← Сияса и кади

Сияса и кади · id 12400

الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية

ابن الطقطقي

Полный текст (316 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وزارة أبي عبيد الله يعقوب بن داود للمهديّ هو من الموالي. قال الصّولي [١] : كان داود أبوه وإخوته كتّابا لنصر بن سيّار أمير خراسان. كان يعقوب بن داود يتشيّع، وكان في ابتداء أمره مائلا إلى بني عبد الله بن الحسن، وجرت له خطوب في ذلك. ثمّ إنّ المهديّ خاف من بني الحسن أن يحدثوا أمرا لا يتدارك، فطلب رجلا ممّن له أنس ببني الحسن ليستعين به على أمرهم، فدلّه الربيع على يعقوب بن داود لصداقة كانت بين الربيع وبينه، وليتّفقا على إزالة دولة أبي عبيد الله معاوية الوزير. فاستحضره المهديّ وخاطبه، فرأى أكمل الناس عقلا وأفضلهم سيرة فشغف به واستخلصه لنفسه. ثم استوزره وفوّض الأمور إليه. وقيل إنّ السبب في وزارته غير هذا. وهو أنّ يعقوب بن داود قرّر للربيع مائة ألف دينار إن حصلت له الوزارة، فجعل الربيع يثني عليه في الخلوات عند المهديّ فطلب المهديّ أن يراه. فلمّا حضر بين يديه رأى أكمل الناس خلقا وفضلا ثم قال له: يا أمير المؤمنين، ها هنا أمور لا تنتهي إلى علمك، فإن ولّيتني عرضها عليك بذلت جهدي في نصيحتك فقرّبه وأدناه فصار يعرض عليه من المصالح والمهمّات والنصائح الجليلة ما لم يكن يعرض عليه من قبل فاستخصّه وكتب كتابا بأنه أخوه في الله تعالى، واستوزره وفوض إليه الأمور كلّها وسلّم إليه الدواوين، وقدّمه على جميع الناس حتّى قال بشّار [٢] يهجوه: بني أميّة هبّوا طال نومكم ... إنّ الخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خلافة الله بين الناي والعود [٣]

стр. 177

وذلك لأنّ المهديّ اشتغل باللهو واللعب وسماع الأغاني، وفوّض الأمور إلى يعقوب بن داود. وكان أصحاب المهديّ يشربون عنده النبيذ، وقيل: ما كان هو يشرب معه، فنهاه يعقوب بن داود عن ذلك ووعظه. وقال أبعد الصّلوات في المسجد تفعل هذا؟ فلم يلتفت إليه. وفي ذلك يقول الشاعر للمهديّ: فدع عنك يعقوب بن داود جانبا ... وأقبل على صهباء [١] طيبة النّشر [٢] (طويل) ثمّ إن السّعاة ما زالوا يسعون بيعقوب بن داود إلى المهديّ حتى نكبه، وجعله في «المطبق» وهو حبس التّخليد [٣] . فلم يزل على ذلك مدّة أيّام المهديّ حتّى أخرجه الرّشيد. شرح السّبب في القبض عليه وكيفيّة ما جرى حدّث يعقوب بن داود قال استدعاني المهديّ يوما فدخلت عليه، وهو في مجلس في وسط بستان، ورءوس الشجر مع أرض ذلك المجلس، وقد امتلأت رءوس الشّجر من الأزهار المتنوعة، وقد فرش المجلس بفرش مورّدة، وبين يديه جارية حسناء لم أر أحسن وجها منها، فقال لي: يعقوب. كيف ترى هذا المجلس قلت: في غاية الحسن، فهنّأ الله أمير المؤمنين قال: فهو لك وجميع ما فيه ومائة ألف درهم وهذه الجارية ليتمّ سرورك. فدعوت له قال: ولي إليك حاجة أريد أن تضمن لي قضاءها قلت: يا أمير المؤمنين، أنا عبدك الطائع لجميع ما تأمر به، فدفع إليّ رجلا علويّا وقال: أحبّ أن تكفيني أمره، فإنّي خائف أن يخرج عليّ. قال: فقلت: السّمع والطاعة قال: تحلف لي؟ فحلفت له باللَّه أن أفعل ما يريد.

стр. 178

ثمّ نقل جميع ما كان في المجلس إلى منزلي، والجارية أيضا فمن شدّة سروري بالجارية جعلتها في موضع قريب من مجلسي وليس بيني وبينها سوى ستر رقيق. قال: وأدخلت العلويّ إليّ وخاطبته، فرأيت أتمّ الناس عقلا، فقال لي يا يعقوب تلقى الله بدمي، وأنا ابن عليّ بن أبي طالب وابن فاطمة- ﵄ وليس لي إليك ذنب؟ قال فقلت: لا والله، خذ هذا المال وأنج بنفسك. قال: والجارية تسمع كلّ ذلك فأرسلت إلى المهديّ دسيسا [١] أعلمه بالقصّة، فأرسل المهديّ، وشحن [٢] الدّروب بالرّجال حتى حصّل العلويّ وجعله في بيت قريب من مجلسه، ثمّ استدعاني فحضرت، فقال: يا يعقوب، ما فعلت بالعلويّ؟ قلت: قد أراح الله منه أمير المؤمنين، قال: مات؟ قلت: نعم، قال: باللَّه؟ قلت، إي والله، قال: فضع يدك على رأسي واحلف به، قال يعقوب: فوضعت يدي على رأسه وحلفت به، فقال لبعض الخدم. أخرج إلينا من في هذا البيت قال: فأخرج العلويّ. فلما رأيته امتنع الكلام عليّ وتحيّرت في أمري، فقال المهديّ: يا يعقوب قد حلّ لي دمك، احملوه إلى «المطبق» قال يعقوب فدلّيت بحبل في بئر مظلمة لا أرى فيها الضوء، وكان يأتيني في كلّ يوم ما أتقوّت به، فمكثت مدّة لا أدري كم هي، وذهب بصري ففي بعض الأيّام دلّي لي حبل وقيل: اصعد، قد جاء الفرج. فصعدت وقد طال شعري وأظافيري، فأدخلت الحمّام وأصلحوا شأني وألبسوني ثيابا، ثمّ قادوني إلى مجلس فقيل لي سلم على أمير المؤمنين. فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، وقيل لي: على أيّ أمراء المسلمين سلّمت؟ قلت: على أمير المؤمنين المهديّ، فسمعت قائلا من صدر المجلس يقول: رحم الله المهديّ: ثم قيل لي: سلّم على أمير المؤمنين، فقلت السّلام عليك يا أمير المؤمنين فقيل لي: على أيّ أمراء المؤمنين سلّمت؟ فقلت: على أمير المؤمنين الهادي، فسمعت قائلا يقول من صدر المجلس: رحم الله الهادي. ثمّ قيل لي سلّم، فسلّمت

стр. 179

فقيل لي: على من سلّمت؟ قلت: على أمير المؤمنين هارون الرّشيد، فقال: وعليك السّلام يا يعقوب ورحمة الله وبركاته، أعزز عليّ بما نالك فجعلت المهديّ في حلّ ودعوت للرّشيد وشكرته على خلاصي. ثمّ قال: ماذا تريد يا يعقوب؟ قلت يا أمير المؤمنين، ما بقي في مستمع ولا بلاغ، وأريد المجاورة بمكّة، فأمر لي بما يصلحني. ثم توجّه يعقوب إلى مكّة وجاور بها، ولم تطل أيّامه حتّى مات هناك سنة ستّ وثمانين ومائة. وزارة الفيض بن أبي صالح للمهديّ هو من أهل نيسابور، وكانوا نصارى، فانتقلوا إلى بني العبّاس وأسلموا. وتربّى الفيض في الدولة العبّاسيّة وتأدّب وبرع، وكان سخيّا مفضالا متخرّقا في ماله جوادا عزيز النّفس، كبير الهمّة كثير الكبر والتّيه، حتّى قال فيه بعض الشّعراء: أبا جعفر جئناك نسأل نائلا [١] ... فأعوزنا من دون نائلك البشر فما برقت بالوعد منك غمامة ... يرجّى بها من سيب نائلك القطر فلو كنت تعطينا المنى وزيادة ... لنغصّها منك التجبّر والكبر (طويل) قالوا: كان يحيى بن خالد بن برمك إذا استعظم أحد كرمه وجوده قال: لو رأيتم الفيض لصغر عندكم أمري. وفي الفيض يقول أبو الأسود الحماني الشاعر يمدحه: ولائمة لأمتك يا فيض في النّدى ... فقلت لها: لن يقدح اللّوم في البحر أرادت لتثني [٢] الفيض عن سنن النّدى [٣] ... ومن ذا الّذي يثني السّحاب عن القطر؟

стр. 180

مواقع جود الفيض في كلّ بلدة ... مواقع ماء المزن [١] في البلد القفر كأنّ وفود الفيض لمّا تحمّلوا ... إلى الفيض وافوا عنده ليلة القدر (طويل) قالوا: كان الفيض بن أبي صالح متوجّها في بعض الأيّام إلى بعض أغراضه فصادفه صديق له، فسأله الفيض إلى أين يذهب، فقال: إنّ وكيل السيدة أمّ جعفر زبيدة قد حبس فلانا على بقيّة ضمان، مبلغها مائة ألف دينار، وفلان- يعني المحبوس- صديقي وصديقك أيضا وأنا متوجّه إلى الوكيل المذكور لأشفع فيه فهل لك أن تصل جناحي وتساعدني على هذه المكرمة؟ فقال الفيض: إي والله. ثمّ مضى معه فحضر عند وكيل أمّ زبيدة. وشفعا في الرّجل المحبوس، فقال الوكيل: الأمر في هذا إليها، وما أستطيع أن أفرج عنه إلا بقولها، ولكنّي أخاطبها وأحسن لها الإفراج عنه. ثمّ كتب إليها شيئا، فخرج الجواب أنّه لا بدّ من استيفاء هذا المال، ولا سبيل إلى قبول شفاعة في هذا الباب فاعتذر الوكيل إليهما وأراهما الخطّ، فقال الرجل للفيض: قم حتّى نمضي فقد فعلنا ما يجب علينا، فقال الفيض: لا والله، ما فعلنا ما يجب علينا، فكأنّنا ما جئنا هنا إلا لنؤكّد حبس صاحبنا. قال الرجل فما تصنع؟ قال الفيض: حيث قد تعذر علينا خلاصه من هذه الجهة، نؤدّي عنه هذا المال من خاصّنا ونخرجه أنت نصفه، وأنا نصفه. فأجاب الرّجل إلى ذلك فقالا للوكيل: كم لك عليه؟ قال: مائة ألف دينار قالا: هي علينا وهذا خطنا بها، فادفع إلينا صاحبنا، قال: هذا أيضا لا أقدر أن أفعله، حتى أعلمها بالحال، قالا: فأعلمها. فكتب إليها الوكيل يخبرها بما قال الفيض وبصورة الحال، فخرج الخادم وقال: لا يكون الفيض أكرم منّا، قد وهبناه المائة الألف فادفع إليهم صاحبهم، فأخذاه وخرجا. وكان الفيض قد وصف للمهديّ لمّا عزم على القبض على يعقوب

