← История

История · id 12404

مقاتل الطالبيين

أبو الفرج الأصبهاني

Полный текст (649 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أيركب أسماء الهماليج آمنا ... وقد طلبته مذحج بذحول «١» تطيف حواليه مراد وكلهم ... على رقبة من سائل ومسول فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم ... فكونوا بغايا أرضيت بقليل قالوا: وكان مسلم قد كتب إلى الحسين بأخذ البيعة له، واجتماع الناس عليه، وانتظارهم إيّاه، فأزمع الشخوص إلى الكوفة، ولقيه عبد الله بن الزبير في تلك الأيام ولم يكن شيء أثقل عليه من مكان الحسين بالحجاز، ولا أحب إليه من خروجه إلى العراق طمعا في الوثوب بالحجاز، وعلما بأن ذلك لا يتم له إلّا بعد خروج الحسين، فقال له: على أيّ شيء عزمت يا أبا عبد الله؟ فأخبره برأيه في إتيان الكوفة، وأعلمه بما كتب به مسلم بن عقيل إليه، فقال له ابن الزبير: فما يحبسك، فو الله لو كان لي مثل شيعتك بالعراق ما تلوّمت في شيء، وقوى عزمه، ثم انصرف. وجاءه به عبد الله بن عباس وقد أجمع رأيه على الخروج، وحققه، فجعل يناشده في المقام، ويعظم عليه القول في ذم أهل الكوفة، وقال له: إنك تأتي قوما قتلوا أباك، وطعنوا أخاك، وما أراهم إلّا خاذليك، فقال له: هذه كتبهم معي، وهذا كتاب مسلم باجتماعهم، فقال له ابن عباس: أما إذا كنت لا بد فاعلا فلا تخرج أحدا من ولدك، ولا حرمك ولا نسائك فخليق أن تقتل وهم ينظرون إليك كما قتل ابن عفان، فأبى ذلك ولم يقبله. قال: فذكر من حضره يوم قتل وهو يلتفت إلى حرمه وإخوته وهن يخرجن من أخبيتهن جزعا لقتل من يقتل معه وما يرينه به، ويقول: لله در ابن عباس فيما أشار علي به. قال: فلما أبى الحسين قبول رأي ابن عباس قال له: والله لو أعلم أني إذا تشبثت بك وقبضت على مجامع ثوبك، وأدخلت يدي في شعرك حتى يجتمع الناس عليّ وعليك، كان ذلك نافعي لفعلته، ولكن اعلم أن الله بالغ أمره،

стр. 107

ثم ارسل عينيه فبكى، وودّع الحسين، وانصرف. ومضى الحسين لوجهه، ولقى ابن عباس بعد خروجه عبد الله بن الزبير فقال له: يا لك من قبّرة بمعمر ... خلا لك الجوّ فبيضي واصفري ونقّري ما شئت أن تنقّري ... هذا الحسين خارجا فاستبشري «١» فقال: قد خرج الحسين وخلت لك الحجاز. قال أبو مخنف في حديثه خاصة عن رجاله: إن عبيد الله بن زياد وجه الحر بن يزيد ليأخذ الطريق على الحسين، فلما صار في بعض الطريق لقيه أعرابيان من بني أسد، فسألهما عن الخبر، فقالا له: يا ابن رسول الله، إن قلوب الناس معك، وسيوفهم عليك، فارجع، وأخبراه بقتل ابن عقيل وأصحابه، فاسترجع الحسين، فقال له بنو عقيل: لا نرجع والله أبدا أو ندرك ثأرنا أو نقتل بأجمعنا، فقال لمن كان لحق به من الأعراب: من كان منكم يريد الإنصراف عنّا فهو في حلّ من بيعتنا. فانصرفوا عنه، وبقي في أهل بيته، ونفر من أصحابه «٢» . ومضى حتى دنا من الحرّ بن يزيد، فلما عاين أصحابه العسكر من بعيد كبّروا، فقال لهم الحسين: ما هذا التكبير؟ قالوا: رأينا النخل، فقال بعض أصحابه: ما بهذا الموضع والله نخل، ولا أحسبكم ترون إلّا هوادي الخيل وأطراف الرماح، فقال الحسين: وأنا والله أرى ذلك فمضوا لوجوههم، ولحقهم الحرّ بن يزيد في أصحابه، فقال للحسين: إني أمرت أن أنزلك في أيّ موضع لقيتك وأجعجع بك، ولا أتركك أن تزول من مكانك «٣» . قال: إذا أقاتلك، فاحذر أن تشقى بقتلي ثكلتك أمك. فقال: [أما والله لو غيرك من العرب يقولها وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل أن أقوله كائنا من كان، ولكن والله ما لي إلى ذكر أمك من سبيل إلّا

стр. 108

بأحسن ما يقدر عليه] «١» . وأقبل يسير والحر يسايره ويمنعه من الرجوع من حيث جاء، ويمنع الحسين من دخول الكوفة، حتى نزل بأقساس مالك، وكتب الحر إلى عبيد الله يعلمه ذلك. قال أبو مخنف: فحدّثني عبد الرحمن بن جندب، عن عتبة بن سمعان الكلبي، قال: لما ارتحلنا من قصر ابن مقاتل، وسرنا ساعة خفق رأس الحسين خفقة ثم انتبه فأقبل يقول: إنا لله، وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين مرتين. فأقبل إليه علي بن الحسين وهو على فرس فقال له: يا أبي جعلت فداك، مم استرجعت؟ وعلام حمدت الله؟ قال الحسين: يا بني، إنه عرض لي فارس على فرس فقال: القوم يسيرون، والمنايا تسري إليهم، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا، فقال: يا أبتاه لا أراك الله سوءا أبدا، ألسنا على الحق؟ قال: بلى والذي يرجع إليه العباد. فقال: يا أبت، فإذا لا نبالي، قال: جزاك الله خير ما جزى ولد عن والده «٢» . قال: وكان عبيد الله بن زياد- لعنه الله- قد ولّى عمر بن سعد الرّي، فلما بلغه الخبر وجّه إليه أن سر إلى الحسين أولا فاقتله، فإذا قتلته رجعت ومضيت إلى الرّي، فقال له: أعفني أيّها الأمير. قال: قد أعفيتك من ذلك، ومن الريّ، قال: اتركني أنظر في أمري فتركه، فلما كان من الغد غدا عليه فوجه معه بالجيوش لقتال الحسين، فلما قاربه وتواقفوا قام الحسين في أصحابه خطيبا فقال «٣» : اللهم إنك تعلم أني لا أعلم أصحابا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت

стр. 109

خيرا من أهل بيتي، فجزاكم الله خيرا فقد آزرتم وعاونتم «١» ، والقوم لا يريدون غيري، ولو قتلوني لم يبتغوا غيري أحدا، فإذا جنّكم الليل فتفرقوا في سواده، وانجوا بأنفسكم. فقام إليه العباس بن علي أخوه، وعلي ابنه، وبنو عقيل، فقالوا له: معاذ الله والشهر الحرام، فماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم، إنا تركنا سيدنا، وابن سيدنا وعمادنا، وتركناه غرضا للنبل، ودريئة للرماح، وجزرا للسباع، وفررنا عنه رغبة في الحياة، معاذ الله، بل نحيا بحياتك، ونموت معك، فبكى وبكوا عليه، وجزاهم خيرا، ثم نزل- صلوات الله عليه-. فحدّثني عبد الله بن زيدان البجلي، قال: حدّثنا محمد بن زيد التميمي، قال: حدّثنا نصر بن مزاحم، عن أبي مخنف عن الحرث بن كعب، عن علي بن الحسين قال «٢» : إني والله لجالس مع أبي في تلك الليلة، وأنا عليل، وهو يعالج سهاما له، وبين يديه جون مولى أبي ذر الغفاري، إذ ارتجز الحسين: يا دهر أف لك من خليل ... كم لك في الإشراق والأصيل من صاحب وماجد قتيل ... والدهر لا يقنع بالبديل والأمر في ذاك إلى الجليل ... وكل حي سالك السبيل قال: وأما أنا فسمعته ورددت عبرتي. وأما عمتي فسمعته دون النساء فلزمتها الرقة والجزع «٣» ، فشقت ثوبها، ولطمت وجهها، وخرجت حاسرة تنادي: واثكلاه! وا حزناه! ليت الموت أعدمني الحياة، يا حسيناه يا سيداه، يا بقية أهل بيتاه، استقلت ويئست من الحياة اليوم مات جدي رسول الله (ص) ، وأمي فاطمة الزهراء، وأبي علي،

