← Сияса и кади

Сияса и кади · id 12400

الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية

ابن الطقطقي

Полный текст (316 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

هنيئا لأصحاب السّيوف بطالة ... تقضى بها أوقاتهم في التنعم فكم فيهم من وادع العيش لم يهج ... لحرب ولم ينهد لقرن [١] مصمّم يروح ويغدو عاقدا في نجاده ... حساما سليم الحدّ لم يتثلم ولكن ذوو الأقلام في كلّ ساعة ... سيوفهم ليست تجفّ من الدم (طويل) وفيها يقول بعض الشعراء، حين قتل المتوكل وزيره محمد بن عبد الملك الزيات: يكاد القلب من جزع يطير ... إذا ما قيل: قد قتل الوزير أمير المؤمنين قتلت شخصا ... عليه رحاكم كانت تدور [٢] فمهلا يا بني العبّاس مهلا ... لقد كويت بغدركم الصّدور (وافر) إلا أنّها كانت دولة كثيرة المحاسن جمّة والمكارم. أسواق العلوم فيها قائمة وبضائع الآداب فيها نافقة، وشعائر الدين فيها معظّمة، والخيرات فيها دارّة [٣] ، والدّنيا عامرة، والحرمات مرعيّة، والثغور محصّنة، وما زالت على ذلك حتى كانت أواخرها فانتشر الجبر [٤] واضطرب الأمر، وانتقلت الدولة. وسيرد ذلك في موضعه مشروحا إن شاء الله تعالى. وهذا أوان الشروع في ذكر خليفة خليفة. أول خليفة ملك منهم: السفّاح هو أبو العبّاس عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بويع في سنة مائة واثنتين وثلاثين.

стр. 142

كان كريما حليما وقورا عاقلا كاملا، كثير الحياء حسن الأخلاق. ولما بويع واستوسق [١] له الأمر تتبّع بقايا بني أمية ورجالهم، فوضع السّيف فيهم. وفي بعض أيّامه كان جالسا في مجلس الخلافة، وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وقد أكرمه السفاح، فدخل عليه سديف الشاعر فأنشده: لا يغرنك ما ترى من رجال ... إنّ تحت الضّلوع داء دويّا [٢] فضع السّيف وارفع السّوط حتّى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا (خفيف) فالتفت سليمان وقال: قتلتني يا شيخ! ودخل السفّاح وأخذ سليمان فقتل. ودخل عليه شاعر آخر وقد قدّم الطعام، وعنده نحو سبعين رجلا من بني أميّة. فأنشده: أصبح الملك ثابت الآساس ... بالبهاليل [٣] من بني العبّاس طلبوا وتر [٤] هاشم فشفوها ... بعد ميل من الزّمان وياس لا تقيلنّ عبد شمس عثارا ... واقطعن كلّ رقلة [٥] وغراس ذلّها أظهر التودّد منها ... وبها منكم كحزّ المواسي [٦] ولقد غاظني وغاظ سوائي [٧] ... قربهم من نمارق وكراسي أنزلوها بحيث أنزلها الله ... بدار الهوان والإنعاس واذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس والقتيل الّذي بحرّان أضحى ... ثاويا بين غربة وتناس (خفيف)

стр. 143

فالتفت أحدهم إلى من بجانبه وقال: قتلنا العبد! ثمّ أمر بهم السفّاح فضربوا بالسيوف حتى قتلوا، وبسط النّطوع عليهم وجلس فوقهم فأكل الطعام، وهو يسمع أنين بعضهم، حتى ماتوا جميعا. وبالغ بنو العبّاس في استئصال شأفة بني أميّة [١] ، حتى نبشوا قبورهم بدمشق: فنبشوا قبر معاوية بن أبي سفيان- ﵁ فلم يجدوا فيه إلا خيطا مثل الهباء ونبشوا قبر يزيد. فوجدوا فيه حطاما كأنّه الرّماد. ولمّا قتل رجالهم واستصفى أموالهم قال: بني أمية قد أفنيت جمعكم ... فكيف لي منكم بالأوّل الماضي يطبّب النفس أنّ النار تجمعكم ... عوّضتم من لظاها شرّ معتاض منيتم- لا أقال الله عثرتكم- ... بليث غاب إلى الأعداء نهّاض إن كان غيظي لفوت منكم فلقد ... رضيت منكم بما ربّي به راض (بسيط) ثمّ لم تطل مدة السفّاح حتى مات بالأنبار [٢] ، في سنة مائة وست وثلاثين. شرح حال الوزارة في أيّامه لا بدّ قبل الخوض في ذلك من تقديم كلمات في هذا المعنى، فأقول: الوزير وسيط بين الملك ورعيته، فيجب أن يكون في طبعه شطر يناسب طباع الملوك، وشطر يناسب طباع العوامّ، ليعامل كلّا من الفريقين بما يوجب له القبول والمحبّة. والأمانة والصدق رأس ماله. قيل: إذا خان السفير بطل التّدبير. وقيل: ليس لمكذوب رأي. والكفاءة والشهامة من مهمّاته، والفطنة والتيقّظ والدّهاء والحزم من ضروريّاته. ولا يستغني أن يكون مفضالا مطعاما، ليستميل بذلك الأعناق، وليكون مشكورا بكلّ لسان. والرّفق والأناة والتّثبت في الأمور، والحلم والوقار والتمكّن ونفاذ القول، ممّا لا بدّ له منه.

стр. 144

لما استوزر الناصر وزيره مؤيد الدين محمّد بن برز القمّي خلع عليه خلع الوزارة ثمّ جلس القمّي في منصب الوزارة والناس جميعا بين يديه فبرز من حضرة الخليفة مكتوب لطيف في قدر الخنصر بخط يد الناصر، فقرئ على الجمع فكان فيه. «بسم الله الرحمن الرحيم. محمّد بن برز القمّي نائبنا في البلاد والعباد، فمن أطاعه فقد أطاعنا، ومن أطاعنا فقد أطاع الله، ومن أطاع الله أدخله الجنّة ومن عصاه فقد عصانا، ومن عصانا فقد عصى الله، ومن عصى الله أدخله النّار» . فنبل [١] القمّي بهذا التوقيع في عيون الناس، وجلّت مكانته، وقامت له الهيبة في الصّدور. والوزارة لم تمتهد قواعدها وتتقرّر قوانينها، إلا في دولة بني عبّاس. فأما قبل ذلك، فلم تكن مقنّنة القواعد، ولا مقرّرة القوانين بل كان لكل واحد من الملوك أتباع وحاشية، فإذا حدث أمر استشار بذوي الحجا [٢] والآراء الصّائبة، فكلّ منهم يجرى مجرى وزير. فلما ملك بنو العبّاس تقرّرت قوانين الوزارة وسمّي الوزير وزيرا، وكان قبل ذلك يسمّى كاتبا أو مشيرا. قال أهل اللغة: الوزير: الملجأ والمعتصم. والوزير. الثّقل فالوزير إما مأخوذ من الوزر فيكون معناه أن يحمل الثّقل، أو يكون مأخوذا من الوزر، فيكون المعنى أنه يرجع ويلجأ إلى رأيه وتدبيره. وكيف تقلّبت لفظة «وزر» كانت دالة على الملجأ والثّقل. أوّل وزير وزر لأوّل خليفة عباسيّ، حفص بن سليمان أبو سلمة الخلال. كان مولى لبني الحارث بن كعب. قيل في تلقيبه بالخلال ثلاثة أوجه: أحدها أنّ منزله بالكوفة كان قريبا من محلّة الخلالين [٣] . وكان يجالسهم فنسب إليهم، كما

стр. 145

نسب الغزّالي إلى الغزّالين، وكان يجالسهم كثيرا. ورأيت في تسمية الغزّاليّ وجها آخر: قيل: كان من رأيه الصّدقة على النساء العجائز اللواتي يحضرن إلى دار الغزل ليبعن غزلهنّ، فيرى ضعفهن وفقرهنّ ونزارة [١] مكسبهنّ، فيرقّ لهنّ فيتصدّق عليهنّ كثيرا، ويأمر بالصّدقة عليهنّ فنسب إلى ذلك. وثانيها، أنه كان له حوانيت يعمل فيها الخلّ فنسب إلى ذلك وثالثها أنها نسبة إلى خلل السّيوف، وهي أغمادها. كان أبو سلمة من مياسير [٢] أهل الكوفة، وكان ينفق ماله على رجال الدعوة وكان سبب وصلته إلى بني العبّاس أنه كان صهرا لبكير بن ماهان، وكان بكير بن ماهان كاتبا خصيصا بإبراهيم الإمام فلمّا أدركته الوفاة قال لإبراهيم الإمام إن لي صهرا بالكوفة يقال له أبو سلمة الخلال. قد جعلته عوضي في القيام بأمر دعوتكم. ثم مات فكتب إبراهيم الإمام إلى أبي سلمة يعلمه بذلك ويأمره بما يريد من أمر الدعوة وقام أبو سلمة بأمر دعوتهم قياما عظيما فلما سبر [٣] أحوال بني العبّاس عزم على العدول عنهم إلى بني عليّ- ﵇ فكاتب ثلاثة من أعيانهم: جعفر بن محمّد الصادق- ﵉ وعبد الله المحض بن حسن بن حسن ابن عليّ بن أبي طالب- ﵈ وعمر الأشرف بن زين العابدين- ﵇ وأرسل الكتب مع رجل من مواليهم، وقال له: اقصد أوّلا جعفر بن محمّد الصادق، فإن أجاب فأبطل الكتابين الآخرين، وإن لم يجب فالق عبد الله المحض، فإن أجاب فأبطل كتاب عمر، وإن لم يجب فالق عمر، فذهب الرسول إلى جعفر ابن محمّد- ﵇ أوّلا، ودفع إليه كتاب أبي سلمة فقال ما لي ولأبي سلمة وهو شيعة [٤] لغيري؟ فقال له الرسول: اقرأ الكتاب فقال الصادق- ﵇ لخادمه: أدن السّراج مني، فأدناه، فوضع الكتاب على النار حتّى احترق فقال

