← Сияса и кади

Сияса и кади · id 12400

الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية

ابن الطقطقي

Полный текст (316 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ثمّ جدّ المأمون في المسير إلى بغداد، فوصلها وقد هرب إبراهيم بن المهديّ والفضل بن الربيع، فلمّا دخل البلد تلقّاه العبّاسيون وكلّموه في ترك لباس الخضرة والعود إلى السّواد واجتمعت به زينب بنت سليمان بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس- وكانت في طبقة المنصور، وكان بنو العبّاس يعظّمونها، وإليها ينسب الزينبيّون- فقالت له: يا أمير المؤمنين: ما الّذي دعاك إلى نقل الخلافة من بيتك إلى بيت عليّ قال: يا عمّة: إني رأيت عليّا حين ولي الخلافة أحسن إلى بني العبّاس، فولّى عبد الله البصرة، وعبيد الله اليمن، وقثم سمرقند [١] ، وما رأيت أحدا من أهل بيتي حين افضى الأمر إليهم، كافئوه على فعله في ولده، فأحببت أن أكافئه على إحسانه فقالت له: يا أمير المؤمنين: إنّك على برّ بني عليّ والأمر فيك، أقدر منك على برّهم والأمر فيهم، ثمّ سألته تغيير لباس الخضرة فأجابها إلى ذلك، وأمر الناس بتغييره والعود إلى لباس السّواد، ثمّ إنّ المأمون عفا عن عمّه إبراهيم بن المهدي، ولم يؤاخذه، وأحسن إليه وصار من ندمائه، وكذلك فعل مع الفضل بن الرّبيع، وكان حليما، كان يقول: لو عرف الناس حبّي للعفو لتقرّبوا إليّ بالذّنوب. في أيامه خرج محمّد بن جعفر الصادق ﵉ بمكّة، وبويع بالخلافة وسمّوه أمير المؤمنين، وكان بعض أهله قد حسّن له ذلك حين رأى كثرة الاختلاف ببغداد، وما بها من الفتن، وخروج الخوارج، وكان محمّد بن جعفر شيخا من شيوخ آل أبي طالب يقرأ عليه العلم، وكان روى عن أبيه ﵇ علما جمّا، فمكث بمكّة مدّة، وكان الغالب على أمره ابنه وبعض بني عمه فلم تحمد سيرتهما، وأرسل المأمون إليهم عسكرا فكانت الغلبة له، وظفر به المأمون وعفا عنه. وفي أيّامه خرج أبو السّرايا وقويت شوكته، ودعا إلى بعض أهل البيت، فقاتله الحسن بن سهل فكانت الغلبة للجيش المأمونيّ وقتل أبو السّرايا، ثمّ صفا الملك بعد ذلك للمأمون وسكنت الفتّن، وقام المأمون بأعباء الخلافة وتدبير المملكة

стр. 212

قيام حزماء الملوك وفضلائهم، وفي آخرها خرج إلى الثّغر بطرسوس [١] فمات به وذلك في سنة ثماني عشرة ومائتين، وفيه يقول بعض الشّعراء: ما رأينا النّجوم أغنت عن المأمون ... في ظلّ ملكه المحروس غادروه بعرصتي طرسوس ... مثلما غادروا أباه بطوس (خفيف) شرح حال الوزارة في أيامه أوّل وزرائه بنو سهل، وكانت دولتهم في جبهة الدّهر غرّة، وفي مفرق العصر درّة، وكانت مختصرة الدولة البرمكيّة، وهم صنائع البرامكة [٢] ، فالوزير الأوّل للمأمون منهم الفضل بن سهل. وزارة ذي الرّئاستين الفضل بن سهل للمأمون سمّي ذا الرّئاستين لجمعه بين السّيف والقلم، قالوا: كان الفضل بن سهل من أولاد ملوك الفرس المجوس، وكان قهرمانا ليحيى بن خالد، وكان أبوه سهل مجوسيّا فأسلم في أيّام الرّشيد، قالوا: لمّا رأى الفضل بن سهل نجابة المأمون في صباه ونظر في طالعة وكان خبيرا بعلم النّجوم فدلّته النجوم على أنه يصير خليفة لزم ناحيته وخدمه ودبّر أموره، حتّى أفضت الخلافة إليه فاستوزره. كان الفضل سخيّا كريما، يجاري البرامكة في جوده، شديد العقوبة سهل الانعطاف، حليما بليغا عالما بآداب الملوك، بصيرا بالحيل جيّد الحدس محصّلا للأموال وكان يقال له الوزير الأمير. كان مسلم بن الوليد [٣] الشاعر نديما للفضل بن سهل قبل وزارته، وكان قد

стр. 213

أنشده قوله: وقائل ليست له همّة ... كلّا، ولكن ليس لي مال لا جدة ينهض عزمي بها ... والنّاس سؤّال وبخّال فاصبر على الدّهر إلى دولة ... يرفع فيها حالك الحال (سريع) فلمّا علت حال الفضل وتولّى الوزارة، قصده مسلم بن الوليد، فلمّا رآه سرّ به قال له: هذه الدولة التي يرفع فيها حالك الحال، وأمر له بثلاثين ألف درهم، وولّاه بريد جرجان، فاستفاد من ثمّ مالا طائلا، قالوا: كانت همّة ذي الرّئاستين عالية جدّا من قبل أن يعظم أمره، قال له مؤدّب المأمون يوما في أيّام الرّشيد: إنّ المأمون لجميل الرأي فيك، وإنّي لا أستبعد أن يحصل لك من جهته ألف ألف درهم فاعتاظ الفضل من ذلك وقال له: ألك عليّ حقد؟ ألي إليك إساءة؟ فقال له المؤدّب لا والله، ما قلت هذا إلا محبّة لك، فقال: أتقول لي إنّك تحصّل معه ألف ألف درهم؟ والله ما صحبته لأكتسب منه مالا قلّ أو جلّ [١] ، ولكن صحبته ليمضي حكم خاتمي هذا في الشرق والغرب، قال: فو الله ما طالت المدّة حتّى بلغ ما أمّل وقتل الفضل بن سهل على الصّورة التي تقدّم شرحها، وذلك في سنة اثنتين ومائتين وفيه يقول الشّاعر: لفضل بن سهل يد ... يقصّر عنها المثل فباطنها للنّدى ... وظاهرها للقبل وبسطتها للغنى ... وسطوتها للأجل [٢] (متقارب)

стр. 214

وزارة أخيه الحسن بن سهل للمأمون استوزره المأمون بعد أخيه الفضل ومال إليه، وتلافاه جبرا لمصابه بقتل أخيه وتزوّج ابنته بوران، وانحدر في أهله وأصحابه وعساكره وأمرائه إلى فم الصلح بواسط [١] فقام الحسن بن سهل في إنزالهم قياما عظيما، وبذل من الأموال ونثر من الدّرر ما يفوت حدّ الكثرة، حتّى إنّه عمل بطاطيخ من عنبر وجعل في وسط كلّ واحدة منها رقعة بضيعة من ضياعه ونثرها، فمن وقعت في يده بطيخة منها فتحها وتسلّم الضيعة التي فيها وكانت دعوة عظيمة تتجاوز حدّ التجمل والكثرة حتّى إنّ المأمون نسبه إلى ذلك إلى السّرف، وقالوا جملة ما أخرج على دعوة فم الصّلح خمسون ألف ألف درهم. كان الحسن بن سهل قد فرش للمأمون حصيرا منسوجا من الذّهب ونثر عليه ألف لؤلؤة من كبار اللؤلؤ، فلمّا رآه المأمون قال: قاتل الله أبا نواس! كأنه شاهد مجلسنا هذا حيث يقول: كأنّ صغرى وكبرى من فقاقعها ... حصباء درّ على أرض من الذّهب (بسيط) قالوا: قدم رجل إلى باب الحسن بن سهل يلتمس صلته وعارفته [٢] فاشتغل عنه مديدة فكتب إليه: المال والعقل ممّا يستعان به ... على المقام بأبواب السّلاطين وأنت تعلم أني منهما عطل [٣] ... إذا تأمّلتني يا ابن الدّهاقين [٤] أما تدلّك أثوابي على عدمي [٥] ... والوجه أني رئيس في المجانين والله يعلم ما للملك من رجل ... سواك يصلح للدّنيا وللدّين (بسيط)

стр. 215

فأمر له بعشرة آلاف درهم ووقع في رقعته: أعجلتنا فأتاك عاجل برّنا ... قلّا ولو أنظرتنا لم يقلل فخذ القليل وكن كأنّك لم تسل ... ونكون نحن كأننا لم نسأل (كامل) وكان الحسن بن سهل أعظم الناس منزلة عند المأمون، وكان المأمون شديد المحبة لمفاوضته، فكان إذا حضر عنده طاوله في الحديث، وكلّما أراد الانصراف منعه فانقطع زمان الحسن بذلك وثقلت الملازمة، فصار يتراخى عن الحضور بمجلس المأمون ويستخلف أحد كتّابه كأحمد بن أبي خالد وأحمد بن أبي يوسف وغيرهما، ثم عرضت له سوداء [١] كان أصلها جزعه على أخيه، فانقطع بداره ليتطبّب واحتجب عن الناس إلا أنّه بقي أعلى الخلق مكانة، واستوزر المأمون أحمد ابن أبي خالد، فكان أحمد في كلّ وقت يقصد خدمة الحسن بن سهل، وإذا حضر الحسن دار المأمون كان أعلى الناس مكانة، ولما انقطع الحسن بن سهل بمنزله هجاه بعض الشّعراء بقوله: تولّت [٢] دولة الحسن بن سهل ... ولم أبلل [٣] لهاني من نداها فلا تجزع على ما فات منها ... وأبكى الله عيني من بكاها (وافر) ومات الحسن بن سهل في سنة ستّ وثلاثين ومائتين في أيّام المتوكّل. وزارة أحمد بن أبي خالد الأحول للمأمون هو من الموالي، كان أحمد جليل القدر من عقلاء الرجال، وكان كاتبا سديدا فصيحا لبيبا، بصيرا بالأمور، قال له المأمون: إن الحسن بن سهل قد لزم منزله، وإنّني أريد أن أستوزرك، فتنصّل [٤] أحمد من الوزارة، وقال: يا أمير