стр. 181

ابن داود، فلما قبض عليه أحضر الفيض واستوزره وفوّض الأمور إليه. ومات المهديّ وهو وزيره، فلمّا ولي الهادي لم يستوزره. وبقي الفيض إلى أوّل أيّام الرّشيد، ثمّ مات، وذلك في سنة ثلاث وسبعين ومائة. انقضت أيّام المهديّ ووزرائه ثمّ ملك بعده ابنه موسى الهادي بويع له بالخلافة في سنة تسع وستّين ومائة. كان الهادي متيقّظا غيورا، كريما شهما أيّدا، شديد البطش جريء القلب مجتمع الحسّ، ذا إقدام وعزم وحزم. حدّث عبد الله بن مالك- وكان يتولّى شرطة المهديّ- قال: كان المهديّ يأمرني بضرب ندماء الهادي ومغنّيه وحبسهم صيانة له عنهم، فكنت أفعل ما يأمرني به المهديّ. وكان الهادي يرسل إليّ في التخفيف عنهم فلا أفعل، فلمّا مات المهديّ وولي الهادي، أيقنت بالتلف، فاستحضرني يوما، فدخلت عليه وهو جالس على كرسيّ- والسّيف والنّطع بين يديه، فسلّمت، فقال: لا سلّم الله عليك، أتذكر يوم بعثت إليك في أمر الحرّاني وضربه فلم تقبل قولي؟ وكذلك فعلت في فلان- وعدّد ندماءه فلم تلتفت إلى قولي قلت: نعم، أفتأذن في ذكر الحجّة؟ قال: نعم، قلت: ناشدتك الله، لو أنّك قلّدتني ما قلّدني المهديّ، وأمرتني بما أمر، فبعث إليّ بعض بنيك بما يخالف أمرك فاتّبعت قوله وتركت قولك، أكان يسرّك ذلك؟ قال: لا، قلت: فكذلك أنا لك، وكذلك كنت لأبيك. فاستدناني فقبّلت يده، ثمّ: أمر لي: بالخلع، وقال: وليتك ما كنت تتولاه، فامض راشدا. فمضيت مفكّرا في أمري وأمره، وقلت: حدث يشرب، والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتّابه وكأني بهم حين

стр. 182

يغلب الشراب عليه يغلبون على رأيه ويحسّنون له هلاكي؟ قال: فإنّي لجالس وعندي بنيّة لي، والكانون بين يديّ، وقدّامي رقاق وكامخ [١] ، وأنا أشطره بالكامخ وأسخّنه بالنار وآكل وأطعم الصّغيرة- وإذا بوقع حوافر الخيل، فظننت أنّ الدّنيا قد زلزلت، فقلت: هذا ما كنت أخافه وإذا الباب قد فتح، وإذا الخدم قد دخلوا والهادي في وسطهم على دابّة، فلما رأيته وثبت فقبّلت يده ورجله وحافر فرسه فقال لي: يا عبد الله: إني فكّرت في أمرك فقلت: ربّما سبق إلى ذهنك أني إذا شربت وحولي أعداؤك، أزالوا حسن رأيي فيك فيقلقك ذلك فصرت إلى منزلك لأؤنّسك وأعلمك أن ما كان عندي من الحقد عليك قد زال جميعه. فهات وأطعمني ممّا كنت تأكل، لتعلم أني قد تحرّمت بطعامك، فيزول خوفك. فأدنيت إليه من ذلك الرقاق والكامخ فأكل، ثمّ قال: هاتوا ما صحبناه لعبد الله فدخل أربعمائة بغل موقرة دراهم وغيرها. فقال: هذه لك، فاستعن بها على أمرك واحفظ هذه البغال عندك لعلّي أحتاج إليها لبعض أسفاري- ثمّ انصرف. ومن كلامه ما قاله لإبراهيم ابن مسلم بن قتيبة، وقد مات له ولد فجاء الهادي يعزّيه وكان عنده بمنزلة عظيمة، فقال له: «يا إبراهيم، سرّك ابنك وهو عدوّ وفتنة، وحزنك وهو صلاة ورحمة؟» فقال إبراهيم يا أمير المؤمنين: ما بقي منّي جزء فيه حزن إلا وقد امتلأ عزاء. وفي أيّامه خرج صاحب فخّ [٢] ، وهو الحسين بن عليّ بن الحسن ابن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ﵇ . شرح كيفيّة الوقعة بفخّ كان الحسين بن عليّ من رجال بني هاشم وسادتهم وفضلائهم، وكان قد عزم على الخروج، واتّفق معه جماعة من أعيان أهل بيته، ثمّ وقع من عامل المدينة تهضّم [٣] لبعض آل عليّ ﵇ . فثار آل أبي طالب بسبب ذلك،

стр. 183

واجتمع إليهم ناس كثيرون، وقصدوا دار الإمارة فتحصّن منهم عاملها، فكسروا السّجون وأخرجوا من بها. وبويع الحسين بن عليّ- ﵇ ثمّ نما أمرهم، فأرسل إليهم محمّد بن سليمان- وقالوا: سليمان بن المنصور- في عسكر فالتقوا بموضع يقال له فخّ بين مكّة والمدينة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثمّ قتل الحسين بن عليّ- ﵁ وحمل رأسه إلى موسى الهادي، فلمّا وضع الرأس بين يديه قال لمن أحضره: كأنكم قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت! إنّ أقلّ ما أجزيكم به حرمانكم. ولم يطلق لهم شيئا. وكان الحسين بن عليّ- ﵁ صاحب فخّ شجاعا كريما. قدم على المهديّ فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرّقها في الناس ببغداد والكوفة، وخرج من الكوفة لا يملك ما يلبسه إلا فروا ما تحته قميص ﵁ وسلّم عليه) . ولم تطل مدّة الهادي، فيقال: إن أمّه الخيزران أمرت جواريها بقتله، فجلسوا على وجهه حتّى مات. وسبب ذلك قد اختلف فيه، فقيل. إنّ الخيزران كانت متبسّطة [١] في دولة المهديّ تأمر وتنهى، وتشفع وتبرم وتنقض، والمواكب تروح وتغدو إلى بابها. فلمّا ولي الهادي وكان شديد الغيرة كره ذلك، وقال لها: ما هذه المواكب التي يبلغني أنها تغدو وتروح إلى بابك؟ أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكّرك، أو بيت يصونك؟ والله- وإلا أنا نفي من قرابة رسول الله- ﷺ لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد قوّادي وخاصّتي لأضربنّ عنقه ولأقبضنّ ماله. ثمّ قال لأصحابه: أيّما خير، أنا وأمّي أم أنتم وأمّهاتكم؟ قالوا: بل أنت وأمّك، قال: فأيّكم يحبّ أن يتحدّث الرّجال بخبر أمّه فيقال: فعلت

стр. 184

أمّ فلان وصنعت أمّ فلان؟ قالوا: لا نحبّ ذلك، قال: فما بالكم تأتون أمّي فتتحدّثون بحديثها؟ فلمّا سمعوا ذلك انقطعوا عنها. ثمّ بعث لها طعاما مسموما فلم تأكل منه، ثمّ قتلته. وقيل: بل السّبب أنّ الهادي عزم على خلع أخيه هارون الرّشيد وأخذ البيعة لابنه جعفر، فخافت الخيزران على هارون- وكانت تحبّه- ففعلت بالهادي ما فعلت ومات الهادي في سنة سبعين ومائة، والليلة التي مات فيها هي ليلة مات فيها خليفة وجلس خليفة، وولد خليفة، وقد كانوا يحدّثون أنّه سيكون ليلة كذلك. فالخليفة الّذي مات فيها هو الهادي، والّذي جلس فيها على سرير الخلافة هو الرّشيد والّذي ولد فيها هو المأمون. شرح حال الوزارة في أيّامه لما بويع بالخلافة استوزر الرّبيع بن يونس. وقد سبق شرح طرف من سيرته ونسبه. ثمّ استوزر بعده إبراهيم بن ذكوان الحرّاني.

стр. 185

وزارة إبراهيم بن ذكوان الحرّانيّ للهادي كان إبراهيم قد اتّصل بالهادي في أيّام حداثته [١] ، كان يدخل إليه مع معلّم كان يعلم الهادي، فخفّ إبراهيم على قلب الهادي وصار لا يصبر عنه، ثمّ سعى به إلى المهديّ فكره لابنه صحبته، فنهاه عنه فما انتهى، فتهدّده بالقتل، والهادي لا يباعده فاشتدّت به السّعايات إلى المهديّ، فأرسل إلى ابنه الهادي أن أرسل إليّ إبراهيم الحرّانيّ وإلا خلعتك من الخلافة، فأرسله إليه صحبة بعض خدمه مرفّها، فوصل إليه والمهديّ يريد الركوب إلى الصّيد، فلمّا رآه قال: يا إبراهيم، والله لأقتلنّك، والله لأقتلنّك والله لأقتلنّك. ثم قال: احفظوه حتّى أعود من الصّيد. فأقبل على الدّعاء والتضرّع فاتّفق أنّ المهديّ أكل الطّعام المسموم كما تقدّم شرحه فمات من ساعته، وتخلّص الحرّانيّ وجلس الهادي على سرير الخلافة. ثم بعد ذلك بمديدة [٢] استوزر الحرّانيّ، ولم تطل الأيّام حتى مات الهادي. انقضت أيّام الهادي ووزرائه. ثمّ ملك بعده أخوه هارون الرّشيد. خلافة هارون الرّشيد بويع بالخلافة في سنة سبعين ومائة. كان الرشيد من أفاضل الخلفاء وفصحائهم، وعلمائهم وكرمائهم. كان يحجّ سنة ويغزو سنة، كذلك مدّة خلافته إلا سنين قليلة. قالوا: وكان يصلّي في كلّ يوم مائة ركعة، وحجّ ماشيا، ولم يحجّ خليفة ماشيا غيره. وكان إذا حجّ حجّ معه مائة

стр. 186

من الفقهاء وأبناؤهم، وإذا لم يحجّ أحجّ ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الظاهرة. وكان يتشبّه في أفعاله بالمنصور إلا في بذل المال، فإنه خليفة أسمح منه بالمال وكان لا يضيع عنده إحسان محسن ولا يؤخّر. وكان يحبّ الشّعر والشّعراء ويميل إلى أهل الأدب والفقه، ويكره المراء في الدين، وكان يحبّ المديح، ولا سيّما من شاعر فصيح ويجزل العطاء عليه. قال الأصمعيّ: صنع الرّشيد طعاما: وزخرف [١] مجالسه وأحضر أبا العتاهية [٢] وقال له: صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدّنيا. فقال أبو العتاهية: عش ما بدا لك سالما ... في ظلّ شاهقة القصور فقال الرشيد: أحسنت، ثمّ ماذا؟ فقال: يسعى عليك بما اشتهيت ... لدى الرّواح أو البكور فقال: حسن، ثم ماذا؟ فقال: فإذا النّفوس تقعقعت [٣] ... في ظلّ حشرجة [٤] الصّدور فهناك تعلم موقنا ... ما كنت إلا في غرور (كامل) فبكى الرّشيد، فقال الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فحزّنته! فقال الرشيد: دعه فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا منه. وكان الرشيد يتواضع للعلماء، قال أبو معاوية الضّرير وكان من علماء الناس: أكلت مع الرّشيد يوما فصبّ على يديّ الماء رجل، فقال لي: يا أبا معاوية