стр. 110

وأخي الحسن، يا بقية الماضين، وثمال الباقين. فقال لها الحسين: يا أختي «لو ترك القطا لنام» . قالت: فإنما تغتصب نفسك اغتصابا، فذاك أطول لحزني وأشجى لقلبي وخرت مغشيا عليها فلم يزل يناشدها واحتملها حتى أدخلها الخباء «١» . (رجع الحديث إلى مقتله صلوات الله عليه) قال: فوجه إلى عمر بن سعد- لعنه الله- فقال: ماذا تريدون مني؟ إني مخيّركم ثلاثا: بين أن تتركوني ألحق بيزيد، أو أرجع من حيث جئت، أو أمضي إلى بعض ثغور المسلمين فأقيم فيها. ففرح ابن سعد بذلك، وظن أن ابن زياد- لعنه الله- يقبله منه، فوجه إليه رسولا يعلمه ذلك، ويقول: لو سألك هذا بعض الديلم ولم تقبله ظلمته. فوجه إليه ابن زياد: طمعت يا ابن سعد في الراحة، وركنت إلى دعة، ناجز الرجل وقاتله، ولا ترض منه إلّا أن ينزل على حكمي. فقال الحسين: معاذ الله أن أنزل على حكم ابن مرجانة أبدا «٢» ، فوجه ابن زياد شمر بن ذي الجوشن الضّبابي- أخزاه الله- إلى ابن سعد- لعنه الله- يستحثه لمناجزة الحسين، فلما كان في يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة إحدى وستين، ناجزه ابن سعد- لعنه الله- فجعل أصحاب الحسين يتقدمون رجلا رجلا يقاتلون حتى قتلوا. وقال المدائني، عن العباس بن محمد بن رزين، عن علي بن طلحة، وعن أبي مخنف، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن حميد بن مسلم، وقال عمر بن سعد البصري: عن أبي مخنف، عن زهير بن عبد الله الخثعمي،

стр. 111

وحدّثنيه أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن [العلوي] ، عن بكر بن عبد الوهاب، عن إسماعيل بن أبي إدريس، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، دخل حديث بعضهم في حديث الآخرين: إن أول قتيل قتل من ولد أبي طالب مع الحسين ابنه علي، قال: فأخذ يشد على الناس وهو يقول: أنا علي بن الحسين بن علي ... نحن وبيت الله أولى بالنبي من شبث ذاك ومن شمر الدني ... أضربكم بالسيف حتى يلتوي ضرب غلام هاشمي علوي ... ولا أزال اليوم أحمي عن أبي والله لا يحكم فينا ابن الدعي «١» ففعل ذلك مرارا، فنظر إليه مرة بن منقذ العبدي فقال: عليّ آثم العرب إن هو فعل مثل ما أراه يفعل، ومرّ بي أن أثكله أمه. فمر يشد على الناس ويقول كما كان يقول، فاعترضه مرّة وطعنه بالرمح فصرعه، واعتوره الناس فقطعوه بأسيافهم. وقال أبو مخنف: عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: سماع أذني يومئذ الحسين وهو يقول: قتل الله قوما قتلوك يا بني، ما أجرأهم على الله، وعلى انتهاك حرمة الرسول (ص) ثم قال: على الدنيا بعدك العفاء. قال حميد: وكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي: يا حبيباه، يا ابن أخاه، فسألت عنها، فقالوا: هذه زينب بنت علي بن أبي طالب ثم جاءت حتى انكبت عليه فجاءها الحسين فأخذ بيدها إلى الفسطاط، وأقبل إلى ابنه، وأقبل فتيانه إليه فقال: احملوا أخاكم، فحملوه من مصرعه ذلك، ثم جاء به حتى وضعه بين يدي فسطاطه «٢» . حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدّثني يحيى بن الحسن العلوي، قال: حدثنا غير واحد، عن محمد بن عمير، عن أحمد بن عبد الرحمن البصري، عن

стр. 112

عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة عن سعيد بن ثابت، قال: لما برز علي بن الحسين إليهم، أرخى الحسين- صلوات الله عليه وسلامه- عينيه فبكى، ثم قال: اللهم كن أنت الشهيد عليهم، فبرز إليهم غلام أشبه الخلق برسول الله (ص) ، فجعل يشد عليهم ثم يرجع إلى أبيه فيقول: يا أباه، العطش، فيقول له الحسين: اصبر حبيبي فإنك لا تمسي حتى يسقيك رسول الله (ص) بكأسه، وجعل يكر كرّة بعد كرّة، حتى رمى بسهم فوقع في حلقه فخرقه، وأقبل ينقلب في دمه، ثم نادى: يا أبتاه عليك السلام، هذا جدّي رسول الله (ص) يقرئك السلام، ويقول: عجّل القدوم إلينا، وشهق شهقة فارق الدنيا. قال أبو مخنف: فحدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: أحاطوا بالحسين ﵇، وأقبل غلام من أهله نحوه، وأخذته زينب بنت علي لتحبسه، فقال لها الحسين: احبسيه، فأبى الغلام، فجاء يعدوا إلى الحسين، فقام إلى جنبه، وأهوى أبحر بن كعب بالسيف إلى الحسين، فقال الغلام لأبجر: يا ابن الخبيثة أتقتل عمي؟ فضربه أبجر بالسيف، واتقاه الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد. وبقيت معلقة بالجلد، فنادى الغلام: يا أماه، فأخذه الحسين فضمّه إليه، وقال: يا ابن أخي احتسب فيما أصابك الثواب، فإن الله ملحقك بآبائك الصالحين، برسول الله (ص) ، وحمزة، وعلي، وجعفر، والحسن ﵈ «١» . قال: وجاء رجل حتى دخل عسكر الحسين، فجاء إلى رجل من أصحابه فقال له: إن خبر ابنك فلان وافى، إن الديلم أسروه، فتنصرف معي حتى نسعى في فدائه، فقال: حتى أصنع ماذا؟ عند الله أحتسبه ونفسي، فقال له الحسين: انصرف وأنت في حل من بيعتي، وأنا أعطيك فداء ابنك. فقال:

стр. 113

هيهات أن أفارقك ثم أسأل الركبان عن خبرك. لا يكون والله هذا أبدا، ولا أفارقك، ثم حمل على القوم فقاتل حتى قتل رحمة الله عليه ورضوانه. قال: وجعل الحسين يطلب الماء، وشمر- لعنه الله- يقول له: والله لا ترده أو ترد النار، فقال له رجل: ألا ترى إلى الفرات يا حسين كأنه بطوان الحيات، والله لا تذوقه أو تموت عطشا، فقال الحسين: اللهم أمته عطشا. قال: والله لقد كان هذا الرجل يقول: اسقوني ماء، فيؤتى بماء، فيشرب حتى يخرج من فيه وهو يقول: اسقوني، قتلني العطش، فلم يزل كذلك حتى مات «١» . قال أبو مخنف: فحدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: لما اشتد العطش على الحسين دعا أخاه العبّاس بن علي، فبعثه في ثلاثين راكبا وثلاثين راجلا، وبعث معه بعشرين قربة، فجاءوا حتى دنوا من الماء فاستقدم أمامهم نافع بن هلال الجملي، فقال له عمرو بن الحجاج: من الرجل؟ قال: نافع بن هلال، قال: مرحبا بك يا أخي ما جاء بك؟ قال: جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه، قال: اشرب، قال: لا والله لا أشرب منه قطرة والحسين عطشان. فقال له عمرو: لا سبيل إلى ما أردتم، إنما وضعونا بهذا المكان لنمنعكم من الماء، فلما دنا منه أصحابه قال للرجالة: املئوا قربكم، فشدت الرجالة فدخلت الشّريعة فملأوا قربهم، ثم خرجوا، ونازعهم عمرو بن الحجاج وأصحابه، فحمل عليهم العباس بن علي، ونافع بن هلال الجملي «٢» جميعا، فكشفوه، ثم انصرفوا إلى رحالهم، وقالوا للرجالة: انصرفوا. فجاء أصحاب الحسين بالقرب حتى أدخلوها عليه. قال المدائني: فحدثني أبو غسان، عن هارون بن سعد، عن القاسم بن الأصبغ ابن نباتة، قال:

стр. 114

رأيت رجلا من بني أبان بن دارم أسود الوجه، وكنت أعرفه جميلا، شديد البياض، فقلت له: ما كدت أعرفك، قال: إني قتلت شابا أمرد مع الحسين، بين عينيه أثر السجود، فما نمت ليلة منذ قتلته إلّا أتاني فيأخذ بتلابيبي حتى يأتي جهنم فيدفعني فيها، فأصيح، فما يبقى أحد في الحي إلّا سمع صياحي. قال: والمقتول العباس بن علي- ﵇. قال المدائني. فحدثني مخلد بن حمزة بن بيض، وحباب بن موسى، عن حمزة بن بيض، قال حدثني هانئ بن ثبيت القابضي زمن خالد، قال: قال: كنت ممن شهد الحسين، فإني لواقف على خيول إذ خرج غلام من آل الحسين مذعورا يلتفت يمينا وشمالا، فأقبل رجل «١» منا يركض حتى دنا منه، فمال عن فرسه، فضربه فقتله. قال: وحمل شمر- لعنه الله- على عسكر الحسين، فجاء إلى فسطاطه لينهبه، فقال له الحسين: ويلكم، إن لم يكن لكم دين فكونوا أحرارا في الدنيا، فرحلى لكم عن ساعة مباح، قال: فاستحيا ورجع. قال: وجعل الحسين يقاتل بنفسه، وقد قتل ولده وإخوته وبنو أخيه وبنو عمه فلم يبق منهم أحد، وحمل عليه ذرعة بن شريك- لعنه الله-، فضرب كتفه اليسرى بالسيف فسقطت- صلوات الله عليه-. وقتله أبو الجنوب زياد بن عبد الرحمن الجعفي، والقثعم، وصالح بن وهب اليزني وخولى بن يزيد، كل قد ضربه وشرك فيه. ونزل سنان بن أنس النخعي فاحتز رأسه. ويقال: إن الذي أجهز عليه شمر بن ذي الجوشن الضبابي لعنه الله. وحمل خولي بن يزيد رأسه إلى عبيد الله بن زياد. وأمر ابن زياد- لعنه الله، وغضب عليه- أن يوطأ صدر الحسين، وظهره