стр. 146

الرسول: ألا تجيبه؟ قال: قد رأيت الجواب. ثم مضى الرسول إلى عبد الله المحض ودفع إليه الكتاب فقرأه وقبله وركب في الحال إلى الصادق- ﵇ وقال: هذا كتاب أبي سلمة يدعوني فيه إلى الخلافة، قد وصل على يد بعض شيعتنا من أهل خراسان فقال له الصادق- ﵇: ومتى صار أهل خراسان شيعتك؟ أنت وجّهت إليهم أبا مسلم؟ هل تعرف أحدا منهم باسمه أو بصوته؟ فكيف يكونون شيعتك وأنت لا تعرفهم وهم لا يعرفونك؟ فقال عبد الله: كان هذا الكلام منك لشيء، فقال الصادق قد علم الله أني أوجب النّصح على نفسي لكلّ مسلم فكيف أدّخره عنك؟ فلا تمنّ نفسك الأباطيل، فإن هذه الدولة ستتمّ لهؤلاء وقد جاءني مثل الكتاب الّذي جاءك. فانصرف عبد الله غير راض. وأما عمر بن زين العابدين، فإنه ردّ الكتاب وقال: أنا لا أعرف صاحبه، فأجيبه، ثم غلب أبو سلمة على رأيه وعملت الدعوة عملها وبويع السفّاح ونمّ [١] الخبر إليه فحقدها على أبي سلمة وقتله. ذكر شيء من سيرته ومقتله كان أبو سلمة سمحا كريما مطعاما كثيرا، مشغوفا بالتنوّق [٢] في السّلاح والدوابّ، فصيحا عالما بالأخبار والأشعار والسّير والجدل والتفسير، حاضر الحجّة ذا يسار ومروءة ظاهرة فلما بويع السفّاح استوزره وفوّض الأمور إليه وسلّم إليه الدّواوين ولقّب وزير آل محمّد، وفي النفس أشياء. وخاف السفّاح إن هو قتل وزيره أبا سلمة أن يستشعر أبو مسلم ويتنمّر، فتلطف لذلك، وكتب إلى أبي مسلم كتابا يعلمه فيه بما عزم عليه أبو سلمة من نقل الدولة عنهم، ويقول له: إنّني قد وهبت جرمه لك- وباطن الكتاب يقتضي تصويب الرأي في قتل أبي سلمة- وأرسل الكتاب مع أخيه المنصور. فلمّا قرأ أبو مسلم الكتاب فطن لغرض السفّاح. فأرسل قوما من أهل خراسان قتلوا أبا سلمة، فقال الشاعر:

стр. 147

إنّ الوزير وزير آل محمد ... أودى [١] ، فمن يشناك [٢] كان وزيرا إنّ السلامة قد تبين وربما ... كان السرور بما كرهت جديرا (كامل) واختلفوا فيمن وزر للسفّاح بعده. فقيل: أبو الجهم. وقيل: عبد الرحمن. فأما أبو الجهم فوزر للسفاح مدّة، فلما أفضت الخلافة إلى المنصور كان في نفسه منه أمور فسمّه في سويق [٣] اللّوز فلما أحسّ بالسمّ قام ليذهب، فقال له المنصور: إلى أين؟ قال: إلى حيث بعثتني يا أمير المؤمنين. وأمّا الصّولي [٤] فقال: إنّ السفّاح استوزر بعد أبي سلمة خالد بن برمك. ذكر وزارة خالد بن برمك وشيء من سيرته هذا خالد هو جدّ البرامكة. وفي تلك الأيام نبغت الدولة البرمكيّة وامتدت إلى أن انقضت في أيام الرّشيد. وكان خالد بن برمك من رجال الدولة العبّاسيّة فاضلا جليلا كريما، حازما يقظا استوزره السفّاح وخفّ على قلبه، وكان يسمّى وزيرا. وقيل: إنّ كلّ من استوزره بعد أبي سلمة كان يتجنب أن يسمّى: وزيرا، تطيّرا ممّا جرى على أبي سلمة ولقول من قال: إنّ الوزير وزير آل محمّد ... أودى فمن يشناك كان وزيرا (كامل) قالوا: فكان خالد بن برمك يعمل عمل الوزراء ولا يسمّى وزيرا.

стр. 148

كان خالد عظيم المنزلة عند الخلفاء قيل: إنّ السفّاح قال له يوما: يا خالد ما رضيت حتى استخدمتني! ففزع خالد وقال: كيف يا أمير المؤمنين وأنا عبدك وخادمك؟ فضحك وقال: إن «ريطة» ابنتي تنام مع ابنتك في مكان واحد، فأقوم بالليل فأجدهما قد سرح [١] الغطاء عنهما، فأردّه عليهما فقبّل خالد يده وقال: مولى يكتسب الأجر في عبده وأمته [٢] . وكثر الوافدون على باب خالد بن برمك، ومدحه الشّعراء، وانتجعه [٣] الناس وكان الوافدون قبل ذلك يسمّون سؤّالا، فقال خالد: إنّي أستقبح هذا الاسم لمثل هؤلاء وفيهم الأشراف والأكابر. فسمّاهم، الزوّار. وكان خالد أوّل من سمّاهم بذلك. فقال له بعضهم: والله ما ندري أيّ أياديك عندنا أجلّ أصلتنا أم تسميتنا؟ إن أول من فعل ذلك المساور بن النعمان، في دولة بني أميّة. ولما بنى المنصور مدينة بغداد. «بغداد» عظمت النفقة عليه، فأشار عليه أبو أيّوب الموريانيّ بهدم إيوان كسرى [٤] واستعمال أنقاضه. فاستشار المنصور خالد بن برمك في ذلك فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنه آية الإسلام. فإذا رآه الناس علموا أنّ مثل هذا البناء لا يزيله إلا أمر سماويّ. وهو مع ذلك مصلّى عليّ بن أبي طالب- ﵇ والمؤنة في نقضه أكثر من نفعه. فقال له المنصور: أبيت يا خالد إلا ميلا إلى العجميّة! ثم أمر المنصور بهدمه فهدمت منه ثلمة [٥] ، فبلغت النفقة عليها أكثر ممّا حصل منها. فأمسك المنصور عن هدمه وقال: يا خالد: قد صرنا إلى رأيك وتركنا هدم الإيوان، قال يا أمير المؤمنين: أنا الآن أشير بهدمه، لئلا يتحدث الناس أنّك عجزت عن هدم ما بناه غيرك. فأعرض عنه وأمسك عن هدمه- كتب بعض الشّعراء إلى خالد بن برمك في يوم

стр. 149

نوروز [١]- وقد أهدى الناس إلى خالد هدايا فيها جامات [٢] من فضّة وذهب ليت شعري أما لنا منك حظّ ... يا هدايا الوزير في النّوروز ما على خالد بن برمك في الجو ... د نوال ينيله بعزيز ليت لي جام فضّة من هداياه ... ، سوى ما به الأمير مجيزي (خفيف) فأمر له بجميع ما كان حاضرا بين يديه من الجامات والأواني الفضيّة والذهبيّة فبلغت مالا جليلا. ولما تولى المنصور الخلافة أقرّه على وزارته، وأكرمه واستشاره. انقضت وزارة السفّاح، وبانقضائها انقضى الكلام على دولته. ثمّ ملك بعد أخوه أبو جعفر المنصور بويع في سنة مائة وستّ وثلاثين. ذكر شيء من سيرته، وما وقع في أيّامه من الحوادث والوقائع. كان المنصور من عظماء الملوك وحزمائهم وعقلائهم وعلمائهم، وذوي الآراء الصائبة منهم والتدبيرات السديدة، وقورا شديد الوقار، حسن الخلق في الخلوة، من أشدّ الناس احتمالا لما يكون من عبث أو مزاح، فإذا لبس ثيابه وخرج إلى المجلس العامّ، تغير لونه واحمرّت عيناه، وانقلبت جميع أوصافه. قال يوما لبنيه: يا بنيّ: إذا رأيتموني قد لبست ثيابي وخرجت إلى المجلس، فلا يدنونّ أحد منّي مخافة أن أعرّه [٣] بشيء. قالوا: وكان المنصور يلبس الخشن وربّما رقع قميصه. وقيل ذلك لجعفر بن محمّد الصادق- ﵉ فقال: الحمد للَّه الّذي ابتلاه بفقر نفسه في ملكه. قالوا: ولم يكن يرى في دار المنصور لهو ولعب أو ما يشبه اللهو واللّعب.

стр. 150

حدّث بعض مواليه قال: كنت مرة واقفا على رأسه فسمع صوتا عاليا، فقال: انظر ما الصّوت؟ قال: فنظرت فإذا هو بعض خدمه يلعب بالطّنبور [١] ، وحوله جماعة من جواريه يضحكن منه. قال: فأخبرته الخبر، فتنمّر وقال: وأيّ شيء يكون الطّنبور؟ قال: فوصفته له، فقال: وأنت ما يدريك بالطّنبور؟ قلت: يا أمير المؤمنين رأيته بخراسان. فقام المنصور حتّى جاء إلى الخادم، فلما بصر به الجواري تفرّقن فأمر فضرب رأس الخادم بالطّنبور حتّى تكسّر الطّنبور، ثمّ أخرجه فباعه. وكان المنصور من أشدّ الناس شغفا بابنه المهديّ، فكان إذا جنى أحد جناية أو أخذ من أحد مالا، جعله في بيت المال مفردا وكتب عليه اسم صاحبه، فلما أدركته الوفاة قال لابنه المهديّ: يا بنيّ إنّي قد أفردت كلّ شيء أخذته من النّاس على وجه الجناية والمصادرة، وكتبت عليه أسماء أصحابه. فإذا وليت أنت فأعده على أربابه ليدعو لك النّاس ويحبّوك. قال يزيد بن عمر بن هبيرة [٢] : ما رأيت رجلا في حرب أو سلم أمكر ولا أنكر ولا أشدّ تيقظا من المنصور. لقد حاصرني تسعة شهور ومعي فرسان العرب، فجهدنا كلّ الجهد حتّى ننال من عسكره شيئا فما قدرنا لشدّة ضبطه لعسكره وكثرة تيقّظه. ولقد حصرني وما في رأسي شعرة بيضاء، ثم انقضى ذلك وما في رأسي شعرة سوداء. واعلم أنّ المنصور هو الّذي أصّل الدّولة، وضبط المملكة، ورتّب القواعد وأقام النّاموس، واخترع أشياء. فمن جملة ما اخترع: فرس النّوبة، ولم يكن الملوك قبله يعرفون ذلك، وسبب ذلك يأتي فيما بعد. ومن جملة ما اخترع: عمل الخيش الكتّان في الصّيف، ولم يكن الناس قبله يعرفون ذلك. وكان الأكاسرة يطيّنون كلّ يوم من أيّام الصّيف بيتا يسكنونه، ثمّ في الغد يطيّن بيت آخر.

