الأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَخَذَتْهُ الرَّأْفَةُ بِقَوْمِهِ وَالرَّغْبَةُ فِي قُرْبَتِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْوَحْيَ بِمَا قَالَتِ/ الأَنْصَارُ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، تَقُولُونَ أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَدْرَكَتْهُ الرَّأْفَةُ بِقَوْمِهِ وَالرَّغْبَةُ فِي قُرْبَتِهِ، فَمَنْ أَنَا إِذَنْ، كَلا وَاللَّهِ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ حَقًّا، الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ» قَالُوا: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قُلْنَا ذَلِكَ إِلا مَخَافَةَ أَنْ تُفَارِقَنَا، قَالَ: «أَنْتُمْ صَادِقُونَ عِنْدَ اللَّهِ [وَعِنْدَ] رَسُولِهِ» . قَالَ: وَاللَّهِ مَا فِيهِمْ إِلا مَنْ أَبْحَرَ بِالدُّمُوعِ. وهرب يومئذ عبد الله بن الزبعري، ثم عاد فأسلم، وهرب هبيرة بن أبي وهب وأقام كافرا.
وكان فتح مكة [يوم الجمعة] [١] لعشر بقين من رمضان فأقام بها خمس عشرة ليلة يصلي ركعتين ثم خرج إلى حنين، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد يصلي بهم، ومعاذ بن جبل يعلمهم السنن والفقه.
[أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حيويه، أخبرنا أحمد بن مَعْرُوفٍ، أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ] [٢] عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ [٣]
. ومن الحوادث في رمضان هذه السنة
سرية خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليال بقين من رمضان
[٤] وذلك أن رسول الله ﷺ بعثه إلى العزى ليهدمها، فخرج حتى انتهى إليها في
стр. 1122
ثلاثين رجلا فهدمها ثم رجع إلى رسول الله ﷺ ، فقال: «هل رأيت شيئا؟» قال: لا، قال: «فإنك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها» فرجع متغيظا فجرد سيفه، فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ثائر الرأس، فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجز لها باثنتين ورجع فأخبر النبي ﷺ ، فقال: «تلك العزى وقد أيست أن تعبد ببلادكم أبدا» . وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة، وكانت أعظم أصنامهم، وكان سدنتها بنو/ شيبان. قال مؤلف الكتاب: وقد اختلف العلماء في العزى على قولين، أحدهما: أنها شجرة كانت لغطفان يعبدونها. قاله مجاهد. والثاني: صنم. قاله الضحاك
. وفي رمضان أيضا كانت
سرية عمرو بن العاص [إلى سواع] [١]
وذلك أن رسول الله ﷺ بعثه حين فتح مكة إلى سواع، وهو صنم لهذيل، ليهدمه، قال عمرو: فانتهيت إليه وعنده السادن، فقال: ما تريد؟ قلت: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أهدمه، قال: لا تقدر على هدمه، قلت: ولم؟ قال: تمنع، قلت: ويحك هل يسمع أو يبصر، فكسرته وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته وقلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت للَّه
. ومن الحوادث
سرية سعد بن زيد الأشهلي في رمضان أيضا إلى مناة بالمشلل
[٢] بعثه رَسُول اللَّهِ ﷺ حين فتح مكة إلى مناة ليهدمها، وكانت المشلل للأوس والخزرج وغسان، فخرج في عشرين، فقال السادن: ما تريد؟ قال: هدمها، قال:
أنت وذاك؟! [فأقبل سعد يمشي إليها] [٣] وتخرج إليه امرأة [٤] عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل والثبور وتضرب صدرها، فبصر بها سعد فقتلها وهدموا الصنم.
قال مؤلف الكتاب: وسعد هذا قد شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ .
стр. 1123
ومن الحوادث
سرية خالد بن الوليد المخزومي إلى بني جذيمة بن كنانة وكان أسفل مكة على ليلة ناحية يلملم
[١] وذلك أن خالدا لما رجع من هدم العزى بعثه رسول الله ﷺ إلى بني جذيمة داعيا إلى الإِسْلام، ولم يبعثه مقاتلا، وذلك في شوال، فخرج في ثلاثمائة وخمسين، فلما وصل إليهم قَالَ لهم: ما أنتم؟ قالوا: [٢] مسلمون/ قد صلينا وصدقنا بمحمد، وبنينا المساجد [في ساحاتنا] وأذنا [فيها] ، [٣] قال: فما بال السلاح عليكم؟ قالوا: إن بيننا وبين قوم من العرب عداوة فخفنا أن تكونوا معهم، قال: فضعوا السلاح، فوضعوه، فقال:
استأسروا، فاستأسروا، فأمر بعضهم يكتف بعضا وفرقهم في أصحابه، فلما كان السحر نادى خالد: من كان معه أسير فليجهز عليه بالسيف، فأما بنو سليم من أصحابه فقتلوا من كان معهم، وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا أسراهم، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال:
اللَّهمّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد» . وبعث علي بن أبي طالب ﵁ فودى قتلاهم. وفيها: أسلم أبو سفيان بن الحارث، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، والحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وهشام بن الأسود، وحويطب بن عبد العزى، وشيبة بن عثمان، [والنضر بن الحارث] [٤]
. ومن الحوادث
غزوة حنين، وحنين واد بينه وبين مكة ثلاث ليال وهي غزوة هوازن
[٥] وذلك أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها إلى
стр. 1124
بعض وحشدوا [وبغوا] [١] . وجمع أمرهم مالك بن عوف النصري، فأمرهم فجاءوا معهم بأموالهم ونسائهم وأمهاتهم وحتى نزلوا بأوطاس، وجعلت الأمداد تأتيهم، وأخرجوا معهم دريد بن الصمة وهو أعمى ابن سبعين ومائة سنة يقاد وهو في شجار، وهو مركب من أعواد يهيأ للنساء، فقال: بأي واد هم؟ [٢] قالوا: بأوطاس، قال: نعم، مجال الخيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس- أي لين [٣]- ما لي أسمع رغاء الإبل [٤] ويعار الشاء [٥] ، قيل له: ساق مالك بن عوف مع الناس الظعن والأموال، فقال: ما هذا يا مالك؟ قال: أردت أن أحفظ/ الناس- يعني أذمرهم من الحفيظة أن يقاتلوا عن أهاليهم وأموالهم فانقض به- أي صفق بيده- وقال: راعي الضأن ما له وللحرب، وقال: أنت محل بقومك وفاضح عورتك- أي قد أبحت شرفهم- لو تركت الظعن في بلادهم والنعم فِي مراتعها، ولقيت القوم بالرجال على متون الخيل، والرجال [بين أضعاف الخيل، ومقدمة ذرية، أما الخيل] [٦] كان الرأي، والذرية مقدمة الخيل.
فأجمع القوم السير إلى رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم رسول الله ﷺ من مكة يوم السبت لست ليال خلون من شوال في اثني عشر ألفا من المسلمين: عشرة آلاف من المسلمين من [أهل] [٧] المدينة، وألفان من المسلمين من أهل مكة. فقال رجل [٨] : لا نغلب اليوم من قلة. وخرج مع رسول الله ﷺ ناس من المشركين كثير، منهم: صفوان ابن أمية، وكأن رسول الله ﷺ استعار منه مائة درع بأداتها، فانتهى إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوال، فبعث مالك بن عوف ثلاثة [نفر] [٩] يأتونه بخبر
стр. 1125
أصحاب رسول الله ﷺ فرجعوا [إليه] [١] وقد تفرقت أوصالهم من الرعب.