стр. 115

وجنبه ووجهه فأجريت الخيل عليه «١» . وحمل أهله أسرى «٢» وفيهم، عمر، وزيد، والحسن بنو الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈، وكان الحسن بن الحسن بن علي قد ارتث جريحا فحمل معهم، وعلي بن الحسين الذي أمه أم ولد، وزينب العقيلة، وأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وسكينة بنت الحسين لما أدخلوا على يزيد- لعنه الله- أقبل قاتل الحسين بن علي يقول «٣» . أوقر ركابي فضة أو ذهبا ... فقد قتلت الملك المحجبا قتلت خير الناس أما وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا «٤» ووضع الرأس بين يدي يزيد- لعنه الله- في طست، فجعل ينكته على ثناياه بالقضيب وهو يقول «٥» : نفلّق هاما من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما وقد قيل: إن ابن زياد- لعنه الله فعل ذلك. وقيل: إنه تمثل أيضا والرأس بين يديه بقول عبد الله بن الزّبعري «٦» : ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل قد قتلنا القرم من أشياخهم ... وعدلناه ببدر فاعتدل ثم دعا يزيد- لعنه الله- بعلي بن الحسين، فقال: ما اسمك؟ فقال: علي بن الحسين، قال: أولم يقتل الله علي بن الحسين، قال: قد كان لي أخ

стр. 116

أكبر مني يسمى عليا، فقتلتموه «١» . قال: بل الله قتله، قال علي: الله يتوفّى الأنفس حين موتها «٢» ، قال له يزيد: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم «٣» فقال علي: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلّا في كتاب من قبل أن نبرأها إنّ ذلك على الله يسير. لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحبّ كل مختال فخور «٤» . قال: فوثب رجل من أهل الشام فقال: دعني أقتله، فألقت زينب نفسها عليه. فقام رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه «٥» أتخذها أمة. قال: فقالت له زينب: لا ولا كرامة، ليس لك ذلك، ولا له إلّا أن يخرج من دين الله. فصاح به يزيد: اجلس. فجلس، وأقبلت زينب عليه، وقالت: يا يزيد حسبك من دمائنا. وقال علي بن الحسين: إن كان لك بهؤلاء النسوة رحم، وأردت قتلي فابعث معهن أحدا يؤديهن «٦» . فرق له وقال: لا يؤديهن غيرك. ثم أمره أن يصعد المنبر فيخطب فيعذر إلى الناس مما كان من أبيه فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا علي بن الحسين، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، أنا ابن السراج المنير. وهي خطبة طويلة كرهت الإكثار بذكرها، وذكر نظائرها.

стр. 117

ثم أمره يزيد، بالشخوص إلى المدينة مع النسوة من أهله وسائر بني عمّه، فانصرف بهم «١» . وقال سليمان بن قتّة يرثي الحسين «٢» : مررت على أبيات آل محمد ... فلم أرها أمثالها يوم حلت «٣» ألم تر أن الشمس أضحت مريضة ... لفقد حسين والبلاد اقشعرت وكانوا رجاء ثم صاروا رزية ... لقد عظمت تلك الرزايا وجلت «٤» أتسألنا قيس فنعطي فقيرها ... وتقتلنا قيس إذا النعل زلت وعند غنيّ قطرة من دمائنا ... سنطلبها يوما بها حيث حلت فلا يبعد الله الديار وأهلها ... وإن أصبحت منهم برغمي تخلّت فإن قتيل الطّف من آل هاشم ... أذل رقاب المسلمين فذلت «٥» قال أبو الفرج: وقد رثى الحسين بن علي- صلوات الله عليه- جماعة من متأخري الشعراء أستغني عن ذكرهم في هذا الموضع كراهية الإطالة. وأما من تقدم «٦» فما وقع إلينا شيء رثى به، وكانت الشعراء لا تقدم على ذلك مخافة من بني أمية، وخشية منهم. وهذا آخر ما أخبرنا به من مقتله- صلوات الله عليه ورضوانه وسلامه-.

стр. 118

٦- أبو بكر بن عبد الله بن جعفر وأبو بكر بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵇. لا يعرف اسمه وأمّه الخوصاء بنت حفصة بن بكر بن وائل. حدّثنا أحمد بن محمد بن شبيب، قال: حدّثنا أحمد بن الحرث الخراز «١» ، عن المدائني، قال: قتل أبو بكر بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يوم الحرة «٢» في الوقعة بين مسرف «٣» ابن عقبة وبين أهل المدينة. ٧- عون بن عبد الله بن جعفر وعون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وهو عون الأصغر، والأكبر قتل مع الحسين بن علي. وأم عون هذا جمانة بنت المسيب «٤» بن نجبة بن ربيعة بن رياح بن عوف بن هلال بن ربيعة بن شمخ بن فزارة. وأمها من بني مرة بن عوف الفزاري. والمسيّب أحد أمراء التوابين الذين دعوا إلى الخروج على ابن زياد- لعنه الله- والطلب بدم الحسين، فقتلوا بعين الوردة «٥» ، وله صحبة بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقد شهد معه مشاهده.

стр. 119

وقتل عون يوم الحرة «١» حرة واقم، قتله أصحاب مسرف بن عقبة، أخبرني بذلك أحمد بن محمد بن شبيب، عن الخراز، عن علي بن نجم المدائني. ٨- عبيد الله بن علي وعبيد الله «٢» بن علي بن أبي طالب، وأمه ليلى بنت مسعود «٣» بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم بن حنظلة. قتله أصحاب المختار بن أبي عبيدة يوم المذار، وكان صار إلى المختار فسأله أن يدعو إليه ويجعل الأمر له، فلم يفعل، فخرج فلحق بمصعب بن الزبير «٤» فقتل في الوقعة وهو لا يعرف «٥» . ٩- عبد الله بن محمد بن علي وعبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب. ويكنى أبا هاشم، وأمه أم ولد، تدعى نائلة. وكان لسنا خصما عالما، وكان وصي أبيه، وهو الذي يزعم الشيعة من أهل خراسان أنه ورث الوصية عن أبيه، وأنه كان الإمام، وأنه أوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس «٦» ، وأوصى محمد إلى إبراهيم الإمام، فصارت الوصية في بني العباس من تلك الجهة «٧» .

стр. 120

ودس سليمان بن عبد الملك سما إليه، فمات منه بالحميمة من أرض الشام. حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن، قال: حدّثني عبيد الله بن حمزة، وذكر ذلك محمد بن علي بن حمزة، عن المدائني، عن غسان بن عبد الحميد قال: وفد أبو هاشم إلى سليمان بن عبد الملك يقضي حوائجه، ثم تجهز للمسير إلى المدينة، فقدّم، ثقله وأتى سليمان ليودعه، فحبسه سليمان حتى تغدى معه في يوم شديد الحر، وخرج نصف النهار، وسار ليلحق الثقل فعطش في مسيره، فدس إليه سليمان شربة فلما شربها فتر فسقط، وأرسل رسولا إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وعبد الله بن الحرث بن نوفل، يعلمهما حاله فخرجا إليه فولياه حتى مات. ودفن بالحميمة في أرض الشام، وأوصى إلى محمد بن علي بن العباس «١» . ١٠- زيد بن علي وزيد بن علي «٢» بن الحسين، بن علي بن أبي طالب، ويكنى أبا الحسين. وأمه أم ولد أهداها المختار بن أبي عبيدة لعلي بن الحسين فولدت له زيدا، وعمر، وعليا، وخديجة. حدثني محمد بن الحسين الخثعمي، وعلي بن العباس، قالا: حدثنا عباد ابن يعقوب، قال: حدّثنا الحسين بن حماد أخو الحسن بن حماد، قال: حدّثنا زياد بن المنذر، قال: اشترى المختار بن أبي عبيدة جارية بثلاثين ألفا، فقال لها: أدبري. فأدبرت، ثم قال لها: أقبلي. فأقبلت، ثم قال: ما أدري أحدا

стр. 121

أحق بها من علي بن الحسين، فبعث بها إليه، وهي أم زيد بن علي. حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنا الحسن بن الحسين الكندي، عن خصيب الوابشي قال: كنت إذا رأيت زيد بن علي رأيت أسارير النور في وجهه. حدثني الحسن بن علي السلولي، قال: حدثنا أحمد بن راشد، قال: حدثني عمي سعيد بن خيثم، قال: حدثني أبو قرة، قال: خرجت مع زيد بن علي ليلا إلى الجبّان، وهو مرخي اليدين لا شيء معه، فقال لي: يا أبا قرة أجائع أنت؟ قلت نعم، فناولني كمثراة ملء الكف ما أدري أريحها أطيب أم طعمها، ثم قال لي: يا أبا قرة أتدري أين نحن؟ نحن في روضة من رياض الجنة، نحن عند قبر أمير المؤمنين علي، ثم قال لي: يا أبا قرة والذي يعلم ما تحت وريد زيد بن علي إن زيد بن علي لم يهتك لله محرما منذ عرف يمينه من شماله، يا أبا قرة من أطاع الله أطاعه ما خلق. حدثني علي بن محمد، بن علي بن مهدي العطار، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين، عن أبي داود العلوي «١» عن عاصم بن عبيد الله العمري قال ذكر عنده زيد بن علي فقال: أنا أكبر منه، رأيته بالمدينة وهو شاب يذكر الله عنده فيغشى عليه حتى يقول القائل: ما يرجع إلى الدنيا. حدّثنا أحمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن الحسين «٢» قال: حدّثنا هرون بن موسى، قال: سمعت محمد بن أيوب الرافقي يقول: كانت المرجئة» وأهل النسك لا يعدلون بزيد أحدا.

