حراما] [١] ، فقال: كيف أصنع بالقتلى؟ فقال [أبو يزيد بن عمرو] [٢] : أطلق لنا [يا رسول] [٣] من كان حيا [ومن قتل فهو تحت قدمي هاتين، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «صدق أبو يزيد» ] [٤] فبعث معهم عليا ﵁ إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلي بينهم وبين حرمهم وأموالهم، [فتوجه علي ﵁ فلقي رافع بن مكيث الجهني بشير زيد بن حارثة على ناقة من إبل القوم، فردها علي على القوم، ولقي زيدا بالفحلتين، وهي بين المدينة، وذي المروة، فأبلغه أمر رسول اللَّه ﷺ [٥]] فردوا إلى الناس كل ما كان أخذ منهم
. ثم كانت سرية زيد [بن الحارث] [٦] أيضا إلى وادي القرى [٧]
في رجب سنة ست [من مهاجر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ذكر ابن سعد أَنّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ زيدا أميرا سنة ست] [٨]
. ثم كانت سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل [٩]
في شعبان [سنة ست من مهاجر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ذكر ابن سعد] [١٠] أن النبي ﷺ دعا عبد الرحمن بن عوف، فأقعده بين يديه وعممه بيده، وقال: «اغز بسم الله وفي سبيل الله، فقاتل من كفر باللَّه، لا تغل ولا تغدر ولا تقتل
стр. 1052
وليدا» وبعثه إلى كلب بدومة الجندل، فقال: إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم. فسار عَبْد الرحمن حتى قدم دومة الجندل فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم الأصبغ بْن عمرو الكلبي، وكان نصرانيا/ وكان رأسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام عَلَى إعطاء الجزية [١] ، وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ، فقدم بها إلى المدينة، وهي أم أَبِي سلمة بن عبد الرحمن
. ثم كانت سرية علي بن أبي طالب ﵁ إلى بني سعد بن بكر بفدك [٢]
في شعبان [سنة ست من مهاجر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ذكر ابن سعد] [٣] أن النبي ﷺ بلغه أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر، فبعث إليهم عليا ﵁ في مائة رجل، فسار الليل وكمن النهار حتى انتهى إلى الهمج- وهو ما بين خيبر وفدك، وبين فدك والمدينة ست ليال- فوجدوا به رجلا فسألوه [عن القوم] [٤] ، فقال: أخبركم على أنكم تؤمنوني فآمنوه فدلهم فأغاروا عليهم فأخذوا خمسمائة بعير وألفي شاة، وهربت بنو سعد بالظعن ورأسهم وبر بن عليم، فعزل [علي ﵁ صفي رسول الله ﷺ لقوحا تدعى الحفذة، ثم عزل] [٥] الخمس وقسم سائر الغنائم على أصحابه، وقدم المدينة ولم يلق كيدا
. ثم كانت سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة بوادي القرى [٦]
على سبع ليال من المدينة في شهر رمضان [سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ .
стр. 1053
ذكر ابن سعد] أن زيد بن حارثة [١] خرج في تجارة إلى الشام ومعه بضائع لأصحاب رسول الله ﷺ ، فلما كان دون وادي القرى لقيه قوم [٢] من فزارة من بني بدر فضربوه وضربوا أصحابه، وأخذوا ما كان معهم. [ثم استبل] [٣] زيد وقدم على رسول الله ﷺ ، فأخبره فبعثه [رسول الله ﷺ ] إليهم، فكمنوا النهار وساروا الليل [ونذرت بهم بنو بدر] [٤] ، ثم صبحهم [زيد وأصحابه فكبروا وأحاطوا بالحاضر] [٥] وأخذوا أم قرفة، وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، وابنتها جارية [بنت مالك بن حذيفة بن بدر، وكان الذي أخذ الجارية مسلمة بن الأكوع، فوهبها لرسول الله ﷺ فوهبها رسول الله ﷺ بعد ذلك لحزن بن أبي وهب.
وعمد قيس بن المحسر إلى أم قرفة- وهي عجوز كبيرة- فقتلها قتلا عنيفا، ربط بين رجليها حبلا ثم ربطها بين بعيرين ثم زجرهما فذهبا فقطعاها. وقتل النعمان وعبيد الله ابني مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر] [٦] . وقدم زيد [بن حارثة من وجهه ذلك] [٧] ، فقرع باب النبي ﷺ ، فقام إليه عريانا يجر ثوبه حتى اعتنقه وقبله [وسايله فأخبره بما ظفره الله به] [٨]
. ثم كانت سرية عبد الله بن عتيك إلى أبي رافع سلام بن أبي الحقيق النضري [٩] .
بخيبر في شهر رمضان [سنة ست من مهاجر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ذكر ابن سعد أنه] [١٠] كان أبو رافع [بن أبي الحقيق] [١١] قد أجلب في غطفان ومن
стр. 1054
حوله من مشركي العرب، وجعل لهم/ الجعل العظيم لحرب رسول الله ﷺ ، فبعث النبي الله ﷺ عَبْد اللَّهِ بْن عتيك، وعبد الله بن أنيس، وأبا قتادة، والأسود بن خزاعي، ومسعود بن سنان. وأمرهم بقتله.
فذهبوا إلى خيبر، فكمنوا، فلما هدأت الرجل جاءوا إلى محله [١] فصعدوا درجة له، فقدموا عَبْد اللَّه بن عتيك لأنه كان يرطن باليهودية، فاستفتح وقال: جئت أبا رافع بهدية، ففتحت لَهُ امرأته، فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح، فأشار إليها بالسيف، فسكتت فدخلوا عليه فما عرفوه إلا ببياضه كأنه قبطية، فعلوه بأسيافهم.
قال ابن أنيس: وكنت رجلا أعشى لا أبصر، فاتكأت بسيفي على بطنه حتى سمعت خسه في الفراش، [وعرفت أنه قد قضى عليه] [٢] ، وجعل القوم يضربونه جميعا، ثم نزلوا فصاحت امرأته فتصايح أهل الدار، واختبأ القوم [في بعض مناهر خيبر] [٣] ، وخرج الحارث أبو زينب في ثلاثة آلاف في آثارهم يطلبونهم بالنيران، فلم يروهم فرجعوا.