стр. 187

أتدري من صبّ الماء على يدك؟ فقلت: لا يا أمير المؤمنين، قال: أنا، فقلت: يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا إجلالا للعلم؟ قال: نعم. في أيّامه خرج يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن. شرح كيفيّة الحال في خروج يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ- بن أبي طالب ﵇ كان يحيى بن عبد الله قد خاف مما جرى على أخويه: النّفس الزكيّة وإبراهيم قتيل باخمرى. فمضى إلى الدّيلم [١] فاعتقدوا فيه استحقاق الإمامة وبايعوه واجتمع إليه الناس من الأمصار وقويت شوكته. فاغتمّ الرشيد لذلك وندب إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألفا، وولاه جرجان وطبرستان والرّيّ وغير ذلك. فتوجّه ابن يحيى بالجنود فلطف بيحيى بن عبد الله وحذّره وخوّفه ورغّبه، فمال يحيى إلى الصّلح وطلب أمانا بخطّ الرّشيد، وأن يشهد عليه فيه القضاة والفقهاء، وجلة بني هاشم، فأجابه الرشيد إلى ذلك وسرّ به، وكتب له أمانا بليغا بخطّه، وشهد عليه فيه القضاة والفقهاء ومشايخ بني هاشم، وسيّر الأمان مع هدايا وتحف، فقدم يحيى مع الفضل فلقيه الرشيد في أوّل الأمر بكلّ ما أحبّ، ثم حبسه عنده، واستفتى الفقهاء في نقض اليمين، فمنهم من أفتى بصحته فحاجّه. ومنهم من أفتى ببطلانه فأبطله، ثم قتله بعد ظهور آية له عظيمة.

стр. 188

شرح الآية التي ظهرت في قضيّة يحيى بن عبد الله حضر رجل من آل الزبير بن العوّام عند الرشيد، وسعى بيحيى، وقال: إنه بعد الأمان فعل وصنع ودعا الناس إلى نفسه. فأحضره الرشيد من محبسه، وجمع بينه وبين الزّبيريّ، وسأله عن ذلك، فأنكر واقعة الزبيريّ، فقال له يحيى إن كنت صادقا فاحلف فقال الزبيريّ: والله الطالب الغالب- وأراد أن يتمّم اليمين- فقال له يحيى: دع هذه اليمين، فإن الله تعالى إذا مجّده العبد لم يعجّل عقوبته ولكن احلف له بيمين البراءة وهي يمين عظمي، صورتها أن يقول عن نفسه: بريء من حول الله وقوّته، ودخل في حول نفسه وقوّتها إن كان كذا وكذا. فلما سمع الزّبيريّ هذه اليمين ارتاع لها وقال: ما هذه اليمين الغريبة؟ وامتنع من الحلف بها. فقال له الرشيد: ما معنى امتناعك؟ إنّ كنت صادقا فيما تقول فما خوفك من هذه اليمين؟ فحلف بها، فما خرج من المجلس حتى ضرب برجله ومات وقيل ما انقضى النهار حتّى مات، فحملوه إلى القبر وحطّوه فيه وأرادوا أن يطمّوا القبر بالتّراب، فكانوا كلّما جعلوا التّراب فيه ذهب التراب ولا ينطمّ القبر فعلموا أنّها آية سماويّة، فسقفوا القبر وراحوا. وإلى ذلك أشار أبو فراس بن حمدان [١] في ميميّته بقوله: يا جاهدا في مساويهم يكتّمها ... غدر الرّشيد بيحيى كيف ينكتم؟ ذاق الزّبيريّ [٢] غبّ الحنث وانكشفت ... عن ابن فاطمة [٣] الأقوال والتّهم

стр. 189

ومع ظهور مثل هذه الآية العظيمة قتل يحيى في الحبس شرّ قتلة. وكانت دولة الرشيد من أحسن الدول، وأكثرها وقارا ورونقا وخيرا وأوسعها رقعة مملكة. جبى الرّشيد معظم الدنيا، وكان أحد عمّاله صاحب مصر ولم يجتمع على باب خليفة من العلماء والشّعراء والفقهاء، والقرّاء والقضاة والكتّاب والندماء ما اجتمع على باب الرشيد. وكان يصل كلّ واحد منهم أجزل صلة، ويرفعه إلى أعلى درجة. وكان فاضلا شاعرا، راوية للأخبار والآثار والأشعار صحيح الذوق والتمييز، مهيبا عند الخاصّة والعامّة. قبض على موسى بن جعفر- ﵉ وأحضره في قبّة إلى بغداد فحبسه بدار السنديّ [١] بن شاهك، ثم قتل وأظهر أنه مات حتف أنفه [٢] .

стр. 190

شرح كيفيّة الحال في ذلك كان بعض حسّاد موسى بن جعفر من أقاربه قد وشى به إلى الرشيد، وقال له: إنّ الناس يحملون إلى موسى خمس أموالهم، ويعتقدون إمامته، وإنه على عزم الخروج عليك، وكثّر في القول، فوقع ذلك عند الرشيد بموقع أهمّه وأقلقه، ثمّ أعطى الواشي مالا أحاله به على البلاد، فلم يستمتع به، وما وصل المال من البلاد إلا وقد مرض مرضة شديدة ومات فيها. وأمّا الرشيد: فإنه حجّ في تلك السنة، فلمّا ورد المدينة قبض على موسى ابن جعفر- ﵉ وحمله في قبّة إلى بغداد، فحبسه عند السّنديّ بن شاهك وكان الرشيد بالرقّة فأمر بقتله فقتل قتلا خفيا، ثم أدخلوا عليه جماعة من العدول [١] بالكوخ ليشاهدوه، إظهارا أنه مات حتف أنفه (صلوات الله عليه وسلامه) . ومات الرّشيد بطوس [٢] ، وكان خرج إلى خراسان لمحاربة رافع بن اللّيث ابن نصر بن سيّار [٣] ، وكان هذا رافع قد خرج وخلع الطاعة، وتغلّب على سمرقند [٤] وقتل عاملها، وملكها وقويت شوكته، فخرج الرشيد بنفسه إليه، فمات بطوس في سنة ثلاث وتسعين ومائة. شرح حال الوزارة في أيّامه لما بويع بالخلافة استوزر كاتبه قبل الخلافة يحيى بن خالد بن برمك، وظهرت دولة بني برمك مذ حينئذ.؟

стр. 191

شرح أحوال الدّولة البرمكيّة وذكر مبدئها ومآلها كانوا قديما على دين المجوس، ثمّ أسلم من أسلم منهم وحسن إسلامهم، وقد ذكرنا وزارة جدّهم خالد بن برمك في أيام المنصور، ونذكر ها هنا وزارة الباقين وقبل الخوض في ذلك، فهذه كلمات تعرف منها نبذة من أحوال هذه الدولة. اعلم أنّ هذه الدولة كانت غرّة في جبهة الدّهر، وتاجا على مفرق العصر ضربت بمكارمها الأمثال، ومنحتها أوفر إسعادها، فكان يحيى وبنوه كالنّجوم زاهرة والبحور زاخرة، والسّيول دافعة، والغيوث ماطرة، أسواق الآداب عندهم نافقة ومراتب ذوي الحرمات عندهم عالية والدنيا في أيامهم عامرة وأبهة المملكة ظاهرة، وهم ملجأ اللهف [١] ، ومعتصم الطّريد [٢] ولهم يقول أبو نواس: سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمك من رائحين وغاد (طويل) ذكر وزارة يحيى بن خالد للرّشيد لما جلس الرشيد على سرير المملكة، استوزر يحيى بن خالد بن برمك، وكان كاتبه ونائبة ووزيره قبل الخلافة، فنهض يحيى بن خالد بأعباء الدولة أتمّ نهوض، وسدّ الثغور وتدارك الخلل، وجبى الأموال وعمّر الأطراف، وأظهر رونق الخلافة، وتصدّى لمهمّات المملكة، وكان كاتبا بليغا، لبيبا أديبا سديدا، صائب الآراء حسن التدبير ضابطا لما تحت يده قويّا على الأمور، جوادا يباري الريح كرما وجودا، ممدّحا بكلّ لسان، حليما عفيفا وقورا مهيبا، وله يقول القائل: لا تراني مصافحا كفّ يحيى ... إنّني إن فعلت ضيّعت مالي لو يمسّ البخيل راحة يحيى ... لسخت نفسه ببذل النّوال ومن آراء يحيى السّديدة، ما قاله للهادي وقد عزم على أن يخلع أخاه هارون من الخلافة ويبايع لابنه جعفر بن الهادي- وكان يحيى كاتب الرشيد وهو يترجّى أن يتولّى هارون الخلافة فيصير هو وزير الدولة- فخلا الهادي بيحيى

стр. 192

ووهب له عشرين ألف دينار وحادثة في خلع هارون أخيه والمبايعة لجعفر ابنه، فقال له يحيى: «يا أمير المؤمنين، إن فعلت حملت الناس على نكث الأيمان [١] ونقض العهود، وتجرّأ الناس على مثل ذلك ولو تركت أخاك هارون على ولاية العهد، ثمّ بايعت لجعفر بعده، كان ذلك أوكد في بيعته، فترك الهادي الأمر مدة ثم غلب عليه حبّ الولد، فأحضر يحيى مرّة ثانية وفاوضه في ذلك، فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين، لو حدث بك حادث الموت، وقد خلعت أخاك وبايعت لابنك جعفر وهو صغير دون البلوغ- أفترى كانت خلافته تصحّ، وكان مشايخ بني هاشم يرضون ذلك ويسلّمون الخلافة إليه؟ قال: لا، قال يحيى: فدع هذا الأمر حتى يأتيه عفوا، ولو لم يكن المهديّ بايع لهارون لوجب أن تبايع أنت له لئلا تخرج الخلافة من بني أبيك، فصوّب الهادي رأيه، وكان الرشيد بعد ذلك يرى هذه من أعظم أيادي يحيى بن خالد عنده. ومن مكارمه: قيل: إنّ الرشيد لمّا نكب البرامكة واستأصل شأفتهم، حرّم على الشعراء أن يرثوهم، وأمر بالمؤاخذة على ذلك، فاجتاز بعض الحرّاس ببعض الخربات فرأى إنسانا واقفا، وفي يده رقعة فيها شعر يتضمّن رثاء البرامكة، وهو ينشد ويبكي فأخذه الحرس فأتي به إلى الرّشيد وقصّ عليه الصّورة، فاستحضره الرشيد وسأله عن ذلك فاعترف به، فقال له الرشيد، أما سمعت تحريمي لرثائهم؟ لأفعلنّ بك ولأصنعنّ فقال: يا أمير المؤمنين، إن أذنت لي في حكاية حالي حكيتها، ثمّ بعد ذلك أنت ورأيك قال: قل، قال: إنّي كنت من أصغر كتّاب يحيى بن خالد وأرقّهم حالا، فقال لي يوما: أريد أن تضيفني في دارك يوما، فقلت: يا مولانا أنا دون ذلك، وداري لا تصلح لهذا، قال: لا بدّ من ذلك، قلت: فإن كان لا بدّ فأمهلني مدة حتّى أصلح شأني ومنزلي، ثمّ بعد ذلك أنت ورأيك، قال: كم أمهلك؟ قلت: سنة، قال: كثير قلت فشهورا، قال: نعم فمضيت وشرعت في إصلاح المنزل وتهيئة أسباب الدعوة فلما تهيأت الأسباب أعلمت الوزير بذلك، فقال: نحن

