فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةُ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لا أَنْزَعُهَا مِنْهُ أَبَدًا.
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، وَمَا عَلِمْتِ أَوْ مَا رَأَيْتِ أَوْ مَا سَمِعْتِ أَوْ مَا بَلَغَكِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلا خَيْرًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أُخُّتَها حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا، فهلكت فيمن هلكت. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا من أمر هؤلاء الرهط.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [١] .
وغاب رسول الله ﷺ في هذه الغزاة/ ثمانية عشر يوما، وقدم لهلال رمضان
. [زواجه ﷺ زينب بنت جحش] [٢]
وفي هذه السنة: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زينب بنت جحش بن رئاب، أمها أميمة بنت عبد المطلب، وكانت فيمن هاجر مع رسول الله ﷺ ، وكانت امرأة جميلة، فخطبها رسول الله ﷺ لزيد، فقالت: لا أرضاه لنفسي، قال: «فإني قد رضيته لك» ، فتزوجها زيد بن حارثة، ثم تزوجها رسول الله ﷺ لهلال ذي القعدة سنة خمس من الهجرة، وهي يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة.
أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بن عبد الباقي، قَالَ: أنبأنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرو بْن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ الأَسْلَمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَيَّانَ، قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ يَطْلُبُهُ، وَكَانَ زَيْدٌ إِنَّمَا يُقَالُ له زيد بن
بني النضير ساروا إلى خيبر، فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة، فالتقوا [١] قريشا ودعوهم إلى الخروج، واجتمعوا معهم على قتاله، وواعدوهم لذلك موعدا، ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسليم ففارقوهم على مثل ذلك، وتجهزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب، فكانوا أربعة آلاف، وعقدوا اللواء في دار الندوة، وحمله عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، وألف وخمسمائة بعير، وخرجوا يقودهم/ أبو سفيان ووافتهم بنو سليم بمرّ الظهران، وهم سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس، وخرجت معهم بنو أسد يقودهم طلحة بن خويلد وخرجت فزارة وهم ألف، يقودهم عقبة بن حصين، وخرجت أشجع وهم أربعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة، وخرجت بنو مرة، وهم أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف.
وروى الزهري أن الحارث رجع ببني مرة، فلم يشهد الخندق منهم أحد، والأول أثبت.
وكان جميع من وافوا الخندق [ممن ذكر] [٢] من القبائل عشرة آلاف، وهم الأحزاب، وكانوا ثلاثة عساكر، والجملة بيد أبي سفيان فلما بلغ رسول الله ﷺ فصولهم من مكة، ندب الناس، وأخبرهم خبرهم وشاورهم، فأشار سلمان الفارسي بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين وعسكر بهم رسول الله ﷺ إلى سفح سلع [٣] ، وجعل سلعا خلف ظهره، وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم. ثم خندق على المدينة، وجعل المسلمون يعملون مستعجلين يبادرون قدوم عدوهم، وعمل رسول الله ﷺ معهم بيده لينشطوا، ففرغوا منه في ستة أيام [٤] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ:
الريح على المشركين، ف كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ، وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً ٣٣: ٢٥ [١] .
قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ [٢] : الْعَرَقَةُ أُمُّ حِبَّانَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ مُنْقَدِ بْنِ عُمَرَ وَسُمِّيَتِ الْعَرَقَةُ لِطِيبِ رِيحِهَا.
قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ [٣] : لَمَّا حَامَ الأَحْزَابُ حَوْلَ الْخَنْدَقِ أَيَّامًا أَجْمَعَ رُؤَسَاؤُهُمْ أَنْ يَغْدُوا يَوْمًا، فَغَدَوْا جَمِيعًا، وَطَلَبُوا مَضِيقًا مِنَ الْخَنْدَقِ يُقْحِمُونَ فِيهِ خَيْلَهُمْ فَلَمْ يَجِدُوا، فَقَالُوا: إِنَّ هَذِهِ لَمَكِيدَةٌ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَصْنَعُهَا، فَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّ مَعَهُ رَجُلا فَارِسِيًّا فَهُوَ أَشَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَصَارُوا إِلَى مَكَانٍ ضَيِّقٍ فَعَبَرَ عِكْرِمَةُ وَنَوْفَلٌ وَضِرَارٌ وَهُبَيْرَةُ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ وَدٍّ، فَجَعَلَ عَمْرٌو يَدْعُو إِلَى الْبِرَازِ، وَهُوَ ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁:
أنا أُبَارِزُهِ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ سَيْفَهُ وَعَمَّمَهُ، وَقَالَ: «اللَّهمّ أَعِنْهُ عَلَيْهِ» ، فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُ، وَوَلَّى أَصْحَابُهُ هَارِبِينَ، وَحَمَلَ الزُّبَيْرُ عَلَى نَوْفَلٍ فَقَتَلَهُ [٤] . أنبأنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب، قال: أخبرنا ابن المسلمة، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو طاهر/ المخلص، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن سلمان بن داود، قال: أخبرنا الزبير بن بكار، قال:
عمرو بن عبد ود، وضرار بن الخطاب، وعكرمة بن أبي جهل، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة هُمُ الذين طفروا الخندق يوم الأحزاب، وفي ذلك يقول الشاعر [٥] :
عمرو بن ود كان أول فارس ... جزع [٦] المزاد وكان فارس يليل
قال مؤلف الكتاب: المزاد، موضع من الخندق فيه حفر، ويليل، واد قريب من بدر.