ومكث القوم في مكانهم يومين حتى سكن الطلب، ثم خرجوا مقبلين إلى المدينة كلهم يدعي قتله، فقدموا على رسول الله ﷺ فقال: «أفلحت الوجوه» فقالوا: أفلح وجهك يا رسول اللَّه، وأخبروه خبرهم فأخذ أسيافهم فنظر إليها فإذا أثر الطعام في ذباب سيف عبد الله بن أنيس، فقال ﵊: «هذا قتله»
. ثم كانت سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن زارم اليهودي بخيبر [٤]
في شوال [سنة ست من مهاجر رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ ابن سعد] [٥] : لما قتل أبو رافع سلام بن أبي الحقيق، أمرت يهود عليهم أسير بن زارم، فسار في غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله ﷺ ، وبلغ ذلك
стр. 1055
النَّبِيّ ﷺ ، فوجه عبد الله بن رواحة في ثلاثة نفر في [شهر] [١] رمضان سرا فسأل عن خبره وغرته، فأخبر بذلك، فقدم على رسول/ الله ﷺ ، فأخبره بذلك، فندب [رسول الله ﷺ ] [٢] الناس، فانتدب له ثلاثون رجلا، فبعث عليهم عبد الله بن رواحة، فقدموا على أسير، فقالوا: نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له، قال: نعم، ولي منكم مثل ذلك؟ فقالوا: أن رسول الله ﷺ بعثنا إليك لتخرج إليه، فيستعملك على خيبر، ويحسن إليك، فطمع في ذلك، فخرج وخرج معه ثلاثون من يهود مع كل رجل رديف من المسلمين، حتى إذا كنا بقرقرة ثبار [٣] ندم أسير، فقال عبد الله بْن أنيس وكان في السرية: وأهوى بيده إلى سيفي ففطنت [له ودفعت بعيري] [٤] وقلت: غدرا أي عدو الله [فعل ذلك مرتين] [٥] فنزلت فسقت بالقوم حتى انفرد لي أسير، فضربته بالسيف فأندرت [٦] عامة فخذه وساقه، وسقط عن بعيره [وبيده مخرش من شوحط] [٧] فضربني فشجني مأمومة، وملنا على أصحابه، فقتلناهم كلهم غير رجل واحد [أعجزنا شدا ولم يصب من المسلمين أحد] [٨] ثم أقبلنا إلى رسول الله ﷺ فحدثناه [الحديث] [٩] فقال:
«قد نجاكم الله من القوم الظالمين»
. ثم كانت سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين في شوال [١٠]
قالوا: قدم نفر من عرينة [ثمانية] [١١] على رسول الله ﷺ ، فأسلموا واستوبئوا
стр. 1056
المدينة [١] ، فأمر بهم رسول الله ﷺ إلى لقاحه [٢] [وكانت على ستة أميال من المدينة، وكانوا فيها حتى صحوا وسمنوا] [٣] فاستاقوها وقتلوا الراعي [٤] وقطعوا يده ورجله، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، وبلغ رسول الله ﷺ الخبر، فبعث في أثرهم عشرين فارسا، واستعمل عليهم كرزا فأدركوهم، وأحاطوا بهم وأسروهم وربطوهم حتى قدموا بهم المدينة، وكأن رسول اللَّه ﷺ بالغابة، فخرجوا بهم نحوه، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وصلبوا هناك، وكانت اللقاح خمس عشرة لقحة فردوها إلا واحدة [نحروها] [٥] أَخْبَرَنَا/ هِبَةُ الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مالك، قَالَ: حدثنا عبد الله بن أحمد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ [أَبِي] [٦] عَدِيٍّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَسْلَمَ نَاسٌ مِنْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوُوا الْمَدِينَةَ، فَقَالَ لَهُمْ رسول الله ﷺ : «لو خَرَجْتُمْ إِلَى ذَوْدٍ لَنَا فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا» ، قَالَ حُمَيْدٌ: وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ: «وَأَبْوَالِهَا» ، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا صَحُّوا كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [مُؤْمِنًا أَوْ مُسْلِمًا] [٧] وَسَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَرِبُوا مُحَارِبِينَ، فَأَرْسَلَ رسول الله ﷺ في آثَارِهِمْ فَأُخِذُوا فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأْرَجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا. أَخْرَجَاهُ فِي الصحيحين [٨] .
стр. 1057
ثم كانت سرية عمرو بن أمية الضمري وسلمة بن أسلم إلى أبي سفيان بمكة [١]
وكان سبب ذلك أن أبا سفيان قال لنفر من قريش: ألا رجل يغتال محمدا فإنه يمشي في الأسواق، فقال له رجل من العرب [٢] : إن قويتني خرجت إليه حتى أغتاله ومعي خنجر مثل خافية النسر، فأعطاه بعيرا ونفقة، فخرج ليلا، فسار على راحلته خمسا وصبح [ظهر] [٣] الحرّة صبح سادسة، وأقبل يسأل عن رسول الله ﷺ حتى دل عليه، فعقل راحلته، ثم أقبل إلى رسول الله ﷺ وهو قاعد في مسجد بني عبد الأشهل، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «إن هذا ليريد غدرا» ، فذهب ليجني على رسول الله ﷺ فجذبه أسيد بن الحضير بداخلة إزاره، فإذا بالخنجر فسقط في يديه، وقال: دمي دمي، فأخذ أسيد بلبته فدعته فَقَالَ رسول الله ﷺ : «أصدقني» ، فأخبره الخبر وأسلم، فبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري، وسلمة بن أسلم إلى أبي سفيان وقال: «إن أصبتما منه غرة فاقتلاه، فدخلا مكة فمضى عمرو يطوف بمكة [٤] ليلا فرآه معاوية فعرفه، فأخبر قريشا بمكانه/ فطلبوه وكان فاتكا في الجاهلية- فهرب هو وسلمة، فلقي عمرو بن عُبَيْد اللَّه بن مالك فقتله، وقتل آخر من بني الديل سمعه يقول:
ولست بمسلم ما دمت حيا ... ولست أدين دين المسلمينا
ولقي رسولين لقريش بعثتهما [٥] يتحسسان الخبر، فقتل أحدهما، وأسر الآخر فقدم به [المدينة] [٦] وجعل يخبر رسول الله ﷺ خبره والنبي ﷺ يضحك.
هذا قول محمد بن سعد، كاتب الواقدي [٧] .
وذكر ابن إسحاق عن أشياخه [٨] : إن هذا كان في سنة أربع، وأن عمرو بن أمية
стр. 1058
قَالَ: بعثني رسول الله ﷺ بعد قتل خبيب وأصحابه، وبعث معي رجلا من الأنصار، فقال: ائتيا أبا سفيان فاقتلاه فخرجنا وليس مع صاحبي بعير، فلما وصلنا عقلت بعيري، وقلت لصاحبي إني أريد أن أقتل أبا سفيان فإن أصبت شيئا فالحق ببعيري فاركبه والحق بالمدينة فأخبر رسول الله ﷺ . فلما دخلنا مكة قال لي صاحبي هل لك أن تطوف، فقلت: أنا أعلم بأهل مكة منك، فلم يزل بي حتى طفنا، فمررنا بمجلس فعرفني رجل منهم، فصاح بأعلى صوته: هذا عمرو بن أمية الضمري، فتبادر أهل مكة، قالوا:
والله ما جاء عمرو لخير، فقاموا فِي طلبي، فقلت لصاحبي: «النجاء، فهذا الذي كنت أخاف، وليس إلى الرجل سبيل فانج بنفسك» ، فخرجنا نشتد حتى أصعدنا في الجبل، فدخلنا غارا فبتنا فيه ليلتنا فأعجزناهم فرجعوا، فإذا عثمان بن مالك التميمي قد وقف بباب الغار، فخرجت إليه فوجأته بخنجر معي فصاح صيحة أسمع أهل مكة، فأتوا إليه، ورجعت إلى مكاني، فجاءوه وبه رمق، فقالوا: ويلك من؟ قال: عمرو بن أمية، ثم مات ولم يستطع أن يخبرهم بمكاننا، فقالوا: والله لقد علمنا أنه ما جاء لخير، فاشتغلوا بصاحبهم، فأقمنا في الغار يومين، ثم خرجنا إلى التنعيم فإذا خشبة خبيب/ وحوله من يحرسه، فقلت للأنصاري: إن خشيت فخذ الطريق إلى جملي فاركبه، والحق برسول الله ﷺ ، فأخبره الخبر واشتددت إلى خشبته فاحتللته واحتملته على ظهري، فو الله ما مشيت به إلا نحو ذراعين [١] [حتى نذروا بي فطرحته] [٢] فما أنسى وجبته حين سقط فاشتدوا في أثري فأخذت طريق الصفراء، فرجعوا وانطلق صاحبي فركب بعيري ثم أتى رسول الله ﷺ ، فأخبره الخبر، وأقبلت أمشي حتى أشرفت على ضجنان، فدخلت غارا، فدخل علي رجل من بني الديل، فقال: من الرجل؟ فقلت: من بني بكر، قال:
وأنا من بني بكر، ثم اضطجع معي، ثم رفع عقيرته يتغنى، ويقول:
ولست بمسلم ما دمت حيا ... ولست أدين دين المسلمينا
فقلت: سوف تعلم، فنام فقمت فقتلته شر قتلة، وخرجت فلقيت رجلين من قريش يتحسسان أمر رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: استأسرا، فقالا: أنحن نستأسر لك،
стр. 1059
فرميت أحدهما بسهم فقتلته، ثم قلت للآخر: استأسر، فاستأسر فأوثقته، فقدمت بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقد شددت إبهامه بوتر قوسي، فنظر إلى رسول الله ﷺ فضحك ودعا لي بخير
. وفي هذه السنة كانت غزوة الحديبية [١]
وذلك أن رسول الله ﷺ خرج للعمرة في ذي القعدة سنة ست، فاستنفر [رسول الله ﷺ ] [٢] أصحابه للخروج معه، فأسرعوا وتهيأوا، وَدَخَلَ [رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ] [٢] بيته فاغتسل ولبس ثوبين، وركب راحلته القصواء، وخرج في يوم الاثنين لهلال ذي القعدة، واستخلف على المدينة [عبد الله] بن أم مكتوم، ولم يخرج بسلاح إلا السيوف في القرب، وساق بدنا، وساق أصحابه أيضا بدنا، فصلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بالبدن التي ساق فجللت [٣] ثم أشعرها [٤] في الشق الأيمن وقلدها وأشعر أصحابه أيضا، وهي سبعون بدنة فيها جمل أبي جهل الذي غنمه يوم بدر ليغيظ المشركين/ بذلك، وأحرم ولبى، وقدم عباد بن بشر أمامه طليعة في عشرين فرسا من خيل المسلمين، وفيهم رجال من المهاجرين والأنصار، وخرج معه [من المسلمين] [٥] ألف وستمائة، ويقال: ألف وأربعمائة، ويقال: ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون رجلا، وأخرج معه زوجته أم سلمة ﵂، وبلغ المشركين خروجه فأجمعوا رأيهم على
стр. 1060
صده عن المسجد الحرام، وعسكروا ببلدح وقدموا مائتي فارس إلى كراع الغميم [١] ، وعليهم خَالِد بن الوليد، ويقال: عكرمة بن أبي جهل، ودخل بسر [٢] بن سفيان الخزاعي مكة فسمع كلامهم وعرف رأيهم، فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فلقيه بغدير الأشطاط من وراء عسفان [٣] فأخبره بذلك.
