رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: "أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها

стр. 498

وهم في أصلاب آبائهم" (٣٠)، (٣١). ٨ - قالوا: وهذا القول هو الموافق لأصول الشرع وقواعده وللنصوص العامة الدالة على أن الله تعالى لا يعذب أحدًا حتى يبعث إليه رسولًا كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٣٢). قال شيخ الإسلام: "وعلى هذا القول تدل الأصول المعلومة من الكتاب والسنة من أن الله لا يُعذب أحدًا حتى يبعث إليه رسولًا" (٣٣). وقال الطبري في بيان معني الآية السابقة: "يقول تعالى ذكره: وما كنا مهلكي قوم إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم" (٣٤). ثم أخرج عن أبي هريرة رضى الله عنه موقوفًا عليه أنه قال: "إذا كان يوم القيامة جمع الله ﵎ نسم الذين ماتوا في الفترة والمعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين جاء الإسلام وقد خرفوا، ثم أرسل رسولًا أن ادخلوا النار، فيقولون: كيف ولم يأتنا رسول؟ وايم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا، ثم يرسل إليهم، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه قبل "قال أبو هريرة رضى الله عنه: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٣٥). قال شيخ الإسلام تعليقًا على هذا الأثر: "فبيَّن أبو هريرة رضى الله عنه أن الله لا يُعذِّب أحدًا حتى يبعث إليه رسولًا، وأنه في الآخرة يمتحن من لم تبلغه

стр. 499

الرسالة في الدنيا" (٣٦). ثانيًا: مذهب الترجيح: وقد افترق القائلون به على ستة أقوال (٣٧)، هي كالتالي: القول الأول: أن أولاد المشركين في الجنة وبِهذا جزم البخاري (٣٨) وابن حزم ونسبه إلى جمهور الناس (٣٩)، واختاره ابن الجوزي (٤٠) والنووي (٤١) وأبو عبد الله القرطبي (٤٢) والسبكى (٤٣) والسخاوي (٤٤) وطائفة من المفسرين والمتكلمين وغيرهم (٤٥). واستدل هؤلاء بما يلي: ١ - ظاهر القرآن وذكروا عدة آيات أذكر شيئًا منها (٤٦): - - قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ والمولود لا يتوجه عليه التكليف ولا يلزمه قول الرسول حتى يَبْلُغ (٤٧).

стр. 500

- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٤٨). فأولاد المشركين ماتوا على هذا الميثاق وهذا يعني أنَّهم ماتوا على الإسلام فهم من أهل الجنة (٤٩). - قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٥٠) وإذا امتلأت جهنم بإبليس وأتباعه لم يبق فيها موضع لغيرهم، فإذا لم يدخلوا النار فهم بلا شك في الجنة (٥١). ٢ - قوله ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه .. " (٥٢). وقوله ﷺ فيما يرويه عن ربه تعالى: "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم .. " (٥٣). قالوا: إن من مات قبل التهويد والتنصير فقد مات على الفطرة، وكذلك من مات قبل أن تجتاله الشياطين عن دينه فقد مات حنيفًا، ومن كان كذلك فقد مات مسلمًا فيكون في الجنة (٥٤). ٣ - حديث سمرة بن جندب رضى الله عنه في قصة رؤيا النبى ﷺ وفيها أنه

стр. 501

قال: "وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﵇، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة" قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : "وأولاد المشركين (٥٥). فقالوا هذا الحديث نص صحيح صريح في أنَّهم في الجنة ورؤيا الأنبياء وحي (٥٦). ٤ - حديث حسناء بنت معاوية قالت: حدثنا عمى قال: قلت للنبي ﷺ من في الجنة؟ قال: "النبى في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة" (٥٧). ٥ - حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله: "سألت ربي عن اللاهين من ذرية البشر ألا يعذبَهم، فأعطانيهم" (٥٨). والمراد باللاهين: الأطفال، قال ابن عبد البر: "إنما قيل للأطفال اللاهين: لأن أعمالهم كاللهو واللعب من غير عقد ولا عزم، من قولهم: لهيت عن الشىء أي لم أعتمده" (٥٩). ٦ - حديث عائشة ﵂ قالت: سألت خديجة النبى ﷺ عن

стр. 502

أولاد المشركين، فقال: "هم مع آبائهم" ثم سألته بعد ذلك فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" ثم سألته بعدما استحكم الإسلام فنزلت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٦٠) وقال: "هم على الفطرة، أو قال: في الجنة" (٦١). قال ابن القيم بعدما ساق أدلة هذا القول: "وهذه حجج كما ترى قوة وكثرة ولا سبيل إلى دفعها" (٦٢). القول الثانى: أن أولاد المشركين خدم أهل الجنة (٦٣) وهذا منسوب إلى سلمان ﵁ (٦٤)، وعزاه الخطابي إلى بعض أهل التفسير (٦٥). واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أطفال المشركين خدم أهل الجنة" (٦٦).