стр. 122

حدّثني علي بن العباس المقانعي، ومحمد بن الحسين الخثعمي، قالا: حدّثنا إسماعيل بن إسحاق الراشدي، قال حدّثنا الحسن بن الحسين، قال المقانعي: عن عبد الله بن حرب وقال الأشناني «١» : عن عبد الله بن جرير، قال: رأيت جعفر بن محمد يمسك لزيد بن علي بالركاب، ويسوي ثيابه على السرج. حدّثني علي بن العباس، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين، قال: حدّثنا أبو معمر سعيد بن خيثم، قال: كان بين زيد بن علي، وعبد الله بن الحسن مناظرة في صدقات علي، فكانا يتحاكمان إلى قاض من القضاة، فإذا قاما من عنده أسرع عبد الله إلى دابة زيد فأمسك له بالركاب. حدّثني علي بن العباس، قال: حدّثنا عباد بن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن الفرات، قال: رأيت زيد بن علي وقد أثر السجود بوجهه أثرا خفيفا. حدّثنا محمد بن علي بن مهدي، قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن أبي عاصم، قال: حدّثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن البابكي، واسمه عبد الله بن مسلم بن بابك، قال: خرجنا مع زيد بن علي إلى مكة فلما كان نصف الليل واستوت الثريا فقال: يا بابكي أما ترى هذه الثريا أترى أحدا ينالها؟ قلت: لا، قال: والله لوددت أن يدي ملصقة بها فأقع إلى الأرض أو حيث أقع، فأتقطع قطعة قطعة،

стр. 123

وأن الله أصلح بين أمة محمد (ص) . حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثنا الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين، عن يحيى بن مساور، عن أبي الجارود، قال: قدمت المدينة فجعلت كلما سألت عن زيد بن علي قيل لي ذاك حليف القرآن. حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى، قال: سألت الحسن بن يحيى كم كانت سن زيد بن علي يوم قتل؟ قال: اثنتان وأربعون سنة «١» . حدثني علي بن العباس، قال: حدثني اسماعيل بن إسحاق الراشدي، قال: حدثنا محمد بن داود بن عبد الجبار، عن أبيه، عن جابر، عن أبي جعفر، قال: قال رسول الله (ص) للحسين: «يخرج رجل من صلبك يقال له زيد يتخطى هو وأصحابه يوم القيامة رقاب الناس غرّا محجّلين، يدخلون الجنة بغير حساب» . حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال أخبرنا خالد بن عيسى أبو زيد العكلي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، قال: قال رسول الله (ص) : «يقتل رجل من أهل بيتي فيصلب لا ترى الجنة عين رأت عورته» . أخبرني أحمد بن سعيد، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن قني، قال: حدّثنا محمد بن علي بن أخت خلاد المقرئ، قال: حدّثنا أبو حفص الأعشى، عن أبي داود المدني، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي، قال:

стр. 124

يخرج بظهر الكوفة رجل يقال له زيد في أبهة والأبهة الملك لا يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون إلّا من عمل بمثل عمله، يخرج يوم القيامة هو وأصحابه معهم الطّوامير أو شبه الطوامير حتى يتخطوا أعناق الخلائق تتلقاهم الملائكة فيقولون هؤلاء حلف الخلف، ودعاة الحق، ويستقبلهم رسول الله (ص) فيقول: «يا بني قد عملتم ما أمرتم به، فادخلوا الجنة بغير حساب» . حدّثني علي بن العباس، ومحمد بن الحسين، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: أخبرنا الحسين بن زيد بن علي، عن ريطة بنت عبد الله بن محمد بن الحنفية، عن أبيها، قال: مرّ زيد بن علي بن الحسين، على محمد بن الحنفية فرقّ له وأجلسه، وقال: أعيذك بالله يا ابن أخي أن تكون زيدا المصلوب بالعراق، ولا ينظر أحد إلى عورته. ولا ينظره إلّا كان في أسفل درك من جهنم. حدثني محمد بن علي بن مهدي بالكوفة على سبيل المذاكرة، ونبأني أحمد بن محمد «١» في إسناده قال: حدثنا أبو سعيد الأشج «٢» ، قال: حدثنا عيسى بن كثير الأسدي، قال: حدثنا خالد مولى آل الزبير، قال: كنا عند علي بن الحسين فدعا ابنا له يقال له زيد، فكبا لوجهه وجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: أعيذك بالله أن تكون زيدا المصاب بالكناسة، من نظر إلى عورته متعمدا أصلى الله وجهه النار. حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني أحمد بن محمد قني، قال: حدثنا محمد بن علي بن أخت خلاد، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: سعيد بن عمرو، عن يونس بن جناب، قال: جئت مع أبي جعفر إلى الكتّاب فدعا زيدا فاعتنقه، وألزق بطنه ببطنه وقال: أعيذك بالله أن تكون صليب الكناسة.

стр. 125

حدثنا علي بن العباس، قال: حدثنا محمد بن مروان، قال: حدثنا موسى الصفار عن محمد بن فرات، قال: رأيت زيد بن علي يوم السبخة وعلى رأسه سحابة صفراء تظلّه من الشمس، تدور معه حيث ما دار. حدثني الحسن بن علي، قال: حدثنا جعفر بن أحمد الأزدي، قال: حدثنا حسين بن نصر، عن أبيه، عن أبي خالد، قال: كان في خاتم زيد بن علي «أصبر تؤجر، وتوقّ تنج» . حدثني علي بن أحمد بن حاتم، قال: حدثنا الحسين بن عبد الواحد، قال: حدثنا زكريا بن يحيى الهمداني، قال: حدثتني عمتي عزيزة بنت زكريا، عن أبيها، قال: أردت الخروج إلى الحج فمررت بالمدينة فقلت: لو دخلت على زيد بن علي. فدخلت فسلمت عليه، فسمعته يتمثل «١» : ومن يطلب المال الممنّع بالقنا ... يعش ماجدا أو تخترمه المخارم «٢» متى تجمع القلب الذّكي وصارما ... وأنفا حميّا تجتنبك المظالم وكنت إذا قوم «٣» غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يال همدان ظالم قال: فخرجت من عنده وظننت أن في نفسه شيئا، وكان من أمره ما كان. (مقتل زيد بن علي والسبب فيه) حدّثني به محمد بن علي بن شاذان، قال: حدثنا أحمد بن راشد، قال: حدثني عمي أبو معمر سعيد بن خيثم، وحدثني علي بن العباس، قال: أخبرنا

стр. 126

محمد بن مروان قال: حدثنا زيد بن المعذل النمري، قال: أخبرنا يحيى بن صالح الطيانسي، وكان قد أدرك زمان زيد بن علي، وحدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا المنذر بن محمد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، قال: حدثنا أبو مخنف، وأخبرني المنذر بن محمد في كتابه إليّ بإجازته أن أرويه عنه من حيث دخل، يعني حديث بعضهم في حديث الآخرين، وذكرت الاتفاق بينهم مجملا، ونسبت ما كان من خلاف في رواية إلى رواية. قالوا «١» : كان أول أمر زيد بن علي- صلوات الله عليه- أن خالد بن عبد الله القسري «٢» ادعى مالا قبل زيد بن علي، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وداود بن علي بن عبد الله بن عباس، وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف «٣» ، وأيوب بن سلمة بن عبد الله بن عباس بن الوليد بن المغيرة «٤» المخزومي. وكتب فيهم يوسف بن عمر بن محمد بن الحكم، عامل هشام على العراق، إلى هشام، وزيد بن علي، ومحمد بن عمر يومئذ بالرصافة. وزيد يخاصم الحسن بن الحسن في صدقة رسول الله (ص) . فلما قدمت كتب يوسف، بعث إليهم فذكر ما كتب به يوسف، فأنكروا فقال لهم هشام: فإنا باعثون بكم إليه يجمع بينكم وبينه. قال له زيد: أنشدك الله والرحم أن لا تبعث بنا إلى يوسف. قال له هشام: وما الذي تخاف من يوسف؟ قال: أخاف أن يتعدى علينا. فدعا هشام كاتبه فكتب إلى يوسف: «أما بعد، فإذا قدم عليك زيد، وفلان، وفلان، فاجمع بينهم وبينه،