стр. 193

غدا عندك، فمضيت وتهيّأت في الطعام والشراب وما يحتاج إليه فحضر الوزير في غد ومعه ابناه جعفر والفضل وعدّة يسيرة من خواصّ أتباعه، فنزل عن دابّته ونزل ولداه جعفر والفضل، وقال: يا فلان أنا جائع فعجّل لي بشيء، فقال لي الفضل ابنه: الوزير يحبّ الفراريج المشويّة فعجّل منها ما حضر، فدخلت وأحضرت منها شيئا فأكل الوزير ومن معه، ثم قام يتمشّى في الدار وقال: يا فلان فرّجنا في دارك، فقلت يا مولانا هذه هي داري ليس لي غيرها، قال: بل لك غيرها قلت والله ما أملك سواها، فقال: هاتوا بنّاء، فلما حضر قال له: افتح في هذا الحائط بابا، فمضى ليفتح، فقلت: يا مولانا، كيف يجوز أن يفتح باب إلى بيوت الجيران، والله أوصى بحفظ الجار؟ قال: لا بأس في ذلك، ثمّ فتح الباب، فقام الوزير وأبناؤه فدخلوا فيه وأنا معهم، فخرجوا منه إلى بستان حسن كثير الأشجار، والماء يتدفّق فيه، وبه من المقاصير والمساكن ما يروق كلّ ناظر، وفيه من الآلات والفرش والخدم والجواري كلّ جميل بديع، فقال: هذا المنزل وجميع ما فيه لك، فقبّلت يده ودعوت له وتحقّقت القصّة، فإذا هو من يوم حادثني في معنى الدعوة قد أرسل واشترى الأملاك المجاورة لي وعمرها دارا حسنة، ونقل إليها من كلّ شيء وأنا لا أعلم، وكنت أرى العمارة فأحسبها لبعض الجيران، فقال لابنه جعفر: يا بنيّ، هذا منزل وعيال، فالمادّة من أين تكون له؟ قال جعفر: قد أعطيته الضّيعة الفلانيّة بما فيها وسأكتب له بذلك كتابا، فالتفت إلى ابنه الفضل، وقال له: يا بني، فمن الآن إلى أن يدخل دخل هذه الضيعة ما الّذي ينفق؟ فقال الفضل: عليّ عشرة آلاف دينار أحملها إليه، فقال: فعجّلا له ما قلتما، فكتب لي جعفر بالضّيعة وحمل الفضل إليّ المال فأثريت وارتفعت حالي، وكسبت بعد ذلك معه مالا طائلا، أنا أتقلب فيه إلى اليوم فو الله يا أمير المؤمنين ما أجد فرصة أتمكّن فيها الثناء عليهم والدّعاء لهم إلا انتهزتها مكافأة لهم على إحسانهم ولن أقدر على مكافأتهم! فان كنت قاتلي على ذلك فافعل ما بدا لك. فرقّ الرشيد لذلك وأطلقه، وأذن لجميع الناس في رثائهم.

стр. 194

قيل: إنّ هارون حجّ ومعه يحيى بن خالد بن برمك، ومعه ولداه الفضل وجعفر فلمّا وصلوا إلى مدينة الرّسول- صلوات الله عليه- جلس الرشيد ومعه يحيى فأعطيا الناس، وجلس الأمين ومعه الفضل بن يحيى فأعطيا الناس، وجلس المأمون ومعه جعفر فأعطيا الناس، فأعطوا في تلك السنة ثلاث أعطيات ضربت بكثرتها الأمثال، وكانوا يسمونه عام الأعطيات الثلاث، وأثرى الناس بسبب ذلك. وفي ذلك يقول الشّاعر: أتانا بنو الآمال من آل برمك ... فيا طيب أخبار ويا حسن منظر لهم رحلة في كلّ عام إلى العدا ... وأخرى إلى البيت العتيق المستّر إذا نزلوا بطحاء مكّة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر فتظلم بغداد وتجلو لنا الدجى ... بمكة ما تمحو ثلاثة أقمر فما خلقت إلّا لجود أكفّهم ... وأقدامهم إلّا لأعواد منبر إذا راض يحيى الأمر ذلّت صعابه ... وناهيك من راع له ومدبّر (طويل) كان يحيى يقول: ما خاطبني أحد إلا هبته حتّى يتكلم فإذا تكلم كان بين اثنتين إما أن تزيد هيبته، أو تضمحلّ. وكان يقول: المواعيد شباك الكرام يصيدون بها محامد الأحرار. كان يحيى إذا ركب يعدّ صررا في كلّ صرّة مائتا درهم يدفعها إلى المتعرّضين له. سيرة ولده الفضل بن يحيى كان الفضل من كرام الدنيا وأجواد أهل عصره. وكان قد أرضعته أمّ هارون الرشيد، وأرضعت أمّه الرّشيد، وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة: [١]

стр. 195

كفى لك فخرا أنّ أكرم حرّة ... غذتك بثدي والخليفة واحد لقد زنت يحيى في المشاهد كلّها ... كما زان يحيى خالدا في المشاهد (طويل) ولّاه الرشيد خراسان فخرج إليه أبو الهول الشاعر مادحا. معتذرا من شعر كان هجاه به، فأنشده: سرى نحوه من غضبة الفضل عارض ... له لجة فيها البوارق والرّعد وكيف ينام الليل ملق فراشه ... على مدرج يعتاده الأسد الورد وما لي إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... من الجرم ما يخشى على مثله الحقد فجد بالرّضا لا أبتغي منك غيره ... ورأيك فيما كنت عوّدتني بعد (طويل) فقال له الفضل: لا أحتمل تفريقك بين رضاي وإحساني، وهما مقرونان فإن أردتهما معا وإلّا فدعهما معا، ثم وصله ورضي عنه. حدّث إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: كنت قد ربّيت جارية حسنة الوجه وثقفتها وعلّمتها حتّى برعت، ثم أهديتها إلى الفضل بن يحيى، فقال لي: يا إسحاق إن رسول صاحب مصر قد ورد إليّ يسألني حاجة أقترحها عليه، فدع هذه الجارية عندك فإنّني سأطلبها وأعلمه أني أريدها، فإنّه سوف يحضر إليك يساومك فيها، فلا تأخذ فيها أقلّ من خمسين ألف دينار، قال إسحاق: فمضيت بالجارية إلى منزلي، فجاء إليّ رسول صاحب مصر وسألني عن الجارية، فأخرجتها إليه، فبذل فيها عشرة آلاف دينار فامتنعت، فصعد إلى عشرين ألف دينار، فامتنعت، فصعد إلى ثلاثين ألفا، فما ملكت نفسي حتى قلت له: بعتك، وسلّمت الجارية إليه وقبضت منه المال، ثم إنني أتيت من الغد إلى الفضل بن يحيى، فقال لي: يا إسحاق: بكم بعت الجارية؟ قلت بثلاثين ألف دينار، قال: ألم أقل لك لا تأخذ منه أقلّ من خمسين ألفا؟ قلت: فداك أبي وأمي والله ما ملكت نفسي منذ سمعت لفظة ثلاثين ألفا! فتبسّم ثمّ قال: إنّ رسول صاحب الروم قد سألني أيضا حاجة، وسأقترح عليه هذه الجارية وأدلّه عليك، فخذ جاريتك وانصرف إلى منزلك، فإذا

стр. 196

ساومك فيها فلا تأخذ منه أقلّ من خمسين ألف دينار فأخذت الجارية وانصرفت إلى منزلي، فأتاني رسول صاحب الروم وساومني في الجارية فطلبت خمسين ألفا، فقال: هذا كثير ولكن تأخذ منّي ثلاثين ألفا، فو الله ما ملكت نفسي منذ سمعت لفظة ثلاثين ألفا حتى قلت له: قد بعتك! ثم قبضت المال منه وسلّمت الجارية إليه، ومضيت من الغد إلى الفضل بن يحيى، فقال: ما صنعت؟ وبكم بعت الجارية يا إسحاق؟ قلت: بثلاثين ألفا، قال: سبحان الله! ما أوصيتك ألا تأخذ فيها أقلّ من خمسين ألفا، قلت: جعلت فداك! والله إنّي لما سمعت قوله: ثلاثين ألفا استرخت جميع أعضائي! فضحك وقال: خذ جاريتك واذهب إلى منزلك، ففي غد يجيء إليك رسول صاحب خراسان فقوّ نفسك، ولا تأخذ منه أقلّ من خمسين ألفا قال إسحاق. فأخذت الجارية ومضيت إلى منزلي، فجاءني رسول صاحب خراسان وساومني فيها، فطلبت خمسين ألفا، فقال لي: هذا كثير، ولكن تأخذ ثلاثين ألفا فقويت نفسي وامتنعت فصعد معي إلى أربعين ألف دينار فكاد عقلي يذهب من الفرح ولم أتمالك أن قلت له: بعتك. فأحضر المال وأقبضنيه وسلّمت الجارية إليه ومضيت من الغد إلى الفضل. فقال لي: يا إسحاق، بكم بعت الجارية؟ قلت بأربعين ألفا، والله لما سمعتها منه كاد عقلي يذهب، وقد حصل عندي- جعلت فداك- مائة ألف دينار ولم يبق لي أمل، فأحسن الله جزاءك، فأمر بالجارية فأخرجت إليّ، وقال: يا إسحاق: خذ جاريتك وانصرف. قال إسحاق: فقلت: هذه الجارية والله أعظم الناس بركة فأعتقتها وتزوّجتها فولدت لي أولادي. قيل: إنّ محمّد بن إبراهيم الإمام بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس، حضر يوما عند الفضل بن يحيى ومعه سفط فيه جوهر، وقال له: إنّ حاصلي قد قصّر عمّا أحتاج إليه، وقد علاني دين مبلغه ألف درهم، وإني أستحي أن أعلم أحدا بذلك وآنف أن أسأل أحدا من التجار أن يقرضني ذلك، وإن كان معي رهن يفي بالقيمة وأنت- أبقاك الله- لك تجار يعاملونك، وأنا أسألك أن تقترض لي من أحدهم هذا المبلغ وتعطيه هذا الرهن، فقال له الفضل: السّمع والطاعة، ولكنّ نجح هذه الحاجة أن تقيم عندي هذا اليوم، فأقام ثمّ إن الفضل أخذ السّفط منه وهو مختوم

