← История

История · id 12404

مقاتل الطالبيين

أبو الفرج الأصبهاني

Полный текст (649 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أحد بما مضى، ولا ينال أحد من شيعة علي بمكروه ولا يذكر علي إلّا بخير، وأشياء اشترطها الحسن. فأجابه الحسن إلى ذلك، وانصرف قيس فيمن معه إلى الكوفة، وانصرف الحسن [إليها أيضا] «١» وأقبل معاوية قاصدا إلى الكوفة، واجتمع إلى الحسن وجوه الشيعة، وأكابر أصحاب أمير المؤمنين علي يلومونه ويبكون إليه جزعا ممّا فعله. فحدّثني محمد بن الحسين الأشناني، وعلي بن العباس المقانعي «٢» قالا: حدّثنا عباد بن يعقوب، قال: أخبرنا عمرو بن ثابت، عن الحسن بن حكم، عن عدي بن ثابت، عن سفيان بن الليل «٣» . وحدّثني محمد بن أحمد أبو عبيد «٤» ، قال: حدّثنا الفضل بن الحسن المصري «٥» قال: حدّثنا محمد بن عمروية «٦» قال: حدّثنا مكي بن إبراهيم، قال: حدّثنا السري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن سفيان بن الليل، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، وأكثر اللفظ لأبي عبيد، قال: أتيت الحسن بن علي حين بايع معاوية، فوجدته بفناء داره، وعنده رهط، فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال: عليك السلام يا سفيان إنزل فنزلت، فعقلت راحلتي، ثم أتيته، فجلست إليه، فقال: كيف قلت يا سفيان [بن الليل] ؟ فقلت: السلام عليك يا مذل [رقاب] المؤمنين. فقال: ما جرّ هذا منك إلينا؟. فقلت: أنت والله- بأبي أنت وأمي- أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة، وسلّمت الأمر إلى اللعين بن اللعين بن آكلة الأكباد، ومعك

стр. 72

مائة ألف كلهم يموت دونك. وقد جمع الله لك أمر الناس. فقال: يا سفيان، إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسّكنا به، وإني سمعت عليا يقول: سمعت رسول الله (ص) يقول: لا تذهب الليالي والأيام حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع السّرم، ضخم البلعوم، يأكل ولا يشبع «١» ، لا ينظر الله إليه، ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر، ولا في الأرض ناصر، وإنه لمعاوية، وإني عرفت أن الله بالغ أمره. ثم أذّن المؤذن، فقمنا على حالب يحلب ناقة، فتناول الإناء، فشرب قائما [ثم سقاني] ، فخرجنا نمشي إلى المسجد، فقال لي: ما جاءنا بك يا سفيان؟ قلت: حبكم، والذي بعث محمدا للهدى ودين الحق. قال: فأبشر يا سفيان، فإني سمعت عليّا يقول: سمعت رسول الله (ص) يقول: يرد عليّ الحوض أهل بيتي ومن أحبهم من أمتي كهاتين، يعني السبّابتين. ولو شئت لقلت هاتين يعني السبابة والوسطى، إحداهما تفضّل على الأخرى، أبشر يا سفيان فإن الدنيا تسع البر والفاجر حتى يبعث الله إمام الحق من آل محمد ﵌. هذا لفظ أبي عبيد. وفي حديث محمد بن الحسين، وعلي بن العباس بعض هذا الكلام موقوفا عن الحسن غير مرفوع إلى النبي (ص) إلّا في ذكر معاوية فقط «٢» . (رجع الحديث إلى خبر الحسن ﵇ قال: وسار معاوية حتى نزل النّخيلة، وجمع الناس بها فخطبهم قبل أن يدخل الكوفة خطبة طويلة لم ينقلها أحد من الرواة تامة، وجاءت مقطعة في الحديث، وسنذكر ما انتهى إلينا من ذلك. فحدّثني أحمد بن عبيد الله بن عمّار، قال: حدّثني أحمد بن بشر «٣» عن الفضل بن الحسن وعيسى بن مهران، قالوا: حدّثنا علي بن الجعد، قال:

стр. 73

حدّثنا قيس بن الربيع، عن عطاء بن السائب. عن الشعبي، قال: خطب معاوية حين بويع له فقال: ما اختلفت أمة بعد نبيها إلّا ظهر أهل باطلها على أهل حقّها، ثم إنه انتبه فندم، فقال: إلّا هذه الأمة فإنها وإنها. حدّثني أبو عبيد، قال: حدّثني الفضل المصري، قال: حدّثنا يحيى بن معين، قال: حدّثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن الشعبي بهذا. حدّثني علي بن العباس المقانعي، قال: أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسين الزهري، قال: حدّثنا حسن بن الحسين، عن عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، قال: سمعت معاوية بالنخيلة يقول: ألا إن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به. قال أبو إسحاق: وكان والله غدّارا «١» . حدّثني أبو عبيد، قال: حدّثنا الفضل المصري، قال: حدّثني عثمان «٢» بن أبي شيبة قال: [حدّثني أبو معاوية، عن الأعمش، وحدّثني أبو عبيد، قال: حدّثنا فضل، قال] حدّثنا عبد الرحمن بن شريك. قال حدّثنا «٣» أبي عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن سويد قال: صلّى بنا معاوية بالنّخيلة الجمعة في الصحن، ثم خطبنا فقال: إني والله ما قاتلتكم لتصلّوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجوا، ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك. وإنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون. قال شريك في حديثه: هذا هو التهتّك «٤» .

стр. 74

حدّثني أبو عبيد، قال: حدّثنا فضل، قال: حدّثني يحيى بن معين، قال: حدّثنا أبو حفص الأبار «١» ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن، وشريك بن أبي خالد، وقد روى عنه إسماعيل بن أبي خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: لما بويع معاوية خطب فذكر عليا، فنال منه، ونال من الحسن، فقام الحسين ليردّ عليه فأخذ الحسن بيده فأجلسه، ثم قام فقال «٢» : أيّها الذاكر عليا، أنا الحسن، وأبي علي، وأنت معاوية، وأبوك صخر، وأمي فاطمة، وأمك هند، وجدي رسول الله (ص) ، وجدك حرب، وجدتي خديجة، وجدتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرا، وألأمنا حسبا، وشرنا قدما، وأقدمنا كفرا ونفاقا. فقال طوائف من أهل المسجد: آمين. قال فضل: فقال يحيى بن معين: ونحن نقول: آمين. قال أبو عبيد: ونحن أيضا نقول: آمين. [قال أبو الفرج: وأنا أقول: آمين] . قال: ودخل معاوية الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلة، وبين يديه خالد بن عرفطة، ومعه رجل يقال له حبيب بن عمار «٣» يحمل رايته حتى دخل الكوفة، فصار إلى المسجد، فدخل من باب الفيل، فاجتمع الناس إليه. فحدّثني أبو عبيد الصيرفي، وأحمد بن عبيد الله بن عمّار، قالا: حدّثنا محمد بن علي بن خلف، قال: حدّثني محمد بن عمرو الرازي، قال: حدّثنا مالك بن شعير، عن محمد بن عبد الله الليثي، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، قال: بينما علي- ﵇ على المنبر، إذ دخل رجل فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة، فقال: لا والله ما مات. [إذ دخل رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة، فقال: لا والله ما مات] ، إذ

стр. 75

دخل رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة، فقال: لا والله ما مات ولا يموت حتى يدخل من باب هذا المسجد، «يعني باب الفيل» براية ضلالة يحملها [له] حبيب بن عمّار، قال فوثب رجل فقال: يا أمير المؤمنين أنا حبيب بن عمّار وأنا لك شيعة. قال: فإنه كما أقول. فقدّم خالد بن عرفطة «١» على مقدّمة معاوية يحمل رايته حبيب بن عمّار. قال مالك: حدّثنا الأعمش بهذا الحديث، فقال: حدّثني صاحب هذا الدار- وأشار بيده إلى دار السائب أبي عطاء- أنه سمع عليا يقول هذه المقالة «٢» . قالوا: ولما تم الصلح بين الحسن ومعاوية، أرسل إلى قيس بن سعد بن عبادة يدعوه إلى البيعة فأتى به، وكان رجلا طويلا يركب الفرس المسرف، ورجلاه تخطان في الأرض، وما في وجهه طاقة شعر، وكان يسمى خصي الأنصار، فلما أرادوا أن يدخلوه إليه قال: إني قد حلفت أن لا ألقاه إلّا وبيني وبينه الرمح أو السيف، فأمر معاوية برمح أو سيف فوضع بينه وبينه ليبر يمينه «٣» . فحدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدّثني أبو هاشم الرفاعي، قال: حدّثني وهب بن جرير، قال: حدّثنا أبي عن «٤» ابن سيرين عن عبيدة، وقد ذكر بعض ذلك في رواية أبي مخنف التي قدمنا إسنادها، قال: لما صالح الحسن معاوية، اعتزل قيس بن سعد في أربعة آلاف وأبى أن يبايع، فلما بايع الحسن أدخل قيس بن سعد ليبايع. قال أبو مخنف في حديثه: فأقبل على الحسن فقال: أنا في حل من بيعتك، قال: نعم، قال: فألقى لقيس كرسي، وجلس معاوية على سريره، فقال له معاوية: أتبايع [يا قيس] ؟ قال: نعم، فوضع يده على فخذه ولم يمدها إلى معاوية، فجثا معاوية

