← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

ذكر ما جرى من الخلاف في المبايعة يوم موته ﵌ [أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَاجِّيُّ، وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَرَقِنْدِيُّ، قَالا: أخبرنا أبو الْحَسَنُ بْنُ النَّقُّورِ، حَدَّثَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُخْلِصُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَيْفٍ السِّجِسْتَانِيُّ، حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ عمَرْوِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلِيفَةَ الْمَازِنِيِّ] [١] ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ خَلِيفَةَ، قَالَ: لَمَّا تَوَفَّى اللَّهُ رَسُولَهُ ﵌ وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ بَلَغَ الْمُهَاجِرِينَ أن لأنصار قَدْ أَقْعَدُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَبَايَعُوهُ بِالْخِلافَةِ، فَدَخَلَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ ذَلِكَ وَحْشَةٌ، وَأَطَافَ كُلُّ بَنِي أَبٍ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ جَالِسٌ لا يَشْعُرُ حَتَّى خَرَجَ الْعَبَّاسُ ﵁ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بُنِيَتْ له وسادة، ودعي إِلَى نَفْسِهِ وَأَجَابَهُ مَنْ أَجَابَهُ نَقْضًا لِعَهْدِ رسول الله ﵌، انْهَضْ يَا أَبَا بَكْرٍ إِلَى هَؤُلاءِ الْقَوْمِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ حين دَعَا الْقَبَائِلَ وَوَعَدَهُمُ الظُّهُورَ، قَالُوا: لِمَنِ الْخِلافَةُ بعدك، فإذا قال لقريش تركوه، وكان أول مَنْ أَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ الأَنْصَارُ. [حَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ] [٢] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: [صَلَّى] [٣] أَبُو بَكْرٍ ﵁ الظَّهْرَ لِلنَّاسِ يَوْمَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﵌، وَقَدْ جَاءَ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ إِلَى الْعَبَّاسِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الأَنْصَارَ قَدْ أَمَّرَتْ سَعْدَ بن عبادة، ولما انصرف الناس من الظهر تَخَلَّفُوا وَأَقْبَلَ الْعَبَّاسُ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ [٤] ، فَقَالَ: [يَا] [٥] أَيُّهَا النَّاسُ/ مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ، إِنَّ مُخْبِرًا أَخْبَرَنِي وَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَانْهَضْ إِلَيْهِمْ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَيَدُلُّنَا عَلَى صِدْقِ الَّذِي أَتَاكَ يَا أَبَا الْفَضْلِ أَنَّهُ لم يصلّ معنا منهم أحد.

стр. 1227

قال مؤلف الكتاب [١] : وسيأتي حديث السقيفة في بيعة أبي بكر ﵁ إن شاء الله . ذكر خلافة أبي بكر الصديق وأحواله ذكر اسمه ونسبه [٢] اسمه عبد الله بن أبي قحافة، واسمه عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرَّة بن كعب بن لؤي، ويكنى أبا بكر. وأمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر. قال أبو الحسن بن البراء ولد أبو بكر بمنى. وفي تسميته بعتيق ثلاثة أقوال: [أحدهما: مَا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا ابن معروف، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْفَهْمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي] [٣] عَنْ عَائِشَةَ [٤] : أَنَّهَا سُئِلَتْ: لِمَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَتِيقًا؟ فَقَالَتْ: نَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَقَالَ: «هَذَا عَتِيقُ اللَّهِ مِنَ النَّارِ» . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: [وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مُوسَى الطَّلْحِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتُ طَلْحَةَ] [٥] ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: إِنَّنِي لَفِي بيتي ورسول الله ﵌ وَأَصْحَابُهُ فِي الْفِنَاءِ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُمُ السِّتْرُ، إذ أقبل أبو

стр. 1228

بَكْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» . [قَالَتْ:] وَإِنَّ اسمه الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ [بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرٍو] [١] ، لَكِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ عَتِيقٌ [٢] . والثاني: أنه اسمه، سمته به أمه. قاله موسى بن طلحة. والثالث: أنه سمي به لجمال وجهه. قاله الليث بن سعد. وقال ابن قتيبة: لقبه رسول الله ﵌ بذلك لجمال وجهه. وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﵌ صِدِّيقًا، قَالَ: «يَكُونُ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ خليفة، أبو بكر الصديق لا يَلْبَثُ إِلا قَلِيلا» . وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَحْلِفُ باللَّه أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ اسْمَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ السَّمَاءِ الصِّدِّيقَ. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، أخبرنا ابْنُ حَيَّوَيْهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْفَهْمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، حَدَّثَنَا] [٣] أَبُو وَهْبٍ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هريرة: أن رسول الله ﵌ قَالَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ لِجِبْرِيلَ: «إِنَّ قَوْمِي لا يُصَدِّقُونِي» ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يُصَدِّقُكَ أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ الصِّدِّيقُ . ذكر صفته ﵁ كان أبو بكر ﵁ نحيفا أبيض، حسن القامة، خفيف العارضين، معروق الوجه، غائر العينين، ناتىء الجبهة، أجنأ لا يستمسك إزاره يسترخي عن حقويه، عاري الأشاجع [٤] ، يخضب بالحناء والكتم، وكان كريما عالما بأنساب العرب.

стр. 1229

[أَخْبَرَنَا مَوْهُوبُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْعَنْبَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُخْلِصُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ بُجَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ نُفَيْلٍ، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ، عَنْ حُمَيْدٍ] [١] ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يُخَضِّبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، أخبرنا أحمد بن معروف، أخبرنا الحسين بن الفهم، أخبرنا محمد بن سعد، أخبرنا عمرو بن الهيثم، حدثنا الربيع] [٢] ، عن حيان الصائغ، قال: [كان] نقش خاتم أبي بكر ﵁ «نعم القادر الله» . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: [وَأَخْبَرَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ] [٣] ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ تَخَتَّمَ فِي الْيَسَارِ . ذكر تقدم إسلامه ﵁ [قَدْ رُوِينَا] [٤] عَنْ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِبْرَاهِيمِ النَّخْعِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَيَعْقُوبَ بْنِ الْمَاجُشُونَ، وَعُثْمَانَ بْنِ محمد الأَخْنَسِيِّ، كُلُّهُمْ قَالُوا: أَوَّلُ الْقَوْمِ إِسْلامًا أَبُو بَكْرٍ [٥] . [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ

стр. 1230

الْمُذْهِبِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄] [١] : أَوَّلُ مَنْ صَلَّى أَبُو بَكْرٍ ﵁، ثُمَّ تَمَثَّلَ بِأَبْيَاتِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ ... فَاذكر أَخَاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلا خَيْرُ الْبَرِيَّةِ أَتْقَاهَا وَأَعْدَلُهَا ... إِلا النَّبِيَّ وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلا الثَّانِي التَّالِي الْمَحْمُودُ مَشْهَدُهُ ... وَأَوَّلُ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلا ذكر أزواجه وأولاده ﵁ تزوج في الجاهلية امرأتين، إحداهما: قتيلة بنت عبد العزى، فولدت له عبد الله وأسماء ذات النطاقين. والثانية: أم رومان بنت عامر، وولدت له عبد الرحمن وعائشة. وتزوج في الإسلام امرأتين، إحداهما: أسماء بنت عميس، فولدت له محمدا، وكانت عند جعفر بن أبي طالب ﵁ قبله، فولدت له محمدا، وتزوجها بعد أبي بكر علي ﵄، فذكر أنها ولدت منه ولدا اسمه محمد، فكان يقال لها أم المحمدين. والزوجة الثانية: حبيبة بنت خارجة بن زيد، فولدت له أم كلثوم بعد وفاته، وكان أبو بَكْر لما هاجر إلى المدينة نزل على أبيها خارجة بن زيد فتزوجها . ذكر أفعاله الجميلة في الإسلام وفضائله ونفقته ﵁ قد بينا أنه أول من أسلم وشهد بدرا والمشاهد كلها. [أَخْبَرَنَا الْمُحَمَّدَانِ ابن ناصر، وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بن الحسن، حدّثنا بشر بن

стр. 1231

مُوسَى، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ ابْنِ تَدْرُسَ] [١] ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: أَتَى الصَّرِيخُ إِلَى أَبِي [بَكْرٍ ﵁] ، فَقِيلَ لَهُ: أَدْرِكْ صَاحِبَكَ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِنَا وَإِنَّ لَهُ غَدِائِرَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ يَقُولُ: [وَيْلَكُمْ] [٢] أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ، قَالَ: فَلَهُوا عن رسول الله ﵌، وَأَقْبَلُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ [فَرَجَعَ إِلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ] فَجَعَلَ لا يُمِيرُ شَيْئًا مِنْ غَدَائِرِهِ إِلا جَاءَ مَعَهُ وَهُوَ يَقُولُ: تَبَارَكْتَ يَا ذَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ] [٣] . [أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِم الْحَرِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي النَّضْرِ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْعَطُوفِ، قَالَ: سَمِعْتُ] [٣] الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: «هَلْ قُلْتَ فِي أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا» ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: «قُلْ وَأَنَا أَسْمَعُ» ، فَقَالَ: وَثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الْغَارِ الْمَنِيفِ وَقَدْ ... طَافَ الْعَدُوُّ بِهِ إِذْ صَعَدَ الْجَبَلا وَكَانَ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ عَلِمُوا ... مِنَ الْبَرِيَّةِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ رَجُلا فَضَحِكَ رسول الله ﵌ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: «صَدَقْتَ يَا حَسَّانُ، هُوَ كَمَا قُلْتَ» [٤] . [أَخْبَرَنَا الْمُحَمَّدَانُ ابْنُ ناصر، وابن عبد الباقي، قالا: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ هشام بن سعد] [٥] ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَنْ نَتَصَدَّقَ وَقَدْ وَافَقَ ذَلِكَ مَالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا

стр. 1232

بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، قَالَ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟» قُلْتُ: مِثْلَهُ. وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟» قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقُلْتُ: لا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا. [أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ [١] ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ] [٢] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «مَا نَفَعَنِي مَالٌ/ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ» فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: وهل أنا ومالي إِلا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ [٣] . [أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَمْدَانَ بْن مالك، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ يُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ] [٤] ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَن النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ مِنْ أَمَنِّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلا غَيْرَ رَبِّي لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَةُ الإِسْلامِ وَمَوَدَّتُهُ، لا يَبْقَى بَابٌ فِي الْمَسْجِدِ إِلا سُدَّ إِلا بَابَ أَبِي بَكْرٍ» [٥] . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [٦] . وَفِي إِفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أن النبي ﵌ قَالَ فِي أَمْرٍ جَرَى بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي مرتين» .

