أخرجاه في الصحيحين.
فصل
قال علماء السير: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين ليلة، ولحقه أبو خيثمة وأبو ذر، وكان أبو خيثمة قد رجع من بعض الطريق، فوجد امرأتين له، [قد] هيأت كل واحدة منهما عريشا وبردت فيه ماء وهيأت طعاما، فوقف/ فَقَالَ: رسول الله ﷺ في الضح [١] والريح وأبو خيثمة في ظلال وماء بارد، والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ . فلحقه ثم انصرف رسول الله ﷺ ولم يلق كيدا، وكان هرقل يومئذ بحمص
. فصل
فبعث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بن الوليد في أربع مائة وعشرين فارسا إِلَى أُكَيْدَرِ بْنِ عَبْد الْمَلِكِ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة، وكان أكيدر قد ملكهم وكان نصرانيا، فانتهى إليه خالد بن الوليد وقد خرج من حصنه في ليلة مقمرة إلى بقر يطاردها هو وأخوه حسان، فشدت عليه خيل خالد فاستأسر أكيدر، وامتنع أخوه حسان فقاتل حتى قتل وهرب من كان معه، فدخل الحصن وأجار خالد أكيدر من القتل حتى يأتي به رسول اللَّه ﷺ علي أن يفتح له دومة الجندل، ففعل وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح، فعزل لرسول الله ﷺ صفيا خالصا، ثم قسم الغنائم، فأخرج الخمس ثم قسم ما بقي فقدم به وبأخيه على النبي ﷺ ، فقدم أكيدر على رسول الله ﷺ فأهدى له هدية وصالحه على الجزية وحقن دمه ودم أخيه وخلى سبيلهما وكتب لهما كتابا فيه أمانهم.
وفي طريق رجوع رسول الله ﷺ إلى المدينة من تبوك قال من قال من المنافقين:
إنما كنا نخوض ونلعب.
وَرَوَى صَالِحٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ جَدَّ بْنَ قَيْسٍ، وَوَدِيعَةَ بْنَ خِدَامٍ وَالْجَهِيرُ بْنُ جُمَيْرٍ كَانُوا يَسِيرُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرْجِعَهُ مِنْ تبوك، فجعل رجلان منهم
стр. 1157
يَسْتَهْزِئَانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالثَّالِثُ يَضْحَكُ مِمَّا يَقُولانِ وَلا يَتَكَلَّمُ/ بِشَيْءٍ، فنزل جبريل فأخبره بما يستهزءون بِهِ وَيَضْحَكُونَ مِنْهُ، فَقَالَ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «اذْهَبْ فَسَلْهُمْ عَمَّا كَانُوا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، وَقُلْ لهم أحرقكم اللَّهُ» وَلَمَّا سَأَلَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: أَحْرَقَكُمُ اللَّهُ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ فِيهِمْ قُرَآنٌ، فَأَقْبَلُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَى رَسُولِ اللِّه ﷺ ، وَقَالَ الْجَهِيرُ: وَاللَّهِ مَا تَكَلَّمْتُ بِشَيْءٍ وإنما ضحكت تعجبا من قولهم، فنزل قوله: لا تعتذروا- يَعْنِي جَدَّ بْنَ قَيْسٍ وَوَدِيعَةَ- إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ ٩: ٦٦- يعني الجهير- نعذب طائفة [١]- يَعْنِي الْجَدَّ وَوَدِيعَةَ.
وَفِي طَرِيقِ رُجُوعِهِ مَنْ تَبُوكَ، قَالَ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن عبد الباقي، قال: أخبرنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو عمرو بن حيوية، قال: حدّثنا الْحَسَنُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ الفهم، قال: أخبرنا محمد بن سعد، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ [الطَّوِيلُ] [٢] ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: رَجَعْنَا من غزاة تَبُوكَ فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إًلا كَانُوا مَعَكُمْ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟
قَالَ: «نَعَمْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ» [٣]
. فصل
فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المدينة في رمضان، وجاءه من تخلف فعذرهم واستغفر لهم، وأرجأ أمر كعب بن مالك وصاحبيه حتى نزلت توبتهم وجعل الناس يبيعون أسلحتهم ويقولون: قد انقطع الجهاد، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فنهاهم، وقال: «لا تزال طائفة [٤] من أمتي يجاهدون على الحق حتى يخرج الرجال» .
ومن الحوادث فيها بعد مقدمه من تبوك قدم عليه كتاب ملوك حمير بإسلامهم
فَرَوَى بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم على رسول الله ﷺ كِتَابُ مُلُوكِ حِمْيَرَ مَقْدِمَهُ مِنْ تَبُوكَ وَرَسُولُهُمْ إِلَيْهِ بِإِسْلامِهِمْ: الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قيل ذِي رُعَيْنٍ وَهَمْدَانُ وَمُعَافِرٌ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ زُرْعَةَ بْنَ ذِي يَزَنٍ مَالِكَ بْنَ مُرَّةَ الرُّهَاوِيَّ بِإِسْلامِهِمْ وَمُفَارَقَتِهِمُ الشِّرْكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إِلَى الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كَلالٍ وَنُعَيْمِ بْنِ عبد كلال، والنعمان قيل ذي رعين وهمدان وَمُعَافِرٍ/ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكُمُ [اللَّهُ] الَّذَيِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ، فَإِنَّهُ وَقَعَ إِلَيْنَا رَسُولُكُمْ مَقْفَلَنَا مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، فَلَقِيَنَا بِالْمَدِينَةِ، فَبَلَّغَ مَا أَرْسَلْتُمْ وَخَبَّرَ مَا قُلْتُمْ، وَأَنْبَأَنَا بِإِسْلامِكُمْ وَإِسْلامِ مَنْ قِبَلِكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [١] ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ هَدَاكُمْ بِهِدَايَتِهِ، إِنْ أصلحتم وأطعمتم اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَأَقَمْتُمُ الصَّلاةَ، وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ، وَأَعْطَيْتُمُ من الْمَغَانِمَ خُمْسَ اللَّهِ، وَخُمْسَ نَبِيِّهِ وَصَفِيِّهِ، وَمَا كَتَبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ وَنَصْرَانِيَّتِهِ فَإِنَّهُ لا يُغَيَّرُ عَنْهَا وَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ.
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ رَسُولَ الله مُحَمَّدًا أَرْسَلَ إِلَى زُرْعَةَ بْنِ ذِي يَزَنٍ [٢] أَنَّ إِذَا أَتَتْكُمْ رُسُلِي فَأُوصِيكُمْ بِهِمْ خَيْرًا: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَمَالِكُ بْنُ عُبَادَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَمِيرُهُمْ مُعَاذُ [بْنُ جَبَلٍ] فَلا يَتَقَلَّبَنَّ إِلا رَاضِيًا، ثُمَّ إِنَّ مَالِكَ بْنَ مُرَّةَ حَدَّثَنِي أَنَّكَ [قَدْ] أَسْلَمْتَ مِنْ أَوَّلِ حِمْيَرَ، وَقَتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ فَابْشِرْ بِخَيْرٍ وَآمُرُكَ بِحِمْيَرَ خَيْرًا
. وفي هذه السنة حج أبو بكر ﵁ بالناس في ذي الحجة [٣]
قاله محمد، وقال مجاهد: وافقت حجة أبي بكر ذي القعدة، ثم حج رسول الله ﷺ في العام القابل في ذي الحجة، وذلك حين قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته
стр. 1165
يوم خلق الله السموات والأرض» وذلك أن العرب كانوا يستعملون النسيء فيؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، ثم كذلك حتى تتدافع الشهور فيستدير التحريم على السنة كلها، فوافقت حجة أبي بكر ذي القعدة.