стр. 76

على سريره «١» وأكب على قيس حتى مسح يده على يده، فما رفع قيس إليه يده «٢» . حدّثني أبو عبيد، قال: حدّثنا فضل المصري، قال: حدّثنا شريح بن يونس، قال: حدّثنا أبو حفص الأبار، عن إسماعيل بن عبد الرحمن: أن معاوية أمر الحسن أن يخطب لما سلم الأمر إليه، وظن أن سيحصر، فقال في خطبته: إنما الخليفة من سار بكتاب الله، وسنّة نبيه (ص) ، وليس الخليفة من سار بالجور، ذلك ملك ملك ملكا يمتّع به قليلا ثم تنقطع لذته وتبقى تبعته «٣» : وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين «٤» . قال: وانصرف الحسن ﵁ إلى المدينة فأقام بها، وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد، فلم يكن شيء أثقل من أمر الحسن بن علي، وسعد بن أبي وقّاص، فدس إليهما سما فماتا منه. حدّثني أحمد بن عبيد الله بن عمّار، قال: حدّثنا عيسى بن مهران، قال: حدّثنا عبيد بن الصباح الخراز «٥» ، قال: حدّثني جرير، عن مغيرة، قال: أرسل معاوية إلى ابنة الأشعث إني مزوجك بيزيد ابني، على أن تسمي الحسن بن علي، وبعث إليها بمائة ألف درهم، فقبلت وسمت الحسن، فسوغها المال ولم يزوجها منه، فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها، فكان إذا وقع بينهم وبين بطون قريش كلام عيّروهم، وقالوا: يا بني مسمّة الأزواج «٦» . حدّثني أحمد بن عبيد الله، قال: حدّثني عيسى بن مهران، قال: حدّثنا

стр. 77

يحيى بن أبي بكير، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، قال: توفي الحسن بن علي، وسعد بن أبي وقّاص في أيام بعد ما مضى من إمارة معاوية عشر سنين، وكانوا يرون أنه سقاهما سما «١» . أخبرنا أحمد بن محمد الهمداني، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن العلوي، قال: حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا عبد الرازق، قال: أخبرنا معمر، قال: حدّثني من سمع ابن سيرين يحدث مولى للحسن بن علي، وحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا عيسى بن مهران، قال: حدثنا عثمان بن عمر «٢» ، قال: حدثنا أبو عون، عن عمير بن إسحاق «٣» - واللفظ له- قال: كنت مع الحسن والحسين في الدار فدخل الحسن المخرج ثم خرج فقال: لقد سقيت السم مرارا ما سقيته مثل هذه المرة، ولقد لفظت قطعة من كبدي فجعلت أقلبها بعود معي، فقال له الحسين: من سقاكه؟ فقال: وما تريد منه؟ أتريد أن تقتله، إن يكن هو هو فالله أشد نقمة منك، وإن لم يكن هو فما أحب أن يؤخذ بي بريء «٤» . ودفن الحسن في جنب قبر فاطمة بنت رسول الله (ص) في البقيع في ظلة بني نبيه، وقد كان أوصى أن يدفن مع رسول الله (ص) فمنع مروان بن الحكم من ذلك «٥» ، وركبت بنو أمية في السلاح وجعل مروان يقول: يا رب هيجا هي خير من دعه، أيدفن عثمان في أقصى البقيع، ويدفن الحسن في بيت رسول الله (ص) ؟ والله لا يكون ذلك أبدا وأنا أحمل السيف، فكادت الفتنة تقع. وأبى الحسين أن يدفنه إلّا مع النبي (ص) ، فقال له

стр. 78

عبد الله بن جعفر: عزمت عليك بحقي ألّا تكلم بكلمة فمضى به إلى البقيع، وانصرف مروان بن الحكم «١» . أخبرني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن «٢» ، عن الزبير بن بكار، عن محمد بن إسماعيل، عن قائد مولى عباد، وحدثنا حرمي، عن زبير، فقال: عبادك وهو الصواب، وقال أحمد بن سعيد هو عبادك ولكن هكذا قال يحيى بن عبيد الله بن علي، أخبره وغيره أخبره. إن الحسن بن علي أرسل إلى عائشة أن تأذن له أن يدفن مع النبي (ص) فقالت: نعم ما كان بقي إلّا موضع قبر واحد، فلما سمعت بذلك بنو أمية اشتملوا بالسلاح «٣» هم وبنو هاشم للقتال، وقالت بنو أمية: والله لا يدفن مع النبي (ص) أبدا، فبلغ ذلك الحسن فأرسل إلى أهله أمّا إذا كان هذا فلا حاجة لي فيه ادفنوني إلى جانب أمي فاطمة، فدفن إلى جنب أمه فاطمة ﵍. قال يحيى بن الحسن: وسمعت علي بن طاهر بن زيد يقول: لما أرادوا دفنه ركبت عائشة بغلا واستنفرت «٤» بني أمية مروان بن الحكم، ومن كان هناك منهم ومن حشمهم، وهو القائل: فيوما على بغل ويوما على جمل «٥» وقال علي بن الحسن، بن علي بن حمزة العلوي، عن عمه محمد، عن المدايني، عن جويرية بن أسماء، قال: لما مات الحسن بن علي، وأخرجوا جنازته حمل مروان سريره، فقال له الحسين: أتحمل سريره؟ أما والله لقد كنت تجرعه الغيظ، فقال مروان: إني

стр. 79

كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال «١» . حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا عبد الله بن الوضاح، قال: حدثني بن يمان، عن الثوري، عن سالم بن أبي حفصة، عن أبي حازم: أن الحسين بن علي قدّم سعيد بن العاص للصلاة على الحسن بن علي، وقال: تقدم فلولا أنها سنة ما قدّمتك «٢» . حدثني أبو عبيد «٣» ، قال: حدثنا فضل المصري، قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا عمرو بن هشام، عن عمر بن بشير الهمداني، قال: قلت لأبي إسحاق: متى ذل الناس؟ قال: حين مات الحسن، وادعى زياد، وقتل حجر بن عدي «٤» . واختلف في مبلغ سن الحسن وقت وفاته «٥» . فحدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن علي بن إبراهيم بن الحسن عن ابن أبي عمير «٦» عن هشام بن سالم، وجميل بن درّاج، عن جعفر بن محمد: أنه توفي وهو ابن ثمان وأربعين سنة. حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، عن ابن حسين اللؤلؤي، عن محمد بن سنان، عن عبد الله بن مشكان، عن أبي بصير، عن جعفر بن محمد: أن الحسن توفي وهو ابن ست وأربعين «٧» .

стр. 80

وقال محمد بن علي بن حمزة: وفي الحسن بن علي يقول سليمان بن قتّه «١» : يا كذب الله من نعى حسنا ... ليس لتكذيب نعيه ثمن كنت خليلي وكنت خالصتي ... لكل حي من أهله سكن أجول في الدار لا أراك وفي ... الدار أناس جوارهم غبن بدلتهم منك ليت أنهم ... أضحوا وبيني وبينهم عدن «٢» ٥- الحسين ذكر خبر الحسين بن علي «٣» بن أبي طالب ومقتله ومن قتل معه من أهله ويكنى أبا عبد الله، وأمه فاطمة بنت رسول الله (ص) . وكان مولده لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، وقتل يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة إحدى وستين من الهجرة. وكانت سنه يوم قتل ستا وخمسين سنة وشهورا. وقيل: إن مقتله كان يوم السبت، روي ذلك عن أبي نعيم الفضل بن دكين. والذي ذكرناه أولا أصح. فأما ما تقوله العامة إنه قتل يوم الاثنين فباطل، وهو شيء قالوه بلا

стр. 81

رواية، وكان أول المحرم الذي قتل فيه يوم الأربعاء، أخرجنا ذلك بالحساب الهندي من سائر الزيجات، وإذا كان ذلك كذلك فليس يجوز أن يكون اليوم العاشر يوم الاثنين. قال أبو الفرج: وهذا دليل صحيح واضح تنضاف إليه الرواية، أخبرنا به أحمد بن عيسى، قال: حدّثنا أحمد بن الحرث، عن الحسين بن نصر، قال: حدثنا أبي، عن عمر بن سعد، عن أبي مخنف. وحدثني به أحمد بن محمد بن شيبة، قال: حدثنا أحمد بن الحرث الخزاز، قال: حدثنا علي بن محمد المدائني، عن أبي مخنف، وعوانة بن الحكم، ويزيد بن جعدية، وغيرهم. فأما ما تعارفه العوام من أنه قتل يوم الاثنين فلا أصل له ولا حقيقة، ولا وردت به رواية. وروى سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد أن الحسين بن علي قتل وله ثمان وخمسون سنة، وأن الحسن كذلك كانت سنوه يوم مات، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين، وأبو جعفر محمد بن علي. حدثني بذلك العباس بن علي، قال: حدثنا أبو السائب سلم بن جنادة «١» قال: حدثنا وكيع عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد. قال أبو الفرج: وهذا وهم، لأن الحسن ولد في سنة ثلاث من الهجرة، وتوفي في سنة إحدى وخمسين، ولا خلاف في ذلك، وسنه على هذا ثمان وأربعون سنة أو نحوها. ولم يمكنا سياقة مقاتلهم على التاريخ لئلا ينقطع الخبر، فذكرنا أسماءهم وأنسابهم جملة، ثم ذكرنا خبر مقاتلهم [رضوان الله عليهم وصلواته] .

