← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

فَأَتَيْنَاهُ/ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: هَلْ جِئْتُمْ بِأَكْفَانِي؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: فَلا تُغَالُوا بِكَفَنِي، ٤١/ أفإن يَكُنْ لِصَاحِبِكُمْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يُبَدَّلُ خَيْرًا مِنْ كِسْوَتِكُمْ وَإِلا يُسْلَبَ سَلْبًا سَرِيعًا، ثُمَّ ذكر عُثْمَانَ، فَقَالَ: اللَّهمّ لَمْ أَشْهَدْ، وَلَمْ أَقْتُلْ، وَلَمْ أَرْضَ. أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الخطيب، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن الفضل، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن درستويه، قَالَ: حَدَّثَنَا يعقوب، قَالَ: حَدَّثَنَا عبيد الله بْن مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا سعيد بن أوس، عن بلال [١] بن يَحْيَى، قالَ: عاش حذيفة بعد قتل عثمان أربعين ليلة. أَخْبَرَنَا القزاز، أَخْبَرَنَا الخطيب [قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن بشران، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسين بْن صفوان] [٢] ، قَالَ: حَدَّثَنَا [٣] القرشي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سعد، قَالَ: مات حذيفة سنة ست وثلاثين. اجتمع على ذلك الواقدي، والهيثم بن عدي. ٢٨٦- الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وأمه صفية بنت عبد المطلب، ويكنى أبا عَبْد اللَّهِ [٤] : أسلم بعد أبي بكر، وكان رابعا أو خامسا، وهو يومئذ ابن ست عشرة سنة، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعا، ولم يتخلف عن غزاة غزاها رسول الله ﷺ ، وكان رجلا ليس بالطويل ولا بالقصير، إلى الخفة ما هو فِي اللحم، خفيف اللحية، أسمر اللون أشعر، وله من الولد أحد عشر ذكرا، وتسع نسوة: عَبْد اللَّهِ، ومصعب، وعروة، والمنذر، وعاصم، والمهاجر، وخديجة الكبرى، وأم الحسن، وعائشة، وأمهم أسماء بنت أبي بكر. وخالد، وعمرو، وحبيبة، وسودة، وهند، وأمهم أم خالد، وهي بنت خالد بن سعيد بن العاص. ومصعب، وحمزة ورملة [٥] وأمهم أم الرباب بنت أنيف. وعبيدة،

стр. 1647

وجعفر، وأمهما زينب بنت مرثد. وزينب، وأمها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط. وخديجة الصغرى، وأمها الحلال بنت قيس. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدّثنا محمد بن ٤١/ ب سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي هَمَّامٌ، عَنْ/ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ [١] : كَانَتْ عَلَى الزُّبَيْرِ رِيطَةٌ صَفْرَاءُ مُعْتَجِرًا بِهَا يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْمَلائِكَةَ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى سِيمَاءِ الزُّبَيْرِ» [٢] . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، [عَنْ جَابِرِ] [٣] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ» ؟ [يَوْمَ الأَحْزَابِ] فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، قَالَ: «مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟» قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، قَالَ: «مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟» قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ لكل نبي حواريا، وإن حواري الزبير» . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا عَفَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ [٤] : قُلْتُ لأَبِي يَوْمَ الأَحْزَابِ: قَدْ رَأَيْتُكَ يَا أَبَهْ تَحْمِلُ عَلَى فَرَسٍ لَكَ أَشْقَرَ، قَالَ: قَدْ رَأَيْتَنِي أَيْ بُنَيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ لِي أَبَوَيْهِ يَقُولُ: «فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قال [٥] :