стр. 151

وكان المنصور مبخّلا يضرب بشحّه الأمثال. وقيل كان كريما: وإنه لمّا حجّ أفضل على أهل الحجاز، فكان يسمّون عامه عام الخصب. والصّحيح أنّه كان رجلا حازما يعطي في موضع العطاء، ويمنع في موضع المنع. وكان المنع عليه أغلب. وجرى في أيامه شيء طريف: وهو أنّ قوما من أهل خراسان يقال لهم: الراونديّة كانوا يقولون بتناسخ الأرواح، ويزعمون أنّ روح آدم انتقلت إلى فلان- رجل من كبارهم- وأنّ ربّهم الّذي يطعمهم ويسقيهم هو المنصور وأنّ جبرائيل هو فلان- عن رجل آخر- فلمّا ظهروا أتوا قصر المنصور فطافوا حوله، وقالوا: هذا قصر ربّنا. فأخذ المنصور رؤساءهم فحبس منهم مائتي رجل، فغضب الباقون واجتمعوا. وفتحوا السّجون وأخرجوا أصحابهم منها، وقصدوا المنصور وحاربوه. فخرج المنصور إليهم ماشيا، ولم يكن في بابه في ذلك الوقت دابّة، فصار بعد ذلك اليوم تربط له دابّة في باب القصر لا تزال واقفة، وصارت تلك سنّة للخلفاء بعده وللملوك. فلما خرج المنصور أتي بدابّة فركبها وهو يريدهم حتّى تكاثروا عليه، وكادوا يقتلونه. وجاء معن بن زائدة [١] وكان مستخفيا من المنصور، جاء متلثما، ووقف بين يدي المنصور والمنصور لا يعرفه فقاتل بين يديه قتالا شديدا وأبلى بلاء حسنا. وكان المنصور راكبا على بغلة ولجامها بيد حاجبه الرّبيع، فأتى معن وقال: تنحّ فأنا أحقّ منك بهذا اللجام في هذا الوقت. فقال المنصور: صدق، ادفع اللجام إليه فلم يزل يقاتل حتّى انكشفت الحال وظفر بالراونديّة، فقال له المنصور: من أنت؟ قال: طلبتك [٢] يا أمير المؤمنين معن بن زائدة. فقال قد آمنك الله على نفسك وأهلك ومالك، ومثلك يصطنع [٣] . وأحسن إليه وولاه اليمن. والمنصور هو الّذي بنى مدينة بغداد.

стр. 152

شرح كيفيّة الحال في بناء بغداد كان المنصور قد بنى في أوائل دولتهم مدينة بنواحي الكوفة وسمّاها- «الهاشميّة» - ووقعت واقعة الرّاونديّة فيها، فكره سكناها لذلك، ولمجاورة أهل الكوفة فإنّه كان لا يأمنهم على نفسه، وكانوا قد أفسدوا جنده. فخرج بنفسه يرتاد بغداد كما بناها أبو جعفر المنصور، نقلا عن مذكرات جامعية للمحقق عام/ ١٩٥٥/ م، ممّا رسمه الدكتور شاكر مصطفى لطلابه على سبورة قائمة المحاضرات في كلية الآداب في الجامعة السورية بدمشق.

стр. 153

له موضعا يسكنه ويبني فيه مدينة له ولعياله، ولأهله ولجنده. فانحدر إلى جرجرايا [١] وأصعد إلى الموصل، ثمّ أرسل جماعة من الحكماء ذوي اللبّ والعقل وأمرهم بارتياد موضع، فاختاروا له مدينته التي تسمّى: مدينة المنصور. وهي بالجانب الغربيّ قريبة من مشهد موسى والجواد- ﵉ فحضر إلى هناك واعتبر [٢] المكان ليلا ونهارا فاستطابه، وبنى به المدينة. ومن طريف ما اتّفق من ذلك، أنّ راهبا من رهبان الدير المعروف بدير الرّوم سأل بعض أصحاب المنصور: من يريد أن يبني في هذا الموضع مدينة؟ فقال له ذلك الرجل: أمير المؤمنين المنصور خليفة الناس. قال: ما اسمه؟ قال: عبد الله. قال: فهل له اسم غير هذا؟ قال: اللَّهمّ لا، إلا أن كنيته أبو جعفر، ولقبه المنصور. قال الراهب: فاذهب إليه وقل له: لا يتعب نفسه في بناء هذه المدينة، فإنّا نجد في كتبنا أن رجلا اسمه مقلاص يبني ها هنا مدينة ويكون لها شأن من الشأن، وأنّ غيره لا يتمكّن من ذلك. فجاء ذلك الرّجل إلى المنصور وأخبره بما قال الرّاهب فنزل المنصور عن دابّته وسجد طويلا ثمّ قال: أما والله كان اسمي مقلاصا وكان هذا اللقب قد غلب عليّ ثمّ ذهب عنّي. وذاك أنّ لصّا كان في صباي يسمّى مقلاصا وكان تضرب به الأمثال، وكانت لنا عجوز تربيني، فاتّفق أنّ صبيان المكتب جاءوا يوما إليّ وقالوا لي: نحن اليوم أضيافك. ولم يكن معي ما أنفقه عليهم. وكان للعجوز غزل فأخذته وبعته بما أنفقته عليهم، فلمّا علمت أني سرقت غزلها سمّتني مقلاصا. وغلب هذا اللقب عليّ ثمّ ذهب عنّي. والآن عرفت أني أبني هذه المدينة. ونبّهه بعض عقلاء النّصارى على فضيلة مكانها فقال: يا أمير المؤمنين تكون على الصّراة بين دجلة مع الفرات، فإذا حاربك أحد كانت دجلة والفرات خنادق لمدينتك ثمّ إنّ الميرة [٣] تأتيك في دجلة من ديار بكر [٤] تارة، ومن البحر

стр. 154

والهند والصّين والبصرة، وفي الفرات من الرقّة والشأم، وتجيئك الميرة أيضا من خراسان وبلاد العجم في شطّ تامرّا. وأنت يا أمير المؤمنين: بين أنهار، لا يصل عدوّك إليك إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطعت الجسر أو أخربت القنطرة، لم يصل إليك عدوّك. وأنت متوسّط للبصرة والكوفة، وواسط والموصل والسّواد. وأنت قريب من البرّ والبحر والجبل. فازداد المنصور جدّا وحرصا على بنائها، وكاتب الأطراف بإنفاذ [١] الصنّاع والفعلة وأمر باختيار قوم من ذوي العدالة والعقل والعلم والأمانة والمعرفة بالهندسة ليتولّوا قسمة المدينة وعملها، وشرع فيها سنة خمس وأربعين ومائة. وكان أبو حنيفة [٢]﵁ صاحب المذهب يعدّ اللّبن والآجرّ وهو الّذي اخترع عدّه بالقصب اختصارا وجعل المنصور عرض السّور من أساسه خمسين ذراعا، ومن أعلاه عشرين ذراعا، ووضع بيده أوّل لبنة وقال: بسم الله والحمد للَّه إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها من يَشاءُ من عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.. ٧: ١٢٨ [٣] ثمّ قال: ابنوا فابتدأ بها سنة خمس وأربعين ومائة، وتمّمها في سنة ستّ وأربعين ومائة، وجعلها مدوّرة وجعل قصره في وسطها لئلا يكون أحد أقرب إليه من الآخر. وبلغ الخرج عليها أربعة ألف ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثين درهما. ولما فرغت حاسب القوّاد بما كان حوّل عليهم لعمارتها، فألزمهم بالبواقي حتّى استوفى من بعضهم ما اقتضاه الحساب خمسة عشر درهما. أسماؤها: يقال: بغداد، وكان هناك موضع يسمى: بغداد فسمّيت المدينة باسمه ويقال: بغداذ بالذال المعجمة، ويقال بغدان بالنون، ويقال: الزّوراء وكان موضعها يسمّى الزوراء قديما، وقيل: لأن قبلتها غير مستقيمة، ويحتاج المصلّى في مسجدها الجامع أن ينحرف إلى جهة اليسار قليلا. ويقال: مدينة المنصور.

стр. 155

ويقال: دار السّلام. وقيل: إنّها مدينة مباركة مسعودة، لم يمت فيها خليفة قطّ. فمدينة المنصور هي بغداد القديمة، وهذه بغداد التي هي بالجانب الشرقيّ، استجدّت بعد ذلك. وهو الّذي فعل ببني الحسن ما فعل- أخذ مشايخ السادات منهم- وهم عبد الله المحض بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب- ﵈ وكان شيخ الطالبيّين في عصره، وبنيه وإخوته سادات بني الحسن- ﵈ فحبسهم عنده وماتوا في حبسه. روي أنه خرج حاجبه فقال: من كان على الباب من بني الحسين فليدخل فدخل مشايخ بني الحسين ﵈ ثمّ خرج فقال: من كان بالباب من بني الحسن فليدخل. فدخل مشايخ بني الحسن ﵈ فعدل بهم إلى مقصورة ثم أدخل الحدّادين من باب آخر فقيّدهم وحملهم إلى العراق فحبسهم حتّى ماتوا في حبسه من الكوفة، لا جزاه الله خيرا عن فعله. ومن طريف ما وقع في ذلك، أنّ رجلا من بني الحسن- ﵇ جاء حتّى وقف على المنصور، فقال: ما جاء بك؟ قال: جئت حتّى تحبسني عند أهلي فإنّي لا أريد الدّنيا بعدهم، فحبسه معهم. وكان ذلك الرجل عليّ بن حسن بن حسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب. وكان منهم محمّد بن إبراهيم بن الحسن ابن الحسن بن عليّ بن أبي طالب.﵈ وكان من أحسن الناس صورة، وكان يسمّى الديباج الأصفر لحسنه وجماله فأحضره المنصور وقال له: أنت الدّيباج الأصفر؟ قال: كذا يقولون. قال: لأقتلنّك قتلة لم أقتلها أحدا، ثمّ أمر به فبنى عليه أسطوانة وهو حيّ، فمات فيها.