стр. 1025
ولما جزع عمرو بن عبد المزاد دعي البراز، وقال يرتجز: [١]
ولقد بحجت [٢] من النداء ... بجمعكم [٣] : هل من مبارز
ووقفت إذ جبن الشجا ... ع بموقف البطل المناجز [٤]
إني كذلك لم أزل ... متسرعا نحو الهزاهز [٥]
إن الشجاعة والسماحة ... في الفتى خير الغرائز [٦]
فبرز له علي بن أبي طالب ﵁، ثم أجابه يقول:
لا تعجلن فقد أتاك ... مجيب صوتك غير عاجز
ذو نية وبصيرة ... والصدق منجي كل فائز
إني لأرجو أن أقيم ... م عليك نائحة الجنائز
من ضربة فوهاء [٧] يبقى ... ذكرها عند الهزاهز
ثم دعاه أن يبارزه، فقال له علي: يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لقريش لا يدعوك رجل إلى خلتين إلا أخذت إحداهما، قال عمرو: نعم [٨] ، قال علي ﵁:
فإني أدعوك إلى اللَّه وإلى رسوله وإلى الإسلام، فقال: لا حاجة لي بذلك، قال: فإني أدعوك إلى المبارزة. قال: يا ابن أخي، والله ما أحب أن أقتلك، فقال له علي: لكني والله أنا أحب أن أقتلك فحمي عمرو واقتحم عن فرسه وعرقبه/، ثم أقبل فتناورا وتجاولا وثارت عليهما غبرة سترتهما عن المسلمين، فلم يرع المسلمين إلا التكبير، فعرفوا أن عليا ﵁ قتله، فانجلت الغبرة وعليّ على صدره يذبحه.
стр. 1026
قال علماء السير: لما قتل عمرو رثته أمه، فقالت:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله. ... ما زلت أبكي عليه دائم الأبد
لكن قاتله من لا يقاد به ... من كان يدعى أبوه بيضة البلد
ثم تواعدا أن يأتوا من الغد، فباتوا يعبئون أصحابهم ونحوا إلى رسول الله ﷺ كتيبة غليظة فيها خالد بن الوليد، فقاتلوهم يومهم ذلك إلى هوي من الليل ما يقدرون أن يزولوا عن مكانهم، ولا صلى رسول الله ﷺ يومئذ ظهرا ولا عصرا حتى كشفهم الله ، فرجعوا منهزمين، فلم يكن لهم بعد ذلك قتال- يعني انصرفوا- إلا أنهم لا يدعون الطلائع بالليل يطمعون في الغارة، فقال النبي ﷺ في ذلك اليوم الذي فاتته الصلاة فيه: «شغلونا عن الصلاة الوسطى» . أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الْوُسْطَى [صَلاةَ] الْعَصْرِ، مَلأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا» ، ثُمَّ صَلاهَا بَيْنَ [الْعِشَاءَيْنِ] ، الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [١] .
وحصر [٢] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بضع عشرة ليلة، وقيل: أربعا وعشرين ليلة، حتى خلص إلى كل أمر منهم الكرب. ودعي رسول/ الله ﷺ في مسجد الأحزاب.
ويروى في مسجد الفتح.
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ المذهب، قال: أخبرنا أحمد بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحمد، قال: حدثني أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قال:
حدّثني جابر:
جَنْبِي، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا فُلانُ بْنُ فُلانٍ، ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّكُمْ، وَاللَّهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ، [لَقَدْ] هَلَكَ الْكُرَاعُ وَالْخُفُّ وَلَقِينَا مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ مَا تَرَوْنَ، فَارْتَحِلُوا [فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ] . فَرَجِعْتُ، فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ [١] :
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمْ يُقْتَلْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلا سِتَّةُ نَفَرٍ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثَلاثَةٌ
. ومن الحوادث في هذه السنة كانت غزاة بني قريظة [٢]
وذلك في ذي القعدة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما انصرف من الخندق جاءه جبريل ﵇ فقال: إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة فإني عامد إليهم فمزلزل حصونهم.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مَالِكٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَفَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَن عَائِشَةَ ﵂:
أَنّ رسول الله ﷺ لما فَرَغَ مِنَ الأَحْزَابِ دَخَلَ الْمُغْتَسَلَ لِيَغْتَسِلَ فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: أَوَقَدْ وَضَعْتُمُ السِّلاحَ مَا وَضَعْنَا أَسْلِحَتَنَا بَعْدُ انْهَضْ [٣] إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى جِبْرِيلَ مِنْ خَلالِ الْبَابِ قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ [مِنَ] [٤] الْغُبَارِ [٥] .
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُطَرِّزُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا/ بِشْرُ بن الْمَعْمَرِيِّ، عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت:
стр. 1031
لما رجع رَسُول اللَّه ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَبَيَّنَا هُوَ عِنْدِي إِذْ دَقَّ الْبَابُ فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَوَثَبَ وَثْبَةً مُنْكَرَةً، وَخَرَجَ [النَّبِيُّ ﷺ ] فَخَرَجْتُ فِي أَثَرِهِ فَإِذَا رَجُلٌ عَلَى دَابَّةٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئٌ عَلَى مَعْرَفَةِ الدَّابَّةِ يَكُلِّمُهُ، فَرَجِعْتُ فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ قُلْتُ: مَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي كُنْتَ تُكَلِّمُهُ؟ قَالَ: وَرَأَيْتِهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «وَمَنْ تُشَبِّهِينَهُ» ؟ قُلْتُ:
بِدِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ، قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ ﵇، أَمَرَنِي أَنْ أَمْضِيَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ.
قال علماء السير [١] : فدعا رَسُول اللَّهِ ﷺ عليا ﵁، فدفع إليه لواءه، وبعث بلالا فنادى في النَّاسُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يأمركم أن لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة، واستخلف [رسول الله ﷺ علي المدينة عبد الله] [٢] بن أم مكتوم، ثم سار في ثلاثة آلاف، وكانت الخيل ستة وثلاثين فرسا، وذلك في يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة، فحاصرهم خمسة عشر يوما، وقيل: خمسا وعشرين ليلة أشد الحصار ورموا بالنبل والحجر، فلم يطلع منهم أحد.