стр. 1648

لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الْجَمَلِ دَعَانِي فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّهُ لا يُقْتَلُ الْيَوْمَ إِلا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وَإِنِّي لا أراني إلا سأقتل الْيَوْمَ مَظْلُومًا، وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لِدَيْنِي، أَفَتَرَى دَيْنَنَا يُبْقِي مِنْ مَالِنَا شَيْئًا؟ ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ بِعْ وَاقْضِ دَيْنِي وَأَوْصِ بالثُّلُثِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا مِنْ بَعْدِ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَثُلُثُهُ لِوَلَدِكَ. وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ بَنَاتٍ، قَالَ: فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ إِنْ عَجَزْتَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فاستعن عليه مولاي. قال: فو الله مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ: يَا أبه، من مولاك؟ قال: الله، فو الله مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيَهُ. قَالَ: وقتل الزبير ولم يدع دينارا ولا درهما إلا أرضين فيهما الغابة، وإحدى عشرة دارا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودارا بالكوفة، ودارا بمصر. قَالَ: / وإنما كان دينه الذي كان عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، ٤٢/ أفيقول الزبير: لا، ولكن هو سلف، إني أخشى عليه الضيعة، وما ولي إمارة قط ولا جباية ولا خراجا ولا شيئا إلا أن يكون فِي غزو مع رسول الله ﷺ ، ومع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃. قَالَ عَبْد اللَّهِ بن الزبير: فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفِي ألف ومائتي ألف، فلقي حكيم بن حزام عَبْد اللَّهِ بن الزبير، فقَالَ: يا ابن أخي كم على أخي من الدين؟ قَالَ: فكتمته وقلت مائة ألف، فقَالَ حكيم: والله ما أرى أموالكم تتسع لهذه، فقَالَ عَبْد اللَّهِ: أفرأيتك إن كانت ألفِي ألف ومائتي ألف؟ قَالَ: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي، وكان الزبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عَبْد اللَّهِ بن الزبير بألف ألف وستمائة ألف، ثم قام فقَالَ: من كان له على الزبير شيء فليوافنا بالغابة، فأتاه عَبْد الله بن جعفر- وكان له على الزبير أربعمائة ألف- فقَالَ لعبد الله بن الزبير: إن شئتم تركتها لكم وإن شئتم فأخروها فيما تؤخرون، إن أخرتم شيئا، فقَالَ عَبْد اللَّهِ بن الزبير: لا، قَالَ: فاقطعوا لي قطعة، فقال له عبد الله: لك من هاهنا إلى ها هنا، قَالَ: فباعه منها بقضاء دينه، فأوفاه وبقي منها أربعة أسهم ونصف. قَالَ: فقدم على معاوية وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة، قَالَ: فقَالَ له معاوية: كم قومت الغابة؟ قَالَ: كل سهم مائة ألف، قَالَ: كم بقي؟ قال:

стр. 1649

أربعة أسهم ونصف، قَالَ: فقَالَ المنذر بن الزبير: قد أخذت سهما بمائة ألف، وقَالَ عمرو بن عثمان: قد أخذت سهما بمائة ألف، وقَالَ ابن زمعة: قد أخذت سهما بمائة ألف، فقَالَ معاوية: فكم بقي؟ قَالَ: سهم ونصف، قَالَ: أخذته بخمسين ومائة ألف. قَالَ: وباع عَبْد اللَّهِ بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف، فلما فرغ ابن الزبير ٤٢/ ب من قضاء دينه، قَالَ بنو الزبير: / أقسم بيننا ميراثنا، قَالَ: لا والله لا أقسم بينكم ميراثكم حتى أنادي فِي الموسم أربع سنين: ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه. قَالَ: فجعل كل سنة ينادي بالموسم، فلما مضت أربع سنين قسم بينهم. قَالَ: وكان للزبير أربع نسوة، قَالَ: وربع الثمن فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائة ألف. قَالَ: فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف. قَالَ علماء السير: حضر الزبير يوم الجمل، ثم بدا له أن يقاتل فركب فرسه وانطلق يريد المدينة فلحقه قوم فقاتلوه، وحمل عليه عمرو بن جرموز فطعنه فأثبته فوقع فاعتوروه وأخذوا سيفه، وأخذ ابن جرموز رأسه فحمله إلى علي وأتى بسيفه فأخذه علي ﵁، وقَالَ: سيف والله طال ما جلا به عن وجه رسول الله ﷺ الكرب. وقَالَ: بشر قاتل ابن صفية بالنار، وجلس يبكي عليه هو أصحابه، وقَالَ: إني لأرجو أن أكون أنا وطَلْحَة والزبير من الذين قَالَ الله: وَنَزَعْنا مَا في صُدُورِهِمْ من غِلٍّ ٧: ٤٣ [١] . ودفن الزبير بوادي السباع، وكانت عنده عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكان أهل المدينة يقولون: من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة، لأنها كانت عند عَبْد اللَّهِ بن أبي بكر، فقتل عنها، ثم كانت عند عمر بن الخطاب فقتل عنها، ثم عند الزبير فقتل عنها وهو ابن أربع وستين سنة. ٢٨٧- زيد بن صوحان بن حجر بن الهجرس، يكنى أبا عائشة، [وأبا عَبْد اللَّهِ] : [٢] سمع عمر وعليا ﵄. وكان يصوم بالنهار ويقوم الليل. أَخْبَرَنَا أبو منصور عَبْد الرَّحْمَنِ بن محمد، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي [بن