ودنا خالد [بن الوليد في خيله] [٤] حتى نظر إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، فأمر [رسول الله ﷺ ] [٤] عباد بن بشر فتقدم في خيله فأقام بإزائه وصف أصحابه، وحانت صلاة الظهر، وصلى رسول اللَّه ﷺ [بأصحابه] [٤] صلاة الخوف، وسار حتى دنا من الحديبية- وهي طرف الحرم على تسعة أميال من مكة- فوقفت به [٥] راحلته على ثنية تهبط على غائط القوم فبركت. فقال المسلمون: حل حل، يزجرونها، فأبت، فقالوا:
خلأت [٦] القصواء، فقال [النبي ﷺ ] [٤] : «ما خلأت، ولكن حبسها حابس الفيل، أما والله لا يسألوني اليوم خطة فيها تعظيم حرمة الله إلا أعطيتهم إياها» ، ثم زجرها، فقامت فولى راجعا عوده على بدئه حتى نزل بالناس على ثمد من أثماد الحديبية قليل الماء، فانتزع سهما من كنانته فغرزه فيها فجاشت [٧] لهم بالرواء [٨] حتى اغترفوا بآنيتهم جلوسا على شفير البئر.
ومطر رَسُول اللَّه ﷺ بالحديبية مرارا، وكثرت المياه. وجاءه بديل بن ورقاء وركب معه فسلموا وقالوا: [٩] جئناك من عند قومك: كعب بن لؤي، وعامر بن لؤيّ قد استنفروا
стр. 1061
لك الأحابيش ومن أطاعهم، معهم العوذ والمطافيل والنساء والصبيان/ يقسمون باللَّه لا يخلون بينه وبين البيت حتى تبيد خضراؤهم، فَقَالَ رسول الله ﷺ : لم نأت لقتال أحد، وإنما جئنا لنطوف بهذا البيت، فمن صدنا عنه قتلناه. فرجع بديل فأخبر [بذلك] [١] قريشا، فبعثوا عروة بن مسعود [الثقفي] [٢] فكلمه [رسول الله ﷺ ] [٢] بنحو ذَلكَ، فأخبر قريشا، فقالوا: نرده عن البيت في عامنا هذا ويرجع من قابل فيدخل مكة ويطوف بالبيت.
وبعث رسول الله ﷺ إلى قريش خراش بن أمية ليخبرهم بما جاء له [٣] فأرادوا قتله، فمنعه من هناك من قومه، فأرسل عثمان بن عفان، فقال: اذهب إلى قريش فأخبرهم أنا لم نأت لقتال أحد، وإنما جئنا زوارا لهذا البيت معظمين لحرمته، معنا الهدي ننحره وننصرف، فأتاهم وأخبرهم، فقالوا: لا كان هذا أبدا ولا يدخلها العام.
وبلغ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ عثمان قد قتل، فذلك حين دعا المسلمين إلى بيعة الرضوان فبايعهم تحت الشجرة وبايع لعثمان فضرب بشماله على يمينه لعثمان، وقال:
إنه ذهب في حاجة الله ورسوله. وجعلت الرسل تختلف بينهم، فأجمعوا على الصلح، فبعثوا سهيل بن عمرو فِي عدة رجالهم فصالحه على ذلك، وكتبوا بينهم:
«وهذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدهم فعل، وأنه من أتى محمدا منهم بغير إذن وليه رده إليه، وأنه من أتى قريشا من أصحاب محمد لم يردوه، وأن محمدا يرجع عنا عامه هذا بأصحابه، ويدخل علينا قابلا في أصحابه فيقيم بها ثلاثا، لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر السيوف في القرب» .
стр. 1062
شهد أبو بكر [وعمر بن الخطاب] [١] وعبد الرحمن بن عوف، وابن أبي وقاص وعثمان/ وأبو عبيدة، وابن مسلمة [٢] ، وحويطب، ومكرز.
وكتب علي [صدر هذا الكتاب] [٣] فكان هذا الكتاب عند النبي ﷺ ، ونسخته عند سهيل بن عمرو.
وخرج أبو جندل بن سهيل من مكة إلى النبي ﷺ يرسف في الحديد، فَقَالَ سهيل: هَذَا أول مَا أقاضيك عَلَيْهِ، فرده النبي ﷺ ، وقال: يا أبا جندل، قد تم الصلح بيننا فاصبر حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا. ووثبت خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده، ووثبت بنو بكر، فقالوا: نحن ندخل في عهد قريش وعقدها، فلما فرغوا من الكتاب انطلق سهيل وأصحابه ونحر رسول الله ﷺ هدية وحلق رأسه، حلقه خراش بن أمية الخزاعي [ونحر أصحابه] [٤] ، وحلق عامتهم وقصر الآخرون.
فقال [النبي ﷺ ] «رحم الله المحلقين» ثلاثا. قيل: [يا رسول الله والمقصرين؟
قال:] [٥] والمقصرين فأقام ﷺ بالحديبية بضعة وعشرين يوما، وقيل: عشرين ليلة، ثم انصرف ﷺ ، فلما كان بضجنان نزل عليه: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ٤٨: ١ [٦] . فقال: جبريل ﵇ يهنئك يا رسول الله، وهنأه المسلمون [٧] . فلما قدم ﷺ المدينة جاءه أبو بصير [٨] ، رجل من قريش وقد أسلم، فبعثوا رجلين في طلبه فرده معهما، فقتل أحدهما في الطريق، وهرب الآخر، فقدم أبو بصير على
стр. 1063
رسول الله ﷺ فقال: وفيت بذمتك يا رسول الله، فقال ﷺ : «ويل أمه مسعر حرب» [١] ، ففهم أنه سيرده، فذهب إلى ساحل البحر فجلس في طريق قريش، وخرج إليه جماعة ممن كان محبوسا بمكة، منهم: أبو جندل. فصاروا نحوا من سبعين، وكانوا يعترضون أموال قريش [٢] ، فأرسلت قريش إلى رسول اللَّه ﷺ يناشدونه أن يرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن، فأرسل إليهم رسول الله ﷺ ، فقدموا المدينة.