стр. 156

ذكر السّبب في فعل المنصور ما فعل ببني الحسن ﵈ كان بنو هاشم الطالبيّون والعبّاسيّون قد اجتمعوا في ذيل [١] دولة بني أميّة وتذكروا حالهم وما هم عليه من الاضطهاد، وما قد آل إليه أمر بني أميّة من الاضطراب وميل الناس إليهم ومحبتهم لأن تكون لهم دعوة ثم قالوا لا بدّ لنا من رئيس نبايعه. واتّفقوا على أن يدعوا الناس سرا ثم قالوا: لا بدّ لنا من رئيس نبايعه فاتفقوا على مبايعة «النفس الزكيّة» محمّد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب- ﵈ وكان من سادات بني هاشم ورجالهم، فضلا وشرفا وعلما. وكان هذا المجلس قد حضره أعيان بني هاشم علويّهم وعباسيّهم، فحضره من أعيان الطالبيّين- الصّادق جعفر بن محمد- ﵉ وعبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، وابناه محمّد «النفس الزكيّة» وإبراهيم قتيل باخمرى [٢] ، وجماعة من الطالبيّين. ومن أعيان العبّاسيّين- السفّاح والمنصور، وغيرهما من آل العبّاس فاتّفق الجميع على مبايعة «النفس الزكية» إلا الإمام جعفر بن محمّد الصادق، فإنه قال لأبيه عبد الله المحض: إنّ ابنك لا ينالها- يعني الخلافة- ولن ينالها إلا صاحب القباء [٣] الأصفر- يعني المنصور وكان على المنصور حينئذ قباء أصفر. قال المنصور فرتّبت العمال في نفسي من تلك السّاعة. ثمّ اتّفقوا على مبايعة النفس الزكيّة فبايعوه ثم ضرب الدّهر ضربه، وانتقل الملك إلى بني العبّاس كما تقدّم شرحه، ثم انتقل من السفّاح إلى المنصور فلم يكن له همّة سوى طلب «النفس الزكية» ليقتله أو ليخلعه. وأغراه بذلك أنّ الناس كانوا شديدي الميل إلى النفس الزكيّة، وكانوا يعتقدون فيه الفضل والشّرف والرّئاسة فطلبه المنصور من أبيه عبد الله المحض- وكان عبد الله المحض من رجال بني هاشم وساداتهم- فألزمه المنصور بإحضار ابنيه محمّد النفس الزكيّة

стр. 157

وإبراهيم، فقال لا علم لي بهما. وكانا قد تغيّبا خوفا منه. فلمّا طوّل القول لأبيهما عبد الله قال: كم تطول!! والله لو كانا تحت قدميّ لما رفعتهما عنهما. سبحان الله! آتيك بولدي لتقتلهما! فقبض عليه وعلى أهله من بني الحسن، وكان من أمرهم ما تقدّم شرحه- ﵃ وسلّم عليهم. شرح خروج النّفس الزكيّة هو محمّد بن عبد الله المحض بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ﵈ . كان النفس الزكيّة من سادات بني هاشم ورجالهم فضلا وشرفا ودينا وعلما وشجاعة، وفصاحة ورياسة وكرامة ونبلا. وكان في ابتداء الأمر قد شيع بين الناس أنّه «المهديّ» الّذي بشّر به، وأثبت أبوه هذا في نفوس طوائف من الناس وكان يروى أنّ الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- قال: «لو بقي من الدّنيا يوم لطوّل الله ذلك اليوم، حتّى يبعث فيه مهديّنا أو قائمنا، اسمه كاسمي واسم أبيه كاسم أبي» فأمّا الإماميّة: فيروون هذا الحديث خاليا «من اسم أبيه كاسم أبي» . فكان عبد الله المحض يقول للناس عن ابنه محمّد: هذا هو المهديّ الّذي بشّر به. هذا محمّد بن عبد الله. ثم ألقى الله محبّته على الناس فمالوا إليه كافّة، ثمّ عضد ذلك أنّ أشراف بني هاشم بايعوه ورشّحوه للأمر، فقدّموه على نفوسهم فزادت رغبته في طلب الأمر. وزادت رغبة الناس فيه، وما زال متغرّبا منذ أفضت الدولة إلى بني العبّاس خوفا منهم على نفسه. فلمّا علم بما جرى لوالده ولقومه ظهر بالمدينة وأظهر أمره، وتبعه أعيان المدينة، ولم يتخلف عنه إلا نفر يسير، ثم غلب على المدينة وعزل عنها أميرها من قبل المنصور، ورتّب عليها عاملا وقاضيا، وكسر أبواب السّجون وأخرج من بها، واستولى على المدينة. ومنذ خرج محمّد بن عبد الله وفعل ما فعل بالمدينة توجّه رجل يقال له: «أوس العامريّ» من المدينة إلى المنصور في تسعة أيّام وقدم ليلا، فوقف على أبواب المدينة فصاح حتّى علموا به فأدخلوه فقال الربيع الحاجب: ما حاجتك في هذه

стр. 158

الساعة وأمير المؤمنين نائم؟ قال لا بدّ لي منه. فدخل الربيع وأخبر المنصور خبره وأدخله إليه، فقال: يا أمير المؤمنين، خرج محمد بن عبد الله بالمدينة وفعل وصنع. قال: أنت رأيته؟ قال: نعم وعاينته على منبر رسول الله- صلوات الله عليه وسلامه- وخاطبته. فأدخله المنصور بيتا. ثمّ تواترت الأخبار عليه بذلك فأخرجه وقال له: سوف أفعل معك وأصنع وأغنيك. في كم ليلة وصلت من المدينة قال: في تسع ليال، فأعطاه تسعة آلاف درهم. ثمّ قام المنصور وقعد، وتراخت المدّة حتى تكاتبا وتراسلا. فكتب كلّ واحد منهما إلى صاحبه كتابا نادرا معدودا من محاسن الكتب، احتجّ فيه وذهب في الاحتجاج كلّ مذهب. وفي آخر الأمر ندب ابن أخيه عيسى بن موسى لقتاله، فتوجّه إليه عيسى بن موسى في عسكر كثيف، فالتقوا في موضع قريب من المدينة، فكانت الغلبة لعسكر المنصور، فقتل محمد بن عبد الله وحمل رأسه إلى المنصور، وذلك في سنة خمس وأربعين ومائة، ثم خرج أخوه إبراهيم بن عبد الله قتيل «باخمرى» بالبصرة. شرح كيفيّة الحال في ذلك على سبيل الاختصار كان إبراهيم بن عبد الله في حال تغيّبه يحضر إلى عسكر المنصور متخفّيا وربّما جلس على السّماط، وكان المنصور شديد الطلب له. فخرج من مدينة المنصور ومضى إلى البصرة وأظهر أمره ودعا إلى نفسه، فتبعه جماعة وكثرت جموعه. فأرسل المنصور ابن أخيه عيسى بن موسى بعد رجوعه من قتل النفس الزكيّة، فتوجّه عيسى بن موسى إليه بخمسة عشر ألف مقاتل، فالتقوا بقرية يقال لها: «باخمرى» قريبة من الكوفة فكانت الغلبة لعسكر المنصور، وقتل إبراهيم في المعركة، وذلك في سنة خمس وأربعين ومائة (رحمه الله تعالى) . وكانت أيّام المنصور ذات فتوق [١] وأحداث، فممّن خرج عليه، عمّه عبد الله بن عليّ وكان السفّاح أرسله إلى قتال مروان الحمار كما تقدّم شرحه، ثمّ مات

стр. 159

السفّاح وتولّى المنصور الخلافة وعبد الله بن عليّ بالشأم، فطمع في الخلافة وخطب الناس وقال إنّ السفّاح ندب بني العبّاس لقتال مروان فلم ينتدب غيري، وإنّه قال لي: إن ظهرت عليه وكانت الغلبة لك، فأنت وليّ العهد بعدي، وشهد له جماعة بذلك، فبايعه الناس. ولما اتّصل الخبر بالمنصور أقامه ذلك وأقعده، فقال له أبو مسلم الخراسانيّ: إن شئت جمعت ثيابي في منطقتي وخدمتك، وإن شئت أتيت خراسان، وأمددتك بالجنود وإن شئت سرت إلى حرب عبد الله بن عليّ، فأمره بالمسير إلى حرب عبد الله، فسار أبو مسلم بعسكر كثيف فتطاول الأمد بينهما شهورا. كانت في آخرها الغلبة لعسكر أبي مسلم، فهرب عبد الله بن عليّ إلى البصرة ونزل على أخيه سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس، فشفع سليمان فيه إلى المنصور، وطلب له الأمان فآمنه المنصور، وكتب له كتابا بليغا التزم فيه بكلّ شيء. فلما جاء إليه حبسه ومات في حبسه، فقيل: إنّه بنى له بيتا وجعل أساساته ملحا، ثمّ أجرى الماء فيه فسقط البيت عليه فمات، والمنصور هو الّذي قتل أبا مسلم الخراسانيّ. شرح الحال في ذلك كان في نفس المنصور قديما حزازات [١] من أبي مسلم، وكان بينهما تباغض. وقد كان المنصور أشار على أخيه السفّاح بقتله فامتنع السفّاح وقال: كيف يكون ذلك مع حسن بلائه في دولتنا، فلما ولي المنصور الخلافة أرسل أبا مسلم إلى الشأم لحرب عمّه عبد الله بن عليّ بن العبّاس كما تقدّم شرحه، فلمّا ظفر أبو مسلم وغنم جميع ما كان في عسكر عبد الله بن عليّ، وانهزم عبد الله إلى البصرة، أرسل المنصور بعض خدمه ليحتاط على ما في العسكر من الأموال فغضب أبو مسلم وقال: أمين على الدّماء خائن في الأموال! وشتم المنصور، وكتب بعض أصحاب الأخبار بذلك إلى المنصور وعزم أبو مسلم على الخلاف وأن يتوجّه

стр. 160

إلى خراسان ولا يحضر عند المنصور، فخاف المنصور أن يتوجّه أبو مسلم إلى خراسان بهذه الصّفة فتفسد عليه الأمور هناك. وكان أبو مسلم رجلا مهيبا داهية شجاعا لبيبا جريئا على الأمور، فطنا عالما قد سمع الحديث [١] وعلم أن من كل شيء. فكتب إليه المنصور يطيّب نفسه ويسكّنه ويعده الجميل، ويستدعي منه الحضور. فأجاب بأنّي على الطاعة، وأنّي متوجّه إلى خراسان فإن أصلحت نفسك كنت سامعا مطيعا، وإن أبيت إلا أن تعطي نفسك سؤلها كنت قد نظرت لنفسي بالحال التي تقارنها السّلامة! فاشتدّ خوف المنصور منه وحنقه عليه، وكتب إليه كتابا معناه: إنّك لست في نظرنا بهذه الصّفة التي قد وسمت بها نفسك، وإنّ حسن بلائك في دولتنا يغنيك عن هذا القول. واستدعى منه الحضور وقال لوجوه بني هاشم: اكتبوا أنتم أيضا إليه فكتبوا إليه يقبّحون عليه خلاف المنصور ومشاقّته ويحسّنون له الحضور عنده والاعتذار إليه، وأرسل المنصور الكتب على يد رجل عاقل من أصحابه، وقال له: امض إليه وحدّثه ألين حديث تحدّثه أحدا، فإن رجع فارجع به حتى تقدم به عليّ، وإن أصرّ على المشاقّة [٢] وصمّم على التوجّه، وأيست منه ولم يبق لك حيلة، فقل له: يقول لك فلان: لست من العباس وبرئت من محمد إن مضيت على هذه الحال، ولم تعد أن يتولّى حربك غيري، وعليّ كذا وكذا إن لم أتولّ أنا ذلك بنفسي. فمضى الرسول إليه وناوله الكتب فقرأها، والتفت إلى صديق له يقال له: مالك بن الهيثم وقال له: ما الرأي؟ قال: الرأي ألا ترجع إليه، فإنك إن رجعت إليه قتلك، وإن مضيت على طريقك حتى تصل إلى الرّيّ [٣] وهم جندك فتقيم وتنظر في أمرك. فإن حدث لك حادث، كانت خراسان من ورائك. فعزم أبو مسلم على ذلك وقال للرسول: قل لصاحبك: إنّه ليس من رأيي الحضور عندك، وأنا متوجّه إلى

