فقلت: أَمَّا الْمَرَّةُ الأُولَى فَقَدْ نَصَحَكَ، وَأَمَّا الأُخْرَى فَقَدْ غَشَّكَ، لأَنَّكَ إِذَا عَزَلْتَهُمْ يَقُولُونَ هُوَ قَتَلَ صَاحِبَنَا، وَيُؤَلِّبُونَ عَلَيْكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لا أولّي مِنْهُمْ أَحَدًا أَبَدًا، فَإِنْ أَقْبَلُوا فَذَلِكَ خَيْرٌ لَهُمْ، وَإِنْ أَدْبَرُوا بَذَلْتُ لَهُمُ السَّيْفَ. ثُمَّ قَالَ لِي: سِرْ إِلَى الشَّامِ فَقَدْ وَلَّيْتُكَهَا، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِرَأْيٍ، مُعَاوِيَةُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ عُثْمَانَ، وَعَامِلُهُ عَلَى الشَّامِ، وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقِي بِعُثْمَانَ، أَوْ أَدْنَى مَا هُوَ صَانِعٌ أَنْ يحبسني فيتحكم ٢٦/ ب عَلَيَّ، وَلَكِنِ اكْتُبْ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَمَنِّهِ وَعِدْهُ. / فَأَبَى عَلِيٌّ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لا كَانَ ذَلِكَ أَبَدًا.
ومن الحوادث فِي هذه السنة [مسير قسطنطين ملك الروم يريد المسلمين] [١]
أنه سار قسطنطين بن هرقل فِي ألف مركب يريد أرض المسلمين، فسلط الله عليهم قاصفا من الريح فغرقهم، ونجا قسطنطين، فأتى صقلية [٢] ، فصنعوا له حماما فدخله فقتلوه فيه، وقالوا: قتلت رجالنا.
ذكر من توفي فِي هذه السنة من الأكابر
٢٨١- عُثْمَان بْن عَفَّانَ ﵁ [٣] :
وقد سبق ذكر مقتله.
أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ [الْحَسَنِ، قال: أخبرنا أبو] [٤] الحسين بن بشران، قال: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ، قَالَ:
بَلَغَ عُثْمَانُ ﵁ مِنَ الْعُمُرِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وترك قيمة ألف ألف درهم.
стр. 1612
٢٨٢- عامر بن ربيعة بن مالك بن عامر، أبو عَبْد اللَّهِ [١] :
كان حليفا للخطاب بن نفيل، وتبناه الخطاب، فلما نزل قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ ٣٣: ٥ [٢] رجع عامر إلى نسبه.
وأسلم قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين ومعه امرأته ليلى بنت أبي حثمة العدوية، وهاجر إلى المدينة فلم يقدمها قبله إلا أبو سلمة، وزوجته أول ظعينة قدمت المدينة.
وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رَسُولُ الله ﷺ .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أبي طاهر، قال: أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، وَخَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْبَجَلِيُّ، قَالا:
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال [٣] :
قَامَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يُصَلِّي [٤] مِنَ اللَّيْلِ، وَذَلِكَ حِينَ نَشَبَ النَّاسُ فِي الطَّعْنِ عَلَى عُثْمَانَ، فصلى مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ نَامَ، فَأُتِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: قُمْ فَاسْأَلِ/ اللَّهَ أن يعيذك من ٢٧/ أالفتنة الَّتِي أَعَاذَ مِنْهَا صَالِحَ عِبَادِهِ. فَقَامَ فصلى ثُمَّ اشْتَكَى، فَمَا أُخْرِجَ إِلا جِنَازَةٌ.
قَالَ ابن سعد [٥] : وقال محمد بن عمر: كان موت عامر بن ربيعة بعد قتل عثمان بأيام، وكان قد لزم بيته فلم يشعر الناس إلا بجنازته وقد أخرجت.
٢٨٣- معاذ بن عفراء، أمه نسب إليها، وأبوه الحارث بن رفاعة [٦] :
شهد معاذ العقبتين، وبدرا. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يبعث إلى أهل بدر حللا، فيبعث إليه ويشتري بها رقابا فيعتقهم.
وكانت الوقعة لخمس ليال بقين من ربيع الآخرة سنة ست وثلاثين.
فلما نزل علي [١] ﵁ على الثعلبية أتاه الخبر بما لقي عثمان بن حنيف [ثم أتاه ما لقي حكيم بن جبلة، ولما انتهوا إلى ذي قار انتهى إليه فيها عثمان بن حنيف] [٢] وليس فِي وجهه شعرة. وأتاه الخبر بما لقيت ربيعة، وخروج عبد القيس، وخرج إلى علي خلق كثير من أهل الكوفة، فدعا على القعقاع بن عمرو فأرسله إلى أهل البصرة، وقَالَ: الق هذين الرجلين فادعهما إلى الألفة والجماعة، وعظم عليهما الفرقة، / فخرج القعقاع [٣] حتى أتى البصرة، فبدأ بعائشة فسلم عليها، فقال: أي ٣٢/ أأماه، ما أشخصك وما أقدمك على هذه البلدة؟ قَالَتْ: أي بني، إصلاح بين الناس، قَالَ: فابعثي إلى طَلْحَة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما، فبعثت إليهما، فجاءا، فقَالَ: إني سألت أم المؤمنين ما أشخصها فقالت: الإصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما، أمتابعين أم مخالفين؟ قالا: متابعين، قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح، فو الله لئن عرفناه لنصلحن، ولئن أنكرناه لا يصلح، قالا: قتلة عثمان، فإن هذا إن ترك كان تركا للقرآن، وإن أعمل به كان إحياء للقرآن، فقَالَ: قد قتلتما قتلة أمير المؤمنين من أهل البصرة، قتلتم ستمائة إلا رجلا، قالت أم المؤمنين: فتقول أنت ماذا؟ قَالَ: أقول إن هذا الأمر دواؤه التسكين، وإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير، ودرك بثأر هذا الرجل، وسلامة لهذه الأمة، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه، كانت علامة الشر، فكونوا مفاتيح الخير، فقالوا له: قد أحسنت فارجع، فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر، فرجع إلى علي، فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، وأقبلت وفود البصرة نحو علي.
وجاءت وفود تميم [٤] وبكر، فجمع علي الناس وقام، فذكر إنعام الله تعالى على هذه الأمة بالاجتماع إلى أن قَالَ: ثم حدث هذا الحدث الذي جرّه على هذه الأمة أقوام
стр. 1625
طلبوا [هذه] [١] الدنيا، وحسدوا من أفاءها الله عليه، ألا وإني راحل غدا، فارتحلوا، ولا يرتحلن أحد أعان على عثمان بشيء، وليغن السفهاء عني أنفسهم.
فاجتمع نفر، منهم علباء بن الهيثم، وعدي بن حاتم، وسالم بن ثعلبة القيسي، وشريح بن أوفى بن ضبيعة، والأشتر، فِي عدة ممن سار إلى عثمان، ورضي مسير من سار، وجاء معهم المصريون: ابن السوداء، وخالد بن ملجم، وتشاوروا، [فقالوا] : [٢] ما الرأي؟ وهذا والله علي وهو أبصر [الناس] [٣] بكتاب الله، [وأقرب] [٤] ممن يطلب ٣٢/ ب قتلة عثمان، / وأقربهم إلى العمل بذلك، وهو يقول ما يقول، فكيف به إذا شام القوم وشاموه، ورأوا قتلنا، وقتلنا فِي كثرتهم، إياكم والله ترادون [٥] . فقَالَ الأشتر: أما طَلْحَة والزبير فقد عرفنا أمرهما، وأما علي فلم نعرف أمره حتى كان اليوم، ورأي الناس فينا واحد، وإن يصطلحوا على دمائنا فهلموا نتواثب على علي فنلحقه بعثمان، فتعود فتنة يرضى منا فيها بالسكوت [٦] . فقَالَ عَبْد اللَّهِ بن السوداء: بئس الرأي رأيت [٧] ، نحن نحو من ستمائة، وهذا ابن الحنظلية وأصحابه فِي خمسة آلاف بالأسواق [٨] ، إلى أن يجدوا إلى قتالكم سبيلا.
