المبحث السادس وقت كتابة الملَك ما قدر للعبد في بطن أمه
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
стр. 527
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح" (١).
- وعن أنس ﵁ عن النبى ﷺ قال: "إن الله وكَّل بالرحم ملَكًا يقول: يا رب نطفة، يا رب علقة، يا رب مضغة، فإذا أراد أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أُمِّه" (٢).
- وعن حذيفة بن أسيد ﵁ يبلغ به النبى ﷺ قال: "يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثم تطوى الصحف فلا يُزاد فيها ولا يُنقص" (٣).
وفي رواية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها
стр. 528
ولحمها وعظمها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أُمر ولا ينقص".
وفي رواية أخرى عنه رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ بأذنيَّ هاتين يقول: "إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتصور عليها الملك -قال زهير: حسبته قال: الذي يخلقها- فيقول: يا رب أذكر أو أنثى؟ فيجعله الله ذكرًا أو أنثى، ثم يقول: يا رب أسوي؟ فيجعله الله سويًّا أو غير سوي، ثم يقول: يا رب ما رزقه؟ ما أجله؟ ما خلقه؟ ثم يجعله الله شقيًّا أو سعيدًا".
وفي رواية له أيضًا يرفعها إلى النبى ﷺ : "أن ملكًا موكَّلًا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئًا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة .. " (٤) وذكر نحو الروايات السابقة.
بيان وجه التعارض
بالنظر إلى الأحاديث السابقة نجد أن حديث ابن مسعود رضى الله عنه صريح في وقوع الكتابة بعد الأربعين الثالثة، أي بعد المضغة، وحديث أنس رضى الله عنه موافق له لأن فيه أن الكتابة تكون بعد المضغة، بينما حديث حذيفة بن أسيد ﵁ ظاهره -كما في جميع رواياته- مخالف لحديث ابن مسعود ﵁ لأن فيه أن الكتابة إنما تكون بعد الأربعين الأولى.
* * *
стр. 529
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
سلك أهل العلم في نصوص هذه المسألة مذهبين -وذلك بعد اتفاقهم على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام أربعة أشهر، أي بعد الأربعين الثالثة (١) -:
أحدهما: مذهب الجمع، والثاني: مذهب الترجيح.
وإليك بيان ذلك: -
أولًا: مذهب الجمع:
وإليه ذهب أكثر أهل العلم ولكنهم اختلفوا في طريقة الجمع على عدة مسالك إليك أشهرها:
المسلك الأول:
أن الكتابة تقع مرتين:
الأولى: عقيب الأربعين الأولى، أي بعد النطفة.
والثانية: بعد الأربعين الثالثة، أى بعد المضغة.
وإلى هذا ذهب القاضى عياض (٢) وابن الصلاح (٣) وشيخ الإسلام ابن تيمية (٤) وابن القيم (٥)، إلا أن القاضى عياض وابن الصلاح جعلا تقدير
стр. 530
وكتابة الذكورة والأنوثة في المرة الثانية، بينما جعلها شيخ الإسلام -وهو ظاهر كلام ابن القيم- في الكتابة الأولى.
وقال هؤلاء: إنه لا محذور في الكتابة مرتين وبهذا تجتمع الأدلة ويزول ما قد يتوهم بينها من التعارض.
المسلك الثاني: أن الكتابة تكون في الأربعين الثانية كما دل على ذلك حديث حذيفة بن أسيد رضى الله عنه، وهذا مروي عن جماعة من الصحابة وإليه ذهب بعض شراح الحديث المتأخرين.
وأجابوا عن حديث ابن مسعود رضى الله عنه بأن قالوا: إن قوله: "ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر .. " معطوف على قوله: "يجمع في بطن أمه .. " ومتعلق به، ويكون قوله: "ثم يكون علقة مثل ذلك .. " معترضًا بين المعطوف والمعطوف عليه، وهذا جائز في كلام العرب (٦).
المسلك الثالث: أن الكتابة تختلف باختلاف الأجنة، فبعضهم يكتب له ذلك بعد الأربعين الأولى، وبعضهم بعد الأربعين الثالثة، وإلى هذا مال ابن رجب ﵀ (٧).
المسلك الرابع: أن يُقال: إن حديث ابن مسعود صريح بأن وقوع الكتابة بعد الأربعين الثالثة عند تمام كونها مضغة، وحديث حذيفة بن أَسيد رضى الله عنه إنما فيه وقوع ذلك بعد الأربعين الأولى، ولم يوقت فيها البعدية بل أطلقها، وقد قيَّدها ووقتها في حديث ابن مسعود، والمطلق في مثل هذا يُحمل على المقيد، فأخبر بما يكون للنطفة بعد الطور الأول من تفاصيل شأنِها
стр. 531
وتخليقها وما يقدر لها وعليها، وذلك يقع في أوقات متعددة وكله بعد الأربعين الأولى ولا يقتضي هذا أن يكون وقوع هذه الأشياء بعد الأربعين الأولى مباشرة من غير فصل.
وخلاصة هذا المسلك: أن النطفة بداية من كونِها علقة ومرورًا بكونِها مضغة وانتهاءً بتصويرها ونفخ الروح فيها بعد الأربعين الثالثة كل هذا يصح أن يُقال إنه واقع بعد الأربعين الأولى، ولا يلزم وقوعه بعدها مباشرة، وبِهذا يتفق حديث حذيفة بن أسيد مع حديث ابن مسعود ﵄.
أشار إلى هذا المسلك ابن القيم وقال: هذا وجه حسن جدًّا (٨).