стр. 216

المؤمنين، أعفني من التسمّي بالوزارة، وطالبني بالواجب فيها، واجعل بيني وبين العامّة منزلة يرجوني لها صديقي، ويخافني لها عدوّي، فما بعد الغايات إلا الآفات فاستحسن المأمون جوابه وقال لا بدّ من ذلك، واستوزره. كان المأمون لما ولّى طاهر بن الحسين خراسان، استشار فيه أحمد بن أبي خالد فصوّب أحمد الرأي في تولية طاهر، فقال المأمون لأحمد: إنّي أخاف أن يغدر ويخلع ويفارق الطاعة، فقال أحمد: الدّرك في ذلك عليّ، فولّاه المأمون، فلمّا كان بعد مدة أنكر المأمون عليه أمورا، وكتب إليه يتهدّده فيه، فكتب طاهر جوابا أغلظ فيه للمأمون ثمّ قطع اسمه من الخطبة ثلاث جمع، فبلغ ذلك المأمون، فقال لأحمد بن أبي خالد، أنت الّذي أشار بتولية طاهر وضمنت ما يصدر منه، وقد ترى ما صدر منه من قطع الخطبة ومفارقة الطاعة، فو الله لئن لم تتلطف لهذا الأمر وتصلحه كما أفسدته، ضربت عنقك! فقال أحمد: يا أمير المؤمنين طب نفسا فبعد أيّام يأتيك البريد بهلاكه، ثمّ إنّ أحمد بن خالد أهدى لطاهر هدايا فيها كوامخ مسمومة، وكان طاهر يحبّ الكامخ [١] ، فأكل منها فمات من ساعته، وقيل: إن أحمد بن أبي خالد لما تولّى طاهر خراسان حسب هذا الحساب، فوهبه خادما وناوله سمّا، وقال له: متى قطع خطبة المأمون فاجعل له هذا السمّ في بعض ما يحبّ من المآكل، فلما قطع طاهر خطبة المأمون جعل الخادم له السمّ في كامخ، فأكل منه فمات في ساعته، ووصل الخبر على البريد بموته إلى المأمون بعد أيام فكان ذلك مما عظم به أمر أحمد بن أبي خالد. ومات أحمد حتف أنفه سنة عشر ومائتين.

стр. 217

وزارة أحمد بن يوسف بن القاسم للمأمون كان من الموالي، وكان كاتبا فاضلا، أديبا شاعرا، فطنا بصيرا بأدوات الملك وآداب السّلاطين، قالوا لما مات أحمد بن أبي خالد استشار المأمون الحسن ابن سهل فيمن يولّيه الوزارة، فأشار عليه بأحمد بن يوسف، وأبي عباد بن يحيى، وقال: هما أعرف الناس بطبع أمير المؤمنين، فقال له: اختر أحدهما، فاختار له أحمد بن يوسف ففوّض المأمون إليه وزارته، استشار المأمون أحمد بن يوسف في رجل، فوصفه أحمد بن يوسف وذكر محاسنه، فقال له المأمون يا أحمد، لقد مدحته على سوء رأيك فيه ومعاداته لك! فقال أحمد: لأنّي لك كما قال الشّاعر: كفى ثمنا بما أسديت [١] أنّي ... صدقتك في الصّديق وفي عدائي وأني حين تندبني [٢] لأمر ... يكون هواك أغلب من هوائي [٣] (وافر) وله أشعار حسنة فمنها: قلبي يحبّك يا منى ... قلبي ويبغض من يحبّك لأكون فردا في هواك ... فليت شعري كيف قلبك؟! (كامل) وأهدى يوم نوروز إلى المأمون هديّة قيمتها ألف ألف درهم، وكتب معها: على العبد حقّ فهو لا بدّ فاعله ... وإن عظم المولى وجلّت فواضله ألم ترنا نهدي إلى الله ماله ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله (طويل) فقال المأمون: عاقل أهدى حسنا، وكان سبب موته أنه دخل يوما إلى المأمون والمأمون يتبخّر، فأخرج المأمون المجمرة من تحته وقال: اجعلوها تحت أحمد- تكرمة له- فنقل أعداؤه إلى المأمون أنه قال: ما هذا البخل بالبخور؟ هلّا

стр. 218

أمر لي ببخور مستأنف [١] ؟ فاغتاظ المأمون لذلك، وقال: ينسبني إلى البخل وقد علم أنّ نفقتي في كلّ يوم ستة آلاف دينار! وإنّما أردت إكرامه بما كان تحت ثيابي ثم دخل عليه وهو يتبخّر مرة أخرى فقال المأمون، اجعلوا تحته في مجمرة قطع عنبر وضمّوا عليه شيئا يمنع البخار أن يخرج، ففعلوا ذلك به، فصبر عليه حتى غلبه الأمر فصاح: الموت الموت، فكشفوا عنه وقد غشي عليه فانصرف إلى منزله، فمكث فيه شهورا عليلا من ضيق النّفس حتّى مات بهذه العلّة، وقيل: بل مات كمدا لبادرة بدرت منه، فاطّرحه [٢] المأمون لأجلها. وزارة أبي عباد ثابت بن يحيى بن يسار الرازيّ للمأمون كان أبو عباد كاتبا حاذقا بالحساب، سريع الحركات أهوج محمّقا، قالوا: كان المأمون ينشد إذا رآه مقبلا قول دعبل [٣] فيه: وكأنّه من دير هرقل مفلت ... حرب يجرّ سلاسل الأقياد (كامل) قيل للمأمون: إنّ دعبلا الشاعر هجاك، فقال: من أقدم على هجاء أبي عباد كيف لا يهجوني؟ ومعنى هذا الكلام: من أقدم على هجاء أبي عباد مع هوجه وجنونه وحدّته، كيف لا يقدم على هجائي مع حلمي ومحبّتي للصّفح؟!. وكان أبو عباد شديد الحدّة سريع الغضب، ربّما اغتاظ من بعض من يكون بين يديه، فرماه بدواته أو شتمه فأفحش، فدخل إليه الغالبيّ الشاعر وأنشده: لمّا أنخنا بالوزير ركابنا ... مستعصمين بجوده أعطانا ثبتت رحى ملك الإمام [٤] بثابت ... وأفاض فينا العدل والإحسانا يقري [٥] الوفود طلاقة وسماحة ... والناكثين [٦] مهنّدا وسنانا

стр. 219

من لم يزل للناس غيثا ممرّعا ... متخرقا [١] في جوده معوانا (كامل) فلمّا وصل إلى قوله: في جوده، وقف وارتج عليه، وصار يكرّر، في جوده في جوده، مرارا حتى ضجر أبو عباد، وغلبت عليه السّوداء فقال: يا شيخ. فقل صفعانا وخلّصنا، فضحك جميع من كان بالمجلس، وذهب غيظه هو أيضا فضحك مع الناس وأتمّ الغالبيّ قافيته بقوله معوانا، ثمّ وصله. وزارة أبي عبد الله محمّد يزداد بن سويد للمأمون وهو آخر وزرائه هم من خراسان، كانوا مجوسا ثم أسلموا، واتّصلوا بالخلفاء، وسويد أول من أسلم منهم، وكان قد مات أبوه وهو صغير، فأسلمته أمّه إلى بعض كتّاب العجم فنفذ نفاذا محمودا، وتعلّم آدابا كثيرة من آداب الفرس، ثم واظب على ملازمة الديوان بمرو [٢] ، وحضر صاحب الديوان في يوم مطير، وتخلف جميع الكتّاب والنّواب عن الحضور، وكان سويد جدّ محمّد حاضرا، فاحتاج صاحب الديوان إلى عمل حسبة فلم يكن عنده بالديوان أحد، فتولّى هو عملها بنفسه، وشرع فيها فكتب بعضها، ثم غلبه نعاس، وحانت منه التفاتة فرأى سويدا فسلّم الحسبة إليه، وقال له: احتفظ بها حتى أنتبه، ثم نام صاحب الديوان فتصفّح سويد الحسبة وتمّمها وبيّضها في نسخة حسنة بخط مليح وضبط صحيح، وانتبه صاحب الديوان وطلب منه الحسبة فدفعها إليه فوجدها مفروغا منها على أتمّ قاعدة وأحسن وجه، فقال: يا صبيّ: من عمل هذه الحسبة؟ قال: أنا. قال: أفتحسن الكتابة؟ قال: نعم. فأمره بلزوم سدّته [٣] التي كان فيها حسابه وأصول أعماله، وما يحبّ أن يحتفظ به وقرّر له معيشة، وتنقّل في الخدمات حتى حصل أموالا جليلة وارتفع قدره، ثم

стр. 220

تأدّب محمّد وبرع في كلّ شيء فاستوزره المأمون وفوّض إليه جميع الأمور، كان محمّد شاعرا فصيحا، فمن شعره: لقد فتنت بمقلتها فتون ... وخانت في الهوى من لا يخون وتزعم أنّني أهوى سواها ... فكيف وما تخطّتها العيون أيا من حبّها في القلب منّي ... مكان الروح مستتر كمين ويا من تدّعي أني خؤون ... وهذا في هواها لا يكون خذي عهدي على عيني وطرفي ... وحسبك ضامنا أني أمين (وافر) ومات المأمون وهو وزيره. انقضت أيام المأمون ووزرائه. ثمّ ملك بعده أخوه المعتصم أبو إسحاق محمّد بويع يوم وفاة المأمون، وقد تقدّم ذكر السّنة، كان المعتصم سديد الرأي شديد المنّة، يحمل ألف رطل ويمشي بها خطوات، وكان موصوفا بالشجاعة، وسمّي: المثمّن من أحد عشر وجها: هو الولد الثامن من العبّاس، والثامن من الخلفاء، وتولّى الخلافة وعمره ثماني عشرة سنة [١] ، وكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر، وتوفّي وله ثمان وأربعون سنة، وولد في شعبان وهو الشّهر الثامن وخلّف ثمانية ذكور، وثماني بنات وغزا ثماني غزوات، وخلّف ثمانية آلاف ألف درهم. كانت أيام المعتصم أيّام فتوح وحروب، وهو الّذي فتح عمّورية.