وقَالَ علباء بن الهيثم: انصرفوا بنا عنهم ودعوهم وارجعوا، فتعلقوا ببلد من البلدان حتى يأتيكم فيه من تتقون به، و [امتنعوا من الناس] [٩] . قَالَ ابن السوداء: بئس ما رأيت، ود والله الناس أنكم على جديلة [١٠] ، ولم تكونوا مع أقوام براء، ولو كان الّذي
стр. 1626
تقول لتخطفكم كل شيء [١] . وقَالَ ابن السوداء: إذا التقى الناس غدا فانشبوا القتال، ولا تدعوهم يفرغون للنظر، فإذا من أنتم معه لا يجد بدا من أن يمتنع، فيشغل الله عليا وطَلْحَة والزبير، ومن رأى رأيهم عما تكرهون فتفرقوا على مثل ذلك والناس لا يشعرون.
وأصبح علي ﵁ على ظهر، فمضى ومضى الناس، وقام علي فخطبهم وقَالَ: يا أيها الناس، كفوا أيديكم وألسنتكم عن هؤلاء القوم فإنهم إخوانكم، ومضى حتى أطل على القوم، فبعث إليهم حكيم بن سلامة، ومالك بن حبيب، فقَالَ: إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا وأقرونا ننزل وننظر فِي هذا الأمر، فقَالَ له الأحنف بن قيس: إن قومنا بالبصرة يزعمون أنك إن ظهرت عليهم ستقتل رجالهم وتسبي نساءهم. فقَالَ: ما مثلي يخاف هذا منه، وهل يحل هذا إلا ممن تولى وكفر، وهم قوم مسلمون، فهل أنت مغن عني قومك؟ قَالَ: نعم، فاختر مني واحدة من اثنتين، إما أن آتيك فأكون معك بنفسي، وإما أن أكف عنك عشرة آلاف سيف.
فرجع إلى الناس فدعاهم إلى القعود وارتحل حتى نزل بحذاء القوم والناس لا/ ٣٣/ أيشكون فِي الصلح، ومع عائشة ثلاثون ألفا، ومع علي عشرون ألفا، فلما نزل الناس واطمأنوا خرج علي وخرج طَلْحَة والزبير، فتواقفوا، وتكلموا فيما اختلفوا فيه، فلم يجدوا أمرا هو أمثل من الصلح ووضع الحرب، فافترقوا عن موقفهم على ذلك، ورجع علي إلى عسكره، ورجع وطَلْحَة والزبير إلى عسكرهما.
أمر القتال
وبعث علي [٢] من العشي عَبْد اللَّهِ بن عباس إلى طَلْحَة والزبير، [وبعثاهما من العشي مُحَمَّد بن طَلْحَة إلى علي، وأن يكلم كل واحد منهما أصحابه، فقالوا: نعم، فلما أمسوا] [٣] أرسل طَلْحَة والزبير إلى رؤساء أصحابهما، وأرسل علي إلى رؤساء أصحابه، ما خلا أولئك الذين هضبوا على عثمان، فباتوا على الصلح، وباتوا بليلة لم
стр. 1627
يبيتوا بمثلها للعافية من الذي أشرفوا عليه، [والنزوع عما اشتهى الذين اشتهوا، وركبوا ما ركبوا] [١] ، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة [باتوها قط] ، قد أشرفوا على الهلكة، وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها، حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب [فِي السر] [٢] ، واستسروا بذلك خشية أن يفطن لهم، فغدوا مع الغلس [٣] ، وما يشعر بهم [أحد غير] جيرانهم، فخرج مضريهم إلى مضريهم، [وربعيهم إلى ربعيهم] [٤] ، ويمانيهم إلى يمانيهم، حتى وضعوا فيهم السلاح، فثار أهل البصرة، وثار كل قوم فِي وجوه أصحابهم الذين بهتوهم [٥] ، وخرج الزبير وطَلْحَة فبعثا إلى الميمنة عَبْد الرَّحْمَنِ بن الحارث بن هشام، وإلى الميسرة عَبْد الرَّحْمَنِ بن عتاب بن أسيد، وثبتا فِي القلب، وقالا: ما هذا؟
قالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلا، فقالا: قد علمنا أن عليا غير منته حتى يسفك الدماء، [ويستحل الحرمة] [٦] ، وإنه لن يطاوعنا، ثم رجعا بأهل البصرة.
فسمع علي وأهل الكوفة الصوت، وقد وضعوا رجلا قريبا من علي ليخبره بما يريدون، فلما قَالَ: ما هذا؟ قَالَ ذلك الرجل: ما فاجئنا إلا وقوم منهم قد بيتونا، فرددناهم من حيث جاءوا، فوجدنا القوم على رجل فركبونا، وثار الناس، وقَالَ علي لصاحب ميمنته: ائت الميمنة، ولصاحب ميسرته ائت الميسرة، ولقد علمت أن طَلْحَة والزبير غير منتهيين حتى يسفكا الدماء، ونادى علي فِي الناس: كفوا، فكان رأيهم جميعا ألا يقتتلوا حتى يبدءوا. وأقبل كعب بن سعد حتى أتى عائشة ﵄، فقال: أدركي، فقد أبى ٣٣/ ب القوم إلا القتال، لعل/ الله يصلح بك. فركبت، وألبسوا هودجها الأدراع، ثم بعثوا جملها، فلما برزت- وكانت بحيث تسمع الغوغاء- وقفت، فقالت: ما هذا؟ قالوا:
ضجة العسكر، قالت: بخير أم بشر؟ قالوا: بشر. قالت: وأي الفريقين كانت منهم هذه
стр. 1628
الضجة فهم المهزومون. فما فجئها إلا الهزيمة، فمضى الزبير فِي وجهه، فسلك وادي السباع، وجاء طَلْحَة سهم غرب [١] يخل ركبته بصفحة الفرس، فلما امتلأ موزجه دما وثقل قَالَ لغلامه: ابغني مكانا أنزل فيه، وتمثل بهذا يقول:
ندمت ندامة الكسعي لما ... شربت رضا بني سهم برغمي
أطعتهم بفرقة آل لأي ... فألقوا للسباع دمي ولحمي
واقتتل الناس [٢] وأقبلوا فِي هزيمتهم يريدون البصرة، فلما رأوا الجمل طافت به مضر، فقالت عائشة: خل يا كعب عن البعير وتقدم بكتاب الله فادعهم إليه، ودفعت إليه مصحفا. وأقبل القوم وأمامهم السبئية يخافون أن يجري الصلح، فاستقبلهم كعب بالمصحف، فرشقوه رشقا واحدا، فقتلوه، ثم رموا أم المؤمنين فِي هودجها، فجعلت تنادي: يا بني البقية البقية- ويعلو صوتها- اذكروا الله والحساب، ويأبون إلا إقداما، فقالت: أيها الناس العنوا قتلة عثمان وأشياعهم، فضجوا بالدعاء، فسمع علي، فقَالَ: ما هذه الضجة؟ قالوا: عائشة تدعو ويدعون معها على قتلة عثمان وأشياعهم، فأقبل يدعو ويقول: اللَّهمّ العن قتلة عثمان وأشياعهم. وأرسلت إلى عَبْد الرَّحْمَنِ بن عتاب وعبد الرحمن بن الحارث: اثبتا مكانكما، فاجتلدوا قدام الجمل، والمجنبتان على حالهما.
وكان القتال الأول [٣] يتسحر إلى انتصاف النهار، وأصيب فيه طَلْحَة ﵁، وذهب فيه الزبير، فلما أووا إلى عائشة وأبى أهل الكوفة إلا القتال، ولم يريدوا إلا عائشة، اقتتلوا حتى تحاجزوا بعد الظهر، وذلك يوم الخميس فِي جمادى الآخرة، فاقتتلوا صدر النهار/ مع طَلْحَة والزبير، وفِي وسطه مع عائشة، وتزاحف الناس، ٣٤/ أفهزمت يمن البصرة يمن الكوفة، وربيعة البصرة ربيعة الكوفة، ونهد علي بمضر الكوفة إلى مضر البصرة.