стр. 503

٢ - حديث سمرة بن جندب رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ سُئل عن أطفال المشركين، فقال: "هم خدم أهل الجنة" (٦٧). القول الثالث: أنَّهم أهل الأعراف فيكونون في برزخ بين الجنة والنار لأنَّهم لم يعملوا حسنات يدخلون بِها الجنة ولا سيئات يدخلون بِها النار (٦٨). وهذا القول لم أقف على تسمية من ذهب إليه. القول الرابع: أنَّهم في النار وإليه ذهب ابن بطة (٦٩) واختاره القاضى أبو يعلى (٧٠). وذكر أنه منصوص عن أحمد (٧١)، وهو قول جماعة من أهل الحديث والمفسرين

стр. 504

والمتكلمين وطائفة من أصحاب أحمد (٧٢) وغيرهم، ونسبه النووي إلى الأكثرين (٧٣). واستدل هؤلاء بما يلي: ١ - حديث الصعب بن جثَّامة أن النبي ﷺ سُئل عن أولاد المشركين فقال: "هم منهم" وفي رواية "هم من آبائهم" (٧٤). ٢ - حديث سلمة بن زيد الجعفي قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله ﷺ ، قال: قلنا: يا رسول الله إن أُمنا مليكة كانت تصل الرحم وتقري الضيف وتفعل وتفعل، هلكت في الجاهلية، فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال: "لا"، قال: قلنا: فإنَّها كانت وأدت أختًا لنا في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال: "الوائدة والموءودة في النار، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فيعفو الله عنها" (٧٥). ٣ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبى ﷺ قال: "الوائدة والموءودة في النار" (٧٦). ٤ - حديث عائشة رضى الله عنها أنَّها ذكرت لرسول الله ﷺ أطفال

стр. 505

المشركين، فقال: "إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار" (٧٧). هذه هى أشهر أدلتهم التى يستدلون بِها على أن لهم أدلة أخرى غير هذه لكنها إما موضوعة وإما ضعيفة لا تقوم بِها حجة (٧٨). القول الخامس: أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة فلا يُفردون عنهم بحكم في الدارين، فهم مؤمنون بإيمان آبائهم وكافرون بكفر آبائهم، فأطفال المسلمين في الجنة وأطفال الكفار في النار (٧٩). وهذا القول هو ظاهر كلام الخطابي ونسبه إلى عامة أهل السنة (٨٠). وفرَّق ابن القيم بين هذا القول والقول السابق فقال: "والفرق بين هذا المذهب ومذهب من يقول: هم في النار، أن صاحب هذا المذهب يجعلهم معهم تبعًا لهم حتى لو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهما لم يحكم لأفراطهما بالنار، وصاحب القول الآخر يقول: هم في النار لكونِهم ليسوا بمسلمين لم يدخلوها تبعًا" (٨١). وأدلة هذا القول هي أدلة القول السابق.

стр. 506

القول السادس: التوقف (٨٢) وتوكيل علمهم إلى الله تعالى فلا يشهد لهم بجنة ولا نار، وربما عبر بعضهم عن ذلك بقوله: إنَّهم في المشيئة. وإلى هذا ذهب جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث منهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحاق بن راهوية وأكثر أصحاب مالك (٨٣)، واختاره أبو بكر بن الأثرم (٨٤) والبغوي (٨٥) وهو ظاهر كلام الشوكاني (٨٦). واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - حديث أبي هريرة وابن عباس أنه ﷺ سُئل عن أولاد المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (٨٧). ٢ - حديث ابن عباس ﵄ قال: أتى علىَّ زمان وأنا أقول أولاد المسلمين مع المسلمين وأولاد المشركين مع المشركين، حتى حدثنى فلان عن فلان أن رسول الله ﷺ سُئل عنهم فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" قال: فلقيت الرجل فأخبرني فأمسكت عن قولي (٨٨). ٣ - عموم قول النبي ﷺ كما في حديث أنس ﵁: "إن الله وكل بالرحم ملكًا يقول: يا ربِّ نطفة، يا ربِّ علقة، يا ربِّ مضغة،