стр. 161

خراسان. فقال له الرسول: يا أبا مسلم: أنت ما زلت أمين آل محمّد، فأنشدك الله ألا تسم نفسك بسمة العصيان والشّقاق. والرأي أن تحضر عند أمير المؤمنين وتعتذر إليه فلن ترى عنده إلا ما تحبّ. فقال له أبو مسلم: متى كنت تخاطبني بمثل هذا الخطاب؟ فقال الرجل: سبحان الله! أنت دعوتنا إلى ولاية هؤلاء القوم ونصرهم، وقلت لنا من خالفهم فاقتلوه. فلمّا دخلنا معك فيما ندبتنا إليه [١] ، رجعت عنه وأنكرته علينا! فقال أبو مسلم: هو ما قلت لك، ولست أرجع. فقال له: فليس عندك غير هذا؟ قال: نعم. فخلا به وأبلغه ما قال المنصور، فوجم وأطرق ساعة ثمّ قال: أرجع وأعتذر إليه. ورجع. ثم سلّم عسكره إلى بعض أصحابه وقال له: إن جاءك كتابي، وهو مختوم بنصف خاتمي فهو كتابي: وإن كان مختوما بكلّ الخاتم فاعلم أنه ليس ختمي. وأوصاه بما أراد. ثمّ سار إلى المنصور فلقيه بالمدائن. فلما علم المنصور بوصوله أمر الناس جميعا بتلقّيه، فلما دخل عليه قبّل يده فأدناه منه وأكرمه، ثمّ أمره بأن يعود إلى خيمته ويستريح، ويدخل الحمّام ويعود من الغد. فمضى فلمّا أصبح أتاه رسول المنصور يستدعيه، وقد أعدّ المنصور جماعة من أصحابه خلف السّتور بأيديهم السّلاح فأوصاهم أنّه إذا ضرب بإحدى يديه على الأخرى يخرجون فيقتلون أبا مسلم. فلمّا دخل أبو مسلم عليه قال له: أخبرني عن سيفين وجدتهما في عسكر عبد الله بن عليّ فقال أبو مسلم: هذا أحدهما- وكان في يده سيف- فأخذه المنصور ووضعه تحت مصلاه، ثمّ شرع في توبيخه وتقريعه على ذنب ذنب، وأبو مسلم يعتذر عن كلّ واحد بعذر. فعدّد عليه عدّة ذنوب، فقال أبو مسلم: يا أمير المؤمنين مثلي لا يقال له هذا ولا تعدّد عليه مثل هذه الذنوب بعد ما فعلت فاغتاظ المنصور وقال أنت فعلت! والله لو كانت مكانك أمة سوداء [٢] لفعلت ما فعلت، وهل نلت ما نلت إلا بنا وبدولتنا؟ فقال أبو مسلم: دع هذا فقد أصبحت لا أخشى غير الله، فضرب المنصور بيده على

стр. 162

الأخرى فخرج أولئك النّفر وخبطوه بالسّيوف، فصاح: استبقني يا أمير المؤمنين لعدوّك، فقال المنصور: وأيّ عدوّ لي أعدى منك؟ ثمّ أمر به فلفّ في بساط. ودخل عيسى بن موسى فقال: أين أبو مسلم يا أمير المؤمنين، فقال المنصور: هو ذاك في البساط، فقال: قتلته؟ قال: نعم قال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦، بعد بلائه وفعله وأمانه! وكان المنصور قد آمنه وكفّل عيسى بن موسى على ذلك، فقال له المنصور: خلع الله قلبك! والله ليس لك على وجه الأرض عدوّ أعدى منه وهل كان لكم ملك في حياته؟ ثمّ أمر المنصور بمال لجنده فتفرّقوا، وتصرّف المنصور في خراسان. وذلك في سنة سبع وثلاثين ومائة. وفي عقب قتل أبي مسلم خرج رجل اسمه سنباذ بخراسان يطلب بثأر أبي مسلم الخراسانيّ. شرح كيفيّة الحال في ذلك على سبيل الاختصار كان هذا سنباذ رجلا مجوسيّا من بعض قرى نيسابور [١] ، وكان من أصحاب أبي مسلم وصنائعه. فظهر غضبا لقتل أبي مسلم، وكثر أشياعه، وأطاعه أكثر أهل الجبال، وغلب على كثير من بلاد خراسان. فلمّا بلغ المنصور خبره أرسل إليه عشرة آلاف فارس، فالتقوا بين همذان والريّ، وكان هذا سنباذ قد أفسد في البلاد التي غلب عليها فسادا كثيرا وسبى الذّراريّ، وأظهر أنّه يريد أن يمضي إلى الحجاز ويهدم الكعبة فلما التقى هو وعسكر المنصور، كان سنباذ قد أخذ معه عدّة من النّساء المسلمات اللواتي قد سباهنّ وهنّ على جمال، فأمر سنباذ بإخراج النساء المسبيّات قدّام عسكره فخرج النّساء حواسر [٢] على الجمال، وصحن صيحة واحدة وا محمّداه! فنفرت الجمال وكرّت راجعة على عسكر سنباذ ففرّقتهم، فتبعها

стр. 163

عسكر المنصور ودخلوا خلف الجمال فوضعوا فيهم السّيوف وأبادوهم قتلا. وكان عدّة القتلى نحوا من ستين ألفا. وقد دلّ الاستقراء على أنّ من اخترع دولة وأحدثها لم يستمتع بها في أغلب الأحوال. قال صلوات الله عليه: «لا تتمنّوا الدّول فتحرموها» وكأنّ المخترع للدولة يكون عنده من الدالّة [١] والتبسّط ما تأنف من احتماله نفوس الملوك. فكلما زاد تبسّطه زادت الأنفة عندهم حتّى يوقعوا به. والمنصور خلع ابن أخيه عيسى بن موسى من ولاية العهد وجعلها في ابنه محمّد المهديّ. شرح كيفيّة الحال في ذلك هو عيسى بن موسى بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس أمير الكوفة وهو ابن أخي المنصور. كان عيسى بن موسى قد جعله إبراهيم الإمام وليّ عهد بعد المنصور، وأخذ له البيعة على الناس وحلّفهم له، فلما كبر المهديّ بن المنصور شغف المنصور به شغفا شديدا، فأحبّ أن يبايع له بالخلافة، فخلع عيسى بن موسى وأشهد عليه بالخلع، وبايع للمهديّ وجعل عيسى بن موسى بعده. شرح كيفيّة خلع عيسى بن موسى قد اختلف أرباب السّير في كيفيّة خلعه. فقيل: إنّ المنصور التمس منه ذلك وكان يكرمه ويجلسه عن يمينه، ويجلس المهديّ عن يساره. فلمّا فاوضه المنصور في خلع نفسه قال: يا أمير المؤمنين: كيف أصنع بالأيمان [٢] التي في رقبتي في رقاب الناس بالعتاق والطلاق؟ والحجّ والصّدقة؟ ليس إلى الخلع سبيل. فتغيّر

стр. 164

المنصور عليه وباعده بعض المباعدة، وصار يأذن للمهديّ قبله ويجلسه دون المهديّ، وصار يتقصّد أذاه فكان يكون عيسى بن موسى جالسا فيحفر الحائط الّذي يليه وينثر التّراب على رأسه فيقول لبنيه: تنحّوا، ثم يقوم هو فيصلّي، والتّراب ينثر عليه ثمّ يؤذن له فيدخل على المنصور والتّراب عليه لا ينفضه فيقول له المنصور: يا عيسى ما يدخل أحد عليّ بمثل ما تدخل أنت به من الغبار والتّراب، أفكلّ هذا من الشارع فيقول عيسى: أحسب ذلك يا أمير المؤمنين. ولا يشكو!. وقيل: بل وضع المنصور الجند فصاروا يشتمون عيسى بن موسى إذا رأوه وينالون منه، فلمّا شكا ذلك إلى المنصور قال له يا ابن أخي: إنّي والله أخافهم عليك وعلى نفسي، فإنّهم قد أشربت قلوبهم حبّ هذا الفتى- يعني المهديّ- فلو قدّمته بين يديك! فخلع عيسى نفسه وبايع المهديّ. ولما رآه بعض أهل الكوفة وقد جعل المهديّ قدّامه في الخلافة، وصار هو بعده قال: هذا الّذي كان غدا فصار بعد غد وقيل بل اشتراها المنصور منه بمال مبلغه أحد عشر ألف ألف درهم. وقيل بل أرسل إليه خالد بن برمك فأخذ معه جماعة من أهل المنصور نحو ثلاثين رجلا، ومضى إلى عيسى فخاطبه في أن يخلع نفسه فأبى. فلمّا أبى قال خالد للجماعة، نشهد عليه أنّه قد خلع نفسه ونحقن بذلك دمه، ونسكّن الفتنة. فشهدوا عليه بذلك فقامت البيّنة به، وأنكر عيسى فلم يلتفت إليه، وتمّ خلعه وبويع للمهديّ. والله أعلم أيّ ذلك كان، والمنصور هو الّذي بنى الرّصافة لابنه المهديّ. شرح السّبب في بنائها كان الجند قد شغبوا على المنصور، فقال المنصور لقثم بن العبّاس بن عبيد الله ابن العبّاس ما ترى التياث [١] الجند؟ وإني خائف أن تجتمع كلمتهم! فقال له يا أمير المؤمنين الرّأي أن تعبّر ابنك إلى الجانب الشرقيّ وتعبّر معه قطعة من العسكر وتبني له مدينة فيصير هو في مدينة وعسكر بالجانب الشرقيّ، وأنت في مدينة وعسكر بالغربيّ. فإن رأيك حدث من أحد الجانبين استعنت عليه بالجانب الآخر،