стр. 1650

ثَابِتٍ] [١] قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، قال أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن الخليل البرجلاني أبو النصر، قال: أخبرنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، قَالَ: كان زيد بن صوحان يقوم الليل ويصوم النهار، فإذا كانت ليلة الجمعة أحياها، فإن كان ليكرهها [إذا جاءت] مما كان يلقى فيها، فبلغ سلمان ما كان يصنع، فأتاه فقَالَ: أين/ زيد؟ قالت امرأته: ليس ها هنا، قَالَ: فإني أقسم عليك لما صنعت طعاما ولبست ٤٣/ أمحاسن ثيابك، ثم بعثت إلى زيد، فجاء زيد وقرب الطعام، فقَالَ سلمان: كل يا زيد، فقَالَ: إني صائم، قَالَ: كل يا زيد لا تنقص دينك، إن شر السير الحقحقة [٢] ، إن لعينك عليك حقا، وإن لبدنك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، كل يا زيد، فأكل، وترك ما يصنع. قتل زيد يوم الجمل، فقَالَ: ادفنوني فِي ثيابي، فإني مخاصم، ولا تغسلوا عني دما، ولا تنزعوا عني ثوبا. ٢٨٨- طَلْحَة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن تيم بن مرة، يكنى أبا مُحَمَّد [٣] : وأمه الصعبة بنت عمار الحضرمي [٤] ، وأمها عاتكة بنت وهب بن قصي بن كلاب. وكان وهب صاحب الرفادة دون قريش كلها. وكان لطَلْحَة من الولد مُحَمَّد، وهو السجاد، وبه كان يكنى، قتل معه يوم الجمل، وعمران، وأمهما حمنة بنت جحش. ومُوسَى، وأمه خولة بنت القعقاع بن معبد، وكان يقال للقعقاع تيار الفرات من سخائه. ويعقوب وكان جوادا قتل يوم الحرة، وإسماعيل، وإسحاق، وأمهم أم أبان بنت عقبة بن ربيعة. وزكريا، ويوسف، وعائشة، أمهم أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق. وعيسى ويَحْيَى، وأمهما سعدى بنت عوف. وأم إسحاق تزوجها الحسن بن علي، فولدت له طَلْحَة ثم توفي عنها، فخلف عليها