ثانيًا: مذهب الترجيح:
وذلك بترجيح حديث ابن مسعود على حديث حذيفة بن أسيد رضى الله عنهما لأن حديث حذيفة لم تُضبط ألفاظه ولهذا أعرض البخاري عن روايته.
قال ابن الصلاح: "أعرض البخاري عن حديث حذيفة بن أسيد إما لكونه من رواية أبي الطفيل عنه، وإما لكونه لم يره ملتئمًا مع حديث ابن مسعود، وحديث ابن مسعود لا شك في صحته" (٩).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أحد الأمرين لازم: إما أن تكون هذه الأمور عقيب الأربعين، ثم تكون عقب المائة والعشرين، ولا محذور في الكتابة مرتين، ويكون المكتوب (أولًا) فيه كتابة الذكر والأنثى (١٠)، أو يقال: إن ألفاظ هذا الحديث لم تضبط حق الضبط، ولهذا اختلفت رواته في ألفاظه، ولهذا أعرض البخاري عن روايته، وقد يكون أصل الحديث صحيحًا، ويقع في
стр. 532
بعض ألفاظه اضطراب، فلا يصلح حينئذ أن يُعارض بِها ما ثبت في الحديث الصحيح المتفق عليه الذي لم تختلف ألفاظه، بل قد صدقه غيره من الحديث الصحيح، فقد تلخص الجواب أن ما عارض الحديث المتفق عليه: إما أن يكون موافقًا له في الحقيقة، وإما أن يكون غير محفوظ، فلا معارضة، ولا ريب أن ألفاظه لم تضبط" (١١).
وقال ابن حجر: لم يضبط أبو الطفيل -الراوى عن حذيفة- القدر الزائد على الأربعين (١٢).
* * *
стр. 533
المطلب الثالث الترجيح
الذي يمكن الجزم به أن الكتابة تقع بعد الأربعين الثالثة، أي بعد المضغة، كما هو صريح حديث ابن مسعود رضى الله عنه، وكما دلَّ عليه أيضًا حديث أنس رضى الله عنه، وهما متفق عليهما.
وحينئذٍ يبقى الإشكال في حديث حذيفة بن أسيد رضى الله عنه -والذي فيه وقوع الكتابة بعد الأربعين الأولى- وهو من أفراد مسلم.
- فهل يُحمل ما فيه على أنه كتابة أخرى؟
- أم يحمل على أنه في بعض الأجنة دون بعض؟
وهذا رده ابن حجر وقال: "هو جيد لو كانت مخارج الحديث مختلفة، لكنها متحدة وراجعة إلى أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد، فدل على أنه لم يضبط القدر الزائد على الأربعين" (١).
- أم يحمل على الوجه الذي استحسنه ابن القيم وهو: أنه في حديث حذيفة أطلق البعدية ولم يقيدها، وقيَّدها في حديث ابن مسعود بعد الأربعين الثالثة، فيحمل المطلق على المقيد؟
ولكن يُشكل على هذا أنه لا يكون لذكر العدد معنى في حديث حذيفة ابن أسيد، والذي يظهر أن العدد فيه مراد ومقصود لأنه حدده مرة بالأربعين أو الخمس والأربعين ومرة باثنتين وأربعين ليلة، وهذا يبعد معه صرف المراد بعد هذا العدد -وهو الكتابة- إلى ما بعد الأربعين الثالثة.
стр. 534
- أم يُسلك مذهب الترجيح فيُرجح حديث ابن مسعود ﵁ لأمور منها:
١ - أنه حديث متفق عليه.
٢ - أن حديث أنس ﵁ قد وافقه وهو أيضًا حديث متفق عليه.
٣ - أنه لم تختلف ألفاظه.
بينما حديث حذيفة بن أسيد من أفراد مسلم، وألفاظه فيها اختلاف؟ في الحقيقة لم يظهر لي شىء يمكن الجزم به في حديث حذيفة ﵁ فالله أعلم بمراد رسوله ﷺ .
مسألة:
وقع فِى إحدى روايات حذيفة بن أسيد ﵁ ما ظاهره أن التصوير والتخليق يقع بعد الأربعين الأولى وفي أول الأربعين الثانية مع أن المعروف والمعهود أن التصوير إنما يكون في الأربعين الثالثة أى في مدة المضغة كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا .. ﴾ الآية (٢).
ونص هذه الرواية -كما تقدم-: "إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصوَّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى.".
وقد أجاب أهل العلم عن هذه الرواية بما يلي:
- ذهب القاضي عياض وكذا ابن الصلاح وغيرهم إلى أن حمل هذا
стр. 535
الحديث على ظاهره لا يصح لأن التصوير بإثر النطفة وأول العلقة وفي الأربعين الثانية غير موجود ولا معهود، وإنما التصوير في الأربعين الثالثة في مدة المضغة كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ .. ﴾ إلى آخر الآيات.
وعلى هذا فيكون معنى قوله: "فصورها .. إلخ" أي كتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر بدليل قوله بعد: "أذكر أم أنثى؟ " (٣).
- وذهب ابن رجب: إلى أن هذا قد يكون في بعض الأجنة دون بعض (٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "غاية ما يُقال فيه إنه يقتضي أنه قد يخلق في الأربعين الثانية قبل دخوله في الأربعين الثالثة، وهذا لا يخالف الحديث الصحيح ولا نعلم أنه باطل، بل قد ذكر النساء: أن الجنين يخلق بعد الأربعين، وأن الذكر يخلق قبل الأنثى، وهذا يقدم على قول من قال من الفقهاء: إن الجنين لا يخلق في أقل من واحد وثمانين يومًا، فإن هذا إنما بنوه على أن التخليق إنما يكون إذا صار مضغة، ولا يكون مضغة إلا بعد الثمانين، والتخليق ممكن قبل ذلك، وقد أخبر من أخبر من النساء، ونفس العلقة يمكن تخليقها" (٥).