ووجه رسول الله ﷺ عَبْد الله بن أبي حدرد، فدخل عسكرهم فطاف به وجاء بخبرهم، فلما كان من الليل عمد مالك إلى أصحابه فعبأهم [في وادي حنين] [٢] فأوعز إليهم أن يحملوا على محمد ﷺ وأصحابه حملة واحدة، وعبأ رسول الله ﷺ أصحابه في السحر وصفهم صفوفا ووضع الألوية والرايات في أصحابه، فمع المهاجرين لواء يحمله علي بن أبي طالب، وراية يحملها سعد بن أبي وقاص، [وراية يحملها عمر بن الخطاب] [٣] ، ولواء الخزرج يحمله حباب بن المنذر، ولواء الأوس مع أسيد بن حضير، وركب رسول الله ﷺ بغلته البيضاء التي تسمى الدلدل، ولبس درعين والمغفر والبيضة، فاستقبلهم من هوازن شيء لم يروا مثله قط من الكثرة، وذلك في غبش الصبح، وحملوا/ حملة واحدة، فانهزم الناس، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يا أنصار ١٣٢/ أالله وأنصار رسوله، أنا عبد الله ورسوله» . ورجع رسول الله ﷺ إلى العسكر وثاب إليه من النهزم، وثبت معه يومئذ علي، والفضل والعباس، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وربيعة بن الحارث، وأبو بكر، وعمر، وأسامة بن زيد في ناس من أهل بيته وأصحابه. أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال:
حدثنا معمر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ أَبِيهِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَا مَعَهُ إِلا أَنَا وأبو سفيان بن الحارث [بن عبد المطلب] ، فَلَزِمْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ نُفَارِقْهُ وَهُوَ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ [٤] ، -[وَرُبَّمَا قَالَ مَعْمَرٌ: بَيْضَاءَ] [٥]- أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نعامة الجذامي [٦] ، فلما
قَالَ أَحْمَدُ: وَأَخْبَرَنَا عَارِمٌ، [حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّمِيمِيُّ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا السُّمَيْطُ السَّدُوسِيُّ] [١] ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا فَتَحْنَا مَكَّةَ غَزَوْنَا حُنَيْنًا [٢] ، فَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ بِأَحْسَنِ صُفُوفٍ رَأَيْتُ، فَصُفَّ الْخَيْلُ، ثُمَّ صُفَّتِ الْمُقَاتِلَةُ، ثُمَّ صُفَّتِ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ/، ثُمَّ صُفَّتِ الْغَنَمُ، ثُمَّ صُفَّتِ النَّعَمُ، قَالَ: وَنَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ قَدْ بَلَغْنَا سِتَّةَ آَلافٍ وَعَلَى مَجْنَبَةِ خَيْلِنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: فَجَعَلَتْ خُيُولُنَا تَلُوذُ خَلْفَ ظُهُورِنَا، قَالَ: فَلَمْ تَلْبَثْ أَنِ انْكَشَفَتْ خُيُولُنَا وَفَرَّتِ الأَعْرَابُ وَمَنْ تَعَلَّمَ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَنَاَدىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا لَلْمُهَاجِرِينَ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ» ، ثُمَّ قَالَ: «يَا لَلأَنْصَارِ يَا لَلأَنْصَارِ» . قَالَ أَنَسٌ: هَذَا حَدِيثُ عَمِّهِ، قَالَ:
قُلْنَا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، [قَالَ] : فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَيْمُ اللَّهِ مَا آَتَيْنَاهُمْ حَتَّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ، قَالَ: فَقَبَضْنَا ذَلِكَ الْمَالَ ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الطَّائِفِ فَحَاصَرْنَاهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ رَجِعْنَا إِلَى مَكَّةَ [٣] . قال علماء السير [٤] : لما انهزموا أمر رسول الله ﷺ ان يقتل من قدر عليه منهم فحنق المسلمون عليهم فجعلوا يقتلونهم حتى قتلوا الذرية، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل الذرية، وكان سيماء الملائكة يوم حنين عمائم حمر قد أسدلوها [بين أكتافهم] [٥] .
وعقد رسول الله ﷺ لأبي عامر الأشعري لواء ووجهه في طلبهم، فمنهم من ذهب إلى الطائف ومنهم من ذهب إلى نخلة، وقتل أبو عامر ممن لحق تسعة ثم قتل، واستخلف أبو عامر أبا مُوسَى الأشعري، فقاتلهم.
وبعث رسول الله ﷺ خلف من سلك طريق نخلة قوما فلقي منهم ربيعة بن رفيع دريد بن الصمة، فقال له: ما تريد؟ قال: قتلك، ثم ضربه ربيعة فلم يغن شيئا، فقال دريد: بئسما سلحتك أمك، خذ سيفي من مؤخر الرحل ثم اضرب به وارفع عن العظام،
كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم» ، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ الله، وَقَالَ الأَنْصَارُ كَذَلِكَ، وَقَالَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أَمَّا أنا وَبَنُو تَمِيمٍ فَلا، وَقَالَ/ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فَلا، وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: أَمَّا أنا وَبَنُو سليم فلا، فقال بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله.
فَقَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ أَمْسَكَ حَقَّهُ فَلَهُ بِكُلِّ إِنْسَانٍ ست فرائض من أول شيء نصيبه، فَرُدُّوا إِلَى النَّاسِ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن عبد الباقي [البزار، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ، أخبرنا أحمد بن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا محمد بن سعد] [١] عن عبد الله بن جعفر، وابن أبي ميسرة وَغَيْرِهِمْ، قَالُوا: قَدِمَ وَفْدُ هَوَازِنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ بَعْدَ مَا قَسَّمَ الْغَنَائِمَ، وَفِي ِالْوَفْدِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ أبو برقان، فقال يومئذ: يا رسول إِنَّمَا فِي هَذِهِ الْحَظَائِرِ مَنْ كَانَ يَكْلَئُوكَ مِنْ عَمَّاتِكَ وَخَالاتِكَ وَحَواضِنِكَ، قَدْ حَضَنَّاكَ فِي حجورنا وأرضعناك ثدينا، وَلَقَدْ رَأَيْتُكَ مُرْضَعًا فَمَا رَأَيْتُ خَيْرًا مِنْكَ، وَرَأَيْتُكَ فَطِيمًا فَمَا رَأَيْتُ فَطِيمًا خَيْرًا مِنْكَ، وَرَأَيْتُكَ شَابًّا [فَمَا رَأَيْتُ شَابًّا] [٢] خَيْرًا مِنْكَ، وَقَدْ تَكَامَلَتْ فِيكَ خِلالُ الْخَيْرِ، وَنَحْنُ مَعَ ذَلِكَ أَهْلُكَ [٣] وَعَشِيرَتُكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قَدِ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّكُمْ لا تُقْدِمُونَ» وَقَدْ قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّبْيَ، وَجَرَتْ فِيهِ السُّهْمَانُ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ أَرَبْعَةُ عَشَرَ رَجُلا مِنْ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، وَجَاءُوا بِإِسْلامٍ مِنْ وَرَاءِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَكَانَ رَأْسُ الْقَوْمِ وَالْمُتَكَلِّمُ أَبُو صْرَدٍ زُهَيْرُ بْنُ صَرْدٍ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أصل وَعَشِيرَةٌ وَقَدْ أَصَابَنَا مِنَ الْبَلاءِ مَا لا يَخْفَى عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا فِي هَذِهِ الْحَظَائِرِ عَمَّاتُكَ وَخَالاتُكَ وَحَواضِنُكَ، وَلَوْ مَلَحْنَا لِلْحَارِثِ بْنِ شَمْرٍ أَوِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ ثُمَّ نَزَلا مِنَّا مِثْلَ الَّذِي نَزَلْتَ بِهِ رَجَوْنَا عَطْفَهُمَا عَلَيْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمَكْفُولِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ خير الحديث
стр. 1131
أصدقه، وعندي من تَرَوْنَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ أَمْ/ أَمْوَالُكُمْ؟» قَالُوا: مَا كُنَّا نَعْدِلُ بِالأَنْسَابِ شَيْئًا، فَرُدَّ عَلَيْنَا أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، فَقَالَ: «أَمَّا مَا لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِِ فَهُوَ لَكُمْ، وَأَسْأَلُ لَكُمُ النَّاسَ، فَإِذَا صَلَّيْتُ الظُّهْرَ بِالنَّاسِ فقولوا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله، وَإِنِّي سَأَقُولُ لَكُمُْ مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ وَسَأَطْلُبُ لَكُمْ إِلَى النَّاسِ» .
فَلَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ قَامُوا فَتَكَلَّمُوا بِمَا قَالَ لَهُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ: «مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» وَرَدَّ الْمُهَاجِرُونَ وَرَدَّ الأَنْصَارُ، وَسَأَلَ قَبَائِلَ الْعَرَبِ فَاتَّفَقُوا عَلَى قْوَلٍ وَاحِدٍ بِتَسْلِيمِهِمْ بِرِضَاهُمْ، وَدَفْعِ مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ [مِنَ السَّبْيِ إِلا قَوْمٌ تَمَسَّكُوا بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ] [١] فَأَعْطَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِبِلا عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ. قال علماء السير: وسأل رسول الله ﷺ وفد هوازن عن مالك بن عوف، فقالوا:
هو بالطائف، فقال: «إن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الإبل» فبلغه فأتى وأسلم، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واستعمله على قومه وعلى من أسلم من حول الطائف.
فلما فرغ رسول الله ﷺ ورد السبي ركب وتبعه الناس يقولون: أقسم علينا الإبل والغنم حتى ألجئوه إلى شجرة فخطفت رداءه، فقال: «ردوا علي ردائي، فو الله لو كان لي عدد شجر تهامة نعما لقسمتها عليكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا» . ثم أمر رسول الله ﷺ بالغنائم فجمعت، فكان السبي ستة آلاف رأس. [قال مؤلف الكتاب] [٢] : وقد ذكرنا أنه رد ذلك، وكانت الإبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة وأربعة آلاف أوقية فضة، فأعطى رسول الله ﷺ المؤلفة قلوبهم، وأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية، ومائة من الإبل، [قال: ابني يزيد، قال: «أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل» ، قال: ابني معاوية، قال: «أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل» ، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل] [٣] ثم سأله مائة أخرى فأعطاه، [وأعطى النضر بن الحارث مائة من الإبل] [٤] ، وكذلك أسيد بن حارثة،
стр. 1132
والحارث بن هشام، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وقيس/ بن عدي، وحويطب، والأقرع بن حابس، وعيينة، ومالك بن عوف. وأعطى العلاء بن حارثة خمسين بعيرا، وكذلك مخرمة بن نوفل، وعثمان بن وهب، وسعيد بن يربوع، وهشام بن عمرو، وذلك كله من الخمس، وأعطى العباس بن مرداس أباعر، فلم يرض وقال:
أتجعل نهبي ونهب العنيد ... بين عيينة والأقرع
والعنيد اسم فرسه فزاده حتى رضي.
وكانت هذه القسمة بالجعرانة، وحينئذ تكلمت الأنصار، وقالوا: أما [عند] القتال فنحن، وحينئذ قام ذو الخويصرة فقال: اعدل فإنك لم تعدل.
رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجِعِرَّانَةِ وَهُوَ يَقْسِمُ الْغَنَائِمَ وَالتِّبْرَ وَهُوَ فِي حِجْرِ بِلالٍ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ هَذَا فِي أصحاب له، وإن أصحابا لهذا يقرءون الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» . قال مؤلف الكتاب: وهذا الرجل يعرف بذي الخويصرة
. ومن الحوادث
[بعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي بالبحرين يدعوه إلى الإِسْلام] [١]
أن رسول الله ﷺ لما انصرف من الجعرانة بعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي العبدي وهو بالبحرين يدعوه إلى الإسلام، وكتب له كتابا، فكتب إلى رسول الله ﷺ بإسلامه: إني قد قرأت كتابك على أهل هجر، فمنهم من أعجبه الإسلام ودخل فيه ومنهم من كرهه، وما رضي يهود ومجوس، فأحدث إلي في ذلك أمرك.
فكتب إليه رسول الله ﷺ : «إنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية» .
стр. 1133
ومن الحوادث
سرية الطفيل بن/ عمرو السدوسي إِلى ذِي الْكَفَّيْنِ صَنَمِ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ الدوسي [١]
وذلك أن رسول الله ﷺ لما أراد المسير إلى الطائف بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين، وأمره أن يستمد قومه ويوافيه بالطائف، فخرج فهدم ذا الكفين، وأخذ من قومه أربعمائة فوافوا النبي ﷺ بالطائف، وقدم على رسول الله ﷺ وفد ثعلبة فأجارهم
. ومن الحوادث في شوال
غزوة الطائف [٢]
وذلك أن رسول الله ﷺ خرج من حنين يؤم الطائف، وقدم خالد بن الوليد على مقدمته، وقد كانت ثقيف رموا حصنهم وأدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة، وتهيأوا للقتال.
وسار رسول الله ﷺ ، فنزل قريبا من حصن الطائف [وعسكر هناك] [٣] فرموا المسلمين بالنبل حتى أصيب ناس من المسلمين، ورمي عبد الله بن أبي بكر الصديق يومئذ فاندمل الجرح ثم انتقض به بعد ذلك فمات [منه] [٤] ، فحاصرهم رسول الله ﷺ ثمانية عشر يوما، وقيل: خمسة عشر يوما، ونصب عليهم المنجنيق، ونادى منادي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر» . فخرج بضعة عشر رجلا فيهم أبو بكرة فنزل في بكرة، فقيل أبو بكرة ولم يؤذن للنبي ﷺ في فتح الطائف، فأذن بالرحيل، فقال المسلمون: نرحل ولم يؤذن بفتح لنا، قال: «فاغدوا على القتال» ، فقاتلوا وأصابتهم جراحات، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «إنا قافلون» فسروا بذلك. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن عبد الباقي [قال: أخبرنا الْحَسَن بْن عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيْوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا قُبَيْصَةُ، حَدَّثَنَا سفيان، عن ثور] [٥] ، عن مكحول:
стр. 1134
أن رسول الله ﷺ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا [١]
. ومما جرى في هذا الحصار
مَا أَخْبَرَنَا بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقْرِيُّ، [وَمُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ الْحَافِظُ، قَالا: أَخْبَرَنَا طِرَادُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ] [٢] أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا فِي/ بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَعِنْدَهُ مُخَنَّثٌ جَالِسٌ، فَقَالا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ أَخِي أُمِّ سَلَمَةَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا أَدُلُّكَ عَلَى بِنْتِ غِيلانَ امْرَأَةٍ مِنْ ثَقِيفٍ تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ- يَعْنِي عُكْنَاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَدْخُلُ هَذَا عَلَيْكُنَّ» . قال مؤلف الكتاب: اسم هذا المخنث هيت وقيل: ماتع. وكان المخنثون على عهد رسول الله ﷺ : ماتع، وهدر، وهيت
. إسلام عروة بن مسعود الثقفي .
[أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن أبي طاهر، وأخبرنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أحمد بن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عمير الأَسْلَمِيُّ] [٣] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَحْيَى الأَسْلَمِيِّ، عَنْ مَنْ أَخْبَرَهُ، قَالُوا: لَمْ يَحْضُرْ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ حِصَارَ الطَّائِفِ، كَانَا بِجَرْشٍ يَتَعَلَّمَانِ صَنْعَةَ الْعَرَادَاتِ وَالْمَنْجَنِيقِ وَالدَّبَّابَاتِ، فَقَدِمَا وَقَدِ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [عَنِ الطَّائِفِ] ، فَنَصَبَا الْمَنْجَنِيقَ وَالْعَرَادَاتِ وَالدَّبَّابَاتِ، وَاعْتَدَّا لِلْقِتَالِ، ثُمَّ أَلْقَى اللَّهُ في قلب عروة بن مسعود
[وفي هذه السنة
طلاق رسول الله ﷺ سودة]
[١] أن رسول الله ﷺ طلق سودة، فجعلت يومها لعائشة فراجعها. كذا قال ابن حبيب الهاشمي.
وقال غيره: أراد طلاقها، فقالت: دعني أحشر في نسائك، واجعل يومي لعائشة.
وفيها: سال بطحان سيلا عظيما لم يسل في الجاهلية ولا الإسلام [مثله] [٢] .
وفيها: غلا السعر، فقالوا: سعر لنا.
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن مالك، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُرَيْجٌ، وَيُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالا: [٣] أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: غَلا السِّعْرُ عَلَى عَهْدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ سَعَّرْتَ لَنَا؟ قَالَ:
«إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ [الْقَابِضُ] [٤] الْبَاسِطُ الرَّازِقُ الْمُسَعِّرُ/، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلا يَطْلُبُنِي أَحَدٌ بِمَظْلَمَةٍ ظَلَمْتُهَا إِيَّاهُ فِي دَمٍ وَلا مَالٍ» [٥]
. وفي هذه السنة ولد إبراهيم ابْن رسول الله ﷺ من مارية وذلك في ذي الحجة
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بن أبي طاهر، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمرو بن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا محمد بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قال: أخبرنا يعقوب بن
لِصَبِيٍّ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ أَبُو سَيْفٍ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ / وَتَبِعْتُهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى أَبِي سَيْفٍ، وَهُوَ يَنْفُخُ بِكِيرِهِ وَقَدِ امْتَلأَ الْبَيْتُ دُخَانًا، فَأَسْرَعْتُ فِي الْمَشْيِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى أَبِي سَيْفٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَيْفٍ أَمْسِكْ فَقَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمْسِكْ ودعا رسول الله ﷺ بِالصَّبِيِّ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ. [قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ] [١] عروة، عن عائشة ﵂، قالت: لَمَّا وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيَّ فَقَالَ: «انْظُرِي إِلَى شَبَهِهِ بِي» فَقُلْتُ: مَا أَرَى شَبَهًا، فَقَالَ: «أَلا تَرَيْنَ إِلَى بَيَاضِهِ وَلَحْمِهِ» ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ مَنْ قُصِرَ عَلَيْهِ اللِّقَاحُ ابْيَضَّ وَسَمِنَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ [قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ:] [٢] وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِطْعَةُ غَنَمٍ تَرُوحُ عَلَيْهِ وَلَبَنُ لِقَاحٍ [لَهُ]
. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١١٦- جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم [٣] :
أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية ومعه زوجته أسماء بنت عميس، فولدت له هناك عبد الله، ومحمدا، وعونا، ولم يزل بالحبشة حتى قدم على رسول الله ﷺ وهو بخيبر، فالتزمه رسول الله ﷺ وقبل بين عينيه، وقال: «ما أدري بأيهما أفرح، بقدوم جعفر أم بفتح خيبر» . وقال له: «أشبهت خلقي وخلقي» . وكأن رسول الله صلي الله عليه وسلم قد أمر زيدا يوم مؤتة، وقال: «إن قتل فجعفر» ، فقتل زيد فتقدم جعفر فقاتل حتى قتل، فأخبر رسول الله ﷺ الناس وأمهل آل جعفر ثلاثا، ثم قال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم» وقال «إن له جناحين يطير بهما حيث شاء من الجنة» .
стр. 1139
١١٧-[الحويرث بن عبد الله بن خلف بن مالك بن عبد الله، وهو الملقب بأبي اللحم:
وكان قد أبى أكل ما ذبح على الأصنام، وقتل مع رسول الله ﷺ يوم حنين] [١]
. ١١٨- زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن امرئ القيس، يقال له الحب [٢] :
وأمه سعدى بنت ثعلبة بن عامر، زارت قومها وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين في الجاهلية، فمروا على أبيات بني معن، فاحتملوا زيدا وهو يومئذ غلام يفعة، فوافوا به سوق عكاظ فعرض للبيع، فاشتراه حكيم بن حرام لعمته/ خديجة بأربع مائة درهم، فلما تزوجها رسول الله ﷺ وهبته له، وكان أبو حارثة حين فقد قال:
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحيّ فيرجى أم أتى دونه الأجل
فو الله ما أدري وإن كنت سائلا ... أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل
تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا قارب الطفل
وإن هبت الأرياح هيجن ذكره ... فيا طول ما حزني عليه ويا وجل
سأعمل نص العيش في الأرض جاهدا ... ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل
حياتي أو تأتي علي منيتي ... وكل امرئ فان وإن غره الأمل
وأوصي به قيسا وعمرا كليهما ... وأوصي يزيدا ثم من بعدهم جبل
يعني جبلة بن حارثة أخا زيد، ويزيد أخو زيد لأمه، فحج ناس من كلب فرأوا زيدا فعرفوا زيدا وعرفوه، فقال: بلغوا أهلي عني هذه الأبيات، فإني أعلم أنهم قد جزعوا علي، فقال:
ألكني إلى قومي وإن كنت نائيا ... بأني قطين البيت عند المشاعر
فكفوا عن الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر
فإني بحمد الله في خير أسرة ... كرام معد كابرا بعد كابر
فانطلقوا فأعلموا أباه فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل بفدائه، فقدما به مكة فسألا
стр. 1140
عن رسول الله ﷺ ، فقيل هو في المسجد، فدخلا إليه فقالا: يا ابن هاشم، يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا عندك، فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه فإنا سنرفع لك في الفداء، قال: «من هو؟» ، قالوا: زيد/ بن حارثة، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «فهلا غير ذلك؟» قالوا: ما هو، قال: «دعوه فخيروه فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا» ، قالوا: قد زدتنا على النصفة وأحسنت، فدعاه فقال: «هل تعرف هؤلاء؟» قال: نعم، هذا أبي وهذا عمي، قال: «فأنا من قد علمت ورأيت محبتي لك، فاخترني أو اخترهما» ، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا أنت مني بمكان الأب والعم، قالا: ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك، قال: نعم قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عَلَيْهِ أحدا أبدا.
فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك أخرجه إلى الحجر، فقال: «يا من حضر اشهدوا أن زيدا ابني أرثه ويرثني» ، فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما وانصرفا، فدعي زيد بن محمد حتى جاء الإسلام، وزوجه رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، فلما طلقها تزوجها رسول اللَّه ﷺ ، فتكلم الناس في ذلك، وقالوا: تزوج امرأة ابنه، فأنزلت: مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ ٣٣: ٤٠ الآية [١] ، وقال: «ادعوهم لآبائهم» ، فدعي يومئذ زيد بن حارثة. قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ: أَخْبَرَنَا بِهَذَا كُلِّهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، [قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عمر بْن حيويه، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ مَعْرُوفٍ] [٢] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْفَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ [٣] .
[وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ] [٤] : وَأَخْبَرَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أسامة بن زيد، عن أبيه، قال:
стр. 1141
كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ زَيْدٍ عَشْرُ سِنِينَ، رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَكَانَ زَيْدٌ رَجُلا قَصِيرًا آدَمُ شَدِيدُ الأُدْمَةِ فِي أَنْفَهِ فَطَسٌ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا أُسَامَةَ.
وقال الزهري: أول من أسلم زيد.
قال أهل السير: وشهد بدرا وأحدا، والخندق والحديبية وخيبر، واستخلفه رَسُول اللَّه ﷺ علي المدينة حين خرج إلى المريسيع، وخرج أميرا في سبع سرايا، ولم يسم أحد في القرآن من أصحاب رسول الله ﷺ باسمه غيره، وكان/ له من الولد زيد- هلك صغيرا- ورقية، أمهما أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وأسامة أمه أم أيمن حاضنة رسول الله ﷺ .
وقتل في غزاة مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان وهو ابن خمس وخمسين سنة
. ١١٩- زينب بنت رسول الله ﷺ [١] :
كانت أكبر بناته وأول من تزوج منهن، تزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، فولدت له عليا، وأمامة. وأسلمت زينب وهاجرت مع رسول الله ﷺ ، وأبى أبو العاص أن يسلم، ثم أسر فِي بعض المشاهد فدخل عليها فاستجار بها فأجارته، ثم بعث بفدائه ثم أسلم، فردها إليه رسول الله ﷺ بنكاح جديد، وفي رواية: بنكاحها الأول.
توفيت زينب في أول هذه السنة، فغسلتها أم أيمن، وسودة، وأم سلمة
. ١٢٠-[سراقة بن عمرو بن عطية [٢] :
شهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر وعمرة القضية، وقتل يوم مؤتة
. ١٢١- شهربراز [٣] :
قتل أردشير بن شيرويه وملك مكانه أربعين يوما ثم قتل] .
стр. 1142
١٢٢- عَبْد الله بن رواحة بن ثعلبة، أبو محمد [١] :
شهد العقبة مَعَ السبعين، وَهُوَ أحد النقباء الاثني عشر، وشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبيّة وخيبر وعمرة القضية. واستعمله رسول الله ﷺ علي المدينة حين خرج إلى غزاة بدر الموعد.
ولما دخل رسول الله ﷺ إلى مكة في عمرة القضية كان آخذا بزمام ناقته عند الكعبة، وهو يَقُولُ:
خَلَّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ ... الْيَوْمَ نضربكم على تأويله
وسبقت الأبيات:
أَخْبَرَنَا اْبُن نَاصِرٍ، [أَخْبَرَنَا ثَابِتُ بْنُ بَنْدَارٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيٍد السِّيرَافِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ مُزِيدٍ النَّحْوِيُّ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ وَضَّاحٍ، عَنْ أَبِي الْحُصَيْبِ] [٢] عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ كَثِيرًا: مَا سَمِعْتُ بِأَحَدٍ أَجْرَأَ وَلا أَسْرَعَ شِعْرًا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، يَوْمَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُ: قُلْ شِعْرًا، أَسْمِعْنِيهِ السَّاعَةَ ثُمَّ أَنْدَهَ بَصَرَهُ، فَانْبَعَثَ ابْنُ رَوَاحَةَ مَكَانَهُ يَقُولُ:
إِنِّي تَفَرَّسْتُ فِيكَ الْخَيْرَ أَعْرِفُهُ ... وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنْ مَا خَانَنِي الْبَصَرُ
/ أَنْتَ النَّبِيُّ وَمَنْ يُحْرَمْ شَفَاعَتَهُ ... يَوْمَ الْحِسَابِ فَقَدْ أَزْرَى بِهِ الْقَدَرُ [٣]
يُثَبِّتُ اللَّهُ مَا أَتَاكَ مِنْ حَسَنٍ ... تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا
فَقَالَ رسول الله ﷺ : «وَأَنْتَ فَثَبَّتَكَ اللَّهُ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ» . قَالَ هِشَامٌ: فَثَبَّتَهُ اللَّهُ أَحْسَنَ الثَّبَاتِ.
قُتِلَ شَهِيدًا وفتحت له الجنة ودخلها.
стр. 1143
استشهد ابن رواحة بمؤتة، وكان ذلك في سنة ثمان.
قال مؤلف الكتاب: وقد ذكرنا بعض أخباره في الحوادث
. ١٢٣-[عبادة بن قيس بن عبسة، عم أبي الدرداء [١] :
شهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر، وقتل يوم مؤتة وله أربعون سنة
. ١٢٤- عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب:
كان قديم الإسلام بمكة، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وقتل يوم الطائف شهيدا] [٢] .
стр. 1144
ثم دخلت سنة تسع من الهجرة
فمن الحوادث فيها: سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم في المحرم [١]
وذلك أن رسول الله ﷺ بعث عيينة في خمسين فارسا ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري. فكان يسير الليل ويكمن النهار، فهجم عليهم في صحراء فدخلوا وسرحوا مواشيهم فهربوا، وأخذ منهم أحد عشر رجلا، وإحدى عشرة امرأة، وثلاثين صبيا فحبسوا بالمدينة، فقدم فيهم عدة من رؤسائهم منهم: عطارد بن حاجب، والزبرقان بن بدر، والأقرع بن حابس.