فلما اشتد الحصار عليهم أرسلوا إلى رسول الله ﷺ : أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأرسله إليهم فشاوروه في أمرهم، فأشار إليهم بيده أنه الذبح، ثم ندم فاسترجع فقال: خنت الله ورسوله، فانصرف فارتبط في المسجد ولم يأت رسول الله ﷺ حتى أنزل الله توبته، ثم نزلوا على حكم رَسُول اللَّه ﷺ فأمر بهم رسول الله ﷺ مُحَمَّد بن مسلمة فكتفوا ونحوا ناحية. وأخرج النساء والذرية فكانوا ناحية، وجمع أمتعتهم فكانوا [ألفا] [٢] وخمسمائة سيف، وثلاثمائة درع، وألفي رمح، [وألفا] [٣] وخمسمائة ترس وحجفة، وجمالا كانت نواضح وماشية كثيرة. وكان لهم خمر فأريق، وكلمت الأوس رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ يهبهم لهم، وكانوا حلفاءهم/ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحكم فيهم إلى سعد بن معاد، فحكم فيهم أن يقتل كل من جرت عليه الموسى [٤] ، وتسبى النساء والذراري، وتقسم الأموال. فَقَالَ رسول الله ﷺ : «لقد حكمت فيهم بحكم اللَّه من فوق سبعة أرقعة» .
стр. 1032
ونزل ثعلبة وأسيد ابنا شعبة، وأسد بن عبيد ابن عمهم، فقالوا: إنكم لتعلمون أنه نبي، وأن صفته عندنا فأسلموا، فدفع إليهم رسول الله ﷺ أهليهم وأموالهم.
وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يوم الخميس لتسع خلون من ذي الحجة، وأمر بهم فأدخلوا المدينة، وحفر لهم أخدودا في السوق وجعل رسول الله ﷺ معه أصحابه، وأخرجوا إليه فضرب أعناقهم، وكانوا ما بين ستمائة إلى سبعمائة، واصطفى رسول الله ﷺ ريحانة بنت عمرو لنفسه، فأسلمت وبقيت في ماله حتى توفي عنها، وأمر بالغنائم فجمعت فأخرج الخمس، وأمر بالباقي فبيع فيمن يزيد، وقسمه بين المسلمين وكانت السهمان على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهما، للفرس سهمان ولصاحبه سهم
. وفي هذه الغزاة [١] : نهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ يفرق بين الأم وولدها. وفي ذي الحجة: ركب رسول الله ﷺ فرسا إلى الغابة فسقط عنه، فخدش فخذه الأيمن فأقام في البيت خمسا يصلي قاعدا.
وفي هذا الشهر: رجفت المدينة، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الله مستعتبكم فاعتبوا» . وفيها: دفت دافّة من بني عامر بن صعصعة، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «لا يبقى من ضحاياكم بعد ثالثة شيء» .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٩٢- ثعلبة بن غنمة بن عدي بن سنان بن نابئ:
شهد العقبة مع السبعين، وبدرا والخندق، وقتل يومئذ.
«هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟» قَالُوا: نَفْقِدُ فُلانًا وَنَفْقِدُ فَلانًا، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا نَفْقِدُ فُلانًا ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ/ أَحَدٍ؟» قَالُوا:
لا، قَالَ: لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا فَاطْلُبُوهُ فِي الْقَتْلَى، فَنَظَرُوا فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، أَقْتَلَ سَبْعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ أَقْتَلَ سَبْعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، أَقْتَلَ سَبْعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ» . فَوَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ علي ساعديه [١] ، ثم حفروا له ما له سَرِيرٌ إِلا سَاعِدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى وَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ. قَالَ ثَابِتٌ: فَمَا فِي الأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَنْفَقُ مِنْهَا
. ٩٤- خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة [٢] :
شهد بدرا والعقبة والخندق ويوم بني قريظة، وقتل يومئذ شهيدا، دلت عليه بنانة امرأة من بني قريظة رحى فشدخت رأسه، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «له أجر شهيدين» ، وقتلها [رَسُولُ اللَّه ﷺ ] بِهِ.
قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إِنَّها لَعِنْدِي تَتَحَدَّثُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْتُلُ رجالهم إذ هتف هَاتَفْ بِاسْمِهَا، قَالَتْ: أَنَا وَاللَّهِ، قُلْتُ: وَيْلَكِ مَا لَكِ، أُقْتَلُ، قُلْتُ: وَلِمَ قَالَتْ: حَدَثٌ أَحْدَثْتُهُ فَانْطَلَقَ بِهَا فَضُرِبَتْ عُنُقُهَا فَمَا أَنْسَى مِنْهَا أَطْيَبَ نَفْسٍ وَكَثْرَةَ ضَحِكٍ وَقَدْ عَرِفْتُ أَنَّهَا تُقْتَلُ.
وَجَاءَتْ أُمُّ خَلادٍ وَقَدْ قِيلَ لَهَا: قُتِلَ خَلادٌ وَهِيَ مُنَقَّبَةٌ، فَقِيلَ لَهَا: قُتِلَ خَلادٌ وَأَنْتَ مُنَقَّبَةٌ، قَالَتْ: إِنْ كُنْتُ رُزِئْتُ خَلادًا فَلا أَرْزَأُ حَيَاتِي
. ٩٥- سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس [بن زيد] [٣] بن عبد الأشهل، ويكنى أبا عمرو [٤] :
وأمه كبشة بنت رافع، وهي من المبايعات، وكان لسعد من الولد، عمرو، وعبد الله وأمهما [قيل:] [٥] كبشة، وليس ذلك، وإنما الأصح [٦] أنها هند بنت سماك بن
стр. 1035
عتيك من المبايعات خلف عليها سعد بعد أخيه أوس، وهي عمة أسيد بن حضير.