стр. 507

فإذا أراد أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى، شقي أم سعيد" (٨٩). وورد معناه من حديث ابن مسعود وحذيفة بن أسِيد رضى الله عنهما (٩٠). ٤ - حديث عائشة رضى الله عنها قالت: دُعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: "أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" (٩١). قال ابن عبد البر بعدما ساق الأدلة على هذا القول: "أحاديث هذا الباب من جهة الإسناد صحاح ثابتة عند جميع أهل العلم بالنقل" (٩٢). ثالثًا: مذهب التوقف: وهو الإمساك عن الخوض في هذه المسألة لعدم العلم بحكمهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الوقف قد يُفسر بثلاثة أمور: أحدها: أنه لا يُعلم حكمهم فلا يُتكلم فيهم بشىء، وهذا قول طائفة من المنتسبين إلى السنة" (٩٣). وهو منقول عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية والقاسم بن محمد (٩٤)، وهو

стр. 508

الظاهر من إحدى الروايتين عن الإمام أحمد فقد قال ﵀: "ونحن نمر هذه الأحاديث على ما جاءت ونسكت ولا نقول شيئًا" (٩٥). وقد جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال أمر هذه الأمة موائمًا أو مقاربًا ما لم يتكلموا في الولدان والقدر" (٩٦). قال أبو حاتم: الولدان أراد به أطفال المشركين. * * *

стр. 509

المطلب الثالث الترجيح أقوى الأقوال -والله تعالى أعلم- هو مذهب الجمع وهو القول بالامتحان، لأنه هو الذي تجتمع فيه الأدلة وتأتلف فيه النصوص، ويليه في القوة: القول بأنهم في الجنة، وأما بقية الأقوال فضعيفة. وقد أورد ابن عبد البر على القول بالامتحان وأحاديثه اعتراضًا فقال: "وجملة القول في أحاديث هذا الباب كلها ما ذكرت منها وما لم أذكر، أنَّها من أحاديث الشيوخ وفيها علل وليست من أحاديث الأئمة الفقهاء، وهو أصل عظيم، والقطع فيه بمثل هذه الأحاديث ضعف في العلم والنظر، مع أنه عارضها ما هو أقوى منها" (١). وقال أيضًا: "أهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب لأن الآخرة ليست دار عمل ولا ابتلاء وكيف يُكلفون دخول النار، وليس ذلك في وسع المخلوقين؟ والله لا يُكلف نفسًا إلا وسعها" (٢). وأورد أبو عبد الله القرطبي حديث الامتحان ثم قال: "ويضعفه من جهة المعنى أن الآخرة ليست بدار تكليف وإنما هي دار جزاء: ثواب وعقاب" (٣). والجواب عن هذا الاعتراض من وجوه (٤):

стр. 510

الوجه الأول: أنه لا يُشترط في الرواة أن يكونوا أئمة فقهاء، وأهل العلم لم يتفقوا على إنكارها بل ولا أكثرهم، وإن أنكرها بعضهم فقد صححها أو بعضها غيرهم (٥)، ثم إن حديث الأسود بن سريع أجود من كثير من الأحاديث التي يُحتج بِها في الأحكام ولهذا رواه الأئمة كأحمد وإسحاق وعلي ابن المديني، كما أن أبا الحسن الأشعري حكى عن أهل السنة والحديث القول بالامتحان مما يدل على أنَّهم أخذوا بموجب هذه الأحاديث. الوجه الثاني: أن قوله: "وهو أصل عظيم والقطع فيه .. " يُجاب عنه بأن القطع كذلك بتكذيب هذه الأحاديث ورواتِها عقلًا وسمعًا فيه ضعف لا يخفى، وقد نَهى النبى ﷺ عن تكذيب أهل الكتاب لئلا يكون ما رووه حقًّا، وهو هنا من باب أولى (٦). الوجه الثالث: أن قوله إن أحاديث الامتحان قد عارضها ما هو أقوى مجيئًا منها إشارة منه إلى قوله ﷺ : "الله أعلم بما كانوا عاملين" وهذا غير مسلَّم فإن أحاديث الامتحان ليست معارضة لِهذا الحديث وإنما هي زيادة عليه وبيان وتفسير له، وفرق بين المعارضة والزيادة والبيان. وكذلك القول في حديث سمرة بن جندب في رؤية أولاد المشركين حول إبراهيم ﵇ في الجنة فإنه غير معارض لأحاديث الامتحان لأن أولئك الأطفال ممن علم الله سعادتَهم ونجاتَهم في ذلك الامتحان. الوجه الرابع: أن التكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء والقرار وهي الجنة أو النار وأما قبل ذلك فلا ينقطع كما في عرصات القيامة وكما في البرزخ