فلما رأوهم بكى إليهم النساء والذراري، فعجلوا فجاءوا إلى باب النبي ﷺ ، فنادوا: يا مُحَمَّد أخرج إلينا، فنزل فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ من وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ٤٩: ٤ [٢] فرد عليهم الأسراء والسبي.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ علي الجوهري، قَالَ:
[أخبرنا] أبو عمرو بن حيوية، قال: حدثنا أبو الْحَسَنِ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الفهم، قال: أخبرنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عن الزهري، قال: أخبرنا محمد بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: بعث رسول الله ﷺ بِشْرَ بْنَ سُفْيَانَ/ وَيُقَالُ: النَّحَّامَ عَلَى صَدَقَاتِ بني كعب،
أَنْ تَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لِي وَيَرْحَمَنِي وَيْجَعَلَ غِنَايَ فِي قَلْبِي، فَقَالَ: «اللَّهمّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَاجْعَلْ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ» ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِمِثْلِ مَا أَمَرَ بِهِ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْطَلَقُوا رَاجِعِينَ إِلَى أَهْلِيهِمْ ثُمَّ وافوا رسول الله ﷺ فِي الْمَوْسِمِ بِمِنًى سَنَةَ عَشْرٍ، فَسَأَلَهُمْ [رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ] [١] عَنِ الْغُلامِ، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ أَقْنَعَ مِنْهُ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ، [فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي لأَرْجُو أَنْ نَمُوتَ جَمِيعًا» ] [٢]
. وفيها قدم وفد بني أسد [٣]
وقالوا: أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء، ولم تبعث لنا بعثا، فنزلت فيهم: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ٤٩: ١٧ [٤]
. وفيها قدم وفد كلاب [٥]
فيهم لبيد [٦] بن ربيعة، وجبار بن سلمى، قالوا: إن الضحاك بن سفيان سار فينا بكتاب الله وبسنتك [التي أمرته] ، ودعانا إلى الله فاستجبنا للَّه ولرسوله، وإنه أخذ الصدقة من أغنيائنا فردها على فقرائنا
. وفيها قدم وفد بلي [٧]
في ربيع الأول، فنزلوا على رويفع بن ثابت البلوي
. وفيها قدم وفد عروة بن مسعود الثقفي
فأسلم، وقد سبق خبره فيما ذكرنا.
стр. 1148
[وفيها قدم وفد الداريين من لخم]
[١] وهم عشر: هانئ بن حبيب، والفاكه بن النعمان وجبلة بن مالك، وأبو هند بن ذر، وأخوه الطيب سماه رسول الله ﷺ ، وتميم بن أوس، ونعيم بن أوس، ويزيد بن قيس، وعزيز بن مالك سماه رسول الله ﷺ عَبْد الرحمن، وأخوه [مرة] [٢]
. وفيها قدم وفد الطائف
مع عبد ياليل بن عمرو، فأسلموا، [وذلك] في رمضان.
[وفيها قدم وفد بهراء
[٣] ثلاثة عشر رجلا، ونزلوا على المقداد بن عمرو
. وفيها قدم وفد البكاء] [٤]
وفيها قدم وفد طيِّئ ووفد سعد هزيم [٥]
وهم من أهل اليمن.
[أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ رِزْقٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ] [٦] فَرْوَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَفِيفِ بْنِ معديكرب، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رسول الله ﷺ فجاءه وَفْدُ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ أَحْيَانَا اللَّهُ بِبَيْتَيْنِ مِنْ شِعْرِ امْرِئِ الْقَيْسِ، فَقَالَ: «وَمَا هُمَا؟» ، قَالُوا: أَقْبَلْنَا نُرِيدُكَ حتى إذا كنا
стр. 1149
بِمَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا أَخْطَأْنَا الْمَاءَ، فَكُنَّا لا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَوْضِعِ طَلْحٍ وَسَمُرٍ، فَانْطَلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا إِلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ لِيَمُوتَ فِي ظِلِّهَا، فَبَيْنَا نَحْنُ فِي آَخِرِ رَمَقٍ إِذَا رَاكِبٌ قَدْ أَقْبَلَ، فَلَمَّا رَآَهُ بَعْضُنَا تَمَثَّلَ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ:
وَلَمَّا رَأَتْ أَنَّ الشريعة همها ... وَأَنَّ الْبَيَاضَ فِي فَرَائِضِهَا دَامِي
تَيَمَّمَتِ الْعَيْنَ التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طَامِي
[١] فَقَالَ الرَّاكِبُ: مَنْ يَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ؟ فَقَالَ بَعْضُنَا: امْرُؤُ الْقَيْسِ، فَقَالَ: هَذِهِ وَاللَّهِ ضَارِجٌ أَمَامَكُمْ، وَقَدْ رَأَى مَا بِنَا مِنْ الْجَهْدِ، فَرَجِعْنَا إِلَيْهَا فَإِذَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا نَحْوٌ مِنْ خَمْسِينَ ذِرَاعًا، وَإِذَا هِيَ كَمَا وَصَفَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: عَلَيْهَا الْعَرْمَضُ يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «ذَاكَ رَجُلٌ مَشْهُورٌ فِي الدُّنْيَا خَامِلٌ فِي الآخرة، مذكور في الدنيا منسي في الآخرة، يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَهُ لِوَاءُ الشُّعَرَاءِ يَقُودُهُمْ إِلَى النَّارِ»
. وفيها بعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق من خزاعة يصدقهم
وكانوا قد أسلموا وبنوا المساجد، فلما سمعوا بدنوه خرج منهم عشرون يتلقونه بالجزر والغنم فرحا به، فلما رآهم ولى راجعا إلى المدينة، فأخبر رسول الله ﷺ أنهم لقوه بالسلاح، فهم أن يبعث من يغزوهم، فقدموا لما بلغهم الخبر، ونزلت: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا ... ٤٩: ٦ [٢] . وبعث معهم رسول الله ﷺ الحارث بن عباد بن بشر يأخذ صدقاتهم.
وروي عن ضرار الخزاعي، قال: قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله، أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته، فيرسل رسول الله ﷺ رسولا لا تأت كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة. فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبان الذي أراد رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ يبعث إليه احتبس عليه الرسول
стр. 1150
فلم يأته، فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخط/ من الله ورسوله، فدعى بسروات قومه، فقال لهم: أن رسول الله ﷺ كان وقت لي وقتا يرسل رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله ﷺ الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة كانت فانطلقوا فنأتي رسول الله ﷺ .
وبعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي، فضرب رَسُول اللَّه ﷺ البعث إلى الحارث، وأقبل الحارث بأصحابه إذ استقبل البعث وقد فصل من المدينة، فلقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث، فلما غشيهم قال: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك، قال:
ولم؟ قالوا: أن رسول الله ﷺ كان بعث الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله، قال: لا والذي بعث محمدا بالحق ما رأيته بته ولا أتاني.
فلما دخل الحارث على رسول الله ﷺ قال: «منعت الزكاة وأردت قتل رسولي» قال: والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني ولا أقبلت إلا حين احتبس علي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خشيت أن تكون قد كانت سخطة من رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ ... ٤٩: ٦ [١] الآية
. وفيها سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم في صفر [٢] .