стр. 197

بختمه، وأرسل معه ألف ألف درهم، ونفّذ الدراهم والسّفط إلى منزله، وأخذ خطّ وكيله بقبضه، وأقام محمّد في دار الفضل إلى آخر النهار، ثم انصرف إلى داره، فوجد السفط ومعه ألف ألف درهم فسرّ بذلك سرورا عظيما، فلمّا كان الغد بكّر إلى الفضل ليشكره على ذلك فوجده قد بكّر إلى دار الرّشيد فمضى محمّد إلى الرشيد، فلمّا علم الفضل به خرج من باب آخر ومضى إلى دار أبيه فمضى محمّد إليه وشكره على فعله، وقال له: إنّي بكرت إليك لأشكرك على إحسانك، فقال له الفضل: إنّي فكّرت في أمرك فرأيت أنّ هذه الألف ألف التي حملتها أمس إليك لتقضي بها دينك ثم تحتاج فتقترض، فبعد قليل يعلوك مثلها، فبكرت اليوم إلى أمير المؤمنين وعرضت عليه حالك، وأخذت لك مائة ألف ألف درهم أخرى، ولمّا حضرت إلى أمير المؤمنين خرجت أنا بباب آخر، وكذلك فعلت لما حضرت إلى باب أبي، لأني ما كنت أوثر أن ألقاك حتّى يحمل المال إلى منزلك، وقد حمل. فقال له محمّد: بأيّ شيء أجازيك على هذا الإحسان؟ ما عندي شيء أجازيك به إلّا أني ألتزم بالأيمان المؤكدة وبالطلاق والعتاق والحجّ، أنّي ما أقف على باب غيرك ولا أسأل سواك. قالوا وحلف محمد أيمانا مؤكدة وكتب بها خطّه، وأشهد بها عليه أنه لا يقف بباب غير باب الفضل بن يحيى، فلما ذهبت دولة البرامكة وتولّى الفضل بن الربيع، فلم يفعل والتزم باليمين، فلم يركب إلى أحد، ولم يقف على باب أحد حتّى مات. سيرة جعفر بن يحيى البرمكيّ كان جعفر بن يحيى فصيحا لبيبا ذكيّا فطنا، كريما حليما، وكان الرشيد يأنس به أكثر من أنسه بأخيه الفضل! لسهولة أخلاق جعفر، وشراسة أخلاق الفضل. وقال الرشيد يوما ليحيى: يا أبي ما بال الناس يسمّون الفضل الوزير الصغير ولا يسمون جعفرا بذلك؟ فقال يحيى: إنّ خدمتك ومنادمتك يشغلانه عن ذلك. فجعل إليه أمر دار الرشيد: فسمّي بالوزير الصّغير أيضا.

стр. 198

قال الرشيد يوما ليحيى: قد أحببت أن أنقل ديوان الخاتم من الفضل إلى جعفر وقد استحييت من مكاتبته في هذا المعنى، فاكتب أنت إليه، فكتب يحيى إلى الفضل: «قد أمر أمير المؤمنين- أعلى الله أمره- أن تحوّل الخاتم من يمينك إلى شمالك، فأجابه الفضل: «قد سمعت لما أمر أمير المؤمنين في أخي، وما انتقلت عني نعمة صارت إليه ولا غربت عني رتبة طلعت عليه!» فقال جعفر: للَّه درّ أخي، ما أكيس نفسه وأظهر دلائل الفضل عليه، وأقوى منّة العقل عنده، وأوسع في البلاغة ذرعه!. قيل: إنّ جعفر بن يحيى البرمكيّ جلس يوما للشرب، وأحبّ الخلوة، فأحضر ندماءه الذين يأنس بهم وجلس معهم، وقد هيّئ المجلس ولبسوا الثياب المصبّغة. (وكانوا إذا جلسوا في مجلس الشراب واللهو، لبسوا الثياب الحمر والصّفر والخضر) ثم أن جعفر بن يحيى تقدّم إلى الحاجب ألّا يأذن لأحد من خلق الله تعالى سوى رجل من النّدماء كان قد تأخّر عنهم، اسمه: عبد الملك بن صالح [١] ، ثم جلسوا يشربون ودارت الكاسات وخفقت العيدان، وكان رجل من أقارب الخليفة يقال له: عبد الملك بن صالح ابن عليّ بن العباس، كان شديد الوقار والدين والحشمة، وكان الرشيد قد التمس منه أن ينادمه ويشرب معه، وبذل له على ذلك أموالا جليلة فلم يفعل، فاتّفق أنّ هذا عبد الملك بن صالح حضر إلى باب جعفر بن يحيى ليخاطبه في حوائج له، فظنّ الحاجب أنّه عبد الملك بن صالح الّذي تقدّم جعفر ابن يحيى بالإذن له، وألا يدخل غيره، فأذن الحاجب له، فدخل عبد الملك بن صالح العبّاسي على جعفر بن يحيى، فلما رآه جعفر كاد عقله يذهب من الحياء، وفطن أن القضية قد اشتبهت على الحاجب بطريق اشتباه الاسم، وفطن عبد الملك بن صالح أيضا للقصّة، وظهر له الخجل في وجه جعفر بن يحيى فانبسط عبد الملك وقال: لا بأس عليكم، أحضروا لنا من هذه الثياب المصبغة شيئا وأحضر له.

стр. 199

قميص مصبوغ، فلبسه وجلس يباسط جعفر بن يحيى ويمازحه، وقال: اسقونا من شرابكم فسقوه رطلا، وقال: ارفقوا بنا فليس لنا عادة بهذا ثمّ باسطهم ومازحهم، وما زال حتّى انبسط جعفر بن يحيى وزال انقباضه وحياؤه، ففرح جعفر بذلك فرحا شديدا، وقال له: ما حاجتك؟ قال: جئت- أصلحك الله- في ثلاث حوائج، أريد أن تخاطب الخليفة فيها: أوّلها: أنّ عليّ دينا مبلغه ألف درهم أريد قضاءه وثانيها؟: أريد ولاية لابني يشرف بها قدره، وثالثها: أن تزوّج ولدي بابنة الخليفة فإنّها بنت عمه، وهو كفء لها، فقال له جعفر بن يحيى- قد قضى الله هذه الحوائج الثلاث، أما المال، ففي هذه الساعة يحمل إلى منزلك، وأما الولاية، فقد ولّيت ابنك مصر، وأمّا الزّواج، فقد زوجته فلانة ابنة مولانا أمير المؤمنين على صداق مبلغه كذا وكذا، فانصرف في أمان الله، فراح عبد الملك إلى منزله فرأى المال قد سبقه، ولمّا كان من الغد حضر جعفر عند الرشيد وعرّفه ما جرى وأنه قد ولى ابنه مصر وزوّجه ابنته فعجب الرشيد من ذلك وأمضى العقد والولاية، فما خرج جعفر من دار الرّشيد حتى كتب له التقليد بمصر وأحضر القضاة والشهود وعقد العقد. وقيل: إنّ جعفر بن يحيى كان بينه وبين صاحب مصر عداوة ووحشة، وكان كلّ منهما مجانبا للآخر، فزوّر بعض الناس كتابا عن لسان جعفر بن يحيى إلى صاحب مصر، مضمونه: أنّ حامل هذا الكتاب من أخصّ أصحابنا، وقد آثر التفرّج في الديار المصريّة، فأريد أن تحسن الالتفات إليه، وبالغ في الوصيّة، ثم أخذ الكتاب ومضى إلى مصر وعرضه على صاحبها، فلما وقف عليه تعجّب منه وفرح به، إلا أنه حصل عنده ارتياب وشكّ في هذا الكتاب، فأكرم الرّجل وأنزله في دار حسنة، وأقام له ما يحتاج إليه، وأخذ الكتاب منه وأرسله إلى وكيله ببغداد وقال له: قد وصل شخص من أصحاب الوزير بهذا الكتاب، وقد ارتبت به، فأريد أن تتفحّص لي عن حقيقة الحال في ذلك، وهل هذا خطّ الوزير أم لا؟ وأرسل كتاب الوزير صحبة مكتوبة إلى وكيله فجاء الوكيل إلى وكيل الوزير وحدّثه بالقصّة وأراه الكتاب، فأخذه وكيل الوزير ودخل إلى الوزير وعرّفه الحال، فلما

стр. 200

وقف جعفر بن يحيى على الكتاب علم أنه مزوّر عليه وكان عنده جماعة من ندمائه ونوّابه فرمى الكتاب عليهم، وقال لهم: أهذا خطّي؟ فتأمّلوه وأنكروه كلّهم وقالوا هذا مزوّر، فعرّفهم صورة الحال وأنّ الّذي زوّر هذا الكتاب موجود بمصر عند صاحبها، وأنه ينتظر عود الجواب بتحقيق حاله، وقال لهم: ما ترون، وكيف ينبغي أن نفعل في هذا؟ فقال بعضهم: ينبغي أن يقتل هذا الرّجل حتى تنحسم هذه المادّة، ولا يرجع أحد يتجرّأ على مثل هذا الفعل، وقال آخر: ينبغي أن تقطع يمينه التي زوّر بها هذا الخطّ، وقال آخر: ينبغي أن يوجع ضربا ويطلق حال سبيله وكان أحسنهم محضرا من قال: ينبغي أن تكون عقوبته على هذا الفعل حرمانه، وأن يعرف صاحب مصر بحاله ليحرمه فيكفيه من العقوبة أن قطع هذه المسافة البعيدة من بغداد إلى مصر ثم يرجع خائبا، فلما فرغوا من حديثهم قال جعفر: سبحان الله! أليس فيكم رجل رشيد؟ قد علمتم ما كان بيني وبين صاحب مصر من العداوة والمجانبة، وأنّ كلّ واحد منّا كانت تمنعه عزّة النفس أن يفتح باب الصّلح، فقد قيّض الله لنا رجلا فتح بيننا باب المصالحة والمكاتبة، وأزال بيننا تلك العداوة، فكيف يكون جزاؤه ما ذكرتم من الإساءة؟ ثمّ أخذ القلم وكتب على ظاهر الكتاب إلى صاحب مصر: سبحان الله! كيف حصل لك الشّكّ في خطّي؟ هذا خطّ يدي، والرّجل من أعزّ أصحابي، وأريد أن تحسن إليه وتعيده إليّ سريعا، فإنّي مشتاق إليه محتاج إلى حضوره، فلمّا وصل الكتاب وفي ظاهره خطّ الوزير إلى صاحب مصر كاد يطير من الفرح، وأحسن إلى الرجل غاية الإحسان ووصله بمال كبير، وتحف جميلة، ثم إنّ الرجل رجع إلى بغداد وهو أحسن الناس حالا، فحضر إلى مجلس جعفر بن يحيى، فلما دخل سلم عليه ووقع يقبّل الأرض ويبكي، فقال له جعفر: من أنت يا أخي؟ قال: يا مولانا أنا عبدك وصنيعتك المزوّر الكذّاب فعرفه جعفر وبشّ له وأجلسه بين يديه وسأله عن حاله وقال له: كم وصل إليك منه فقال مائة ألف دينار، فاستقلّها جعفر وقال: لازمنا حتّى نضاعفها لك، فلازمه مدّة فكسب معه مثلها، وما زالت دولة البرامكة في علوّ وارتفاع وتزايد، حتى انحرفت عنهم الدّنيا.