وذلك أن رسول الله ﷺ استعمله على الحج، فحج في ثلاثمائة رجل، وبعث معه رسول الله ﷺ عشرين بدنة، فلما كان بالعرج لحقه علي بن أبي طالب ﵁ على ناقته القصواء، فقال أبو بكر: استعملك رسول الله على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أقرأ براءة على الناس وأنبذ إلى كل ذي عهد/ عهده، فمضى أبو بكر فحج بالناس، وقرأ علي ﵁ براءة، وقال: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ثم رجعا قافلين إلى المدينة. روى أبو سعيد الخدري، قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر على الموسم، وبعث بسورة براءة وأربع كلمات إلى الناس، فلحقه عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄ في الطريق، فأخذ علي ﵁ السورة والكلمات وكان يبلغ وأبو بكر على الموسم، فإذا قرأ السورة نادى: لا تدخل الجنة إلا نفس مسلمة ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فأجله إلى مدته.
فلما رجعا قال أبو بكر ﵁: ما لي هل نزل في شيء؟ قال: لا إلا خيرا، قال: وما ذاك؟ قال: إن عليا ﵁ لحق بي فأخذ مني السورة والكلمات.
قال: أجل لم يكن يبلغها إلا أنا أو رجل مني
. وفيها أمر رسول الله ﷺ بهدم مسجد الضرار [١] .
وذاك أنه لما اتخذ بنو عمرو بن عوف مسجد قباء وبعثوا إلى رسول الله ﷺ فصلى فيه حسدهم أخوتهم بنو غنم بن عوف، وكانوا من منافقي الأنصار، فقالوا نبني مسجدا ونرسل إلى رسول الله ﷺ فيصلي فيه وليصلي أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام، فأخبر الله رسوله فأمر بهدمه وإحراقه.
стр. 1166
وفيها رجم الغامدية
[أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قال: حدثني أبي، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ] [١] : إِنِّي كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ زنيت وأنا أريد أن تطهرني، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : «ارْجِعِي» . فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ أَيْضًا فَاعْتَرَفَتْ عِنْدَهُ بِالزِّنَا، فَقَالَتْ: [يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زنيت وأنا أريد أن تطهرني، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : «ارْجِعِي» ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ أَيْضًا فَاعْتَرَفَتْ عِنْدَهُ بِالزِّنَا، فَقَالَتْ:] [٢] يَا نَبِيَّ اللَّهِ، طَهِّرْنِي فَلَعَلَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزَ بن مالك، فو الله إِنِّي لَحُبْلَى، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : «ارْجِعِي/ حَتَّى تَلِدِي» .
فَلَمَّا وَلَدَتْ جَاءَتْ بِالصَّبِيِّ تَحْمِلُهُ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَا قَدْ وَلَدْتُ، قَالَ:
«فَاذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطُمِيهِ» ، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ جَاءَتْ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقَالَتْ:
يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَا قَدْ فَطَمْتُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّبِيِّ فَدَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا فُحِفُرَ لَهَا حُفَيْرَةٌ فَجُعِلَتْ فِيهَا إِلَى صَدْرِهَا، ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَرْجُمُوهَا، فَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَنَضَحَ الدَّمُ عَلَى وَجْنَةِ خَالِدٍ فَسَبَّهَا، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ سَبَّهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ: «مَهْلا يَا خَالِدُ [بْنَ الْوَلِيدِ، لا تسبها] فو الّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صاحب مكس لغفر له» فأمر بها فصلي عليها ودفنت [٣]
وفيها لا عن رسول الله ﷺ بين عويمر بن الحارث العجلاني وبين امرأته
بعد العصر في مسجد النبي ﷺ ، وكان قد قذفها بشريك بن سحماء.
стр. 1167
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٢٥- النجاشي، واسمه أصحمة [١] :
وهو الذي هاجر إليه المسلمون وأسلم وله الأفعال الحميدة، والإعانة للمسلمين، وهو الَّذِي أمهر عن رسول الله ﷺ زوجته أم حبيبة، وتوفي في رجب هذه السنة.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حدثني أبي، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّجَاشِيَّ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ أَصْحَابَهُ خَلْفَهُ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا.
وروى أبو داود من حديث عائشة ﵂، قالت:
لما مات النجاشي كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور
. ١٢٦- أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ [٢] :
كان تزوجها عتبة بن أبي لهب قبل النوبة فلما/ نزلت: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ١١١: ١ [٣] ، قال أبوه: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنته، ففارقها ولم يكن دخل بها. فلم تزل بمكة مع رسول اللَّه ﷺ وهاجرت، فلما توفيت رقية خلف عليها عثمان بن عفان في ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة، وأدخلت عليه في جمادى الآخرة، فماتت عنده في شعبان هذه السنة، فغسلتها أسماء بِنْت عميس، وصفية بنت عبد المطلب، وأم عطية، ونزل في حفرتها أبو طلحة.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ:
أخبرنا أبو عمرو بن حيوية. قال: أخبرنا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بن الفهم، قال: أخبرنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حَدَّثَنِي فُلَيْحٌ، عَنْ هِلالِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أنس بن مالك، قال:
стр. 1168
رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ جَالِسًا عَلَى قَبْرِهَا، وَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: «فِيكُمْ أَحَدٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ» ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «انْزِلْ» [١]
. ١٢٧- سهيل بن بيضاء:
قال المصنف: هي أمه، واسمها دعد بنت جحدم، وأبوه وهب بن ربيعة بن هلال، ويكنى أبا مُوسَى.
شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وتوفي بعد رجوع رسول الله ﷺ من تبوك وهو ابن أربعين سنة، وصلى عليه رسول الله ﷺ في المسجد.