وفي هذه الهدنة [٣] : هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط- وكانت قد أسلمت وبايعت بمكة- فخرجت في زمن الهدنة، وهي أول من هاجر من النساء، فخرجت وحدها وصاحبت رجلا من خزاعة حتى قدمت المدينة. فخرج في أثرها أخواها: / الوليد، وعمارة [ابنا عقبة] حتى قدما المدينة، فقالا: يا محمد ف لنا بشرطنا، فقالت أم كلثوم: يا رسول الله، أنا امرأة وحال النساء في الضعف ما قد علمت، فتردني إلى الكفار فيفتنوني عن ديني ولا صبر لي؟ فنقض الله العهد في النساء في صلح الحديبية وأنزل فيهن المحنة وحكم في ذلك بحكم رضوه كلهم، ونزل في أم كلثوم:
فَامْتَحِنُوهُنَّ الله [أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَ] ٦٠: ١٠ [٤] . فامتحنها رسول الله ﷺ وامتحن النساء بعدها، يقول: «والله ما أخرجكن إلا حب الله ورسوله [والإسلام] [٥] ، ما خرجتن لزوج ولا مال» فإذا قلن ذلك تركن ولم يرددن إلى أهليهن [٦] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أبي طاهر، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد الجوهري، قَالَ: أخبرنا أبو عمرو بن حيويه، قال: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أسامة، قال: أخبرنا محمد بن سعد، قال: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ:
ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَأَوْعَدَهُمْ فِيهَا، وَأَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ.
وفي عمرة الحديبية: أصاب كعب بن عجرة الأذى في رأسه، وأمر رسول الله ﷺ صاحب هديه واسمه ناجية بما عطب من الهدي أن ينحره، وأن يغمس نعله في دمه.
وفيها: صاد أبو قتادة حمار وحش.
وفيها: مطر النَّاسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أصبح الناس رجلان: مؤمن باللَّه كافر بالكواكب، وكافر باللَّه مؤمن بالكواكب» [١] .
وفيها: هبط قوم ليغتالوا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ :
وفِي إفراد مسلم من حديث أنس، قال: لما كان [٢] يوم الحديبية هبط على رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون من أهل مكة في السلاح من قبل التنعيم يريدون غرة رسول الله ﷺ ، فدعا عليهم فأخذوا، ونزلت: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ ٤٨: ٢٤ [٣] .
[وفي هذه السنة] : ذبح عويم بن أشقر أضحيته قبل أن يغدو، فأمره رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ يعيد.
قال أبو الحسن المدائني: ووقع في هذه السنة طاعون، وهو أول طاعون كان] [٤] .
وفي هذه السنة [٥] : بعث رسول الله ﷺ الرسل، ستة نفر، فخرجوا مصطحبين
стр. 1066
فِي ذي الحجة: حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس، ودحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر، وعبد الله بن حذافة إلى كسرى، وعمرو بن أمية إلى النجاشي، وشجاع بن وهب [١] إلى الحارث بن أَبِي شمر الغساني، وسليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي.
وفي هذه السنة اتخذ الخاتم، وذلك أنه قيل له: إن الملوك لا تقرأ كتابا إلا مختوما [فاتخذ الخاتم] [٢]
. ذكر ما جرى من هؤلاء الملوك حين/ بعث إليهم [٣]
قال مؤلف الكتاب [٤] :
أما المقوقس [٥] فإنه لما وصل إليه حاطب بن أبي بلتعة أكرمه وأخذ كتاب رسول الله ﷺ وكتب في جوابه:
«قد علمت أن نبيا قد بقي، وقد أكرمت رسولك» ، وأهدى إلى رسول الله ﷺ أربع جوار، منهن مارية أم إبراهيم [ابْن رسول الله ﷺ ] [٦] ، وحمارا يقال له: عفير [٧] ، وبلغة يقال لها: الدلدل، ولم يسلم.
فقبل رسول الله ﷺ هديته، وقال: «ضن الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه» .
واصطفى مارية لنفسه، وأما الحمار فنفق في منصرفه من حجة الوداع، وأما البغلة فبقيت إلى زمن معاوية.
стр. 1067
أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، قَالَ: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
لما رجع رَسُول اللَّه ﷺ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ بَعَثَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُقَوْقِسِ الْقِبْطِيِّ صَاحِبِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَكَتَبَ إليه معه كتابا يدعوه إلى الإسلام، فلما قَرَأَ الْكِتَابَ قَالَ لَهُ خَيْرًا، وَأَخَذَ الْكِتَابَ- وَكَانَ مَخْتُومًا- فَجَعَلَهُ فِي حُقٍّ مِنْ عَاجٍ وَخَتَمَ عَلَيْهِ وَدَفَعَهُ إِلَى جَارِيَةٍ لَهُ، وَكَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ جَوَابَ كِتَابِهِ وَلَمْ يُسْلِمْ وَأَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ مؤلف الكتاب [١] : إِلا أَنَّ هَذِهِ الْهَدِيَّةَ وَصَلَتْ فِي سَنَةِ سَبْعٍ، وَسَنَذكر هَذَا.
وأما قيصر وهو هرقل ملك الروم [٢] فإنه كان قد ظهر على من كان بأرضه من فارس، وأخرجهم منها، وانتزع [له منهم] [٣] صليبه الأعظم، وكانوا قد استلبوه إياه، فخرج من حمص يمشي على قدميه شكرا للَّه حين رد عليه ما رد تبسط له البسط، وتلقى عليها الرياحين حتى انتهى إلى إيلياء وقضى فيها صلاته، وأنه أصبح يوما مهموما يقلب طرفه في السماء، فقالت له بطارقته:
لقد أصبحت أيها الملك مهموما، قال: / أجل أريت في هذه الليلة أن ملك الختان ظاهر، قالوا: ما تعلم أمة تختتن إلا يهود، وهم في سلطانك وتحت يدك، فابعث إلى من لك عليه سلطان في بلادك، فمره أن يضرب أعناق من تحت يده من يهود، واسترح من هذا الهم، فبينما هم في ذلك من رأيهم أتاه رسول صاحب بصرى برجل من العرب يقوده، فقال: أيها الملك إن هذا من العرب يحدث عن أمر يحدث ببلاده عجب، قال هرقل لترجمانه: سله ما هذا الحدث الذي كان ببلاده؟ فسأله فقال: خرج من بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبي فاتبعه ناس وخالفه آخرون، وكانت بينهم ملاحم فتركتهم على ذلك،
стр. 1068
فقال: جردوه، فجردوه، فإذا هو مختون، فقال هرقل: هذا والله الذي رأيت، أعطوه ثوبه، انطلق عنا ثم دعي صاحب شرطته، فقال: قلب لي الشام ظهرا وبطنا حتى تأتيني برجل من قوم هذا الرجل- يعني النبي ﷺ .
قال أبو سفيان: وكنت قد خرجت في تجارة في زمان الهدنة، فهجم علينا صاحب شرطته، فقال: أنتم قوم هذا الرجل؟ قلنا: نعم فدعانا.
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ علي التميمي، قَالَ: أخبرنا أحمد بن جعفر بْنُ حَمْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ [بْنِ مَسْعُودٍ] [١] ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ:
أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كتب إلى قَيْصَرَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلامِ، وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ [٢] مَعَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيُّ، وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى [لِيَدْفَعَهُ] [٣] إِلَى قَيْصَرَ، [فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى] [٤] ، وَكَانَ قَيْصَرَ لَمَّا كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ مَشَى مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَا [٥] ، عَلَى الزَّرَابِيِّ [٦] تُبْسَطُ لَهُ.
قَالَ [عَبْدُ اللَّهِ] بْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا جَاءَ قَيْصَرَ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ حِينَ قَرَأَهُ:
الْتَمِسُوا لِي مِنْ قَوْمِهِ مَنْ/ أَسْأَلُهُ عن رسول الله ﷺ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ صَخْرُ بْنُ حَرْبٍ أَنَّهُ كَانَ بِالشَّامِ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدِمُوا تُجَّارًا وَذَلِكَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبين كفار [قريش] [٧] .