стр. 221

شرح الحال في ذلك كان السبب في غزو المعتصم عمّورية، أن ملك الروم خرج إلى بلاد المسلمين فنهب حصنا من حصونهم يقال له زبطرة، وقتل من به من الرجال وسبى الذريّة والنساء فيقال: إنه كان في جملة السّبي امرأة هاشميّة، فسمعت وهي تقول: وا معتصماه! فبلغ المعتصم ما فعله ملك الروم بالمسلمين فاستعظمه وكثر عليه، وبلغه ما قالت الهاشميّة فقال وهو في مجلسه: لبّيك لبيك! ونهض من ساعته وصاح في قصره: الرّحيل الرحيل! ثم ركب دابّته وسمط [١] خلفه شكالا [٢] وسكّة حديد وحقيبة بها زاده، ثمّ برز وأمر العساكر بالتبريز، وتجهّز تجهّزا لم يتجهّز بمثله خليفة، فلما اجتمعت عساكره وفرغ من تجهيزه وعزم على المسير، أحضر القضاة والشّهود، فأشهدهم أنه وقف أملاكه وأمواله على ثلاثة أثلاث، ثلث للَّه تعالى وثلث لولده وأقاربه، وثلث لمواليه، ثمّ سار فظفر ببعض أهل الروم فسأله عن أحصن مدنهم وأعظمها وأعزّها عندهم، فقال له الرّومي: إن عمّورية هي عين بلادهم، فتوجّه المعتصم إليها، وجمع عساكره عليها، وحاصرها ثم فتحها ودخل إليها وقتّل فيها وفي بلادهم، وسبى وأسر وبالغ في ذلك حتى هدم عمّورية وعفّى آثارها، وأخذ بابا من أبوابها- وهو باب حديد عظيم الحجم- فأحضره إلى بغداد وهو الآن على أحد أبواب الخلافة يسمّى باب العامّة، وكان قد صحبه أبو تمّام الطائيّ [٣] فمدحه بقصيدته البائيّة التي أولها: السّيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب (بسيط) وفيها يقول للمعتصم:

стр. 222

خليفة الله جازى الله سعيك عن ... جرثومة الدين والإسلام والحسب بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التّعب ومن جملتها ما يشير به إلى مبالغة المعتصم في قتالهم واستئصاله إيّاهم: لم تطلع الشّمس منهم يوم ذاك على ... بان بأهل ولم تغرب على عزب ومن جملتها ما يدلّ على شدة ما كان عنده من الحقد عليهم وهو قوله: ما ربع ميّة معمورا يطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعك الخرب [١] ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظري من خدّك التّرب [٢] وكانت وقعة عمّورية في سنة ثلاث وعشرين ومائتين. والمعتصم هو الّذي بنى سرّ من رأى. شرح السّبب في بناء سامرّا وكيفيّة الحال في ذلك كانت بغداد دار الملك، بها سرير الخلافة من بعد المنصور، إلا أن هارون الرّشيد أحبّ الرقّة بالشأم فأقام بها، ومع ذلك فكانت الرقّة كالمتنزّه، وقصوره وخزائنه ونساؤه وأولاده ببغداد بقصر الخلد، ومن ولي بعده من الخلفاء كان سرير ملكهم ببغداد. فلمّا كانت أيام المعتصم خاف من بها من العسكر ولم يثق بهم، فقال: اطلبوا لي موضعا أخرج إليه وأبني فيه مدينة وأعسكر به، فإن رابني من عساكر بغداد حادث كنت بنجوة، وكنت قادرا على أن آتيهم في البرّ وفي الماء، فوقع اختياره على سامرّا فبناها وخرج إليها. وقيل: إنّ المعتصم استكثر من المماليك، فضاقت بهم بغداد وتأذّى بهم النّاس وزاحموهم في دورهم، وتعرّضوا للنّساء، فكان في كلّ يوم ربما قتل منهم

стр. 223

جماعة فركب المعتصم يوما فلقيه رجل شيخ، فقال للمعتصم: يا أبا إسحاق: فأراد الجند ضربه فمنعهم المعتصم، وقال له ما لك يا شيخ؟ فقال: لا جزاك الله خيرا عن الجوار! جاورتنا مدّة فرأيناك شرّ جار، جئتنا بهؤلاء العلوج [١] من غلمانك الأتراك فأسكنتهم بيننا فأيتمت بهم صبياننا، وأرملت نساءنا، والله لنقاتلنّك بسهام السّحر- يعني الدّعاء- والمعتصم يسمع ذلك، فدخل منزله ولم ير راكبا إلا في يوم مثل ذلك اليوم، فركب وصلّى بالناس العيد، وسار إلى موضع سامرّا فبناها، وكان ذلك في سنة إحدى وعشرين ومائتين. ولمّا مرض المعتصم مرضته التي مات فيها نزل في سفينة ومعه زنام الزّامر [٢] وكان أوحد وقته فجعل يجتاز على قصوره وبساتينه بشاطئ دجلة ويقول لزنام: ازمر: يا منزلا لم تبل أطلاله ... حاشا لأطلالك أن تبلى لم أبك أطلالك لكنّني ... بكيت عيشي فيك إذ ولّى والعيش أحلى ما بكاه الفتى ... لا بدّ للمحزون أن يسلى (سريع) ولما احتضر جعل يقول: ذهبت الحيل: ليست حيلة! ثمّ مات. وذلك في سنة سبع وعشرين ومائتين.

стр. 224

شرح حال الوزارة في أيّامه أوّل وزرائه كاتبه قبل الخلافة الفضل بن مروان، كان من البردان [١] ، وكان عاميّا لا علم عنده ولا معرفة، وكان رديء السّيرة جهولا بالأمور، وفيه يقول بعض شعراء عصره: تفرعنت [٢] يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل ثلاثة أملاك [٣] مضوا لسبيلهم ... أبادهم التقييد والأسر والقتل (طويل) والثلاثة هم الفضل بن يحيى بن خالد، والفضل بن سهل، والفضل بن الربيع وكان الفضل بن مروان قد تمكّن من المعتصم وحسده الناس على منزلته عنده، ثم نكبه وأخذ جميع أمواله وعفّ عن نفسه، فبقي مدّة ينتقل في الخدمات حتّى مات في أيّام المستعين. وزارة أحمد بن عمّار بن شاذي للمعتصم ثمّ وزر له أحمد بن عمّار، كان رجلا موسرا من أهل المذار فانتقل إلى البصرة واشترى بها أملاكا وكثر ماله، وكان طحّانا، ثم أصعد إلى بغداد واتّسع بها حاله فقالوا كان يخرج في الصّدقة كلّ يوم مائة دينار، وكان الفضل بن مروان قد وصفه بالأمانة عند المعتصم، فلما نكب الفضل لم يقع نظر المعتصم على غير أحمد بن عمّار فاستوزره، وكان جاهلا بآداب الوزارة، وفيه يقول بعض شعراء عصره: سبحان ربّي الخالق الباري ... صرت وزيرا يا ابن عمّار وكنت طحّانا على بغلة ... بغير دكّان ولا دار

стр. 225

كفرت بالمقدار [١] إن لم تكن ... قد جزت في ذا كلّ مقدار (سريع) فمكث مدّة في وزارة المعتصم، حتّى ورد كتاب من بعض العمّال يذكر فيه خصب الناحية وكثرة الكلإ، فسأل المعتصم أحمد بن عمّار عن الكلإ فلم يدر ما يقول فدعا محمّد بن عبد الملك الزيّات، وكان أحد خواصّه وأتباعه فسأله عن الكلإ، فقال: أوّل النبات يسمّى بقلا، فإذا طال قليلا فهو كالكلإ، فإذا يبس وجفّ فهو الحشيش فقال المعتصم لأحمد بن عمّار: انظر أنت الدّواوين وهذا يعرض عليّ الكتب، ثم استوزره، وصرف ابن عمّار صرفا جميلا. وزارة محمّد بن عبد الملك الزيّات للمعتصم كان أبوه تاجرا في أيّام المأمون موسرا، ونشأ محمّد فتأدّب وقرأ وفهم، وكان ذكيّا فبرع في كلّ شيء حتّى صار نادرة وقته عقلا وفهما، وذكاء وكتابة، وشعرا وأدبا وخبرة بآداب الرّئاسة، وقواعد الملوك، حتّى كانت أيّام المعتصم فاستوزره على ما تقدّم شرحه، فنهض بأعباء الوزارة نهوضا لم يكن لمن تقدّمه من أضرابه، وكان جبّارا متكبّرا، فظّا غليظ القلب، خشن الجانب مبغضا إلى الخلق، ومات المعتصم وهو وزيره وكان المعتصم قد أمر لابنه الواثق بمال، وأحال به على ابن الزيّات فمنعه، وأشار على المعتصم ألا يعطيه شيئا، فقبل المعتصم قوله ورجع فيما كان أمر به للواثق من ذلك فكتب بخطه كتابا بالحجّ والعتق والصّدقة أنه إن ولي الخلافة ليقتلنّ ابن الزيّات شرّ قتلة. فلمّا مات المعتصم وجلس الواثق على سرير الخلافة ذكر حديث ابن الزيات فأراد أن يعاجله فخاف ألّا يجد مثله، فقال للحاجب: أدخل إليّ عشرة من الكتّاب فلما دخلوا عليه اختبرهم فما كان فيهم من أرضاه، فقال للحاجب: أدخل من الملك