وكان أسن أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر وسهيل بن بيضاء
. ١٢٨- عبد الله بن عبد نهم بن عفيف، ذو النجادين:
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي طاهر، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَهِمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ أَشْيَاخِهِ، قَالَ: كَانَ ذُو النِّجَادَيْنِ يَتِيمًا لا مَالَ لَهُ، مَاتَ أَبُوهُ وَلَمْ يُوَرِّثْهُ شَيْئًا، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ حَتَّى أَيْسَرَ، وَكَانَ لَهُ إِبِلٌ وَغَنَمٌ وَرَقِيقٌ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ جَعَلَتْ نَفْسُهُ تَتُوقُ إِلَى الإِسْلامِ وَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لأَجْلِ عَمِّهِ حَتَّى مَضَتِ السُّنُونَ وَالْمَشَاهِدُ، فَقَالَ لِعَمِّهِ: يَا عَمُّ، إِنِّي انْتَظَرْتُ إِسْلامَكَ فَلَمْ أَرَكَ تُرِيدُ مُحَمَّدًا، فَأْذَنْ لِي فِي الإِسْلامِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لِئِنِ اتَّبَعْتَ مُحَمَّدًا لا أَتْرُكُ بِيَدِكَ شَيْئًا/ كُنْتَ أَعْطَيْتُكَهُ [إِلا نَزَعْتُهُ مِنْكَ] [٢] حَتَّى ثَوْبَيْكَ، فَقَالَ: فَأَنَا وَاللَّهِ مُتَّبِعٌ مُحَمَّدًا وَتَارِكٌ عِبَادَةَ الْحَجَرِ وَالْوَثَنِ، وَهَذَا مَا بِيَدِي فَخُذْهُ. فَأَخَذَ كُلَّ مَا أَعْطَاهُ حَتَّى جَرَّدَهُ مِنْ إِزَارِهِ، فَأَتَى أُمَّهُ فَقَطَعَتْ لَهُ نِجَادًا لَهَا بِاثْنَيْنِ، فَأْتَزَرَ بِوَاحِدَةٍ، وَارْتَدَى الآخَرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ بِرُوقَانَ- وَهُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ مُزَيْنَةَ- فَاضْطَجَعَ فِي الْمَسْجِدِ فِي السَّحَرِ، فصلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ، وَكَانَ يَتَصَفَّحُ وُجُوهَ النَّاسِ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَأَنْكَرَهُ، فَقَالَ: «مَن أنت؟» فانتسب له، وكان اسمه عبد
стр. 1169
الْعُزَّى، فَقَالَ: «أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ ذُو النِّجَادَيْنِ» ، ثُمَّ قَالَ: «انْزِلْ مِنِّي قَرِيبًا» . فَكَانَ فِي أَضْيَافِهِ، وَيُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ حَتَّى قَرَأَ قُرْآنًا كَثِيرًا، وَكَانَ رَجُلا صَيِّتًا، فَكَانَ يَقُومُ فِي الْمَسْجِدِ فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا تَسْمَعُ هَذَا الأَعْرَابِيَّ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، قَدْ مَنَعَ النَّاسَ الْقِرَاءَةَ، فَقَالَ: «دَعْهُ يَا عُمَرُ فَإِنَّهُ خَرَجَ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ» .
ثم خرجوا إلى تبوك، قال ذو النجادين: يا رسول الله ادع الله لي بالشهادة ابغني لحا سمرة، فربطها رسول الله ﷺ علي عضده، وقال: «اللَّهمّ إني أحرم دمه على الكفار» ، قال: يا رسول اللَّه، ليس هذا أردت، قال: «إنك إذا خرجت غازيا في سبيل الله فأخذتك الحمى فقتلتك فأنت شهيد، أو وقصتك دابتك فأنت شهيد [١] ولا تبالي بأية كان» .
فلما نزلوا بتبوك أقاموا بها أياما، فتوفي عبد الله، وكان بلال بن الحارث يقول:
حضرت مع رسول الله ﷺ ومع بلال المؤذن شعلة من نار عند القبر واقفا بها، وإذا رسول الله ﷺ فِي القبر، وإذا أبو بكر وعمر يدليانه إلى رسول الله ﷺ وهو يقول: «أدنيا إلي أخاكما» ، فلما هيأه لشقه في اللحد، قال: «اللَّهمّ قد أمسيت عنه راضيا فارض عنه» ، فقال ابن مسعود: يا ليتني صاحب هذا القبر.
١٢٩- عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن عبيد، وهو ابن سلول:
وسلول امرأة من خزاعة، وهي أم أبي بن مالك. كان عبد الله سيد الخزرج في جاهليتهم، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة وقد/ جمعوا له خرزا ليتوجوه فحسد ابن أبي رسول الله ﷺ ونافق، فاتضع شرفه وهو ابن خالة أبي عامر الراهب.
وكان لعبد الله من الولد، عبد الله، فأسلم وشهد بدرا، وكان معه خال أبيه وتثقل عليه صحبة المنافقين مرض عبد الله بن أبي عشرين يوما بعد أن رجع رَسُول اللَّه ﷺ من تبوك، ومات في ذي القعدة، فأتاه رسول الله ﷺ فشهده وصلى عليه ووقف على قبره وعزى ابنه عبد الله عليه.
ثم دخلت سنة عشر من الهجرة
فمن الحوادث فيها:
أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب [١]
فروى ابن إسحاق [عن عبد الله بن أبي بكر] [٢] ، قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في ربيع الآخر- أو في جمادى الأولى- في سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا لك فاقبل منهم، وعلمهم كتاب اللَّه وسنة رسوله، ومعالم الإسلام، فإن لم يقبلوا فقاتلهم.
فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون الناس إلى الإسلام، ويقولون: يا أيها الناس أسلموا تسلموا. فأسلم الناس/ ودخلوا فيما دعاهم إليه، وأقام خَالِد فيهم وعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة رسوله، ثم كتب خالد إلى رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد النبي رسول الله ﷺ من خالد بن الوليد، السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك الله الذي لا اله إلا هو، أما بعد يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، إنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب، وأمرتني إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة أيام وأن أدعوهم إلى الإسلام ثلاثة أيام فإن أسلموا قبلت منهم، وإني قدمت عليهم ودعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام، وبثثت فيهم ركبانا: يا بني الحارث، أسلموا فتسلموا، فأسلموا وأنا مقيم أعلمهم معالم الإسلام.
فكتب رسول الله ﷺ بعد البسملة: «إلى خالد بن الوليد السلام عليك، فإني أحمد إليك
стр. 1172
الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن كتابك جاءني مع رسولك يخبر أن بني الحارث قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، فبشرهم وأنذرهم، واقبل منهم وليقبل معك وفدهم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته» .
فأقبل خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب وفيهم:
قيس بْن الحصين، فسلموا عليه وقالوا: نشهد أنك رسول الله، وأن لا إله إلا الله، فَقَالَ رسول اللَّه ﷺ : «وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» ، وأمر عليهم قيسا، فلم يمكثوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول الله ﷺ . وكان رسول الله ﷺ بعث إلى بني الحارث بن كعب بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حرام الأَنْصَارِيّ يفقههم ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم.
قال الواقدي [١] : فتوفي رسول الله ﷺ وعمرو بن حرام عامله على نجران
. وفيها قدم وفد سلامان في شوال على رسول الله ﷺ [٢] .
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْبَاقِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، قال:
أخبرنا أبو عمرو بن حَيَّوَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا/ [الْحُسَيْنُ [٣] بْنُ الفهم، قال: أخبرنا محمد بن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي كُتُبِ أَبِي أَنَّ حَبِيبَ بْنَ عَمْرٍو السَّلامَانِيُّ كَانَ يُحَدِّثُ، قَالَ: قدمنا وَفْدُ سَلامَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ سَبْعَةٌ، فَصَادَفْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَارِجًا مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى جِنَازَةٍ دُعِيَ إِلَيْهَا، فَقُلْنَا: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «وَعَلَيْكُمْ، مَنْ أَنْتُمْ؟» ، قُلْنَا: نَحْنُ مِنْ سَلامَانَ، قَدِمْنَا لِنُبَايِعَكَ عَلَى الإسلام، ونحن على من وراءنا
стр. 1173
مِنْ قَوْمِنَا، فَالْتَفَتَ إِلَى ثَوْبَانَ غُلامِهِ، فَقَالَ: «أَنْزِلْ هَؤُلاءِ الْوَفْدَ حَيْثُ يَنْزِلُ الْوَلَدَ» ، فَلَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ جَلَسَ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَبَيْتِهِ، فَتَقَدَّمْنَا إِلَيْهِ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ أَمْرِ الصَّلاةِ وَشَرَائِعِ الإِسْلامِ، وَعَنِ الرُّقَى وَأَسْلَمْنَا، وَأَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا خَمْسَ أَوَاقٍ، وَرَجِعْنَا إِلَى بِلادِنَا، وَذَلِكَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ عَشْرٍ
. وفيها قدم وفد محارب في حجة الوداع على رسول الله ﷺ .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْبَاقِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، قال: أخبرنا أبو عمر بْن حيويه، قَالَ: أخبرنا الْحَسَنِ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا] [١] الْحُسَيْنُ بْنُ الفهم، قال: أخبرنا محمد بن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي وَجْزَةَ السَّعْدِيِّ، قَالَ:
قَدِمَ وَفْدُ مُحَارِبٍ سَنَةَ عَشْرَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُمْ عَشْرَةُ نَفَرٍ: سَوَاءُ بْنُ الْحَارِثِ، وَابْنُهُ خُزَيْمَةُ [بْنُ سَوَاءَ] ، فَأَسْلَمُوا وَلَمْ يَكُنْ [أَحَدٌ] [٢] قَطُّ أَفَظَّ وَلا أَغْلَظَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ فِي الْوَفْدِ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَعْرِفُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّه الَّذِي أَبْقَانِي حَتَّى صَدَّقْتُ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ بِيَدِ اللَّهِ» وَمَسَحَ وَجْهَ خُزَيْمَةَ [بْنَ سَوَاءَ] فَصَارَتْ لَهُ غُرَّةٌ بَيْضَاءُ، وَأَجَازَهُمْ كَمَا يُجِيزُ الوفد وَانْصَرَفُوا
. وفيها قدم وفد الأزد [٣] .