стр. 165

فقبل قوله وبنى الرّصافة. وتمّت الرّصافة وصار الخلفاء بعد ذلك يدفنون موتاهم بها وبنوا بها التّرب الجليلة وحملوا إليها من الفرش العظيم والآلات الجليلة ما يتجاوز الحصر ووقفوا عليها من النّواحي والأقرحة [١] والعقارات جملة كثيرة وكانت في أيّامهم حرما إذا لجأ إليها الخائف أمن. ومات المنصور محرما بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة؟ فكتم الرّبيع [٢] أمره لأجل البيعة للمهديّ. فيقال إنه أجلسه وسنده وجعل على وجهه كلّة خفيفة، يرى وجهه منها ولا يفهم أمره. وأذن لوجوه بني هاشم، فلمّا دخلوا ووقفوا بين يديه وهم يحسبون أنّه حيّ تقدّم الربيع إليه كأنه يشاوره ثمّ عاد إليهم، وقال: أمير المؤمنين يأمركم بتجديد البيعة للمهديّ، فبايع الناس طرّا [٣] . وقيل: إنّ المهديّ لما بلغه ذلك استخفّ بالرّبيع وقال: ما منعتك هيبة أمير المؤمنين من هذا الفعل به. شرح حال الوزارة في أيّامه لم تكن الوزارة في أيّامه طائلة، لاستبداده واستغنائه برأيه وكفاءته، مع أنّه كان يشاور في الأمر دائما. وإنّما كانت هيبته تصغر لها هيبة الوزارة، وكانوا لا يزالون على وجل منه وخوف، فلا يظهر لهم أبّهة ولا رونق. وزارة أبي أيّوب الموريانيّ للمنصور موريان قرية من قرى الأهواز [٤] . كان المنصور قد اشتراه صبيّا قبل

стр. 166

الخلافة وثقّفه فاتفق أنّه أرسله مرّة إلى أخيه السفّاح وهو خليفة، وأرسل معه هديّة، فلمّا رآه السفّاح أعجبته هيئته وفصاحته وصباحته، فقال له: يا غلام، لمن أنت قال: لأخي أمير المؤمنين، قال: بل أنت لي، واحتبسه عنده. وكتب إلى المنصور يعلمه أنّه قد أخذه وأعتقه. واختصّ بالسفّاح مدّة خلافته، ثم نمت حاله وتزايدت نعم الله عنده حتى قلّده المنصور وزارته. وكان لبيبا بصيرا بالأمور عاقلا فطنا، ذكيّا فاضلا، كريما غزير المروءة.

стр. 167

مكرمة حدّث ابن شبرمة [١] قال: زوّجت ابني على صداق مبلغه ألفا درهم، فجعلت أفكّر فيمن أستعين به على ذلك، فأتيت أبا أيوب الموريانيّ وزير المنصور فذكرت له ذلك، فقال: قد أمرنا لك بهذا القدر. فجزيته خيرا وقمت لأخرج فقال: لا تعجلن. اجلس. ثم قال: إذا دفعت المهر فما يحتاج ابنك إلى نفقة؟ ثم قال: أعطوه ألفي درهم للنفقة. وذهبت لأقوم، فقال: لا تعجل، أفلا يحتاج إلى خادم أعطوه ألفي درهم لخادم، فما زال يأمر لي في كلّ مرة بألفين، حتّى تكمّل ما أمر لي به خمسين ألف درهم. ذكر القبض على أبي أيّوب سليمان الموريانيّ كان أبو أيّوب يحبّ جمع المال ليتقرب به إلى المنصور إذا خافه، فقال له المنصور يوما: ما ترى حال صالح ابني؟ ليس له ضيعة! فقال أبو أيّوب: يا أمير المؤمنين: بالأهواز مزارع عاطلة تحتاج إلى ثلاثمائة ألف درهم، تعمر بها ويقوم منها حاصل جيّد. فأطلق له ثلاثمائة ألف درهم، وأمره بعمارتها لابنه صالح فأخذ أبو أيوب المال ولم يعمل في الضيعة شيئا، وصار في رأس كلّ سنة يحمل عشرين ألف درهم ويقول: هذه حاصل الضّيعة المستجدة. فانكتّم الحال عن المنصور مدّة، ثم إنّ أعداء أبي أيّوب وجدوا هذا طريقا إلى السّعاية به، فأعلموا المنصور الحال، فانحدر بنفسه إلى هناك، فأمر أبو أيّوب أن تبنى بيوت على جانب الشطّ ويغرس فيها كرم ويخضر حواليها. فلما فعل ذلك اجتاز المنصور بها

стр. 168

فقال له أبو أيوب: هذه هي الضّيعة. فرأى المنصور العمارة والخضرة فكاد الأمر يشتبه عليه، فأعلمه أعداء أبي أيوب صورة الحال، فركب بنفسه وأخذ الأدلاء معه وطاف الضّيعة فوجدها عاطلة لا عمارة فيها، فعرف القصّة وتنبّه على خيانة أبي أيوب فنكبه وقتله، وقتل أقاربه واستصفى أموالهم. وقال ابن حبيبات الشاعر الكوفيّ في ذلك: قد وجدنا الملوك تحمد من ... أعطته طوعا أزمّة التّدبير فإذا ما رأوا له النّهي والأمر ... أتوه من بأسهم بنكير شرب الكأس بعد حفص سليمان ... ودارت عليه كفّ المدير ونجا خالد بن برمك منها ... إذ دعوه من بعدها بالأمير أسوأ العالمين حالا لديهم ... من تسمّى بكاتب أو وزير (خفيف) وزارة الربيع بن يونس للمنصور هو أبو الفضل الربيع بن يونس بن محمّد بن كيسان، هو أبو فروة مولى عثمان ابن عفّان. كان يقال: إن الربيع لقيط، ولذلك قال يوما لرجل كرّر الترحّم على أبيه في حضرة المنصور. كم تكرّر ذكر أبيك وتترحّم عليه؟ فقال له الرجل: إنّك معذور في ذلك لأنّك لم تذق حلاوة الآباء. قالوا: والصّحيح أنّه ابن يونس بن محمّد بن أبي فروة [١] ، وبلغني أنّ علاء الدين عطا ملك بن الجويني [٢] صاحب

стр. 169

الديوان كان ينتسب إلى الفضل بن الربيع. ولقد عجبت من الصّاحب علاء الدين- مع نبله واطّلاعه على السّير والتواريخ- كيف رضي أن ينتسب إلى الفضل بن الربيع! فإن كان قد انتحل هذا النسب، ففضيحة ظاهرة، وإن كان حقّا فلقد كان العقل الصحيح يقتضي ستره، فإنه نسب لا يوجد أرذل منه. فإن أبا فروة كان ساقطا، وكان عبدا للحارث حفّار القبور بمكّة، والحارث مولى عثمان بن عفّان، فأبو فروة عبد عبد عثمان، وفي ذلك يقول الشاعر: وإنّ ولا [١] كيسان للحارث الّذي ... ولى زمنا حفر القبور بيثرب [٢] (طويل) وأبو فروة خرج على عثمان يوم الدّار [٣] ، وكفاه بذلك عارا! فانظر هل ترى نسبا أسقط أو أرذل من هذا؟ وأعجب من رأي الصاحب علاء الدين في هذا خلوّ حضرته ممن يعرف هذا القدر، فينبّهه عليه. كان الرّبيع جليلا نبيلا منفّذا للأمور، مهيبا فصيحا، كافيا حازما، عاقلا فطنا خبيرا بالحساب والأعمال، حاذقا بأمور الملك، بصيرا بما يأتي ويذر محبا لفعل الخير. روي أنّ المنصور أحضر يوما إنسانا ذكر له أنّه وثب على عامله ببعض النّواحي فقال المنصور ويحك! أنت المتوثّب على فلان العامل؟ والله لأنثرنّ من لحمك أكثر ممّا يبقى منه على عظمك، وكان شيخا كبيرا، فأنشد بصوت ضعيف. أتروض عرسك [٤] بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم (كامل) فقال المنصور: يا ربيع. ما يقول؟ فقال: يقول: العبد عبدكم والأمر أمركم ... فهل عذابك عنّي اليوم مصروف؟

стр. 170

فقال: قد عفونا عنه، فلينصرف. ورأى المنصور يوما في بستانه شجيرة من شجر الخلاف [١] فلم يدر ما هي، فقال: يا ربيع ما هذه الشجرة؟ فقال الربيع: إجماع ووفاق، وكره أن يقال: خلاف، فاستعقله المنصور واستحسن قوله. ولم يزل الربيع وزيرا للمنصور إلى أن مات المنصور، وقام الربيع بأخذ البيعة للمهديّ على ما تقدّم وصفه، وهو آخر وزراء المنصور، وقتله الهادي، وكان سبب قتله أنّه أهدى جارية حسناء إلى المهديّ بن المنصور، فوهبها المهديّ لابنه موسى الهادي فغلب حبّها عليه وأولدها أولاده فلما صار الهادي خليفة، سعى إليه أعداء الربيع فناوله الهادي قدحا فيه عسل مسموم. فشربه فمات ليومه، وذلك في سنة سبعين ومائة. انقضت أيام المنصور ووزرائه. ثمّ ملك بعده ابنه محمّد المهديّ هو أبو عبد الله محمّد المهديّ بن أبي جعفر المنصور، وقد مرّ نسبه. بويع له بالخلافة بمكة، في سنة ثمان وخمسين ومائة. كان المهديّ شهما فطنا كريما شديدا على أهل الإلحاد والزّندقة. لا تأخذه في إهلاكهم لومة لائم، وكانت أيّامه شبيهة بأيّام أبيه في الفتوق والحوادث والخوارج وكان يجلس في كلّ وقت لردّ المظالم. روي عنه: أنه كان إذا جلس للمظالم قال: أدخلوا عليّ القضاة، فلو لم يكن ردّي للمظالم إلا للحياء منهم لكفى!. وحدّث عنه: أنّه خرج متنزّها ومعه رجل من خواصّه اسمه عمرو، فانقطعا في الصّيد عن العسكر فجاع المهديّ، فقال: هل من شيء يؤكل؟ فقال له

стр. 171

عمرو: أرى كوخا، فقصدوه فإذا فيه نبطيّ [١] وعنده مبقلة [٢] ، فسلّموا عليه فردّ السّلام، فقالوا: هل من طعام؟ فقال: عندي ربيثاء [٣] ، وهو نوع من الصحناء- وعندي خبز شعير فقال المهديّ: إن كان عندك زيت فقد أكملت الضيافة، قال: نعم، وكرّاث [٤] فأتاهما بذلك فأكلا حتّى شبعا، فقال المهديّ لعمرو: قل في هذا شعرا فقال: إنّ من يطعم الرييثاء بالزّيت ... وخبز الشّعير بالكرّاث لجدير بصفعة أو بثنتين ... لسوء الصنيع، أو بثلاث (خفيف) فقال المهديّ: بئس ما قلت. إنّما كان ينبغي أن تقول: لجدير ببدرة [٥] أو بثنتين ... لحسن الصّنيع أو بثلاث قال: ووافاهم العسكر والخزائن والخدم، فأمر للنبطيّ بثلاث بدر وانصرف وفي أيّامه ظهر المقنّع بخراسان. شرح كيفيّة الحال في ذلك كان هذا المقنّع رجلا أعور قصيرا من أهل مرو، وكان قد عمل وجها من ذهب وركّبه، على وجهه لئلا يرى وجهه، وادّعى الإلهية، وكان يقول: إن الله خلق آدم فتحوّل في صورته، ثمّ في صورة نوح، وهكذا هلمّ جرّا إلى أبي مسلم الخراسانيّ وسمّى نفسه هاشما، وكان يقول بالتناسخ. وبايعه خلق من ضلال الناس وكانوا يسجدون إلى ناحيته أين كانوا من البلاد، وكانوا يقولون في الحرب: يا هاشم أعنّا واجتمع إليه خلق كثير.