стр. 536
وهذا موافق لما ذكره ابن رجب من أنه يكون في بعض الأجنة دون بعض، وحاصله: حمل الحديث على ظاهره وعدم تأويله، وأن التصوير يمكن أن يكون في الأربعين الثانية.
وقد أشار إلى هذا القول ابن حجر في الفتح ثم قال: "ولكن بقي في حديث حذيفة بن أسيد أنه ذكر العظم واللحم وذلك لا يكون إلا بعد أربعين العلقة، فيقوى ما قال عياض ومن تبعه" (٦).
وقال أيضًا: "والراجح أن التصوير إنما يقع في الأربعين الثالثة" (٧).
وقال ابن القيم: "لا ريب أن التصوير المحسوس وخلق الجلد والعظم واللحم إنما يقع في الأربعين الثالثة، ولا يقع عقيب الأولى، هذا أمر معلوم بالضرورة، فإما أن يكون المراد بالأربعين في هذه الألفاظ: الأربعين الثالثة وسمَّى المضغة فيها نطفة اعتبارًا بأول أحوالها وما كانت عليه.
أو يكون المراد بِها الأربعين الأولى، وسمَّى كتابة تصويره وتقديره تخليقًا اعتبارًا بما يؤول، فيكون قوله: "صورها وخلق سمعها وبصرها" أي قدَّر ذلك وكتبه وأعلم به، ثم يفعله بعد الأربعين الثالثة (٨).
أو يكون المراد به -أي الأربعين- الأربعين الأولى وحقيقة التصوير فيها، فيتعيَّن حمله على تصوير خفي لا يدركه إحساس البشر، فإن النطفة إذا جاوزت الأربعين انتقلت علقة وحينئذ يكون أول مبدأ التخليق، فيكون مع هذا المبدأ: مبدأ التصوير الخفي الذي لا يناله الحس، ثم إذا مضت الأربعون الثالثة صُوِّرت التصوير المحسوس المشاهد.
стр. 537
فأحد التقديرات الثلاثة يتعيَّن ولابد، ولا يجوز غير هذا البتة، إذ العلقة لا سمع فيها ولا بصر ولا جلد ولا عظم.
وهذا التقدير الثالث أليق بألفاظ الحديث وأشبه وأدلُّ على القدر، والله أعلم بمراد رسوله.
غير أنَّا لا نشك أن التخليق المشاهد والتقسيم إلى الجلد والعظم واللحم إنما يكون بعد الأربعين الثالثة" (٩).
* * *
стр. 538
الفصل الثاني مسائل متعلقة بالنبوة
وفيه مبحثان
° المبحث الأول: حكم التفضيل بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
° المبحث الثاني: عدد أجزاء النبوة التي منها الرؤيا
* * *
стр. 539
المبحث الأول حكم التفضيل بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
стр. 540
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
ثبت عن ﷺ النهي عن التفضيل بين الأنبياء، وثبت عنه أيضًا ما يُفهم منه جواز ذلك:
أما الأحاديث التي فيها النهي عن التفضيل بين الأنبياء فكما يلي:
- عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما يهودي يعرض سلعته، أُعطي بِها شيئًا كرهه فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار فقام فلطم وجهه وقال: تقول: والذي اصطفى موسى على البشر والنبي ﷺ بين أظهرنا؟ فذهب إليه فقال: أبا القاسم إن لي ذمة وعهدًا، فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: "لم لطمت وجهه؟ " فذكره، فغضب النبي ﷺ حتى رُؤي في وجهه ثم قال: "لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه يُنفخ في الصور، فيُصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم يُنفخ فيه أخرى، فأكون أول من بُعث، فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أم بعث قبلي ولا أقول إن أحدًا أفضل من يونس ابن متى" (١).
وفي رواية قال ﷺ : "لا تخيروني على موسى" (٢).
стр. 541
- وعن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه -فذكر معنى القصة السابقة- فقال النبي ﷺ : "لا تخيروا بين الأنبياء" (٣).
- وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال: "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" (٤).
- وعن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي ﷺ قال: "ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى" (٥).
- وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال: "لا يقولنَّ أحدكم: إني خير من يونس بن متى" (٦).
وأما ما ورد عنه ﷺ مما يُفهم منه جواز التفضيل فكما يلي:
- عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع" (٧).
- وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فُضِّلت على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأُحلت لى الغنائم، وجُعلت لى الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُرسلت إلى الخلق كافَّة، وخُتم بي النبيون" (٨).
стр. 542
بيان وجه التعارض
أنه جاء في الأحاديث الأولى ما يُفيد النهي عن التفضيل بين الأنبياء، وجاء في الأحاديث الأخرى ما يفيد جواز التفضيل بينهم حيث صرَّح ﷺ بأفضليته وسيادته على الأنبياء؟ ! .
* * *
стр. 543
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
مما لا شك فيه ولا ريب أن التفاضل بين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ثابت وموجود، كما دلت على ذلك النصوص الصحيحة الصريحة، ومن ذلك:
- قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (١).
- وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (٢).