стр. 1233

ومن أعظم فضائل أبي بكر ﵁ فتواه في حضرة رسول الله ﵌ [أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا الدَّاوُدِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا الْفَرْبَرِيُّ، حدثنا الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَفْلَحَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ] [١] ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﵌ عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ فَرَأَيْتُ رَجُلا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [عَلا رَجُلا] [٢] مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَدَرْتُ لَهُ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ حَتَّى ضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، فَقُلْتُ: مَا بَالُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلا لَهُ عَلَيْهِ بينة فله سلبه، فقمت فقلت: من يشهد لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ [ثُمَّ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قتيلا له عليه بينة فله سلبه. فقمت، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ] [٣] ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ مِثْلَهُ، فَقُمْتُ [فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟ فَاقْتَصَصْتُ عليه الْقِصَّةَ] فَقَالَ رَجُلٌ: صِدِّيقٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَلْبُهُ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ عَنِّي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصديق ﵁: لاها اللَّهُ إِذًا لا تَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ نعطيك سلبه، فقال النبي ﵌: «صدق فأعطه» [٤]

стр. 1234

[أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا المذهب، قال: أخبرنا أحمد بْن جَعْفَر، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أحمد، قال: حدثني أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ] [١] ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدً، قَالَ: كَانَ قِتَالٌ بَيْنَ بَنِي [٢] عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﵌، فَأَتَاهُمْ بَعْدَ الظُّهْرِ/ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: «يَا بِلالُ إِنْ حَضَرَتِ الصَّلاةُ وَلَمْ آتِ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» . [قَالَ] [٣] : فَلَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ أَقَامَ بِلالٌ الصَّلاةَ، ثُمَّ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ بِهِمْ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بعد ما دَخَلَ [٤] أَبُو بَكْرٍ فِي الصَّلاةِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ صَفَّحُوا وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ يَشُقُّ [٥] النَّاسَ حَتَّى قَامَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، [قَالَ] : [٦] وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلاةِ لَمْ يَلْتَفِتْ، فَلَمَّا رَأَى التَّصْفِيحَ لا يُمْسَكُ عَنْهُ، الْتَفَتَ فَرَأَى النَّبِيَّ ﵌ خَلْفَهُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِيَدِهِ أَنِ امْضِهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ كَهَيْئَتِهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ مَشَى الْقَهْقَرَى، [قَالَ] [٧] : فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فصلى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ صَلاتَهُ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ [٨] ، مَا مَنَعَكَ إِذْ أَوْمَأْتُ إِلَيْكَ [أَنْ] لا تَكُونَ مَضَيْتَ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يَكُنْ لابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَؤُمَّ رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لِلنَّاسِ: «إِذَا نَابَكُمْ فِي صَلاتِكُمْ [شَيْءٌ] فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ وَلْيَصَفِّحِ النِّسَاءُ» . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [٩] .

стр. 1235

[أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْجَرِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ الْعَشْرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ شَمْعُونَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَلاءُ بْنُ عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ] [١] ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﵌ وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَعَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا فِي صَدِّرِه بِخِلالٍ، [فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا لِي أَرَى أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا فِي صَدْرِهِ بِخِلالٍ؟] [٢] فَقَالَ: «يَا جِبْرِيلُ، أَنْفَقَ مَالَهُ عَلَيَّ قَبْلَ الْفَتْحِ» [٣] ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ وَيَقُولُ لَكَ: قُلْ لَهُ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ اللَّهَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ وَيَقُولُ لَكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ؟» ، فَقَالَ أَبُو بكر ﵁: أأسخط عَنْ رَبِّي، أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ، أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ، أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا أحمد بن معروف [٤] ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ] [٥] ، قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مَعْرُوفًا بِالتِّجَارَةِ، وَلَقَدْ بُعِثَ النَّبِيُّ ﵌ وَعِنْدَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَكَانَ يَعْتِقُ مِنْهَا وَيُقَوِّي الْمُسْلِمِينَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ بِخَمْسَةِ آلاف درهم، ثم كان يفعل فيها مَا كَانَ يَفْعَلُ بِمَكَّةَ. قال علماء السير: لم يفته مشهد مع رسول الله ﵌، حضر يوم بدر، ويوم أحد ودفع/ إليه رايته العظيم يوم تبوك، واشترى بلالا فأعتقه، وأول من جمع القرآن، وأسلم على يده من العشرة خمسة: عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن، ولم يشرب مسكرا لا في جاهلية ولا إسلام.

стр. 1236

ذكر ورعه ﵁ [أَخْبَرَنَا الْمُحَمَّدَانِ، ابن ناصر، وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حمد بن أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْفَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زيد بن أَسْلَمَ الْكُوفِيُّ، عَنْ مُرَّةَ الطَّيِّبِ] [١] ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كَانَ لأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مملوك يغل عليه، فأتاه ليلة بطعام فتناول مِنْهُ لُقْمَةً، فَقَالَ لَهُ الْمَمْلُوكُ: مَا لَكَ كُنْتَ تَسْأَلُنِي كُلَّ لَيْلَةٍ وَلَمْ تَسْأَلْنِي اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ الْجُوعُ، مِنْ أَيْنَ جِئْتَ بِهَذَا؟ قَالَ: مَرَرْتُ بِقَوْمٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَرَقَيْتُ لَهُمْ فَوَعَدُونِي، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ مَرَرْتُ بهم فَإِذَا عُرْسٌ لَهُمْ، فَأَعْطُونِي، فَقَالَ: أُفٌّ لَكَ، كِدْتَ أَنْ تُهْلِكَنِي، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي حَلْقِهِ فَجَعَلَ يَتَقَيَّأُ وَجَعَلَتْ لا تَخْرُجُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ لا تَخْرُجُ إِلا بِالْمَاءِ، فَدَعَا مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ يَشْرَبُ وَيَتَقَيَّأُ حَتَّى رَمَى بِهَا، فَقِيلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، كُلُّ هَذَا مِنْ أَجْلِ هَذِهِ اللُّقْمَةِ، قَالَ: لَوْلا تَخْرُجُ إِلا مَعَ نَفْسِي لأَخْرَجْتُهَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ يَقُولُ: «كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ» . فَخَشِيتُ أَنْ يَنْبُتَ شَيْءٌ مِنْ جَسَدِي مِنْ هَذِهِ اللُّقْمَةِ. روى المؤلف بإسناده عن إبراهيم النخلي قال: كان أبو بكر يسمى الأواه، لرأفته ورحمته . ذكر خوفه وزهده ﵁ [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، أخبرنا ابن حيويه، أَخْبَرَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، عَنْ كَثِيرِ النَّوَاءِ] [٢] ، عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: أَلا إِنَّ أَبَا بَكْرٍ أواه منيب القلب. [قال محمد بن سعد: وأخبرنا عفان [٣] ، حدثنا عبد الواحد بن زياد، [قال:

стр. 1237

حَدَّثَنَا] [١] الحسن بن عبد الله، [قال: حدثنا] [٢] إبراهيم النخعي، قال: كان أبو بكر يسمى الأواه لرأفته ورحمته] [٣] . وقال قيس: رأيت أبا بكر ﵁ آخذا بطرف لسانه وهو يقول: هذا أوردني الموارد. [٤] قال الحسن: قال أبو بكر الصديق: ليتني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل. وقال أبو عمران الجوني: قال أبو بكر: لوددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن . ذكر فضله على [جميع] [٥] الصحابة ﵃ [أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الدَّاوُدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرْبَرِيُّ، قَالَ: حدثنا البخاري، قال: حدثنا ابن أبي كثير [٦] ، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا جامع بن أبي راشد، قَالَ: حدثنا أبو يعلى] [٧] عن/ محمد بن الحنفية، قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﵌، قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن أقول: ثم من؟ فيقول عثمان، فقلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين [٨] . [أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَيْلانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عتيق، عن الحسن بن أبي الحسن،

стр. 1238

أَنَّ] [١] عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ أَرَى أَبَا بَكْرٍ ﵁ . ذكر بيعة أبي بكر ﵁ ذكر الواقدي عن أشياخه: أن أبا بكر ﵁ بويع يوم قبض رسول الله ﵌ [٢] . وقال ابن إسحاق: بويع أبو بكر ﵁ يوم الثلاثاء من الغد الذي قبض فيه رَسُول الله ﵌ في سقيفة بني ساعدة. [أَخْبَرَنَا ابْنُ الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بن عبد الله [بن عتبة بن مَسْعُودٍ] [٣] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ] [٤] : كَانَ مِنْ خَبَرِنَا حِينَ تُوُفِّيَ رسول الله ﵌ أَنَّ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمَا تَخَلَّفُوا فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ [﵂] بنت رسول الله ﵌، وَتَخَلَّفَتْ [٥] عَنَّا الأَنْصَارُ بِأَجْمَعِهِمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْطَلَقْنَا نَؤُمُّهُمْ حَتَّى لَقِيَنَا رَجُلانِ صَالِحَانِ، فَذَكَرَا لَنَا الَّذِي صَنَعَ الْقَوْمُ، وَقَالا: أَيْنَ تُرِيدُونَ يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد

стр. 1239

إِخْوَانَنَا هَؤُلاءِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالا: لا عَلَيْكُمْ، لا تَقْرَبُوهُمْ، وَاقْضُوا أَمْرَكُمْ [يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ] . فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهُمْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى جِئْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةْ بَنِي سَاعِدَةَ، فَإِذَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ رَجُلٌ مُزَمَّلٌ [١] ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ. فَقُلْتُ: مَا لَهُ؟ قَالُوا: وَجِعٌ. فَلَمَّا جَلَسْنَا قَامَ خَطِيبُهُمْ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ وَكَتِيبَةُ الإِسْلامِ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ رَهْطٌ مِنَّا، وَقَدْ دَفَّتْ دَافَّةٌ [٢] مِنْكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَخْزِلُونَا [٣] مِنْ أَصْلِنَا، وَتَحْصُنُونَا مِنَ الأَمْرِ [٤] . فَلَمَّا سَكَتَ أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، وَكُنْتُ قَدْ زَوَّرْتُ [٥] مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِي أَرَدْتُ [٦] أَنْ أَقُولَهَا بَيْنَ يَدَيْ/ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَقَدْ كُنْتُ أُدَارِي مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ [٧] ، وَهُوَ كَانَ أَحْلَمُ مِنِّي وَأَوْقَرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: عَلَى رِسْلِكَ. فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ، [وَكَانَ أَحْلَمَ مِنِّي وَأَوْقَرَ] [٨] ، وَاللَّهِ مَا تَرَكَ كَلِمَةً أَعْجَبَتْنِي فِي تَزْوِيرِي إِلا قَالَهَا فِي بَدِيهَتِهِ وَأَفْضَلَ، حَتَّى سَكَتَ. قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ، وَلَمْ تَعْرِفِ الْعَرَبُ هَذَا الأَمْرَ إِلا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ نَسَبًا وَدَارًا، وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ أَيُّهُمَا شِئْتُمْ، وَأَخَذَ بِيَدِي وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، فَلَمْ أَكْرَهْ مِمَّا قَالَ غَيْرَهَا، وَكَانَ وَاللَّهِ أَنْ أُقَدَّمُ فَتُضْرَبُ عُنُقِي، لا يَقْرَبُنِي ذَلِكَ إِلَى إِثْمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ ﵁، إلا أن تغفر نَفْسِي عِنْدَ الْمَوْتِ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الأَنْصَارِ:

стр. 1240

أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكِّكُ [١] وَعُذَيْقُهَا [٢] الْمُرَجِّبُ، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ [يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَالَ:] [٣] فَكَثُرَ اللَّغَطُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ، حَتَّى خَشِيتُ الاخْتِلافَ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، فبسط يده فبايعته، وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمَّ بَايَعَهُ الأَنْصَارُ [٤] . [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْن أبي طاهر، قَالَ: أَخْبَرَنَا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أخبرنا ابْن معروف، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن الفهم، قَالَ: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هارون، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ] [٥] ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَتَى عُمَرُ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، فَقَالَ: ابْسُطْ يَدَكَ فَلأُبَايِعُكَ فَإِنَّكَ أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ لِعُمَرَ: مَا رَأَيْتُ لَكَ فَهَةً قَبْلَهَا مُنْذُ أَسْلَمْتَ، أَتُبَايِعُنِي وَفِيكُمُ الصِّدِّيقُ وَثَانِيَ اثْنَيْنِ؟ [٦] . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: [أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁] [٧] . لَمَّا قبض النبي ﵌. نَظَرْنَا فِي أَمْرِنَا فَوَجَدْنَا النَّبِيَّ ﵇ قَدْ قَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ فِي الصَّلاةِ، فَرَضِينَا لِدُنْيَانَا مَنْ رَضِيَ، رَسُولُ اللَّهِ ﵌ لِدِينِنَا، فَقَدَّمْنَا أَبَا بَكْرٍ [٨] . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حدّثنا] [٩] ابن عون، [عن محمد] [١٠] .

стр. 1241

أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِعُمَرَ: ابْسُطْ يَدَكَ نُبَايِعْ لَكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَفْضَلُ مِنِّي/، قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: أَنْتَ أَقْوَى مِنِّي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّ قُوَّتِي بِكَ مَعَ فَضْلِكَ. وقال ابن إسحاق: بايع أبا بكر المهاجرون والأنصار كلهم غير سعد بن عبادة. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ النَّقُّورِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُخْلِصِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَيْفٍ، حَدَّثَنَا السَّرِيرُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مُيَسَّرٍ] [١] ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ يَوْمَئِذٍ لأَبِي بَكْرٍ: إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ حَسَدْتُمُونِي عَلَى الإِمَارَةِ، وَإِنَّكَ وَقَوْمِي أَجْبَرْتُمُونِي عَلَى الْبَيْعَةِ، فَقَالَ: أَمَا لَوْ أَجْبَرْنَاكَ عَلَى الْفُرْقَةِ فَصِرْتَ إِلَى الْجَمَاعَةِ كُنْتَ فِي سِعَةٍ وَلَكُنَّا أَجْبَرْنَاكَ عَلَى الْجَمَاعَةِ فَلا إِقَالَةَ لَهَا، لأَنْ نَزَعْتَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، أَوْ فَرَّقْتَ جَمَاعَةً لأَضْرِبَنَّ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ. [روى سيف، عن ثابت بن معاذ الزيات، عن الزهري، عن يزيد بن معن] [٢] السلمي، قال: قام سعد بن عبادة يوم السقيفة فبايع، فقال له أبو بكر: لئن اجتمع إليك مثلها رجلان لأقتلنك. [وحدثنا سَيْفٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ] [٣] ، عَنْ سَعِيدِ بن المسيب، قال: أول من بايع أبا بكر المهاجرون إلى الظهر، ثم الأنصار في دورهم إلى العصر، ثم رجع إلى المسجد فبايعه البقايا، وجاء أهل الجرف فيما بين ذلك إلى الصباح. قال ابن إسحاق: بايع أبا بكر المهاجرون والأنصار كلهم غير سعد بن عبادة، لأن الأنصار كانت قد أرادت أن تجعل البيعة له، فقال له عمر: لا تدعه حتى يبايع، فقال له بشير بن سعد أبو النعمان وكان أول من صفق على يدي أبي بكر: إنه قد لج وليس بمبايعكم أو يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته، فإن تركتموه فليس تركه بضاركم، إنما هو واحد، فقبل أبو بكر نصيحة بشير ومشورته، وكف

стр. 1242

عَن سعد، فكان سعد لا يصلي بصلاتهم، ولا يصوم بصيامهم، وإذا حج لم يفض بإفاضتهم، فلم يزل كذلك حتى توفي أبو بكر وولي عمر، فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج [مجاهدا] [١] إلى الشام فمات بحوران في أول خلافة عمر، ولم يبايع أحدا . ذكر طرف من/ خطب أبي بكر [الصديق ﵁] [٢] فِي خلافته [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بن علي الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الفهم، قَالَ: حدثنا محمد بن سعد، قال: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ] [٣] بْنُ عُرْوَةَ- قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَظُنُّهُ عَنْ أَبِيهِ- قَالَ: [٤] لَمَّا وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ وُلِّيتُ أَمْرَكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، وَلَكِنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ وَسَنَّ النبي ﵌ فَعَلَّمَنَا فَعَلِمْنَا، اعْلَمُوا أَنَّ أَكْيَسَ الْكَيْسِ التَّقْوَى، وَأَنَّ أَحْمَقَ الْحُمْقِ الْفُجُورُ، وَأَنَّ أَقْوَاكُمْ عِنْدِي الضعيف حتى آخذ له بِحَقِّهِ، وَأَنَّ أَضْعَفَكُمْ عِنْدِي الْقَوِيَّ حَتَّى آخُذَ مِنْهُ الْحَقَّ، أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا مُتَّبِعٌ وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي وَإِنْ زُغْتُ فَقَوِّمُونِي [٥] . قَالَ [ابْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ] [٦] الْحَسَنَ قَالَ: لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ قَامَ خَطِيبًا، وَلا وَاللَّهِ مَا خَطَبَ خُطْبَتَهُ أَحَدٌ بَعْدُ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قَالَ: أما بَعْدُ، فَإِنِّي وُلِّيتُ هَذَا الأَمْرَ، وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ كَفَانِيهِ، أَلا وَإِنَّكُمْ إِنْ كَلَّفْتُمُونِي أَنْ أَعْمَلَ فِيكُمْ مِثْلَ عمل رسول الله ﵌ لم أقم به، كان

стр. 1243

رسول الله ﵌ عَبْدًا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِالْوَحْيِ، وَعَصَمَهُ، أَلا وَإِنَّمَا أنا بَشَرٌ وَلَسْتُ بِخَيْرٍ مِنْ أَحَدِكُمْ، فَرَاعُونِي فَإِنْ رَأَيْتُمُونِي [اسْتَقَمْتُ فَاتَّبِعُونِي، وَإِذَا رَأَيْتُمُونِي] [١] زِغْتُ فَقَوِّمُونِي [٢] . وَاعْلَمُوا أَنَّ لِي شَيْطَانًا يَعْتَرِينِي [٣] ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي غَضِبْتُ فَاجْتَنِبُونِي، لا أُوثِرُ فِي أَشْعَارِكُمْ وَأَبْشَارِكُمْ. [أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا رِزْقُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ بَرِيَّةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُرَيْحُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى] [٤] بْنُ أَبِي كَثِيرٍ. أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: أَيْنَ الْوَضَاءَةُ الْحَسَنَةُ وُجُوهُهُمْ الْمُعْجَبُونَ بِشَبَابِهِمْ؟ أَيْنَ الْمُلُوكُ الَّذِينَ بَنَوُا الْمَدَائِنَ وَحَصَّنُوهَا بالحيطان؟ أين الذين كانوا يعطون الْغَلَبَةَ فِي مَوَاطِنِِ الْحَرْبِ، قَدْ تَضَعْضَعَ بِهِمُ الدَّهْرُ فَأَصْبَحُوا فِي ظُلُمَاتِ الْقُبُورِ، الْوَحَا الْوَحَا، النَّجَا النَّجَا. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَجِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ ذُرَيْحٍ، حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ] [٥] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: خَطَبَنَا أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأَنْ تُثْنُوا عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَأَنْ تَخْلِطُوا الرَّغْبَةَ بِالرَّهْبَةِ وَتَجْمَعُوا الإِلْحَافَ بِالْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى زَكَرِيَّا وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ فَقَالَ: إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ ٢١: ٩٠ [٦] ثُمَّ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ قَدِ ارْتَهَنَ بِحَقِّهِ أَنْفُسَكُمْ، وَأَخَذَ عَلَى ذَلِكَ مَوَاثِيقَكُمْ، وَاشْتَرَى مِنْكُمُ الْقَلِيلَ الْفَانِي بِالْكَثِيرِ الْبَاقِي، وَهَذَا