стр. 201

أمارة تدلّ على انحراف دولتهم حدّث بختيشوع [١] الطبيب قال: دخلت يوما على الرشيد وهو جالس في قصر الخلد من مدينة السّلام، وكان البرامكة يسكنون بحذائه من الجانب الآخر، وبينهم وبينه عرض دجلة، قال: فنظر الرّشيد فرأى اعتراك الخيول وازدحام الناس على باب يحيى بن خالد، فقال: جزى الله يحيى خيرا! تصدّى للأمور وأراحني من الكدّ، ووفّر أوقاتي على اللّذة، ثم دخلت إليه بعد أوقات وقد شرع يتغيّر عليهم، فنظر فرأى الخيول كما رآها تلك المرة فقال: استبدّ يحيى بالأمور دوني، فالخلافة على الحقيقة له وليس لي منها إلّا اسمها؟ قال: فعلمت أنّه سينكبهم ثمّ نكبهم عقيب ذلك. شرح السّبب في نكبة البرامكة وكيفيّة الحال في ذلك اختلف أصحاب السّير والتواريخ في السّبب في ذلك، فقيل: إنّ الرشيد ما كان يصبر عن أخته عبّاسة ولا عن جعفر بن يحيى، فقال له: أزوّجكها حتّى يحلّ لك النظر إليها، فكانا يجتمعان وهما شابّان، ثم يقوم الرّشيد عنهما ويخلوان بأنفسهما، حتّى علم الرّشيد فكان ذلك سبب نكبة البرامكة. وقيل: كان سبب ذلك أن الرشيد كلّف جعفر بن يحيى قتل رجل من آل أبي طالب، فتحرّج جعفر من ذلك وأطلق الطالبيّ، وسعي إلى الرشيد بجعفر، فقال له ما فعل الطالبيّ؟ قال: هو في الحبس، قال الرشيد: بحياتي؟! ففطن جعفر فقال لا وحياتك، ولكن أطلقته لأني علمت أنه ليس عنده مكروه، فقال الرشيد: نعم ما فعلت! فلما قام جعفر قال الرّشيد: قتلني الله إن لم أقتلك! ثمّ نكبهم.

стр. 202

وقيل إنّ أعداء البرامكة، مثل الفضل بن الربيع، ما زالوا يسعون بهم إلى الرّشيد ويذكرون استبدادهم بالملك، واحتجانهم [١] للأموال، حتّى أوغروا صدره فأوقع بهم. وقيل: إنّ جعفرا والفضل ابني يحيى بن خالد، ظهر منهما من الإدلال ما لا تحتمله نفوس الملوك، فنكبهم لذلك. وقيل: إن يحيى بن خالد رئي وهو بمكّة يطوف حول البيت ويقول: اللَّهمّ إن كان رضاك في أن تسلبني نعمتك عندي، وتسلبني أهلي ومالي وولدي، فاسلبني إلا الفضل ولدي، ثمّ ولّى، فلما مشى قليلا عاد وقال: يا ربّ إنّه سمج بمثلي أن يستثني عليك اللَّهمّ والفضل، فنكبهم الرشيد بعد قليل. شرح مقتل جعفر بن يحيى والقبض على أهله كان الرشيد قد حجّ، فلمّا عاد من الحجّ سار من الحيرة إلى الأنبار في السّفن وركب جعفر بن يحيى إلى الصّيد، وجعل يشرب تارة ويلهو أخرى وتحف الرشيد وهداياه تأتيه، وعنده بختيشوع الطبيب، وأبو زكّار الأعمى يغنّيه، فلمّا أظلّ المساء دعا الرشيد مسرورا الخادم- وكان مبغضا لجعفر- وقال: اذهب فجئني برأس جعفر ولا تراجعني، فوافاه مسرور بغير إذن وهجم عليه وأبو زكّار يغنّيه: فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي (وافر) فلما دخل مسرور قال له جعفر بن يحيى: لقد سررتني بمجيئك، وسؤتني بدخولك عليّ بغير إذن! فقال: الّذي جئت له أعظم! أجب أمير المؤمنين إلى ما يريد بك، فوقع على رجليه فقبّلهما، وقال له: عاود أمير المؤمنين فإنّ الشراب قد حمله على ذلك، وقال: دعني أدخل داري فأوصي، فقال الدّخول لا سبيل إليه

стр. 203

وأما الوصيّة: فأوص بما بدا لك. فأوصى، ثمّ حمله إلى منزل الرّشيد وعدل به إلى قبّة وضرب عنقه وأتى برأسه على ترس إلى الرشيد وببدنه في نطع، ووجّه الرشيد فقبض على أبيه وإخوته وأهله وأصحابه، وحبسهم بالرقة واستأصل شأفتهم ومن طريف ما وقع في ذلك، ما رواه العمرانيّ المؤرّخ قال: حدّث فلان قال: دخلت الديوان فنظرت في بعض تذاكر النّواب، فرأيت فيها أربعمائة ألف دينار ثم خلعة لجعفر بن يحيى الوزير، ثمّ دخلت بعد أيّام فرأيت تحت ذلك عشرة قراريط ثمن نفط وبواري لإحراق جثّة جعفر بن يحيى فعجبت من ذلك. ثم استوزر الرّشيد بعد البرامكة الفضل بن الرّبيع وكان حاجبه. وزارة أبي العبّاس الفضل بن الرّبيع قد مضى ذكر أبيه، وأمّا الفضل فكان حاجبا للمنصور والمهديّ والهادي والرشيد، فلما نكب الرشيد البرامكة استوزره بعدهم. كان الفضل بن الربيع شهما خبيرا بأحوال الملوك وآدابهم، ولمّا ولي الوزارة تهوّس بالأدب، وجمع إليه أهل العلم، فحصل منه ما أراد في مدّة يسيرة، وكان أبو نواس [١] من شعرائه المنقطعين إليه، فمن شعره في آل الربيع: عبّاس عبّاس إذا اضطرم الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع (كامل) وما زال الفضل بن الربيع على وزارته إلى أن مات الرشيد بطوس، فجمع الفضل العسكر وما فيه، ورجع إلى بغداد، وسيرد باقي سيرته في أيّام الأمين. انفضت أيّام الرّشيد.

стр. 204

ثمّ ملك الأمين: محمّد بن زبيدة أمّه أمّ جعفر، زبيدة بنت جعفر بن المنصور، وليس في خلفاء بني العبّاس من أمّه وأبوه هاشميّان سواه، كان الأمين كثير اللهو واللّعب، منقطعا إلى ذلك مشتغلا به عن تدبير مملكته، قال ابن الأثير المؤرخ الجزري: لم نجد للأمين شيئا من سيرته نستحسنه فنذكره، وقال غيره: كان الأمين فصيحا بليغا كريما وفيه يقول بعض الشعراء يمدحه، ويعرّض بهجو المأمون أخيه: لم تلده أمة ... تعرف في السّوق التّجارا لا ولا، حدّ ولا خان ... ولا في الخزي جارا (رمل) يعرّض بالمأمون، لأن الرشيد كان قد حدّه في خمر. كان الرّشيد قد بايع للأمين بولاية العهد وللمأمون بعده، وكتب الكتب بذلك وأشهد فيها الشّهود، وأرسل نسخها إلى الأمصار، فعلّقت نسخة من تلك النّسخ على الكعبة وأكّد ذلك بكلّ ما إليه السّبيل، فلما مات بطوس كان المأمون في خراسان، ومعه جماعة من أكابر القوّاد، ووزيره الفضل بن سهل وكان الأمين ببغداد، وكان الفضل بن الربيع وزير الرشيد مع الرّشيد بطوس، فلما مات الرشيد جمع الفضل جميع ما في العسكر- وكان الرشيد قد أوصى به للمأمون- وتوجّه الفضل إلى بغداد فاستوزره الأمين، ثم اشتغل باللهو واللعب ومعاشرة المجّان، فأشار الفضل بن سهل وزير المأمون على المأمون بإظهار الورع والدّين وحسن السّيرة، فأظهر المأمون حسن السيرة واستمال القوّاد وأهل خراسان، وكان كلّما اعتمد الأمين حركة ناقصة، اعتمد المأمون حركة سديدة، ثم نشأت العداوة بينهما، وحسّن الفضل بن الرّبيع وغيره له أن يخلع أخاه المأمون من ولاية العهد، ويبايع لابنه موسى، فخلعه وبايع موسى، وسمّاه الناطق بالحقّ وبسبب ذلك كانت الفتنة ببغداد بين الأمين والمأمون، وكان في آخرها قتل الأمين.

стр. 205

شرح الفتنة بين الأمين والمأمون كان الفضل بن الرّبيع وزير الأمين قد خلف المأمون لما فعله عند موت الرّشيد بطوس، من إحضار جميع ما كان في عسكره إلى الأمين بعد أن كان الرشيد قد أشهد به للمأمون، فخاف الفضل بن الربيع من المأمون أنه إن ولي الخلافة كافأه على فعله فحسّن للأمين خلع المأمون والبيعة لابنه موسى، واتّفق مع الفضل جماعة على ذلك، فمال الأمين إلى أقوالهم، ثمّ إنّه استشار عقلاء أصحابه فنهوه عن ذلك، وحذّروه عاقبة البغي ونكث العهود والمواثيق، وقالوا له: لا تجرّئ القوّاد على النكث للأيمان وعلى الخلع فيخلعوك فلم يلتفت إليهم، ومال إلى رأي الفضل بن الربيع، وشرع في خدع المأمون باستدعائه إلى بغداد فلم ينخدع، وكتب يعتذر، وترددت المراسلات والمكاتبات بينهما حتى رقّ المأمون، وعزم الإجابة إلى خلع نفسه، ومبايعة موسى بن الأمين، فخلا به وزيره الفضل بن سهل وشجّعه على الامتناع وضمن له الخلافة، وقال: هي في عهدتي فامتنع المأمون، ونهض الفضل بن سهل بأمر المأمون واستمال له الناس وضبط له الثغور والأمور، واشتدّت العداوة بين الأخوين: الأمين والمأمون، وقطعت الدروب بينهما من بغداد إلى خراسان، وفتّشت الكتب وصعب الأمر، وقطع الأمين خطبة المأمون في بغداد وقبض على وكلائه، وكذا فعل المأمون بخراسان، ونما الشرّ بينهما وكان بقدر ما عند المأمون من التيقّظ والضّبط، عند الأمين من الإهمال والتفريط [١] والغفول فممّا يحكى من تفريط الأمين وجهله، أنه كان قد أرسل إلى حرب أخيه رجلا من أصحاب أبيه يقال له عليّ بن عيسى بن ماهان، وأرسل معه خمسين ألفا، فيقال: إنه ما رئي قبل ذلك ببغداد عسكر أكثف منه، وحمل السّلاح الكثير والأموال الوافرة وخرج معه مشيعا مودعا، وكان أوّل بعث بعثه إلى أخيه فمضى عليّ بن عيسى بن ماهان في ذلك العسكر الكثيف، وكان شيخا من شيوخ الدولة جليلا مهيبا، فالتقى بطاهر بن الحسين ظاهر الرّيّ [٢] ، وعسكر طاهر حدود أربعة ألف فارس،