واقتتلت [٤] المجنبتان حين تزاحفتا قتالا يشبه ما فيه القلبان، وأقبل أهل اليمن
стр. 1629
على راية علي فقتل على راية علي من أهل الكوفة عشرة، كلما أخذها رجل قتل قيل: وكان العشرة خمسة من همذان وخمسة من سائر اليمن.
ولما رأت الكماة [١] من مضر الكوفة ومضر البصرة الصبر جعلوا يتوخون الأطراف [٢] : الأيدي والأرجل، فما رئيت وقعة قط قبلها ولا بعدها، ولا يسمع بها أكثر يدا مقطوعة [ورجلا مقطوعة] [٣] منها، لا يدرى من صاحبها.
فلما ظهر الخلل [٤] فِي العسكرين رموا الجمل، وقالوا: لا يزول القوم أو يصرع الجمل، وأزرت مجنبتا علي فصارت فِي القلب، وكانت أم المؤمنين فِي حلقة من أهل النجدات والبصائر، وكان لا يأخذ أحد بالزمام إلا كان كمن يحمل الراية، وكان لا يأخذه إلا معروف عند المطيفين بالجمل، فإن القوم ليقتتلون عليه، وما رامه أحد [٥] من أصحاب علي إلا قتل أو أفلت، ثم لم يعد. ولما اختلط الناس بالقلب جاء عدي بن حاتم فحمل عليه، ففقئت عينه ونكل.
وَحَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ [٦] : كَانَ لا يَجِيءُ رَجُلٌ فَيَأْخُذُ بِالزِّمَامِ حَتَّى يَقُولَ: أَنَا فُلانُ بْنُ فُلانٍ، فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَتْ: مَنْ أَنْتَ؟ قال:
أنا عبد الله بن الزبير، فقالت: وا ثكل أَسْمَاءَ [٧] . وَانْتَهَى إِلَى الْجَمَلِ الأَشْتَرِ، وَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ إِلَى الأَشْتَرِ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَقَتَلَهُ الأَشْتَرُ، وَمَضَى إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَهُ الأَشْتَرُ عَلَى رَأْسِهِ، فَجَرَحَهُ جُرْحًا شَدِيدًا، وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ الأَشْتَرَ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، وَاعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَخَرَّا إِلَى الأَرْضِ يَعْتَرِكَانِ.
стр. 1630
وحَدَّثَنَا سيف، عن الصعب بن عطية، عن أبيه، قَالَ [١] : لا والله ما بقي من بني عامر يومئذ شيخ إلا أصيب قدام الجمل.
/ وحَدَّثَنَا سيف، عن مُحَمَّد وطَلْحَة، قالا [٢] : كان من آخر من قاتل ذلك اليوم ٣٤/ ب زفر بن الحارث، فزحف إليه القعقاع، وقَالَ: يا بجير بن دلجة، صح بقومك فليعقروا الجمل قبل أن يصابوا وتصاب أم المؤمنين، فاجتث ساق البعير وأقطع بطانه وحملا الهودج فوضعاه.
وَحَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنِ الصَّعْبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ [٣] : لَمَّا اخْتُلِطَ بِالْجَمَلِ وَعَقَرَهُ بُجَيْرُ بْنُ دُلْجَةَ، قَالَ عَلِيٌّ ﵁:
إِلَيْكَ أَشْكُو عَجُرِي وَبُجَرِي ... وَمَعْشَرًا غَشَّوْا عَلَيَّ بَصَرِي
قَتَلْتُ مِنْهُمْ مُضَرًا بِمُضَرِي ... شَفَيْتُ نَفْسِي وَقَتَلْتُ مَعْشَرِي
وكان رجل يومئذ يقول: يال مضر، علام يقتل بعضنا بعضا، فنادوا لا ندري [٤] إلا أنا إلى قضاء. وَحَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ [٥] : قَالَ طَلْحَةُ يَوْمَئِذٍ: اللَّهمّ اعْطِ عُثْمَانَ مِنِّي حَتَّى يَرْضَى، فَجَاءَهُ سَهْمٌ غَرِبٌ وَهُوَ وَاقِفٌ، فَخَلَّى رُكْبَتَهُ بِالسَّرْجِ، فَمَضَى بِهِ إِلَى دَارٍ مِنَ دور الْبَصْرَةِ خَرِبَةٍ، فَمَاتَ فِيهَا.
وحَدَّثَنَا سيف [٦] ، عن فطر بن خليفة، عن أبي بشير، قَالَ: شهدت الجمل، فو الله ما سمعت دق القصارين إلا ذكرت يوم الجمل.
وحَدَّثَنَا سَيْفٌ [٧] ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ السلمي، عن ميسرة أبي جميلة، أن
стр. 1631
مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ أَتَيَا عَائِشَةَ وَقَدْ عُقِرَ الْجَمَلُ، فَاحْتَمَلا الْهَوْدَجَ، فَنَحَّيَاهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: ادْخُلا بِهَا الْبَصْرَةَ، فَأَدْخِلاهَا دَارَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الْخُزَاعِيِّ. وحَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ، قَالا: أَمَرَ عَلِيٌّ نَفَرًا بِحَمْلِ الْهَوْدَجِ مِنْ بَيْنَ الْقَتْلَى، وَقَدْ كَانَ الْقَعْقَاعُ وَزُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ أَنْزَلاهُ عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ، فَوَضَعَاهُ إِلَى جَنْبِ الْبَعِيرِ، فَأَقْبَلَ محمد بن أبي بَكْرٍ [إِلَيْهِ وَمَعَهُ نَفَرٌ] [١] ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا؟
قَالَ: أَخُوكِ الْبَرُّ، قَالَتْ: عققت، فأبرزوها بِهَوْدَجِهَا مِنَ الْقَتْلَى، فَوَضَعُوهَا لَيْسَ قُرْبَهَا أَحَدٌ، وكأن هودجها فرخ مقصّب [٢] مما فيه من النبل. وجاء أعين بن ضبيعة المجاشعي ٣٥/ أحتى اطَّلَعَ فِي الْهَوْدَجِ، فَقَالَتْ: إِلَيْكَ لَعَنَكَ اللَّهُ، فَقَالَ: / وَاللَّهِ مَا أَرَى إِلا حُمَيْرَاءَ، قَالَتْ: هَتَكَ اللَّهُ سِتْرَكَ، وَقَطَعَ يَدَكَ، وَأَبْدَى عَوْرَتَكَ. فَقُتِلَ بِالْبَصْرَةِ، وَسُلِبَ، وَقُطِعَتْ يَدُهُ، وَرُمِيَ بِهِ عُرْيَانًا فِي خَرِبَةٍ مِنْ خِرَابِ الأَزْدِ، فَارْتَقَى إليها علي بن أبي طالب ﵁، فقَالَ: أَيْ أُمَّاهُ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، قَالَتْ: غَفَرَ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ. وحَدَّثَنَا سيف، عن الصعب بن حكيم بن شريك، عن أبيه، عن جده قَالَ [٣] : انتهى مُحَمَّد بن أبي بكر إلى الهودج ومعه عمار بن ياسر، فقطعا الأنساع عن الهودج واحتملاه، فلما وضعاه أدخل مُحَمَّد يده، وقَالَ: أخوك مُحَمَّد، قالت: مذمم، قَالَ: يا أخية، هل أصابك شيء؟ قالت: ما أنت من ذلك فِي شيء، قَالَ: فمن إذن، الضلال؟ قالت: بل الهداة. وانتهى إليها علي ﵁، وقَالَ: كيف أنت يا أماه؟
قالت: بخير، قَالَ: يغفر الله لك، قالت: ولك. وحَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ، قَالا [٤] : لَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ خَرَجَ مُحَمَّدٌ بِعَائِشَةَ حَتَّى أَدْخَلَهَا الْبَصْرَةَ، فَأَنْزَلَهَا فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الْخُزَاعِيِّ عَلَى صَفِيَّةَ ابْنَةِ الْحَارِثِ بن طلحة، وهي أم طلحة الطّلحات.
стр. 1632
[من انهزم يوم الجمل فاختفى ومضى فِي البلاد]
ومضى الزبير فِي صدر يوم الهزيمة راحلا نحو المدينة وكر عليه ابن جرموز، فطعنه فدق صلبه وأخذ رأسه [١] .