стр. 511

وهذا معلوم بالضرورة من الدين من وقوع التكليف بسؤال الملكين في البرزخ فيُقال لأحدهم: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وهذا تكليف. وأما في عرصات القيامة فإن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٧) صريح في وقوع التكليف في الآخرة لأن الله تعالى يدعو الخلائق إلى السجود فيسجد المؤمنون ويُحال بين الكفار وبين السجود لأَئهم كُلِّفوا به في الدنيا وهم قادرون عليه فامتنعوا، وقد أشار الله تعالى إلى هذا بقوله: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (٨)، (٩). الوجه الخامس: أن قول ابن عبد البر: وكيف يُكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين، جوابه من أربعة وجوه: أحدها: أن ذلك ليس تكليفًا بما ليس في الوسع، وإنما هو تكليف بما فيه مشقة شديدة، وهو كتكليف بنى إسرائيل قتل أولادهم وأزواجهم وآبائهم حين عبدوا العجل، وكتكليف المؤمنين إذا رأوا الدجال ومعه مثال الجنة والنار أن يقعوا في الذي يرونه نارًا، وكذلك فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحد من السيف وأدق من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم فمنهم الناجي، ومنهم المكدوش على وجهه في النار، وليس في وقوع الامتحان بالنار بأعظم من هذا بل هذا أطم وأعظم. والثاني: أنَّهم لو أطاعوه ودخلوها لم تضرهم وكانت بردًا وسلامًا، فلم يُكلفوا بممتنع ولا بما لا يُستطاع.

стр. 512

الثالث: أنه قد ثبت أن الله تعالى يأمر الناس يوم القيامة بالسجود ويحول بين المنافقين وبينه وهذا تكليف لهم بما ليس في الوسع قطعًا، فكيف يُنكر التكليف بدخول النار، التى هي نار في رأى العين وأما في الحقيقة فليست كذلك. الرابع: أن استبعاد هذا إنما هو استبعاد مجرد لا ينبغي أن تُرد بمثله الأحاديث. مناقشة الأقوال الأخرى: - أما القول بأنَّهم في الجنة فإنه يُشكل عليه قوله ﷺ : "الله أعلم بما كانوا عاملين" (١٠) وكذلك قوله ﷺ : "إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا ولو عاش لأرهق أبويه طُغيانًا وكفرًا". ولهذا قال النووي -وهو ممن يذهب إلى هذا القول كما تقدم-: "وأما غلام الخضر فيجب تأويله قطعًا" (١١). - وأما القول بأنَّهم خدم أهل الجنة فلا أصل له وهو مبنى على أحاديث ضعيفة لا تقوم بِها حجة (١٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الولدان الذين يطوفون على أهل الجنة خلق من خلق الجنة ليسوا بأبناء أهل الدنيا، بل أبناء أهل الدنيا إذا دخلوا الجنة يُكمل خلقهم كأهل الجنة على صورة آدم أبناء ثلاث وثلاثين سنة في طول

стр. 513

ستين ذراعًا" (١٣). - وأما القول بأنَّهم أهل الأعراف فليس بشىء، قال السبكي: "وأما القول بأنَّهم في الأعراف فلا أعرفه ولا أعلم حديثًا ورد به، ولا قاله أحدٌ من العلماء فيما علمت" (١٤). - وأما القول بأنَّهم في النار أو أن حكمهم حكم آبائهم فقول مردود، وأدلتهم يُجاب عنها بما يلى: أما قوله ﷺ في أولاد المشركين: "هم منهم" أو "هم من آبائهم" فليس هذا في حكم الآخرة وإنما هو في حكم الدنيا كما هو صريح الحديث أنَّهم إذا أُصيبوا في الجهاد والبيات، وقد نقل ابن بطة وابن عبد البر الإجماع على ذلك (١٥). وقال ابن عبد البر: "معني هذا الحديث عند أهل العلم: في أحكام الدنيا .. هم من آبائهم، وعلى ذلك مخرج الحديث، فليس على من قتلهم قود ولا دية لأنهم أولاد من لا دية في قتله ولا قود، لمحاربته وكفره، وليس هذا الحديث في أحكام الآخرة وإنما هو في أحكام الدنيا، فلا حجة فيه" (١٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قد عُلم بالاضطرار من شرع الرسول أن أولاد الكفار يكونون تبعًا لآبائهم في أحكام الدنيا" (١٧). ومما يدل على أن الأطفال لا يُعذبون بعذاب آبائهم قوله تعالى: ﴿وَلَا