стр. 82

فمنهم مسلم بن عقيل بن أبي طالب ﵇ وهو أول من قتل من أصحاب الحسين بن علي- ﵇ وسنذكر خبره في موضعه. وأمه أم ولد، يقال لها: حلية، وكان عقيل اشتراها من الشام، فولدت له مسلما، ولا عقب له «١» . وعلي بن الحسين وهو علي الأكبر ولا عقب له «٢» ويكنى أبا الحسن، وأمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي «٣» ، وأمها ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب [بن أمية وتكنى أم شيبة، وأمها بنت أبي العاص بن أمية] «٤» وهو أول من قتل في الواقعة. وإياه عني معاوية في الخبر الذي حدثني به محمد بن محمد بن سليمان، قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، قال: قال معاوية: من أحق الناس بهذا الأمر؟ قالوا: أنت، قال: لا، أولى الناس بهذا الأمر علي بن الحسين بن علي، جدّه رسول الله (ص) ، وفيه شجاعة بني هاشم، وسخاء بني أمية، وزهو ثقيف. وقال يحيى بن الحسن العلوي: وأصحابنا الطالبيون يذكرون أن المقتول لأم ولد، وأن الذي أمه ليلى هو جدهم، حدثني بذلك أحمد بن سعيد عنه. وحدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى، عن عبيد الله بن حمزة، عن الحجاج بن المعتمر الهلالي، عن أبي عبيدة، وخلف الأحمر: أن هذه الأبيات قيلت في علي بن الحسين الأكبر: لم تر عين نظرت مثله ... من محتف يمشي ومن ناعل يغلي نئيّ اللحم حتّى إذا ... أنضج لم يغل على الآكل كان إذا شبّت له ناره ... أوقدها بالشّرف «٥» القابل

стр. 83

كيما يراها بائس مرمل ... أو فرد حي ليس بالآهل أعني ابن ليلى ذا الثدي والندى ... أعني ابن بنت الحسب الفاضل لا يؤثر الدنيا على دينه ... ولا يبيع الحق بالباطل وولد علي بن الحسين في خلافة عثمان. وقد روى عن جده علي بن أبي طالب، وعن عائشة أحاديث كرهت ذكرها في هذا الموضع لأنها ليست من جنس ما قصدت له. وعبد الله بن علي بن أبي طالب وأمه أم البنين بنت حزام «١» بن خالد بن ربيعة بن الوحيل، وهو عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. [وأمها ثمامة بنت سهيل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب. وأمها عمرة بنت الطفيل فارس قرزل بن مالك الأحزم رئيس هوازن بن جعفر بن كلاب. وأمها كبشة بنت عروة الرّجال بن عتبة بن جعفر بن كلاب. وأمها أم الخشف بنت أبي معاوية فارس الهوازن بن عبادة بن عقيل بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وأمها فاطمة بنت جعفر بن كلاب. وأمها عاتكة بنت عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب. وأمها آمنة بنت وهب بن عمير بن نصر بن قعين بن الحرث بن ثعلبة، ابن دودان بن أسد بن خزيمة. وأمها بنت جحدر بن ضبيعة الأغرّ بن قيس بن ثعلبة بن عكابة، بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن ربيعة بن نزار. وأمها بنت مالك بن قيس بن ثعلبة. وأمها بنت ذي الرأسين وهو خشيش بن أبي عصم بن سمح بن فزارة. وأمها بنت عمرو بن صرمة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن نفيض بن الربت بن غطفان] «٢» . أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال:

стр. 84

حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدّثني عبيد الله بن الحسن، وعبد الله بن العباس، قالا: قتل عبد الله بن علي بن أبي طالب، وهو ابن خمس وعشرين سنة ولا عقب له. حدثني أحمد بن عيسى، قال: حدثني حسين بن نصر، قال: حدثنا أبي عن عمر بن سعد، عن أبي مخنف، عن عبد الله بن عاصم، عن الضحّاك المشرفي، قال: قال العباس بن علي لأخيه من أبيه وأمه عبد الله بن علي: تقدّم بين يديّ حتى أراك «١» وأحتسبك، فإنه لا ولد لك، فتقدّم بين يديه، وشدّ عليه هانئ بن ثبيت الحضرمي فقتله. وجعفر بن علي بن أبي طالب- ﵇ - وأمه أمّ البنين أيضا. قال يحيى بن الحسن، عن علي بن إبراهيم، بالإسناد الذي قدّمته في خبر عبد الله: قتل جعفر بن علي بن أبي طالب، وهو ابن تسع عشرة سنة. قال أبو مخنف في حديث الضحّاك المشرفي: إن العباس بن علي قدّم أخاه جعفرا بين يديه لأنه لم يكن له ولد ليحوز ولد العباس بن علي ميراثه، فشد عليه هانئ ابن ثبيت الذي قتل أخاه فقتله، هكذا قال الضحّاك. وقال نصر بن مزاحم: حدّثني عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر محمد بن علي أن خولي بن يزيد الأصبحي- لعنه الله- قتل جعفر بن علي.

стр. 85

وعثمان بن علي بن أبي طالب- ﵇ - وأمه أم البنين أيضا. قال يحيى بن الحسن، عن علي بن إبراهيم عن عبيد الله بن الحسن، وعبد الله بن العباس، قالا: قتل عثمان بن علي، وهو ابن إحدى وعشرين سنة. وقال الضحاك المشرفي في الإسناد الأوّل الّذي ذكرناه آنفا: إن خولي بن يزيد رمى عثمان بن علي بسهم فأوهطه «١» ، وشد عليه رجل من بني ابان بن دارم فقتله، وأخذ رأسه. وعثمان بن علي الذي روى عن علي أنه قال: إنما سمّيته باسم أخي عثمان بن مظعون. والعباس بن علي بن أبي طالب- ﵇ - ويكنى أبا الفضل. وأمه أم البنين أيضا، وهو أكبر ولدها، وهو آخر من قتل من إخوته لأمه وأبيه، لأنه كان له عقب، ولم يكن لهم، فقدمهم بين يديه، فقتلوا جميعا، فحاز مواريثهم ثم تقدم فقتل، فورثهم وإيّاه عبيد الله، ونازعه في ذلك عمّه عمر بن علي، فصولح على شيء رضى به. قال حرمي بن العلاء عن الزبير عن عمّه: ولد العباس بن علي يسمونه السقا، ويكنونه أبا قربة، وما رأيت أحدا من ولده، ولا سمعت عمّن تقدّم منهم هذا- ﵇. وفي العباس بن علي- ﵇ يقول الشاعر: أحق الناس أن يبكى عليه ... إذا بكّى الحسين بكربلاء أخوه وابن والده علي ... أبو الفضل المضرّج بالدماء ومن واساه لا يثنيه شيء ... وجادله على عطش بماء

стр. 86

وفيه يقول الكميت [بن زيد] : وأبو الفضل إن ذكرهم الحلو ... شفاء النفوس من أسقام قتل الأدعياء إذ قتلوه ... أكرم الشاربين صوب الغمام وكان العباس رجلا وسيما جميلا، يركب الفرس المطهم ورجلاه تخطان في الأرض وكان يقال له: قمر بني هاشم. وكان لواء الحسين بن علي معه يوم قتل. حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن، قال: حدثنا بكر بن عبد الوهاب، قال: حدثني ابن أبي أويس «١» ، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، قال: عبأ الحسين بن علي أصحابه، فأعطى رايته أخاه العباس بن علي. حدثني أحمد بن عيسى، قال: حدثني حسين بن نصر، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر: أن زيد بن رقاد الجنبي، وحكيم بن الطفيل الطائي، قتلا العباس بن علي. وكانت أم البنين أم هؤلاء الأربعة الإخوة القتلى، تخرج إلى البقيع فتندب بنيها أشجى ندبة وأحرقها، فيجتمع الناس إليها يسمعون منها، فكان مروان يجيء فيمن يجيء لذلك، فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي. ذكر ذلك علي بن محمد بن حمزة، عن النوفلي، عن حماد بن عيسى الجهني، عن معاوية بن عمّار، عن جعفر بن محمد. ومحمد الأصغر بن علي بن أبي طالب وأمه أمّ ولد «٢» . حدثني أحمد بن عيسى، قال: حدثنا الحسين بن نصر، عن أبيه، عن