стр. 172

فأرسل المهديّ إليه جيشا فاعتصم منهم بقلعة هناك، وطاولوه فضجر وضجر أصحابه. فطلب أكثرهم الأمان وبقي معه نفر يسير وهو في القلعة محاصر فأضرم نارا عظيمة وأحرق جميع ما بالقلعة من دابّة وثوب ومتاع، ثمّ جميع نسائه [١] وأولاده وقال لأصحابه: من أحبّ منكم الارتفاع معي إلى السماء فليلق نفسه في هذه النار، ثم ألقى فيها نفسه وأولاده ونساءه، خوفا أن يظفر بجثته أو بحرمة. فلما احترقوا فتحت أبواب القلعة، فدخلها عسكر المهديّ فوجدوها خالية خاوية. ولمّا ولي المهديّ الخلافة جدّد الكلام في خلع عيسى بن موسى والبيعة لولديه: موسى الهادي، وهارون الرّشيد. وقد تقدّم شرح كيفيّة خلعه في أيّام المنصور، وأنه قدّم المهديّ عليه. فلمّا ولي المهديّ أراد لبنيه ما أراد المنصور له فطلب من عيسى بن موسى أن يخلع نفسه فأبى، فأرهبه وأرغبه حتّى أجاب، وأشهد عليه بالخلع، وبايع لولديه الهادي والرّشيد. وكان المهديّ ينظر في الدّقائق من الأمور، وكذلك كان أبوه فتقدّم المهديّ حين ولي بردّ نسب آل زياد [٢] بن أبيه إلى عبيد الثّقفي، وإسقاطهم، من ديوان قريش. وبردّ نسب آل أبي بكرة إلى ولاء رسول الله- صلوات الله عليه وسلامه- وكتب الكتب بذلك، فاعتمد ما رسم به، ثم بعد ذلك ارتشى العمّال من بني زياد وأعادوهم إلى ديوان قريش. وغزا المهديّ الروم عدّة دفعات وكانت له الغلبة. ومات المهدي بماسبذان، واختلف في سبب موته. فقيل: إنّه طرد ظبيا في بعض متصيّداته فدخل الظبي إلى باب خربة، فدخل فرس المهديّ خلفه فدقّه باب الخربة، فقطع ظهره فمات من ساعته. وقيل: إنّ بعض جواريه جعلت سمّا في بعض المآكل لجارية أخرى، فأكل المهديّ منه

стр. 173

وهو لا يعلم فمات. وذلك في سنة تسع وستين ومائة. وقال أبو العتاهية يصف جواريه وقد برزن بعد موته وعليهنّ المسوح: رحن في الوشي وأقبلن عليهنّ المسوح [١] ... كلّ نطّاح من الدّهر له يوم نطوح لست بالباقي ولو عمّرت ما عمّر نوح ... فعلى نفسك نح إن كنت لا بدّ تنوح (رمل) شرح حال الوزارة في أيّامه في أيّامه ظهرت أبّهة الوزارة بسبب كفاءة وزيره أبي عبيد الله معاوية بن يسار فإنّه جمع له حاصل المملكة، ورتّب الديوان، وقرّر القواعد. وكان كاتب الدنيا وأوحد النّاس حذقا وعلما وخبرة. وهذا شرح طرف من حاله. وزارة أبي عبيد الله معاوية بن يسار للمهديّ هو من موالي الأشعريّين [٢] . كان كاتب المهديّ ونائبة قبل الخلافة، ضمّه المنصور إليه، وكان قد عزم أن يستوزره، لكنه آثر به ابنه المهديّ، فكان غالبا على أمور المهديّ لا يعصي له قولا، وكان المنصور لا يزال يوصيه فيه ويأمره بامتثال [٣] ما يشير به، فلمّا مات المنصور وجلس المهديّ على سرير الخلافة، فوّض إليه تدبير المملكة وسلّم إليه الدواوين. وكان مقدّما في صناعته فاخترع أمورا: منها أنه نقل الخراج إلى المقاسمة- وكان السّلطان يأخذ عن الغلات خراجا

стр. 174

فوّض إليه تدبير المملكة وسلّم إليه الدواوين. وكان مقدّما في صناعته فاخترع أمورا: منها أنه نقل الخراج إلى المقاسمة- وكان السّلطان يأخذ عن الغلات خراجا مقرّرا ولا يقاسم- فلمّا ولي أبو عبيد الله الوزارة قرّر أمر المقاسمة، وجعل الخراج على النّخل والشّجر، واستمرّ الحال في ذلك إلى يومنا، وصنّف كتابا في الخراج، وذكر فيه أحكامه الشرعيّة ودقائقه وقواعده، وهو أول من صنّف كتابا في الخراج، وتبعه الناس بعد ذلك فصنّفوا كتب الخراج، وكان شديد التكبّر والتجبّر. روي أنّ الرّبيع لمّا قدم من مكّة بعد موت المنصور، وأخذ البيعة للمهديّ حضر من ساعة وصوله إلى باب أبي عبيد الله، فقال له ابنه الفضل: يا أبي، نبدأ به قبل أمير المؤمنين، وقبل منزلنا؟ قال: نعم يا بنيّ، هو صاحب الرجل والغالب على أمره. قال: فوصل الربيع إلى باب أبي عبيد الله الوزير فوقف ساعة حتّى خرج الحاجب ثم دخل فاستأذن له فأذن له. فلمّا دخل عليه لم يقم له، ثمّ سأله عن مسيره وحاله فأخبره وشرع الربيع يحدّثه بما جرى في مكّة من موت المنصور واجتهاده في أخذ البيعة للمهديّ، فسكّته وقال: قد بلغني الخبر فلا حاجة إلى إعادته فاغتاظ الربيع ثم قام فخرج، وقال لابنه الفضل: عليّ كذا وكذا إن لم أبذل مالي وجاهي في مكروهة وإزالة نعمته. ومضى الربيع إلى المهديّ فاستحجبه [١] واختصّ به كما كان مع أبيه فشرع في إفساد حال أبي عبيد الله الوزير بكلّ وجه، فلم يتّفق له ذلك. فخلا ببعض أعدائه وقال له: قد ترى ما فعل معك أبو عبيد الله- وكان قد أساء إليه- وما فعل معي أيضا فهل عندك تدبير في أمره؟ قال الرجل لا والله ما عندي حيلة تنفذ عليه فإنّه أعفّ الناس يدا ولسانا، ومذهبه مذهب مستقيم وحذقه في صناعته ما عليه مزيد وعقله وكفاءته كما علمت. ولكنّ ابنه رديء الطريقة مذموم السّيرة، والقول يسرع إليه. فإن تهيّأ حيلة من جهة ابنه فعسى ذلك فقبّله الربيع بين عينيه، ولاح له وجه الحيلة عليه، فسعى بابنه [٢] إلى المهديّ

стр. 175

أنواعا من السّعايات وأخذ يرميه بالزّندقة [١] . وكان المهديّ شديدا على أهل الإلحاد والزّندقة، لا يزال يتطلع عليهم ويفتك بهم. فلمّا رسخ في ذهن المهديّ زندقة ابن الوزير استدعى به، فسأله عن شيء من القرآن العزيز فلم يعرف فقال لأبيه وكان حاضرا: ألم تخبرني أنّ ابنك يحفظ القرآن؟ قال بلى يا أمير المؤمنين ولكن فارقني مذ مدّة فنسيه. فقال له: قم فتقرّب إلى الله بدمه. فقام أبو عبيد الله فعثر ووقع وارتعد، فقال له العبّاس بن محمّد عمّ المهديّ: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تعفي الشيخ من قتل ولده، ويتولّى ذلك غيره. فأمر المهديّ بعض من كان حاضرا بقتله فضربت عنقه. واستمرّ أبوه على حاله من الخدمة إلا أنه ظهر عليه الانكسار وتنمّر قلبه [٢] ، وتنمّر قلب المهديّ منه. فدخل بعض الأيّام على المهديّ ليعرض عليه كتبا قد وردت من بعض الأطراف، فتقدّم المهديّ بإخلاء المجلس فخرج كلّ من به إلا الرّبيع، فلم يعرض أبو عبيد الله شيئا من الكتب، وطلب أن يخرج الربيع فقال له المهديّ: يا ربيع اخرج. فتنحى الربيع قليلا، فقال المهديّ: ألم آمرك بالخروج؟ قال: يا أمير المؤمنين، كيف أخرج وأنت وحدك وليس معك سلاح؟ وعندك رجل من أهل الشّأم اسمه معاوية، وقد قتلت بالأمس ولده، وأوغرت صدره- على هذه الحال وأخرج؟! فثبت هذا المعنى في نفس المهديّ إلا أنه قال: يا ربيع، إنّي فكيف أدعك معه أثق بأبي عبيد الله في كلّ حال. وقال لأبي عبيد الله الوزير: اعرض ما تريد فليس دون الرّبيع سرّ. ثم قال بعد ذلك المهديّ للربيع: إني أستحي من أبي عبيد الله بسبب قتل ولده فأحجبه عنّي. فحجب عنه، وانقطع بداره، واضمحلّ أمره، وتهيّأ للربيع ما أراده من إزالة نعمته ومات أبو عبيد الله معاوية بن يسار في سنة سبعين ومائة.