ودخلوا على عائشة، فقالت: والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة [٢] .
ودخلوا على علي فقَالَ: لوددت أني مت قبل هذا بعشرين سنة.
وبلغ قتلى يوم الجمل عشرة آلاف، نصفهم من أصحاب علي، ونصفهم من أصحاب عائشة، من الأزد ألفان، ومن سائر اليمن خمسمائة، ومن مضر ألفان وخمسمائة، وخمسمائة من تميم، وألف من بني ضبة، وخمسمائة من بكر بن وائل [٣] .
وقتل من أهل البصرة فِي المعركة الأولى خمسة آلاف، ولم ير يوم كان أكثر من يد مقطوعة، ورجل مقطوعة لا يدرى من صاحبها منه. وقتل من أهل البصرة يومئذ عشرة آلاف من أصحاب علي خمسة آلاف، وقتل من بني عدي يومئذ سبعون شيخا كلهم قد قرأ القرآن، سوى الشباب ومن/ لم يقرأ القرآن
. ٣٥/ ب
[دخول علي ﵁ على عائشة ﵂]
[٤] ودخل علي البصرة يوم الاثنين، وانتهى إلى المسجد، فصلى فيه، فأتاه الناس، ثم راح إلى عائشة على بغلته، فلما انتهى إلى دار عَبْد اللَّهِ بن خلف الخزاعي وهي أعظم دار بالبصرة، وجد النساء تبكين على عَبْد اللَّهِ وعثمان ابني خلف، قتل أحدهما مع علي والآخر مع عائشة، وصفية بنت الحارث تبكي مختمرة، فلما رأته قالت: يا علي، يا قاتل الأحبة، يا مفرق الجماعة، أيتم الله بنيك منك كما أيتمت ولد عَبْد اللَّهِ منه، فلم يرد عليها شيئا.
فدخل على عائشة فسلم عليها وقعد عندها، وقَالَ: جبهتنا صفية، أما إني لم أرها منذ كانت جارية حتى اليوم.
стр. 1633
[بيعة أهل البصرة عليا وقسمة ما فِي بيت المال عليهم] [١]
ثم بايعه أهل البصرة، ونظر فِي بيت مال البصرة فإذا به ستمائة ألف وزيادة، فقسمها على من شهد معه، فأصاب كل رجل منهم خمسمائة خمسمائة، وقَالَ: لكم إن أظفركم الله بالشام مثلها إلى أعطياتكم، وخاض فِي ذلك السبئية، وطعنوا على علي ﵁ من وراء وراء.
[تجهيز علي ﵁ عائشة ﵂ من البصرة] [٢]
وجهز علي عائشة بكل شيء ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع، وأخرج معها كل من نجا ممن خرج معها إلا من أحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وقَالَ: تجهز يا مُحَمَّد، فبلغها، فلما كان اليوم الذي ترتحل فيه، جاءها حتى وقف لها، وحضر الناس، فخرجت وودعوها [٣] وودعتهم وقالت: الله ما كان بيني وبين علي فِي القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه عندي على معتبتي لمن الأخيار.
وقَالَ علي ﵁: يا أيها الناس، صدقت والله وبرت، ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها لزوجة نبيكم ﷺ فِي الدنيا والآخرة.
وخرجت يوم السبت لغرة رجب سنة ست وثلاثين، وشيعها علي أميالا، وسرح بنيه معها يوما.
وقصدت [٤] عائشة مكة، فأقامت بمكة إلى الحج، ثم رجعت إلى المدينة، ٣٦/ أوانصرف مروان والأسود بن أبي البختري إلى المدينة، ورجع علي إلى/ منزله.
[تأمير ابن عباس على البصرة وتولية زياد الخراج]
وأمر على البصرة [٥] ابن العباس، وولى زيادا الخراج وبيت المال، وأمر ابن
стр. 1634
العباس أن يسمع منه، وارتحلت السبئية بغير إذن علي، فارتحل فِي آثارهم ليقطع عليهم أمرا إن كانوا أرادوه.
وعلم أهل المدينة بيوم الجمل يوم الخميس قبل مغرب الشمس من نسر مر بما حول المدينة، معه شيء متعلقة، فتأمله الناس فوقع، فإذا هو كف فيها خاتم نقشه «عَبْد الرَّحْمَنِ بن عتاب بن أسيد» وجعل من بين مكة والمدينة ممن قرب من البصرة أو بعد، يعلمون بالوقعة مما ينقل إليهم النسور من الأيدي والأقدام.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن المذهب، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَحْيَى، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ مَوْلَى أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: «إِنَّهُ سَيَكُونُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَائِشَةَ أَمْرٌ» ، قَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنَا، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنَا أشقاهم يا رسول الله، قال: «لا، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَارْدُدْهَا إِلَى مَأْمَنِهَا» . أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الآدَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُوَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصِّيصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
مَا ذَكَرَتْ عَائِشَةُ مَسِيرَهَا قَطُّ إِلا بَكَتْ حَتَّى تَبُلَّ خِمَارَهَا وَتَقُولُ: لَيْتَنِي كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا ١٩: ٢٣ [١] .
قَالَ سُفْيَانُ: النَّسْيُ الْمَنْسِيُّ الْحَصَاةُ [٢] الْمُلْقَاةُ.
أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ طاهر، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الحسين الْبَيْهَقِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ، قال: أَخْبَرَنِي لَيْثُ بْنُ طَاهِرٍ الْمُنَادِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن يعقوب،
стр. 1635
قالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّافِعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَلادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عبيد ٣٦/ ب الله بن عمر الرقي، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ/ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنها كانت تَقُولُ:
لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ وَلَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةٌ كُلُّهُمْ مِثْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ.
أَخْبَرَنَا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، [أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الله الأنماطي، أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ عبد الكريم، حدثنا الهيثم بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ] [١] ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ، قَالَ: لَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ مِنْ أَمْرِ الْجَمَلِ قَدِمْتُ عَلَيْهِ الْبَصْرَةَ فَقَالَ: بُويِعْتَ وَرَجَعْتَ عَنْ نُصْرَتِكَ، وَمَا كُنْتُ أَعْرِفُكَ بِهِ، وَعِنْدَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄، فَقُلْتُ: لا تُؤَنِّبْنَا وَاسْتَصْفِ كَدَرَ قُلُوبِنَا، فَإِنَّ السَّوْطَ يَطِيرُ [٢] وَعَمُودُ حَرْبِكَ كَمَا هُوَ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ أَمْرِكَ مَا تَعْرِفُ بِهِ الْغَاشَّ مِنَ النَّاصِحِ، قَالَ: لا، ولكن وجدنا خزاعة أقل شيء شكرا، فقلت: قَدْ نَصَحَنَا وَشَكَرَنَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، للَّه وَلِرَسُولِهِ. ثُمَّ قُمْتُ فَأَتَيْتُ وَلَدَهُ الْحَسَنُ، فَقُلْتُ: لا وَصَلَتْكَ رَحِمٌ، تَسْمَعُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لِي مَا يَقُولُ ثُمَّ لا تُعِينُنِي عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبَا مُطَرِّفٍ لا يُهَوِّلَنَّكَ الَّذِي سمعت، فو الله الَّذِي لا إِلَهَ غَيْرَهُ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْجَمَلِ حَيْثُ أَخَذَتِ السُّيُوفُ مَأْخَذَهَا مِنْ جَمَاجِمِ الرِّجَالِ [٣] يَتَغَوَّثُ بِي وَيَقُولُ: يَا حَسَنُ، وَدِدْتُ أَنَّ أَبَاكَ هَلَكَ قَبْلَ الْيَوْمِ بِعِشْرِينَ سَنَةً.