стр. 226

محتاج إليه، محمّد بن الزيات، فأدخله، فوقف بين يديه خائفا، فقال للخادم: أحضر إليّ المكتوب الفلانيّ، فأحضر له الكتاب الّذي كان كتب وحلف فيه ليقتلنّ ابن الزيات فدفعه إلى ابن الزيّات وقال: اقرأه، فلما قرأه، قال: يا أمير المؤمني أنا عبد إن عاقبته فأنت حاكم فيه، وإن كفّرت عن يمينك واستبقيته كان أشبه بك. فقال الواثق: والله ما أبقيتك إلّا خوفا من خلوّ الدولة من مثلك! وسأكفّر عن يميني، فإنّي أجد عن المال عوضا ولا أجد عن مثلك عوضا، ثم كفّر عن يمينه واستوزره وفوّض الأمور إليه، وكان ابن الزيّات شاعرا مجيدا فمن شعره يرثي المعتصم ويمدح الواثق: قد قلت إذ غيّبوك واصطفقت ... عليك أيد بالماء والطّين اذهب فنعم المعين أنت على ... الدّنيا ونعم المعين للدين لا يجبر الله أمّة فقدت ... مثلك إلّا بمثل هارون [١] (منسرح) ثم إنّ محمّد بن عبد الملك الزيّات مكث في وزارة الواثق مدّة خلافته، لم يستوزر غيره حتّى مات الواثق، وولي أخوه المتوكّل فقبض عليه وقتله. قيل: إنّ ابن الزيّات عمل تنورا من حديد ومساميره إلى داخل، ليعذّب به من يريد عذابه، فكان هو أوّل من جعل فيه، وقيل له: ذق ما كنت تريد أن تذيق الناس!. انقضت أيّام المعتصم ووزرائه. ثمّ ملك بعده هارون الواثق بويع سنة سبع وعشرين ومائتين كان الواثق من أفاضل خلفائهم، وكان فاضلا لبيبا، فطنا فصيحا شاعرا وكان يتشبّه بالمأمون في حركاته وسكناته، ولما ولي الخلافة أحسن إلى بني عمّه الطالبيّين [٢] وبرّهم ولم يقع في أيّامه من الفتوح الكبار والحوادث المشهورة ما يؤثر

стр. 227

ومات الواثق في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. شرح حال الوزارة في أيّامه لم يستوزر الواثق سوى محمّد بن عبد الملك الزيّات وزير أبيه، وقد سبق طرف من حاله ومات الواثق وهو وزيره. انقضت أيّام الواثق. ثمّ ملك بعده أخوه جعفر المتوكّل كان المتوكّل شديد الانحراف عن آل عليّ- ﵇ وفعل من حرث قبر الحسين- ﵇ ما فعل، وأبى الله إلّا أن يتمّ نوره، وقال من يعتذر له: إنه كان كأخيه وكالمأمون في الميل إلى بني عليّ- ﵇ وإنّما كان حوله جماعة منحرفون عن أهل البيت- ﵈ فكانوا دائما يحملونه على الوقيعة فيهم والأوّل أصحّ، ولا ريب أنه كان شديد الانحراف عن هذه الطائفة، ولذلك قتله ابنه غيرة وحميّة. شرح مقتله على سبيل الاختصار كانت بينه وبين ابنه المنتصر مباينة، وكان كلّ منهما يكره الآخر ويؤذيه، فاتّفق المنتصر مع جماعة من الأمراء على قتله وقتل الفتح بن خاقان [١] ، وكان أكبر أمرائه وأفضلهم، فهجموا عليه وهو يشرب، فخبطوه بالسّيف فقتلوه وقتلوا الفتح معه وأشاعوا أن الفتح قتله فقتلناه به، وجلس ابنه على السّرير بعده. وذلك في سنة سبع وأربعين ومائتين.

стр. 228

شرح حال الوزارة في أيّامه لما بويع بالخلافة استوزر محمّد بن عبد الملك الزيّات أيّاما، ثمّ نكبه وقبض عليه وقتله كما تقدّم شرحه، ثم استكتب [١] رجلا من كتّابه يقال له: أبو الوزير، من غير أن يسمّيه بالوزارة فكتب له مديدة يسيرة، ثم نكبه وأخذ منه مائتي ألف دينار، واستوزر الجرجرائي. وزارة أبي جعفر محمّد بن الفضل الجرجرائي للمتوكّل كان شيخا ظريفا، حسن الأدب، عالما بالغناء مشتهرا به، فخفّ على قلب المتوكّل فاستوزره مديدة، ثم كثرت السّعايات به، فعزله المتوكّل، وقال: قد ضجرت من المشايخ، أريد حدثا أستوزره، فأشير عليه بعبيد الله بن يحيى بن خاقان. وزارة عبيد الله بن يحيى بن خاقان كان عبيد الله حسن الخطّ، وله معرفة بالحساب والاستيفاء [٢] ، إلا أنّه كان مخلّطا [٣] ، وكان مجدودا [٤] ، فكانت سعادته تغطي عيوبه، وكان كريما حسن الأخلاق. وكان كرمه أيضا يستر كثيرا من عيوبه، وكان فيه تعفّف، قيل: إنّ صاحب مصر حمل إليه مائتي ألف دينار وثلاثين سفطا من الثّياب المصريّة، فلمّا أحضرت بين يديه، قال لوكيل صاحب مصر: لا والله! لا أقبلها ولا أثقل عليه

стр. 229

بذلك، ثمّ فتح الأسفاط وأخذ منها منديلا لطيفا وضعه تحت فخذه، وأمر بالمال فحمل إلى خزانة الديوان وصحّح بها، وأخذ به دورا لصاحب مصر. وكانت سيرة عبيد الله هيّنة، والجند يحبّونه، فلمّا جرت مفتنة عند قتل المتوكّل خاف عبيد الله فاجتمع الجند على بابه وقالوا له: أنت أحسنت إلينا في حال وزارتك وأقلّ ما يجب لك علينا أن نحتفظ بك ونحرسك في مثل هذه الفتنة. انقضت أيّام المتوكّل ووزرائه. ثمّ ملك بعده ابنه محمّد المنتصر بويع في صبيحة الليلة التي قتل أبوه بها، كان المنتصر شهما فاتكا سفّاكا للدّم ولمّا قتل أباه تحدّث الناس بأنه لا يطول له العمر بعده، وشبهوه بشيرويه [١] بن كسرى حين قتل أباه، ولم يستمتع بالملك بعده، قالوا لما قتل المنتصر أباه وبويع له بالخلافة جلس على بساط لم ير النّاس مثله، وعليه كتابة عجيبة بالفارسيّة، فنظر إليها المنتصر واستحسنها، وقال لمن حضر: هل تعرفون معناها؟ فأحجموا وقالوا لا نعرف فاستحضر رجلا عجميّا غريبا وأمره بقراءتها، فأحجم الرّجل، فقال له المنتصر: قل وما عليك بأس، فليس لك ذنب، فقال الرجل: على هذه البساط مكتوب، أنا شيرويه بن كسرى، قتلت أبي فلم أتمتّع بالملك بعده إلا ستة أشهر فتطير المنتصر من ذلك، ونهض من مجلسه مغضبا، فلم تتمّ ستة أشهر حتّى مات، وذلك في سنة ثمان وأربعين ومائتين. شرح حال الوزارة في أيّامه لما بويع بالخلافة استوزر كاتبه أحمد بن الخصيب.

стр. 230

وزارة أحمد بن الخصيب للمنتصر كان أحمد مقصّرا في صناعته، مطعونا عليه في عقله، وكانت فيه مروءة وحدّة [١] وطيش، فمن احتمله بلغ منه ما أراد، فعرض له رجل من أرباب الحوائج وألحّ عليه حتّى ضايقه، وضغط رجله بالرّكاب، فاحتدّ أحمد وأخرج رجله من الرّكاب وركله بها في صدره، فقال فيه بعض الشّعراء: قل للخليفة يا ابن عمّ محمّد ... أشكل وزيرك إنه ركال [٢] قد نال من أعراضنا بلسانه ... ولرجله عند الصّدور مجال (كامل) ومات المنتصر وأحمد بن الخصيب وزيره. انقضت أيّام المنتصر. ثمّ ملك بعده المستعين وهو أحمد بن المعتصم لما مات المنتصر اجتمع الأمراء وأكابر المماليك، وقالوا: متى ولّينا أحدا من ولد المتوكل طالبنا بدمه وأهلكنا، فأجمعوا على مبايعة المستعين وقالوا هو ابن مولانا المعتصم فإذا ما بايعناه لم تخرج الخلافة من ولد المعتصم، فبايعوه في سنة ثمان وأربعين ومائتين وكانت تلك أيّام فتن وحروب وخروج خوارج، فممّن خرج فيها قتيل شاهي أبو الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵈ . شرح الحال في ذلك كان يحيى بن عمر قتيل شاهي [٣] ، قدم من خراسان في أيّام المتوكّل، وهو في ضائقة وعليه دين، فكلّم بعض أكابر أصحاب المتوكّل في ذلك، فأغلظ له