стр. 514

تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١٨)، (١٩). - وأما قوله ﷺ : "الوائدة والموءودة في النار" فقد اختلف أهل العلم في تأويله ومنهم من أنكر متنه (٢٠)، وأحسن ما قيل فيه هو قول ابن القيم ﵀: الموءودة" في النار ما لم يوجد سبب يمنع من دخولها النار. . . ففرق بين أن تكون جهة كونِها موءودة هى التى استحقت بِها دخول النار، وبين كونِها غير مانعة من دخول النار بسبب آخر، وإذا كان تعالى يسأل عن وأد ولدها بغير استحقاق ويعذبُها على وأدها كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ (٢١) فكيف يُعذب الموءودة بغير ذنب" (٢٢). - وأما بقية الأحاديث التى يستدل بِها أصحاب هذا القول فضعيفة لا يُحتج بِها. قال ابن الوزير: "ليس في تعذيب الأطفال حديث صحيح صريح" (٢٣). - وأما القول بالوقف فإن أدلة القائلين به ليس فيها ما يخالف القول بالامتحان، ولذلك فإن القائلين بالامتحان يأخذون بمدلول أدلة هذا القول غير أنَّهم يزيدون على ذلك القول بالامتحان لدلالة النصوص على ذلك (٢٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأما جواب النبى ﷺ .. وهو قوله: "الله

стр. 515

أعلم بما كانوا عاملين" فإنه فصل الخطاب في هذا الباب، وهذا العلم يظهر حكمه في الآخرة" (٢٥). وقال ابن القيم: "النبى ﷺ لم يجب فيهم بالوقف وإنما وكل علم ما كانوا يعملون لو عاشوا إلى الله، والمعنى: الله أعلم بما كانوا يعملون لو عاشوا، فهو سبحانه يعلم القابل منهم للهدى العامل به لو عاش، والقابل منهم للكفر المؤثر له لو عاش، لكن لا يدل هذا على أنه سبحانه يجزيهم بمجرد علمه فيهم بلا عمل يعملونه، وإنما يدل على أنه يعلم منهم ما هم عاملون بتقدير حياتِهم" (٢٦). - وأما حديث عائشة ﵂ لما شهدت لصبى من الأنصار بالجنة قال لها رسول الله ﷺ : "أوَ غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" فقد قال فيه البيهقي وابن تيمية وابن القيم وغيرهم: هذا الحديث إنما يدل على أنه لا يُشهد ولا يُقطع لكل واحد من أطفال المؤمنين بعينه بالجنة، وإن أُطلق على أطفال المؤمنين في الجملة أنهم في الجنة، لكن الشهادة للمعين ممتنعة (٢٧).

стр. 516

- وأما مذهب التوقف والذي هو الإمساك عن الخوض في هذه المسألة فقد تكرر كثيرًا -فيما تقدم- أن بابه واسع "فمن اشتبهت عليه الأمور فتوقف لئلا يتكلم بلا علم، أو لئلا يتكلم بكلام يضر ولا ينفع فقد أحسن، ومن علم الحق فبيَّنه لمن يحتاج إليه وينتفع به فهو أحسن وأحسن" (٢٨). قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعدما رجح القول بالامتحان: "وهذا التفصيل يُذهب الخصومات التي كره الخوض فيه لأجلها من كره، فإن من قطع لهم بالنار كلهم جاءت نصوص تدفع قوله، ومن قطع لهم بالجنة كلهم جاءت نصوص تدفع قوله، ثم إذا قيل: هم مع آبائهم لزم تعذيب من لم يذنب، وانفتح باب الخوض في الأمر والنهي والوعد والوعيد والقدر والشرع .. " (٢٩). - وأما ما ورد عن ابن عباس ﵄ أن النبى ﷺ قال: "لا يزال أمر هذه الأمة موائمًا، أو مقاربًا ما لم يتكلموا في الولدان والقدر" فمحمول على ذمِّ من تكلم فيهم بغير علم، أو ضرب النصوص بعضها ببعض فيهم، كما ذمَّ من تكلم في القدر بمثل ذلك، وأما من تكلم فيهم بالعلم الذي بينه الله ورسوله فإنه لا يُذم بل هو مأمور به، وهو الذي ينبغى للإنسان طلبه (٣٠)، والله أعلم. * * *