стр. 87

عمرو بن شمر، عن جابر عن أبي جعفر، وحدثني أحمد بن شيبة، عن أحمد بن الحرث، عن المدائني: أن رجلا من تميم من بني أبان بن دارم قتله- رضوان الله عليه-، ولعن الله قاتله. وأبو بكر بن علي بن أبي طالب لم يعرف اسمه وأمه ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلم بن جندل بن نهشل بن دارم «١» بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم، وأم ليلى بنت مسعود عميرة بنت قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر سيد أهل الوبر بن عبيد بن الحارث، وهو مقاعس وأمها عناق بنت عصام بن سنان بن خالد بن منقر وأمها بنت أعبد بن أسعد بن منقر، وأمها بنت سفيان بن خالد بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد، بن زيد مناة ابن تميم. ولسلم يقول الشاعر: تسوّد أقوام وليسوا بسادة ... بل السّيد الميمون سلم بن جندل «٢» ذكر أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، وفي الإسناد الذي تقدم: أن رجلا من همدان قتله. وذكر المدائني أنه وجد في ساقية مقتولا لا يدري من قتله. هؤلاء ولد علي بن أبي طالب لصلبه الذين قتلوا مع الحسين، وهم سواه «٣» . وقد ذكر محمد بن علي بن حمزة: أنه قتل يومئذ إبراهيم بن علي بن أبي

стр. 88

طالب، وأمه أم ولد. وما سمعت بهذا من غيره، ولا رأيت لإبراهيم في شيء من كتب الأنساب ذكرا. وذكر يحيى بن الحسن فيما حدّثني به أحمد بن سعيد أن أبا بكر بن عبيد الله الطلحي حدثه عن أبيه أن عبيد الله بن علي قتل مع الحسين، وهذا خطأ، وإنما قتل عبيد الله يوم المدار «١» ، قتله أصحاب المختار بن أبي عبيدة، وقد رأيته بالمدار «٢» . وأبو بكر ... بن الحسين بن علي بن أبي طالب وأمّه أمّ ولد، ولا تعرف أمّه. ذكر المدائني في إسنادنا عنه، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد أن عبد الله بن عقبة الغنوي قتله. وفي حديث عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر: أن عقبة الغنوي قتله. وإيّاه عنى سليمان بن قتّة بقوله «٣» : وعند غني قطرة من دمائنا ... وفي أسد أخرى تعدّ وتذكر والقاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب وهو أخو أبي بكر بن الحسن المقتول قبله لأبيه وأمه. حدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدّثنا الحسين بن نصر، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا عمر بن سعد، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد،

стр. 89

عن حميد بن مسلم، قال «١» : خرج إلينا غلام كأن وجهه شقة قمر، في يده السيف، وعليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما، ما أنس أنها اليسرى، فقال عمرو بن سعيد بن نفيل الأزدي: والله لأشدن عليه، فقلت له: سبحان الله، وما تريد إلى ذلك، يكفيك قتله هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه من كل جانب، قال: والله لأشدنّ عليه، فما ولّى وجهه حتى ضرب رأس الغلام بالسيف، فوقع الغلام لوجهه، وصاح: يا عمّاه. قال: فو الله لتجلّى الحسين كما يتجلى الصقر، ثم شدّ شدّة الليث إذا غضب، فضرب عمرا بالسيف فاتقاه بساعده فأطنها «٢» من لدن المرفق، ثم تنحى عنه، وحملت خيل عمر بن سعد فاستنقذوه من الحسين، ولما حملت الخيل استقبلته بصدورها، وجالت، فتوطأته، فلم يرم حتى مات- لعنه الله وأخزاه- فلمّا تجلّت الغبرة إذا بالحسين على رأس الغلام وهو يفحص برجليه، وحسين يقول: بعدا لقوم قتلوك، خصمهم فيك يوم القيامة رسول الله (ص) ثم قال: عز على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ثم لا تنفعك إجابته يوم كثر واتره، وقلّ ناصره، ثم احتمله على صدره، وكأني أنظر إلى رجلي الغلام تخطان في الأرض، حتى ألقاه مع ابنه علي بن الحسين، فسألت عن الغلام، فقالوا: هو القاسم بن الحسن، بن علي بن أبي طالب «٣» صلوات الله عليهم أجمعين. (وعبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب) وأمه بنت السليل بن عبد الله أخي جرير بن عبد الله البجلي. وقيل: إن أمه أمّ ولد. وكان أبو جعفر محمد بن علي- فيما رويناه عنه- يذكر أن حرملة بن كاهل الأسدي قتله. وذكر المدائني في إسناده عن جناب بن موسى، عن حمزة بن بيض، عن هانئ بن ثبيت القابضي أن رجلا منهم قتله «٤» .

стр. 90

(وعبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب) وأمه الرباب بنت إمرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم «١» بن جناب بن كلب. وأمها هند الهنود بنت الربيع بن مسعود بن مصاد بن حصن بن كعب بن عليم بن جناب. وأمها ميسون بنت عمرو بن ثعلبة بن حصين بن ضمضم. وأمها بنت أوس بن حارثة. وزعم ابن عبدة أن أمها الرباب بنت حارثة بن أخت أوس بن حارثة بن لام الطائي بن عمرو بن طريف بن عمرو بن ثمامة بن مالك بن جدعان بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن قطرة من طيّئ. وهي التي يقول فيها أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب ﵉: لعمرك إنني لأحب دارا ... تكون بها سكينة والرباب «٢» أحبهما وأبذل جل مالي ... وليس لعاتب عندي عتاب «٣» وسكينة التي ذكرها ابنته من الرباب، واسم سكينة أمينة، وقيل أميمة «٤» ، وإنما غلب عليها سكينة، وليس باسمها. وكان عبد الله بن الحسين يوم قتل صغيرا جاءته نشّابة وهو في حجر أبيه فذبحته. حدّثني أحمد بن شبيب، قال: حدّثنا أحمد بن الحرث عن المدائني، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال:

стр. 91

دعى الحسين بغلام فأقعده في حجره، فرماه عقبة بن بشر فذبحه. حدّثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدّثنا عباد بن يعقوب قال: أخبرنا مورع بن سويد بن قيس، قال: حدّثنا من شهد الحسين، قال: كان معه ابنه الصغير فجاء سهم فوقع في نحره، قال: فجعل الحسين يأخذ الدم من نحره ولبته فيرمي به إلى السماء فما يرجع منه شيء، ويقول: اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل. (وعون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الأكبر) أمه زينب العقيلة بنت علي بن أبي طالب «١» . وأمها فاطمة بنت رسول الله ﵌، وإيّاه عنى سليمان بن قتة بقوله: واندبي إن بكيت عونا أخاه ... ليس فيما ينوبهم بخذول فلعمري لقد أصبت ذوي القر ... بي فبكى على المصاب الطويل والعقيلة هي التي روى ابن عباس عنها كلام فاطمة في فدك، فقال: حدّثتني عقيلتنا زينب بنت علي «٢» . حدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدثنا الحسين بن نصر، عن أبيه، عن عمر بن سعد، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم: أن عبد الله بن قطنة التيهاني «٣» قتل عون بن عبد الله بن جعفر. (ومحمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب) وأمه الخوصا بنت حفصة بن ثقيف بن ربيعة بن عثمان بن ربيعة بن عائذ بن ثعلبة بن الحرث بن تيم اللات بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن

стр. 92

بكر بن وائل «١» . وأمها هند بنت سالم بن عبد الله بن عبد الله بن مخزوم بن سنان بن مولة بن عامر بن مالك بن تيم اللات بن ثعلبة، وأمها ميمونة بنت بشر بن عمرو بن الحرث بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن الحصين بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. [قتله عامر بن نهشل التميميّ فيما روى عن سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم بالإسناد الذي قدّمناه] «٢» . وإيّاه عنى سليمان بن قتة بقوله: وسمى النبي غودر فيهم ... قد علوه بصارم مصقول فإذا ما بكيت عيني فجودي ... بدموع تسيل كل مسيل «٣» (وعبيد الله بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب) وأمه الخوصا بنت حفصة. ذكر يحيى بن الحسن العلوي فيما حدّثني به أحمد بن سعيد عنه: أنه قتل مع الحسين بالطفّ رضوان الله وصلواته على الحسين وآله. (وعبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب) وأمه أم ولد «٤» . قتله عثمان بن خالد بن أسيد «٥» الجهني وبشير بن حوط القابضي، فيما ذكر سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم.