стр. 127

فإن أقروا بما ادعى عليهم فسرح بهم إليّ، وإن هم أنكروا فاسأله البينة، فإن لم يقمها فاستحلفهم بعد صلاة العصر بالله الذي لا إله إلّا هو ما استودعهم وديعة «١» ، ولا له قبلهم شيء، ثم خل سبيلهم» . فقالوا لهشام: إنا نخاف أن يتعدى كتابك [ويطول علينا] . قال: كلا أنا باعث معكم رجلا من الحرس ليأخذه بذلك حتى يفرغ ويعجل. قالوا: جزاك الله عن الرحم خيرا، لقد حكمت بالعدل. فسرح بهم إلى يوسف، وهو يومئذ بالحيرة، فاجتنبوا أيوب بن سلمة لخؤولته من هشام ولم يؤخذ بشيء من ذلك «٢» . فلما قدموا على يوسف دخلوا عليه فسلموا، فأجلس زيدا قريبا منه، ولا طفه في المسألة، ثم سألهم عن المال فأنكروا، فأخرجه يوسف إليهم، وقال: هذا زيد بن علي، ومحمد بن عمر بن علي اللذان ادعيت قبلهما ما ادعيت قال: ما لي قبلهما قليل ولا كثير. قال له يوسف: أفبي كنت تهزأ وبأمير المؤمنين؟ فعذبه عذابا ظن أنه قد قتله. ثم أخرج زيدا وأصحابه بعد صلاة العصر إلى المسجد فاستحلفهم، فحلفوا، فكتب يوسف إلى هشام يعلمه ذلك، فكتب إليه هشام خل سبيلهم، فخلى سبيلهم. فأقام زيد بعد خروجه من عند يوسف بالكوفة أياما، وجعل يوسف يستحثه بالخروج فيعتل عليه بالشغل وبأشياء يبتاعها، فألح عليه حتى خرج، فأتى القادسية. ثم إن الشيعة لقوا زيدا «٣» فقالوا له: أين تخرج عنا- رحمك الله- ومعك مائة ألف سيف من أهل الكوفة والبصرة وخراسان يضربون بني أمية بها دونك، وليس قبلنا من أهل الشام إلّا عدة يسيرة. فأبى عليهم، فما زالوا يناشدونه حتى

стр. 128

رجع بعد أن أعطوه العهود والمواثيق. فقال له محمد بن عمر: أذكرك الله يا أبا الحسين لما لحقت بأهلك ولم تقبل قول أحد من هؤلاء الذين يدعونك، فإنهم لا يفون لك، أليسوا أصحاب جدك الحسين بن علي؟ قال: أجل. وأبى أن يرجع. وأقبلت الشيعة وغيرهم يختلفون إليه، ويبايعون حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة خاصة، سوى أهل المدائن، والبصرة، وواسط، والموصل وخراسان، والري، وجرجان. وأقام بالكوفة بضعة عشر شهرا، وأرسل دعاته إلى الآفاق والكور، يدعون الناس إلى بيعته، فلما دنا خروجه أمر أصحابه بالاستعداد والتهيؤ فجعل من يريد أن يفي له يستعد، وشاع ذلك فانطلق سليمان بن سراقة البارقي إلى يوسف بن عمر، وأخبره خبر زيد، فبعث يوسف فطلب زيدا ليلا فلم يوجد عند الرجلين اللذين سعى إليه أنه عندهما فأتى بهما يوسف فلما كلّمهما استبان أمر زيد وأصحابه، وأمر بهما يوسف فضربت أعناقهما، وبلغ الخبر زيدا- صلوات الله عليه- فتخوف أن يؤخذ عليه الطريق فتعجل الخروج قبل الأجل الذي بينه وبين أهل الأمصار، واستتب لزيد خروجه، وكان قد وعد أصحابه ليلة الأربعاء أول ليلة من صفر سنة اثنين وعشرين ومائة فخرج قبل الأجل. وبلغ ذلك يوسف بن عمر «١» فبعث الحكم بن الصلت يأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم فيحضرهم فيه، فبعث الحكم إلى العرفاء، والشرط، والمناكب، والمقاتلة، فأدخلوهم المسجد، ثم نادى مناديه: أيما رجل من العرب والموالي أدركناه في رحبة «٢» المسجد فقد برئت منه الذمة ائتوا المسجد الأعظم. فأتى الناس المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد. وطلبوا زيدا في دار معاوية بن إسحاق [بن زيد بن حارثة الأنصاري] «٣» ، فخرج ليلا، وذلك ليلة الأربعاء لسبع بقين من المحرم، في ليلة شديدة البرد، من دار معاوية بن إسحاق،

стр. 129

فرفعوا الهرادي فيها النيران، ونادوا بشعارهم شعار رسول الله: «يا منصور أمت» ، فما زالوا كذلك حتى أصبحوا، فلما أصبحوا بعث زيد- ﵇ القاسم بن عمر التبعي، ورجلا آخر، يناديان بشعارهما. وقال سعيد بن خيثم في رواية القاسم بن كثير بن يحيى بن صالح بن يحيى بن عزيز بن عمرو بن مالك بن خزيمة التّبعي وسمى الآخر الرجل، وذكر أنه صدام. قال سعيد: وبعثني أيضا وكنت رجلا صيّتا أنادي بشعاره. قال: ورفع أبو الجارود زياد بن المنذر الهمداني هرديا من ميمنتهم، ونادى بشعار زيد. فلما كانوا في صحارى عبد القيس لقيهما جعفر بن العباس الكندي، فشدوا عليه، وعلى أصحابه فقتل الرجل الذي كان مع القاسم، وارتثّ القاسم فأتى به الحكم بن الصلت فكلّمه فلم يرد عليه، فأمر به فضربت عنقه على باب القصر، وكان أول قتيل منهم رضوان الله عليه. قال سعيد بن خيثم: قالت بنته سكينة: عين جودي لقاسم بن كثير ... بدرور من الدموع غزير أدركته سيوف قوم لئام ... من أولي الشرك والردى والشّرور سوف أبكيك ما تغنّى حمام ... فوق غصن من الغصون نضير قال أبو مخنف: وقال يوسف بن عمر وهو بالحيرة: من يأتي الكوفة فيقرب من هؤلاء فيأتينا بخبرهم؟. قال عبد الله بن العباس المنتوف الهمداني «١» : أنا آتيك بخبرهم، فركب في خمسين فارسا، ثم أقبل حتى أتى جبانة سالم فاستخبر، ثم رجع إلى يوسف فأخبره، فلما أصبح يوسف خرج إلى تل قريب من الحيرة فنزل [عليه و] «٢» معه قريش، وأشراف الناس، وأمير شرطته يومئذ العباس بن سعيد المزني «٣» . قال: وبعث الريان بن سلمة البلوي «٤» في نحو من ألفي فارس وثلثمائة

стр. 130

من القيقانية رجالة ناشبة. قال: وأصبح زيد بن علي وجميع من وافاه تلك الليلة مائتان وثمانية عشر من الرجالة، فقال زيد بن علي- ﵇ سبحان الله فأين الناس؟ قيل: هم محصورون في المسجد، فقال: لا والله ما هذا لمن بايعنا بعذر. قال «١» : وأقبل نصر بن خزيمة إلى زيد فتلقاه عمر بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم بن الصلت في خيل من جهينة عند دار الزبير بن أبي حكيمة في الطريق الذي يخرج إلى مسجد بني عدي فقال: يا منصور أمت، فلم يرد عليه عمر شيئا، فشد نصر عليه وعلى أصحابه فقتله، وانهزم من كان معه. وأقبل زيد حتى انتهى إلى جبانة الصيادين «٢» وبها خمسمائة من أهل الشام، فحمل عليهم زيد في أصحابه فهزمهم، ثم مضى حتى انتهى إلى الكناسة فحمل على جماعة من أهل الشام فهزمهم. ثم شلهم حتى ظهر إلى المقبرة، ويوسف بن عمر على التل ينظر إلى زيد وأصحابه وهم يكرون، ولو شاء زيد أن يقتل يوسف يومئذ قتله «٣» . ثم إن زيدا أخذ ذات اليمين على مصلى خالد بن عبد الله حتى دخل الكوفة، فقال بعض أصحابه لبعض: ألا ننطلق إلى جبانة كندة، فما زاد الرجل أن تكلم بهذا إذ طلع أهل الشام عليهم، فلما رأوهم دخلوا زقاقا ضيقا فمضوا فيه، وتخلّف رجل منهم فدخل المسجد فصلى فيه ركعتين، ثم خرج إليهم فضاربهم بسيفه وجعلوا يضربونه بأسيافهم، ثم نادى رجل منهم فارس مقنع بالحديد: اكشفوا المغفر عن وجهه واضربوا رأسه بالعمود، ففعلوا، فقتل الرجل، وحمل أصحابه عليهم فكشفوهم عنه، واقتطع أهل الشام رجلا منهم فذهب ذلك الرجل حتى دخل على عبد الله بن عوف بن الأحمر فأسروه، وذهبوا به إلى يوسف بن عمر فقتله «٤» .