ففي الآية الأولى دليل على وجود المفاضلة بين الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأن بعضهم أفضل من بعض (٣)، ولذلك قال النووي ﵀: "ولا بد من اعتقاد التفضيل" (٤) ثم ذكر هذه الآية.
وفي الآية الثانية دليل على وجود المفاضلة بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأن بعضهم أفضل من بعض (٥).
- وقد أجمع العلماء على أن الرُّسُل أفضل من الأنبياء، كما نقل ذلك ابن كثير والسفاريني عليهما رحمة الله.
стр. 544
قال ابن كثير ﵀: "ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء" (٦).
وقال السفاريني: "والرسول أفضل من النبي إجماعًا، لتميزه بالرسالة التي هي أفضل من النبوة" (٧).
- كما أجمعوا على أن أولي العزم أفضل الرُّسُل، قال ابن كثير ﵀: "ولا خلاف أن أولي العزم منهم -يعني من الرسل- أفضلهم" (٨).
وأولوا العزم من الرسل هم: محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (٩).
وذكرهم الله أيضًا في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١٠).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبياءه هم المرسلون منهم، وأفضل المرسلين أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وعليهم وسلم" (١١).
стр. 545
- وأجمعوا أيضًا على أن نبينا ورسولنا محمد ﷺ أفضل الخلق بما في ذلك أولوا العزم، كما دلت على ذلك الأحاديث المتقدمة (١٢) وغيرها.
قال ابن كثير بعد ما ذكر أن أولي العزم أفضل الرسل: "ولا خلاف أن محمدًا ﷺ أفضلهم" (١٣).
وقد تواردت عبارات أهل العلم في تفضيل نبينا محمد ﷺ على حميع الخلائق.
فقد عقد الآجري رحمه الله تعالى في كتاب الشريعة بابًا بعنوان: "باب: ما فضل الله به نبينا ﷺ في الدنيا من الكرامات على جميع الأنبياء ﵈" (١٤).
وعقد النووي رحمه الله تعالى -في شرحه لمسلم- بابًا بعنوان: "باب: تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق" (١٥).
وجاء عن أبي هريرة رضى الله عنه أنه قال: "خيار ولد آدم خمسة: نوح وإبراهيم وعيسى وموسى ومحمد ﷺ وخيرهم محمد ﷺ وصلى عليهم أجمعين وسلم" (١٦).
إذا تبين هذا -وهو ثبوت المفاضلة بين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام- فاعلم أن خلاف أهل العلم إنما هو في توجيه أحاديث النهي عن
стр. 546
التفضيل، وقد سلك فيها أهل العلم مذهبين: أحدهما الجمع، والآخر النسخ، وإليك بيان ذلك:
أولًا: مذهب الجمع:
وإليه ذهب أكثر أهل العلم، ولكنهم اختلفوا في أوجه الجمع على أقوال:
فالقول الأول: أن المراد بالنهي عن التخيير بين الأنبياء: المنع منه إذا كان يؤدي إلى توهم النقص في المفضول أو الغض منه أو كان على وجه الإزراء به، وليس المراد به أن يعتقد التسوية بينهم في درجاتِهم لأن الله تعالى قد أخبر أنه قد فاضل بينهم، وإلى هذا القول ذهب الخطابي (١٧) والحليمي (١٨) وابن تيمية (١٩) وابن أبي العز (٢٠) وذكره النووي (٢١) وابن حجر (٢٢) عليهم رحمة الله.
القول الثاني: أن المراد بالنهي المنع من التفضيل حال المجادلة والمخاصمة والتشاجر والتنازع أو إذا كان التفضيل يؤدي إلى هذه الأشياء، واستدل القائلون بهذا القول بسبب ورود حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ فإن النبي ﷺ نَهى عن التخيير والتفضيل بين الأنبياء إثر حصول المخاصمة والمنازعة بين المسلم واليهودي (٢٣).
القول الثالث: أن المراد بالنهي: المنع من التفضيل إذا كان على وجه
стр. 547
الحمية والعصبية وهوى النفس، ومجرد الرأي، لا بمقتضى الدليل، وإلى هذا ذهب الطحاوي (٢٤) وابن كثير (٢٥) عليهما رحمة الله، وهو ظاهر كلام الشوكاني (٢٦).
القول الرابع: أن نَهيه ﷺ عن التفضيل إنما هو على سبيل التواضع. والأدب وهضم النفس لأنه ﷺ يعلم أنه أفضل الأنبياء، كما يدل عليه قوله: "أنا سيد ولد آدم" وإلى هذا ذهب ابن قتيبة (٢٧)، وهو قول آخر لابن كثير رحمه الله تعالى (٢٨).
القول الخامس: أن المراد بالنهي: المنع من التفضيل في نفس النبوة لأنها خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وأما التفضيل بزيادة الخصوصيات والكرامات والمعجزات فغير منهي عنه، وإلى هذا ذهب أبو عبد الله القرطبي وقال: "هذا قول حسن فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ" (٢٩).
القول السادس: أن المراد بالنهي: المنع من التفضيل الذي فيه تعيين المفضول، فلا يفضل أحد من الرسل على أحد بعينه، وأما تفضيل بعضهم على بعض في الجملة؛ دون تعيين المفضول فجائز لدلالة القرآن والسنة على
стр. 548
ذلك، وإلى هذا ذهب ابن عطية (٣٠) رحمه الله تعالى.
ثانيًا: مذهب النسخ:
ذهب قوم إلى أن النهي عن التفضيل كان قبل أن يوحى إليه ﷺ بالتفضيل وقبل أن يعلم أنه سيِّدُ ولد آدم، وأن القرآن قد نسخ المنع من التفضيل (٣١).