стр. 231

وحبسه بسامرّا، ثمّ كفله أهله فأطلق، وانحدر إلى بغداد فأقام بها مدّة على حال غير مرضية من الفقر، وكان- ﵁ دينا خيّرا أعمالا حسن السّيرة، فرجع إلى سامرّا مرّة ثانية، وكلّم بعض أمراء المتوكّل في حاله، فأغلظ له وقال، لأيّ حال يعطى مثلك؟ فرجع إلى بغداد وانحدر منها إلى الكوفة، ودعا الناس إلى الرضا من آل محمد، فتبعه ناس من أهل الكوفة من ذوي البصائر في التشيّع، وناس من الأعراب ووثب في الكوفة وأخذ ما في بيت المال ففرّقه على أصحابه، وأخرج من في السّجون، وطرد عن الكوفة عاملها وكثرت جموعه فأرسل إليه أمير بغداد- وهو محمّد بن عبد الله بن طاهر- عسكرا فالتقوا بشاهي وهي قرية قريبة من الكوفة- وكانت الغلبة لعسكر ابن طاهر، وانكشف الغبار ويحيى بن عمر قتيل فحمل رأسه إلى محمّد بن عبد الله بن طاهر ببغداد، فجلس محمّد بن عبد الله بن طاهر للهناء بذلك، فدخل عليه الناس أفواجا يهنئونه، وفي جملتهم رجل من ولد جعفر بن أبي طالب- ﵈ فقال له أيّها الأمير: إنّك لتهنّأ بقتل رجل لو كان رسول الله ﵌ حيّا لعزّي به، فأطرق محمّد بن عبد الله ساعة، ثم نهض وصرف الناس، ورثاه الشّعراء، فممّن رثاه ابن الروميّ [١] بجيميّته التي أوّلها: أمامك فانظر أيّ نهجيك تنهج ... طريقان شتّى: مستقيم وأعوج ومنها: سلام وريحان وروح ورحمة ... عليك وممدود من الظلّ سجسج [٢] ولا برح القاع الّذي أنت جاره ... يرفّ عليه الأقحوان المفلّج [٣]

стр. 232

وهي قصيدة شاعرة، تناول فيها بني العبّاس بأشياء تركناها تحرّجا، وكانت وقعة شاهي في سنة خمسين ومائتين، وخرج عليه غيره من الطالبيّين، فكانت الغلبة في جميع تلك الحروب له. واعلم أنّ المستعين كان مستضعفا في رأيه وعقله، وكانت أيّامه كثيرة الفتن ودولته شديدة الاضطراب، ولم يكن فيه من الخصال المحمودة إلّا أنّه كان كريما وهوبا وخلع في سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ثمّ قتل بعد ذلك. شرح حال الوزارة في أيّامه لما ولي المستعين أقرّ أحمد بن الخصيب على وزارته شهرين، ثمّ استوزر بعده أبا صالح عبد الله بن محمّد بن يزداد. وزارة أبي صالح بن محمّد بن يزداد كان عنده أدب وفضل، وكانت توقيعاته وأجوبته من أحسن التوقيعات والأجوبة. ومن توقيعاته إلى رجل: «ليس عليك بأس ما لم يكن منك بأس» . قالوا: ولمّا تولّى أبو صالح بن يزداد الوزارة للمستعين، ضبط الأموال، فصعب ذلك على أمراء الدولة- وكان قد ضيّق عليهم- فتهدّدوه بالقتل فهرب، ثم اختلفت الأحوال، واستكتب المستعين تارة محمّد بن الفضل الجرجرائي، وشجاع ابن القاسم لكن لم يتسمّ أحد منهم بالوزارة، ولم تطل تلك الأيام، وكانت ذات فتن وحروب واختلاف كثير. انقضت أيّام المستعين ووزرائه. ثمّ ملك بعده المعتزّ باللَّه هو أبو عبد الله بن محمّد بن المتوكّل، بويع بالخلافة سنة اثنتين وخمسين ومائتين عقيب خلع المستعين، وكان المعتزّ جميل الشّخص حسن الصّورة، ولم يكن بسيرته ورأيه وعقله بأس، إلّا أنّ الأتراك كانوا قد استولوا منذ قتل المتوكّل

стр. 233

على المملكة واستضعفوا الخلفاء، فكان الخليفة في يدهم كالأسير، إن شاءوا أبقوه وإن شاءوا خلعوه، وإن شاءوا قتلوه. لمّا جلس المعتزّ على سرير الخلافة، قعد خواصّه وأحضروا المنجّمين، وقالوا لهم انظروا كم يعيش؟ وكم يبقى في الخلافة؟ وكان بالمجلس بعض الظّرفاء فقال: أنا أعرف من هؤلاء بمقدار عمره وخلافته، فقالوا له: فكم تقول إنّه يعيش وكم يملك؟ قال: مهما أراد الأتراك، فلم يبق في المجلس إلّا من ضحك. وفي أيّام المعتزّ ظهر يعقوب بن الليث الصفّار [١] ، واستولى على فارس، وجمع جموعا كثيرة، ولم يقدر المعتزّ على مقاومته، ثمّ إن الأتراك ثاروا بالمعتزّ وطلبوا منه مالا فاعتذر إليهم، وقال: ليس في الخزائن شيء، فاتّفقوا على خلعه وقتله، فحضروا إلى بابه وأرسلوا إليه وقالوا له: اخرج إلينا، فاعتذر بأنه شرب دواء، فهجموا عليه وضربوه بالدّبابيس، وخرقوا قميصه وأقاموه في الشّمس، فكان يرفع رجلا ويضع أخرى لشدّة الحرّ، وكان بعضهم يلطمه وهو يتقّي بيده، ثمّ جعلوه في بيت، وسدّوا بابه حتّى مات بعد أن أشهدوا عليه أنه خلع نفسه، وذاك في سنة خمس وخمسين ومائتين. شرح حال الوزارة في أيامه أوّل وزرائه أبو الفضل جعفر بن محمود الإسكافي. وزارة الإسكافيّ للمعتزّ لم يكن له علم ولا أدب، لكنّه كان يستميل القلوب بالمواهب والعطايا، وكان المعتزّ يكرهه، وكانوا ينسبونه إلى التشيّع، ومال إليه بعض الأتراك وكرهه البعض الآخر وثارت بسببه فتنة، فعزله المعتزّ.

стр. 234

وزارة أبي موسى عيسى بن فرخان شاه للمعتزّ كان كريما، قيل عنه: إنّه كان قبل الوزارة يتولّى بعض الدواوين فعزل عنه وله به استحقاق مبلغه ألف دينار، فتلطّف بالذي تولّى بعده حتّى كتب له وأحاله بذلك على بعض النوّاب، فلمّا حصل المال كتب ذلك النائب إلى عيسى بن فرخان شاه يعلمه أن المال قد حصل، ويستأذنه في حمله إليه- وكان صديقا له- فكتب إليه، إنّ فلانا الشاعر لازمني مدّة، وما حصل له من جهتي شيء، فادفع هذا المال إليه، فدفع المال إلى الشاعر فأخذه وانصرف، وجرت بسببه أيضا فتنة بين الأتراك فعزله المعتزّ. وزارة أبي جعفر أحمد بن إسرائيل الأنباريّ للمعتزّ كان أحد الكتّاب الحذّاق الأذكياء، قالوا: كان يحفظ وجوه المال جميعها دخلا وخرجا على ذهنه، وقالوا: إنّه ضاعت مرّة حسبة من الدّيوان فأوردها من خاطره فلمّا وجدت الحسبة كانت كما قال من غير زيادة ولا نقيصة، ثم إنّ الأتراك وثبوا على أحمد بن إسرائيل فأخذوه وضربوه واستصفوا أمواله، وشفع فيه المعتزّ وأمّه إلى متقدم الأتراك- وهو صالح بن وصيف- فلم يلتفت إليهما وحبسه، وضربه بعد ذلك في أيام المهتدي حتّى مات. ولمّا فعل صالح بن وصيف بأحمد بن إسرائيل ما فعل، استحضر جعفر بن محمود الإسكافي واستوزره ثانية- وقد سبق ذكره- ولمّا تولى الوزارة في المرّة الثانية قال بعض الشّعراء: يا نفس لا تولعي بتفنيد [١] ... وعلّلي القلب بالمواعيد وانتظري قد رأيت ما ساقه ... الله إلى جعفر بن محمود (منسرح) انقضت أيّام المعتزّ ووزرائه.

стр. 235

ثمّ ملك بعده المهتدي باللَّه هو أبو عبد الله محمّد بن الواثق، كان المهتدي من أحسن الخلفاء مذهبا وأجملهم طريقة وسيرة، وأظهرهم ورعا، وأكثرهم عبادة، كان يتشبّه بعمر بن عبد العزيز، ويقول: إنّي أستحي أن يكون في بني أميّة مثله، ولا يكون مثله في بني العبّاس، وكان يجلس للمظالم فيحكم حكما يرتضيه الناس، وكان يتقلّل في مأكوله وملبوسه. حدّث بعض الهاشميّين قال: كنت عند المهتدي في بعض ليالي رمضان، فقمت لأنصرف، فأمرني بالجلوس فجلست، حتّى صلّى المهتدي بنا المغرب، ثمّ أمر بإحضار الطّعام فأحضر طبق خلاف [١] وعليه رغفان، وفي إناء ملح، وفي إناء خل، فأكل وأكلت أكلا مقصرا ظنّا منّي أنه يحضر طعام أجود من ذلك، فلمّا رأى أكلي كذلك قال: أما كنت صائما؟ قلت: بلى، قال: أفلست تريد الصوم غدا قلت: وكيف لا وهو شهر رمضان! فقال: كل واستوف عشاءك فليس ها هنا غير ما ترى، فعجبت وقلت: لم يا أمير المؤمنين، وقد أسبغ الله عليك نعمه ووسع رزقه؟ فقال: إنّ الأمر كما تقول والحمد للَّه، ولكني كرهت أن يكون في بني أميّة مثل عمر بن عبد العزيز وألا يكون في بني العبّاس مثله. وكان المهتدي قد اطّرح [٢] الملاهي وحرّم الغناء والشراب، ومنع أصحابه من الظلم والتعدّي. في أيّام المهتدي خرج صاحب الزّنج، وسيرد خبره في أيّام المعتمد إن شاء الله تعالى. كان المهتدي قتل بعض الموالي، فشغب عليه الأتراك وهاجوا، وأخذوه أسيرا وعذبوه ليخلع نفسه فلم يفعل، فخلعوه هم ومات، وذلك في سنة ست وخمسين ومائتين.