стр. 1244

كِتَابُ اللَّهِ فِيكُمْ لا تَفْنَى عَجَائِبُهُ، وَلا يُطْفَأُ نُورُهُ، فَصَدِّقُوا قَوْلَهُ وَانْتَصِحُوا قَوْلَهُ وَاسْتَضِيئُوا مِنْهُ لِيَوْمِ الظُّلْمَةِ، وَإِنَّمَا خَلَقَكُمْ لِعِبَادَتِهِ وَوَكَّلَ بِكُمُ الْكِرَامَ الْكَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ، ثُمَّ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّكُمْ تَغْدُونَ وَتَرُوحُونَ فِي أَجَلٍ قَدْ غُيِّبَ عَنْكُمْ عِلْمُهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْقَضِيَ الآَجَالُ وَأَنْتُمْ فِي عَمَلِ اللَّهِ فَافْعَلُوا وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ إِلا باللَّه، فَسَابِقُوا فِي مَهْلِ آَجَالِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ آَجَالُكُمْ فَيَرُدُّكُمْ إِلَى أَسْوَأِ أَعْمَالِكُمْ، فَإِنَّ أَقْوَامًا جَعَلُوا آَجَالَهُمْ لِغَيْرِهِمْ وَنَسَوْا أَنْفُسَهُمْ، فَأَنْهَاكُمْ أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ، الْوَحَا الْوَحَا، النَّجَا النَّجَا، إِنَّ وَرَاءَكُمْ طالبا حَثِيثًا أَمْرُهُ سَرِيعٌ. [أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُهْتَدِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْمَأْمُونِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيِّ [حَدَّثَنَا التَّيْهَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ] [١] حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا] [٢] هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى مِنْبَرِ رسول الله ﵌ فجاء الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ [٣] ، فَصَعَدَ الْمِنْبَرَ، وَقَالَ: انْزِلْ عَنْ مِنْبَرِ أَبِي، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: مِنْبَرُ أَبِيكَ لا مِنْبَرُ أَبِي، مِنْبَرُ أَبِيكَ لا مِنْبَرُ أَبِي، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ وَهُوَ فِي نَاحِيَةِ الْقَوْمِ: إِنْ كَانَتْ لَعَنْ غَيْرِ أَمْرِي . ذكر أسماء قضاته وعماله على الصدقات لما ولي قال له عمر: أنا أكفيك القضاء، فجعله قاضيا فمكث سنة لا يخاصم إليه أحد، وكان يكتب له زيد بن ثابت، وفي بعض الأوقات عثمان بن عفان ﵁ ومن حضر. وكان عامله على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص،

стр. 1245

وعلى صنعاء المهاجر بن أبي أمية، وعلى حضرموت زياد بن لبيد، وعلى خولان يعلى بن أمية، وعلى الجند معاذ بن جبل، وعلى البحرين العلاء بن الحضرمي، وبعث جماعة من الصحابة في أعمال، وأمر أبا عبيدة، وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد، وشرحبيل بن حسنة . ومن الحوادث التي كانت حين استخلف أبو بكر ﵁ من ذلك أنه خرج عقيب ولايته ليتجر في السوق على عادته [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا ابْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ، حَدَّثَنَا محمد بْن سعد، قال: أخبرنا مسلم بن إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ الدَّسْتُوَائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا] [١] عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، قَالَ [٢] : لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، أَصْبَحَ غَادِيًا إِلىَ السُّوقِ وَعَلَى رَقَبَتِهِ أَثْوَابٌ يَتْجَرُ بِهَا، فَلَقِيَهُ عُمَرُ [بْنُ الْخَطَّابِ] [٣] وَأَبُو عُبَيْدَةَ [بْنُ الْجَرَّاحِ] [٤] فَقَالا لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: السُّوقَ، قَالا: تَصْنَعُ مَاذَا وَقَدْ وُلِّيتَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أُطْعِمُ عِيَالِي؟ قَالا لَهُ: انْطَلِقْ حَتَّى نَفْرِضَ لَكَ شَيْئًا، فَانْطَلَقَ مَعَهُمَا، فَفَرَضُوا لَهُ كُلَّ يَوْمٍ شَطْرَ شَاةٍ. [قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَحَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ] [٥] ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، قَالَ: لَمَّا وُلِّيَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌: افرضوا لخليفة رسول الله ﵌ مَا يُغْنِيهِ، قَالُوا: نَعَمْ، بُرْدَاهُ إِذَا أَخْلَقَهُمَا وَضَعَهُمَا وَأَخَذَ مِثْلَهُمَا، وَظَهْرَهُ إِذَا سَافَرَ، وَنَفَقَتُهُ عَلَى أَهْلِهِ كَمَا كَانَ يُنْفِقُ قَبْلَ أَنْ يستخلف، قال أبو بكر: رضيت.

стр. 1246

قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: [وَحَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ] [١] عَنْ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ: أَنَّ رَجُلا رَأَى عَلَى عُنُقِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَبَاءَةً، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ هَاتِهَا أَكْفِيكَهَا، فَقَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي لا تُغَيِّرْنِي [٢] أَنْتَ وَابْنُ الْخَطَّابِ عَنْ عِيَالِي [٣] . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: [وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ] [٤] ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ جَعَلُوا لَهُ أَلْفَيْنِ، فَقَالَ: زِيدُونِي فَإِنَّ لِي عِيَالا وَقَدْ شَغَلْتُمُونِي عن التجارة، قال: فزادوه خمسمائة [٥] . قَالَ [٦] : وَكَانَ يَحْلِبُ لِلْحَيِّ أَغْنَامَهُمْ، فَلَمَّا بُويِعَ قَالَتْ جَارِيَةٌ مِنَ الْحَيِّ: الآَنَ لا تَحْلِبُ لَنَا مَنَاتِحَ دَارِنَا، فَسَمِعَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: بَلَى [لِعَمْرِي] [٧] لأَحْلِبَنَّهَا/ لَكُمْ [٨] ، وَأَنِّي لأَرْجُو أَنْ لا يُغَيِّرُنِي مَا دَخَلْتُ فِيهِ عَنْ خُلُقٍ كُنْتُ عَلَيْهِ، فَكَانَ يَحْلِبُ لَهُمْ. وروى الواقدي عن أشياخه، قال [٩] : كان منزل أبي بكر بالسنح عند زوجته حبيبة بنت خارجة، وكان قد حجر عليه حجرة من شعر، فما زاد على ذلك حتى تحول إلى منزله بالمدينة، فأقام بالسنح بعد ما بويع له ستة أشهر يغدو على رجليه إلى منزله [١٠] بالمدينة، وربما ركب على فرس له وعليه إزار ورداء ممشق فيوافي المدينة فيصلي الصلوات بالناس، فإذا صلى العشاء رجع إلى أهله بالسنح، وكان إذا لم يحضر صلى

стр. 1247

بهم عمر، وكان يقيم يوم الجمعة صدر النهار بالنسغ، يصبغ رأسه ولحيته، ثم يروح إلى الجمعة. وكان رجلا تاجرا، وكان كل يوم يغدو إلى السوق فيبيع ويبتاع، وكانت له قطعة غنم تروح عَلَيْهِ، وربما خرج هو بنفسه فيها، [وكان يحلب للحي أغنامهم] [١] ، وأنه نزل المدينة، وقال: ما يصلح أمر الناس والتجارة، واستنفق من مال المسلمين ما يصلحه [ويصلح عياله] يوما بيوم، وكان الذي فرضوا له في السنة ستة آلاف درهم، فلما حضرته الوفاة، قال: أرضي التي بمكان كذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم، فدفع ذلك إلى عمر، ولقوح، وعبد صيقل، وقطيفة ما تساوي خمسة دراهم، فقال عمر: لقد أتعب من بعده. وفي رواية أخرى أنه قال: انظروا كم أنفقت منذ وليت من بيت المال فاقضوه، فنظر عمر فوجدوا مبلغه ثمانية آلاف في ولايته . ومن ذلك أنه أنفذ جيش أسامة بن زيد [وارتد من ارتد] [٢] [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ النَّقُّورِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُخْلِصُ، قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ أَبِي ضَمْرَةَ عَنْ أَبِيهِ] [٣] ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ [٤] : نَادَى مُنَادِي أَبِي بَكْرٍ مِنْ بَعْدِ الْغَدِ مِنْ يَوْمِ توفي رسول الله ﵌ [٥] : لِيُتِمَّ بَعْثَ أُسَامَةَ، أَلا لا يَبْقَيَنَّ بِالْمَدِينَةِ أَحَدٌ مِنْ جُنْدِ أُسَامَةَ إِلا خَرَجَ إِلَى عَسْكَرِهِ بِالْجُرْفِ. وَقَامَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: يَا أُيَّهَا النَّاسُ، إنما أنا مثلكم، وإني لا أدري