ومن الحوادث فِي هذه السنة قتل مُحَمَّد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة
وكان يحرض على عثمان، وهو الذي سير المصريين إليه، فلما خرج المصريون
стр. 1636
مع مُحَمَّد بن أبي بكر أقام هو بمصر، وأخرج عنها عَبْد اللَّهِ بن سعد بن أبي سرح، وضبطها، فلم يزل مقيما بها حتى قتل عثمان وبويع لعلي ﵁، فأظهر معاوية له الخلاف وتابعه على ذلك عمرو بن العاص، وسار معاوية وعمرو إلى مُحَمَّد بن أبي حذيفة حتى خرج إلى عريش مصر فِي ألف رجل، فتحصن بها، وجاءه عمرو فنصب المنجنيق عليه حتى نزل فِي ثلاثين من أصحاب، فأخذوه وقتلوه، هذا قول الواقدي.
/ وأما هشام بن مُحَمَّد، فإنه يزعم أن مُحَمَّد بن أبي حذيفة قتل بعد قتل ٣٧/ أمحمد بن أبي بكر، وانه لما دخل عمرو بن العاص إلى مصر بعث به إلى معاوية فحبسه، وكان ابن خال معاوية، وكان معاوية يحب أن يفلت فهرب من السجن، فقَالَ معاوية: من يطلبه؟ فخرج عَبْد اللَّهِ بن عمر الخثعمي، فوجده، فقتله وذلك فِي سنة ثمان وثلاثين.
فصل [فِي إظهار معاوية الخلاف لعلي]
[١] وفِي سبب إظهار معاوية مخالفة علي ﵁، فإنه بلغه أن عليا ﵁، قَالَ: لا أقره على عمله، فقَالَ معاوية: والله لا ألي له شيئا ولا أبايعه، ولا أقدم عليه، فبعث إليه جرير بن عَبْد اللَّهِ البجلي يدعوه إلى الطاعة فأبى، فحينئذ عزم علي ﵁ على الخروج إلى صفين. وقَالَ سهل بن سعد [٢] : دعا علي ﵁ قيس بن سعد الأنصاري، فقَالَ له: سر إلى مصر فقد وليتكها، فإذا أنت قدمتها فأحسن إلى المحسن، واشتد على المريب وارفق بالعامة والخاصة. فلما قدم أخذ البيعة لعلي ﵁، واستقامت له مصر، إلا أن قرية [٣] منها يقال لها: «خربتا» فيها أناس قد أعظموا قتل عثمان ﵁، وبها رجل يقال له: يزيد بن الحارث من بني مدلج. فبعث إلى قيس: أقرنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس.
стр. 1637
فكتب معاوية إلى قيس بن سعد [١] : سلام عليك، أما بعد، فإنكم كنتم نقمتم على عثمان فِي أثرة رأيتموها، أو ضربة بسوط ضربها، فإنكم قد علمتم أن دمه لم يكن يحل لكم، فتب إلى الله يا قيس بن سعد، فإنك كنت من المجلبين على عُثْمَان بْن عَفَّانَ، فأما صاحبك فقد استيقنا أنه الذي أغرى الناس به، وحملهم على قتله، فإن استطعت يا قيس أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل، تابعنا على أمرنا، ولك سلطان العراق إذا ظهرت ما بقيت، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان. وسلني غير هذا مما تحب.
فلما جاءه كتاب معاوية أحب أن يدافعه، فكتب إليه: أما بعد، فقد بلغي كتابك، ٣٧/ ب وفهمت/ ما ذكرت فيه من قتل عثمان، وذلك أمر لم أفارقه، وذكرت أن صاحبي هو الذي أغرى الناس بعثمان، وهذا لم أطلع عليه، وأما ما سألتني من متابعتك وعرضت علي من الجزاء فيه فهذا أمر لي فيه نظر، ولن يأتيك شيء تكرهه.
فلما قرأ معاوية الكتاب كتب إليه: أما بعد، فإني لم أرك تدنو فأعدك سلما، ولم أرك تباعد فأعدك حربا، وليس مثلي ينخدع ومعه عدد الرجال، وبيده أعنة الخيل.
فلما قرأ كتاب معاوية، ورأى أنه لا يقبل منه المدافعة، كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد، فالعجب العجيب من اغترارك [٢] وطمعك فِي أن تسومني للخروج من طاعة أولى الناس بالإمارة، وأقولهم للحق [٣] ، وأقربهم من رسول الله ﷺ وتأمرني بالدخول فِي طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم بالزور، وأضلهم سبيلا، وقولك إني مالئ عليك مصر خيلا ورجلا [٤] ، فو الله لأشغلنك بنفسك حتى تكون نفسك أهم إليك، إنك لذو جد، والسلام.
فلما أتى معاوية كتاب قيس أيس منه، وثقل عليه مكانه.
قَالَ الزهري: كان معاوية وعمرو بن العاص جاهدين أن يخرجا قيسا من مصر
стр. 1638
ليغلبا عليها، وكان قد امتنع منها بالدهاء والمكايدة، فلم يقدرا عليه [١] حتى كاد معاوية قيس بن سعد من قبل علي، فكان معاوية يقول: ما ابتدعت مكايدة قط كانت أعجب عندي من مكايدة كدت بها قيسا من قبل علي، فكتبت إلى أهل الشام: لا تسبوا قيسا فإنه لنا شيعة، تأتينا كتبه ونصيحته سرا. ألا ترونه يحسن إلى كل راكب منكم، ألا ترون ما يفعل بإخوانكم من أهل خربتا، يجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم.
فبلغ ذلك عليا فاتهم قيسا وكتب إليه يأمره بقتال أهل خربتا، وأهل خربتا يومئذ عشرة آلاف، فأبى وكتب إلى علي: إنهم وجوه أهل مصر، وقد رضوا مني أن أؤمن سربهم، وأجري عليهم/ أعطياتهم، وقد علمت أن هواهم مع معاوية، فأبى علي رضي ٣٨/ أالله عنه إلا قتالهم، وأبى قيس أن يقاتلهم، وكتب إلى علي: إن كنت تتهمني فاعزلني عن عملك، وابعث عليه غيري، فبعث الأشتر إلى مصر أميرا عليها حتى إذا صار بالقلزم سقي شربة عسل فيها سم كان فيها حتفه.
فلما بلغ عليا وفاة الأشتر بالقلزم بعث مُحَمَّد بن أبي بكر أميرا على مصر. هذا قول الزهري.
وقَالَ هشام بن مُحَمَّد: إنما بعث الأشتر بعد هلاك مُحَمَّد بن أبي بكر، ولما جاء عليا مقتل مُحَمَّد بن أبي بكر علم أن قيسا كان ينصحه فأطاعه فِي كل شيء. قال علماء السير: وكان عليّ ﵁ قد كتب عهد مُحَمَّد بن أبي بكر لغرة رمضان، فلم يلبث مُحَمَّد شهرا كاملا حتى بعث إلى أولئك الذين كان قيس وادعهم، وقَالَ: يا هؤلاء، إما أن تدخلوا فِي طاعتنا، وإما أن تخرجوا من بلادنا، فبعثوا إليه: دعنا حتى ننظر، فأبى وبعث إليهم رجلا فقتلوه، ثم بعث آخر فقتلوه.
وفِي هذه السنة قدم ماهويه مرزبان مرو [٢] على عَلي بْن أبي طالب ﵁ بعد الجمل مقرا بالصلح، فكتب له علي كتابا إلى دهاقين مرو والأساورة بأنه قد رضي عنه. ثم إنهم كفروا بعد ذلك.
стр. 1639
وفِي هذه السنة بايع عمرو بن العاص معاوية ووافقه على محاربة علي ﵁
[١] وكان السبب أنه لما أحيط بعثمان خرج عمرو بن العاص من المدينة، وقَالَ: من لم يستطع نصر هذا الرجل فليهرب، فسار وسار معه ابناه، فبينما هو فِي بعض الأماكن مر به راكب، فقَالَ: ما الخبر؟ قَالَ: تركت الرجل محصورا، ثم مكثوا أياما فمر بهم راكب، فقَالَ: قتل عثمان وبويع لعلي.