стр. 236

شرح حال الوزارة في أيّامه لمّا بويع بالخلافة أقرّ جعفر بن محمود الإسكافيّ على وزارته، ثم عزله واستوزر سليمان بن وهب. وزارة سليمان بن وهب بن سعيد للمهتدي هم من قرية من أعمال واسط، وكانت لهم كفاية، وكانوا نصارى ثمّ أسلموا وخدموا في الدّواوين حتّى آلت بهم الحال إلى ما آلت. كان أبو أيّوب سليمان بن وهب أحد كتّاب الدّنيا ورؤسائها فضلا وأدبا وكتابة في الدّرج والدّستور، وأحد عقلاء العالم وذوي الرأي منهم. حدّث ابنه عبيد الله قال: حدّثني أبي قال: كان مبدأ سعادتي أنّي كنت وأنا صبيّ بين يدي محمّد بن يزداد وزير المأمون، وكنّا جماعة من الصّبيان بين يديه، إذا راح في الليل إلى داره وبات واحد منّا في دار المأمون بالنّوبة، لمهم عساه يعرض في الليل قال: فكانت ليلة نوبتي، فخرج خادم وقال: ها هنا أحد من نوّاب محمّد بن يزداد؟ فقال الحاجب له: نعم، ها هو ذا، فأدخلني إلى المأمون، فقال لي: اعمل نسخة في المعنى الفلاني، ووسع بين سطورها وأحضرها لأصلح منها ما أريد إصلاحه، قال: فخرجت سريعا وكتبت الكتاب بغير نسخة، وبيّضته وأحضرته إليه، فلما رآني قال: كتبت النّسخة؟ قلت: بل كتبت الكتاب، فقال: بيّضته؟ قلت: نعم، فزاد في نظره إليّ كالمتعجّب مني، فلمّا قرأه تبيّنت الاستحسان على وجهه، ورفع رأسه إليّ وقال: ما أحسن ما كتبت يا صبيّ! ولكن أريد أن تقدّم هذا السطر وتؤخّر هذا السطر، وخطّ عليهما بقلمه، فأخذت الكتاب وخرجت وجلست ناحية ثم محوت السّطرين وعملت ما أراد، وجئته بالكتاب، وكان قد ظنّ أنّي أبطله وأكتب غيره، فلما قرأه لم يعرف موضع المحو فاستحسنه وقال: يا صبيّ: لا أدري من أيّ شيء أعجب-! أمن جودة محوك أم من سرعة فهمك، أم من حسن خطّك، أم من سرعتك! بارك الله فيك! فقبّلت يده وخرجت،

стр. 237

وكان ذلك أوّل علوّ منزلتي، وصار المأمون لا يجري مهمّ إلا قال: هاتوا سليمان ابن وهب، ولما جرت له هذه القضيّة كتب إليه بعض الشّعراء: أبوك كلّفك الشّأو البعيد كما ... قدما تكلّفه وهب أبو حسن فلست تحمد إن أدركت غايته ... ولست تعذر مسبوقا فلا تهن (بسيط) حدّث أحمد بن المدبر قال: كنّا في حبس الواثق أنا وسليمان بن وهب وأحمد بن إسرائيل، مطالبين بالأموال، فقال لنا سليمان بن وهب يوما: قد رأيت في المنام كأنّ قائلا يقول لي: يموت الواثق بعد شهر، فاستغاث أحمد بن إسرائيل وقال له: والله لا تزال حتّى تسفك دماؤنا! وخاف أشدّ خوف أن يشيع هذا الحديث عنّا، قال ابن المدبر: فعددت من ذلك اليوم ثلاثين يوما، فلمّا كان يوم ثلاثين قال لي أحمد بن إسرائيل: أين مصداق القول وصحّة المنام؟ وكان قد حصر التاريخ وحسب ونحن لا نعلم، فقال له سليمان بن وهب: الرؤيا تصدق وتكذب، فلما كانت العشاء الآخرة إذ طرق علينا الباب طرقا شديدا وصائح يصيح: البشارة البشارة، مات الواثق، فاخرجوا أين شئتم، فضحك أحمد بن إسرائيل وقال: قوموا فقد تحقّقت الرؤيا وجاء الفرج فقال سليمان بن وهب: كيف نقدر أن نمشي مشاة ومنازلنا بعيدة، ولكن نبعث فنحضر دوابّ نركبها، فاغتاظ أحمد بن إسرائيل وقويت السوداء عليه، وكان شكس الأخلاق وقال له: ويحك يا سليمان! تنتظر مجيء فرسك حتّى يتولّى خليفة آخر فيقال له: في الحبس جماعة من الكتّاب، فيقول: يتركون على حالهم حتى ننظر في أمورهم، فنلبث في الحبوس زيادة على هذا، ويكون سبب ذلك توجّهك راكبا إلى منزلك يا فاعل يا صانع! فضحكنا وخرجنا مشاة في الليل، واجمع رأينا على أن نستتر عند بعض أصحابنا حتّى تتحقّق الأخبار فو الله لقد رأينا في طريقنا رجلين يقول أحدهما للآخر: إنّ هذا الخليفة الجديد قد عرف أحوال المحبّسين من الكتّاب وأصحاب الجرائم فقال: لا يفرج عن أحد حتّى انظر في حاله، فتخفّينا إلى أن أمّننا الله تعالى في أسرع وقت وله الحمد، ومن شعره:

стр. 238

نوائب الدّهر أدبتني ... وإنّما يوعظ الأديب قد ذقت حلوا وذقت مرّا ... كذاك عيش الفتى ضروب [١] ما مرّ بؤس ولا نعيم ... إلّا ولي منهما نصيب (منسرح) وكانت بنو وهب من رؤساء النّاس وحذّاقهم، وفضلائهم وكرمائهم، وكانت دولتهم ناضرة، وأيّامهم مشرقة، والأدب في أيّامهم قائم المواسم، والكرم واضح المعالم وخلع المهتدي ووزيره. انقضت أيام المهتدي باللَّه ووزرائه. ثمّ ملك بعده المعتمد على الله هو أبو العبّاس أحمد بن المتوكّل، بويع سنة ستّ وخمسين ومائتين، كان المعتمد مستضعفا، وكان أخوه الموفّق طلحة النّاصر هو الغالب على أموره، وكانت دولة المعتمد دولة عجيبة الوضع: كان هو وأخوه الموفّق طلحة كالشريكين في الخلافة للمعتمد الخطبة والسكّة [٢] والتسمّي بإمرة المؤمنين، ولأخيه طلحة الأمر والنهي، وقود العساكر ومحاربة الأعداء، ومرابطة الثّغور، وترتيب الوزراء والأمراء، وكان المعتمد مشغولا عن ذلك بلذّاته، وفي تلك الأيّام كانت وقائع صاحب الزّنج. شرح حال صاحب الزنج ونسبه وما آل أمره عليه ظهر في تلك الأيام رجل يقال له: عليّ بن محمّد بن عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵈ . فأمّا نسبه: فليس عند النّسابين بصحيح، وهم يعدّونه من الأدعياء. وأمّا حاله: فإنّه كان رجلا فاضلا

стр. 239

فصيحا بليغا لبيبا، استمال قلوب العبيد من الزّنج بالبصرة ونواحيها، فاجتمع إليه منهم خلق كثيرون وناس آخرون من غيرهم، وعظم شأنه وقويت شوكته وكان في مبدإ حاله فقيرا لا يملك سوى ثلاثة أسياف، حتّى إنّه أهدي له فرس فلم يكن له لجام ولا سرج يركبه بهما فركبه بحبل. فاتفقت له حروب وغزوات نصر فيها فأثرى [١] بسببها وعظم حاله ونهبه وانبثّ عسكر السّودان في البلاد العراقية والبحرين وهجر، ونهد [٢] إليه الموفّق طلحة بعساكر كثيفة، فالتقيا بين البصرة وواسط ودامت الحرب بينهما سنين كثيرة وبنوا مدائن هناك وأقام كلّ من الفريقين يرابط للفريق الآخر، وفي آخر الأمر كانت الغلبة للجيش العبّاسي، فأبادوهم قتلا وأسرا، وقتل صاحب الزّنج وانتهت مدينته، وكان قد بناها وسمّاها «المختارة» وحمل رأسه إلى بغداد، وكان يوما مشهودا. وقيل: إنّ عدد القتلى في تلك الوقائع كان ألفي ألف وخمسمائة ألف إنسان ومات المعتمد سنة تسع وسبعين ومائتين. شرح حال الوزارة في أيّامه قد تقدّم أنّ أخاه الموفّق كان هو المستولي على الخلافة، فكان يعزل الوزراء ويولّيهم. وزارة أبي الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان للمعتمد لما ولي الخلافة المعتمد اتّفقت الآراء على عبيد الله بن خاقان، فأحضر واستوزر على كره شديد منه، وتقصّ وتنصّل، وكان عبيد الله خبيرا بأحوال الرّعايا، والأعمال ضابطا للأموال، وقد تقدّم ذكره في خلافة المتوكّل.