رأسهم صرد بن عبد الله الأزدي في بضعة عشر.
روى ابن إسحاق، عن عبد الله بن أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَسْلَمَ فَأَمَّرَهُ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُجَاهِدَ بِمَنْ أَسْلَمَ [مِنْ أهل بيته] [٤] من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن.
стр. 1174
وفيها قدم وفد غسان ووفد عاملة [١] .
كلاهما في رمضان
. وفيها قدوم وفد زبيد على رسول الله ﷺ بإسلامهم [٢] .
فروى ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم عمرو بن معديكرب فِي أُنَاسٍ مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ فَأَسْلَمُوا، فَلَمَّا توفي رسول الله ﷺ ارْتَدَّ عَمْرُو ثُمَّ عَادَ إِلَى الإِسْلامِ
. وفيها قدوم وفد عبد القيس [٣] .
قال ابن إسحاق: قدم على رسول الله ﷺ الجارود بن عمرو في وفد عبد القيس، وكان نصرانيا فأسلموا
. وفيها قدم الأشعث بن قيس في وفد كندة [٤] .
فأسلموا
. وفيها قدم وفد بني حُنِيفَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفيهم مسيلمة بن حبيب الحنفي الكذاب [٥] .
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض علمائنا: أن بني حنيفة أتت بمسيلمة إلى رسول الله ﷺ تستره بالثياب، ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه ومعه عسيب من سعف النخل، في رأسه خوصات، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وهم يسترونه/ بالثياب، كلم
стр. 1175
رسول الله ﷺ وسأله، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك» . وروى ابن إسحاق، عن شيخ من بني حنيفة، قال: كان حديث مسيلمة على غير هذا: أتى وفد بني حنيفة رسول الله ﷺ وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا له مكانه، وقالوا: إنا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا يحفظها لنا، فأمر لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بمثل ما أمر به القوم، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وادعى النبوة.
قال مؤلف الكتاب: وسيأتي خبره إن شاء الله تعالى
. وفيها قدم وفد بجيلة [١] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عمرو بن حَيَّوَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَهِمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَدِمَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ سَنَةَ عَشْرٍ وَمَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ رَجُلا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْفَجِّ مِنْ خَيْرِ ذِي يَمَنٍ عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةُ مُلْكٍ» .
فَطَلَعَ جَرِيرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَمَعَهُ قَوْمُهُ فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوا.
قَالَ جَرِيرٌ: فَبَسَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَايَعَنِي وَقَالَ: «عَلَى أَنْ تَشْهَدَ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقَيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَتَنْصَحَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَتُطِيعَ الْوَالِي وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا» فَقَالَ: نَعَمْ. وكأن رسول الله ﷺ يَسْأَلُهُ عَمَّا وَرَاءَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الإِسْلامَ، [وَأَظْهَرَ اللَّهُ الإِسْلامَ] والأذان في [مساجدهم وساحاتهم] [٢] وهدمت القبائل أَصْنَامُهَا الَّتِي كَانَتْ تُعْبَدُ، قَالَ: «فَمَا فَعَلَ ذُو الْخُلَصَةِ؟» قَالَ: هُوَ عَلَى حَالِهِ، فَبَعَثَهُ [٣] رسول الله ﷺ إلى هَدْمِ ذِي الْخُلَصَةِ وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً، فَقَالَ: إني
стр. 1176
لا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرَهُ، وَقَالَ: «اللَّهمّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا» فَخَرَجَ فِي قَوْمِهِ وَهُمْ زُهَاءَ مَائَتَيْنِ، فَمَا أَطَالَ الْغَيْبَةَ حَتَّى/ رَجِعَ، فَقَالَ رسول الله ﷺ :
«أَهَدَمْتَهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، وَأَحْرَقْتُهُ بِالنَّارِ، فَتَرَكْتُهُ كَمَا يَسُوءُ أَهْلَهُ، فَبَرَّكَ رَسُولُ الله ﷺ يومئذ على خيل أحمس ورجالها
. تم الجزء الثالث من كتاب المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، تأليف الشيخ الإمام العالم الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن ابن علي بن محمد بن الجوزي غفر الله له يتلوه في الجزء الرابع: وفي سنة عشر من الهجرة أيضا: قدم العاقب والسيد من نجران وكتب لهم رسول الله ﷺ كتاب صلح [١]
стр. 1177
[المجلد الرابع]
[تتمة سنة عشر من الهجرة]
بسم الله الرّحمن الرّحيم وبه نستعين
وفي سنة عشر من الهجرة أيضا قدم العاقب والسيد من نجران [١]
وكتب لهم رسول الله ﵌ كتاب صلح
. وفيها قدم وفد خولان
[٢] وهم عشرة
وفيها قدم وفد الرهاويين ووفد تغلب [٣]
قال ابن حبيب الهاشمي: وكان رسول الله ﵌ إذا قدم الوفد لبس أحسن ثيابه، وأمر أصحابه بذلك
. وفيها قدم وفد [بني] عامر بن صعصعة [٤]
روي عن محمد بن إسحاق [٥] ، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: قدم على رسول الله ﵌ وفد بني عامر، فيهم: عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس، وحيان بن سليم، وهؤلاء الثلاثة رؤساء القوم، وقد كَانَ قال لعامر قومه: أسلم فإن الناس قد أسلموا، قال:
والله لقد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، أفأنا أتبع عقب هذا الفتى، ثم
стр. 1178
قَالَ لأربد: إذا قدمنا على الرجل فأنا أشغل وجهه عنك، فاعْلُهُ بالسيف. فلما قدموا [على رسول الله ﵌] ، جعل عامر يكلم رسول الله ﵌ وينتظر من أربد ما أمره به، فلم يحر شيئا، فَقَالَ له: والله لأملأنها عليك خيلا جردا ورجالا مردا، فلما ولى، قال رسول الله ﵌: «اللَّهمّ اكفني عامر بن الطفيل» ، فقال عامر لأربد: ويلك، أين ما أوصيتك به؟
قال: والله ما هممت بالذي أمرتني إلا دخلت بيني وبين الرجل [حتى ما أرى غيرك] [١] أفأضربك بالسيف.