فارتحل عمرو وابناه يبكي بكاء المرأة ويقول: وا عثماناه، حتى نزل دمشق، وبلغه مسير طَلْحَة والزبير وعائشة، فقَالَ: استأن وانظر ما يصنعون، فأتاه الخبر بأن طَلْحَة والزبير قتلا، فارتج عليه أمره، فقيل له: إن معاوية يحرض على الطلب بدم عثمان، ٣٨/ ب فقَالَ لابنيه: ما تريان؟ فقَالَ عَبْد اللَّهِ: أرى أن تكف يدك وتجلس فِي بيتك/ حتى يجتمع الناس على إمام فتبايعه، فقَالَ مُحَمَّد: أنت ناب من أنياب العرب، فلا أرى أن يجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صوت ولا ذكر، فقَالَ: أما أنت يا عَبْد اللَّهِ فأمرتني بما هو خير لي فِي آخرتي، وأسلم لي فِي ديني. وأما أنت يا مُحَمَّد فأمرتني بالذي هو أنبه لي فِي دنياي وشر لي فِي آخرتي.
ثم خرج عمرو حتى قدم على معاوية، فرأى أهل الشام يحضون معاوية على الطلب بدم عثمان، فقَالَ: عمرو: أنتم على الحق، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم- ومعاوية لا يلتفت إليه- فدخل إلى معاوية فقَالَ له: والله إن أمرك لعجب، لا أراك تلتفت إلى [هؤلاء] [٢] ، أما إن قاتلنا معك فإن فِي النفس ما فيها حتى نقاتل من تعلم فضله وقرابته، ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا، فصالحه معاوية بعد ذلك وعطف عليه.
وفِي هذه السنة [خروج علي بن أبي طالب إلى صفين
] [٣] خرج علي ﵁ فعسكر بالنخيلة، وقدم عَبْد اللَّهِ بن عباس ثم نهض معه
стр. 1640
من أهل البصرة إلى الكوفة، فتهيأ منها إلى صفين، واستشار الناس فأشار عليه قوم أن يبعث الجنود ويقيم، وأشار آخرون بالسير [بنفسه] [١] ، فأبى إلا المباشرة، فجهز الناس، فبلغ ذلك معاوية، فدعا عمرو بن العاص فاستشاره وقَالَ: يا أبا عَبْد اللَّهِ جهز الناس. فجاء عمرو فحض الناس، وضعف أمر علي، وقَالَ: إن أهل البصرة مخالفون لعلي، وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل، وإنما سار فِي شرذمة قليلة، فاللَّه الله فِي حقكم أن تضيعوه.
وكتب إلى أجناد الشام، وعقد لابنيه عَبْد اللَّهِ ومُحَمَّد لواء، ولواء لغلامه وردان، [وعقد علي لغلامه] قنبر [٢] . [ثم قَالَ عمرو:
هل يغنين وردان عني قنبرا ... وتغني السكون عني حميرا
إذا الكماة لبسوا السنورا] [٣] فبلغ ذلك عليا، فقَالَ:
لأصبحن العاصي ابن العاصي ... سبعين ألفا عاقدي النواصي
مجنبين الخيل بالقلاص ... مستحقبين حلق الدلاص
وجعل معاوية يتأنى فِي أمره ومسيره، وبعث علي ﵁ زياد بن النضر الحارثي طليعة فِي ثمانية آلاف، وبعث معه شريح بن هانئ في أربعة آلاف، وخرج/ ٣٩/ أعليّ من النخيلة بمن معه، فلما دخل المدائن شخص معه من فيها من المقاتلة [٤] ، ولما عبر الفرات قدم زيادا وشريحا أمامه، فلقيهما أبو الأعور السلمي عمرو بن سفيان فِي جند من أهل الشام، فأرسلا إلى علي يخبرانه، فبعث علي الأشتر إلى النضر وشريح وقَالَ: إذا قدمت [عليهم] [٥] فأنت [أمير] [٦] عليهم، وإياك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن
стр. 1641
يبدءوك حتى تدعوهم وتسمع قولهم، واجعل على ميمنتك زيادا وعلى ميسرتك شريحا، وقف من أصحابك وسطا، فإني حثيت السير فِي أثرك إن شاء الله تعالى.
وكتب إليهما [١] : إني قد أمرت عليكما مالكا، فاسمعا له وأطيعا. وقدم الأشتر على القوم، وكف عن القتال حتى إذا كان المساء حمل عليهم أبو الأعور، فثبتوا له، واضطربوا له ساعة، ثم انصرف أهل الشام، ثم خرج إليهم من الغد هاشم بن عتبة الزهري فِي خيل ورجال، فاقتتلوا يومهم ذلك، وحمل عليهم الأشتر فقتل عَبْد اللَّهِ بن المنذر التنوخي، وحجز الليل بينهم [٢] ، فلما أصبحوا انصرف أهل الشام تحت الليل، فقدم الأشتر بمن معه، ولحقه علي، فأمر الناس فوضعوا الأثقَالَ وذهب شباب الناس يستقون [٣] الماء، فمنعهم أهل الشام فاقتتلوا على الماء، وكان معاوية قد اختار موضعا سهلا إلى جانب شريعة فِي الفرات، ليس ثمة غيرها، فجاء أصحاب علي فأخبروه بعطش الناس، وإنهم لم يجدوا غير شريعة القوم، فقَالَ: قاتلوهم عليها، فقَالَ الأشعث بن قيس: أنا أسير إليهم، فقَالَ علي: سر.
فسار فِي أصحابه، فثاروا فِي وجوههم، فتراموا بالنبل، وتطاعنوا بالرمح، واجتلدوا بالسيوف، وأتى أهل الشام يزيد بن أسد البجلي مددا، وخرج عمرو بن العاص فِي جند كثير يمد أبا الأعور ويزيد بن أسيد، وجاء الأشتر يمد الأشعث بن قيس، وشبث بن ربعي، فاشتد القتال، وأنشأ عَبْد اللَّهِ بن عوف الأزدي مرتجزا يقول:
٣٩
/ ب/ خلوا لنا ماء الفرات الجاري ... أو أثبتوا لجحفل جرار
لكل قوم [٤] مستميت شاري ... مطاعن برمحه كرّار
ضرّاب هامات العدا مغوار
وأتى مملوك لبعض أهل العراق فملأ قربته فشد عليه رجل من أهل الشام فضربه فصرعه، ثم إن القوم خلوا عن الماء فاجتمعت سقاة الفريقين عليه، وبعث علي رضي
стр. 1642
الله عنه صعصعة [فقَالَ له: ائت معاوية وقل له] [١] : إنا سرنا إليك ونحن نكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، وإنك قدمت خيلك ورجالك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك، وبدأتنا بالقتال ونحن من رأينا الكف عنك حتى ندعوك، وهذه أخرى قد فعلتموها، قد حلتم بين الناس وبين الماء، فابعث إلى أصحابك فليخلوا بين الناس وبين الماء حتى ننظر فيما بيننا وبينكم، فإن كان أعجب إليك أن نترك ما جئنا له ونترك الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب.
فقَالَ معاوية لأصحابه: ما ترون؟ فقَالَ الوليد بن عقبة: امنعهم الماء كما منعوه [عُثْمَان] [٢] بْن عَفَّانَ، حصروه أربعين صباحا يمنعونه برد الماء ولين الطعام. وقَالَ عمرو بن العاص: خل بينهم وبين الماء، فإن القوم لن يعطشوا وأنت ريان. وقَالَ عَبْد اللَّهِ بن أبي سرح: امنعهم الماء [إلى] الليل، فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا، وكان رجوعهم فلّا لهم. فقال صعصعة: إنما يمنعه الله يوم القيامة الكفرة الفسقة أولي الفجور وشربة الخمور، فتواثبوا إليه يشتمونه ويتهددونه، فقَالَ معاوية:
كفوا عن الرجل فإنه رسول [٣] .
ثم بعث من يردهم عن الماء، فأبرزهم علي إلى القتال فاقتتلوا، فغلب أصحاب علي ﵁ على الماء، فقَالَ علي ﵁: خذوا من الماء حاجتكم وارجعوا، وخلوا عنهم، ففعلوا.
[دعاء علي معاوية إلى الطاعة والجماعة]
[٤] ومكث علي يومين لا يرسل إلى معاوية ولا يرسل إليه معاوية، ثم أرسل إليه علي رسولا يدعوه إلى الله وإلى الطاعة، فأتاه فقَالَ: إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، وإن الله جازيك بما قدمت يداك، وإننا ننشدك الله أن تفرق جماعة هذه الأمة وأن تسفك دماءها بينها، فقَالَ للمتكلم: هلا أوصيت صاحبك بذلك؟ فقال: إن
стр. 1643
٤٠/ أصاحبي أحق البرية كلها/ بهذا الأمر فِي الفضل والدين والسابقة فِي الإسلام والقرابة [من الرسول ﷺ ] ، فقَالَ معاوية: ونطل دم عثمان [١] ، لا والله لا أفعل ذلك أبدا.