стр. 240

وزارة الحسن بن مخلد للمعتمد وزر له لمّا مات عبيد الله بن يحيى، استوزر المعتمد الحسن بن مخلد [١] ، وكان كاتبا لأخيه الموفّق، فاجتمعت له وزارة المعتمد، وكتابة الموفّق، كان الحسن بن مخلد من دير قنّى، ويقال: إنّ أباه كان معبرانيا، فخرج من ابنه ما خرج، وكان الحسن أحد كتّاب الدّنيا، قالوا: كان له دفتر صغير يعمله بيده، فيه أصول أموال الممالك ومحمولاتها بتواريخها، فلا ينام كلّ ليلة حتّى يقرأه، ويتحقّق ما فيه، بحيث لو سئل الغد عن شيء كان منه، أجاب من خاطره بغير توقف ولا مراجعة دستور، قال الحسن بن مخلد: كنت مرّة واقفا بين يدي الموفّق بن المتوكّل فرأيته يلمس ثوبه بيده، وقال لي: يا حسن، قد أعجبني هذا الثوب، كم عندنا في الخزائن منه. فأخرجت في الحال من خفّي دستورا فيه جمل ما في الخزائن من الأمتعة والثياب مفصّلة، فوجدت فيها من جنس ذلك الثوب ستّة آلاف ثوب، فقال لي: يا حسن، نحن عراة، اكتب إلى البلاد في استعمال ثلاثين ألف ثوب من جنسه وحملها في أسرع مدّة. ثمّ عزله المعتمد واستوزر سليمان بن وهب، وقد سبق وصف طرف من حاله وشرعت من تلك الأيام دولة بني وهب نتبع. وزارة أبي الصّقر إسماعيل بن بلبل استوزره الموفّق لأخيه المعتمد. وكان أبو الصّفر كريما مطعاما متجمّلا، بلغ من الوزارة مبلغا عظيما، وجمع له السيف والقلم، فنظر في أمر العساكر أيضا وسمّي الوزير الشّكور، كان في صباه على طريقة غير مرضية، فبلغ ما بلغ، ومدحه الشّعراء كالبحتريّ، وابن الروميّ، وغيرهما، وهجوه، وكان أبو الصّقر ينتسب إلى بني شيبان ورأيت نسبه مرفوعا إلى شيبان بخطّ بعض النسّاب، وقوم

стр. 241

غمزوه وقالوا: هو دعيّ وكان ابن الروميّ قد مدحه بقصيدة نونيّة طويلة أوّلها: أجنت لك الوصل أغصان وكثبان ... فيهنّ نوعان: تفّاح ورمّان غصون بان عليها الدّهر فاكهة ... وما الفواكه ممّا يحمل البان (بسيط) فسمّى الناس هذه القصيدة: دار البطّيخ لكثرة ما فيها من ذكر الفواكه. وكان الموضع الّذي تباع فيه الفواكه يسمّى: دار البطّيخ، ومن جملة هذه القصيدة: قالوا: أبو الصّقر من شيبان قلت لهم ... كلّا لعمري ولكن منه شيبان كم من أب قد علا بابن له شرفا ... كما علا برسول الله عدنان فلمّا سمع أبو الصّقر قوله، «قالوا: أبو الصقر من شيبان، قلت لهم: كلّا» ظنّ أنّ ابن الروميّ قد هجاه بها باطلا، وأنّه عرّض بأنه دعيّ، واشتبه على أبي صقر الأمر فاستكتم ظنّه وأعرض عنه، وتوصّل ابن الرومي إلى إفهامه صورة الحال، فلم يقبل في ذلك قول قائل. وقيل له: يا سبحان الله-! فانظر إلى البيت الثاني وحسن معناه، فإنّه معنى مخترع، ما مدح أحد بمثله قبلك، فلم يصغ وجزم بأنّ ابن الروميّ هجاه وأفحش في هجائه، فممّا هجاه به قوله: عجب النّاس من أبي الصّقر إذ ... ولّي بعد الإجارة الدّيوانا إنّ للحظ كيمياء إذا ما ... مسّ كلبا أصاره إنسانا (خفيف) وقوله: مهلا أبا الصّقر فكم طائر ... خرّ صريعا بعد تحليق زوّجت نعمى لم تكن كفأها ... فصانها الله بتطليق لا قدّست نعمى تسربلتها ... كم حجّة فيها لزنديق (سريع) ما بال فرخ أبوه بلبل ربح [١] ... يكنى أبا الصّقر يا أهل الدواوين عرّوه من كنية ليست تليق به ... يدعى أبا الصّقر من كان ابن شاهين (بسيط)

стр. 242

وقبض عليه المعتمد وحبسه وعاقبه، ثمّ قتله في محبسه واصطفى أمواله. واعلم أنّ هؤلاء وزراء المعتمد كالحسن بن مخلّد، وسليمان بن وهب، وأبي الصّقر بن بلبل، تولّوا الوزارة وعزلوا مرارا مرّتين وثلاثة. وزارة أحمد بن صالح بن شيرزاد القطربّلي للمعتمد استوزره الموفّق لأخيه المعتمد، وكان أحمد كاتبا بليغا، فاضلا عارفا بما يلزم مثله معرفته، مجيدا في النّظم والنثر، وصف أحمد امرأة كاتبة، فقال: كأن خطّها حسن صورتها، وكأنّ مدادها سواد شعرها، وكأن قرطاسها أديم وجهها، وكأنّ قلمها بعض أناملها، ومكث أحمد بن شيرزاد في وزارته نحوا من شهر، ثم مرض ومات وذلك في سنة ستّ وستّين ومائتين. وزارة عبيد الله بن سليمان بن وهب للمعتمد كان عبيد الله بن سليمان من كبار الوزراء ومشايخ الكتّاب، وكان بارعا في صناعته، حاذقا ماهرا، لبيبا جليلا، ماتت للمعتضد جارية كان يحبّها فجزع عليها فقال له عبيد الله بن سليمان: مثلك يا أمير المؤمنين تهون المصائب عليه، لأنك تجد من كلّ مفقود عوضا، ولا يجد أحد منك عوضا، وكأن الشّاعر عناك بقوله: يبكى علينا ولا نبكي على أحد ... لنحن أغلظ أكبادا من الإبل (بسيط) وفي عبيد الله بن سليمان يقول الشّاعر: إذا أبو قاسم جادت يداه لنا ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر وإن مضى رأيه أو حدّ عزمته ... تأخّر الماضيان: السّيف والقدر وإن أضاءت لنا أضواء غرّته ... تضاءل النيّران: الشّمس والقمر من لم يبت حذرا من حد صولته [١] ... لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر

стр. 243

ينال بالظنّ ما يعيا العيان له ... والشّاهدان عليه: العين والأثر (بسيط) ومات عبيد الله في سنة ثمان وثمانين ومائتين. انقضت أيّام المعتمد ووزرائه. ثمّ ملك بعده المعتضد ابن أخيه هو أبو العبّاس أحمد بن الموفّق طلحة بن المتوكّل، بويع سنة تسع وسبعين ومائتين، كان المعتضد شهما عاقلا فاضلا، حمدت سيرته، ولي والدّنيا خراب والثغور مهملة، فقام قياما مرضيا حتّى عمرت مملكته، وكثرت الأموال، وضبطت الثّغور، وكان قويّ السياسة شديدا على أهل الفساد حاسما لمواد أطماع عساكره عن أذى الرعيّة، محسنا إلى بني عمّه من آل أبي طالب، وكانت أيّامه أيّام فتوق وخوارج كثيرين، منهم عمرو بن الليث الصفّار، كان قد عظم شأنه وفخم، واستولى على أكثر بلاد العجم، وكان يقول: لو شئت أن أعقد على نهر بلخ جسرا من ذهب لفعلت وكان مطبخه يحمل على ستّمائة جمل، فآلت عاقبته إلى القيد والأسر والذلّ، فقام المعتضد في إصلاح المتشعّب من مملكته، والعدل في رعيّته، حتّى مات وفي الخزائن بضعة عشر ألف ألف دينار (الألف مكرّرة مرتين) ومات سنة تسع وثمانين ومائتين. شرح حال الوزارة في أيامه أقرّ عبيد الله بن سليمان على وزارته، وقد مضى نبذة من أخباره، فلمّا مات عبيد الله عزم المعتضد على أن يستأصل شأفة أولاده ويستصفي أموالهم، فحضر القاسم بن عبيد الله واستعان بيدر المعتضديّ، وكتب خطّا بألفي ألف دينار فاستوزره المعتضد.

стр. 244

وزارة القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب كان القاسم بن عبيد الله من دهاة العالم ومن أفاضل الوزراء، وكان شهما فاضلا لبيبا محصّلا، كريما مهيبا جبّارا، وكان يطعن في دينه، وهو الّذي قتل ابن الروميّ بالسمّ، وكان ابن الروميّ منقطعا إليهم يمدحهم، وكانوا يقصّرون في حقّه في بعض الأوقات فهجاهم، وكان هجّاء، وفي بني وهب يقول ابن المعتزّ: لآل سليمان بن وهب صنائع ... لديّ ومعروف إليّ تقدّما هم ذلّلوا لي الدّهر بعد شماسه ... وهم غسلوا من ثوب والدي الدّما (طويل) ومات المعتضد وهو وزيره. انقضت أيّام المعتضد ووزرائه. ثمّ ملك بعده ابنه المكتفي باللَّه هو أبو محمّد عليّ بن المعتضد، بويع في سنة تسع وثمانين ومائتين. كان المكتفي من أفاضل الخلفاء، هو الّذي بنى المسجد الجامع بالرّحبة ببغداد وفي أيّام المكتفي ظهر القرامطة، وهم قوم من الخوارج، خرجوا وقطعوا الدّرب على الحاجّ واستأصلوا شأفتهم، وقتلوا فيهم مقتلة عظيمة، وسرّح المكتفي إليهم جيوشا كثيرة فأوقع بهم، وقتل بعض زعمائهم. والمكتفي هو الّذي بنى التّاج بالدّار الشاطئيّة ببغداد، وكانت وفاة المكتفي سنة خمس وتسعين ومائتين.