روى كعب بن مالك [٣] ، قال: أن رسول الله ﷺ بعث قطبة بن عامر بن حديدة فِي عشرين رجلا إلى حي من خثعم بناحية تبالة، وأمره أن يشن الغارة عليهم، فانتهوا إلى الحاضر وقد ناموا وهدءوا، فكبروا وشنوا الغارة، فوثب القوم فاقتتلوا قتالا/ شديدا حتى كثر الجراح في الفريقين جميعا وكسرهم [أصحاب] [٤] قطبة فقتلوا من قتلوا وساقوا
стр. 1151
النعم والشاء إلى المدينة، فأخرج منه الخمس، ثم كانت سهامهم بعد ذلك أربعة أبعرة لكل رَجُل، والبعير يعدل بعشر من الغنم. وكانت هذه السرية في صفر سنة تسع قال ابن سعد [١] : قال أبو معشر: رمى قطبة بن عامر يوم بدر بحجر بين الصفين، ثم قَالَ: لا أفر حتى يفر هذا الحجر، وبقي قطبة حتى توفي في خلافة عثمان بن عفان ﵁، وليس له عقب
. [وفيها سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب في ربيع الأول [٢]
وذلك أن رسول الله ﷺ بعث جيشا إلى القرطاء عليهم الضحاك بن سفيان يدعوهم إلى الإِسْلام فأبوا، فقاتلوهم فهزموهم]
. وفيها سرية علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة في ربيع الآخر [٣] .
وذلك أنه بلغ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ ناسا من الحبشة قد أتاهم أهل جدة، فبعث إليهم علقمة في ثلاثمائة فهربوا منه، فتعجل بعض القوم: إلى أهلهم، وكان فيمن تعجل عبد الله بن حذافة، فأمره رسول الله ﷺ علي من تعجل، وكانت فيه دعابة، فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارا فقال: عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار، فهم بعضهم بذلك، فقال: أنا كنت أضحك معكم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: «من أمركم بمعصية فلا تطيعوه» . [أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَعْدِ بْنُ عُبَيْدَةَ] [٤] ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَةً وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلا مِنَ الأنصار، [قال] : [٥] فلما
стр. 1152
خَرَجُوا وَجَدَ [١] عَلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ، فَقَالَ [لَهُمْ] : أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُطِيعُونِي؟
قَالُوا: بَلَى، قَالَ: اجْمَعُوا حَطَبًا، ثُمَّ دَعَا بِنَارٍ فَأَضْرَمَهَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَتَدْخُلُنَّهَا. قَالَ: فَهَمَّ الْقَوْمُ بِدُخُولِهَا. قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ شَابٌّ [مِنْهُمْ] [١] : إِنَّمَا فَرَرْتُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ النَّارِ فَلا/ تَعْجَلُوا حَتَّى تَلْقَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوهَا فَادْخُلُوهَا. قَالَ: فَرَجِعُوا إِلَى رسول الله ﷺ فأخبروه، فَقَالَ لَهُمْ: «لَوْ دَخَلْتُمُوهَا مَا خَرَجْتُمْ مِنْهَا أَبَدًا، إِنَّما الطَّاعَةُ بِالْمَعْرُوفِ» . قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ: أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [٢] ، وَهَذَا الأَمِيرُ الَّذِي قَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ، وَقَوْلُ الرَّاوِي رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ غَلَطٌ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَنِي سَهْمٍ
. وفيها سرية علي بن أبي طالب ﵁ إلى الفلس وهو صنم طيِّئ ليهدمه [٣]
وذلك أن رسول الله ﷺ بعث عليا في خمسين ومائة من الأنصار في مائة بعير وخمسين فرسا إلى صنم طيِّئ [ليهدمه] في ربيع الآخر، وبعث معه راية سوداء ولواء أبيض، فشنوا الغارة وخرجوا الفلس، وأخذوا سيفين كانوا في بيت الصنم، وملئوا أيديهم من السبي والنعم، وكان في السبي أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام وروى محمد بن إسحاق، عن شيبان بن سعد الطَّائِيِّ [٤] ، قَالَ: كَانَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ يَقُولُ: ما رجل من العرب [كان] [٥] أَشَدَّ كَرَاهِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حين سمع به مني [أما أنا] [٦] فكنت نصرانيا، وكنت شريفا في قومي، فلما سمعت بجيوش محمد احتملت أهلي وولدي لألحق بأهل ديني من النصارى وخلفت ابنة حاتم في الحاضر فأصيبت فيمن
стр. 1153
أصيب، فَقُدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سبي طيِّئ، فجعلت في حظيرة بباب المسجد كانت تحبس بها السبايا، فلما مر بها رسول الله ﷺ قامت إليه، فقالت: هَلَكَ الْوَالِدُ، وَغَابَ الْوَافِدُ، فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ الله عليك، قال: «فمن وَافِدُكِ؟» قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: «الْفَارُّ من الله ورسوله» ، ثم مضى، ثم عاد من الغد، فقالت مثل ذلك، فقال: «قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى يكون لك ثقة يبلغك إلى بلادك» ، فلما رأت ثقة أخبرت رسول الله ﷺ ، فكساها/ وحملها وأعطاها نفقة، فقدمت على عدي فجعلت تقول: القاطع الظالم احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والدك، قال: والله ما لي عذر، ما ترين في هذا الرجل، قالت: أرى والله أن تلحق به، فأتيته فَقَالَ: «مَنِ الرَّجُلُ؟» فَقُلْتُ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، فانطلق بي إلى بيته، فلقيته امرأة ضعيفة فوقف لها طويلا، فقلت: ما هذا بملك. ثم مضى حتى دخل بيته، فتناول وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ مَحْشُوَّةٍ لِيفًا فَقَدَّمَهَا إِلَيَّ وجلس على الأرض، فقلت: ما هذا بأمر ملك، فأسلمت [١]
. ومن الحوادث سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الجناب [٢] .
أرض عذرة [وبلي] [٣] وذلك في ربيع الآخر
. وفيها هجر رسول الله ﷺ نساءه .
وقال: ما أنا بداخل عليكن شهرا. قال مؤلف الكتاب: وفي سبب ذلك قولان:
أحدهما: أنه حين حرم أم إبراهيم أخبر بذلك حفصة واستكتمها، فأخبرت بذلك.
والثاني: أنه ذبح ذبحا فقسمته عائشة بين أزواجه، فأرسلت إلى زينب بنت جحش بنصيبها، فردته، فقال: زيدوها، فزادوها ثلاثا كل ذلك ترده، فقال: «لا أرضى عليكن شهرا» . فاعتزل في مشربة له، ثم نزل لتسع وعشرين، فبدأ بعائشة رضي الله
стр. 1154
عَنْهَا فقالت: يا رسول الله، كنت أقسمت ألا تدخل علينا شهرا، وإنما أصبحت من تسع وعشرين أعدها عدا، فقال: «الشهر تسع وعشرون» وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين
. وفي هذه السنة كانت غزوة تبوك وذلك في رجب [١]
وذلك أن رسول الله ﷺ بلغه أن الروم قد جمعت جموعا كبيرة، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معه لخم وجذام وعاملة وغسان، وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء، فندب رسول اللَّه ﷺ الناس، وأعلمهم المكان/ الذي يريد ليتأهبوا لذلك، وبعث إلى مكة وإلى قبائل العرب ليستنفرهم، وذلك في حر شديد، وخلف علي بن أبي طالب على أهله، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، وجاء البكاءون يستحملونه.
واختلف في عددهم وأسماءهم، فروى أبو صالح عن ابن عباس، قال: هم ستة:
عبد الله بن معقل، وصخر بن سلمان. وعبيد الله بن كعب، وعلية بن زيد، وسالم بن عمير، وثعلبة بن غنمة.