وخرجوا راجعين إلى بلادهم، فبعث الله الطاعون على عامر في بعض طريقهم فقتله الله في بيت امرأة من [بني] سلول، فجعل يقول: أغدة كغدة البعير، وأرسل على أربد صاعقة فأحرقته، وكان أربد أخا لبيد بن ربيعة من أمه.
وروى الزبير بن بكار بإسناده [٢] ، أن عامر بن الطفيل أتى رسول الله ﵌ فوسده وسادة، وقال لَهُ: «أسلم يا عامر» قال: على أن لي الوبر ولك المدر، فأبى رسول الله ﵌، فقام عامر مغضبا وقال: والله لأملأنها عليك خيلا جردا ورجالا مردا، ولأربطن بكل نخلة فرسا، فقال النبي ﵌: «لو أسلم وأسلمت بنو عامر لراحمت قريشا في منابرها» . ثم عاد رسول الله ﵌، وقال: «يا قوم آمنوا» ، ثم قال: «اللَّهمّ اهد بني عامر.
واشغل عني عامر بْن الطفيل كيف وأنى شئت» ، فخرج فأخذته غدة مثل غدة البعير في بيت سلولية، فقال: يا موت ابرز لي، وأقبل يشتد وينزو إلى السماء، ويقول: غده كغدة البعير وموت في بيت سلولية.
قال الحسن بن علي الحوماري: كان الطفيل بن مالك بن جعفر يكنى أبا علي، وكان من أشهر فرسان العرب بأسا ونجدة وأبعدها اسما حتى بلغ به ذلك أن قيصر كان قدم عليه قادم من العرب، قال له: ما بينك وبين عامر بن الطفيل، فإن ذكر نسبا عظم به عنده.
ولما مات عامر منصرفه عن رسول الله ﵌ نصب عليه بنو عامر نصابا ميلا في ميل حمي على قبره ولا تسير فيه راعية ولا ترعى ولا يسلكه راكب ولا ماش.
стр. 1179
وفيها: كان قد خرج ابن أبي مارية مولى العاص بن وائل في تجارة إلى الشام، وصحبه تميم الداري، وعدي بن بدا، وهما على النصرانية، فمرض ابن أبي مارية وقد كتب وصيته وجعلها في ماله، فقدموا بالمال والوصية، ففقدوا جاما أخذه تميم وعدي، فأحلفهما رسول الله ﵌ بعد العصر ثم ظهر عليه فحلف عبد الله بن عمرو بن العاص، والمطلب بن وداعة واستحقا
. وفيها سرية علي ابن أبي طالب ﵁ إلى اليمن في رمضان
[١] بعثه رسول الله ﵌ وعقد له لواء وعممه بيده، وقال: «امض ولا تلتفت، فإذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك» . فخرج في ثلاثمائة فارس، ففرق أصحابه فأتوا بنهب [وغنائم] [٢] ونساء وأطفال، ودعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا بالنبل والحجارة، فصف أصحابه ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان السلمي، ثم حمل عليهم بأصحابه فقتلوا عشرين ثم أسلموا
. وفيها كانت حجة الوداع
[٣] قال المؤلف [٤] : لما عزم رسول الله ﵌ على الحج أذن بالناس بذلك، فقدم المدينة خلق كثير ليأتموا برسول الله ﵌ في حجته، فخرج رسول الله ﵌ من المدينة مغتسلا مدهنا مترجلا متجردا في ثوبين إزار ورداء، وذلك في يوم السبت لخمس [ليال] [٥] بقين من ذي القعدة، فصلى الظهر بذي الحليفة ركعتين، وأخرج معه نساءه كلهن في هوادج، وأشعر هديه وقلده، ثم ركب ناقته، فلما استوى بالبيداء أحرم من يومه ذلك.
стр. 1180
وكان يوم الاثنين بمر الظهران فغربت له الشمس بسرف، ثم أصبح واغتسل ودخل مكة نهارا وهو على راحلته، فدخل من أعلى مكة من كداء حتى انتهى إلى باب بني شيبة، فلما رأى البيت رفع يديه، وقال: «اللَّهمّ يزد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة، وزد من عظمه ممن حجه واعتمره تشريفا وتكريما ومهابة وتعظيما وبرا» . ثم بدأ فطاف بالبيت، ورمل ثلاثة أشواط من الحجر إلى الحجر وهو مضطبع بردائه، ثم صلى خلف المقام ركعتين، ثم سعى بين الصفا والمروة على راحلته من فوره ذلك.
وخطب بمكة خطبا في أيام حجه.
قال المؤلف:
ومما جرى بعد حجه ﵌.
أن باذام والي اليمن مات، ففرق رسول الله ﵌ عمالها بين شهر بن باذام/ وعامر بن شهر الهمداني، وأبي موسى الأشعري، وخالد بن سعيد بن العاص، ويعلى بن أمية، وعمرو بن حزم، وزياد بن لبيد البياضي على حضرموت، وعكاشة بن ثور على السكاسك والسكون.
وبعث معاذ بن جبل معلما لأهل البلدين: اليمن وحضرموت، وقال له: «يا معاذ إنك تقدم على قوم أهل كتاب وإنهم سائلوك عن مفاتح الجنة، فأخبرهم أن مفاتح الجنة لا إله إلا الله، وأنها تخرق كل شيء حتى تنتهي إلى الله ، لا تحجب دونه، من جاء بها يوم القيامة مخلصًا رجحت بكل ذنب» فقال: أرأيت ما سئلت عنه واختصم إلي فيه مما ليس في كتاب الله ولم أسمع منك سنة [١] ؟ فقال: «تواضع للَّه يرفعك، ولا تقضين إلا بعلم، فإن أشكل عليك أمر فسل ولا تستحي، واستشر ثم اجتهد، فإن الله إن يعلم منك الصدق يوفقك، فإن التبس عليك فقف حتى تتبينه أو تكتب إلي فيه، واحذر
стр. 1181
الهوى فإنه قائد الأشقياء إلى النار وعليك بالرفق» . وروى الإمام أحمد [في المسند] [١] ، قال: إن معاذ بن جبل لما بعثه رسول الله ﵌ إلى اليمن خرج معه رسول الله ﵌ يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله ﵌ يمشي تحت راحلته، فلما فرغ،: قال: «يا معاذ إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا ولعلك تمر بمسجدي هذا وقبري، فبكى معاذ خشعا لفراق رسول الله ﵌ ثم التفت وأقبل بوجهه نحو المدينة، فقال: «إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا» . وروي عن عبيد بن صخر، قال: أمر رسول الله ﵌ عمال اليمن جميعا، فقال:
تعاهدوا الناس بالتذكرة واتبعوا الموعظة فإنها أقوى للعاملين على العمل بما يحب الله
. وفيها كتب رسول الله ﵌/ إلى جبلة بن الأيهم ملك غسان يدعوه إلى الإسلام
فأسلم وكتب بإسلامه إلى رسول الله ﵌ وأهدى له هدية ثم لم يزل مسلما حتى كان في زمن عمر بن الخطاب ﵁ فارتد. قال المؤلف: سنذكر قصته عند ذكر موته في سنة ثلاث وخمسين من الهجرة
. وفيها بعث رسول الله ﵌ جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي كلاع بن باكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تبع فأسلم
وأسلمت امرأته ضريبة بنت أبرهة [٢] بن الصباح، واسم ذي الكلاع سميفع بن حوشب.
[أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا علي بن أحمد بْن السَّرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ، حَدَّثَنَا أبو بكر الأنباري، أخبرنا أبو الحسن بن البراء، قال: حدّثني أبو
стр. 1182
عَبْد الله الوصافي، حدثنا سليمان بن معبد أبو داود المروزي، حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا] [١] علوان بن داود، عن رجل من قومه، قال:
بعثني قومي بهدية إلى ذي الكلاع في الجاهلية، قال: فمكثت سنة لا أصل إليه، ثم إنه أشرف بعد ذلك من القصر فلم يره أحد إلا خر له ساجدا، ثم رأيته بعد ذلك في الإسلام قد اشترى لحما بدرهم، فسمطه على فرسه، وأنشأ يقول:
أف للدنيا إذا كانت كذا ... أنا منها كل يوم في أذى
ولقد كنت إذا ما قيل من ... أنعم الناس معاشا قيل ذا
ثم أبدلت بعيشي شقوة ... حبذا هذا شقاء حبذا
وروى الرياشي عن الأصمعي، قال: كاتب رسول الله ﵌ ذا الكلاع من ملوك الطوائف على يد جرير بن عبد الله يدعوه إلى الإسلام، وكان قد استعلى أمره حتى دعي إلى الربوبية فأطيع، ومات النبي ﵌ قبل عود جرير، وأقام ذو الكلاع على ما هو عليه إلى أيام عمر بن الخطاب، ثم رغب في الإسلام، فوفد على عمر [﵁ ومعه ثمانية آلاف عبد، فأسلم عَلَى يديه وأعتق من عبيده أربعة آلاف، فقال عمر/ [﵁] : يا ذا الكلاع بعني ما بقي من عبيدك حتى أعطيك ثلث أثمانهم ها هنا، وثلثا باليمن، وثلثا بالشام، قال: أجلني يومي هذا حتى أفكر فيما قلت. ومضى إلى منزله فأعتقهم جميعا، فلما غدا على عمر قال [له] : ما رأيك فيما قلت لك في عبيدك؟ قال: قد اختار الله لي ولهم خيرا مما رأيت، قال: وما هو؟ قَالَ: هم أحرار لوجه الله، قال: أصبت يا ذا الكلاع، قال: يا أمير المؤمنين لي ذنب ما أظن الله يغفره لي، قال: ما هو؟ قال: تواريت مرة عن من يتعبد لي ثم أشرفت عليهم من مكان عال، فسجد لي زهاء عن مائة ألف إنسان، فقال عمر: التوبة بإخلاص، والإنابة بإقلاع يرجى معها رأفة الله والغفران.
وقال يزيد بن هارون: أعتق ذو الكلاع اثني عشر ألف بيت.
стр. 1183
وفيها أسلم فروة الجذامي
[أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أبي طاهر، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، قَالَ:
حدثنا مُحَمَّد بْن سعد، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن محمد بن عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ عَمْرٍو الْجُذَامِيِّ] [١] ، قَالَ [٢] :
كَانَ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو الْجُذَامِيُّ عَامِلا لِلرُّومِ فَأَسْلَمَ، فَكَتَبَ إِلَى رسول الله ﵌ بِإِسْلامِهِ، وَبَعَثَ بِهِ رَجُلا مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهُ مَسْعُودُ بْنُ سَعِيدٍ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِبَغْلَةٍ [٣] بَيْضَاءَ وَفَرٍس وَحِمَارٍ وَأَثْوَابٍ وَقِبَاءٍ سُنْدُسٍ مُخَوَّصٍ بِالذَّهَبِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى فَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو، أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ قَدِمَ عَلَيْنَا رَسُولُكَ وَبَلَّغَ مَا أَرْسَلْتَ بِهِ وَخَبَّرَ عَمَّا قِبَلُكُمْ وَأَتَانَا بِإِسْلامِكَ وَإِنَّ اللَّهَ هَدَاكَ بِهُدَاهُ» ، وَأَمَر بِلالا فَأَعْطَى رَسُولَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَوْقِيَّةً وَنِشًا. وَبَلَغَ مَلِكَ الرُّومِ إِسْلامُ فَرْوَةَ فَدَعَاهُ فَقَالَ [لَهُ] : ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ نُمَلِّكُكَ، فَقَالَ: لا أُفَارِقُ دِينَ مُحَمَّدٍ وَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ عِيسَى [قَدْ] [٤] بَشَّرَ بِهِ، وَلَكِنَّكَ تَضِنُّ بِمُلْكِكَ، فَحَبَسَهُ ثُمَّ أَخْرَجَهُ فَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ
. وفي هذه السنة أن رسول الله/ ﵌ بعث عمرو بن العاص بعد رجوعه من الحج لأيام بقين من ذي الحجة إلى جيفر وعبد ابني الجلندي بعمان يدعوهما إلى الإسلام [٥] .
وكتب معه كتابا إليهما وختم الكتاب، قال عمرو: فلما قدمت عمان عمدت إلى عبد، وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا، فقلت: إني رسول رسول الله ﵌ إليك وإلى أخيك، فقال [أخي] المقدم بالسر والملك: وأنا أوصلك إليه حتى تقرأ كتابك، فمكثت أياما ببابه، ثم إنه دعاني فدخلت عليه فدفعت إليه الكتاب مختوما ففض خاتمه وقرأه حتى انتهى إلى آخره ثم دفعه إِلى أخيه فقرأه، إلا أني رأيت أخاه أرق منه فقال: دعني يومي هذا وارجع
стр. 1184
إليَّ غدا، فلما كان الغد رجعت إليه، فقال: إني فكرت فيما دعوتني إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما في يدي، قلت: فإني خارج غدا، فلما أيقن بمخرجي أصبح فأرسل إلي فدخلت عليه، فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا، وصدقا بالنبيّ ﵌ وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم وكانا لي عونا على من خالفني، فأخذت الصدقة من أغنيائهم، فرددتها في فقرائهم [١] ، ولم أزل مقيما بينهم حتى بلغنا وفاة النبي ﵌. وذكر الواقدي أن هذا كان في سنة ثمان.
قال المؤلف [٢] : وما ذكرناه أصح. وقال ابن مسعود: هذا آخر بعث النبي ﵌ إلى الملوك
. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٣١- إبراهيم ابن رسول الله ﵌:
ولد في ذي الحجة من سنة ثمان، وتوفي في ربيع الأول غرة سنة عشر، ودفن بالبقيع.
رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَال: أخذ رسول الله ﵌ بَيَدِي، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى النَّخْلِ الَّذِي فِيهِ إِبْرَاهِيمُ، فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ/ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَتَبْكِي يَا رَسُولَ الله، أولم تَنْهَ عَنِ الْبُكَاءِ؟ فَقَالَ: «إِنَّمَا نَهَيْتُ عَنِ النَّوْحِ، وَعَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ نَغَمَةِ لَهْوٍ وَلَعِبٍ، وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ، وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصَيبَةٍ وَخَمْشِ وُجُوهٍ وَشَقِّ جُيُوبٍ وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ» [٣] .
وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي حَدِيثِهِ: [٤] «إِنَّمَا هَذِهِ رَحْمَةٌ وَمَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ، يَا إِبْرَاهِيمُ لَوْلا أَنَّهُ أَمْرٌ حَقٌّ وَوَعْدٌ صِدْقٌ وَأَنَّهَا سَبِيلٌ مَأْتِيَّةٌ، وَأَنَّ آخِرَنَا سَيَلْحَقُ أَوَّلَنَا لحزنا عليك
стр. 1185
حُزْنًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا، وَإِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ، تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ» . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: [١] [حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الأَسَدِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ] [٢] ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي، وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ، وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكْمِلانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ» . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، [عَنْ وَكِيعِ بن الجراح، وهشام بن عبد الملك أبو أَيُّوبَ الطَّيَالِسِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ ثَابِتٍ،] [٣] عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: «لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رسول الله ﵌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «أَمَا إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ» . [وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْبَرَاءِ أَيْضًا، قَالَ: صلى رسول الله ﵌ عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ سَتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَقَالَ: «إِنَّ لَهُ لَظِئْرًا تُتِمُّ رِضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ وَهُوَ صِدِّيقٌ» ] [٤] .
وروى ابن سعد، عن جابر، عن عامر، قال: توفي إبراهيم وهو ابن ثمانية عشر شهرا.
قال مؤلف الكتاب [٥] : وفي يوم [موت] [٦] إبراهيم كسفت الشمس.
[أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا
١٣٢- باذام ملك اليمن:
كان أسلم وأسلم أهل اليمن، فجمع له رسول الله ﵌ اليمن كلها فتوفي في هذه السنة
. ١٣٣-[عبد الله بْن] [١] عمرو بن صيفي، أبو عامر الراهب:
كان قد ترهب وانتظر خروج رسول الله ﵌، فلما خرج حسده وجحد نبوته، وقاتل يوم أحد، فلما فتحت مكة هرب إلى قيصر، فمات هناك في هذه السنة.
قَالَ مؤلف الكتاب [٢] : وقد ذكرنا طرفا من أخباره في قصة ولده حنظلة في سنة ثلاث من الهجرة.
стр. 1188
ثُمَّ دخلت سنة إحدى عشرة
فمن الحوادث فيها أنه قدم على رسول الله ﵌ وفد النخع من اليمن للنصف من المحرم
[١] وهم مائتا رجل مقرين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل باليمن.
قال الواقدي [٢] : وهم آخر من قدم على رسول الله ﵌ من الوفود
. ومن الحوادث استغفار رسول الله ﵌ لأهل البقيع
[أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُصَرِّفُ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزَّاغُونِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ النَّقُّورِ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُخْلِصُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ السِّخْتِيَانِيُّ، حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مُبَشِّرِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ،] [٣] عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌، قَالَ:
أَهَبَّنِي [٤] رَسُولُ اللَّهِ ﵌ في المحرم مرجعه من حَجَّتَهِ وَمَا أَدْرِي مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ
ومن الحوادث سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى أهل أبنى، وهي أرض السراة ناحية البلقاء
[١] .
وذلك أن رسول الله ﵌ أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم في يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة، فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد، فقال: «سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش، فأغر صباحا على أهل أبنى وحرق عليهم، فإن أظفرك الله/ فأقلل اللبث فيهم وخذ معك الأدلاء وقدم العيون والطلائع أمامك. فلما كان يوم الأربعاء بدئ برسول الله ﵌ فحم وصدع، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده، ثم قال: «اغز بسم الله في سبيل الله، فقاتل من كفر باللَّه» . فخرج وعسكر بالجرف فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزاة، فيهم أبو بَكْر الصديق، وعمر، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأبو عبيدة، وقتادة بن النعمان، فتكلم قوم وقالوا [٢] : يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين، فغضب رسول الله ﵌ غضبا شديدًا، فخرج وقد عصب رأسه عصابة وعليه قطيفة، فصعد الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمّ قَالَ: «أما بعد، أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، فلئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في تأميري من قبله، وايم الله إن كان للإمارة لخليقا، وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم» . ثم نزل فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر ليال خلون من ربيع الأول، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله ﵌ ويمضون إلى العسكر بالجرف، وثقل رسول الله ﵌، فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله ﵌ وجعه فدخل أسامة من معسكره والنبي ﵌ مغمور- وهو اليوم الذي لدوه فيه- فطأطأ أسامة فقبله رسول الله ﵌، فجعل يرفع يديه إلى السماء، ثم يضعها على أسامة. قال: فعرفت أنه يدعو لي، ورجع إلى معسكره، ثم دخل إلى رسول الله ﵌؟ يوم الاثنين، فقال له: أغد
стр. 1191
عَلَى بركة الله، فودعه أسامة وخرج إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل.
فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن قد جاءه يقول: إن رسول الله ﵌ يموت، فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عبيدة، فانتهوا إلى رسول الله ﵌ وهو يموت، فتوفي ﵇ حين زالت الشمس يوم الاثنين، فدخل المسلمون الذين عسكروا إلى المدينة، وكان لواء أسامة مَعَ بريدة بن الخصيب، فدخل بريدة بلواء أسامة حتى غرزه عند باب رسول الله ﵌، فلما بويع لأبي بكر أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى أسامة ليمضي لوجهه، فمضى بريدة، إلى معسكرهم الأوّل، فلما ارتدت العرب كلم أبو بكر في حبس أسامة فأبى، وكلم أبو بكر أسامة في عمر أن يأذن له في التخلف ففعل، فلما كان هلال ربيع الآخر سنة احدى عشر خرج أسامة فسار إِلى أهل أبنى عشرين ليلة، فشن عليهم الغارة فقتل من أشرف له وسبى من قدر عليه وقتل قاتل أبيه ورجع إلى المدينة، فخرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة، يتلقونهم سرورًا بسلامتهم
[١] .
ومن الحوادث في مرض رسول الله ﵌ مجيء الخبر بظهور مسيلمة والعنسي
[٢] قد ذكرنا أن مسيلمة قدم على رسول الله ﵌ فيمن أسلم ثم ارتد لما رجع إلى بلده، وكتب إِلى رسول الله ﵌: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. وكان يستغوي أهل بلدته، وكذلك العنسي إلا أنه لم يظهر أمرهما [٣] إلا في حالة مرض رسول الله ﵌، وكان رسول الله ﵌ قد لحقه مرض بعد عوده من الحج ثم عوفي ثم عاد فمرض مرض الموت.
قال أبو مويهبة مولى رسول الله ﵌: لما رجع رسول الله ﵌ من حجه طارت الأخبار بأنه قد اشتكى/، فوثب الأسود باليمن، ومسيلمة باليمامة، فجاء الخبر عنهما إلى رسول الله ﵌، ثُمَّ وثب طليحة في بلاد بني أسد بعد ما أفاق رسول الله ﵌.
стр. 1192
روى سيف بن عمر بإسناده عن علي وابن عباس ﵄ [١] : أول ردة كانت على عهد رَسُول الله ﵌، وأول من ارتد الأسود [العنسي] في مذحج، ومسيلمة في بني حنيفة وطليحة في بني أسد.