فاقتتلوا شهر ذي الحجة جميعه، وربما اقتتلوا فِي اليوم مرتين.
وحج بالناس فِي هذه السنة عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب بأمر أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٨٤- أسلم مولى رسول الله ﷺ ، ويكنى أبا رافع
[٢] :
وكان مملوكا للعباس، فوهبه لرسول الله ﷺ ، فلما بشر رسول الله ﷺ بإسلام العباس أعتقه رسول الله ﷺ ، وهاجر بعد بدر إلى رسول الله ﷺ ، وشهد أحدا والمشاهد بعدها، وزوجه رسول الله ﷺ سلمى مولاته.
وتوفي بعد قتل عُثْمَان بْن عَفَّانَ ﵁.
٢٨٥- حذيفة بن اليمان- واليمان لقب- واسمه حسل- ويقال: حسيل- بن جابر بن ربيعة بن عمرو بن جروة، ويكنى أبا عَبْد اللَّهِ [٣] ، ويقال أن جروة هو اليمان [٤] :
خرج حذيفة هو وأبوه فأخذهما كفار قريش، وقالوا: إنكما تريدان مُحَمَّدًا، فقالا: ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منهما عهدا ألا يقاتلا مع النبي ﷺ ، وأن ينصرفا إلى المدينة، فأتيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ وقالا: إن شئت [قاتلنا معك] [٥] ، قَالَ: بلى نفي
стр. 1644
[لهم] [١] ونستعين الله عليهم، ففاتهما بدر، وشهد حذيفة أحدا وما بعدها.
وكان حذيفة صاحب سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لقربه منه وثقته به، وأخبره رسول الله ﷺ بأسماء المنافقين الذين بخسوا بعيره ليلة [العقبة] [٢] بتبوك، وكانوا اثني عشر كلهم من الأنصار ومن حلفائهم، وكان حذيفة يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وأنا أسأله عن الشر مخافة أن يدركني.
وولاه عمر بن الخطاب المدائن، فأقام بها إلى حين وفاته.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت، قال: أخبرنا علي بْن [مُحَمَّد] [٣] المعدل، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا [أَحْمَدُ] [٤] بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، / قال: أخبرنا معمر، عن ٤٠/ ب أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ [٥] :
كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا كَتَبَ إِلَيْهِمْ: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ فُلانًا وَأَمَرْتُهُ بِكَذَا وَكَذَا، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَلَمَّا بَعَثَ حُذَيْفَةَ كَتَبَ إِلَيْهِمْ: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ فُلانًا فَأَطِيعُوهُ، فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ لَهُ شَأْنٌ، فَرَكِبُوا لِيَلْتَقُوهُ، فَلَقُوهُ عَلَى بَغْلٍ تَحْتَهُ أَكَافٍ وَهُوَ مُعْتَرِضٌ عَلَيْهِ رَجُلاهُ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَعْرِفُوهُ فَأَجَازُوهُ، فَلَقِيَهُمُ النَّاسُ، فَقَالُوا: أَيْنَ الأَمِيرُ؟ قَالُوا: هُوَ الَّذِي لَقِيَكُمْ. قَالَ: فَرَكَضُوا فِي أَثَرِهِ، فَأَدْرَكُوهُ وفِي يَدِهِ رَغِيفٌ وَفِي الأُخْرَى عَرَقٌ وَهُوَ يَأْكُلُ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَى عَظِيمٍ مِنْهُمْ فَنَاوَلَهُ الْعَرَقَ وَالرَّغِيفَ. قَالَ: فَلَمَّا غَفَلَ أَلْقَاهُ أَوْ أَعْطَاهُ لِخَادِمِهِ.
وروى هذا الحديث سلام بن مسكين، عن ابن سيرين، فقَالَ فيه: لما قدم حذيفة المدائن استقبله الناس والدهاقين وبيده رغيف وعرق من لحم وهو على حمار على أكاف، فقرأ عهده عليهم [فقالوا: سلنا ما شئت، قَالَ: أسألكم طعاما آكله، وعليقا لحماري
стр. 1645
هذا ما دمت فيكم] فأقام ما شاء الله، ثم كتب إليه عمر أن أقدم، فلما بلغ قدومه عمر كمن له فِي الطريق فِي مكان لا يراه، فلما رآه عمر على الحال التي خرج من عنده عليها، أتاه فالتزمه وقَالَ: أنت أخي وأنا أخوك.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ، [أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الملطي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ صَفْوَانَ حَدَّثَنَا أَبُو] [١] بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن الحسين، قال: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ:
بَكَى حُذَيْفَةُ فِي صَلاتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ الْتَفَتُّ فَإِذَا رَجُلٌ خَلْفَهُ، فَقَالَ: لا تُعْلِمَنَّ هَذَا أَحَدًا [٢] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ، [أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الآدَمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ] [٣] ، عَنْ زِيَادٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي مَنْ دَخَلَ عَلَى حُذَيْفَةَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: لَوْلا أَنِّي أَرَى هَذَا الْيَوْمَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الآخِرَةِ لَمْ أَتَكَلَّمْ بِهِ، اللَّهمّ إِنَّكَ تَعْلَمُ إني كنت أحب الفقر على الغنا، وَأُحِبُّ الذِّلَّةَ عَلَى الْعِزِّ، وَأُحِبُّ الْمَوْتَ عَلَى الْحَيَاةِ، حَبِيبٌ جَاءَ عَلَى فَاقَةٍ، لا أَفْلَحَ مَنْ نَدِمَ، ثُمَّ مَاتَ ﵀.
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، [أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَغَوِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ] [٤] ، عَنْ خَالِدِ بْنِ رَبِيعٍ الْعَبْسِيِّ، قَالَ:
سَمِعْنَا بِوَجَعِ حُذَيْفَةَ فَرَكِبَ إِلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ في نفر أنا فيهم إلى المدائن،
стр. 1646
فَأَتَيْنَاهُ/ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: هَلْ جِئْتُمْ بِأَكْفَانِي؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: فَلا تُغَالُوا بِكَفَنِي، ٤١/ أفإن يَكُنْ لِصَاحِبِكُمْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يُبَدَّلُ خَيْرًا مِنْ كِسْوَتِكُمْ وَإِلا يُسْلَبَ سَلْبًا سَرِيعًا، ثُمَّ ذكر عُثْمَانَ، فَقَالَ: اللَّهمّ لَمْ أَشْهَدْ، وَلَمْ أَقْتُلْ، وَلَمْ أَرْضَ.
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الخطيب، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن الفضل، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن درستويه، قَالَ: حَدَّثَنَا يعقوب، قَالَ: حَدَّثَنَا عبيد الله بْن مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا سعيد بن أوس، عن بلال [١] بن يَحْيَى، قالَ:
عاش حذيفة بعد قتل عثمان أربعين ليلة.
أَخْبَرَنَا القزاز، أَخْبَرَنَا الخطيب [قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن بشران، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسين بْن صفوان] [٢] ، قَالَ: حَدَّثَنَا [٣] القرشي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سعد، قَالَ:
مات حذيفة سنة ست وثلاثين. اجتمع على ذلك الواقدي، والهيثم بن عدي.