* * *
стр. 549
المطلب الثالث الترجيح
لا شك أن مذهب الجمع هو المتعين هنا، والجمع الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم- هو: أن التفاضل بين الأنبياء والرسل ثابت وموجود، وبه صرح القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١)، وكما في قوله : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢) فهذا التفاضل مما نقطع به ونعتقده، وعليه أجمع أهل العلم كما تقدم.
وأما المفاضلة بين رسولين أو نبيين أو تفضيل رسول أو نبي على عدد من الرسل أو عدد من الأنبياء على وجه التعيين -أي تعيين الفاضل والمفضول- فإنه أمر غيبي توقيفي لا بدَّ فيه من دليل فلا يجوز التفضيل بمجرد الرأي.
وأما تفضيل نبينا محمد ﷺ أو تفضيل أولي العزم من الرسل فقد دلَّ الدليل عليه كما تقدم.
وهذا القول هو الذي تجتمع به أدلة الكتاب والسنة، وهو معنى القول الثالث المتقدم ذكره.
قال الشوكاني رحمه الله تعالى: "وعندي أنه لا تعارض بين القرآن والسنة، فإن القرآن دلَّ على أن الله فضّل بين أنبيائه على بعض، وذلك لا يستلزم أنه يجوز لنا أن نفضِّل بعضهم على بعض، فإن المزايا التي هي مناط التفضيل معلومة عند الله لا تخفى عليه منها خافية، وليست بمعلومة عند البشر،
стр. 550
فقد يجهل اتباع نبي من الأنبياء بعض مزاياه وخصوصياته فضلًا عن مزايا غيره، والتفضيل لا يجوز إلا بعد العلم بحميع الأسباب التي يكون بِها هذا فاضلًا وهذا مفضولًا، لا قبل العلم ببعضها أو بأكثرها أو بأقلِّها، فإن ذلك تفضيل بالجهل، وإقدام على أمر لا يعلمه الفاعل له، وهو ممنوع منه، فلو فرضنا أنه لم يرد إلا القرآن في الإخبار لنا بأن الله فضل بعض أنبيائه على بعض لم يكن فيه دليل على أنه يجوز للبشر أن يُفضلوا بين الأنبياء، فكيف وقد وردت السنة الصحيحة بالنهي عن ذلك، وإذا عرفت هذا علمت أنه لا تعارض بين القرآن والسنة بوجه من الوجوه، فالقرآن فيه الإخبار من الله بأنه فضل بعض أنبيائه على بعض، والسنة فيها النهي لعباده أن يُفضلوا بين أنبياءه" (٣).
- وهذا القول وإن كان قريبًا من قول ابن عطية -وهو أن التفضيل جائز إذا كان على وجه العموم، ومنهي عنه إذا كان فيه تعيين للمفضول- إلا أنه أدقَّ منه لأن قول ابن عطية يُشكل عليه مثل قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ (٤) حيث استدل بِها بعض أهل العلم على أن الرسول ﷺ أفضل من يونس ﵇ لأن الله تعالى يقول: لا تكن مثله (٥)، وعلى هذا تكون هذه الآية ورد فيها تعيين المفضول.
- وأما بقية أقوال الجمع ففيها نظر لا يخفى (٦) ففي بعضها تكلف ظاهر كما في القول الرابع والخامس، وأما القول الأول والثاني فيمكن أن يقال إن النهي يتأكد عندهما، لأن التفضيل الذي يؤدي إلى انتقاص المفضول أو الإزراء
стр. 551
به أو يؤدي إلى التشاجر والتنازع يكون منهيًّا عنه حتى عند قيام الدليل على التفضيل.
- وأما مذهب النسخ فبعيدٌ جدًّا لأن القول به يحتاج إلى معرفة التاريخ، حتى نعرف المتقدم من المتأخر علمًا أن بعض السور التي ورد فيها التفضيل مكية كسورة الإسراء والقلم.
كما أن أبا هريرة رضى الله عنه أحد الرواة لأحاديث النهي عن التفضيل وهو لم يسلم إلا في السنة السابعة من الهحرة، فكيف يُتصور مع هذا أن يُقال إن أحاديث النهي منسوخة بآيات التفضيل؟ ! .
* * *
стр. 552
المبحث الثاني عدد أجزاء النبوة التي منها الرؤيا
وفيه ثلاثة مطالب
• المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
• المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
• المطلب الثالث: الترجيح
* * *
стр. 553
المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض
جاءت عدة أحاديث عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم في بعضها أن الرؤيا جزء من سبعين جزءًا من النبوة، وفي بعضها أن الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وفي بعضها أن الرؤيا جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة، وأنا أسوقها الآن على هذا الترتيب:
- عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة" (١).
- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" (٢).
- وعن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" (٣).
- وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" (٤).
стр. 554
- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزعًا من النبوة" (٥).
بيان وجه التعارض
يتضح وجه التعارض بالنظر إلى الأحاديث السابقة حيث أن بينها اختلافًا في العدد، ففي بعضها أن الرؤيا جزء من سبعين جزءًا من النبوة، وفي بعضها أنَّها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وفي بعضها أنَّها جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة؟ ! .