وذكر محمد بن مسلمة مكان صخر بن سلمان، سلمة بن صخر، ومكان ثعلبة بن غنمة، عمرو بْن غنمة، قال: وقيل منهم معقل بن يسار.
وروى ابن إسحاق عن أشياخ له [٢] : أن البكاءين سبعة من الأنصار: سالم بن عمير، وعلية بن زيد، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، وعمرو بن الحمام، وعبد الله بن معقل، وبعض الناس تقول عَبْد اللَّه بن عمرو المزني، وعرباض بن سارية، وهرمي بن عبد الله.
وقال مجاهد: نزلت في بني مقرن، وهم سبعة وقد ذكرهم محمد بن سعد، فقال:
النعمان بن عمرو بن مقرن، وسنان بن مقرن، وعقيل بن مقرن، وعبد الرحمن بن مقرن، وعبد الرحمن بن عقيل بن مقرن، وقال لهم رسول الله ﷺ : «لا أجد ما أحملكم عليه» فولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا.
стр. 1155
وجاء ناس من المنافقين يستأذنون رسول الله ﷺ [في التخلف] [١] من غير علة فأذن لهم وهم بضعة وثمانون رجلا، وجاء المعذرون من الأعراب، فاعتذروا فلم يعذرهم، وهم اثنان وثمانون رجلا، وكان عبد الله بن أبي قد عسكر في حلفائه من اليهود والمنافقين على ثنية الوداع، واستخلف النبي ﷺ على المدينة محمد بن مسلمة، وجاء واثلة بن الأسقع فبايعه ثم لحق به، فلما سار تخلف [عبد الله] بن أبي ومن معه، وبقي نفر من المسلمين، منهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وأبو خيثمة السالمي، وأبو/ ذر الغفاري فقدم تبوكا في ثلاثين ألفا من الناس، وكانت الخيل عشرة آلاف فرس، وكان على حرسه عباد بْن بشير، ولقوا في الطريق شدة.
قيل لعمر بن الخطاب ﵁: حدثنا عن ساعة العسرة، قال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش شديد ظننا أن رقابنا ستقطع حتى أن الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته تتقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه [٢] فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، إن اللَّه قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا، قال: «تحب ذلك» ، قال:
نعم، فرفع يديه فلم يرجعها حتى [قالت السماء] [٣] فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. وفي هذه السفرة: اشتد بهم العطش ومعهم إداوة فيها ماء فصبه رسول الله ﷺ في إناء ففاضت حتى روي العسكر وهم ثلاثون ألفا، والإبل اثنا عشر ألفا، والخيل عشرة آلاف.
وفيها: مر رسول الله ﷺ بالحجر [من] أرض ثمود، واستقى الناس من أبيارهم فنهاهم.
قال ابن عمر: أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ أرض ثمود الحجر فاستسقوا من أبيارها وعجنوا به، فأمرهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ يهريقوا ما استقوا من أبيارها وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من النهر التي كانت ترده الناقة.
стр. 1156
أخرجاه في الصحيحين.
فصل
قال علماء السير: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين ليلة، ولحقه أبو خيثمة وأبو ذر، وكان أبو خيثمة قد رجع من بعض الطريق، فوجد امرأتين له، [قد] هيأت كل واحدة منهما عريشا وبردت فيه ماء وهيأت طعاما، فوقف/ فَقَالَ: رسول الله ﷺ في الضح [١] والريح وأبو خيثمة في ظلال وماء بارد، والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ . فلحقه ثم انصرف رسول الله ﷺ ولم يلق كيدا، وكان هرقل يومئذ بحمص
. فصل
فبعث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بن الوليد في أربع مائة وعشرين فارسا إِلَى أُكَيْدَرِ بْنِ عَبْد الْمَلِكِ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة، وكان أكيدر قد ملكهم وكان نصرانيا، فانتهى إليه خالد بن الوليد وقد خرج من حصنه في ليلة مقمرة إلى بقر يطاردها هو وأخوه حسان، فشدت عليه خيل خالد فاستأسر أكيدر، وامتنع أخوه حسان فقاتل حتى قتل وهرب من كان معه، فدخل الحصن وأجار خالد أكيدر من القتل حتى يأتي به رسول اللَّه ﷺ علي أن يفتح له دومة الجندل، ففعل وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح، فعزل لرسول الله ﷺ صفيا خالصا، ثم قسم الغنائم، فأخرج الخمس ثم قسم ما بقي فقدم به وبأخيه على النبي ﷺ ، فقدم أكيدر على رسول الله ﷺ فأهدى له هدية وصالحه على الجزية وحقن دمه ودم أخيه وخلى سبيلهما وكتب لهما كتابا فيه أمانهم.
وفي طريق رجوع رسول الله ﷺ إلى المدينة من تبوك قال من قال من المنافقين:
إنما كنا نخوض ونلعب.
وَرَوَى صَالِحٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ جَدَّ بْنَ قَيْسٍ، وَوَدِيعَةَ بْنَ خِدَامٍ وَالْجَهِيرُ بْنُ جُمَيْرٍ كَانُوا يَسِيرُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرْجِعَهُ مِنْ تبوك، فجعل رجلان منهم
стр. 1157
يَسْتَهْزِئَانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالثَّالِثُ يَضْحَكُ مِمَّا يَقُولانِ وَلا يَتَكَلَّمُ/ بِشَيْءٍ، فنزل جبريل فأخبره بما يستهزءون بِهِ وَيَضْحَكُونَ مِنْهُ، فَقَالَ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «اذْهَبْ فَسَلْهُمْ عَمَّا كَانُوا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، وَقُلْ لهم أحرقكم اللَّهُ» وَلَمَّا سَأَلَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: أَحْرَقَكُمُ اللَّهُ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ فِيهِمْ قُرَآنٌ، فَأَقْبَلُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَى رَسُولِ اللِّه ﷺ ، وَقَالَ الْجَهِيرُ: وَاللَّهِ مَا تَكَلَّمْتُ بِشَيْءٍ وإنما ضحكت تعجبا من قولهم، فنزل قوله: لا تعتذروا- يَعْنِي جَدَّ بْنَ قَيْسٍ وَوَدِيعَةَ- إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ ٩: ٦٦- يعني الجهير- نعذب طائفة [١]- يَعْنِي الْجَدَّ وَوَدِيعَةَ.
وَفِي طَرِيقِ رُجُوعِهِ مَنْ تَبُوكَ، قَالَ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن عبد الباقي، قال: أخبرنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو عمرو بن حيوية، قال: حدّثنا الْحَسَنُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ الفهم، قال: أخبرنا محمد بن سعد، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ [الطَّوِيلُ] [٢] ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: رَجَعْنَا من غزاة تَبُوكَ فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إًلا كَانُوا مَعَكُمْ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟
قَالَ: «نَعَمْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ» [٣]
. فصل
فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المدينة في رمضان، وجاءه من تخلف فعذرهم واستغفر لهم، وأرجأ أمر كعب بن مالك وصاحبيه حتى نزلت توبتهم وجعل الناس يبيعون أسلحتهم ويقولون: قد انقطع الجهاد، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فنهاهم، وقال: «لا تزال طائفة [٤] من أمتي يجاهدون على الحق حتى يخرج الرجال» .