وكان إسلام سعد على يدي مصعب بن عمير، وكان مصعب قد قدم المدينة قبل العقبة الآخرة/ يدعو الناس إلى الإسلام، ويقرئهم القرآن، فلما أسلم سعد لم يبق أحد في بني عبد الأشهل إلا أسلم يومئذ، وكانت دار بني عبد الأشهل أول دار من دور الأنصار أسلموا جميعا رجالهم ونساؤهم، وحول سعد بن معاذ مصعب بن عمير، وأسعد بن زرارة إلى داره، فكانا يدعوان الناس إلى الإسلام في داره، وكان سعد وأسعد ابني خالة، وكان سعد وأسيد بْن حضير يكسران أصنام بني عبد الأشهل، وكان لواء الأوس يوم بدر مع سعد بن معاذ، وشهد يوم أحد وثبت مع رَسُول اللَّهِ ﷺ حين ولى الناس. وأصيب يوم الخندق في أكحله.
وكأن رسول الله صلي الله عليه وسلم قد ذكر الحمى، فقال: «من كانت به فهو حظه من النار» ، فسألها سعد بن معاذ فلم تفارقه حتى فارق الدنيا [١] .
وأصيب يوم الخندق في أكحله، فضرب عليه رسول الله ﷺ قبة في المسجد ليعوده من قريب.
أَخْبَرَنَا محمد بْن أبي طاهر، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد الجوهري، قَالَ: أخبرنا أبو عمرو بن حيويه، قال: حدثنا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بن الفهم، قال: أخبرنا محمد بن سعد، [قال: أخبرنا يزيد بن هارون] [٢] .
وأخبرناه عاليا بن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا القطيعي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا محمد بن عمرو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ [٣] :
رَمَى سَعْدًا رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَرِقَةِ [بِسَهْمٍ لَهُ] [٤] يَوْمَ الخندق [٥]
لَمَّا مَاتَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ- وَكَانَ رَجُلا جَسِيمًا جَزْلا- جَعْلَ الْمُنَافِقُونَ وَهُمْ يَمْشُونَ خَلْفَ سَرِيرِهِ يَقُولُونَ [١] : لَمْ نَرَ كَالْيَوْمِ رَجُلا أَخَفَّ، وَقَالُوا: أَتَدْرُونَ لِمَ ذَاكَ؟ [ذَاكَ] لِحُكْمِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَذَكَرْتُ ذَلكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ [٢] ، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ كَانَتِ الْمَلائِكَةُ تَحْمِلُ سَرِيرَهُ» . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُظَفَّرِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْبُخَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا فَضْلُ بْنُ مُسَاوِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وفيهما من حديث البراء: أن رسول الله ﷺ أتى بثوب حرير فجعل يتعجب من حسنه ولينه، فقال: «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أفضل- أو خير- من هذا» . وقد روى سلمة بن أسلم الأشهلي، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البيت وما فيه إلا سعد مسجى، فرأيته يتخطاه، فوقف فأومأ إلي: «قف» ، فوقفت ورددت من ورائي، وجلس ساعة ثم خرج، فقلت: يا رسول الله، ما رأيت أحدا وقد رأيتك تتخطاه، فقال:
«ما قدرت على مجلس حتى قبض لي ملك من الملائكة أحد جناحيه» فجلست ورسول الله ﷺ يقول: «هنيئا لك يا أبا عمرو» ثلاث مرات. قال سعد بن إبراهيم: حضرة رسول الله ﷺ وهو يغسل، فقبض ركبتيه، وقال:
دخل ملك فلم يكن لَهُ مكان فأوسعت له. وغسله أسيد بن حضير وسلمة بن سلام بن وقش ونزلا في قبره ومعهما الحارث بن أوس وأبو نائلة، ورسول الله ﷺ قائم على القبر [٣] . وكانت أمه تبكي وتقول:
стр. 1039
ويل أم سعد سعدا ... براعة ونجدا
[١] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ /: «كُلُّ البواكي يكذبن إلا أم سعد» . وجاءت أم سعد تنظر إليه [في اللحد] [٢] فردها النَّاسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «دعوها» . فنظرت إليه قبل أن يبنى عليه اللبن، فقالت: «احتسبك عند الله» وعزاها رسول الله ﷺ علي قبره، وتنحى رسول الله ﷺ حتى سوي على قبره ورش عليه الماء، ثم جاء فوقف عليه فدعا له وانصرف. وكان سعد رجلا أبيض طوالا جميلا، وتوفي ابن سبع وثلاثين سنة، ودفن بالبقيع، وأخذ من تراب قبره فإذا هو مسك.
وَرَوَى [ابْنُ] [٣] عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «هَذَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلائِكَةِ لَمْ يَنْزِلُوا الأَرْضَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَقْد ضُمِّ ضَمَّةً ثُمَّ أُفْرِجَ عَنْهُ» يَعْنِي سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ [﵁] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ [٤] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْفَهِمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ غَزَوَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ [٥] : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْرَ سَعْدٍ فَاحْتَبَسَ، فَلَمَّا خَرَجَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَبَسَكَ؟
[قَالَ: «ضُمَّ سَعْدٌ فِي الْقَبْرِ ضَمَّةً] [٦] فَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَكْشِفُ عَنْهُ»
. ٩٦- عبد الله بن سهل بن زيد بن عامر بن عمرو بن جشم [٧] :
أمه الصعبة [٨] بنت التيهان، أخت أبي الهيثم بن التيهان، وهو أخو رافع بن سهل،
стр. 1040
وهما اللذان خرجا إلى حمراء الأسد، وهما جريحان يحمل أحدهما صاحبه ولم يكن لهما ظهر.
شهد عبد الله بدرا وأحدا والخندق، وقتل يومئذ شهيدا
. ٩٧- عمرة بنت مسعود، أم سعد بن عبادة [١] :
توفيت بالمدينة ورسول الله ﷺ غائب في دومة الجندل ومعه سعد، فلما قدم رسول الله ﷺ أتي قبرها فصلى عليها/ وسأله سعد عن نذر كان عليها فقال: «اقضه عنها» . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أخبرنا ابن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى أَنَّه سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ. أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ مَاتَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا فأتى رسول الله ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَفَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَنْهَا [٢]
. ٩٨- كعب بن مالك بن قيس بن مالك:
شهد بدرا وأحدا والخندق وقتل يومئذ.