стр. 245

شرح حال الوزارة في أيّامه لما مات المعتضد كان المكتفي بالرقّة، فقام الوزير القاسم بن عبيد الله بأخذ البيعة للمكتفي القيام المرضي، وكتب إليه يعلمه ذلك، ووجّه إليه بالبردة والقضيب [١] فجاء المكتفي إلى بغداد وأقرّه على الوزارة ولقّبه ألقابا، وجلّ أمر القاسم في أيّام المكتفي وعظم شأنه، فلمّا أدركته الوفاة أشار على المكتفي بالعبّاس بن الحسن فاستوزره.

стр. 246

وزارة العبّاس بن الحسن قال الصّوليّ [١] : من أعجب ما شاهدت من تقلّب الدّنيا وتصاريف الأمور أنّني رأيت العبّاس بن الحسن في أول الأربعاء قبل أن يموت الوزير القاسم بن عبيد الله وقد حضر إلى داره وقبّل يد ولده، ثمّ في آخر اليوم المذكور مات القاسم وخلع المكتفي على العباس بن الحسن واستوزره، فجاء ولد الوزير القاسم بن عبيد فقبّل يده. كان العبّاس بن الحسن ذا دهاء ومكر وأدب وافر. وكان ضعيفا في الحساب ولم تكن سيرته محمودة. وكان عاكفا على لذّاته والأمور مهملة، وكان يقول لنوّابه بالأعمال: أنا أوقّع إليكم وأنتم افعلوا ما فيه المصلحة. ولم تزل الأمور تضطرب في أيّامه حتّى وثب عليه الحصين بن حمدان وجماعة من الجند فقتلوه، وذلك في أيّام المقتدر. انقضت أيام المكتفي ووزرائه. ثمّ ملك بعده المقتدر باللَّه هو أبو الفضل جعفر بن المعتضد، بويع له بالخلافة في سنة خمس وتسعين ومائتين وعمره ثلاث عشرة سنة. وكان المقتدر سمحا كثير الإنفاق، ردّ رسوم الخلافة من التجمّل وسعة الإدارات والمعاش، وكثرة الخلع والصّلات. كان في داره أحد عشر ألف خادم من الرّوم والسّودان، وكانت خزانة الجوهر في أيّامه مترعة بالجواهر النفيسة، فمن جملتها: الفصّ الياقوت الّذي اشتراه الرّشيد بثلاثمائة ألف دينار، والدرّة اليتيمة التي كان وزنها ثلاثة مثاقيل، إلى غير ذلك من الجواهر النفيسة، ففرّقه جميعه وأتلفه في أيسر مدّة وفي أيّامه قتل الحلاج.

стр. 247

شرح الحال في ذلك كان الحلاج- واسمه الحسين بن منصور، ويكنى: أبا الغيث- أصله مجوسيّ من أهل فارس. ونشأ بواسط [١] وقيل: بتستر [٢] ، وخالط الصوفيّة وتتلمذ لسهل التّستري، ثمّ قدم بغداد ولقي أبا القاسم الجنيد [٣] وكان الحلاج يلبس الصوف والمسوح [٤] تارة، والثّياب المصبّغة تارة، والعمامة الكبيرة والدرّاعة تارة والقباء وزيّ الجند تارة. وطاف بالبلاد ثمّ قدم في آخر الأمر بغداد وبنى بها دارا واختلفت آراء الناس واعتقاداتهم فيه، وظهر منه تخليط، وتنقّل من مذهب إلى مذهب، واستغوى العامّة بمخاريق [٥] كان يعتملها، منها: أنه كان يحفر في بعض قوارع الطّرقات موضعا ويضع فيه زقّا [٦] فيه ماء، ثمّ يحفر في موضع آخر ويضع فيه طعاما، ثم يمرّ بذلك الموضع ومعه أصحابه فيحتاجون هناك إلى ماء يشربونه ويتوضّئون به، فيأتي هو إلى ذلك الموضع الّذي قد حفره وينبش فيه بعكاز، فيخرج الماء فيشربون ويتوضّئون ثم يفعل كذلك في الموضع الآخر عند جوعهم فيخرج الطّعام من بطن الأرض، يوهمهم أنّ ذلك من كرامات الأولياء. وكذلك كان يصنع بالفواكه، يدّخرها ويحفظها، ويخرجها في غير وقتها. فشغف الناس به، وتكلّم بكلام الصوفيّة، وكان يخلطه بما لا يجوز ذكره من الحلول [٧] المحض، وله أشعار، فمنها:

стр. 248

حبيبي غير منسوب ... إلى شيء من الحيف [١] سقاني مثلما يشر ... ب فعل الضّيف بالضّيف فلمّا دارت الكاس ... دعا بالنّطع [٢] والسّيف كذا من يشرب الراح ... مع التنين في الصّيف (هزج) وكثر شغف الناس به وميلهم إليه. وكان يقول لأصحابه: أنتم موسى وعيسى ومحمد وآدم، انتقلت أرواحهم إليكم. فلما نما هذا الفساد منه تقدّم المقتدر إلى وزيره حامد بن العبّاس بإحضاره ومناظرته، فأحضره الوزير وجمع له القضاة والأئمة، ونوظر فاعترف بأشياء أوجبت قتله، فضرب ألف سوط على أن يموت فما مات، فقطعت يداه ورجلاه وحزّ رأسه وأحرقت جثّته، وقال لأصحابه عند قتله لا يهولنكم هذا فإنّي أعود إليكم بعد شهر، قالوا: وأنشد قبل قتله: طلبت المستقرّ بكلّ أرض ... فلم أر لي بأرض مستقرّا أطعت مطامعي فاستعبدتني ... ولو أني قنعت لكنت حرّا (وافر) وذلك في سنة تسع وثلاثمائة، وقبره ببغداد بالجانب الغربيّ قريب من مشهد معروف الكرخيّ [٣] ﵁ . وفي تلك الأيّام اقتلع القرامطة الحجر الأسود، ومكث في أيديهم أكثر من عشرين سنة، حتى ردّ على يد الشّريف يحيى بن الحسين بن أحمد بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵈ .

стр. 249

واعلم أنّ دولة المقتدر كانت دولة ذات تخليط كثير، لصغر سنّه ولاستيلاء أمّه ونسائه وخدمه عليه. فكانت دولته تدور أمورها على تدبير النساء والخدم وهو مشغول بلذّته، فخربت الدّنيا في أيّامه. وخلت بيوت الأموال. واختلفت الكلمة. فخلع ثمّ أعيد. ثم قتل. وفي تلك الأيّام نبعت الدّولة الفاطميّة بالمغرب. شرح حال الدّولة العلويّة وابتدائها وانتهائها على سبيل الاختصار هذه دولة اتسعت أكناف مملكتها وطالت مدّتها، فكان ابتداؤها حين ظهر المهديّ بالمغرب في سنة ستّ وتسعين ومائتين. وانتهاؤها في سنة سبع وستين وخمسمائة وكادت هذه الدولة أن تملك ملكا عامّا، وأن تدين الأمم لها. وإليها أشار الرّضيّ الموسوي [١]- قدّس الله روحه- بقوله: ما مقامي على الهوان وعندي ... مقول قاطع وأنف حميّ وإباء محلّق بي عن الضّيم ... كما زاغ طائر وحشيّ أحمل الضّيم في بلاد الأعادي ... وبمصر الخليفة العلويّ من أبوه أبي، ومولاه مولاي ... إذا ضامني البعيد القصيّ لفّ عرقي بعرقه سيّدا الناس ... جميعا: محمد وعليّ إنّ ذلي بذلك الجو عزّ ... وأوامي [٢] بذلك الرّبع ريّ (خفيف)

стр. 250

شرح ابتداء هذه الدّولة أوّل خلفائهم المهديّ باللَّه، وهو أبو محمّد عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل الثالث ابن أحمد بن إسماعيل الثاني، بن محمّد بن إسماعيل الأعرج بن جعفر الصّادق ﵈ ، وقد روي نسبهم على صورة أخرى، وفيه اختلاف كثير، والصحيح أنهم علويّون إسماعيليّون صحيحو الاتصال، وهذه الصورة التي أوردتها ها هنا هي المعوّل عليها وبها خطوط مشايخ النسّابين. وكان المهديّ من رجال بني هاشم في عصره، قيل: إنه ولد ببغداد سنة ستين ومائتين، وقيل: ولد بسلميّة [١] ، ثمّ وصل إلى مصر في زيّ التجّار، وأظهر أمره بالمغرب ودعا النّاس إلى نفسه، فمالوا إليه وتبعه خلق كثيرون، وسلّموا عليه بالخلافة وقويت شوكته وعظم حاله، ثم انفصل إلى أرض القيروان [٢] وبنى مدينة سمّاها المهديّة واستقر بها، وملك إفريقية وبلاد المغرب وتلك النواحي جميعها، ثمّ ملك الإسكندرية وجبى خراجها وخراج بعض الصّعيد، وتوفّي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، ثم تسلّم الخلافة منه واحد بعد واحد، حتّى انتهت النّوبة إلى العاضد آخر خلفائهم، وهو أبو محمّد عبد الله بن الأمير يوسف بن الحافظ لدين الله. شرح انتهائها بويع العاضد في سنة خمس وخمسين وخمسمائة وهو طفل، فقام بأمر دولته الأمراء والوزراء، حتّى توجّه أسد الدين شيركوه عمّ صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى مصر لما ظهر من اختلال أحوال الدولة لصغر الخليفة، واختلاف آراء وزرائه وأمرائه وسار صلاح الدين مع عمّه أسد الدين شيركوه كارها، فلم تطل مدّة أسد الدين شيركوه فمات [٣] ، فاستولى صلاح الدين على المملكة، واستوزره
следующие страницы →