стр. 1651

الحسين بن علي فولدت له فاطمة، والصعبة، ومريم، وصالح الأمهات. وكان طَلْحَة آدم كثير الشعر ليس بالجعد القطط، ولا بالسبط، حسن الوجه، دقيق القرنين لا يغير شعره. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسن بن علي الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف، قَالَ: أخبرنا الحسين بن ٤٣/ ب الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي/ الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْوَالِبِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ [١] : حَضَرْتُ سُوقَ بُصْرَى فَإِذَا رَاهِبٌ فِي صَوْمَعَتِهِ يَقُولُ: سَلُوا أَهْلَ هَذَا الْمَوْسِمِ أَفِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ؟ قَالَ طَلْحَةُ: فَقُلْتُ: نَعَمْ أَنَا، فَقَالَ: هَلْ ظَهَرَ أَحْمَدُ بَعْدُ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَمَنْ أَحْمَدُ؟ قَالَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، [هَذَا شَهْرُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ، وَهُوَ آَخِرُ الأَنْبِيَاءِ [٢] ، وَمَخْرَجُهُ مِنَ الْحَرَمِ، وَمُهَاجَرُهُ إِلَى نَخْلٍ وَحَرَّةَ وَسَبَاخَ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُسْبَقَ إِلَيْهِ] [٣] ، قَالَ طَلْحَةُ: فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا قَالَ، فَخَرَجْتُ سَرِيعًا حَتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ، فَقُلْتُ: هَلْ كَانَ مِنْ حَدَثٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَمِينُ تَنَبَّأَ وَقَدْ تَبِعَهُ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ. قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ: اتَّبَعْتَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَانْطَلِقْ إِلَيْهِ فَادْخُلْ عَلَيْهِ فَاتَّبِعْهُ فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْحَقِّ، فَأَخْبَرَهُ طَلْحَةُ بِمَا قَالَ الرَّاهِبُ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ بِطَلْحَةَ فَدَخَلَ بِهِ على رسول الله ﷺ ، فَأَسْلَمَ طَلْحَةُ، وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ الرَّاهِبُ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ. فَلَمَّا أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخَذَهُمَا نَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدِ بْنِ الْعَدَوِيَّةِ فَشَّدَهُمَا فِي حَبْلٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَمْنَعْهُمَا بَنُو تَيْمٍ، وَكَانَ نُوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ يُدْعَى أَسَدُ قُرَيْشٍ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَطَلْحَةُ الْقَرِينَيْنِ. قَالَ علماء السير: آخى رسول الله ﷺ بين طَلْحَة وسعيد بن زيد، وبعثهما رسول

стр. 1652

الله ﷺ يتحسسان خبر العير [١] ، فخرجا ففاتتهما بدر، فضرب لهما رسول الله ﷺ بسهامهما وأجورهما، فكانا كمن شهدها. وشهد طَلْحَة أحدا، وثبت يومئذ حين ولى الناس، ورمى مالك بن زهير يوم أحد رسول الله ﷺ فاتقى طَلْحَة بيده عن وجه رسول الله ﷺ ، فأصابت خنصره فشلت أصبعاه، وجرح يومئذ أربعا وعشرين جراحة، وقع منها فِي رأسه شجه، فلما كسرت رباعية/ رسول الله ﷺ وشج فِي وجهه احتمله طَلْحَة ورجع به القهقرى، كلما أدركه أحد ٤٤/ أمن المشركين قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعب. فَقَالَ رسول الله ﷺ : «أوجب طَلْحَة» . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، [أخبرنا الجوهري، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا أحمد بْنُ مَعْرُوفٍ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهِمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا] [٢] مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، [أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ] [٣] ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي سُعْدَى ابْنَةُ عَوْفٍ الْمُرِّيَّةُ، قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى طَلْحَةَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقُلْتُ: مَا لِي أَرَاكَ مَهْمُومًا؟ قَالَ: عِنْدِي مَالٌ قَدْ أَهَمَّنِي، فَقَسَمْتُهُ. فَسَأَلْتُهَا: كَمْ كان المال؟ قالت: أربعمائة أَلْفٍ [٤] . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ [٥] : وَأَخْبَرَنَا رَوْحٌ، قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ طَلْحَةَ بَاعَ أَرْضًا لَهُ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عفان بسبعمائة أَلْفٍ [٦] ، فَحَمَلَهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا جَاءَ بِهَا، قَالَ: إِنَّ رَجُلا يُبَيِّتُ هَذِهِ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ لا يَدْرِي مَا يَطْرُقُهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ الغرير باللَّه، فبات