стр. 1041
ثم دخلت سنة ست من الهجرة
فمما حدث فيها:
سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء [١]
بعثه رسول الله ﷺ لعشر خلون من المحرم سنة ست في ثلاثين راكبا إلى القرطاء، وهم بطن من بني بكر بن كلاب، وأمره أن يشن عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار وأغار عليهم فقتل نفرا منهم وأخذ ثمامة بن أثال الحنفي وهرب سائرهم واستاق نعما وشاء ولم يعرض للظعن، وانحدر إلى المدينة، فخمس رسول الله ﷺ ما جاء به وفض على أصحابه ما بقي، وكانت النعم مائة وخمسين بعيرا، والغنم ثلاثة آلاف شاة، وغاب تسع عشرة ليلة، وقدم لليلة بقيت من المحرم.
وفيها: قدم مسعود بن رخيلة الأشجعي في سبعمائة من قومه، فنزلوا بسلع في صفر فوادعوا رسول الله ووادعهم وفيهم نزلت: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا ٤: ٩٠ [٢]
. ثم كانت غزاة بني لحيان [٣]
/ وكانوا بناحية عسفان في ربيع الأول سنة ست، وذلك أن رسول الله ﷺ وجد
стр. 1042
عَلَى عاصم بن ثابت وأصحابه وجدا شديدا- وكانوا قتلوا في غزاة الرجيع- فأظهر أنه يريد الشأم، وعسكر لغرة هلال ربيع الأول في مائتي رجل، ومعهم عشرون رجلا، واستخلف عبد الله بْن أم مكتوم، ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران [١]- وبينها وبين عسفان [٢] خمسة أميال- حيث كان مصاب أصحابه، فترحم عليهم ودعا لهم، فسمعت بهم بنو لحيان، فهربوا في رءوس الجبال، فلم يقدروا منهم على أحد، ثم خرج حتى أتى عسفان، فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع به قريش فيذعرهم، فأتوا الغميم [٣] ، ثم رجعوا ولم يلقوا أحدا، ثم انصرف ﷺ إلى المدينة، وغاب أربع عشرة ليلة، وقال في رجوعه: «آئبون تائبون [لربنا حامدون] » [٤] فكان أول من قالها.
وفي هذه الغزاة جاز على قبر أمه ﷺ :
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلافُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْحِمَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَرِيرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ التُّرْجُمَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُشَمْعِلُ بْنُ مِلْحَانَ [٥] ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَّانَ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ وَقَفَ عَلَى عَسَفَانَ، فَنَظَرَ يَمِينًا وَشِمَالا فَأَبْصَرَ قَبْرَ أُمِّهِ آمِنَةَ فَوَرَدَ الْمَاءَ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَلَمْ يُفَاجِئْنَا إِلا بِبُكَائِهِ، فَبَكَيْنَا لِبُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [ثُمَّ انْصَرَفَ إلينا
стр. 1043
فَقَالَ: «مَا الَّذِي أَبْكَاكُمْ؟» قَالُوا: بَكَيْتَ فَبَكَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ] [١] وَقَالَ «وَمَا ظَنَنْتُمْ؟» قَالُوا:
ظَنَنَّا أَنَّ الْعَذَابَ نَازِلٌ عَلَيْنَا، قَالَ: «لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ» ، قَالُوا: فَظَنَنَّا أَنَّ أُمَّتَكَ كُلِّفُوا [٢] مِنَ الأَعْمَالِ مَا لا يُطِيقُونَ، قَالَ: «لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَلَكِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرِ أُمِّي، فصليْتُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَنُهِيتُ فَبَكَيْتُ ثُمَّ عُدْتُ فصليْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَاسْتَأْذَنْتُ/ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لها، فزجرت زجرا، فعلا بكائي» ثم دعي بِرَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا فَمَا سَارَتْ إِلا هَيْنَةَ حَتَّى قَامَتِ النَّاقَةُ بِثِقَلِ الْوَحْيِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ... ٩: ١١٣ [٣] إِلَى آخِرِ الآيَتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أُشْهِدُكُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ آمِنَةَ كَمَا تَبَرَّأَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَبِيهِ
. ثم كانت غزاة الغابة [٤]
وهي على بريد من المدينة على طريق الشام في ربيع الأول.
قالوا: كانت لقاح [٥] رسول الله ﷺ [وهي] [٦] عشرون لقحة- ترعى بالغابة [وكان أبو ذر فيها] [٧] فأغار عليها عيينة بن حصن ليلة الأربعاء في أربعين [فارسا] [٨] فاستاقوها وقتلوا راعيها [٩] ، وجاء الصريخ فنادى: « [الفزع الفزع، فنودي:] [١٠] يا خيل الله اركبي» ، فكان أول ما نودي بها، وركب رَسُولِ اللَّه ﷺ . فَخَرَجَ غداة الأربعاء في
стр. 1044
الحديد مقنعا، [فوقف، فكان أول من أقبل إليه المقداد بن عمرو، وعليه الدرع والمغفر، شاهرًا سيفه، فعقد لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لواء في رمحه، وقال: «امض حتى تلحقك الخيول، إنا على أثرك» ] [١] ، واستخلف [رسول الله ﷺ علي المدينة] [٢] عبد الله بن أم مكتوم، وخلّف سعد بن عبادة في ثلاثمائة [من قومه] [٣] يحرسون المدينة [٤] .
قال المقداد: فخرجت فأدركت أخريات العدو وقد قتل أبو قتادة مسعدة، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فرسه وسلاحه، وقتل عكاشة [بن محصن أثار بن عمرو بن أثار] [٥] ، وقتل المقداد [بن عمرو: حبيب بن عيينة بن حصن، وقرفة بن مالك بن حذيفة بن بدر] [٦] .
وقتل من المسلمين محرز بن نضلة، قتله مسعدة. وأدرك سلمة بن الأكوع القوم وهو على رجليه، فجعل يراميهم بالنبل، ويقول [٧] :
«خذها وأنا ابن الأكوع ... اليوم يوم الرضع» [٨]
حتى انتهى بهم إلى ذي قرد ناحية خيبر [مما يلي المستناخ] [٩] .