* * *
стр. 555
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
مما لا ريب فيه أن الرؤيا جزء من النبوة، كما نطقت بذلك الأحاديث، ولكن كم عدد أجزاء النبوة التي منها هذه الرؤيا؟
في هذا اختلف أهل العلم فسلكوا ثلاثة مذاهب:
أحدها مذهب الجمع، والثاني مذهب النسخ، والثالث الترجيح، وإليك بيان ذلك:
أولًا: مذهب الجمع:
وإليه ذهب أكثر أهل العلم، ولكنهم اختلفوا في طريقة الجمع على عدة أقوال إليك أشهرها:
القول الأول: ما ذهب إليه الطبري (١) وابن عبد البر (٢) ومال إليه ابن الجوزي (٣) وهو أن الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائي، فرواية السبعين عامة في كل رؤيا صادقة من كل مسلم، ورواية الست والأربعين خاصة بالمؤمن الأدق الألح، وأما ما بين ذلك (٤) فبالنسبة لأحوال المؤمنين.
стр. 556
قال ابن عبد البر: "اختلاف آثار هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا من النبوة ليس ذلك عندى باختلاف تضاد وتدافع -والله أعلم- لأنه يحتمل أن تكون الرؤيا الالحة من بعض من يراها على ستة وأربعين جزءًا، أو خمسة وأربعين جزءًا، أو أربعة وأربعين جزءًا، أو خمسين جزءًا، أو سبعين جزءًا، على حسب ما يكون الذي يراها، من صدق الحديث، وأداء الأمانة، والدين المتين، وحسن اليقين، فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفنا تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد -والله أعلم- فمن خلصت له نيته في عبادة ربه ويقينه وصدق حديثه، كانت رؤياه أصدق وإلى النبوة أقرب" (٥).
القول الثاني: ما ذهب إليه ابن بطال رحمه الله تعالى وهو: أن الاختلاف في العدد يكون على حسب حال الرؤيا فقال رحمه الله تعالى: الرؤيا تنقسم إلى قسمين: أحدهما: رؤيا ظاهرة جليَّة، كمن رأى في المنام أنه يُعطى تمرًا، فأُعطي تمرًا مثله في اليقظة، فهذه الرؤيا لا إغراب في تأويلها، ولا رمز في تفسيرها.
والقسم الثاني: رؤيا مرموزة بعيدة المرام، فهذا القسم لا يقوم به حتى يعبره الأحاذق، لبعد ضرب المثل فيه، فيكون هذا القسم من السبعين، ويكون القسم الأول من الستة والأربعين، لأنه إذا قلَّت الأجزاء كانت الرؤيا أقرب إلى الصدق، وأسلم من وقوع الغلط في تأويلها بخلاف ما إذا كثرت (٦).
وعبر بعض أهل العلم عن هذا الرأي بقوله: "إن المنامات دلالات، والدلالة منها خفي ومنها جلي، فما ذكر فيه السبعون أُريد به أنه الخفي منها، وما ذكر فيه الستة والأربعون أُريد به الجلي منها" (٧).
стр. 557
القول الثالث: ما ذكره القاضي عياض وهو أنه: يحتمل أن تكون هذه التجزئة في طُرق الوحي، إذ منه ما سُمع من الله بلا واسطة، ومنه ما جاء بواسطة الملك، ومنه ما أُلقي في القلب من الإلهام، ومنها ما جاء به الملك وهو على صورته أو على صورة آدمي معروف أو غير معروف، ومنه ما أتاه به في النوم، ومنه ما أتاه به في مثل صلصلة الجرس، ومنه ما يلقيه روح القدس في روعه، إلى غير ذلك من الأحوال التى كانت تختلف على النبي ﷺ في الوحي وحالاته المختلفة، فتكون تلك الحالات إذا عُدِّدت انتهت إلى سبعين (٨).
القول الرابع: ما ذهب إليه بعض أهل العلم وهو أن مدة نبوته ﷺ كانت ثلاثًا وعشرين سنة منها ثلاث عشرة سنة بمكة وعشر سنين بالمدينة، وكان ﷺ قبل ذلك -في أول الأمر- يوحى إليه في منامه ستة أشهر -أي نصف سنة- فإذا نُسبت هذه المدة إلى مدة نبوته ﷺ صارت جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (٩).
وممن ذهب إلى هذا القول ابن الأثير ﵀ فقال: "كان عمر رسول الله ﷺ في أكثر الروايات الصحيحة ثلاثًا وستين سنة، وكانت مدة نبوته منها ثلاثًا وعشرين سنة، لأنه بُعث عند استيفائه أربعين سنة، وكان ﷺ في أول أمره يرى الوحي في المنام، ودام كذلك نصف سنة، ثم رأى الملك في اليقظة، فإذا نسبت المدة التي أُوحي إليه فيها في النوم -وهى نصف سنة- إلى مدة نبوته -وهى ثلاث وعشرون سنة- كانت نصف جزء من ثلاثة وعشرين جزءًا، وذلك جزء من ستة وأربعين جزءًا، وقد تعاضدت الروايات في أحاديث الرؤيا
стр. 558
أنَّها جزء من ستة وأربعين جزءًا.
فأمَّا من رواه "خمسة وأربعين جزءًا" فهو قليل، على أن للخمسة والأربعين وجه مناسبة، من أن يكون عمره لم يكمل ثلاثًا وستين سنة، ومات ﷺ في أثناء السنة الثالثة والستين، ونسبة نصف السنة إلى اثنتين وعشرين سنة، وبعض الأخرى: نسبة جزء من خمسة وأربعين جزءًا" (١٠).
ثانيًا: مذهب النسخ:
وإليه ذهب الطحاوي رحمه الله تعالى وحاصله: أن الله جعل الرؤيا في أول الأمر جزءًا من سبعين جزءًا من النبوة، ثم نسخ ذلك فجعلها جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة زيادة منه وفضلًا (١١).