стр. 1248

لَعَلَّكُمْ سَتُكَلِّفُونَنِي مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ يُطِيقُ، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالَمِينَ وَعَصَمَهُ مِنَ الآفَاتِ. / [وَحَدَّثَنَا سَيْفٌ] [١] عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ وَجَمَعَ الأَنْصَارَ عَلَى الأَمْرِ [٢] الَّذِي افْتَرَقُوا عَنْهُ، قَامَ لِيُتِمَّ بَعْثَ أُسَامَةَ، وَقَدِ ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ، وَنُجِّمَ النِّفَاقُ، وَاشْرَأَبَّتِ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ، وَالْمُسْلِمُونَ كَالْغَنَمِ الْمَطِيرَةِ فِي اللَّيْلَةِ الشَّاتِيَةِ، لفقد نبيهم ﵌ وَقِلَّتِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: إِنَّ هَؤُلاءِ جُلُّ الْمُسْلِمِينَ، وَالْعَرَبُ عَلَى مَا تَرَى [قَدِ انْتَقَضَتْ بِكَ] [٣] ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُفَرِّقَ عَنْكَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي بَكْرٍ بِيَدِهِ، لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّ السِّبَاعَ تَخَطَّفُنِي لأَنْفَذْتُ بَعْثَ أُسَامَةَ كَمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ فِي الْقُرَى غَيْرِي لأَنْفَذْتُه. فَلَمَّا [٤] فصل أُسَامَةُ ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ وَتُرُوخِيَ عَنْ مُسَيْلَمَةَ [٥] وَطُلَيْحَةَ، فَاسْتَغْلَظَ أَمْرُهُمَا وَارْتَدَّتْ غَطْفَانُ إِلا مَا كَانَ مِنْ أَشْجَعَ وَخَواصٍّ مِنَ الأَفْنَاءِ، وَقَدَّمَتْ هَوَازِنُ رِجْلا وَأَخَّرَتْ أُخْرَى، أَمْسَكُوا الصَّدَقَةَ إِلا مَا كَانَ مِنْ ثَقِيفٍ، وَارْتَدَّتْ خَوَاصٌّ مِنْ سُلَيْمٍ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ النَّاسِ بِكُلِّ مكان، وقدمت رسل رسول الله ﵌ مِنَ الْيَمَنِ وَالْيَمَامَةِ وَبِلادِ بَنِي أَسَدٍ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ صَادَمَ أَبُو بَكْرٍ عَبْسًا وَذُبْيَانَ، عَاجَلُوهُ فَقَاتَلَهُمْ قَبْلَ رُجُوعِ أُسَامَةَ. قال ربيعة الأسدي: قدمت وفود أسد وغطفان وهوازن وطئ فعرضوا الصلاة على أن يعفوا من الزكاة، واجتمع جماعة من المسلمين على قبول ذلك منهم، فأتوا أبا بكر فأبى إلا مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ يأخذ، وأجلهم يوما وليلة، فتطايروا إلى عشائرهم. قال الشعبي: قال أبو بكر لعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد وأمثالهم: أترون ذلك- يعني قبول الصلاة منهم دون الزكاة- قالوا: نعم

стр. 1249

حتى تسكن الناس وترجع الجنود، فقام فحمد الله وأثنى عليه، وقال: لو منعوني عقالا مما أعطوه رسول الله ﵌ ما قبلت منهم ألا برئت الذمة من رجل من هؤلاء الوفود وجد بعد يومه وليلته، فتواثبوا يتخطون رقاب الناس، ثم أمر عليا ﵁ بالقيام على نقب من أنقاب المدينة، وأمر الزبير بالقيام على نقب، وأمر طلحة بالقيام على نقب آخر، وأمر عَبْد الله بن مسعود بالعسيس بالليل وجد في أمره وقام على رجل. وقال إبراهيم النخعي: أول ما ولي أبو بكر ولى عمر القضاء وأمر ابن مسعود بعسس المدينة. قال علماء السير [١] : وجاء المشركون فطرقوا المدينة بعد ثلاث، فوافقوا أنقاب المدينة محروسة [فبهتوهم] [٢] ، وخرج أبو بكر في أهل المسجد على النواضح إليهم، فانقش العدو [٣] فاتبعهم المسلمون فإذا للمشركين ردء بأنحاء قد نفخوها، ثم دهدهوها [٤] بأرجلهم في وجوه الإبل، فنفرت بالمسلمين [وهم عليها] [٥] حتى دخلت بهم المدينة، [فلم يصرع مسلم ولم يصب] [٦] . وبات أبو بكر ليلتئذ يتهيأ، فعبى الناس، وخرج على تعبيته في آخر الناس يمشي، وعلى ميمنته النعمان بن مقرن، وعلى ميسرته عبد الله بن مقرن، وعلى الساقة سويد بن مقرن [معه الركاب] ، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين حسا حتى وضعوا فيهم السيوف، فما ذر قرن الشمس حتى ولى المشركون الأدبار. واتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة، ونزل بها النعمان بن مقرن في عدد، ورجع إلى المدينة فدك بها المشركون، فوثب بنو ذبيان وعبس على من كان فيهم من المسلمين، فقتلوهم.

стр. 1250

وقدم [١] أسامة بعد أن غاب شهرين وأياما، فاستخلفه أبو بكر على المدينة، وقال له ولجنده: أريحوا وارعوا ظهوركم. ثم خرج في الذين خرجوا إلى ذي القصة، والذين كانوا على الأنقاب، فقال له المسلمون: ننشدك الله يا خليفة رسول الله أن تعرض نفسك، فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام، ومقامك أشد على العدو، / فابعث رجلا، فإن أصيب أمرت آخر، فقال: والله لا أفعل ولأواسينكم بنفسي، فخرج في تعبيته إلى ذي القصة، فنزلها وهي على بريد من المدينة فقطع فيها الجنود. فلما أراح [٢] أسامة وجنده ظهرهم وحموا قطع أبو بكر البعوث، وبلغ عقد الألوية، أحد عشر لواء على أحد عشر جندا، وأمر أمير كل جند باستنفار [٣] من مر به من المسلمين من أهل القوة، فعقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد، فإذا فرغ منه سار إلى مالك بن نويرة، وعقد لعكرمة بن أبي جهل وأمره بمسيلمة، وللمهاجر بن أبي أمية وأمره بجنود العنسي، ومعونة الأبناء على قيس بن المكشوح، ثم يمضي إلى كندة بحضرموت. ولخالد بن سَعيد بن العاص إلى الشام، ولعمرو بن العاص إلى قضاعة ووديعة والحارث، وما زال يعين لكل أمير قوما يقصدهم [٤] . وقال ابن إسحاق: ارتدت بعد رسول الله ﵌ عامة العرب، فأشار الناس على أبي بكر ﵁ بالكف عنهم، وأن يقبل منهم أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة، وقالوا: نخاف أن تلج العرب كلها في الرجوع عن الإسلام، فقال: والله لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدون إلى رَسُول الله ﵌ لقاتلتهم عليه، وو الله لو كان الناس كلهم كذلك لقاتلتهم بنفسي حتى تذهب أو يكون الدين للَّه. قال عمر بن الخطاب: ما بقي أحد من أصحاب رسول الله ﵌ لا أنا ولا غيري إلا وقد داخله فشل وطابت نفسه على ترك الزكاة لمن منعها غير أبي بكر، فو الله ما هو إلا أن رأيت ما شرح الله صدر أبي بكر من القيام بأمر الله، فعرفت أنه الحق.

стр. 1251

وقال ابن إسحاق: كان رسول الله ﵌ بعث الزبرقان بن بدر/ السعدي على صدقات قومه بني سعد بن زيد مناة، وبعث مالك بن نويرة الحنظلي على صدقات بني حنظلة، وبعث عدي بن حاتم عَلَى صدقات طيِّئ، فبلغهم وفاة رسول الله ﵌ وقد كانوا قبضوا الصدقات. فأما مالك بن نويرة فإنه ردها إلى قومه، وأما عدي والزبرقان فإن قومهما سألوهما أن يرداها عليهم فأبيا وقالا: لا نرى إلا أنه سيقوم بهذا الأمر قائم بعد رسول الله ﵌، فإن كَانَ ذلك دفعناها إليه، وإن كان غير ذلك فأموالكم في أيديكم. فأمسكا الصدقة حتى قدما بها على أبي بكر، فلم يزل لهما بذلك شرف على من سواهما من أهل نجد، وكانت [تلك] الصدقة مما قوي بها أبو بكر على قتال أهل الردة. فلما أراد [١] أن يتجهز لحرب أهل الردة خرج بالناس حتى نزل بذي القصة، فعبأ هنالك جنوده، فبعث خالد بن الوليد في المهاجرين والأنصار، وجعل ثابت بن قيس على الأنصار وأمره إلى خالد، وأمره أن يصمد لطليحة وعيينة، وكانا على بزاخة وهي ماء من مياه بني أسد، فسار خالد حتى إذا دنا من القوم بعث عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم طليعة، فقدما وكان طليحة وأخوه مسلمة قد خرجا ليستخبرا، فإذا هما بعكاشة وثابت، فقتلاهما، فلما مر بهما خالد مقتولين اشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: سيدان من سادات المسلمين وفرسانهم. فمال خالد إلى طيِّئ فاستعان بهم على الحرب، فسار حتى أتى بزاخة، وبها عيينة في بني فزارة وطليحة في بني أسد، وكانت بنو عامر في ناحية ينتظرون الدبرة على من تكون، وكان طليحة متلففا في كساء له قد غطى وجهه ليجيئه الوحي/ زعم، وعيينة في الحرب، فكان إذا أضجرته الحرب جاء إلى طليحة فيقول: هل جاءك جبريل؟ فيقول: لا، إلى أن قال عيينة: يا بني فزارة، إن هذا كذاب فاجتنبوه، فتفرقوا عنه، فقال: له قومه: ما تأمرنا، فقال طليحة: اصنعوا مثل ما أصنع، ثم جال في متن فرسه، وحمل امرأته ثم مضى هاربا إلى الشام، فشد خالد بمن معه على بني فزارة فقتل من قتل منهم، وأخذ عيينة أسيرا، ثم كر على بني عامر ففضهم، وأخذ قرة بن هبيرة أسيرا، فأوثقه مع