стр. 1653

وَرُسُلُهُ تَخْتَلِفُ بِهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ حَتَّى أَسْحَرَ وَمَا عِنْدَهُ مِنْهَا دِرْهَمٌ. حضر طَلْحَة يوم الجمل، فرماه مروان بن الحكم فأصاب ساقه، فلم يزل ينزف الدم، فقَالَ: اللَّهمّ خذ لعثمان مني حتى يرضى، فمات وهو ابن أربع وستين سنة. وقيل: اثنتين وستين. وترك طَلْحَة من العين ألفِي ألف درهم ومائتي ألف دينار، وترك عروضا كثيرة، وقومت أصوله وعقاره ثمانين ألف ألف درهم. وقَالَ عمرو بن العاص: حدثت أن طَلْحَة ترك مائة بهار فِي كل بهار ثلاثة قناطير ذهب. وسمعت أن البهار جلد ثور. توفي يوم الجمل على ما سبق شرحه. ٢٨٩- عَبْد اللَّهِ بن بديل بن ورقاء [١] : كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بعثه إلى أهل اليمن، وشهد مع علي ﵁ صفين، وقتل هناك. ٢٩٠- عَبْد الرَّحْمَنِ بن عديس البلوي [٢] : بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة. وروى عنه ﵇. ٤٤/ ب وشهد فتح مصر، / واختط بها، وكان رئيس الخيل التي سارت من مصر إلى عثمان، وقتل بفلسطين فِي هذه السنة، كان قد سجن فهرب فأدركه فارس، فقَالَ له: اتق الله فِي دمي فإني من أصحاب الشجرة، فقَالَ: الشجر فِي الجبل كثير، [فقتله] [٣] . ٢٩١- عمرو بن أبي عمرو بن ضبة، أبو شداد [٤] : شهد بدرا وتوفي في هذه السنة.

стр. 1654

٢٩٢- قدامة بن مظعون بن حبيب، أبو عمر [١] : هاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، وشهد أحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . وتوفي في هذه السنة وهو ابن ثمان وستين سنة. ٢٩٣- كعب بن سور بن بكر بن عَبْد اللَّهِ بن ثعلبة الأزدي [٢] : ولاه عمر قضاء البصرة، وكان سبب توليته إياه ما أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ثَابِتُ بْن بْندار، وأحمد بن علي بن سوار، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَاقِرُ [٣] ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ رَزَمَةَ، قَالَ: أخبرنا أبو سعيد الحسن بن عبد الله السِّيرَافِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ الْحِزَامِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ زَوْجِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَشْكُوَهُ وَهُوَ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ لَهَا: نِعْمَ الزَّوْجُ زَوْجُكِ، فَجَعَلَتْ تُكَرِّرُ عَلَيْهِ الْقَوْلَ وَهُوَ يُكَرِّرُ عَلَيْهَا الْجَوَابَ، فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ الأَزْدِيُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذِهِ الْمَرْأَةُ تَشْكُو زَوْجَهَا فِي مُبَاعَدَتِهِ إِيَّاهَا عَنْ فِرَاشِهِ، قَالَ لَهُ عُمَرُ: كَمَا فَهِمْتَ كَلامَهَا فَاقْضِ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ كَعْبٌ: عَلَيَّ بِزَوْجِهَا، فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: امْرَأَتُكَ هَذِهِ تَشْكُوكَ، قَالَ: أَفِي طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، قَالَتِ الْمَرْأَةُ تَرْتَجِزُ: يَا أَيُّهَا الْقَاضِي الْحَكِيمُ رُشْدُهْ ... أَلْهَى خَلِيلِي [٤] عَنْ فِرَاشِي مَسْجِدُهْ زُهْدُهُ فِي مَضْجَعِي [٥] تَعَبُّدُهْ ... نَهَارُهُ وَلَيْلُهُ مَا يَرْقُدُهْ / فَلَسْتُ فِي أَمْرِ النِّسَاءِ أَحْمَدُهْ ... فاقض القضاء يا كعب لا تردده ٤٥/ أفقال زَوْجُهَا: أَزْهَدَنِي فِي فَرْشِهَا وَفِي الْحِجَلْ ... أَنِّي امرؤ أذهلني ما قد نزل