ثالثًا: مذهب الترجيح:
وإليه ذهب القاضى عياض رحمه الله تعالى فرجح رواية الست والأربعين على غيرها من الروايات وعلل ذلك بأنَّها الأصح عند أهل الحديث والأكثر روايات (١٢).
* * *
стр. 559
المطلب الثالث الترجيح
الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم- هو مذهب الجمع لأن إعمال الأدلة كلها أولى من إهمال شيء منها، ثم إن أقرب الأقوال في مذهب الجمع هو القول الأول وهو أن الاختلاف في عدد الأجزاء إنما يكون على حسب حال الرائي، فكلما كان الرائي أصدق حديثًا وأعظم ديانهً وأحسن يقينًا وأخلص نية كانت رؤياه أقرب الأعداد المذكورة إلى النبوة، وقد يشهد لهذا القول: قوله ﷺ : "أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا" (١).
ومما يؤيد هذا القول -أيضًا- أنه ﷺ أبهم العدد في بعض الروايات، كما وقع ذلك عند الترمذي من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال لما سُئل عن المبشرات: "رؤيا المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة" (٢) فهذا يدل على أن العدد يختلف باختلاف حال الرائي لأنه أطلق الجزء ولم يقيده بعدد، فلو كان هناك عدد يستوي فيه جميع الناس لذكره النبي ﷺ والله أعلم.
- أما ما ذهب إليه ابن بطال -وهو القول الثاني- من اعتبار حال الرؤيا ظهورًا وخفاءً، فالظاهرة الجلية أقرب إلى النبوة -في عدد الأجزاء- من المرموزة الخفية فقول بعيد لأن هذا التقسيم يدخل فيه غير المسلم، والروايات الواردة أكثرها فيها تقييد ذلك بالمؤمن أو المسلم، فإذا دخل الكافر في هذا التقسيم فكيف تكون رؤياه من أجزاء النبوة؟ علمًا أن رؤياه قد تصدق، كما في رؤيا
стр. 560
الملك الذي فسرها له يوسف ﵇ (٣)، ثم ما علاقة ظهور الرؤيا وخفائها بأجزاء النبوة؟ ! .
- وأما القول الثالث - وهو أن التجزئة باعتبار طرق الوحي ففيه تكلف لا يخفى ولذلك ردَّه أبو العباس القرطبي فقال: لا يخفى ما في هذا الوجه من البعد والتساهل، فإن تلك الأعداد إنما هى أجزاء النبوة، وأكثر الذي ذكره -من أحوال الوحي- إنما هى أحوال لغير النبوة: ككونه يعرف الملك أو لا يعرفه، أو يأتيه على صورته أو على صورة آدمي، ثم مع هذا التكلف لم يبلغ عدد ما ذكر ثلاثين، فضلًا عن سبعين (٤).
- وأما القول الرابع -والذي ذهب إليه ابن الأثير وغيره- وهو اعتبار مدة وحي الله تعالى لنبيه ﷺ في منامه ونسبتها إلى مدة نبوته فمردود من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لم يثبت من طريق صحيح أن مدة رؤياه ﷺ قبل النبوة كانت ستة أشهر.
قال الخطابي بعد ذكره لهذا القول: "قلت: وهذا وإن كان وجهًا قد تحتمله قسمة الحساب والعدد، فإنَّ أول ما يجب فيه أن يثبت ما قاله من ذلك خبرًا ورواية، ولم نسمع فيه خبرًا، ولا ذكر قائل هذه المقالة فيما بلغني عنه في ذلك أثرًا، فهو كأنه ظن وحسبان، والظن لا يغني من الحق شيئًا، ولئن كانت هذه المدَّة محسوبة من أجزاء النبوة على ما ذُهب إليه من هذه القسمة، لقد كان يَجب أن تُلحق بِها سائر الأوقات التي كان يوحى إليه في منامه في تضاعيف أيام حياته، وأن تلتقط فتُلفَّق وتزاد في أصل الحساب، وإذا صرنا إلى هذه القضية
стр. 561
بطلت هذه القسمة وسقط هذا الحساب من أصله" (٥).
والوجه الثاني: أنه قد اختلف في قدر المدة التى بعد بعثة النبي ﷺ إلى موته.
والوجه الثالث: أنه يبقى حديث السبعين جزءًا بغير معنى لأن أصحاب هذا القول لم يُجيبوا عنه (٦).
- وأما القول بالنسخ فيُشترط له معرفة التاريخ حتى يُنسخ المتقدم بالمتأخر، وهذا غير معلوم هذا على فرض تعذر الجمع لأن الجمع إذا أمكن على وجه صحيح فالمصير إليه أولى، كما أن النسخ لا يقع في الأخبار، وهذا خبر.
- وأما ترجيح رواية الست والأربعين على غيرها من الروايات كما فعل القاضي عياض فغير صحيح لأن الروايات المتقدمة كلها صحيحة فلا سبيل إلى طرح شيء منها (٧)، مع أن الترجيح لا يُصار إليه إلا إذا تعذر الجمع والنسخ، والجمع هنا غير متعذر كما تقدم.
مسألة:
ثبت عنه ﷺ أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة (٨) كما ثبت عنه ﷺ أنه قال: "لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له" (٩).
وكان مبتدأ الوحي -لنبينا ﷺ - الرؤيا الصادقة، ثم انتقل إلى وحي اليقظة.
стр. 562
واتفقت الأمة على أن رؤيا الأنبياء وحي، ولهذا أقدم الخليل ﵇ على ذبح ابنه إسماعيل ﵇ بالرؤيا (١٠).