سلام على من اتبع الهدى أما بعد. فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدَاعِيَةِ الإِسْلامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ/ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَعَلَيْكَ إثم الأريسيّين [١]- يعني الأكّارة يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٣: ٦٤ [٢] . قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَضَى مَقَالَتَهُ عَلَتْ أَصْوَاتُ الَّذِينَ حَوْلَهُ مِنْ عُلَمَاءِ الرُّومِ، وَكَثُرَ لَغَطُهُمْ فَلا أَدْرِي مَاذَا قَالُوا. وَأَمَرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا.
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَصْحَابِي وَخَلَصْتُ قُلْتُ لَهُمْ: أُمِرَ أَمْرُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ [٣] ، هَذَا مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ [٤] يَخَافُهُ.
قال أبو سفيان: فو الله مَا زِلْتُ ذَلِيلا مُسْتَيْقِنًا أَنَّ أَمْرَهُ سَيَظْهَرُ، حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ قَلْبِي الإِسْلامَ وَأَنَا كَارِهٌ [٥] .
قال مؤلف الكتاب: وروينا عن الزهري، قال [٦] : حدثني أسقف النصارى: أن هرقل قدم عليه كتاب رسول الله ﷺ ، فجعله بين فخذيه وخاصرته. ثم كتب إلى رجل برومية كان يقرأ من العبرانية ما يقرءونه يخبره بما جاء إليه صاحب رومية: إنه للنبي الذي كنا ننتظر، لا شك فيه، فاتبعه وصدقه.
стр. 1072
فأمر ببطارقة الروم، فجمعوا له في دسكرة [١] ، فأشرجت [٢] أبوابها [عليهم] [٣] ، ثم اطلع عليهم من عَلَيْهِ له، وقد خافهم على نفسه، وقال: يا معشر الروم، إنه قد أتاني هذا الرجل يدعوني إلى دينه، وإنه والله للنبي الذي كنا ننتظره ونجده في كتبنا، فهلموا فلنتبعه فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا.
فنخروا نخرة رجل واحد، ثم ابتدروا أبواب الدسكرة فوجدوها قد أغلقت، فقال:
ردوهم، ثم قَالَ: يا معشر الروم، إنما قلت لكم [ما قلت] [٤] لأنظر كيف صلابتكم على دينكم، وقد رأيت منكم الَّذِي أسر به، فوقعوا له سجودا؟ وانطلقوا.
وروى ابن إسحاق عن بعض أهل العلم [٥] ، أن هرقل قال لدحية: والله إني لأعلم أن صاحبك نبي مرسل، وإنه الذي كنا ننتظره، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لا تبعته، فاذهب إلى فلان الأسقف فاذكر له أمر صاحبك، فهو والله أعظم في الروم/ مني.
فجاءه دحية، فأخبره، فقال له: صاحبك والله نبي مرسل نعرفه. ثم دخل فألقى ثيابا سودا كانت عليه، ولبس ثيابا بيضاء، ثم خرج، فقال: قد جاءنا كتاب من أحمد يدعونا فيه إلى اللَّه ، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن أحمد عبده ورسوله.
فوثبوا عليه [وثبة رجل واحد] [٦] ، فضربوه حتى قتلوه. فرجع دحية فأخبر هرقل، فقال: قد قلت ذَلكَ، إنا نخافهم على أنفسنا.
وذكر ابن إسحاق، عن خالد بن يسار [٧] ، عن رجل من قدماء أهل الروم [٨] ، قال: لما أراد هرقل الخروج من أرض الشام إلى القسطنطينية، لما بلغه من أمر رسول
стр. 1073
اللَّه ﷺ جمع الروم، وقال: إني عارض عليكم أمورا، فانظروا [فيم قد أردتها] [١] قالوا: وما هي؟ قَالَ: تعلمون والله أن هذا الرجل لنبي مرسل نجده في كتبنا ونعرفه بصفته، فهلم نتبعه. فقَالُوا: نكون تحت أيدي العرب، قال: فأعطيه الجزية كل سنة، اكسروا عني شوكته وأستريح من حربه، قالوا: نعطي العرب الذل والصغار، لا والله، قال: فأعطيه أرض سورية- وهي فلسطين، والأردن، ودمشق، وحمص، وما دون الدرب- قالوا: لا نفعل، قال: أما والله لترون أنكم قد ظفرتم إذا امتنعتم منه في مدينتكم. ثم جلس على بغل له، [فانطلق] [٢] حتى إذا أشرف على الدرب استقبل أرض الشام، فقال: السلام عليك أرض سورية سلام الوداع، ثم ركض يطلب القسطنطينية.
وأما كسرى فإن رسول الله ﷺ بعث إليه بكتاب مع عبد الله بن حذافة.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، [قَالَ: أخبرنا أحمد بن جَعْفَرٍ] [٣] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قال: حدثني أبي، قال: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ حَدَّثَنِي صَالِحُ [بْنُ كَيْسَانَ] ، [٤] وَابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْد الله/ بن حُذَافَةَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى، [فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى] [٥] ، فَلَمَّا قَرَأَهُ كِسْرَى خَرَّقَهُ [٦] . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَحَسِبْتُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [بِأَنْ] يُمَزَّقُوا كُلَّ ممزق [٧] .
قَالَ الْقُرَشِيُّ: وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنِ الْمَقْبَرِيِّ، قَالَ:
جَاءَ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ كِسْرَى كَتَبَ إِلَى بَاذَانَ: بَلَغَنِي أَنَّ فِي أَرْضِكَ رَجُلا نَبِيًّا فَارْبُطْهُ وَابْعَثْهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ عَلَى رَبِّكَ فَقَتَلَهُ وَدَمُهُ يَثْخِنُ السَّاعَةَ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَسَمِعَ الْخَبَرَ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلامُهُ.
قال علماء السير [١] : كان أبرويز قد جمع من الأموال ما لم يجمعه أحد، ومن الجواهر والأمتعة والكراع، وافتتح من بلاد أعدائه، وبلغت خيله القسطنطينية وإفريقية، وكان شديد الفطنة، قوي الذكاء، بعث الإصبهبذ مرة إلى الروم فأخذ خزائن الروم وبعثها إلى كسرى، فخاف كسرى أن يتغير عليه الإصبهبذ لما قد نال من الظفر، فبعث من يقتله، فجاء إِلَيْهِ الرجل، فرأى من عقله وتدبيره، فقال: مثل هذا لا يقتل، فأخبره بما جاء لأجله، فبعث إلى قيصر: إني أريد أن ألقاك.
فالتقيا فقال له: إن الخبيث قد هم بقتلي، وإني أريد إهلاكه، فاجعل لي من نفسك ما أطمأن إِلَيْهِ، وأعطيك من بيوت أمواله مثل ما أصبت منك. فأعطاه المواثيق.
فسار قيصر في أربعين ألفا فنزل بكسرى، / فعلم كسرى كيف جرت الحال، فدعا قسا نصرانيا، فقال: إني كاتب معك كتابا لطيفا لتبلغه إلى الإصبهبذ ولا تطلعن على ذلك أحدا، فأعطاه ألف دينار، وقد علم كسرى أن القس يوصل كتابه إلى قيصر لأنه لا يحب هلاك الروم، وكان في الكتاب: إن الله قد أمكن منهم بتدبيرك فلا عدمت صواب الرأي، وأنا ممهل قيصر حتى يقرب من المدائن، ثم أغافصه في يوم كذا فأغير على من قبلك فإنه استئصالهم، فخرج القس بالكتاب فأوصله إلى قيصر، فقال قيصر:
ما أراد إلا هلاكنا. فانهزم واتبعه كسرى فنجى في شرذمة، وبلغ من فطنة كسرى أن منجميه قالوا: إنك ستقتل، فقال: لا قتلن من يقتلني [٢] .