стр. 176

وزارة أبي عبيد الله يعقوب بن داود للمهديّ هو من الموالي. قال الصّولي [١] : كان داود أبوه وإخوته كتّابا لنصر بن سيّار أمير خراسان. كان يعقوب بن داود يتشيّع، وكان في ابتداء أمره مائلا إلى بني عبد الله بن الحسن، وجرت له خطوب في ذلك. ثمّ إنّ المهديّ خاف من بني الحسن أن يحدثوا أمرا لا يتدارك، فطلب رجلا ممّن له أنس ببني الحسن ليستعين به على أمرهم، فدلّه الربيع على يعقوب بن داود لصداقة كانت بين الربيع وبينه، وليتّفقا على إزالة دولة أبي عبيد الله معاوية الوزير. فاستحضره المهديّ وخاطبه، فرأى أكمل الناس عقلا وأفضلهم سيرة فشغف به واستخلصه لنفسه. ثم استوزره وفوّض الأمور إليه. وقيل إنّ السبب في وزارته غير هذا. وهو أنّ يعقوب بن داود قرّر للربيع مائة ألف دينار إن حصلت له الوزارة، فجعل الربيع يثني عليه في الخلوات عند المهديّ فطلب المهديّ أن يراه. فلمّا حضر بين يديه رأى أكمل الناس خلقا وفضلا ثم قال له: يا أمير المؤمنين، ها هنا أمور لا تنتهي إلى علمك، فإن ولّيتني عرضها عليك بذلت جهدي في نصيحتك فقرّبه وأدناه فصار يعرض عليه من المصالح والمهمّات والنصائح الجليلة ما لم يكن يعرض عليه من قبل فاستخصّه وكتب كتابا بأنه أخوه في الله تعالى، واستوزره وفوض إليه الأمور كلّها وسلّم إليه الدواوين، وقدّمه على جميع الناس حتّى قال بشّار [٢] يهجوه: بني أميّة هبّوا طال نومكم ... إنّ الخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خلافة الله بين الناي والعود [٣]

стр. 177

وذلك لأنّ المهديّ اشتغل باللهو واللعب وسماع الأغاني، وفوّض الأمور إلى يعقوب بن داود. وكان أصحاب المهديّ يشربون عنده النبيذ، وقيل: ما كان هو يشرب معه، فنهاه يعقوب بن داود عن ذلك ووعظه. وقال أبعد الصّلوات في المسجد تفعل هذا؟ فلم يلتفت إليه. وفي ذلك يقول الشاعر للمهديّ: فدع عنك يعقوب بن داود جانبا ... وأقبل على صهباء [١] طيبة النّشر [٢] (طويل) ثمّ إن السّعاة ما زالوا يسعون بيعقوب بن داود إلى المهديّ حتى نكبه، وجعله في «المطبق» وهو حبس التّخليد [٣] . فلم يزل على ذلك مدّة أيّام المهديّ حتّى أخرجه الرّشيد. شرح السّبب في القبض عليه وكيفيّة ما جرى حدّث يعقوب بن داود قال استدعاني المهديّ يوما فدخلت عليه، وهو في مجلس في وسط بستان، ورءوس الشجر مع أرض ذلك المجلس، وقد امتلأت رءوس الشّجر من الأزهار المتنوعة، وقد فرش المجلس بفرش مورّدة، وبين يديه جارية حسناء لم أر أحسن وجها منها، فقال لي: يعقوب. كيف ترى هذا المجلس قلت: في غاية الحسن، فهنّأ الله أمير المؤمنين قال: فهو لك وجميع ما فيه ومائة ألف درهم وهذه الجارية ليتمّ سرورك. فدعوت له قال: ولي إليك حاجة أريد أن تضمن لي قضاءها قلت: يا أمير المؤمنين، أنا عبدك الطائع لجميع ما تأمر به، فدفع إليّ رجلا علويّا وقال: أحبّ أن تكفيني أمره، فإنّي خائف أن يخرج عليّ. قال: فقلت: السّمع والطاعة قال: تحلف لي؟ فحلفت له باللَّه أن أفعل ما يريد.

стр. 178

ثمّ نقل جميع ما كان في المجلس إلى منزلي، والجارية أيضا فمن شدّة سروري بالجارية جعلتها في موضع قريب من مجلسي وليس بيني وبينها سوى ستر رقيق. قال: وأدخلت العلويّ إليّ وخاطبته، فرأيت أتمّ الناس عقلا، فقال لي يا يعقوب تلقى الله بدمي، وأنا ابن عليّ بن أبي طالب وابن فاطمة- ﵄ وليس لي إليك ذنب؟ قال فقلت: لا والله، خذ هذا المال وأنج بنفسك. قال: والجارية تسمع كلّ ذلك فأرسلت إلى المهديّ دسيسا [١] أعلمه بالقصّة، فأرسل المهديّ، وشحن [٢] الدّروب بالرّجال حتى حصّل العلويّ وجعله في بيت قريب من مجلسه، ثمّ استدعاني فحضرت، فقال: يا يعقوب، ما فعلت بالعلويّ؟ قلت: قد أراح الله منه أمير المؤمنين، قال: مات؟ قلت: نعم، قال: باللَّه؟ قلت، إي والله، قال: فضع يدك على رأسي واحلف به، قال يعقوب: فوضعت يدي على رأسه وحلفت به، فقال لبعض الخدم. أخرج إلينا من في هذا البيت قال: فأخرج العلويّ. فلما رأيته امتنع الكلام عليّ وتحيّرت في أمري، فقال المهديّ: يا يعقوب قد حلّ لي دمك، احملوه إلى «المطبق» قال يعقوب فدلّيت بحبل في بئر مظلمة لا أرى فيها الضوء، وكان يأتيني في كلّ يوم ما أتقوّت به، فمكثت مدّة لا أدري كم هي، وذهب بصري ففي بعض الأيّام دلّي لي حبل وقيل: اصعد، قد جاء الفرج. فصعدت وقد طال شعري وأظافيري، فأدخلت الحمّام وأصلحوا شأني وألبسوني ثيابا، ثمّ قادوني إلى مجلس فقيل لي سلم على أمير المؤمنين. فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، وقيل لي: على أيّ أمراء المسلمين سلّمت؟ قلت: على أمير المؤمنين المهديّ، فسمعت قائلا من صدر المجلس يقول: رحم الله المهديّ: ثم قيل لي: سلّم على أمير المؤمنين، فقلت السّلام عليك يا أمير المؤمنين فقيل لي: على أيّ أمراء المؤمنين سلّمت؟ فقلت: على أمير المؤمنين الهادي، فسمعت قائلا يقول من صدر المجلس: رحم الله الهادي. ثمّ قيل لي سلّم، فسلّمت

стр. 179

فقيل لي: على من سلّمت؟ قلت: على أمير المؤمنين هارون الرّشيد، فقال: وعليك السّلام يا يعقوب ورحمة الله وبركاته، أعزز عليّ بما نالك فجعلت المهديّ في حلّ ودعوت للرّشيد وشكرته على خلاصي. ثمّ قال: ماذا تريد يا يعقوب؟ قلت يا أمير المؤمنين، ما بقي في مستمع ولا بلاغ، وأريد المجاورة بمكّة، فأمر لي بما يصلحني. ثم توجّه يعقوب إلى مكّة وجاور بها، ولم تطل أيّامه حتّى مات هناك سنة ستّ وثمانين ومائة. وزارة الفيض بن أبي صالح للمهديّ هو من أهل نيسابور، وكانوا نصارى، فانتقلوا إلى بني العبّاس وأسلموا. وتربّى الفيض في الدولة العبّاسيّة وتأدّب وبرع، وكان سخيّا مفضالا متخرّقا في ماله جوادا عزيز النّفس، كبير الهمّة كثير الكبر والتّيه، حتّى قال فيه بعض الشّعراء: أبا جعفر جئناك نسأل نائلا [١] ... فأعوزنا من دون نائلك البشر فما برقت بالوعد منك غمامة ... يرجّى بها من سيب نائلك القطر فلو كنت تعطينا المنى وزيادة ... لنغصّها منك التجبّر والكبر (طويل) قالوا: كان يحيى بن خالد بن برمك إذا استعظم أحد كرمه وجوده قال: لو رأيتم الفيض لصغر عندكم أمري. وفي الفيض يقول أبو الأسود الحماني الشاعر يمدحه: ولائمة لأمتك يا فيض في النّدى ... فقلت لها: لن يقدح اللّوم في البحر أرادت لتثني [٢] الفيض عن سنن النّدى [٣] ... ومن ذا الّذي يثني السّحاب عن القطر؟

стр. 180

مواقع جود الفيض في كلّ بلدة ... مواقع ماء المزن [١] في البلد القفر كأنّ وفود الفيض لمّا تحمّلوا ... إلى الفيض وافوا عنده ليلة القدر (طويل) قالوا: كان الفيض بن أبي صالح متوجّها في بعض الأيّام إلى بعض أغراضه فصادفه صديق له، فسأله الفيض إلى أين يذهب، فقال: إنّ وكيل السيدة أمّ جعفر زبيدة قد حبس فلانا على بقيّة ضمان، مبلغها مائة ألف دينار، وفلان- يعني المحبوس- صديقي وصديقك أيضا وأنا متوجّه إلى الوكيل المذكور لأشفع فيه فهل لك أن تصل جناحي وتساعدني على هذه المكرمة؟ فقال الفيض: إي والله. ثمّ مضى معه فحضر عند وكيل أمّ زبيدة. وشفعا في الرّجل المحبوس، فقال الوكيل: الأمر في هذا إليها، وما أستطيع أن أفرج عنه إلا بقولها، ولكنّي أخاطبها وأحسن لها الإفراج عنه. ثمّ كتب إليها شيئا، فخرج الجواب أنّه لا بدّ من استيفاء هذا المال، ولا سبيل إلى قبول شفاعة في هذا الباب فاعتذر الوكيل إليهما وأراهما الخطّ، فقال الرجل للفيض: قم حتّى نمضي فقد فعلنا ما يجب علينا، فقال الفيض: لا والله، ما فعلنا ما يجب علينا، فكأنّنا ما جئنا هنا إلا لنؤكّد حبس صاحبنا. قال الرجل فما تصنع؟ قال الفيض: حيث قد تعذر علينا خلاصه من هذه الجهة، نؤدّي عنه هذا المال من خاصّنا ونخرجه أنت نصفه، وأنا نصفه. فأجاب الرّجل إلى ذلك فقالا للوكيل: كم لك عليه؟ قال: مائة ألف دينار قالا: هي علينا وهذا خطنا بها، فادفع إلينا صاحبنا، قال: هذا أيضا لا أقدر أن أفعله، حتى أعلمها بالحال، قالا: فأعلمها. فكتب إليها الوكيل يخبرها بما قال الفيض وبصورة الحال، فخرج الخادم وقال: لا يكون الفيض أكرم منّا، قد وهبناه المائة الألف فادفع إليهم صاحبهم، فأخذاه وخرجا. وكان الفيض قد وصف للمهديّ لمّا عزم على القبض على يعقوب
следующие страницы →