وقال الشعبي [٢] : قدم على رسول الله ﵌ خبر مسيلمة والعنسيّ الكذابين بعد ما ضرب على النّاس بعث أسامة بن زيد
. ومن الحوادث في مرضه ﵌ [٣]
أنه رأى في منامه سوارين من ذهب، فخرج فحدث. فَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ عَاصِبًا رَأْسَهُ مِنَ الصُّدَاعِ، فَقَالَ: «إِنِّي رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ أَنَّ فِي عَضُدِي سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَرِهْتُهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا فَأَوَّلْتُهُمَا هَذَيْنِ الْكَذَّابَيْنِ صَاحِبَ الْيَمَامَةِ وَصَاحِبَ الْيَمَنِ»
. ذكر أخبار الأسود العنسي ومسيلمة وسجاح وطليحة
أما الأسود فاسمه عبهلة بن كعب، يقال له: «ذو الخمار» ، لقب بذلك لأنه كان يقول:
يأتيني ذو خمار. وكان الأسود [كاهنا] [٤] مشعبذا [٥] ويريهم الأعاجيب، ويسبي بمنطقه قلب من يسمعه، وكان أول خروجه بعد حجة رسول الله ﵌ فكاتبته مذحج وواعدته [٦] بحران، فوثبوا بها وأخرجوا عمرو بن حزم، وخالد بن سعيد بن العاص، وأنزلوه منزلهما، ووثب قيس بن عبد يغوث على فروة بن مسيك وهو على مراد، فأجلاه ونزل
стр. 1193
منزله، فلم يلبث عبهلة بحران أن سار إلى صنعاء فأخذها، وكتب فروة بن مسيك إلى رسول الله ﵌ يخبره، ولحق بفروة من بقي على إسلامه من مذحج/ ولم يكاتب الأسود رسول الله ﵌ ولم يرسل إليه لأنه لم يكن معه أحد يشاغبه، وصفا له ملك اليمن وقوي أمره [١] .
واعترض على الأسود وكاثره عامر بن شهر [٢] الهمداني في ناحيته وفيروز وداذويه في ناحيتهما، ثم تتابع الذين كتب إليهم على ما أمروا به.
ثم خرج الأسود في سبعمائة فارس إلى شعوب [٣] فخرج إليه شهر بن باذام وذلك لعشرين ليلة من خروجه، فقتل شهرا، وهزم الأبناء، وغلب على صنعاء لخمس وعشرين ليلة من خروجه. وخرج معاذ بن جبل هاربا حتى مر بأبي موسى وهو بمأرب [٤] ، فاقتحما حضرموت، فنزل معاذ السكون، ونزل أبو موسى السكاسك، ورجع عمرو وخالد إلى المدينة، وغلب الأسود وطابقت [٥] عليه اليمن وجعل أمره يستطير استطارة الحريق. ودانت له سواحل البحر، وعامله المسلمون بالتقية.
وكان خليفته في مذحج عمرو بن معديكرب، وكان قد أسند أمر جنده إلى قيس بن عبد يغوث، وأمر الأنباء إلى فيروز وداذويه.
ثم استخف بهم وتزوج امرأة شهر، وهي ابنة عم فيروز، فأرسل رسول الله ﵌ إلى نفر من الأبناء رسولا وكتب إليهم أن يجاولوا الأسود إما غيلة وإما مصادمة، وأمرهم أن يستنجدوا رجالا سماهم لهم ممن خرجوا حولهم من حمير وهمدان، وأرسل إلى أولئك النفر أن ينجدوهم، فدعوا قيس بن عبد يغوث حين رأوا الأسود قد تغير عليه، فحدثوه الحديث وأبلغوه عن رسول الله ﵌، فأجاب ودخلوا على زوجته، فقالوا: هذا قتل أباك، فما عندك؟ قالت: هو أبغض خلق الله إلي وهو متحرز والحرس يحيطون بقصره
стр. 1194
إلا هذا البيت، فانقبوا عليه فنقبوا ودخل فيروز فخالطه فأخذ برأسه فقتله، فخار كأشد خوار ثور، فابتدر الحرس الباب، فقالوا: ما هذا؟ قالت المرأة: النبي يوحى إليه فإليكم ثم خمد.
وقد كان يجيء إليه/ شيطان فيوسوس له فيغط ويعمل بما قال له، فلما طلع الفجر نادوا بشعارهم الذي بينهم، ثم بالأذان، وقالوا فيه: نشهد أن محمدا رسول الله وأن عبهلة كذاب، وشنوها غارة. وتراجع أصحاب رسول الله ﵌ إلى أعمالهم، وكتبوا إلى رسول الله ﵌ بالخبر فسبق خبر السماء إليه، فخرج قبل موته بيوم أو بليلة، فأخبر الناس بذلك، ثم ورد الكتاب، ورسول الله ﵌ قد مات، إلى أبي بكر، وكان من أول خروج الأسود إلى أن قتل أربعة أشهر.
[أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَاجِّيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَرَقِنْدِيُّ، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنُ بْنُ النَّقُّورِ، أَخْبَرَنَا الْمُخْلِصُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بكر أحمد بن عبد الله بن سيف بن سعد، أَخْبَرَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ أبي القاسم الشَّنَوِيِّ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ زِيَادٍ] [١] ، عَنِ ابْنِ عمر، قال: أتي النبي ﵌ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ اللَّيْلَةَ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا الْعَنْسِيُّ فَخَرَجَ لِيُبَشِّرَنَا، فَقَالَ: «قُتِلَ الْعَنْسِيُّ الأَسْوَدُ الْبَارِحَةَ، قَتَلَهُ رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مُبَارَكِينَ» ، قِيلَ: وَمَنْ [هُوَ] [٢] ؟
قَالَ: «فَيْرُوزُ، فَازَ فَيْرُوزُ» . ذكر أخبار مسيلمة [٣] قد ذكرنا أنه قدم على رسول الله ﵌ في وفد بني حنيفة، فلما عاد الوفد ارتد،
стр. 1195
وكان فيه دهاء فكذب لهم وادعى النبوة، وتسمى برحمان اليمامة، لأنه كان يقول: الذي يأتيني اسمه رحمان، وخاف أن لا يتم له مراده لأن قومه شاغبوه، فقال: هو كما يقولون إلا أنني قد أشركت معه، فشهد لرسول الله ﵌ بأنه نبي، وادعى أنه قد أشرك معه في النبوة، وجعل يسجع لهم ويضاهي القرآن، فمن قوله: سبح اسم ربك الأعلى الذي يستر على الحبلى فأخرج منها نسمة تسعى من بين أضلاع وحشي. ويا ضفدعة بنت الضفدعين نقي ما تنقين وسبحي فحسن ما تسبحين للطين تغني سنين والماء تلبسين، ثم لا تكدرين ولا تفسدين فسبحي لنا فيما تسبحين. وكانوا قد سمعوا منه.
ومن قوله لعنه الله: والليل الأطحم [١] ، والذئب الأدلم [٢] والجذع الأزلم [٣] ما انتهكت أسيد من محرم. وكان يقصد بذلك نصرة أسيد على خصوم لهم.
وقال: / والليل الدامس والذئب الهامس ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس.
وقال: والشاة وألوانها، وأعجبها السود وألبانها، والشاة السوداء واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المذق، ما لكم لا تمجعون.
وكان يقول: والمبذرات زرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا [٤] ، واللاقمات لقما، إهالة وسمنا، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه.
وأتته امرأة، فقالت: ادع الله لنخلنا ولمائنا فإن محمدا دعا لقوم فجاشت آبارهم، فقال: وكيف فعل محمد؟ قالت: دعي بسجل، فدعا لهم فيه ثم تمضمض ومجه فيه، فأفرغوه في تلك الآبار، ففعل هو كذلك فغارت تلك المياه.
وقال له رجل: برك على ولدي، فإن محمدا يبرك على أولاد أصحابه، فلم يؤت