стр. 206

فاقتتلوا قتالا شديدا، كانت الغلبة فيه لطاهر، وقتل عليّ بن عيسى وجيء برأسه إلى طاهر فكتب طاهر إلى المأمون كتابا نسخته: «أمّا بعد فهذا كتابي إلى أمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- ورأس عليّ ابن عيسى بين يدي، وخاتمه في يدي، وجنده تحت أمري، والسّلام» . وأرسل الكتاب على البريد، فوصل إلى المأمون في ثلاثة أيام، وبينهما مسيرة مائتين وخمسين فرسخا [١] ، ثم إنّ نعي عليّ بن عيسى ورد إلى الأمين وهو يصطاد السّمك، فقال للذي أخبره بذلك: دعني، فإن كوثرا قد اصطاد سمكتين، وأنا إلى الآن ما اصطدت شيئا- وكان كوثر خادما له وكان يحبّه- ولقد كانت أمّه زبيدة أسدّ رأيا منه فإنّ عليّ بن عيسى لما أرسله الأمين إلى خراسان بالجيش حضر إلى باب زبيدة ليودّعها فقالت له: يا عليّ، إنّ أمير المؤمنين- وإن كان ولدي وإليه انتهت شفقتي- فإنّي على عبد الله- تعني المأمون- منعطفة مشفقة لما يحدث عليه من مكروه وأذى وإنّما ولدي ملك نافس أخاه في سلطانه، فاعرف لعبد الله حقّ ولادته وأخوّته، ولا تجبهه بالكلام فإنّك لست نظيرا له ولا تقتسره اقتسار العبيد، ولا توهنه بقيد أو غلّ ولا تمنع عنه جارية أو خادما، ولا تعنف عليه في السّير، ولا تساوه في المسير، ولا تركب قبله وخذ بركابه إذا ركب، وإن شتمك فاحتمل منه، ثمّ دفعت إليه قيدا من فضّة وقالت: إذا صار إليك فقيّده بهذا القيد. فقال لها سأفعل ما أمرت به، وكان الناس يجزمون بنصرة عليّ بن عيسى استعظاما له ولعسكره، واستصغارا لمن يلتقيه من جند المأمون فقدّر الله خلاف ما جزموا به، وكان من الأمر ما كان. وكانت تلك الأيام أيّام فتن وحروب، فممّا جرى من ذلك: أن الحسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان وكان أحد الأمراء شغب على الأمين، وخلعه وحبسه وبايع للمأمون وتبعه ناس من العسكر فاجتمع ناس آخرون وقالوا: إن كان الحسين ابن علي بن عيسى يريد أن يأخذ وجها عند المأمون بما فعل، فلنأخذنّ نحن وجها

стр. 207

عند خليفتنا الأمين بفكّه وتخليصه، وإجلاسه على السّرير فاقتتل الفريقان فغلب أصحاب الأمين فدخلوا عليه محبسه وأخرجوه وأجلسوه على سرير الخلافة، وقاتلوا حسينا وغلبوا عليه وأحضروه أسيرا إلى الأمين، فعاتبه فاعتذر إليه وعفا عنه، ثم خلع عليه وولاه العسكر وأمره بمحاربة المأمون، فخرج وهرب فأرسل الأمين الجند خلفه فلحقوا به وقتلوه وحملوا رأسه إلى الأمين، فما زال الشر ينمي والاختلاف يزيد، حتى أرسل المأمون هرثمة وطاهر بن الحسين- وهما من أعيان أمرائه- بعسكر كثيف، لمحاصرة بغداد ومحاربة الأمين، فحاصرا بغداد مدّة، وقاتلا بعساكرهما قتالا شديدا، وجرت بين القبيلين وقائع كثيرة كان في آخرها الغلبة لعسكر المأمون وقتل الأمين وحمل رأسه إلى أخيه المأمون بخراسان، وذلك في سنة ثمان وتسعين ومائة. وأمّا حال الوزارة في أيّامه، فإنّه لم يستوزر غير الفضل بن الرّبيع وزير أبيه وقد سبق شرح طرف من سيرته عند ذكر وزارته للرّشيد. انقضت أيّام الأمين. ثمّ ملك بعده أخوه عبد الله المأمون بويع له البيعة العامة ببغداد في سنة ثمان وتسعين ومائة وكان المأمون من أفضل خلفائهم وعلمائهم، وحكمائهم وحلمائهم وكان فطنا شديدا كريما. حدّث عنه، أنّه لما كان بدمشق أضاق إضاقة شديدة وقلّ المال عنده فشكا ذلك إلى أخيه المعتصم- وكان له بيده أعمال- فقال المعتصم: يا أمير المؤمنين، كأنك بالمال قد وافاك بعد أسبوع، فوصل في تلك الأيام من الأعمال التي كان المعتصم يتولاها ثلاثون ألف ألف ألف درهم (الألف مكررة ثلاث مرات) فقال ليحيى بن أكثم: اخرج بنا لننظر إلى هذا المال، فخرج وخرج الناس وكان قد زيّن الحمل وزخرف فنظر المأمون منه إلى شيء حسن كثير، فاستعظم الناس ذلك واستبشروا به، فقال المأمون: إنّ انصرافنا إلى منازلنا بهذا المال وانصراف الناس خائبين لؤم فأمر كاتبه أن يوقّع لهذا بألف ألف، ولذاك بمثلها، ولآخر بأكثر منها،

стр. 208

حتّى فرّق أربعة وعشرين ألف ألف ألف درهم (والألف مكررة ثلاث مرّات) ورجله في الرّكاب، ثمّ حوّل الباقي على عارض الجيش برسم مصالح الجند، واعلم أنّ المأمون كان من عظماء الخلفاء، ومن عقلاء الرّجال، وله اختراعات كثيرة في مملكته. منها: أنّه هو أوّل من فحص منهم عن علوم الحكمة، وحصّل كتبها وأمر بنقلها إلى العربيّة وشهرها، وحلّ إقليدس [١] ، ونظر في علوم الأوائل، وتكلّم في الطّبّ وقرّب أهل الحكمة. ومن اختراعاته: مقاسمة أهل السّواد [٢] بالخمسين، وكانت المقاسمة المعهودة النّصف. ومن اختراعاته: إلزام الناس أن يقولوا بخلق القرآن، وفي أيّامه نشأت هذه المقالة ونوظر [٣] فيها أحمد بن حنبل [٤] وغيره، ولما مات المأمون أوصى أخاه المعتصم بها، فلما ولي المعتصم تكلّم فيها وضرب أحمد بن حنبل، وسيرد خبر ذلك في موضعه. ومن اختراعاته: نقل الدولة من بني العبّاس إلى بني عليّ- ﵇ وتغيير الناس السّواد بلباس الخضرة، وقالوا: هو لباس أهل الجنّة. شرح الحال في ذلك كان المأمون قد فكّر في حال الخلافة بعده، وأراد أن يجعلها في رجل يصلح لها لتبرأ ذمّته- كذا زعم- فذكر أنّه اعتبر أحوال أعيان البيتين: البيت

стр. 209

العبّاسيّ، والبيت العلويّ، فلم ير فيهما أصلح ولا أفضل، ولا أورع ولا أدين، من عليّ بن موسى الرّضا- ﵉ فعهد إليه، وكتب بذلك كتابا بخطّه، وألزم الرّضا- ﵇ بذلك، فامتنع ثمّ أجاب، ووضع خطّه في ظاهر كتاب المأمون بما معناه: إني قد أجبت امتثالا للأمر، وإن كان الجفر والجامعة يدلان على ضدّ ذلك، وشهد عليهما بذلك الشّهود. وكان الفضل بن سهل وزير المأمون هو القائم بهذا الأمر والمحسّن له، فبايع الناس لعلي بن موسى من بعد المأمون، وسمّي الرّضا من آل محمّد (صلوات الله عليه) . وأمر المأمون الناس بخلع لباس السّواد ولبس الخضرة، وكان هذا في خراسان فلمّا سمع العبّاسيّون ببغداد فعل المأمون، من نقل الخلافة عن البيت العبّاسي إلى البيت العلويّ، وتغيير لباس آبائه وأجداده بلباس الخضرة- أنكروا ذلك وخلعوا المأمون من الخلافة غضبا من فعله، وبايعوا عمّه إبراهيم بن المهديّ وكان فاضلا شاعرا، فصيحا أديبا، مغنيا حاذقا، وإليه أشار أبو فراس بن حمدان في ميميّته بقوله: منكم عليّة أم منهم وكان لكم ... شيخ المغنّين إبراهيم أم لهم؟ [١] (بسيط) وكانت تلك الأيام أيام فتن وحروب، فلمّا بلغ المأمون ذلك قام وقعد، فقتل الفضل بن سهل، ومات بعده عليّ بن موسى من أكل عنب، فقيل: إنّ المأمون لما

стр. 210

رأى إنكار الناس ببغداد لما فعله، من نقل الخلافة إلى بني علي، وأنهم نسبوا ذلك إلى الفضل بن سهل، ورأى الفتنة قائمة- دسّ جماعة على الفضل بن سهل فقتلوه في الحمام، ثم أخذهم وقدّمهم ليضرب أعناقهم، فقالوا له: أنت أمرتنا بذلك ثمّ تقتلنا! فقال لهم: أنا أقتلكم بإقراركم، وأما ما ادّعيتموه عليّ من أنّي أمرتكم بذلك فدعوى ليس لها بيّنة. ثم ضرب أعناقهم وحمل رءوسهم إلى الحسن بن سهل، وكتب يعزّيه ويوليه مكانه وانضمّ إلى ذلك أمور أخرى سنذكرها عند ذكر وزارة الفضل. ثمّ دسّ إلى عليّ بن موسى الرّضا- ﵇ سمّا في عنب- وكان يحبّ العنب- فأكل منه واستكثر فمات من ساعته، ثم كتب إلى بني العبّاس ببغداد يقول لهم: إنّ الّذي أنكرتموه من أمر عليّ بن موسى قد زال، وإنّ الرجل مات، فأجابوه أغلظ جواب، وكان الفضل بن سهل قد استولى على المأمون، ومتّ أمتانا [١] كثيرة بقيامه في أمره، واجتهاده في أخذ الخلافة له، فكان قد قطع الأخبار عنه ومتى علم أنّ أحدا قد دخل عليه أو أعلمه بخبر سعى في مكروهة، فامتنع الناس من كلام المأمون فانطوت الأخبار عنه، فلما ثارت الفتنة ببغداد وخلع المأمون، وبويع إبراهيم بن المهديّ وأنكر العباسيّون على المأمون فعله كتم الفضل بن سهل عن المأمون مدّة، فدخل عليه عليّ بن موسى الرّضا- ﵉ وقال له: يا أمير المؤمنين: إنّ الناس ببغداد قد أنكروا عليك مبايعتي بولاية العهد، وتغيير لباس السّواد، وقد خلعوك، وبايعوا عمّك إبراهيم بن المهديّ، وأحضر إليه جماعة من القوّاد ليخبروه بذلك، فلما سألهم المأمون أمسكوا وقالوا: نخاف من الفضل، فإن كنت تؤمننا من شرّه أخبرناك، فأمّنهم وكتب لهم خطّه، فأخبروه بصورة الحال وعرّفوه خيانة الفضل وتعمية الأمور عليه، وستره الأخبار عنه، وقالوا له: الرأي أن تسير بنفسك إلى بغداد وتستدرك أمرك، وإلا خرجت الخلافة من يدك، فكان بعد هذا بقليل قتل الفضل، وموت الرّضا على ما تقدّم شرحه.