стр. 517

المبحث الخامس ما جاء في (اللو) وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 518

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض أولًا: ما جاء من النهي عن استعمال (لو): - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان" (١). ثانيًا: النصوص الدالة على جواز استعمال (لو): - حديث عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي .. " (٢). وعقد البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب التمنى بابًا بعنوان: ما يجوز من اللو (٣) ثم ذكر فيه تسعة أحاديث، أذكر منها ما يلى: - حديث ابن عباس ﵄: "لو كنت راجمًا امرأة من غير بينة .. " (٤).

стр. 519

- حديث أبي هريرة رضى الله عنه أنَّهم لما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بِهم النبى ﷺ حتى رأوا الهلال ثم قال: "لو تأخر لزدتكم" كالمنكِّل لهم (٥). - حديث عبد الله بن زيد رضى الله عنه: "لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار ولو سلك الناس واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعبها" (٦). بيان وجه التعارض بالنظر إلى الأحاديث السابقة نجد أن الحديث الأول فيه النهي عن استعمال كلمة (لو) بينما نجد في بقية الأحاديث استعمال الرسول ﷺ لهذه الكلمة مما يدل على جوازها. * * *

стр. 520

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض لا تخرج أقوال أهل العلم في هذه المسألة عن مذهب الجمع، وقد جاءت هذه الأقوال متقاربة يمكن رد بعضها إلى بعض وتقسيمها إلى ثلاثة أقوال كما يلى: القول الأول: ما ذهب إليه القاضى عياض ﵀ وهو التفريق بين استعمالها لما مضى وانقضى وليس في القدرة ولا في الإمكان فعله، وبين استعمالها في الخبر عما يُستقبل مما لا اعتراض فيه على قدر. فالأول مكروه كراهة تنزيه وعليه يُحمل حديث النهى، والثاني جائز لا كراهة فيه وعليه تحمل الأحاديث التى ذكرها البخاري في باب: ما يجوز من اللو (١). القول الثاني: ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أن (لو) تستعمل على وجهين: أحدهما: على وجه الحزن على الماضى والجزع من المقدور وهذا هو المنهى عنه كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا

стр. 521

لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٢). والوجه الثاني: أن تستعمل (لو) لبيان علم نافع أو لبيان محبة الخير وإرادته، وهذا جائز فمثال الأول قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٣)، ومثال الثاني: ما جاء في الحديث "لو أن لى مالًا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء" (٤)، (٥). قال النووي ﵀: "الظاهر أن النهى إنما هو عن إطلاق ذلك في ما لا فائدة فيه فيكون نهى تنزيه لا تحريم، فأما من قاله تأسفًا على ما فات من طاعة الله أو ما هو متعذر عليه من ذلك ونحو هذا فلا بأس به، وعليه يحمل أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث" (٦). وقال القرطبى: "محل النهى عن إطلاقها إنما هو فيما إذا أطلقت في معارضة القدر، أو مع اعتقاد: أن ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور، فأما لو أخبر بالمانع على جهة أن تتعلق به فائدة في المستقبل، فلا يختلف في

стр. 522

جواز إطلاقه، إذ ليس في ذلك فتح لعمل الشيطان ولا شيءٌ يُفضى إلى ممنوع ولا حرام" (٧). القول الثالث: ما ذهب إليه الطبري ﵀ من أن النهي مخصوص بالجزم بالفعل الذي لم يقع، فالمعنى: لا تقل لشيء لم يقع لو أني فعلت كذا لوقع قاضيًا بتحتم ذلك غير مضمر في نفسك شرط مشيئة الله تعالى، وما ورد من قول (لو) محمول على ما إذا كان قائله موقنًا بالشرط المذكور وهو أنه لا يقع شيء إلا بمشيئة الله وإرادته (٨). * * *