قال سلمة: فلحقنا رسول الله ﷺ [والناس] [١٠] والخيول عشاء، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما في أيديهم من السرح وأخذت بأعناق القوم [١١] ، فقال النبي ﷺ : «ملكت فأسجح» [١٢] ، [ثم قال: «إنهم الآن
стр. 1045
ليقرون في غطفان» . وذهب الصريخ إلى بني عمرو بن عوف، فجاءت الأمداد، فلم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا] [١] إلى رسول الله ﷺ بذي قرد [٢] ، فاستنقذوا عشر لقائح، وأفلت القوم بما بقي وهي عشر [٣] ، وصلى رسول الله ﷺ بذي قرد صلاة الخوف، وأقام به يوما وليلة [يتحسس الخبر، وقسم في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونها- وكانوا خمسمائة، ويقال سبعمائة- وبعث إليه سعد بن عبادة بأحمال تمر وبعشر جزائر، فوافت رسول الله ﷺ بذي قرد، والثبت عندنا] [٤] أن رسول الله ﷺ أمر على/ هذه السرية سعد بن زيد الأشهلي، ولكن الناس نسبوها إلى المقداد [لقول حسان بن ثابت:
غداة فوارس المقداد
[٥] فعاتبه سعد بن زيد، فقال: اضطرني الروي إلى المقداد] [٦] .
ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة يوم الاثنين، وقد غاب خمس ليال [٧]
. ثم كانت سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الغمر، غمر مرزوق [٨] .
وهو ماء لبني أسد على ليلتين من فيد [طريق الأول إلى المدينة وكانت] [٩] في [شهر] [١٠] ربيع الأول [سنة ست من مهاجرة رسول الله ﷺ ] [١١] .
стр. 1046
[قال ابن سعد] [١] : وجه رسول الله ﷺ عكاشة [بن محصن] [٢] إلى الغمر في أربعين رجلا، فخرج سريعا يغذ السير، ونذر به القوم فهربوا فنزلوا علياء بلادهم ووجدوا دارهم خالية، [فبعث شجاع بن وهب طليعة فرأى أثر النعم فتحملوا فأصابوا ربيئة لهم، فأمنوه فدلهم على نعم لبني عم له، فأغاروا عليها] [٣] فاستاقوا مائتي بعير، [فأرسلوا الرجل وحدروا النعم] [٤] إلى المدينة. وقدموا [على رسول الله ﷺ ] [٥] ، ولم يلقوا كيدا
. ثم كانت سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة [٦] .
في [شهر] [٧] ربيع الآخر [سنة ست من مهاجر رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ] [٨] .
[قَالَ ابن سعد] [٩] : بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة [١٠] إلى بني [ثعلبة، وبني عوال من ثعلبة- وهم] [١١] بذي القصة وبينها وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا [طريق الرَّبَذَة] [١٢]- في عشرة نفر، فوردوا [عليهم] [١٣] ليلا فأحدق به القوم، وهم مائة رجل [١٤] ، فتراموا ساعة [من الليل] [١٥] ، ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح
стр. 1047
فقتلوهم [١] ، فوقع محمد بن مسلمة جريحا [فضرب كعبه فلا يتحرك، وجردوهم من الثياب. ومر بمحمد بن مسلمة رجل من المسلمين] [٢] فحمله حتى ورد به المدينة [٣] ، فبعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا إلى مصارعهم فلم يجدوا أحدا ووجدوا نعما وشاء فساقه ورجع
. ثم كانت سرية أبي عبيدة إلى ذي القصة أيضا [٤] .
في [شهر] [٥] ربيع الآخر [سنة ست من مهاجر النبي ﷺ ] [٦] .
[قالوا] [٧] : أجدبت بلاد بني ثعلبة وأنمار [٨] ، ووقعت سحابة بالمراض [إلى تغلمين [٩]- والمراض على ستة وثلاثين ميلا من المدينة] [١٠]- فسارت بنو محاربة وثعلبة وأنمار إلى تلك السحابة، وأجمعوا أن يغيروا على سرح المدينة [وهو يرعى بهيفا- موضع على سبعة أميال من المدينة] [١١] فبعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا من المسلمين] [١٢] حين صلوا المغرب، فمشوا ليلتهم حتى وافوا ذا القصة مع [عماية الصبح، فأغاروا عليهم فأعجزوهم هربا في الجبال، وأصاب رجلا واحدا فأسلم فتركه، وأخذ نعما من نعمهم، فاستاقه ورثة [١٣] من متاعهم، وقدم [بذلك] المدينة فخمسه رسول الله/ ﷺ وقسم ما بقي عليهم [١٤] .
стр. 1048
ثم كانت سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم [١]
في [شهر] [٢] ربيع الآخر [سنة ست من مهاجر رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ] [٣] .
[قَالَ ابن سعد] [٤] : بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى بني سليم [٥] فسار حتى ورد الجموم ناحية بطن نخل [عن يسارها- وبطن نخل من المدينة على أربعة برد] [٦]- فأصابوا عليه امرأة [من مزينة] يقال لها حليمة، فدلتهم على محلة من محال بني سليم، فأصابوا في تلك المحلة نعما [٧] وشاء وأسرى. وكان فيهم زوج حليمة [المزنية] [٨] ، فلما قفل زيد [بن حارثة] بما أصاب وهب رسول الله ﷺ للمرأة نفسها وزوجها، [فقال بلال بن الحارث المزني في ذلك شعرا:
لعمرك ما أخنى المسول ولا ونت ... حليمة حتى راح ركبهما معا]
[٩]
ثم كانت سرية زيد [بن حارثة] [١٠] أيضا إلى العيص [١١] .
وبينها وبين المدينة أربع ليال [١٢] في جمادى الأولى [سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ .
стр. 1049
قال ابن سعد [١]] : لما بلغ [٢] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ عيرا لقريش قد أقبلت من الشام فبعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكبا يتعرض لها، فأخذوها وما فيها، وأخذوا يومئذ [فضة] [٣] كثيرة [وكانت] [٤] لصفوان بن أمية، وأسروا ناسا ممن كان في العير، منهم أبو العاص بن الربيع، [وقدم بهم إلى المدينة] [٥] ، فاستجار أبو العاص بن الربيع بزينب بنت رسول الله ﷺ ، فأجارته [ونادت في الناس حين صلى رسول الله ﷺ الفجر: إني أجرت أبا العاص] [٦] ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : [ «وما علمت بشيء من هذا و] [٧] قد أجرنا من أجرت» . ورد عليه ما أخذ منه
. ثم كانت سرية زيد [بن حارثة] [٨] أيضا إلى الطرف [٩]
[في جمادى الآخرة سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ .
روى ابن سعد] [١٠] أن رسول الله ﷺ بعث زيد بن حارثة إلى الطرف- وهو ماء [١١] قريب من المراض دون النخيل على ستة وثلاثين ميلا من المدينة طريق النقرة [على المحجة] ، فخرج إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا، فأصاب نعما وشاء، وهربت الأعراب، وصبح زيد بالنعم المدينة، وهي عشرون بعيرا، ولم يلق كيدا، وغاب أربع ليال، وكان شعارهم: «أمت أمت» .
стр. 1050
ثم كانت سرية زيد [بن حارثة] [١] أيضا في هذا الشهر إلى حسمى [٢]
وهي وراء وادي/ القرى [في جمادى الآخرة سنة ست من مهاجر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ذكر ابن سعد] [٣] أن دحية بن خليفة الكلبي [٤] أقبل من عند قيصر وقد أجازه وكساه، فلقيه الهنيد بن عارض وابنه عارض [بن الهنيد] في ناس من جذام بحسمى، فقطعوا عليه الطريق فلم يتركوا عليه إلا سمل ثوب، فسمع بذلك نفر من بني الضبيب فنفروا إليهم فاستنقذوا لدحية متاعه، وقدم دحية على النبي ﷺ ، فأخبره [بذلك] [٥] ، فبعث زيد [بن حارثة] [٦] في خمسمائة [رجل] [٧] ورد معه دحية، وكان زيد يسير الليل ويكمن النهار ومعه دليل [له] [٨] من بني عذرة، فأقبل بهم حتى هجم بهم مع الصبح على القوم، فأغاروا عليهم فقتلوا فيهم فأوجعوا وقتلوا الهنيد وابنه، وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم ونسائهم، فأخذوا [من النعم] [٩] ألف بعير، و [من الشاء] [١٠] خمسة آلاف شاة، و [من السبي] [١١] مائة من النساء والصبيان. فرحل زيد بن رفاعة [الجذامي فِي نفر من قومه] [١٢] إلى رسول الله ﷺ ، فدفع إلى رسول الله ﷺ كتابه الذي كتب له ولقومه [١٣] ليالي قدم عليه فأسلم، [وقال: يا رسول الله، لا تحرم علينا حلالا ولا تحل لنا
стр. 1051
حراما] [١] ، فقال: كيف أصنع بالقتلى؟ فقال [أبو يزيد بن عمرو] [٢] : أطلق لنا [يا رسول] [٣] من كان حيا [ومن قتل فهو تحت قدمي هاتين، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «صدق أبو يزيد» ] [٤] فبعث معهم عليا ﵁ إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلي بينهم وبين حرمهم وأموالهم، [فتوجه علي ﵁ فلقي رافع بن مكيث الجهني بشير زيد بن حارثة على ناقة من إبل القوم، فردها علي على القوم، ولقي زيدا بالفحلتين، وهي بين المدينة، وذي المروة، فأبلغه أمر رسول اللَّه ﷺ [٥]] فردوا إلى الناس كل ما كان أخذ منهم
. ثم كانت سرية زيد [بن الحارث] [٦] أيضا إلى وادي القرى [٧]
في رجب سنة ست [من مهاجر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ذكر ابن سعد أَنّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ زيدا أميرا سنة ست] [٨]
. ثم كانت سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل [٩]
في شعبان [سنة ست من مهاجر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ذكر ابن سعد] [١٠] أن النبي ﷺ دعا عبد الرحمن بن عوف، فأقعده بين يديه وعممه بيده، وقال: «اغز بسم الله وفي سبيل الله، فقاتل من كفر باللَّه، لا تغل ولا تغدر ولا تقتل
стр. 1052
وليدا» وبعثه إلى كلب بدومة الجندل، فقال: إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم. فسار عَبْد الرحمن حتى قدم دومة الجندل فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم الأصبغ بْن عمرو الكلبي، وكان نصرانيا/ وكان رأسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام عَلَى إعطاء الجزية [١] ، وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ، فقدم بها إلى المدينة، وهي أم أَبِي سلمة بن عبد الرحمن
. ثم كانت سرية علي بن أبي طالب ﵁ إلى بني سعد بن بكر بفدك [٢]
في شعبان [سنة ست من مهاجر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ذكر ابن سعد] [٣] أن النبي ﷺ بلغه أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر، فبعث إليهم عليا ﵁ في مائة رجل، فسار الليل وكمن النهار حتى انتهى إلى الهمج- وهو ما بين خيبر وفدك، وبين فدك والمدينة ست ليال- فوجدوا به رجلا فسألوه [عن القوم] [٤] ، فقال: أخبركم على أنكم تؤمنوني فآمنوه فدلهم فأغاروا عليهم فأخذوا خمسمائة بعير وألفي شاة، وهربت بنو سعد بالظعن ورأسهم وبر بن عليم، فعزل [علي ﵁ صفي رسول الله ﷺ لقوحا تدعى الحفذة، ثم عزل] [٥] الخمس وقسم سائر الغنائم على أصحابه، وقدم المدينة ولم يلق كيدا
. ثم كانت سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة بوادي القرى [٦]
على سبع ليال من المدينة في شهر رمضان [سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ .
стр. 1053
ذكر ابن سعد] أن زيد بن حارثة [١] خرج في تجارة إلى الشام ومعه بضائع لأصحاب رسول الله ﷺ ، فلما كان دون وادي القرى لقيه قوم [٢] من فزارة من بني بدر فضربوه وضربوا أصحابه، وأخذوا ما كان معهم. [ثم استبل] [٣] زيد وقدم على رسول الله ﷺ ، فأخبره فبعثه [رسول الله ﷺ ] إليهم، فكمنوا النهار وساروا الليل [ونذرت بهم بنو بدر] [٤] ، ثم صبحهم [زيد وأصحابه فكبروا وأحاطوا بالحاضر] [٥] وأخذوا أم قرفة، وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، وابنتها جارية [بنت مالك بن حذيفة بن بدر، وكان الذي أخذ الجارية مسلمة بن الأكوع، فوهبها لرسول الله ﷺ فوهبها رسول الله ﷺ بعد ذلك لحزن بن أبي وهب.
وعمد قيس بن المحسر إلى أم قرفة- وهي عجوز كبيرة- فقتلها قتلا عنيفا، ربط بين رجليها حبلا ثم ربطها بين بعيرين ثم زجرهما فذهبا فقطعاها. وقتل النعمان وعبيد الله ابني مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر] [٦] . وقدم زيد [بن حارثة من وجهه ذلك] [٧] ، فقرع باب النبي ﷺ ، فقام إليه عريانا يجر ثوبه حتى اعتنقه وقبله [وسايله فأخبره بما ظفره الله به] [٨]
. ثم كانت سرية عبد الله بن عتيك إلى أبي رافع سلام بن أبي الحقيق النضري [٩] .
بخيبر في شهر رمضان [سنة ست من مهاجر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ذكر ابن سعد أنه] [١٠] كان أبو رافع [بن أبي الحقيق] [١١] قد أجلب في غطفان ومن
стр. 1054
حوله من مشركي العرب، وجعل لهم/ الجعل العظيم لحرب رسول الله ﷺ ، فبعث النبي الله ﷺ عَبْد اللَّهِ بْن عتيك، وعبد الله بن أنيس، وأبا قتادة، والأسود بن خزاعي، ومسعود بن سنان. وأمرهم بقتله.
فذهبوا إلى خيبر، فكمنوا، فلما هدأت الرجل جاءوا إلى محله [١] فصعدوا درجة له، فقدموا عَبْد اللَّه بن عتيك لأنه كان يرطن باليهودية، فاستفتح وقال: جئت أبا رافع بهدية، ففتحت لَهُ امرأته، فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح، فأشار إليها بالسيف، فسكتت فدخلوا عليه فما عرفوه إلا ببياضه كأنه قبطية، فعلوه بأسيافهم.
قال ابن أنيس: وكنت رجلا أعشى لا أبصر، فاتكأت بسيفي على بطنه حتى سمعت خسه في الفراش، [وعرفت أنه قد قضى عليه] [٢] ، وجعل القوم يضربونه جميعا، ثم نزلوا فصاحت امرأته فتصايح أهل الدار، واختبأ القوم [في بعض مناهر خيبر] [٣] ، وخرج الحارث أبو زينب في ثلاثة آلاف في آثارهم يطلبونهم بالنيران، فلم يروهم فرجعوا.
ومكث القوم في مكانهم يومين حتى سكن الطلب، ثم خرجوا مقبلين إلى المدينة كلهم يدعي قتله، فقدموا على رسول الله ﷺ فقال: «أفلحت الوجوه» فقالوا: أفلح وجهك يا رسول اللَّه، وأخبروه خبرهم فأخذ أسيافهم فنظر إليها فإذا أثر الطعام في ذباب سيف عبد الله بن أنيس، فقال ﵊: «هذا قتله»
. ثم كانت سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن زارم اليهودي بخيبر [٤]
في شوال [سنة ست من مهاجر رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ ابن سعد] [٥] : لما قتل أبو رافع سلام بن أبي الحقيق، أمرت يهود عليهم أسير بن زارم، فسار في غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله ﷺ ، وبلغ ذلك
стр. 1055
النَّبِيّ ﷺ ، فوجه عبد الله بن رواحة في ثلاثة نفر في [شهر] [١] رمضان سرا فسأل عن خبره وغرته، فأخبر بذلك، فقدم على رسول/ الله ﷺ ، فأخبره بذلك، فندب [رسول الله ﷺ ] [٢] الناس، فانتدب له ثلاثون رجلا، فبعث عليهم عبد الله بن رواحة، فقدموا على أسير، فقالوا: نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له، قال: نعم، ولي منكم مثل ذلك؟ فقالوا: أن رسول الله ﷺ بعثنا إليك لتخرج إليه، فيستعملك على خيبر، ويحسن إليك، فطمع في ذلك، فخرج وخرج معه ثلاثون من يهود مع كل رجل رديف من المسلمين، حتى إذا كنا بقرقرة ثبار [٣] ندم أسير، فقال عبد الله بْن أنيس وكان في السرية: وأهوى بيده إلى سيفي ففطنت [له ودفعت بعيري] [٤] وقلت: غدرا أي عدو الله [فعل ذلك مرتين] [٥] فنزلت فسقت بالقوم حتى انفرد لي أسير، فضربته بالسيف فأندرت [٦] عامة فخذه وساقه، وسقط عن بعيره [وبيده مخرش من شوحط] [٧] فضربني فشجني مأمومة، وملنا على أصحابه، فقتلناهم كلهم غير رجل واحد [أعجزنا شدا ولم يصب من المسلمين أحد] [٨] ثم أقبلنا إلى رسول الله ﷺ فحدثناه [الحديث] [٩] فقال:
«قد نجاكم الله من القوم الظالمين»
. ثم كانت سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين في شوال [١٠]
قالوا: قدم نفر من عرينة [ثمانية] [١١] على رسول الله ﷺ ، فأسلموا واستوبئوا