стр. 1252

عيينة، ثم بعث بهما إلى أبي بكر، ومضى طليحة وأصحابه إلى الشام فأصابهم في طريقهم عطش شديد، فقالوا: يا عامر، هلكنا عطشا فما بقي من كهانتك، فقال لرجل منهم: يا محراق اركب فرسا ويبالا، ثم شن عليه إقبالا، فإنك سترى فارات طوالا، ثم تجد عندها حلالا. فركب مخراق فرأى الفارات وعندها عين، فشربوا وسقوا دوابهم، ثم مضى إلى الشام، فلما علم من هناك من المسلمين بطليحة أخذوه فأوثقوه ثم وجهوا به إلى أبي بكر، فتوفي أَبُو بَكْر وطليحة في الطريق، فقدم به على عمر فأسلم وحسن إسلامه. فصل [ذكر قصة البطاح] [١] فلما فرغ خالد من أسد وغطفان وهوازن سار إلى البطاح وعليها مالك بن نويرة فلم يجد هناك أحدا، ووجد مالكا قد فرقهم في أموالهم ونهاهم عن الاجتماع، وذلك حين تردد على مالك أمره، فبث خالد السرايا وأمرهم أن يأتوه بكل من لم يجب، فإن امتنع قتلوه. وكان مما أوصى به أبو بكر: إذا نزلتم فأذنوا وأقيموا، فإن أذن القوم وأقاموا فكفوا عنهم، وإلا فالغارة، وإن أجابوا إلى الإسلام فسائلوهم، فإن أقروا بالزكاة فاقبلوا منهم، وإن أبوا فالغارة، فجاءت الخيل إلى خالد بمالك/ بن نويرة في نفر من بني ثعلبة بن يربوع، فاختلف أصحاب خالد فيهم، فشهد أبو قتادة بن ربعي الأنصاري عند خالد أنهم قد أذنوا وأقاموا وصلوا. وقال بعض الناس: لم نسمع منهم آذانا ولا رأيناهم صلوا. فراجع مالك خالدا في كلام، فَقَالَ فيه مالك: قد كان صاحبكم يقول ذلك- يعني رسول الله ﵌ فقال خالد: يا عدو الله وما تعده لك صاحبا، فضرب عنقه وقتل أصحابه، وكانت له امرأة

стр. 1253

يقال لها: أم تميم بنت المنهال من أجمل الناس والنساء فتزوجها خالد. وكان يقول الذي قتل مالكا بيده عبد بن الأزور الأسدي، أخو ضرار، فقال متمم يرثي أخاه: نعم القتيل إذا الرياح تناوحت ... نحو الكنيف فقتلك ابن الأزور ومعنى تناوحت جاءت من كل موضع. [أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ النَّقُورِ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُخَلِّصُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَيْفٍ، أَخْبَرَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ] [١] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِ: أَنَّ خَالِدًا لَمَّا نَزَلَ الْبِطَاحَ بَثَّ السَّرَايَا فَأَتَي بِمَالِكٍ وَكَانَ فِي السَّرِيَّةِ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ أَبُو قَتَادَةَ فَاخْتَلَفَ فِيهِمُ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ شَهِدَ أَنْ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ وَلا عَلَى أَصْحَابِهِ، وَشَهِدَ الأَعْرَابُ أَنَّهُمْ لَمْ يُؤَذِّنُوا وَلَمْ يُقِيمُوا وَلَمْ يُصَلُّوا، وَجَاءَتْ أُمُّ تَمِيمٍ كَاشِفَةً وَجْهَهَا حَتَّى أَكَبَّتْ عَلَى مَالِكٍ، وَكَانَتْ أَجْمَلَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهَا: إِلَيْكِ عَنِّي فَقَدْ وَاللَّهِ قَتَلْتِينِي، فَأَمَرَ بِضَرْبِ أَعْنَاقِهِمْ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو قَتَادَةَ فَنَاشَدَهُ وَنَهَاهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَرَكِبَ أَبُو قَتَادَةَ وَلَحِقَ بِأَبِي بَكْرٍ وَحَلَفَ لا يَسِيرُ فِي جَيْشٍ تَحْتَ لِوَاءِ خَالِدٍ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، وَقَالَ: تَرَكَ قَوْلِي وَأَخَذَ بِشَهَادَةِ الأَعْرَابِ الَّذِينَ فَتَنَتْهُمُ الْغَنَائِمُ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّ فِي سَيْفِ خَالِدٍ رَهَقًا، وَإِنْ يَكُنْ هَذَا حَقًّا فَعَلَيْكَ أَنْ تُقَيِّدَهُ، فَسَكَتَ عَنْهُ/ أَبُو بَكْرٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَنْ يَقْدِمَ لِيَنْظُرَ فِيمَا فَعَلَ بِمَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ . قصة أهل اليمامة [٢] [قال المصنف] [٣] : ولما فرغ خالد من البطاح أقبل إلى المدينة فدخل المسجد وعليه ثياب [عليها] [٤] صدأ الحديد، وعليه عمامة قد غرز فيها ثلاثة أسهم، فلما رآه

стр. 1254

عُمَر ﵁ قال: أرئاء يا عدو الله، عدوت على رجل من المسلمين فقتلته ثم تزوجت امرأته، لئن أمكنني الله منك لأرجمنك، ثم تناول الأسهم فكسرها وخالد ساكت لا يرد عليه شيئا يظن أن ذلك عن رأي أبي بكر، فلما دخل على أبي بكر أخبره الخبر واعتذر إِلَيْهِ فصدقه وقبل عذره، وكان عمر يحرض أبا بكر على عزله، وأن يقيد منه، فقال أبو بكر: مه يا عمر، ما هو بأول من أخطأ، فارفع لسانك عن خالد، ثم ودى مالكا وأمر خالدا أن يتجهز للخروج إلى مسيلمة الكذاب، ووجه معه المهاجرين والأنصار، وكان ثمامة بن أثال الحنفي قد كتب إلى أبي بكر ﵁ يخبره أن أمر مسيلمة قد استغلظ. فبعث أبو بكر عكرمة بن أبي جهل واتبعه شرحبيل بن حسنة، وقال: الحق بعكرمة فاجتمعا عَلَى قتال مسيلمة وهو عليك، فإن فرغتم فانصرفا إلى قضاعة، وأنت عليه، فلما أحس عكرمة بذلك أغذ السير فقدم على ثمامة فأنهضه [١] ، فقال ثمامة: لا تفعل فإن أمر الرجل مستكثف وقد بلغني أن خلفك جندا فيتلاحقون، فأبى عكرمة وعاجلهم مسيلمة فالتقوا فاقتتلوا فأصيب من المسلمين، فبعث أبو بكر إلى عكرمة فصرفه إلى وجه آخر. فلما قدم خالد من البطاح أمره أبو بكر بالسير إلى مسيلمة، فخرج حتى إذا كان قريبا من اليمامة تقدمت خيل المسلمين، فإذا هم بمجاعة بن مرارة/ الحنفي في ستة نفر من بني حنيفة، فجاءوا بهم إلى خالد، فقال لهم: يا بني حنيفة ما تقولون؟ فقالوا: منا نبي ومنكم نبي، فعرضهم على السيف، فبقي منهم مجاعة ورجل يقال له: سارية بن عامر. فلما قدم سارية ليقتل قال لخالد: إن كنت تريد بأهل هذه القرية خيرا أو شرا فاستبق هذا الرجل يعني مجاعة، ففعل ذلك، وأوثقه في الحديد ثم دفعه إلى امرأته، وقال: استوصي بِهِ خيرا، ثم مضى حتى نزل منزلا من اليمامة، فعسكر به، فخرج إليه مسيلمة، وكان عدد بني حنيفة أربعين ألف مقاتل، وقدم مسيلمة أمامه الرحال [٢] بن عنفوة، وقد كان الرحال قدم على رسول الله ﵌ فأسلم وقرأ سورة البقرة.

стр. 1255

فلما رجع إلى مسيلمة شهد له في جماعة من بني حنيفة أنه سمع رسول الله ﵌ يشركه في الأمر، وأنه قد أعطي النبوة كما أعطيها، وكان قوله أشد على أهل اليمامة من فتنة مسيلمة. قال أبو هريرة [١] : جلست في رهط عند رسول الله ﵌، فقال رسول الله ﵌: «إن فيكم لرجلا ضرسه في النار مثل أحد» . فهلك القوم وبقيت أنا والرحال فكنت متخوفا لها حتى خرج الرحال مع مسيلمة، فشهد له بالنبوة قالوا: الرجال. فخرج يومئذ في مقدمة مسيلمة ومعه محكم اليمامة، وهو محكم بن طفيل، والتقى الناس، فكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة، فقالوا له: انظر كيف تكون؟ إياك أن تفر، قال: بئس حامل القرآن أنا إذن، فقاتل حتى قتل. وقال أبو حذيفة: يا أهل القرآن، زينوا القرآن بالأفعال، وحمل فأنفذهم حينئذ [وقتل] . وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس، واقتتل الناس قتالا شديدا، فقتل الرحال ومحكم اليمامة، أما الرحال فقتله زيد بن الخطاب، وأما محكم فقتله عبد الرحمن بن أبي بَكْر، وثبت مسيلمة، ثم جال/ المسلمون حوله فتراجعوا، فدخلت بنو حنيفة في فسطاط خالد فرعلوه بسيوفهم، وحمل رجل منهم على أم تميم بالسيف، فألقى مجاعة عليها رداءه، وقال: إنها في جواري فنعم الحرة ما علمت، فأصيب من المسلمين ألف ومائتا رجل، وانكشف باقيهم. فلما رأى ذلك ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، قال: يا معشر المسلمين، بئس ما عودتم أنفسكم، ثم قال: اللَّهمّ إني أبرأ إليك من هؤلاء- يعني المشركين- وأعتذر إليك مما فعل هؤلاء- يعني المسلمين- ثم قاتل [٢] وجالد بسيفه حتى قتل. وكان قد ضرب فقطعت رجله فرمى بها قاتله. فقتله. وقاتل زيد بن الخطاب أخو عمر حتى قتل. فلما رجع عبد الله بن عمر، فقال له: هلا هلكت قبل زيد، فقال: قد عرضت على ذلك ولكن الله أكرمه بالشهادة. وفي رواية أخرى أنه قال له: ما جاء بك وقد هلك زيد، ألا واريت وجهك عني.