فلما بعث ابنه إليه ليقتله قال للرجل: إني أدلك على شيء فيه غناك الصندوق
стр. 1077
الفلاني. فذهب إلى شيرويه فأخبره، فأخرج الصندوق وفيه حق وفي الحق حب، وهناك مكتوب: من أخذ منه حبة افتض عشرة أبكار، فأخذه شيرويه وأعطى الرجل مالا، ثم أخذ منه حبة، فكان فيها هلاكه.
فكان كسرى أول ميت أخذ بثأره من حي.
قالوا: كان كسرى يشتي بالمدائن، ويصيف ما بينها وبين همذان، وكانت له اثنا عشر ألف امْرَأَة وجارية.
وقال بعض العلماء: كان في قصره ثلاثة آلاف امرأة يطؤهن، وألوف جواري [اتخذهن] للخدمة والغناء، وثلاثة آلاف رجل يقومون بخدمته، وثمانية آلاف وخمسمائة دابة لمراكبه، واثني عشر ألف بغلا لثقله، وكان له خمسون ألف دابة، وألف فيل إلا واحدا.
وبعضهم يقول: سبعمائة وستون فيلا، وبنى بيوت النيران، وأقام فيها اثني عشر ألف موبذ للزمزمة، وأحصي ما جبي من خراج بلاده وغير ذلك من المال المرتفع في سنة ثمان عشرة من ملكه، فكان/ أربعمائة ألف ألف مثقال وعشرين ألف ألف مثقال من الورق.
ثم حسد الناس على ما في أيديهم من المال وولي جباية الخراج من يظلم، واحتقر الأشراف، وأمر بقتل من في السجون وكانوا ستة وثلاثين ألفا، فتعلل المأمور وذهب الناس من العظماء إلى بابل وفيه شيرويه ابنه فأقبلوا به فلزموه ودخلوا به المدائن ليلا، فأطلق الأشراف، ودخل دار المملكة، واجتمع إليه الوجوه فملكوه، وأرسل إلى أبيه يقرعه بما كان منه.
واسم شيرويه [١] قباذ بن أبرويز، فلما ملك وحبس أباه دخل عليه عظماء الفرس، فقالوا له: إنه لا يستقيم أن يكون لنا ملكان، فإما أن تقتل كسرى ونحن راجعون لك [٢] بالطاعة، وإما أن نخلعك ونعطيه الطاعة على ما كنا عليه، فكسرته هذه المعادلة، وأمر
стр. 1078
بتحويل كسرى من دار المملكة إلى دار رجل يقال له مارسفند، فحمل كسرى على برذون، وقنع رأسه، وسير به إلى تلك الدار ومعه ناس من الجند، فمروا به على إسكاف [جالس] [١] في حانوت عَلَى الطريق، فعرفه فحذفه بقالب، فعطف إليه رجل من الجند فضرب عنقه.
وقال شيرويه لرجل [٢] : انطلق إلى الملك أبينا فقل له: إنا لم نكن للبلية التي أصبحت فيها ولا أحد من رعيتنا سببا، ولكن الله قضاها عليك جزاء لسيئ عملك وفتكك بأبيك هرمز، وإزالتك الملك عنه، وسملك عينيه، وقتلك إياه شر قتلة، ومنها سوء صنيعك إلى أبنائك، ولقد حظرت علينا مجالسة الأخيار، وكل من لنا فيه دعة وغبطة. ومنها إساءتك إلى أهل السجون فلقوا الشدائد، ومنها حبسك النساء لنفسك مكرهات مع ترك العطف عليهن، ومنها ما انتهكت من رعيتك في أمر الخراج وجمعك الأموال من وجوه المضار، وعدد عَلَيْهِ من هذا الفن، ثم قال: فإن كانت لك حجة فاذكرها، وإلا فتب إلى الله تعالى حتى نأمر فيك بأمرنا.
فمضى الرجل، فاستأذن عليه/ الحاجب، فقال كسرى: إن كان له إذن فليس لشيرويه ملك، وإن كَانَ لشيرويه ملك فلا إذن لنا معه. فدخل الرجل فبلغ الرسالة، وكانت بيد أبرويز سفرجلة فتدحرجت وتلوثت بالتراب، فقال كسرى: الأمر إذا أدبر فاتت الحيلة في إقباله، وإذا أقبل أعيت الحيلة في إدباره، فإن هذه السفر جلة سقطت من علو ثم لم تلبث أن تلطخت بالتراب، وفي ذلك دليل على سلب الملك، فإنه لا يلبث في أيدي عقبنا حتى يصير إلى من ليس من أهل المملكة.
فلما سمع الرسالة، قال: بلغ عني شيرويه القصير العمر أنه لا ينبغي [لذي عقل أن يبث من أحد الصغير من الذنب، ولا اليسير من السيئة] [٣] إلا بعد تحقق ذلك عنده، ثم أخذ يعتذر عن ما نسب إليه.
فعاد بالجواب، فعاد عظماء الفرس تقول: لا يستقيم لنا ملكان، فأمر شيرويه بقتل
стр. 1079
كسرى، فانتدب لقتله رجال كان وترهم كسرى، فلما دخلوا عليه شتمهم فلم يقدموا على قتله، فتقدم منهم شاب كان كسرى قد قطع يد أبيه، فضربه بطبرزين على عاتقه فلم يحك فيه، ففتش كسرى، فإذا به قد شد على عضده خرزة لا يحبك السيف في من علقت عليه، فنحيت عنه، ثم ضربه أخرى فهلك.
وبلغ شيرويه فخرق جيبه وبكى منتحبا، وأمر بحمل جثته إلى الناووس، وشيعها العظماء، وأمر بقتل قاتل كسرى.
وكان ملك كسرى ثمانيا وثلاثين سنة، وخلف في بيت المال يوم قتل من الورق أربعمائة ألف بدرة، سوى الكنوز والذخائر والجواهر وآلات الملوك، فلما ملك شيرويه لم يتمتع بشيء من اللذات، بل جزع وبكى وعاش مهموما حزينا، ثم مات بعد ثمانية أشهر، ويقال: ستة أشهر.
أنبأنا مُحَمَّد بْن ناصر، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن بْن خيرون، قال: أخبرنا الحسن بن الحسين بن دوما، قال: أخبرنا جدي لأبي إسحاق بن محمد الثعالبي، قال:
أخبرنا عبد الله بن إِسْحَاق المدائني، قال: أخبرنا/ قعنب بن المحور قال أخبرنا بكار، قال حدثنا عوف، عن غالب بْن عجرد، قال:
وجدنا صرة من حنطة في كنوز كسرى بن هرمز بن زياد، فإذا كل حبة مثل النواة، ووجدنا فيها كتابا: هذا ما كانت تنبت الأرض حين كان يعمل فيها بالصلاح زمن سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام.
وأما النجاشي فقال ابن إسحاق [١] : بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أَبِي طالب وأصحابه، وكتب معه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى النجاشي ملك الحبشة، فإني أحمد إليك اللَّه الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن
стр. 1080
مريم روح الله وكلمته، ألقاها إلى مريم البتول الطيبة، فحملت بعيسى، وإني أدعوك إلى اللَّه وحده لا شريك له، [والموالاة على طاعته] [١] ، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني، فإني رسول اللَّه، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين، والسلام على من اتبع الهدى» .
فكتب النجاشي إلى رسول الله ﷺ :
بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله، من النجاشي، سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته الذي لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام.
أما بعد، فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى ﵇، فو ربّ السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت ثفروقا [٢] ، إنه كما قلت، وقد عرفنا ما بعثت بِهِ إلينا، وقد قرينا [٣] ابن عمك وأصحابه، وأشهد أنك رسول الله، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه للَّه رب العالمين، وقد بعثت إليك يا نبي الله فإن شئت أن آتيك يا رسول الله فعلت، وإني أشهد أن ما تقول حق، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
قال ابن إسحاق: وذكر أنه بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة حتى إذا توسطوا البحر غرقتهم سفينتهم فهلكوا.