стр. 131

وأقبل زيد بن علي فقال: يا نصر بن خزيمة أتخاف أهل الكوفة أن يكونوا فعلوها حسينية؟. قال: جعلني الله فداك أما أنا فو الله لأضربن بسيفي هذا معك حتى أموت. ثم خرج بهم زيد يقودهم نحو المسجد، فخرج إليه عبيد الله بن العباس الكندي في أهل الشام، فالتقوا على باب عمر بن سعد، فانهزم عبيد الله بن العباس وأصحابه حتى انتهوا إلى دار عمر بن حريث، وتبعهم زيد ﵇ حتى انتهوا إلى باب الفيل، وجعل أصحاب زيد يدخلون راياتهم من فوق الأبواب ويقولون: يا أهل المسجد اخرجوا، وجعل نصر بن خزيمة يناديهم: يا أهل الكوفة اخرجوا من الذل إلى العز، وإلى الدين والدنيا. قال: وجعل أهل الشام يرمونهم من فوق المسجد بالحجارة، وكانت يومئذ مناوشة بالكوفة في نواحيها. وقيل: في جبانة سالم. وبعث يوسف بن عمر الريان بن سلمة في خيل إلى دار الرزق، فقاتلوا زيدا- ﵇ قتالا شديدا. وخرج من أهل الشام جرحى كثيرة، وشلهم أصحاب زيد من دار الرزق حتى انتهوا إلى المسجد الأعظم، فرجع أهل الشام مساء يوم الأربعاء وهم أسوأ شيء ظنا. فلما كان غداة يوم الخميس دعى يوسف بن عمر الريان بن سلمة فأفف به «١» . فقال له: أف لك من صاحب خيل. ودعا العباس بن سعد المزني «٢» صاحب شرطته فبعثه إلى أهل الشام، فسار بهم حتى انتهوا إلى زيد في دار الرزق، وخرج إليهم زيد وعلى مجنبته نصر بن خزيمة، ومعاوية بن إسحاق، فلما رآهم العباس نادى: يا أهل الشام [الأرض] . فنزل ناس كثير. واقتتلوا قتالا شديدا في المعركة، وقد كان رجل من أهل الشام من بني عبس يقال له نائل بن فروة «٣» قال ليوسف: والله لئن ملأت عيني من نصر بن خزيمة لأقتلنه أو

стр. 132

ليقتلني. فقال له يوسف: خذ هذا السيف. فدفع إليه سيفا لا يمر بشيء إلّا قطعه. فلما التقى أصحاب العباس بن سعد، وأصحاب زيد. أبصر نائل- لعنه الله- نصر بن خزيمة- رضوان الله عليه فضربه فقطع فخذه، وضربه نصر فقتله، ومات نصر ﵀. ثم إن زيدا- ﵇ هزمهم، وانصرفوا يومئذ بأسوأ حال «١» فلما كان العشي عبأهم يوسف ثم سرحهم نحو زيد، وأقبلوا حتى التقوا فحمل عليهم زيد فكشفهم، ثم تبعهم حتى أخرجهم إلى السبخة، ثم شد عليهم حتى أخرجهم من بني سليم فأخذوا على المسنّاة. ثم ظهر لهم زيد فيما بين بارق ورؤاس «٢» فقاتلهم قتالا شديدا. وصاحب لوائه رجل من بني سعد بن بكر يقال له: عبد الصمد. قال سعيد بن خيثم: وكنا مع زيد في خمسمائة، وأهل الشام اثنا عشر ألفا- وكان بايع زيدا أكثر من اثني عشر ألفا فغدروا- إذ فصل رجل من أهل الشام من كلب على فرس رائع فلم يزل شتما لفاطمة بنت رسول الله (ص) ، فجعل زيد يبكي حتى ابتلت لحيته وجعل يقول: أما أحد يغضب لفاطمة بنت رسول الله (ص) ؟ أما أحد يغضب لرسول الله (ص) ؟ أما أحد يغضب لله؟ قال: ثم تحول الشامي عن فرسه فركب بغلة. قال: وكان الناس فرقتين نظارة ومقاتلة. قال سعيد: فجئت إلى مولى فأخذت منه مشملا كان معه، ثم استترت من خلف النظارة حتى إذا صرت من ورائه ضربت عنقه وأنا متمكن منه بالمشمل، فوقع رأسه بين يدي بغلته، ثم رميت جيفته عن السرج، وشد أصحابه عليّ حتى كادوا يرهقونني، وكبّر أصحاب زيد وحملوا عليهم واستنقذوني، فركبت فأتيت زيدا فجعل يقبل بين عيني ويقول: أدركت والله ثأرنا، أدركت والله شرف الدنيا والآخرة وذخرها، إذهب بالبغلة فقد نفلتكها. قال «٣» : وجعلت خيل أهل الشام لا تثبت لخيل زيد بن علي. فبعث

стр. 133

العباس بن سعد إلى يوسف بن عمر يعلمه ما يلقى من الزيدية، وسأله أن يبعث إليه الناشبة، فبعث إليه سليمان بن كيسان في القيقانية وهم نجارية، وكانوا رماة، فجعلوا يرمون أصحاب زيد. وقاتل معاوية بن إسحاق الأنصاري يومئذ قتالا شديدا، فقتل بين يدي زيد. وثبت زيد في أصحابه حتى إذا كان عند جنح الليل رمى زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى فنزل السهم في الدماغ، فرجع ورجع أصحابه، ولا يظن أهل الشام [أنهم] » رجعوا إلّا للمساء والليل. قال أبو مخنف: فحدّثني سلمة بن ثابت، وكان من أصحاب زيد، وكان آخر من انصرف عنه هو وغلام لمعاوية بن إسحاق، قال: أقبلت أنا وأصحابي نقتفي أثر زيد «٢» فنجده قد دخل بيت حرّان بن أبي كريمة في سكة البريد في دور أرحب وشاكر، فدخلت عليه [فقلت له جعلني الله فداك أبا الحسين] «٣» وانطلق ناس من أصحابه فجاؤا بطبيب يقال له سفيان مولى لبني دواس «٤» . فقال له: إنك إن نزعته من رأسك مت. قال: الموت أيسر عليّ مما أنا فيه. قال: فأخذ الكلبتين فانتزعه، فساعة انتزاعه مات صلوات الله عليه. قال القوم: أين ندفنه؟ وأين نواريه؟ فقال بعضهم نلبسه درعين، ثم نلقيه في الماء. وقال بعضهم: لا، بل نحتز رأسه، ثم نلقيه بين القتلى. قال: فقال يحيى بن زيد: لا والله لا يأكل لحم أبي السباع. وقال بعضهم: نحمله إلى العباسية فندفنه فيها. فقبلوا رأيي. قال: فانطلقنا فحفرنا له حفرتين وفيها يومئذ ماء كثير، حتى إذا نحن

стр. 134

مكّنّا له دفنّاه ثم أجرينا عليه الماء، ومعنا عبد سندي. قال سعيد بن خيثم في حديثه: عبد حبشي كان مولى لعبد الحميد الرؤاسي وكان معمر بن خيثم قد أخذ صفقته لزيد، وقال يحيى بن صالح: هو مملوك لزيد سندي وكان حضرهم. قال أبو مخنف عن كهمس، قال: كان نبطي يسقي زرعا له حين وجبت الشمس، فرآهم حيث دفنوه، فلما أصبح أتى الحكم بن الصلت، فدلهم على موضع قبره، فسرح إليه يوسف بن عمر العباس بن سعيد المزني «١» . قال أبو مخنف: بعث الحجاج بن القاسم فاستخرجوه على بعير «٢» . قال هشام فحدّثني نصر بن قابوس قال: فنظرت والله إليه حين أقبل به على جمل قد شدّ بالحبال، وعليه قميص أصفر هروي، فألقى من البعير على باب القصر فخرّ كأنه جبل. فأمر به فصلب بالكناسة، وصلب معه معاوية بن إسحاق، وزياد الهندي، ونصر بن خزيمة العبسي «٣» . قال أبو مخنف: وحدثني عبيد بن كلثوم: أنه وجه برأس زيد مع زهرة بن سليم، فلما كان بمضيعة ابن أم الحكم ضربه الفالج، فانصرف وأتته جائزته من عند هشام. فحدّثني الحسن بن علي الأدمي، قال: حدثنا أبو بكر الجبلي، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن العنبري، قال: حدثنا موسى بن محمد، قال: حدثنا الوليد بن محمد الموقري، قال: كنت مع الزهري بالرّصافة فسمع أصوات لعابين. فقال لي: يا وليد، أنظر ما هذا، فأشرفت من كوّة في بيته فقلت: هذا رأس زيد بن علي، فاستوى جالسا ثم قال: أهلك أهل هذا البيت العجلة. فقلت: أو يملكون؟ قال: حدثني علي بن الحسين، عن أبيه، عن فاطمة أن رسول الله (ص) قال لها: المهدي من ولدك.

стр. 135

قال أبو مخنف: حدثني موسى بن أبي حبيب: أنه مكث مصلوبا إلى أيام الوليد بن يزيد، فلما ظهر يحيى بن زيد كتب الوليد إلى يوسف: «أما بعد. فإذا أتاك كتابي هذا فانظر عجل أهل العراق فأحرقه، وانسفه في اليم نسفا، والسلام» . فأمر به يوسف- لعنه الله- عند ذلك خراش بن حوشب «١» . فأنزله من جذعه فأحرقه بالنار، ثم جعله في قواصر، ثم حمله في سفينة، ثم ذراه في الفرات. حدثني الحسن بن عبد الله، قال: حدثنا جعفر بن يحيى الأزدي، قال: حدثنا محمد بن علي بن أخت خلاد المقري، قال: حدثنا أبو نعيم الملائي عن سماعة بن موسى الطحان، قال: رأيت زيد بن علي مصلوبا بالكناسة فما رأى أحد له عورة، استرسل جلد من بطنه، من قدامه ومن خلفه حتى ستر عورته. حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثني الحسين بن محمد بن عفير، قال: حدثنا أبو حاتم الرازي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر العتكي، عن جرير بن حازم، قال: رأيت النبي (ص) في المنام، وهو متساند إلى جذع زيد بن علي وهو مصلوب، وهو يقول للناس: «أهكذا تفعلون بولدي» . حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن بن جعفر، قال: قتل زيد بن علي يوم الجمعة في صفر سنة إحدى وعشرين ومائة.