стр. 1256

وكان البراء بن مالك أخو أنس إذا حضر الحرب أخذته العدواء- يعني الرعدة- حتى يقعد عَلَيْهِ الرجال، ثم ينهم كالأسد، فلما رأى ما أصاب الناس أخذه ما كان يأخذه، فثاب إليه ناس من المسلمين، فقاتلوا قتالا شديدا حتى انحازت بنو حنيفة واتبعهم المسلمون حتى أصاروهم إلى حديقة فدخلوها ثم أغلقوا [١] عليهم، فقال البراء: احملوني والقوني إليهم، فألقوه إليهم ففتح الباب للمسلمين وقد قتل عشرة، فقتل في هذه الحديقة وفي هذه المعركة بضعة عشر ألف مقاتل. وكانت بنو حنيفة تقول لمسيلمة حين رأت خذلانها: أين ما كنت تعدنا؟ فيقول: قاتلوا عن أحسابكم. وقتل الله مسيلمة، اشترك في قتله رجلان: رَجُل/ من الأنصار، ووحشي مولى جبير بن مطعم. وكان وحشي يقول: وقعت فيه حربتي وضربه الأنصاري والله يعلم أينا قتله. وكان يقول: قتلت خير الناس وشر الناس، حمزة ومسيلمة. وكانوا يقولون: قتله العبد الأسود، فأما الأنصاري فلا شك أن أبا دجانة سماك بن خرشة قتله. فلما أخبر خالد بقتل مسيلمة خرج بمجاعة يرسف [٢] في حديده ليدله على مسيلمة، فمر بمحكم بن الطفيل، فقال خالد: هذا صاحبكم؟ قال: لا هذا والله خير منه وأكرم، ثم دخل الحديقة، فإذا رويجل أصيفر أخينس [٣] ، فقال له مجاعة: هذا صاحبكم قد فرغتم [منه] [٤] ، فقال خالد: هذا فعل بكم ما فعل، قال: قد كان ذلك يا خالد، وإنه والله ما جاءك إلا سرعان الناس [٥] ، وإن جماهير النّاس لفي الحصون. قال: ويلك ما تقول؟ قال: هو والله الحق، فهلم لأصالحك على قومي. فدعني حتى آتيهم وأصالحهم عنك، فإنهم يسمعون مني، ودخل الحصن، فأمر الصبيان والنساء فلبسوا السلاح ثم أشرفوا عليه وخالد يظنهم رجالا، فلما نظر إليهم وقد قتل أكثر أصحابه صالح مجاعة

стр. 1257

عنهم الربع من السبي والحمراء والبيضاء والحلقة، ثم علم بعد ذلك أنهم كانوا صبيانا ونساء، فقال لمجاعة: خدعتني، فقال: قومي أفنتهم الحرب، فلا تلمني فيهم. فلما فرغ من صلحهم إذا كتاب من أبي بكر ﵁ قد جاءه أن يقتل منهم كل من أنبت، فجاءه الكتاب بعد الصلح، فمضى عليهم الصلح، فلم يقتلوا، ثم خطب خالد إلى مجاعة ابنته، فقال له: مهلا أيها الرجل إنه قاطع ظهري وظهرك عن صاحبك تزوج النساء وحول أطنابك دماء ألف ومائتي رجل من المسلمين، فقال: زوجني لا أبا لك، فزوجه فبلغ ذلك أبا بَكْر ﵁، فكتب إليه: لعمري يا ابن أم خالد، إنك لفارغ حين تتزوج النساء وحول حجرتك دماء المسلمين لم تجف بعد، فإذا جاءك كتابي فالحق بمن معك من جموعنا/ بأهل الشَّام، واجعل طريقك على العراق، فقال وهو يقرأ الكتاب: هذا عمل الأعيسر- يعني عمر بن الخطاب. قال علماء السير: قتل من المسلمين يوم اليمامة أكثر من ألف، وقتل من المشركين نحو عشرين ألفا، وكانت حرب اليمامة سنة إحدى عشرة في قول جماعة منهم أبو معشر. فأما ابن إِسْحَاق فإنه قال: فتح اليمامة واليمن والبحرين، وبعث الجنود إلى الشام في سنة اثنتي عشرة . قصة أهل البحرين كان رسول الله ﵌ قد بعث على أهل البحرين المنذر بن ساوي، واشتكى هو ورسول الله ﵌ في شهر واحد، ومات المنذر بعد رسول الله ﵌ بقليل [١] . وارتد أهل البحرين، فأما عبد القيس ففاءت، وأما بكر فتمت على ردتها، وكان الذي ثنى عَبْد القيس الجارود بن عمرو [٢] حتى فاءوا. وذلك أنهم قالوا: لو كان محمد نبيا ما مات، فقال الجارود [٣] : تعلمون أنه كان

стр. 1258

قبله أنبياء؟ قالوا: نعم، قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا، قال: فإن محمدا قد مات كما ماتوا، فعادوا إلى الإسلام. فلما فرغ خالد من اليمامة بعث أبو بكر العلاء بن الحضرميّ إلى البحرين في ستة عشر فارسا، فقال ابن عبد القيس: إن لم يرتدوا فهم جندك فسار مع العلاء حتى بلغه عبد القيس، فكتب الجارود إلى العلاء: إن بيني وبينك أسود النهار وضباع الليل، ففهم فبعث العلاء جنوده تحت الليل فقتلوهم وسار وأمده ثمامة بقومه، فنزل العلاء بأصحابه ليلة فنفرت الإبل فما بقي عندهم لا زاد ولا مزاد، وأوصى بعضهم إلى بعض فصلى بهم العلاء الفجر وجثى فدعا فلاح لهم ماء، فذهبوا إليه فشربوا، فإذا الإبل [تكرد من كل وجه] [١] ، فقام كل رجل منهم إلى ظهره، فما فقدوا سلكا [٢] ، وخندق المسلمون وتراجعوا وتراوحوا القتال شهرا، ثم كر المرتدون، فتحصن المسلمون، منهم بحصن بالبحرين يقال له: جواثا حتى كادوا يهلكون جوعا، فنزل بعض المسلمين/ ليلا، فجال في عسكر القوم ثم عاد فقال: إن القوم سكارى، فخرج إليهم العلاء وأصحابه، فوضعوا فيهم السيوف، وأخذوا غنائمهم. ولما فرغ العلاء من البحرين سار إلى هجر فافتتحها صلحا وكان فيها راهب، فقيل له: ما دعاك إلى الإسلام فقال: ثلاثة أشياء خشيت أن يمسخني [الله] [٣] بعدها إن لم أسلم: فيض في الرمال، وتمهيد أثباج البحار، ودعاء سمعته في عسكرهم في الهواء من السحر، قالوا: اللَّهمّ أنت الرحمن الرحيم، لا إله غيرك، والبديع ليس قبلك شيء، والدائم غير الغافل، [والحي] [٤] الّذي لا يموت، وخالق ما يرى وما لا يرى، وكل يوم أنت في شأن، علمت اللَّهمّ كل شيء بغير تعلم، فعلمت أن القوم لم يعانوا بالملائكة إلا وهم على أمر الله [٥] . فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يسمعون من ذلك الهجريّ بعد.

стр. 1259

ثم سار العلاء إلى الحطم، ووجه بعض أصحابه فافتتحوها عنوة، وندب الناس إلى دارين، فأتى ساحل البحر، فدعا الله واقتحموا، فأجازوه كأنهم يمشون على مثل رملة [ميثاء] [١] فوقها ماء يغمر أخفاف الإبل، وكان بين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسفن البحر، فالتقوا واقتتلوا وسبوا الذراري واستاقوا الأموال، فبلغ نفل الفارس ستة آلاف، والراجل ألفين، ثُمَّ رجعوا عودهم على بدئهم كما عبروا. وفي ذلك يقول عفيف بن المنذر [٢] : ألم تر أن الله ذلل بحره ... وأنزل بالكفار إحدى الجلائل دعونا الذي شق البحار فجاءنا ... بأعجب من فلق البحار [٣] الأوائل ولما قفل العلاء بالناس مروا على ماء لبني قيس بن ثعلبة فرأوا على ثمامة بن أثال خميصة الحطم، فقالوا: هذه خميصة الحطم وأنت قتلته، قال: لست قاتله لكن اشتريتها من الفيء فقتلوه . ذكر قصة أهل عمان ومهرة واليمن [٤] قال علماء السير [٥] : نبغ بعمان لقيط بن مالك الأزدي، وكان يسمى [٦] في الجاهلية الجلندي، فادعى ما ادعاه من تنبأ، وغلب على عمان مرتدا، وارتد أهل عمان، فبعث أبو بكر حذيفة بن محصن إلى عمان وعرفجة البارقي إلى مهرة وأمرهما أن يبدءا بعمان، وكان أبو بكر قد بعث عكرمة بن أبي جهل إلى مسيلمة، واستعجل قبل أن يلحقه المدد، فقاتل وأصيب جماعة من المسلمين، فكتب إليه أبو بكر يعنفه على سرعته، ويقول: لا أرينك، ولا أسمعن بك إلا بعد بلاء، والحق بعمان حتى تقاتل أهل

стр. 1260

عمان وتعين حذيفة وعرفجة، فإذا فرغتم فامض إلى مهرة، ثم ليكن وجهك منها إلى [١] اليمن، فأوطئ ما بين عمان واليمن ممن ارتد، وليبلغني بلاؤك. فلما اجتمعوا جمع لقيط فاقتتلوا، فرأى المسلمون في أنفسهم خللا فإذا مواد قد أقبلت إليهم من عبد القيس وغيرهم، فوهن الله الشرك، وقتل من المشركين في المعركة عشرة آلاف فأثخنوا فيهم وسبوا الذراري وقسموا ذلك على المسلمين وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر ﵁ مع عرفجة . ذكر ردة مهرة [٢] ولما فرغ عكرمة وعرفجة وحذيفة من ردة عمان خرج عكرمة في جنده نحو مهرة، واستنصر من حول عمان وأهل عمان، وسار حتى أتى مهرة والتقوا، فكشف الله جنود المرتدين، وقتل رئيسهم، وركبهم المسلمون، فقتلوا ما شاءوا، فخمس عكرمة الفيء، فبعث بالأخماس إلى أبي بَكْر، وقسم الأربعة أخماس على المسلمين . ذكر خبر ردة اليمن [٣] كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ قد ولى المهاجر بن أمية صنعاء، وزياد بن لبيد حضرموت، فتوفي رسول الله ﷺ وهما على عملهما، / فانتقضت كندة على زياد بن لبيد إلا طائفة منهم ثبتوا معه، فقيل له: إن بني عمرو بن معاوية قد جمعوا لك فعاجلهم فثبتهم وحاز غنائمهم ثم أقبل بها راجعا، فمر بالأشعث بن قيس، فخرج الأشعث في قومه يعترض لزياد، فأصيب ناس من المسلمين وانحاز زياد ثم كتب إلى أبي بكر ﵁ يخبره بذلك، وكتب أبو بكر ﵁ إلى المهاجر بصنعاء أن يمد زيادا بنفسه، فسار إليه المهاجر، ثم أنهما جمعا ولقوا المشركين، فأثخنوهم.