وقال الواقدي عن أشياخه [٤] : إن أول/ [رسول] [٥] بعثه رسول الله ﷺ عمرو بن أمية إلى النجاشي، وكتب إليه كتابين يدعوه في أحدهما إلى الإسلام، ويتلو عليه القرآن، فأخذ كتاب رسول اللَّه ﷺ فوضعه على عينيه، ونزل عن سريره وجلس على الأرض متواضعا ثم أسلم وشهد شهادة الحق، وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته، وكتب إلى رسول الله ﷺ بإجابته وتصديقه وإسلامه على يدي جعفر بن أبي طالب.
وفي الكتاب الآخر [يأمره] أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت
стр. 1081
قد هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش الأسدي، فتنصر هناك ومات، وأمره ﷺ في الكتاب أن يبعث لمن قبله من أصحابه وعلمهم، ففعل ذلك.
قال مؤلف الكتاب: وهذه الأخبار دالة على أن النجاشي هو الذي كانت الهجرة إلى أرضه.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ الْحَسَنِ، قال: أخبرنا عبد الغفار بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَد الْجَلْوَدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، قال: حدّثنا مسلم بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ:
أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ .
قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ: فَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَتَبَ إِلَى آَخَرٍ مِنْ مُلُوكِ الْحَبَشَةِ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ إِلَى ذَاكَ.
وأما الحارث بن أبي شمر الغساني فروى الواقدي عن أشياخه [١] ، قَالُوا: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أَبِي شمر الغساني يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتابا، قال شجاع: فأتيت إليه وهو بغوطة دمشق، وهو مشغول بتهيئة الإنزال والإلطاف لقيصر، وهو جاء من حمص إلى إيلياء، فأقمت/ على بابه يومين أو ثلاثة، فقلت [لحاجبه] [٢] : إني رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [إليه] ، فقال [٣] : لا تصل إليه حيث يخرج يوم كذا وكذا، وجعل حاجبه- وكان روميا- يسألني عن رسول الله ﷺ وما يدعو إليه، فكنت أحدثه عن صفة رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا يدعو إليه، فيرق حتى يغلبه البكاء، ويقول: إني قرأت الإنجيل فأجد صفة هذا النبي بعينه، فأنا أومن به وأصدقه، وأخاف من الحارث أن يقتلني، وكان يكرمني ويحسن ضيافتي. وخرج الحارث يوما فجلس ووضع التاج على رأسه، فأذن لي،
стр. 1082
فدفعت إليه كتاب رسول الله ﷺ ، فقرأه ثم رمى به، وقال: من ينتزع مني ملكي، أنا سائر إِلَيْهِ ولو كان باليمن جئته. علي بالناس. فلم يزل يعرض حتى قام، وأمر بالخيول تنعل، ثم قَالَ: أخبر صاحبك ما ترى.
وكتب إلى قيصر يخبره خبري وما عزم عليه، فكتب إليه قيصر ألا تسير إليه وأله عنه ووافني بإيلياء، فلما جاءه جواب كتابه دعاني فقال: متى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟ فقلت: غدا، فأمر لي بمائة مثقال ذهب، ووصلني حاجبه بنفقة وكسوة، وقال: أقرئ على رسول الله ﷺ مني السلام، فقدمت على رسول الله ﷺ ، فأخبرته فقال: «باد ملكه» . ومات الحارث بن أبي شمر عام الفتح.
وأما هوذة بن علي الحنفي قال مؤلف الكتاب: كان من الملوك العقلاء، إلا أن التوفيق عزيز، دخل على كسرى أبرويز، فقال له: أي أولادك أحب إليك، قال: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يقدم، والمريض حتى يبرأ، فقال: ما غذاؤك؟ قال: الخبز، فقال كسرى: هذا عقل الخبز لا عقل اللبن والتمر. وكان من يأكل الخبز عندهم ممدوحا.
وروى الواقدي عن أشياخه، قال [١] : بعث رسول الله ﷺ سليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتابا فقدم عليه فأنزله وحباه، وقرأ كتاب رسول الله ﷺ ، [وكتب إليه] وقال: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومي/ وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك، وأجاز سليط بن عمرو جائزة، وكساه أثوابا من نسج هجر، فقدم بذلك كله على رسول الله ﷺ وأخبره عنه بما كان وما قال، وقرأ كتابه، وقال: «لو سألني سيابة من الأرض ما فعلت، باد وباد ما في يديه» . فلما انصرف رسول اللَّه ﷺ يوم الفتح جاءه جبريل ﵇، وأخبره أنه قد مات.
وفي هذه السنة: أهدى ابن أخي عيينة لرسول الله ﷺ ناقة يقال لها «السمراء» ،
стр. 1083
فأثابه ثلاثا، فسخط وقال: «لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي، أو ثقفي، أو دوسي» . وفي هذه السنة: أجدبت الأرض فاستسقى رسول الله ﷺ للناس في رمضان.
وفيها: سبق رسول الله ﷺ بين الإبل، فسبقت القصواء، وسبق بالخيل فسبق فرس أبي بكر.
وفيها: استجار أبو العاص بن الربيع بزينب بنت رسول الله ﷺ فأجارته.
قال مؤلف الكتاب: وردها إليه على ما أشرنا إليه في ذكر غزوة بدر، وقد ذكرنا فيما تقدم أنه استجار بها، فلعله أشير إلى هذه الحالة.
وفيها: جاءت خولة بنت ثعلبة، وكان زوجها أوس بن الصامت، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنه ظاهر منها.
وفيها: تزوج عمر بن الخطاب ﵁ جميلة بنت ثابت، فولدت له عاصما، وطلقها عمر.
وفيها: وقف عمر بن الخطاب ﵁ أمواله بثمغ
. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٩٩- أم رومان بنت عامر بن عويمر [١] :
تزوجها الحارث بن سخبرة، فولدت له الطفيل ثم مات فتزوجها أبو بكر، وأسلمت بمكة قديما، وبايعت. وولدت لأبي بكر/ ﵁: عبد الرحمن، وعائشة، وهاجرت إلى المدينة، وكانت صالحة، وتوفيت في ذي الحجة من هذه السنة.
أَنْبَأَنَا أَبُو بكر بن عبد الباقي، قَالَ: أنبأنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو
стр. 1084
عَمْرو بْن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهِمِ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ [١] : لَمَّا دُلِّيَتْ أُمُّ رُومَانَ فِي قَبْرِهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «من سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى أُمِّ رُومَانَ» ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَبْرِهَا.
١٠٠- عتبة بن أسيد بن جابر، أبو بصير:
وكان حليفا لبني زهرة، أسلم بمكة قديما فحبسه المشركون عن الهجرة، وذلك قبل عام الحديبية، فلما نزل رَسُول اللَّه ﷺ الحديبية، وقاضى قريشا على ما قاضاهم عليه وقدم المدينة أفلت أبو بصير من قومه فسار على قدميه سعيا حَتَّى أتى رَسُول اللَّه ﷺ ، فكتب الأخنس بن شريق، وأزهر بن عبد عوف إلى رسول الله ﷺ كتابا فيه أن يرده إليهم على ما اصطلحوا عليه، وبعثاه مع خنيس بن جابر، فخرج خنيس ومعه مولاه كوثر فدفعه إليهما فخرجا به، فلما كانا بذي الحليفة عدى أبو بصير على خنيس فقتله، [وهرب كوثر حتى قدم المدينة فأخبر النبي ﷺ ، فرجع أبو بصير] [٢] فقال: وفت ذمتك يا رسول اللَّه، دفعتني إليهم فخشيت أن يفتنوني عن ديني فامتنعت، فَقَالَ رسول الله ﷺ لكوثر: «خذه فاذهب به» فقال: إني أخاف أن يقتلني، فتركه ورجع إلى مكة، فأخبر قريشا بما كان. وخرج أبو بصير إلى العيص فنزل ناحية على طريق قريش إلى الشام، فجعل من بمكة من المحتبسين يتسللون إلى أبي بصير، فاجتمع عنده منهم قريب من سبعين، فجعلوا لا يظفرون بأحد من قريش إلا قتلوه، ولا بعير لهم إلا اقتطعوها/ فكتبت قريش إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم ألا أدخل أبا بصير وأصحابه إليه فلا حاجة لنا بهم، فكتب النبي ﷺ إلى أبي بصير أن يقدم عليه مع أصحابه، فجاءه الكتاب وهو يموت، فجعل يقرأه ويقبله ويضعه على عينيه، فمات وهو في يديه، فغسله أصحابه وصلوا عليه ودفنوه هناك وبنوا عند قبره مسجدا، ثم قدموا على رسول الله ﷺ فأخبروه فترحم عليه.