إذا تبين هذا -وهو كون الرؤيا من النبوة- فهل يجب العمل بِها والأخذ بمدلولها دون عرض ذلك على الشرع؟
الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الرؤيا إذا كانت من غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنه يجب عرضها على الشرع فإن وافقته وإلا لم يعمل بِها، وأنَّها لا يثبت بها شيء من الأحكام الشرعية، وأن العصمة منتفية عنها، وغاية ما فيها أنَّها: تبشير وتحذير، ويصلح الاستئناس بِها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا يجوز أن يثبت بِها شىء بالاتفاق فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله، ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه، ورؤيا من الشيطان" (١١).
فإذا كان جنس الرؤيا تحته أنواع ثلاثة، فلا بد من تمييز كل نوع منها عن نوع" (١٢).
وقال ابن القيم: "والرؤيا كالكشف منها رحماني، ومنها نفساني، ومنها شيطاني" (١٣)، ثم ذكر حديث: الرؤيا ثلاثة.
وقال الشاطبي: "الرؤيا من غير الأنبياء لا يُحكم بِها شرعًا على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوَّغتها عُمل بمقتضاها
стр. 563
وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتُها البشارة والنذارة خاصة، وأما استفادة الأحكام فلا" (١٤).
وقال الشيخ عبد الرحمن المعلمي: "الرؤيا قصاراها التبشير والتحذير، وفي الصحيح أن الرؤيا قد تكون حقًّا وهى المعدودة من النبوة، وقد تكون من الشيطان، وقد تكون من حديث النفس، والتمييز مشكل، ومع ذلك فالغالب أن تكون على خلاف الظاهر حتى في رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قص من ذلك في القرآن، وثبت في الأحاديث الصحيحة، ولهذه الأمور اتفق أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة، وإنما هى تبشير وتنبيه، وتصلح للاستئناس بِها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة" (١٥).
وخالف في هذا الصوفية (١٦) فذهبوا إلى تعظيم شأن الرؤيا المنامية، وجعلها أصلًا في الاستدلال ومصدرًا من مصادر التلقي، بل قدموها على الكتاب والسنة خاصة عند التعارض، وفي كثير من الأحيان يعتمدون عليها في معرفة الأحكام الشرعية دون النظر إلى موافقة الشرع أو مخالفته بل إنَّهم ربما اعتمدوا عليها في معرفة صحيح الأحاديث النبوية من ضعيفها.
стр. 564
وأكثر ما يصرحون بالتلقي عنه منامًا الله ، والنبي ﷺ (١٧).
قال الشاطبي وهو يذكر مأخذ أهل البدع بالاستدلال -: "وأضعف هؤلاء احتجاجًا قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المنامات، وأقبلوا وأعرضوا بسببها، فيقولون: رأينا فلانًا الرجل الصالح، فقال لنا: اتركوا كذا، واعملوا كذا.
ويتفق مثل هذا كثيرًا للمترسمين برسم التصوف، وربما قال بعضهم: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقال لي كذا، وأمرني بكذا، فيعمل بِها معرضًا عن الحدود الموضوعة في الشريعة" (١٨).
ومن أمثلة ادّعاءاتهم في رؤية النبي ﷺ : دعوى ابن عربي أنه تلقى كتاب فصوص الحكم (١٩) من النبي ﷺ ، وأنه أمره أن يخرجه إلى الناس لينتفعوا به (٢٠) فقال في أول كتاب الفصوص: "أما بعد فإني رأيت رسول الله ﷺ في مُبَشِّرة أُرِيتُها في العشر الأواخر من المحرم سنة (٦٢٧ هـ) بمحروسة دمشق وبيده كتاب، فقال لي: هذا كتاب "فصوص الحكم" خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت: السمع والطاعة لله ورسوله وأولي الأمر منا" (٢١).
стр. 565
بقي أن نعلم بعد هذا: ما معنى كون الرؤيا جزء من أجزاء النبوة؟
الجواب عن هذا هو: أن معنى كون الرؤيا الصادقة أو الصالحة جزء من أجزاء النبوة أنَّها شابَهتها أو شاركتها في الصلاح والإخبار عن أمرٍ غيبي مستقبل (٢٢).
ولا يُفهم من هذا أن رؤيا الكافر إذا كانت صادقة -كرؤيا الملك التي فسرها له يوسف ﵇، وكذلك رؤيا صاحبيه في السجن- أنَّها تكون من أجزاء النبوة، فإن أكثر الروايات جاءت مقيدة بالمسلم أو المؤمن.
ثم إنه ليس كل من صدق في حديث عن غيب كان ذلك من أجزاء النبوة أو كان ذلك دليلًا على صلاحه واستقامته، وإلا لكان الكهان كذلك؟ !
قال أبو العباس القرطبي: "الرؤيا لا تكون من أجزاء النبوة إلا إذا وقعت من مسلم صادق صالح، وهو الذي يُناسب حاله حال النبي ﷺ فأُكرم بنوع مما أُكرم به الأنبياء، وهو الاطّلاع على شيء من علم الغيب، كما قال النبي ﷺ : "إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة في النوم، يراها الرجل الصالح أو تُرى له" (٢٣).
فإن الكافر والكاذب والمخلِّط -وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات- لا تكون من الوحي ولا من النبوة، إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة، وقد قدمنا أن الكاهن يُخبر بكلمة الحق وكذلك المنجم قد يحدِس فيصدق، لكن على الندور والقلَّة" (٢٤).