стр. 93

(وجعفر بن عقيل بن أبي طالب) وأمه أم الثغر بنت عامر بنت الهصان العامري «١» من بني كلاب. قتله عروة بن عبد الله الخثعمي، فيما رويناه عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين وعن حميد بن مسلم. ويقال أمه الخوصا بنت الثغرية، واسمه عمرو بن عامر بن الهصان، بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب العامري. وأمها أردّة بنت حنظلة بن خالد بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب. وأمها أمّ البنين بنت معاوية بن خالد بن ربيعة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن أبي صعصعة، وأمها حميدة بنت عتبة بن سمرة بن عقبة بن عامر. يقال إن أم أردة بنت حنظلة سالمة بنت مالك بن خطاب الأسدي. (وعبد الله الأكبر بن عقيل بن أبي طالب) وأمه أم ولد. قتله- فيما ذكره المدائني- عثمان بن خالد بن أسير الجهني «٢» ، ورجل من همدان «٣» . (ومحمد بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب) وأمه أم ولد. قتله فيما رويناه عن أبي جعفر محمد بن علي أبو مرهم الأزدي ولقيط بن إياس الجهني.

стр. 94

(وعبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب) وأمه رقية بنت علي بن أبي طالب، وأمها أم ولد. قتله عمرو بن صبيح، فيما ذكرناه عن علي بن محمد المدائني، وعن حميد بن مسلم، وذكر أن السهم أصابه وهو واضع يده على جبينه فأثبته في راحته وجبهته «١» . (ومحمد بن أبي سعيد الأحول بن عقيل بن أبي طالب) وأمه أم ولد، قتله لقيط بن ياسر الجهني، رماه بسهم «٢» فيما رويناه عن المدائني، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم. وذكر محمد بن علي بن حمزة: أنه قتل معه جعفر بن محمد بن عقيل، ووصف أنه سمع أيضا من يذكر أنه قتل يوم الحرّة، قال أبو الفرج: وما رأيت في كتب الأنساب لمحمد بن عقيل ابنا يسمى جعفرا. وذكر أيضا محمد بن علي بن حمزة، عن عقيل بن عبد الله بن عقيل بن محمد بن عبد الله ابن محمد بن عقيل بن أبي طالب: أن علي بن عقيل، وأمه أم ولد قتل يومئذ. فجميع من قتل يوم الطفّ من ولد أبي طالب سوى من يختلف في أمره اثنان وعشرون رجلا. (ثم نرجع إلى ذكر خبر الحسين بن علي ومقتله) صلوات الله عليه حدّثني أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجلي، قال: حدثنا حسين بن نصر بن مزاحم، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عمر بن سعد، عن أبي مخنف

стр. 95

لوط بن يحيى الأزدي، وحدّثني أيضا أحمد بن محمد بن شبيب المعروف بأبي بكر بن شيبة، قال: حدثنا أحمد بن الحرث الخزاز، قال: حدثنا علي بن محمد المدائني، عن أبي مخنف، عن عوانة، وابن جعدية، وغيرهم وحدثني أحمد بن الجعد قال: حدثنا علي بن موسى الطوسي، قال: حدثنا أحمد بن جناب، قال: حدثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبد الله القشيري، قال: حدثنا عمّار الذهني «١» ، عن أبي جعفر محمد بن علي كل واحد ممن ذكرت يأتي بالشيء يوافق فيه صاحبه، أو يخالفه، ويزيد عليه شيئا أو ينقص منه، وقد ثبت ذلك برواياتهم منسوبا إليهم. قال المدائني عن هرون بن عيسى، عن يونس بن أبي إسحاق، قال: لما بلغ أهل الكوفة نزول الحسين مكة، وأنه لم يبايع ليزيد وفد إليه وفد منهم عليهم أبو عبد الله الجدلي، وكتب إليه شبث بن ربعي، وسليمان بن صرد، والمسيّب بن نجية، ووجوه أهل الكوفة يدعونه إلى بيعته، وخلع يزيد «٢» ، فقال لهم: أبعث معكم أخي وابن عمي فإذا أخذ لي بيعتي، وأتاني عنهم بمثل ما كتبوا به إليّ قدمت عليهم. ودعى مسلم بن عقيل فقال «٣» : اشخص إلى الكوفة، فإن رأيت منهم اجتماعا على ما كتبوا، ورأيته أمرا ترى الخروج معه، فاكتب إليّ برأيك. فقدم مسلم الكوفة، وأتته الشيعة، فأخذ بيعتهم للحسين. قال عمر بن سعد: عن أبي مخنف، فحدّثني المصقعب بن زهير، عن أبي عثمان: أن ابن زياد أقبل من البصرة «٤» ومعه مسلم بن عمر الباهلي والمنذر بن عمرو بن الجارود، وشريك بن الأعور، وحشمه وأهله، حتى دخلوا الكوفة، وعليه عمامة سوداء، وهو متلثم، والناس ينتظرون قدوم الحسين عليهم، فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلّا سلموا عليه، وقالوا: مرحبا بك يا ابن رسول الله (ص) قدمت خير مقدم، ورأى من الناس من تباشرهم بالحسين ما

стр. 96

ساءه، فأقبل حتى دخل القصر «١» . وقال عمرو عن أبي مخنف، عن المعلّى بن كليب، عن أبي الوداك، قال: لما نزل ابن زياد القصر نودي في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمع إليه الناس، فخرج إلينا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال «٢» : أما بعد: فإن أمير المؤمنين- أصلحه الله- ولانّي مصركم وثغركم وفيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدّة على مريبكم، فأنا لمطيعكم كالوالد البر الشفيق، وسيفي وسوطي على من ترك أمري، وخالف عهدي، فليبق امرؤ على نفسه، الصدق ينبئ عنك لا الوعيد. ثم نزل. وسمع مسلم بن عقيل بمجيء عبيد الله بن زياد ومقالته «٣» فأقبل حتى أتى دار هانئ بن عروة المرادي، فدخل في بابه، فأرسل إليه أن اخرج إليّ فقال: إني أتيتك لتجيرني وتضيفني، قال له: رحمك الله لقد كلفتني شططا، لولا دخولك داري وثقتك بي لأحببت لشأنك أن تنصرف عني، غير أني أخذني من ذلك ذمام. ادخل، فدخل داره، فأقبلت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ بن عروة. وجاء شريك بن الأعور حتى نزل على هانئ في داره، وكان شيعيا، ودعا ابن زياد مولى له يقال له معقل، فقال له: خذ هذه الثلاثة الآلاف الدرهم ثم التمس لنا مسلم بن عقيل، واطلب شيعته، وأعطهم الثلاثة الآلاف الدرهم، وقل لهم: استعينوا بهذه على حرب عدوّكم، وأعلمهم بأنك منهم ففعل ذلك، وجاء حتى لقي مسلم بن عوسجة الأسدي في المسجد الأعظم، وسمع الناس يقولون: هذا يبايع للحسين بن علي وكان يصلي، فلما قضى صلاته جلس

стр. 97

إليه فقال له: يا عبد الله إني امرؤ من أهل الشام مولى لذي الكلاع، أنعم الله عليّ بحب أهل البيت وحب من أحبهم، وهذه ثلاثة آلاف درهم معي أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله (ص) وكنت أحب لقاءه لأعرف مكانه، فسمعت نفرا من المسلمين يقولون: هذا رجل له علم بأمر أهل هذا البيت، وإني أتيتك لتقبض مني هذا المال، وتدلّني على صاحبي فأبايعه «١» فقال له: أحمد الله على لقائك فقد سرني حبك إيّاهم وبنصرة الله إيّاك حق أهل بيت نبيه (ص) ، ولقد ساءني معرفة الناس إيّاي بهذا الأمر قبل أن يتمّ مخافة سطوة هذا الطاغية الجبار أن يأخذ البيعة قبل أن يبرح، وأخذ عليه المواثيق الغليظة ليناصحن وليكتمن، فأعطاه من ذلك ما رضى به، ثم قال له: اختلف إليّ أياما في منزلي، فأنا أطلب لك الإذن على صاحبك وأخذ يختلف مع الناس يطلب ذلك إليه. ومرض شريك بن الأعور «٢» ، وكان كريما على ابن زياد، وكان شديد التشيّع فأرسل إليه عبيد الله إني رائح إليك العشيّة فعائدك. فقال شريك لمسلم: إن هذا الفاجر عائدي العشية، فإذا جلس فاقتله، ثم اقعد في القصر، وليس أحد يحول بينك وبينه، فإن أنا برأت من وجعي من أيامي هذه سرت إلى البصرة وكفيتك أمرها فلما كان العشي أقبل ابن زياد لعيادة شريك بن الأعور، فقال لمسلم: لا يفوتنّك الرّجل إذا جلس، فقام إليه هانئ فقال: إني لا أحب أن يقتل في داري كأنه استقبح ذلك، فجاءه عبيد الله بن زياد فدخل وجلس وسأل شريكا: ما الذي تجد ومتى اشتكيت؟ فلما طال سؤاله إيّاه، ورأى أن أحدا لا يخرج، خشي أن يفوته. فأقبل يقول: ما الانتظار بسلمى أن تحيّوها ... حيوا سليمى وحيّوا من يحييها كأس المنية بالتعجيل فاسقوها لله أبوك! اسقنيها وإن كانت فيها نفسي. قال ذلك مرتين أو ثلاثة فقال