стр. 523

المطلب الثالث الترجيح لم يفهم أهل العلم من حديث النهي -"وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا"- النهي عن استعمال (لو) مطلقًا، فقد بوَّب البخاري في صحيحه -كما تقدم- باب ما يجوز من اللو، قال ابن حجر تعليقًا على هذه الترجمة: "فيه إشارة إلى أنَّها في الأصل لا تجوز إلا ما استثنى" (١). وقال الطحاوي: " (لو) ليست مكروهة في كل الأشياء" (٢). وقال القرطبى بعد ذكره لحديث النهي: "ولا يُفهم من هذا أنه لا يجوز النطق بـ (لو) مطلقًا، إذ قد نطق بِها النبي ﷺ " (٣)، وهذا الفهم صحيح لورود الأحاديث الكثيرة التي فيها استعمال الشارع لهذه الكلمة، وحاشاه من أن تتناقض أقواله، ولهذا جاءت أقوال أهل العلم في هذه المسألة بالتفصيل -كما تقدم- وذلك للجمع بين هذه النصوص. ولا شك أن التفصيل في هذه المسألة هو المتعيِّن، ويمكن أن نجعل لهذه المسألة ضابطًا ينتظم جميع استعمالات (لو) ويجمع بين هذه النصوص كما يلي: الضابط في حكم استعمال (لو) هو: أنها بحسب الحال الباعث والحامل عليها (٤)، وعلى هذا:

стр. 524

- فإن كان الحامل عليها الضجر والحزن، أو قالها معترضًا على القضاء والقدر أو الشرع أو متمنيًا للشر فهو مذموم محرم (٥)، وعليه يُحمل النهى الوارد في الحديث. - وإن كان الحامل عليها بيان محبة الخير والرغبة فيه، والإرشاد والتعليم، وبيان ما ينبغى فعله كان استعمالها جائزًا، بل قد يكون محمودًا، وعليه تُنَزل جميع النصوص التي ورد فيها استعمال الشارع لهذه الكلمة، والله تعالى أعلم. وهذا الضابط يدخل فيه القول الثاني الذي تقدم ذكره. - وأما القول الأول والذي فيه التفريق بين استعمال (لو) في الماضى والمستقبل، فالأول منهي عنه، والثاني جائز، فإنه يُشكل عليه حديث: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي" (٦) ونحوه فإن فيه استعمال (لو) في الماضي (٧). وأيضًا فإن استعمال (لو) في تمني الشر غير جائز مع أنه استعمالٌ لها في الخبر عما يستقبل كما ورد في الحديث: "لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته، فوزرهما سواء" (٨). - وأما ما ذهب إليه الطبري -وهو القول الثالث- فبعيد جدًّا عن ظاهر الحديث، لأنه جعل النهى مخصوصًا بالجزم بالفعل الذي لم يقع، والحديث نص على الفعل إذا وقع كما في قوله ﷺ : "وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا .. ". وأختم هذه المسألة بكلام قيِّم لابن القيِّم ﵀ قال: "العبد إذا فاته

стр. 525

ما لم يقدر له، فله حالتان: حالة عجز، وهي مفتاح عمل الشيطان فيلفيه العجز إلى (لو) ولا فائدة في (لو) هاهنا، بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن، وذلك كله من عمل الشيطان فنهاه ﷺ عن افتتاح عمله بهذا المفتاح، وأمره بالحالة الثانية وهي النظر إلى القدر وملاحظته، وأنه لو قدر له لم يفته ولم يغلبه عليه أحد، فلم يبق له هاهنا أنفع من شهود القدر ومشيئة الرب النافذة التى توجب وجود المقدور، وإذا انتفت امتنع وجوده، فلهذا قال: "وإن أصابك شيء" أي: غلبك الأمر ولم يحصل المقصود بعد بذل الجهد (٩) والاستعانة بالله فلا تقل: "لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل" فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين: حالة حصول مطلوبه، وحالة فواته، فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدًا، بل هو أشد شيء إليه ضرورة" (١٠). * * *

стр. 526

المبحث السادس وقت كتابة الملَك ما قدر للعبد في بطن أمه وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 527