стр. 1261

ووجه أبو بكر ﵁ عكرمة بن أبي جهل في خمسمائة مددا لزياد، فقدموا عليه وقد قتل أولئك وغنم أموالهم فأشركهم في الغنيمة. وتحصنت ملوك كندة ومن بقي معهم في النجير وأغلقوا عليهم فجثم عليهم زياد والمهاجر وعكرمة، وكان في الحصن الأشعث بن قيس، فلما طال الحصار، قال الأشعث: أنا أفتح لكم باب الحصن وأمكنكم ممن فيه على أن تؤمنوا لي عشرة، فأعطوه ذلك، ففتح باب الحصن، ثم عزل عشرة [١] أنفس ولم يعد فيهم نفسه وهو يرى أنهم لا يحسبون به في العشرة، فقالوا: إنما صالحناك على عشرة، فنحن نعفو عن هؤلاء ونقتلك لأنك لم تعد نفسك فيهم، فقال لهم: وإن ظنكم ليدلكم على أني أصالح عن غيري وأخرج بغير أمان، فجادلهم وجادلوه، فقالوا: نرد أمرك إلى أبي بكر ﵁ فيرى فيك رأيه، وأمر زياد بكل من في الحصن أن يقتلوا فقتلوا، وكانوا سبعمائة، وسبى نساءهم وذراريهم، وحمل الأشعث إلى أبي بكر ﵁، فزعم أنه قد تاب ودخل في الإسلام، وقال: من علي وزوجني أختك، فإني قد أسلمت، فزوجه أبو بَكْر ﵁ أم فروة بنت أبي قحافة، فولدت له محمدا، وإسحاق، وإسماعيل، فأقام بالمدينة، ثم خرج إلى الشام في خلافة عمر ﵁، وكانت ردة اليمن سنة إحدى عشرة. روى المؤلف بإسناده عن أبي رجاء العطاردي [٢] ، قال: دخلت المدينة فرأيت/ الناس مجتمعين، ورأيت رجلا يقبل رأس رجل وهو يقول: أنا فداؤك، لولا أنت لهلكنا، فقلت: من المقبل ومن المقبل، قالوا: ذاك عمر يقبل رأس أبي بكر ﵄ في قتاله أهل الردة إذ منعوا الزكاة حتى أتوا بها صاغرين . وفي هذه السنة كتب معاذ بن جبل وعمال اليمن إلى أبي بكر يستأذنونه في القدوم، فكتب إليهم: أن رسول الله ﷺ بعثكم لما بعثكم له من أمره، فمن كان أنفذ أمر رسول الله ﷺ فشاء أن

стр. 1262

يرجع فليرجع وليستخلف على عمله، ومن شاء أن يقيم فليقم، فرجعوا. فلما قدم معاذ لقي عمر بن الخطاب فاعتنقا وعزا كل واحد منهما صاحبه برسول الله ﷺ . وكان مع معاذ الخراج، وكان معه وصفاء قد عزلهم، فقال عمر: ما هؤلاء؟ قال: أهدوا لي، فقال عمر: أطعني وائت بهم أبا بكر فليطيبهم لك، قال معاذ: لا لعمري آتي أبا بكر بمالي يطيبه لي، فقال عمر: إنه ليس لك. فلما كان الليل وأصبح أتاه فقال له: لقد رأيتني البارحة كأني أدنو إلى النار، وأنت آخذ بحجزتي، إني وجدت الأمر كما قلت. فأتى أبا بَكْر فاستحلها فأحلهم. فبينما معاذ قائم يصلي رأى رقيقه يصلون كلهم، فقال لهم: ما تصنعون؟ قالوا: نصلي، قال: لمن؟ قالوا: للَّه ، [قال] : [١] فاذهبوا فأنتم للَّه، فأعتقهم. وفي هذه السنة حج بالناس عمر بن الخطاب، وقيل: بل عبد الرحمن بن عوف، وقيل: عتاب بن أسيد. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ١٣٤- ثابت بن أقرن بن ثعلبة بن عدي [٢] : شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وخرج مع خالد [٣] بن الوليد إلى أهل الردة، فبعثه مع عكاشة فقتلا . ١٣٥- ثابت بن قيس بن شماس بن مالك بن امرئ القيس: [٤] .

стр. 1263

شهد أحدا، والخندق، والمشاهد بعدها [١] / مع رسول الله ﷺ ، وكان خطيبا جهير الصوت. [أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، أَنْبَأَنَا الْبَرْمَكِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ] [٢] ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ جَاءَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَقَدْ تَحَنَّطَ وَلَبِسَ ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ تَكَفَّنَ فِيهِمَا، وَقَدِ انْهَزَمَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: اللَّهمّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَهُ هَؤُلاءُ [٣]-[يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلاءِ- يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ-] [٤] ، ثُمّ قَالَ: بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ مُنْذُ الْيَوْمِ، خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَاعَةً، فَحَمَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ . ١٣٦-[ثابت بن هزال بن عمرو [٥] : شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وقتل يوم اليمامة] . ١٣٧- ثمامة بن أثال: قتل في هذه السنة . ١٣٨- حبيب بن يزيد مولى عمارة: كان يقول له مسيلمة: أتشهد أني رسول الله، فيسكت، فيقول: [أتشهد أن محمدا رسول الله، فيقول:] نعم، فقطعه أعضاء . ١٣٩- حزن بن أبي وهب: قتل يوم اليمامة . ١٤٠- زيد بن الخطاب، [أخو عمر] [٦] : كان أسن من عمر، وأسلم قبل عمر، وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رَسُولُ

стр. 1264

الله ﷺ . [وقَالَ عمر ﵁: سبقني زيد الإسلام والشهادة، وما هبت الصبا قط إلا أتتني بريح زيد. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا أحمد بن مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ] [١] ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لأَخِيهِ زَيْدٍ يَوْمَ أُحُدٍ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلا لَبِسْتَ دِرْعِي، فَلَبِسَهَا ثُمَّ نَزَعَهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ لِنَفْسِي مَا تُرِيدُ لِنَفْسِكَ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: [وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي] [٢] الْحَجَّافُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ يَحْمِلُ رَايَةَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَقَدِ انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى غَلَبَتْ حَنِيفَةُ عَلَى الرِّجَالِ، فَجَعَلَ زَيْدٌ يَقُولُ: أَمَّا الرِّجَالُ فَلا رِجَالَ، ثُمَّ جَعَلَ يَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: اللَّهمّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ فِرَارِ أَصْحَابِي، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُسَيْلِمَةُ، وَجَعَلَ يَشْتَدُّ بِالرَّايَةِ يَتَقَدَّمُ بِهَا فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، ثُمَّ ضَارَبَ بِسَيْفِهِ حَتَّى قُتِلَ وَوَقَعَتِ الرَّايَةُ، فَأَخَذَهَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ . ١٤١- سالم مولى أبي حذيفة [٣] : قال ابن سعد: كان لثبيتة بنت يعار الأنصارية، وكانت تحت أبي حذيفة بن عتبة فأعتقته، فتولى أبا حذيفة، وتبناه أبو حذيفة. وقال الخطيب: اسم الذي أعتقته سلمى بنت يعار. وقَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ سالما شديد الحب للَّه» . وكان سالم يؤم المهاجرين/ من مكة حين قدموا، وكان أقرأهم وفيهم أبو بكر

стр. 1265

وعمر، وكان اللواء يوم اليمامة بيد زيد بن الخطاب، فلما قتل أخذه سالم، فقالوا له: إنا نخاف أن نؤتى من قبلك، فقال: بئس حامل القرآن أنا إن أتيتم من قبلي، فقطعت يمينه، فتناولها بشماله فقطعت، فاعتنق اللواء وجعل يقول: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ٣: ١٤٤ [١] ووقف بالراية حتى قتل، فعرض ميراثه على مولاته، فأبت وقالت: أنا سيبته للَّه تعالى. فجعل عمر ميراثه في بيت المال . ١٤٢- سماك بن خرشة، أبو دجانة [٢] : شهد بدرا وأحدا، وثبت مع رسول الله ﷺ يومئذ، وبايعه على الموت، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يومئذ: «من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقال: أنا، فأخذه ففلق به هام المشركين. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّارُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الجوهري، أخبرنا أبو عمرو بْنُ حَيُّوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ، حدثنا محمد بن سعد، عن عبد الله بْنِ جَعْفَرٍ الرَّقَبِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُلَيْحِ] [٣] ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: لَمَّا انْصَرَفُوا يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ عَلِيٌّ لِفَاطِمَةَ: خُذِي السَّيْفَ غَيْرَ ذَمِيمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنْ كُنْتِ أَحْسَنْتِ الْقِتَالَ فَقَدْ أَحْسَنَهُ الْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ وَأَبُو دُجَانَةَ» [٤] . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: [وَأَخْبَرَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، قال: حدثنا هشام بن سعد] [٥] ، عن زيد بن أسلم، قال: إنه دخل على أبي دجانة وهو مريض، وكان وجهه يتهلل، فقيل: ما لوجهك يتهلل؟
следующие страницы →