стр. 98

عبيد الله- وهو لا يفطن-: ما شأنه، أترونه يهجر؟ فقال له هانئ: نعم- أصلحك الله- ما زال هكذا قبل غيابة الشمس إلى ساعتك هذه. ثم قام وانصرف. فخرج مسلم فقال له شريك: ما منعك من قتله؟ فقال: خصلتان، أما إحداهما فكراهية هانئ أن يقتل في داره، [وأما] الأخرى فحديث حدّثنيه الناس عن النبي (ص) : «إن الإيمان قيّد الفتك فلا يفتك مؤمن» فقال له شريك: أما والله لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا، كافرا غادرا. قال: فأقبل ذلك الرجل الذي وجّهه عبيد الله بالمال يختلف إليهم، فهو أول داخل وآخر خارج يسمع أخبارهم، ويعلم أسرارهم، وينطلق بها حتى يقرها في أذن ابن زياد. قال: فقال المدائني، عن أبي مخنف، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن عثمان بن أبي زرعة قال: فقال ابن زياد يوما: ما يمنع هانئا منّا؟ فلقيه ابن الأشعث، وأسماء بن خارجة فقالا له: ما يمنعك من إتيان الأمير وقد ذكرك؟ قال: فأتاه فقال ابن زياد- لعنه الله- شعرا: أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد «١» يا هانئ، أسلمت «٢» على ابن عقيل؟ قال: ما فعلت، فدعا معقلا فقال: أتعرف هذا؟ قال: نعم وأصدقك ما علمت به حتى رأيته في داري، وأنا أطلب إليه أن يتحوّل. قال: لا تفارقني حتى تأتيني به، فأغلظ له، فضرب وجهه بالقضيب وحبسه «٣» . وقال عمر بن سعد: عن أبي مخنف، قال: حدّثني الحجاج بن علي الهمداني قال «٤» : لما ضرب عبيد الله هانئا وحبسه، خشي أن يثب الناس به، فخرج فصعد

стр. 99

المنبر ومعه أناس من أشراف الناس وشرطه وحشمه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس: اعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم، ولا تفرّقوا فتختلفوا وتهلكوا وتذلّوا، وتخافوا وتخرجوا، فإن أخاك من صدقك، وقد أعذر من أنذر. فذهب لينزل، فما نزل حتى دخلت النظارة المسجد من قبل التمارين يشتدون، ويقولون: قد جاء ابن عقيل، فدخل عبيد الله القصر وأغلق بابه. وقال أبو مخنف: فحدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن حازم البكري قال: أنا والله رسول ابن عقيل إلى القصر في أثر هانئ لأنظر ما صار إليه أمره، فدخلت فأخبرته الخبر، فأمرني أن أنادي في أصحابي، وقد ملأ الدور منهم حواليه، فقال: ناديا منصور أمت فخرجت فناديت، وتبادر أهل الكوفة فاجتمعوا إليه، فعقد لعبد الرحمن بن عزيز الكندي على ربيعة، وقال له: سر أمامي وقدّمه في الخيل «١» . وعقد لمسلم بن عوسجة على مذحج وأسد، وقال له: انزل فأنت على الرجالة. وعقد لأبي ثمامة الصائدي على تميم وحمدان. وعقد للعباس بن جعدة الجدلي على أهل المدينة، ثم أقبل نحو القصر. فلما بلغ عبيد الله إقباله تحرز في القصر، وغلّق الأبواب، وأقبل مسلم حتى أحاط بالقصر، فو الله ما لبثنا إلّا قليلا حتى امتلأ المسجد من الناس، والسوق، ما زالوا يتوثبون حتى المساء، فضاق بعبيد الله أمره، ودعا بعبيد الله ابن كثير بن شهاب الحارثي، وأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج، فيخذل الناس عن ابن عقيل، ويخوفهم الحرب، وعقوبة السلطان، فأقبل أهل الكوفة يفترون على ابن زياد وأبيه. قال أبو مخنف: فحدّثني سليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن حازم

стр. 100

البكري، قال: أشرف علينا الأشراف، وكان أوّل من تكلّم كثير بن شهاب. فقال «١» : أيها الناس، ألحقوا بأهاليكم، ولا تعجلوا، انتشروا ولا تعرّضوا أنفسكم للقتل، فهذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، وقد أعطى الله الأمير عهدا لئن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم هذه أن يحرم ذريتكم العطاء، ويفرق مقاتليكم في مغازي الشام على غير طمع، ويأخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، حتى لا يبقى فيكم بقية من أهل المعصية إلّا أذاقها وبال ما جنت «٢» . وتكلم الأشراف بنحو من كلام كثير، فلما سمع الناس مقالتهم تفرقوا. قال أبو مخنف: حدّثني المجالد بن سعيد «٣» : أن المرأة كانت تأتي ابنها وأخاها فتقول: انصرف، الناس يكفونك، ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه فيقول: غدا يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب والشر؟ انصرف، فما زالوا يتفرقون وينصرفون حتى أمسى ابن عقيل وما معه إلّا ثلاثون نفسا، حتى صليت المغرب فخرج متوجها نحو أبواب كندة، فما بلغ الأبواب إلّا ومعه منها عشر، ثم خرج من الباب فإذا ليس معه منهم إنسان فمضى متلددا في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب «٤» ، حتى خرج إلى دور بني بجيلة من كندة، فمضى حتى أتى باب امرأة يقال لها طوعة أم ولد كانت للأشعث وأعتقها، فتزوج بها أسيد الحضرمي، فولدت له بلالا، وكان بلال قد خرج مع الناس، وأمه قائمة تنتظر فسلم عليها ابن عقيل، فردت السلام، فقال لها: اسقيني ماء. فدخلت فأخرجت إليه، فشرب، ثم أدخلت الإناء، وخرجت وهو جالس في مكانه، فقالت: ألم تشرب؟ قال: بلى. قالت: فاذهب إلى أهلك فسكت، فأعادت عليه ثلاثا ثم قالت: سبحان الله يا عبد الله، قم إلى أهلك- عافاك الله- فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا أحلّه لك، ثم قام، فقال: يا أمة الله، والله ما لي في هذا المصر من أهل، فهل لك في معروف وأجر لعلي أكافئك به بعد

стр. 101

اليوم. قالت: يا عبد الله وما ذاك؟ قال: أنا مسلم بن عقيل، كذّبني هؤلاء القوم، وغروني وخذلوني، قالت: أنت مسلم؟ قال: نعم. قالت: ادخل، فأدخلته بيتا في دارها، وفرشت له، وعرضت عليه العشاء، وجاء ابنها فرآها تكثر الدخول في البيت، فسألها، فقالت: يا بني أله عن هذا، قال: والله لتخبرنني، وألحّ عليها، فقالت: يا بني، لا تخبريه أحدا من الناس، وأخذت عليه الأيمان، فحلف لها، فأخبرته، فاضطجع وسكت. فلما طال على ابن زياد، ولم يسمع أصوات أصحاب ابن عقيل قال لأصحابه: أشرفوا فانظروا فأخذوا ينظرون، وأدلوا القناديل وأطنان القصب تشد بالحبال وتدلي وتلهب فيها النار، حتى فعل ذلك بالأظلة التي في المسجد كلّها، فلما لم يروا شيئا أعلموا ابن زياد ففتح باب السّدة، وخرج ونادى في الناس: برئت الذمة من رجل صلّى العتمة إلّا في المسجد، فاجتمع الناس في ساعة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال «١» : أما بعد: فإن ابن عقيل السقيه الجاهل قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق، فبرئت ذمة الله من رجل وجد في داره، ومن جاء به فله ديته، اتقوا الله عباد الله، والزموا طاعتكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا. يا حصين بن تميم «٢» ثكلتك أمّك إن ضاع شيء من سكك الكوفة أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به، وقد سلطتك على دور أهل الكوفة، فابعث مراصدة على أفواه السكك، وأصبح غدا فاستبرء الدور حتى تأتي بهذا الرجل «٣» ، ثم نزل. فلمّا أصبح أذن للناس، فدخلوا عليه، وأقبل محمد بن الأشعث فقال: مرحبا بمن لا يتهم ولا يستغش، وأقعده إلى جنبه. وأصبح بلال ابن العجوز التي آوت ابن عقيل فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان ابن عقيل عند أمه فأقبل عبد الرحمن حتى أتى إلى