стр. 211

ثمّ جدّ المأمون في المسير إلى بغداد، فوصلها وقد هرب إبراهيم بن المهديّ والفضل بن الربيع، فلمّا دخل البلد تلقّاه العبّاسيون وكلّموه في ترك لباس الخضرة والعود إلى السّواد واجتمعت به زينب بنت سليمان بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس- وكانت في طبقة المنصور، وكان بنو العبّاس يعظّمونها، وإليها ينسب الزينبيّون- فقالت له: يا أمير المؤمنين: ما الّذي دعاك إلى نقل الخلافة من بيتك إلى بيت عليّ قال: يا عمّة: إني رأيت عليّا حين ولي الخلافة أحسن إلى بني العبّاس، فولّى عبد الله البصرة، وعبيد الله اليمن، وقثم سمرقند [١] ، وما رأيت أحدا من أهل بيتي حين افضى الأمر إليهم، كافئوه على فعله في ولده، فأحببت أن أكافئه على إحسانه فقالت له: يا أمير المؤمنين: إنّك على برّ بني عليّ والأمر فيك، أقدر منك على برّهم والأمر فيهم، ثمّ سألته تغيير لباس الخضرة فأجابها إلى ذلك، وأمر الناس بتغييره والعود إلى لباس السّواد، ثمّ إنّ المأمون عفا عن عمّه إبراهيم بن المهدي، ولم يؤاخذه، وأحسن إليه وصار من ندمائه، وكذلك فعل مع الفضل بن الرّبيع، وكان حليما، كان يقول: لو عرف الناس حبّي للعفو لتقرّبوا إليّ بالذّنوب. في أيامه خرج محمّد بن جعفر الصادق ﵉ بمكّة، وبويع بالخلافة وسمّوه أمير المؤمنين، وكان بعض أهله قد حسّن له ذلك حين رأى كثرة الاختلاف ببغداد، وما بها من الفتن، وخروج الخوارج، وكان محمّد بن جعفر شيخا من شيوخ آل أبي طالب يقرأ عليه العلم، وكان روى عن أبيه ﵇ علما جمّا، فمكث بمكّة مدّة، وكان الغالب على أمره ابنه وبعض بني عمه فلم تحمد سيرتهما، وأرسل المأمون إليهم عسكرا فكانت الغلبة له، وظفر به المأمون وعفا عنه. وفي أيّامه خرج أبو السّرايا وقويت شوكته، ودعا إلى بعض أهل البيت، فقاتله الحسن بن سهل فكانت الغلبة للجيش المأمونيّ وقتل أبو السّرايا، ثمّ صفا الملك بعد ذلك للمأمون وسكنت الفتّن، وقام المأمون بأعباء الخلافة وتدبير المملكة

стр. 212

قيام حزماء الملوك وفضلائهم، وفي آخرها خرج إلى الثّغر بطرسوس [١] فمات به وذلك في سنة ثماني عشرة ومائتين، وفيه يقول بعض الشّعراء: ما رأينا النّجوم أغنت عن المأمون ... في ظلّ ملكه المحروس غادروه بعرصتي طرسوس ... مثلما غادروا أباه بطوس (خفيف) شرح حال الوزارة في أيامه أوّل وزرائه بنو سهل، وكانت دولتهم في جبهة الدّهر غرّة، وفي مفرق العصر درّة، وكانت مختصرة الدولة البرمكيّة، وهم صنائع البرامكة [٢] ، فالوزير الأوّل للمأمون منهم الفضل بن سهل. وزارة ذي الرّئاستين الفضل بن سهل للمأمون سمّي ذا الرّئاستين لجمعه بين السّيف والقلم، قالوا: كان الفضل بن سهل من أولاد ملوك الفرس المجوس، وكان قهرمانا ليحيى بن خالد، وكان أبوه سهل مجوسيّا فأسلم في أيّام الرّشيد، قالوا: لمّا رأى الفضل بن سهل نجابة المأمون في صباه ونظر في طالعة وكان خبيرا بعلم النّجوم فدلّته النجوم على أنه يصير خليفة لزم ناحيته وخدمه ودبّر أموره، حتّى أفضت الخلافة إليه فاستوزره. كان الفضل سخيّا كريما، يجاري البرامكة في جوده، شديد العقوبة سهل الانعطاف، حليما بليغا عالما بآداب الملوك، بصيرا بالحيل جيّد الحدس محصّلا للأموال وكان يقال له الوزير الأمير. كان مسلم بن الوليد [٣] الشاعر نديما للفضل بن سهل قبل وزارته، وكان قد

стр. 213

أنشده قوله: وقائل ليست له همّة ... كلّا، ولكن ليس لي مال لا جدة ينهض عزمي بها ... والنّاس سؤّال وبخّال فاصبر على الدّهر إلى دولة ... يرفع فيها حالك الحال (سريع) فلمّا علت حال الفضل وتولّى الوزارة، قصده مسلم بن الوليد، فلمّا رآه سرّ به قال له: هذه الدولة التي يرفع فيها حالك الحال، وأمر له بثلاثين ألف درهم، وولّاه بريد جرجان، فاستفاد من ثمّ مالا طائلا، قالوا: كانت همّة ذي الرّئاستين عالية جدّا من قبل أن يعظم أمره، قال له مؤدّب المأمون يوما في أيّام الرّشيد: إنّ المأمون لجميل الرأي فيك، وإنّي لا أستبعد أن يحصل لك من جهته ألف ألف درهم فاعتاظ الفضل من ذلك وقال له: ألك عليّ حقد؟ ألي إليك إساءة؟ فقال له المؤدّب لا والله، ما قلت هذا إلا محبّة لك، فقال: أتقول لي إنّك تحصّل معه ألف ألف درهم؟ والله ما صحبته لأكتسب منه مالا قلّ أو جلّ [١] ، ولكن صحبته ليمضي حكم خاتمي هذا في الشرق والغرب، قال: فو الله ما طالت المدّة حتّى بلغ ما أمّل وقتل الفضل بن سهل على الصّورة التي تقدّم شرحها، وذلك في سنة اثنتين ومائتين وفيه يقول الشّاعر: لفضل بن سهل يد ... يقصّر عنها المثل فباطنها للنّدى ... وظاهرها للقبل وبسطتها للغنى ... وسطوتها للأجل [٢] (متقارب)

стр. 214

وزارة أخيه الحسن بن سهل للمأمون استوزره المأمون بعد أخيه الفضل ومال إليه، وتلافاه جبرا لمصابه بقتل أخيه وتزوّج ابنته بوران، وانحدر في أهله وأصحابه وعساكره وأمرائه إلى فم الصلح بواسط [١] فقام الحسن بن سهل في إنزالهم قياما عظيما، وبذل من الأموال ونثر من الدّرر ما يفوت حدّ الكثرة، حتّى إنّه عمل بطاطيخ من عنبر وجعل في وسط كلّ واحدة منها رقعة بضيعة من ضياعه ونثرها، فمن وقعت في يده بطيخة منها فتحها وتسلّم الضيعة التي فيها وكانت دعوة عظيمة تتجاوز حدّ التجمل والكثرة حتّى إنّ المأمون نسبه إلى ذلك إلى السّرف، وقالوا جملة ما أخرج على دعوة فم الصّلح خمسون ألف ألف درهم. كان الحسن بن سهل قد فرش للمأمون حصيرا منسوجا من الذّهب ونثر عليه ألف لؤلؤة من كبار اللؤلؤ، فلمّا رآه المأمون قال: قاتل الله أبا نواس! كأنه شاهد مجلسنا هذا حيث يقول: كأنّ صغرى وكبرى من فقاقعها ... حصباء درّ على أرض من الذّهب (بسيط) قالوا: قدم رجل إلى باب الحسن بن سهل يلتمس صلته وعارفته [٢] فاشتغل عنه مديدة فكتب إليه: المال والعقل ممّا يستعان به ... على المقام بأبواب السّلاطين وأنت تعلم أني منهما عطل [٣] ... إذا تأمّلتني يا ابن الدّهاقين [٤] أما تدلّك أثوابي على عدمي [٥] ... والوجه أني رئيس في المجانين والله يعلم ما للملك من رجل ... سواك يصلح للدّنيا وللدّين (بسيط)

стр. 215

فأمر له بعشرة آلاف درهم ووقع في رقعته: أعجلتنا فأتاك عاجل برّنا ... قلّا ولو أنظرتنا لم يقلل فخذ القليل وكن كأنّك لم تسل ... ونكون نحن كأننا لم نسأل (كامل) وكان الحسن بن سهل أعظم الناس منزلة عند المأمون، وكان المأمون شديد المحبة لمفاوضته، فكان إذا حضر عنده طاوله في الحديث، وكلّما أراد الانصراف منعه فانقطع زمان الحسن بذلك وثقلت الملازمة، فصار يتراخى عن الحضور بمجلس المأمون ويستخلف أحد كتّابه كأحمد بن أبي خالد وأحمد بن أبي يوسف وغيرهما، ثم عرضت له سوداء [١] كان أصلها جزعه على أخيه، فانقطع بداره ليتطبّب واحتجب عن الناس إلا أنّه بقي أعلى الخلق مكانة، واستوزر المأمون أحمد ابن أبي خالد، فكان أحمد في كلّ وقت يقصد خدمة الحسن بن سهل، وإذا حضر الحسن دار المأمون كان أعلى الناس مكانة، ولما انقطع الحسن بن سهل بمنزله هجاه بعض الشّعراء بقوله: تولّت [٢] دولة الحسن بن سهل ... ولم أبلل [٣] لهاني من نداها فلا تجزع على ما فات منها ... وأبكى الله عيني من بكاها (وافر) ومات الحسن بن سهل في سنة ستّ وثلاثين ومائتين في أيّام المتوكّل. وزارة أحمد بن أبي خالد الأحول للمأمون هو من الموالي، كان أحمد جليل القدر من عقلاء الرجال، وكان كاتبا سديدا فصيحا لبيبا، بصيرا بالأمور، قال له المأمون: إن الحسن بن سهل قد لزم منزله، وإنّني أريد أن أستوزرك، فتنصّل [٤] أحمد من الوزارة، وقال: يا أمير
следующие страницы →