стр. 1085
ثم دخلت سنة سبع من الهجرة
فمن الحوادث فيها: غزوة خيبر [١]
في جمادى الأولى، وخيبر على ثمانية برد من المدينة. وذلك أن رسول الله ﷺ أمر بالتهيؤ لغزوة خيبر، [وخرج] [٢] واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، وأخرج معه أم سلمة زوجته، فلما نزل بساحتهم أصبحوا وأفئدتهم تخفق وفتحوا حصونهم، وغدوا إلى أعمالهم معهم المساحي [والكرازين] والمكاتل، فلما نظروا إلى رسول الله ﷺ قالوا: محمد والخميس-[يعنون بالخميس الجيش] [٣]- فولوا هاربين إلى حصونهم، وجعل رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ ٣٧: ١٧٧» . ووعظ الناس وفرق عليهم الرايات [٤] ، ولم تكن الرايات إلا يوم خيبر إنما كانت الألوية، فكانت راية النبي ﷺ السوداء من بحرد لعائشة ﵂ تدعى العقاب، ولواؤه أبيض ودفعه إلى علي بن أبي طالب ﵁، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سعد بن عبادة، وكان شعارهم: «يا منصور أمت» .
وكان مع رسول الله ﷺ مائتا فرس، فقاتل المشركين وقاتلوه أشد قتال، وقتلوا من أصحابه، وقتل منهم، وفتحها حصنا حصنا، وهي حصون ذوات/ عدد، منها: النطاة،
стр. 1086
ومنها حصن الصعب بن معاذ، وحصن ناعم، وحصن قلعة الزبير، والشق [وبه] [١] حصون، منها: حصن أبي، وحصن النزار، وحصون الكتيبة، منها: القموص والوطيح وسلالم، وهو حصن ابن أبي الحقيق، وأخذ كنز آل أبي الحقيق- وكانوا قد غيبوه في خربة- فدله الله عليه فاستخرجه وقتل منهم ثلاثة وتسعين رجلا من يهود، منهم:
الحارث أبو زينب، ومرحب، وأسير، وياسر، وعامر، وكنانة بْن أبي الحقيق، وأخوه.
واستشهد من أصحاب النبي ﷺ بخيبر أبو ضياح بن النعمان في خمسة عشر رجلا، وأمر بالغنائم فجمعت واستعمل عليها فروة بن عمر البياضي، ثم أمر [بذلك] [٢] فجزئ خمسة أجزاء، وكتب في سهم منها للَّه، وأمر ببيع الأربعة أخماس في من يزيد، فباعها فروة وقسم ذلك بين أصحابه. وكان الذي ولي إحصاء الناس زيد بن ثابت فأحصاهم ألفا وأربعمائة، والخيل مائتي فرس، وقدم الدوسيون فيهم أبو هريرة، وقدم الأشعريون ورسول الله ﷺ بخيبر، [فلحقوه بها] [٣] ، فكلم رسول الله ﷺ أصحابه [٤] أن يشركوهم في الغنيمة ففعلوا، وقدم جعفر بن أبي طالب وأهل السفينتين من عند النجاشي بعد فتح خيبر، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «ما أدري بأيهما أسر: بقدوم جعفر، أو بفتح خيبر» ؟ وكانت صفية بنت حيي ممن سبى رسول الله ﷺ بخيبر فأعتقها وتزوجها.
قال ابن عمر: قاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم وغلبهم على الأرض والنخل، فصالحهم على أن تحقن دماءهم ولهم ما حملت ركابهم، وللنبي ﷺ الصفراء والبيضاء والسلاح ويخرجهم، وشرطوا للنبي ﷺ أن لا يكتموه شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فلما وجد المال الَّذِي غيبوه في مسك/ الجمل سبى نساءهم، وغلبهم على الأرض والنخل ودفعها إليهم على الشطر، فكان ابن رواحة يخرصها عليهم ويضمنهم الشطر.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ [١] : وَأَخْبَرَنَا عَفَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا/ ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:
وَقَعَتْ صَفِيَّةُ فِي سَهْمِ دِحْيَةَ- وَكَانَتْ جَارِيَةً جَمِيلَةً- فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ وَدَفَعَهَا إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَصْنَعُهَا وَتُهَيِّئُهَا، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلِيمَتَهَا التَّمْرَ وَالأَقْطَ [وَالسَّمْنَ] [٢] ، قَالَ: فَفُحِصَتِ الأَرِضُ أَفَاحِيصَ وَجِيءَ بِالأَنْطَاعِ فَوُضِعَتْ فِيهَا ثُمَّ جِيءَ بِالأَقْطِ وَالسَّمْنِ وَالتَّمْرِ، فَشَبِعَ النَّاسُ.
قال ابن سعد [٣] : قال أنس: كان في ذلك السبي صفية بنت حيي، فصارت إلى دحية الكلبي، ثم صارت بعد إلى النبي ﷺ فأعتقها ثم تزوجها، وجعل عتقها صداقها.
قال محمد بن حبيب: في هذه الغزاة أسهم رسول الله ﷺ النساء والصبيان سهما، وأسهم لمن غزا معه من اليهود.
وفيها: سم رسول الله ﷺ ، سمته زينب امرأة [سلام] [٤] بن مشكم، أهدت له شاة مسمومة، فأكل منها، فدعاها رسول الله ﷺ ، فاعترفت فقتلها، ويقال: بل عفى عنها
. [غزوة وادي القرى]
[٥] ولما انصرف رسول الله ﷺ عن خيبر ذهب إلى وادي القرى، وهي غزاة أيضا.
وبعضهم يعدها مع خيبر واحدة، لأن رسول الله ﷺ لم يعد إلى منزله، ولما نزل بوادي القرى حط رحله غلام له أهداه له رفاعة بن زيد الجذامي، فأتاه سهم غرب [٦] ، فقتله، فقالت الصحابة: هنيئا له الجنة، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «كلا والّذي نفسي بيده إنّ
стр. 1090
شملته الآن لتلتهب عليه نارا» . وكان غلها [١] يوم خيبر.
وفيها: نام رسول الله ﷺ عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس حين أحد على وادي القرى.
وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ [حين] [٢] قفل من غزاة خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى أعرس، وقال لبلال: أكلأنا الليلة، فصلى بلال ما قد رآه، ونام رَسُولُ/ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته فلم يستيقظ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظا، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال: أي بلال ما هذا؟ قال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئا، ثم توضأ رسول الله ﷺ ، وأمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة، قال: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ٢٠: ١٤ [٣]
. ومن الحوادث في هذه السنة أن رسول الله ﷺ كتب إلى النجاشي أن يزوجه أم حبيبة، وكانت قد خرجت مهاجرة إلى الحبشة، وأن يبعث إليه من بقي من أصحابه من الذين هاجروا إلى الحبشة، ففعل فقدموا المدينة، فوجدوا رسول الله صلي الله عليه وسلم قد فتح خيبر، فكلم المسلمون أن يدخلوهم في سهامهم، ففعلوا.
ومن الحوادث في هذه السنة
[قتل شيرويه أباه كسرى] [٤]
أن شيرويه قتل أباه كسرى على ما سبق ذكره. قال الواقدي: كان ذلك في ليلة