стр. 102

أبيه وهو جالس، فساره، فقال له ابن زياد: ما قال لك؟ قال: أخبرني أن ابن عقيل في دار من دورنا، فنخسه ابن زياد بالقضيب في جنبه ثم قال: قم فأتني به الساعة. قال أبو مخنف: فحدّثني قدامة بن سعد بن زائدة الثقفي «١» . أن ابن زياد بعث مع ابن الأشعث ستين أو سبعين رجلا كلهم من قيس، عليهم [عمرو بن] «٢» عبيد الله بن العباس السلمي حتى أتوا الدار التي فيها ابن عقيل، فلما سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال، عرف أنه قد أتى فخرج إليهم بسيفه، فاقتحموا عليه الدار، فشد عليهم كذلك «٣» ، فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق السطوح وظهروا فوقه، فأخذوا يرمونه بالحجارة، ويلهبون النيران في أطنان القصب ثم يقذفونها عليه من فوق السطوح فلما رأى [ذلك] قال: أكلما أرى من الإجلاب لقتل ابن عقيل؟ يا نفس اخرجي إلى الموت الذي ليس منه محيص، فخرج- رضوان الله عليه- مصلتا سيفه إلى السكة، فقاتلهم، فأقبل عليه محمد بن الأشعث فقال: يا فتى، لك الأمان، لا تقتل نفسك. فأقبل يقاتلهم وهو يقول «٤» : أقسمت لا أقتل إلّا حرّا ... وإن رأيت الموت شيئا نكرا أخاف أن أكذب أو أغرّا ... أو يخلط البارد سخنا مرّا ردّ شعاع الشمس فاستقرا «٥» ... كل امرئ يوما ملاق شرّا قال له محمد بن الأشعث: إنك لا تكذب ولا تغر، إن القوم ليسوا بقاتليك ولا ضاربيك، وقد أثخن بالجراح وعجز عن القتال فانبهر وأسند

стр. 103

ظهره إلى دار بجنب تلك الدار، فدنا منه محمد بن الأشعث فقال له: لك الأمان، فقال له مسلم: آمن أنا؟ قال: نعم أنت آمن، فقال القوم جميعا: نعم غير عبيد الله بن العباس السلمي لأنه قال: «لا ناقة لي في هذا ولا جمل» ، وتنحّى، فقال ابن عقيل: إني والله لولا أمانكم ما وضعت يدي في أيديكم. وأتى ببغلة فحمل عليها فاجتمعوا عليه، فنزعوا سيفه من عنقه، فكأنه أيس من نفسه فدمعت عينه وعلم أن القوم قاتلوه، وقال: هذا أول الغدر. فقال له محمد بن الأشعث: أرجوا ألّا يكون عليك بأس. فقال: ما هو إلّا الرجاء، فأين أمانكم إنّا لله وإنّا إليه راجعون وبكى. فقال له عبيد الله ابن العباس السلمي: إن مثلك ومن يطلب مثل الذي طلبت إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك. قال: إني والله ما أبكي لنفسي، ولا لها من القتل أرثي، وإن كنت لم أحبّ لها طرفة عين تلفا، ولكني أبكي لأهلي المقبلين إليّ، أبكي للحسين وآل الحسين، ثم أقبل على ابن الأشعث فقال: إني والله أظنك ستعجز عن أماني، وسأله أن يبعث رسولا إلى الحسين بن علي يعلمه الخبر، ويسأله الرجوع فقال له ابن الأشعث: والله لأفعلنّ «١» . قال أبو مخنف: فحدّثني قدامة بن سعد «٢» : أن مسلم بن عقيل حين انتهى به إلى القصر رأى قلة مبرّدة موضوعة على الباب، فقال: اسقوني من هذا الماء. فقال له مسلم بن عمر، وأبو قتيبة بن مسلم الباهلي: أتراها ما أبردها؟ فو الله لا تذوق منها قطرة واحدة حتى تذوق الحميم في نار جهنّم. فقال له مسلم بن عقيل «٣» : ويلك، ولأمك الثكل، ما أجفاك،

стр. 104

وأفظك، وأقسى قلبك، أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم، والخلود في نار جهنم، ثم جلس وتساند إلى الحائط. قال أبو مخنف: فحدّثني أبو قدامة بن سعد أن عمرو بن حريث بعث غلاما له يدعى سليما فأتاه بماء في قلة فسقاه. قال وحدثني مدرك بن عمارة: أن عمارة بن عقبة بعث غلاما يدعى نسيما فأتاه بماء في قلة عليها منديل وقدح معه، فصب فيه الماء ثم سقاه، فأخذ كلّما شرب امتلأ القدح دما، فأخذ لا يشرب من كثرة الدم، فلما ملأ القدح ثانية ذهب يشرب، فسقطت ثنيتاه في القدح، فقال: الحمد لله، لو كان لي من الرزق المقسوم لشربته. قال: ثم أدخل على عبيد الله بن زياد «١» - لعنه الله- فلم يسلم عليه، فقال له الحرس: ألا تسلم على الأمير؟ فقال: إن كان الأمير يريد قتلي فما سلامي عليه؟ وإن كان لا يريد قتلي فليكثرن سلامي عليه. فقال له عبيد الله- لعنه الله-: لتقتلن. قال: أكذلك؟ قال: نعم. قال: دعني إذا أوصي إلى بعض القوم. قال: أوص إلى من أحببت. فنظر ابن عقيل إلى القوم وهم جلساء ابن زياد، وفيهم عمر بن سعد فقال: يا عمر، إن بيني وبينك قرابة دون هؤلاء، ولي إليك حاجة، وقد يجب عليك لقرابتي نجح حاجتي، وهي سرّ، فأبى أن يمكنه من ذكرها، فقال له عبيد الله بن زياد: لا تمتنع من أن تنظر في حاجة ابن عمك، فقام معه وجلس حيث ينظر إليهما ابن زياد- لعنه الله-، فقال له ابن عقيل: إن عليّ بالكوفة دينا استدنته مذ قدمتها تقضيه عنّي حتى يأتيك من غلّتي بالمدينة، وجثتي فاطلبها من ابن زياد فوارها، وابعث إلى الحسين من يرده. فقال عمر لابن زياد: أتدري ما قال؟ قال: اكتم ما قال لك، قال: أتدري ما قال لي؟ قال: هات، فإنه لا يخون الأمين، ولا يؤتمن الخائن. قال: كذا وكذا، قال: أما مالك فهو لك، ولسنا نمنعك منه فاصنع فيه ما أحببت وأما حسين فإنه إن لم يردنا لم نرده، وإن أرادنا لم نكفّ عنه، وأما جثته فإنا لا نشفعك فيها، فإنه ليس لذلك منا بأهل، وقد خالفنا وحرص على هلاكنا.

стр. 105

ثم قال ابن زياد لمسلم: قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد من الناس في الإسلام «١» . قال: أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما ليس فيه، أما إنك لم تدع سوء القتلة، وقبح المثلة وخبث السيرة، ولؤم الغيلة لمن هو أحق به منك «٢» . ثم قال ابن زياد: اصعدوا به فوق القصر فأضربوا عنقه. ثم قال: ادعوا الذي ضربه ابن عقيل على رأسه وعاتقه بالسيف فجاءه فقال: اصعد وكن أنت الذي تضرب عنقه، وهو بكير بن حمران الأحمري- لعنه الله-، فصعدوا به وهو يستغفر الله ويصلي على النبي (ص) ، وعلى أنبيائه ورسله وملائكته- وهو يقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرّونا، وكادونا وخذلونا. ثم أشرفوا به على موضع الحذّائين فضرب عنقه، ثم أتبع رأسه جسده- صلّى الله عليه ورحمه- «٣» . وقال المدائني: عن أبي مخنف عن يوسف بن يزيد، قال: فقال عبد الله ابن الزّبير الأسدي «٤» : إذا كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانئ في السوق وابن عقيل إلى بطل قد هشّم السيف وجهه ... وآخر يهوي من طمار قتيل «٥» ترى جسدا قد غيّر الموت لونه ... ونضح دم قد سال كلّ مسيل «٦» أصابهما أمر الأمير فأصبحا ... أحاديث من يسعى بكل سبيل

стр. 106

أيركب أسماء الهماليج آمنا ... وقد طلبته مذحج بذحول «١» تطيف حواليه مراد وكلهم ... على رقبة من سائل ومسول فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم ... فكونوا بغايا أرضيت بقليل قالوا: وكان مسلم قد كتب إلى الحسين بأخذ البيعة له، واجتماع الناس عليه، وانتظارهم إيّاه، فأزمع الشخوص إلى الكوفة، ولقيه عبد الله بن الزبير في تلك الأيام ولم يكن شيء أثقل عليه من مكان الحسين بالحجاز، ولا أحب إليه من خروجه إلى العراق طمعا في الوثوب بالحجاز، وعلما بأن ذلك لا يتم له إلّا بعد خروج الحسين، فقال له: على أيّ شيء عزمت يا أبا عبد الله؟ فأخبره برأيه في إتيان الكوفة، وأعلمه بما كتب به مسلم بن عقيل إليه، فقال له ابن الزبير: فما يحبسك، فو الله لو كان لي مثل شيعتك بالعراق ما تلوّمت في شيء، وقوى عزمه، ثم انصرف. وجاءه به عبد الله بن عباس وقد أجمع رأيه على الخروج، وحققه، فجعل يناشده في المقام، ويعظم عليه القول في ذم أهل الكوفة، وقال له: إنك تأتي قوما قتلوا أباك، وطعنوا أخاك، وما أراهم إلّا خاذليك، فقال له: هذه كتبهم معي، وهذا كتاب مسلم باجتماعهم، فقال له ابن عباس: أما إذا كنت لا بد فاعلا فلا تخرج أحدا من ولدك، ولا حرمك ولا نسائك فخليق أن تقتل وهم ينظرون إليك كما قتل ابن عفان، فأبى ذلك ولم يقبله. قال: فذكر من حضره يوم قتل وهو يلتفت إلى حرمه وإخوته وهن يخرجن من أخبيتهن جزعا لقتل من يقتل معه وما يرينه به، ويقول: لله در ابن عباس فيما أشار علي به. قال: فلما أبى الحسين قبول رأي ابن عباس قال له: والله لو أعلم أني إذا تشبثت بك وقبضت على مجامع ثوبك، وأدخلت يدي في شعرك حتى يجتمع الناس عليّ وعليك، كان ذلك نافعي لفعلته، ولكن اعلم أن الله بالغ أمره،