стр. 136

(تسمية من عرف ممن خرج مع زيد بن علي) من أهل العلم ونقلة الآثار والفقهاء قال علي بن الحسين بن محمد الأصفهاني: حدثنا علي بن العباس، ومحمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا مطلب بن زياد، عن ليث، قال: جاء منصور بن المعتمر يدعو إلى الخروج مع زيد بن علي. حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثنا أبو عبد الله الصيرفي، قال: حدثنا فضل بن الحسن المصري، قال: سمعت أبا نعيم يقول: أبطأ منصور عن زيد لما بعثه يدعو إليه، فقتل زيد ومنصور غائب عنه، فصام سنة يرجو أن يكفّر ذلك عنه تأخره. ثم خرج بعد ذلك مع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر «١» . حدثني أحمد بن محمد، قال: أخبرني الحسين بن هاشم في كتابه إليّ، قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن معلى، قال: حدّثنا عمرو بن عبد الغفار، عن عبدة بن كثير السراج الجرمي، قال: قدم يزيد بن أبي زياد، مولى بني هاشم، صاحب عبد الرحمن بن أبي ليلى الرقّة، يدعو الناس إلى بيعة زيد بن علي، وكان من دعاة زيد بن علي، وأجابه ناس من أهل الرقّة، وكنت فيمن أجابه. حدّثنا علي بن الحسين، قال: حدّثني علي بن العباس، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الله بن مروان بن معاوية، قال: سمعت محمد بن جعفر بن محمد في دار الإمارة يقول: رحم الله أبا حنيفة. لقد تحققت مودّته لنا في نصرته زيد بن علي، وفعل بابن المبارك في كتمانه فضائلنا، ودعا عليه «٢» .

стр. 137

حدثنا علي بن الحسين، قال: أخبرنا الحسين بن القاسم، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدثنا عمرو بن عبد الغفار، عن عبدة بن كثير الجرمي، قال: كتب زيد بن علي إلى هلال بن حباب، وهو يومئذ قاضي المدائن، فأجابه وبايع له. حدثنا علي بن الحسين، قال: أخبرنا الحسين بن القاسم، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدثنا عمرو، قال حدثني عطاء بن مسلم، عن سالم بن أبي الحديد، قال: أرسلني زيد بن علي إلى زبيد الإمامي أدعوه إلى الجهاد معه. حدثنا علي بن الحسين، قال: أخبرني الحسين، قال: حدّثنا علي بن إبراهيم، قال: حدّثنا عمرو، عن الفضل بن الزبير، قال: قال أبو حنيفة من يأتي زيدا في هذا الشأن من فقهاء الناس؟. قال: قلت سليمة بن كهيل، ويزيد بن أبي زياد، وهرون بن سعد، وهاشم بن البريد، وأبو هاشم الرّماني، والحجاج بن دينار، وغيرهم. فقال لي: قل لزيد لك عندي معونة وقوة على جهاد عدوك فاستعن بها أنت وأصحابك في الكراع «١» والسلاح ثم بعث ذلك معي إلى زيد، فأخذه زيد. [حدثنا علي بن الحسين] ، قال: حدثني أبو عبيدة الصيرفي، قال: حدثنا الفضل بن الحسين المصري، قال: حدثنا العباس العنبري، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا أبو عوانة، قال: فارقني سفيان «٢» على أنه زيدي.

стр. 138

حدثني علي بن الحسن بن القاسم، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدثنا عمرو بن عبد الغفار [عن عبدة بن كثير] «١» ، قال: كان رسول زيد إلى خراسان عبدة بن كثير الجرمي، والحسن بن سعد الفقيه. حدثنا علي بن الحسين قال: أخبرني الحسين قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدثنا عمرو بن عبد الغفار، قال: حدثني شريك، قال: إني لجالس عند الأعمش أنا، وعمرو بن سعيد أخو سفيان بن سعيد الثوري، إذ جاءنا عثمان بن عمير أبو اليقظان الفقيه، فجلس إلى الأعمش فقال: أخلنا فإن لنا إليك حاجة. فقال: وما خطبكم هذا شريك، وهذا عمرو بن سعيد أذكر حاجتك. فقال: أرسلني إليك زيد بن علي أدعوك إلى نصرته والجهاد معه، وهو من عرفت. قال: أجل ما أعرفني بفضله. أقرئاه مني السلام، وقولا له: يقول لك الأعمش لست أثق لك- جعلت فداك- بالناس، ولو أنا وجدنا لك ثلثمائة رجل أثق بهم لغيّرنا لك جوانبها. حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن زيد «٢» الثقفي. قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عمران بن أبي ليلى، قال: حدثني أبي، قال: كان محمد بن أبي ليلى، ومنصور بن المعتمر، بايعا زيد بن علي. قال: وبعث يوسف بن عمر إلى الناس فأخذ عليهم أبواب المسجد فحال بينه وبينهم. حدثنا علي بن الحسين قال: حدّثني الحسين بن محمد بن عفير [الأنصاري] قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا حكام بن مسلم، قال: حدثنا عنبسة بن سعيد الأسدي:

стр. 139

أنا أبا حصين قال لقيس بن الربيع: يا قيس. قال: لبيك. قال: لا لبيك، ولا سعديك، لتبايعن رجلا من ولد رسول الله (ص) ثم تخذله، وذلك أنه بلغه أنه بايع زيد بن علي. وقال فضل بن العباس بن عبد الرحمن بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب يرثي زيد بن علي ﵇: ألا يا عين لا ترقى وجودي ... بدمعك ليس ذا حين الجمود غداة ابن النبي أبو حسين ... صليب بالكناسة فوق عود يظل على عمودهم ويمسي ... بنفسي أعظم فوق العمود تعدى الكافر الجبار فيه ... فأخرجه من القبر اللحيد «١» فظلوا ينبشون أبا حسين ... خضيبا بينهم بدم جسيد فطال به تلعبهم عتوًّا ... وما قدروا على الرّوح الصّعيد وجاور في الجنان بني أبيه ... وأجدادا هم خير الجدود فكم من والد لأبي حسين ... من الشهداء أو عم شهيد ومن أبناء أعمام سيلقى ... هم أولى به عند الورود دعاه معاشر نكثوا أباه ... حسينا بعد توكيد العهود فسار إليهم حتى أتاهم ... فما أرعوا على تلك العقود وكيف تظنّ بالعبرات عيني ... وتطمع بعد زيد في الهجود وكيف لها الرقاد ولم تراءى ... جياد الخيل تعدوا بالأسود تجمع للقبائل من معد ... ومن قحطان في حلق الحديد كتائب كلّما أردت قتيلا ... تنادت: أن إلى الأعداء عودي بأيديهم صفائح مرهفات ... صوارم أخلصت من عهد هود بها نسقي النفوس إذا التقينا ... ونقتل كل جبّار عنيد ونحكم في بني الحكم العوالي ... ونجعلهم بها مثل الحصيد

стр. 140

وننزل بالمعيطيين حربا ... عمارة منهم وبنو الوليد وإن تمكن صروف الدهر منكم ... وما يأتي من الأمر الجديد «١» نجازيكم بما أوليتمونا ... قصاصا أو نزيد على المزيد ونترككم بأرض الشام صرعى ... وشتى من قتيل أو طريد تنوء بكم خوامعها «٢» وطلس ... وضاري الطير من بقع وسود ولست بآيس من أن تصيروا ... خنازيرا وأشباه القرود وقال أبو ثميلة الأبّار يرثي زيدا ﵇: يا أبا الحسين أعار فقدك لوعة ... ما لقيت منها يكمد فقد السهاد ولو سواك رمت به الأ ... قدار حيث رمت به لم يسهد «٣» ونقول: لا تبعد، وبعدك داؤنا ... وكذاك من يلق المنية يبعد كنت المؤمّل للعظائم والنهى ... ترجى لأمر الأمة المتأوّد فقتلت حين رضيت كل مناضل ... وصعدت في العلياء كل مصعد فطلبت غاية سابقين فنلتها ... بالله في سير كريم المورد وأبى إلهك أن تموت ولم تسر ... فيهم بسيرة صادق مستنجد والقتل في ذات الإله سجية ... منكم وأحرى بالفعال الأمجد والناس قد أمنوا، وآل محمد ... من بين مقتول وبين مشرّد نصب إذا ألقى الظلام ستوره ... رقد الحمام، وليلهم لم يرقد يا ليت شعري والخطوب كثيرة ... أسباب موردها وما لم يورد ما حجة المستبشرين بقتله ... بالأمس أو ما عذر أهل المسجد

стр. 141

١١- يحيى بن زيد ويحيى بن زيد «١» بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈. وأمه ريطة بنت أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وإيّاها عنى أبو ثميلة الأبّار بقوله: فلعلّ راحم أم موسى والذي ... نجاه من لجج خضم مزبد سيسرّ ريطة بعد حزن فؤادها ... يحيى ويحيى في الكتائب يرتدي وأم ريطة بنت أبي هاشم ريطة بنت الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب. وأمها ابنة المطلب بن أبي وداعة السهمي. (ذكر السبب في مقتله) «٢» حدثنا علي بن الحسين بن محمد الأصبهاني، قال: أخبرني به محمد بن علي بن شاذان، قال: حدثنا أحمد بن راشد، قال: حدثني عمي سعيد بن خيثم بن أبي الهادية العبدي. حدثنا علي بن الحسين، قال: أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني المنذر بن محمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا هشام بن محمد عن أبي مخنف عن سلمة بن ثابت [الليثي] «٣» قال: وخبرنيه أبو المنذر في كتابه إليّ بمثله. حدثنا علي، قال: أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن العلوي، قال: قال أبو مخنف لوط بن يحيى، حدثنا علي، قال: وأخبرني علي بن العباس المقانعي، قال: حدثنا محمد بن مروان، قال: حدثنا زيد بن المعذل، قال: حدثنا يحيى بن صالح الطيالسي، عن أبي مخنف، عن عبيدة بن كلثوم. حدثنا علي، قال:

стр. 142

وأخبرني الحسين بن القاسم، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدّثنا عمرو بن عبد الغفار، قال: حدثنا سلم الحذاء، وقد دخل حديث بعضهم في حديث الآخرين. قالوا: إن زيد بن علي لما قتل، ودفنه يحيى ابنه، رجع وأقام بجبانة السبيع، وتفرّق الناس عنه، فلم يبق معه إلّا عشرة نفر. قال سلمة بن ثابت: فقلت له أين تريد؟ قال: أريد النهرين، ومعه أبو الصبار العبدي، قال: فقلت له: إن كنت تريد النهرين فقاتل ها هنا حتى نقتل. قال: أريد نهري كربلاء. فقلت له: فالنجاء قبل الصبح. قال: فخرجنا معه، فلما جاوزنا الأبيات سمعنا الأذان فخرجنا مسرعين. فكلما استقبلني قوم استطعمتهم فيطعمونني الأرغفة فأطعمه إيّاها وأصحابي حتى أتينا نينوى، فدعوت سابقا فخرج من منزله ودخله يحيى، ومضى سابق إلى الفيوم «١» . فأقام به وخلف يحيى في منزله. قال سلمة: ومضيت وخلّيته، وكان آخر عهدي به. قالوا: وخرج يحيى بن زيد إلى المدائن، وهي إذ ذاك طريق الناس إلى خراسان، وبلغ ذلك يوسف بن عمر فسرّح في طلبه حريث بن أبي الجهم الكلبي، فورد المدائن وقد فاته يحيى، ومضى حتى أتى الرّي. قالوا: وكان نزوله بالمدائن على دهقان من أهلها إلى أن خرج منها. قالوا: ثم خرج من الري حتى أتى سرخس فأتى يزيد بن عمرو التيمي، ودعى الحكم بن يزيد أحد بني أسيد بن عمرو، وكان معه، وأقام عنده ستة أشهر. وعلى الحرب بتلك الناحية رجل يعرف بابن حنظلة من قبل عمر بن هبيرة. وأتاه ناس من المحكمة يسألونه أن يخرج معهم ليقاتلوا بني أمية، فأراد لما رأى من نفاذ رأيهم أن يفعل، فنهاه يزيد بن عمرو وقال: كيف تقاتل بقوم تريد أن تستظهر بهم على عدوك وهم يبرؤون من علي وأهل بيته. فلم يطمئن إليهم غير أنه قال لهم جميلا. ثم خرج فنزل ببلغ على الحريش بن عبد الرحمن الشيباني «٢» فلم يزل عنده

стр. 143

حتى هلك هشام بن عبد الملك لعنه الله، وولى الوليد بن يزيد، وكتب يوسف إلى نصر بن سيّار، وهو عامل على خراسان حين أخبر أن يحيى بن زيد نازل بها، وقال: ابعث إلى الحريش «١» . حتى يأخذ بيحيى أشد الأخذ، فبعث نصر إلى عقيل بن معقل الليثي، وهو عامله على بلخ، أن يأخذ الحريش فلا يفارقه حتى تزهق نفسه أو يأتيه بيحيى بن زيد، فدعى به فضربه ستمائة سوط، وقال: والله لأزهقن نفسك أو تأتيني به. فقال: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه فاصنع ما أنت صانع. فوثب قريش بن الحريش فقال لعقيل: لا تقتل أبي، وأنا آتيك بيحيى، فوجّه معه جماعة فدلهم عليه، وهو في بيت في جوف بيت، فأخذوه ومعه يزيد بن عمر، والفضل مولى لعبد القيس كان معه من الكوفة، فبعث به عقيل إلى نصر بن سيّار فحبسه وقيّده، وجعله في سلسلة، وكتب إلى يوسف بن عمرو فأخبره بخبره «٢» . حدثنا علي بن الحسين، قال: فحدّثني محمد بن العباس البريدي، قال: أخبرني الرياشي، قال: قال رجل من بني ليث يذكر ما صنع بيحيى بن زيد: أليس بعين الله ما تصنعونه ... عشيّة يحيى موثق في السلاسل ألم تر ليثا ما الذي حتمت به ... لها الويل في سلطانها المتزايل لقد كشفت للناس ليث عن استها ... أخيرا وصارت ضحكة في القبائل كلاب عوت لا قدس الله أمرها ... فجاءت بصيد لا يحل لآكل حدثنا علي، قال: أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن أن هذا الشعر لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. حدثنا «٣» علي بن الحسين، قال: فحدّثني عيسى بن الحسين الوراق،

стр. 144

قال: حدثنا علي بن محمد النوفلي، قال: حدثني أبي، عن عمه عيسى، قال: لما أطلق يحيى بن زيد، وفكّ حديده، صار جماعة من مياسير الشيعة إلى الحداد الذي فكّ قيده من رجله فسألهم أن يبيعهم إيّاه، وتنافسوا فيه وتزايدوا حتى بلغ عشرين ألف درهم، فخاف أن يشيع خبره فيؤخذ منه المال. فقال لهم: اجمعوا ثمنه بينكم فرضوا بذلك، وأعطوه المال فقطّعه قطعة قطعة، وقسّمه بينهم، فاتخذوا منه فصوصا للخواتيم يتبركون بها. رجع الحديث إلى سياقه: قال: فكتب يوسف بن عمر إلى الوليد- لعنه الله- يعلمه ذلك «١» ، فكتب إليه يأمره أن يؤمنه، ويخلي سبيله وسبيل أصحابه، فكتب يوسف بذلك إلى نصر بن سيّار فدعى به نصر فأمره بتقوى الله وحذّره الفتنة. فقال له يحيى: وهل في أمة محمد فتنة أعظم مما أنتم فيه من سفك الدماء وأخذ ما لستم له بأهل؟. فلم يجبه نصر بشيء، وأمر له بألفي درهم ونعلين، وتقدم إليه أن يلحق بالوليد. فخرج يحيى حتى قدم سرخس، وعليها عبد الله بن قيس بن عباد البكري، فكتب إليه نصر أن أشخص يحيى عن سرخس. وكتب إلى الحسن بن زيد التميمي عامله على طوس: إذا مرّ بك يحيى فلا تدعه يقيم ساعة، وأرسله إلى عمرو بن زرارة بأبرشهر ففعلوا ذلك «٢» . ووكل به سرحان بن نوح العنبري، وكان على مسلحة المتعب. فذكر يحيى بن زيد نصر بن سيّار فطعن عليه، كأنه إنما فعل ذلك مستقلا لما أعطاه، وذكر يوسف بن عمر فعرض به، وذكر أنه يخاف غيلته إيّاه، ثم كف عن ذكره فقال له الرجل: قل ما أحببت- رحمك الله- فليس عليك مني عين «٣» .

стр. 145

فقال: العجب لهذا الذي يقيم الأحراس عليّ، والله لو شئت أن أبعث إليه فأوتي به وآمر من يتوطاه لفعلت ذلك- يعني الحسن بن زيد التميمي-. قال: فقلت له: والله ما لك فعل هذا، إنما هو رسم في هذا الطريق لتشبث الأموال. قال: ثم أتينا عمرو بن زرارة بأبرشهر، فأعطى يحيى ألف درهم نفقة له، ثم أشخصه إلى بيهق، فأقبل يحيى من بيهق، وهي أقصى عمل خراسان في سبعين رجلا، راجعا إلى عمرو بن زرارة، وقد اشترى دواب، وحمل عليها أصحابه. فكتب عمرو إلى نصر بن سيار بذلك، فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس بن عباد البكري عامله بسرخس، والحسن بن زيد عامله بطوس، أن يمضيا إلى عامله عمرو بن زرارة، وهو على أبرشهر، وهو أمير عليهم، ثم يقاتلوا يحيى بن زيد. قال: فأقبلوا إلى عمرو، وهو مقيم بأبرشهر فاجتمعوا معه فصار في زهاء عشرة آلاف. وخرج يحيى بن زيد وما معه إلّا سبعون فارسا، فقاتلهم يحيى فهزمهم، وقتل عمرو بن زرارة، واستباح عسكره وأصاب منه دواب كثيرة، ثم أقبل حتى مرّ بهراة، وعليها المغلّس بن زياد «١» ، فلم يعرض أحد منها لصاحبه، وقطعها يحيى «٢» حتى نزل بأرض الجوزجان، فسرّح إليه نصر بن سيار سلم بن أحور «٣» في ثمانية آلاف فارس من أهل الشام وغيرهم، فلحقه بقرية يقال لها ارغوى، وعلى الجوزجان يومئذ حماد بن عمرو السعيدي» ، ولحق بيحيى بن زيد أبو العجارم الحنفي، والخشخاش الأزدي «٥» فأخذ الخشخاش بعد ذلك نصر فقطع يديه ورجليه وقتله. وعبأ سلم- لعنه الله- أصحابه فجعل سورة بن محمد الكندي على
следующие страницы →