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح" (١). - وعن أنس ﵁ عن النبى ﷺ قال: "إن الله وكَّل بالرحم ملَكًا يقول: يا رب نطفة، يا رب علقة، يا رب مضغة، فإذا أراد أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أُمِّه" (٢). - وعن حذيفة بن أسيد ﵁ يبلغ به النبى ﷺ قال: "يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثم تطوى الصحف فلا يُزاد فيها ولا يُنقص" (٣). وفي رواية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها

стр. 528

ولحمها وعظمها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أُمر ولا ينقص". وفي رواية أخرى عنه رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ بأذنيَّ هاتين يقول: "إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتصور عليها الملك -قال زهير: حسبته قال: الذي يخلقها- فيقول: يا رب أذكر أو أنثى؟ فيجعله الله ذكرًا أو أنثى، ثم يقول: يا رب أسوي؟ فيجعله الله سويًّا أو غير سوي، ثم يقول: يا رب ما رزقه؟ ما أجله؟ ما خلقه؟ ثم يجعله الله شقيًّا أو سعيدًا". وفي رواية له أيضًا يرفعها إلى النبى ﷺ : "أن ملكًا موكَّلًا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئًا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة .. " (٤) وذكر نحو الروايات السابقة. بيان وجه التعارض بالنظر إلى الأحاديث السابقة نجد أن حديث ابن مسعود رضى الله عنه صريح في وقوع الكتابة بعد الأربعين الثالثة، أي بعد المضغة، وحديث أنس رضى الله عنه موافق له لأن فيه أن الكتابة تكون بعد المضغة، بينما حديث حذيفة بن أسيد ﵁ ظاهره -كما في جميع رواياته- مخالف لحديث ابن مسعود ﵁ لأن فيه أن الكتابة إنما تكون بعد الأربعين الأولى. * * *

стр. 529

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض سلك أهل العلم في نصوص هذه المسألة مذهبين -وذلك بعد اتفاقهم على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام أربعة أشهر، أي بعد الأربعين الثالثة (١) -: أحدهما: مذهب الجمع، والثاني: مذهب الترجيح. وإليك بيان ذلك: - أولًا: مذهب الجمع: وإليه ذهب أكثر أهل العلم ولكنهم اختلفوا في طريقة الجمع على عدة مسالك إليك أشهرها: المسلك الأول: أن الكتابة تقع مرتين: الأولى: عقيب الأربعين الأولى، أي بعد النطفة. والثانية: بعد الأربعين الثالثة، أى بعد المضغة. وإلى هذا ذهب القاضى عياض (٢) وابن الصلاح (٣) وشيخ الإسلام ابن تيمية (٤) وابن القيم (٥)، إلا أن القاضى عياض وابن الصلاح جعلا تقدير

стр. 530

وكتابة الذكورة والأنوثة في المرة الثانية، بينما جعلها شيخ الإسلام -وهو ظاهر كلام ابن القيم- في الكتابة الأولى. وقال هؤلاء: إنه لا محذور في الكتابة مرتين وبهذا تجتمع الأدلة ويزول ما قد يتوهم بينها من التعارض. المسلك الثاني: أن الكتابة تكون في الأربعين الثانية كما دل على ذلك حديث حذيفة بن أسيد رضى الله عنه، وهذا مروي عن جماعة من الصحابة وإليه ذهب بعض شراح الحديث المتأخرين. وأجابوا عن حديث ابن مسعود رضى الله عنه بأن قالوا: إن قوله: "ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر .. " معطوف على قوله: "يجمع في بطن أمه .. " ومتعلق به، ويكون قوله: "ثم يكون علقة مثل ذلك .. " معترضًا بين المعطوف والمعطوف عليه، وهذا جائز في كلام العرب (٦). المسلك الثالث: أن الكتابة تختلف باختلاف الأجنة، فبعضهم يكتب له ذلك بعد الأربعين الأولى، وبعضهم بعد الأربعين الثالثة، وإلى هذا مال ابن رجب ﵀ (٧). المسلك الرابع: أن يُقال: إن حديث ابن مسعود صريح بأن وقوع الكتابة بعد الأربعين الثالثة عند تمام كونها مضغة، وحديث حذيفة بن أَسيد رضى الله عنه إنما فيه وقوع ذلك بعد الأربعين الأولى، ولم يوقت فيها البعدية بل أطلقها، وقد قيَّدها ووقتها في حديث ابن مسعود، والمطلق في مثل هذا يُحمل على المقيد، فأخبر بما يكون للنطفة بعد الطور الأول من تفاصيل شأنِها
следующие страницы →