стр. 107

ثم ارسل عينيه فبكى، وودّع الحسين، وانصرف. ومضى الحسين لوجهه، ولقى ابن عباس بعد خروجه عبد الله بن الزبير فقال له: يا لك من قبّرة بمعمر ... خلا لك الجوّ فبيضي واصفري ونقّري ما شئت أن تنقّري ... هذا الحسين خارجا فاستبشري «١» فقال: قد خرج الحسين وخلت لك الحجاز. قال أبو مخنف في حديثه خاصة عن رجاله: إن عبيد الله بن زياد وجه الحر بن يزيد ليأخذ الطريق على الحسين، فلما صار في بعض الطريق لقيه أعرابيان من بني أسد، فسألهما عن الخبر، فقالا له: يا ابن رسول الله، إن قلوب الناس معك، وسيوفهم عليك، فارجع، وأخبراه بقتل ابن عقيل وأصحابه، فاسترجع الحسين، فقال له بنو عقيل: لا نرجع والله أبدا أو ندرك ثأرنا أو نقتل بأجمعنا، فقال لمن كان لحق به من الأعراب: من كان منكم يريد الإنصراف عنّا فهو في حلّ من بيعتنا. فانصرفوا عنه، وبقي في أهل بيته، ونفر من أصحابه «٢» . ومضى حتى دنا من الحرّ بن يزيد، فلما عاين أصحابه العسكر من بعيد كبّروا، فقال لهم الحسين: ما هذا التكبير؟ قالوا: رأينا النخل، فقال بعض أصحابه: ما بهذا الموضع والله نخل، ولا أحسبكم ترون إلّا هوادي الخيل وأطراف الرماح، فقال الحسين: وأنا والله أرى ذلك فمضوا لوجوههم، ولحقهم الحرّ بن يزيد في أصحابه، فقال للحسين: إني أمرت أن أنزلك في أيّ موضع لقيتك وأجعجع بك، ولا أتركك أن تزول من مكانك «٣» . قال: إذا أقاتلك، فاحذر أن تشقى بقتلي ثكلتك أمك. فقال: [أما والله لو غيرك من العرب يقولها وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل أن أقوله كائنا من كان، ولكن والله ما لي إلى ذكر أمك من سبيل إلّا

стр. 108

بأحسن ما يقدر عليه] «١» . وأقبل يسير والحر يسايره ويمنعه من الرجوع من حيث جاء، ويمنع الحسين من دخول الكوفة، حتى نزل بأقساس مالك، وكتب الحر إلى عبيد الله يعلمه ذلك. قال أبو مخنف: فحدّثني عبد الرحمن بن جندب، عن عتبة بن سمعان الكلبي، قال: لما ارتحلنا من قصر ابن مقاتل، وسرنا ساعة خفق رأس الحسين خفقة ثم انتبه فأقبل يقول: إنا لله، وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين مرتين. فأقبل إليه علي بن الحسين وهو على فرس فقال له: يا أبي جعلت فداك، مم استرجعت؟ وعلام حمدت الله؟ قال الحسين: يا بني، إنه عرض لي فارس على فرس فقال: القوم يسيرون، والمنايا تسري إليهم، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا، فقال: يا أبتاه لا أراك الله سوءا أبدا، ألسنا على الحق؟ قال: بلى والذي يرجع إليه العباد. فقال: يا أبت، فإذا لا نبالي، قال: جزاك الله خير ما جزى ولد عن والده «٢» . قال: وكان عبيد الله بن زياد- لعنه الله- قد ولّى عمر بن سعد الرّي، فلما بلغه الخبر وجّه إليه أن سر إلى الحسين أولا فاقتله، فإذا قتلته رجعت ومضيت إلى الرّي، فقال له: أعفني أيّها الأمير. قال: قد أعفيتك من ذلك، ومن الريّ، قال: اتركني أنظر في أمري فتركه، فلما كان من الغد غدا عليه فوجه معه بالجيوش لقتال الحسين، فلما قاربه وتواقفوا قام الحسين في أصحابه خطيبا فقال «٣» : اللهم إنك تعلم أني لا أعلم أصحابا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت

стр. 109

خيرا من أهل بيتي، فجزاكم الله خيرا فقد آزرتم وعاونتم «١» ، والقوم لا يريدون غيري، ولو قتلوني لم يبتغوا غيري أحدا، فإذا جنّكم الليل فتفرقوا في سواده، وانجوا بأنفسكم. فقام إليه العباس بن علي أخوه، وعلي ابنه، وبنو عقيل، فقالوا له: معاذ الله والشهر الحرام، فماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم، إنا تركنا سيدنا، وابن سيدنا وعمادنا، وتركناه غرضا للنبل، ودريئة للرماح، وجزرا للسباع، وفررنا عنه رغبة في الحياة، معاذ الله، بل نحيا بحياتك، ونموت معك، فبكى وبكوا عليه، وجزاهم خيرا، ثم نزل- صلوات الله عليه-. فحدّثني عبد الله بن زيدان البجلي، قال: حدّثنا محمد بن زيد التميمي، قال: حدّثنا نصر بن مزاحم، عن أبي مخنف عن الحرث بن كعب، عن علي بن الحسين قال «٢» : إني والله لجالس مع أبي في تلك الليلة، وأنا عليل، وهو يعالج سهاما له، وبين يديه جون مولى أبي ذر الغفاري، إذ ارتجز الحسين: يا دهر أف لك من خليل ... كم لك في الإشراق والأصيل من صاحب وماجد قتيل ... والدهر لا يقنع بالبديل والأمر في ذاك إلى الجليل ... وكل حي سالك السبيل قال: وأما أنا فسمعته ورددت عبرتي. وأما عمتي فسمعته دون النساء فلزمتها الرقة والجزع «٣» ، فشقت ثوبها، ولطمت وجهها، وخرجت حاسرة تنادي: واثكلاه! وا حزناه! ليت الموت أعدمني الحياة، يا حسيناه يا سيداه، يا بقية أهل بيتاه، استقلت ويئست من الحياة اليوم مات جدي رسول الله (ص) ، وأمي فاطمة الزهراء، وأبي علي،

стр. 110

وأخي الحسن، يا بقية الماضين، وثمال الباقين. فقال لها الحسين: يا أختي «لو ترك القطا لنام» . قالت: فإنما تغتصب نفسك اغتصابا، فذاك أطول لحزني وأشجى لقلبي وخرت مغشيا عليها فلم يزل يناشدها واحتملها حتى أدخلها الخباء «١» . (رجع الحديث إلى مقتله صلوات الله عليه) قال: فوجه إلى عمر بن سعد- لعنه الله- فقال: ماذا تريدون مني؟ إني مخيّركم ثلاثا: بين أن تتركوني ألحق بيزيد، أو أرجع من حيث جئت، أو أمضي إلى بعض ثغور المسلمين فأقيم فيها. ففرح ابن سعد بذلك، وظن أن ابن زياد- لعنه الله- يقبله منه، فوجه إليه رسولا يعلمه ذلك، ويقول: لو سألك هذا بعض الديلم ولم تقبله ظلمته. فوجه إليه ابن زياد: طمعت يا ابن سعد في الراحة، وركنت إلى دعة، ناجز الرجل وقاتله، ولا ترض منه إلّا أن ينزل على حكمي. فقال الحسين: معاذ الله أن أنزل على حكم ابن مرجانة أبدا «٢» ، فوجه ابن زياد شمر بن ذي الجوشن الضّبابي- أخزاه الله- إلى ابن سعد- لعنه الله- يستحثه لمناجزة الحسين، فلما كان في يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة إحدى وستين، ناجزه ابن سعد- لعنه الله- فجعل أصحاب الحسين يتقدمون رجلا رجلا يقاتلون حتى قتلوا. وقال المدائني، عن العباس بن محمد بن رزين، عن علي بن طلحة، وعن أبي مخنف، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن حميد بن مسلم، وقال عمر بن سعد البصري: عن أبي مخنف، عن زهير بن عبد الله الخثعمي،
следующие страницы →