٢٨٦- الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وأمه صفية بنت عبد المطلب، ويكنى أبا عَبْد اللَّهِ [٤] :
أسلم بعد أبي بكر، وكان رابعا أو خامسا، وهو يومئذ ابن ست عشرة سنة، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعا، ولم يتخلف عن غزاة غزاها رسول الله ﷺ ، وكان رجلا ليس بالطويل ولا بالقصير، إلى الخفة ما هو فِي اللحم، خفيف اللحية، أسمر اللون أشعر، وله من الولد أحد عشر ذكرا، وتسع نسوة: عَبْد اللَّهِ، ومصعب، وعروة، والمنذر، وعاصم، والمهاجر، وخديجة الكبرى، وأم الحسن، وعائشة، وأمهم أسماء بنت أبي بكر. وخالد، وعمرو، وحبيبة، وسودة، وهند، وأمهم أم خالد، وهي بنت خالد بن سعيد بن العاص. ومصعب، وحمزة ورملة [٥] وأمهم أم الرباب بنت أنيف. وعبيدة،
لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الْجَمَلِ دَعَانِي فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّهُ لا يُقْتَلُ الْيَوْمَ إِلا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وَإِنِّي لا أراني إلا سأقتل الْيَوْمَ مَظْلُومًا، وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لِدَيْنِي، أَفَتَرَى دَيْنَنَا يُبْقِي مِنْ مَالِنَا شَيْئًا؟ ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ بِعْ وَاقْضِ دَيْنِي وَأَوْصِ بالثُّلُثِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا مِنْ بَعْدِ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَثُلُثُهُ لِوَلَدِكَ. وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ بَنَاتٍ، قَالَ: فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ إِنْ عَجَزْتَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فاستعن عليه مولاي. قال: فو الله مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ: يَا أبه، من مولاك؟ قال: الله، فو الله مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيَهُ.
قَالَ: وقتل الزبير ولم يدع دينارا ولا درهما إلا أرضين فيهما الغابة، وإحدى عشرة دارا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودارا بالكوفة، ودارا بمصر.
قَالَ: / وإنما كان دينه الذي كان عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، ٤٢/ أفيقول الزبير: لا، ولكن هو سلف، إني أخشى عليه الضيعة، وما ولي إمارة قط ولا جباية ولا خراجا ولا شيئا إلا أن يكون فِي غزو مع رسول الله ﷺ ، ومع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃.
قَالَ عَبْد اللَّهِ بن الزبير: فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفِي ألف ومائتي ألف، فلقي حكيم بن حزام عَبْد اللَّهِ بن الزبير، فقَالَ: يا ابن أخي كم على أخي من الدين؟
قَالَ: فكتمته وقلت مائة ألف، فقَالَ حكيم: والله ما أرى أموالكم تتسع لهذه، فقَالَ عَبْد اللَّهِ: أفرأيتك إن كانت ألفِي ألف ومائتي ألف؟ قَالَ: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي، وكان الزبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عَبْد اللَّهِ بن الزبير بألف ألف وستمائة ألف، ثم قام فقَالَ: من كان له على الزبير شيء فليوافنا بالغابة، فأتاه عَبْد الله بن جعفر- وكان له على الزبير أربعمائة ألف- فقَالَ لعبد الله بن الزبير: إن شئتم تركتها لكم وإن شئتم فأخروها فيما تؤخرون، إن أخرتم شيئا، فقَالَ عَبْد اللَّهِ بن الزبير: لا، قَالَ: فاقطعوا لي قطعة، فقال له عبد الله: لك من هاهنا إلى ها هنا، قَالَ: فباعه منها بقضاء دينه، فأوفاه وبقي منها أربعة أسهم ونصف.
قَالَ: فقدم على معاوية وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة، قَالَ: فقَالَ له معاوية: كم قومت الغابة؟ قَالَ: كل سهم مائة ألف، قَالَ: كم بقي؟ قال:
стр. 1649
أربعة أسهم ونصف، قَالَ: فقَالَ المنذر بن الزبير: قد أخذت سهما بمائة ألف، وقَالَ عمرو بن عثمان: قد أخذت سهما بمائة ألف، وقَالَ ابن زمعة: قد أخذت سهما بمائة ألف، فقَالَ معاوية: فكم بقي؟ قَالَ: سهم ونصف، قَالَ: أخذته بخمسين ومائة ألف.
قَالَ: وباع عَبْد اللَّهِ بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف، فلما فرغ ابن الزبير ٤٢/ ب من قضاء دينه، قَالَ بنو الزبير: / أقسم بيننا ميراثنا، قَالَ: لا والله لا أقسم بينكم ميراثكم حتى أنادي فِي الموسم أربع سنين: ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه. قَالَ:
فجعل كل سنة ينادي بالموسم، فلما مضت أربع سنين قسم بينهم.
قَالَ: وكان للزبير أربع نسوة، قَالَ: وربع الثمن فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائة ألف. قَالَ: فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف.
قَالَ علماء السير: حضر الزبير يوم الجمل، ثم بدا له أن يقاتل فركب فرسه وانطلق يريد المدينة فلحقه قوم فقاتلوه، وحمل عليه عمرو بن جرموز فطعنه فأثبته فوقع فاعتوروه وأخذوا سيفه، وأخذ ابن جرموز رأسه فحمله إلى علي وأتى بسيفه فأخذه علي ﵁، وقَالَ: سيف والله طال ما جلا به عن وجه رسول الله ﷺ الكرب. وقَالَ: بشر قاتل ابن صفية بالنار، وجلس يبكي عليه هو أصحابه، وقَالَ: إني لأرجو أن أكون أنا وطَلْحَة والزبير من الذين قَالَ الله: وَنَزَعْنا مَا في صُدُورِهِمْ من غِلٍّ ٧: ٤٣ [١] . ودفن الزبير بوادي السباع، وكانت عنده عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكان أهل المدينة يقولون: من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة، لأنها كانت عند عَبْد اللَّهِ بن أبي بكر، فقتل عنها، ثم كانت عند عمر بن الخطاب فقتل عنها، ثم عند الزبير فقتل عنها وهو ابن أربع وستين سنة.
٢٨٧- زيد بن صوحان بن حجر بن الهجرس، يكنى أبا عائشة، [وأبا عَبْد اللَّهِ] : [٢]
سمع عمر وعليا ﵄. وكان يصوم بالنهار ويقوم الليل.
أَخْبَرَنَا أبو منصور عَبْد الرَّحْمَنِ بن محمد، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي [بن
стр. 1650
ثَابِتٍ] [١] قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، قال أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن الخليل البرجلاني أبو النصر، قال: أخبرنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، قَالَ:
كان زيد بن صوحان يقوم الليل ويصوم النهار، فإذا كانت ليلة الجمعة أحياها، فإن كان ليكرهها [إذا جاءت] مما كان يلقى فيها، فبلغ سلمان ما كان يصنع، فأتاه فقَالَ:
أين/ زيد؟ قالت امرأته: ليس ها هنا، قَالَ: فإني أقسم عليك لما صنعت طعاما ولبست ٤٣/ أمحاسن ثيابك، ثم بعثت إلى زيد، فجاء زيد وقرب الطعام، فقَالَ سلمان: كل يا زيد، فقَالَ: إني صائم، قَالَ: كل يا زيد لا تنقص دينك، إن شر السير الحقحقة [٢] ، إن لعينك عليك حقا، وإن لبدنك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، كل يا زيد، فأكل، وترك ما يصنع.
قتل زيد يوم الجمل، فقَالَ: ادفنوني فِي ثيابي، فإني مخاصم، ولا تغسلوا عني دما، ولا تنزعوا عني ثوبا.
٢٨٨- طَلْحَة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن تيم بن مرة، يكنى أبا مُحَمَّد [٣] :
وأمه الصعبة بنت عمار الحضرمي [٤] ، وأمها عاتكة بنت وهب بن قصي بن كلاب. وكان وهب صاحب الرفادة دون قريش كلها.
وكان لطَلْحَة من الولد مُحَمَّد، وهو السجاد، وبه كان يكنى، قتل معه يوم الجمل، وعمران، وأمهما حمنة بنت جحش. ومُوسَى، وأمه خولة بنت القعقاع بن معبد، وكان يقال للقعقاع تيار الفرات من سخائه. ويعقوب وكان جوادا قتل يوم الحرة، وإسماعيل، وإسحاق، وأمهم أم أبان بنت عقبة بن ربيعة. وزكريا، ويوسف، وعائشة، أمهم أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق. وعيسى ويَحْيَى، وأمهما سعدى بنت عوف. وأم إسحاق تزوجها الحسن بن علي، فولدت له طَلْحَة ثم توفي عنها، فخلف عليها