стр. 1655

فِي سُورَةِ النَّحْلِ وَفِي السَّبْعِ الطُّوَلْ ... وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَخْوِيفٌ جَلَلْ فَقَالَ كَعْبٌ: إِنَّ لَهَا عَلَيْكَ حَقًّا يَا رَجُلْ ... تُصِيبُهَا فِي أَرْبَعٍ لِمَنْ عَقَلْ فَاعْطِهَا ذَاكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعِلَلْ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ لَكَ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ، فَلَكَ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ تَعْبُدُ فِيهِنَّ رَبَّكَ، وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مِنْ أَيِّ أَمْرٍ بِكَ أَعْجَبُ، أَمِنْ فَهْمِكَ أَمْرَهُمَا أَمْ مِنْ حُكْمِكَ؟ اذْهَبْ فَقَدْ وَلَّيْتُكَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ. قَالَ علماء السير: فلما قدم طَلْحَة والزبير وعائشة يرجي الله عنهم البصرة دخل كعب إلى بيت وطين عليه، وجعل فيه كوة يتناول منها طعامه وشرابه اعتزالا للفتنة، فقيل لعائشة: إن كعب بن سور إن خرج معك لم يتخلف من الأزد أحد، فركبت إليه فنادته فلم يجبها، فقالت: يا كعب ألست أمك ولي وعليك حق، فكلمها، فقالت: إنما أريد أن أصلح بين الناس، فخرج فأخذ المصحف فنشره ومشى بين الصفين يدعوهم إلى ما فيه، فجاءه سهم غرب فقتله. وكان خيرا صالحا وليس له حديث. ٢٩٤- هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وهو المعروف بالمر [١] : قَالَ: وهو أخو نافع بن عتبة، وابن أخي سعد بن أبي وقاص. أسلم يوم فتح مكة، وحضر مع عمه سعد حرب الفرس بالقادسية، فلما هزم الله العدو، ورجعوا إلى المدائن اتبعهم سعد والمسلمون، فدل علج من أهل المدائن سعدا على مخاضة، فخاضوا وأتوا المدائن فحاصروها وهاشم فيهم. وقتل بصفين مع علي ﵁.

стр. 1656

ثم دخلت سنة سبع وثلاثين فمن الحوادث فيها وقعة صفين وذلك أن عليا ﵁ [١] ومعاوية توادعا على ترك الحرب فِي شهر المحرم طمعا فِي الصلح، واختلفت بينهما الرسل، فلم تنفع. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ [٢] بن المبارك، ومحمد بن ناصر [٣] ، قالا: أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَبْد الجبار، قال: أخبرنا أبو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقَدِّمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَرْدَانِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي سَعِيدُ بْنُ مَرْدَانِيَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ: كُنَّا بِصِفِّينَ فِي يَوْمٍ حَارٍّ مَعَ عَلِيٍّ ﵁، فَقَصَدَتْهُ وَهُوَ فِي سبعمائة مِنْ رَبِيعَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلا تَرُوحُ إِلَى الْقَوْمِ، فَإِمَّا لَنَا وَإِمَّا عَلَيْنَا، فَسَكَتَ فَلْم يُجِبْنِي، فَقُلْتُ: مَا لِي أَرَاكَ مُخَيِّمًا، أَلا تروح إلى القوم فإما لنا وإما علينا، فقال: ادن منا يا ابن حاتم، فتخطيت الناس إليه حتى وَضَعْتُ يَدِي عَلَى رُكْبَتِهِ، فَقَالَ لِي: يَا عَدِيُّ، إِنَّ مُعَاوِيَةَ مَعَ قَوْمٍ يُطِيعُونَهُ، وَأَنَا مَعَ قَوْمٍ يَعْصُونِي، فَأَمَّا الَّذِينَ مَعِي فَأَشَدُّ مكايدة من الذين مع معاوية،

стр. 1657

فَعَذَرْتُهُ وَرَحِمْتُهُ رَحْمَةً شَدِيدَةً مَا رَحِمْتُ أَحَدًا مِثْلَهَا قَطُّ. قَالَ علماء السير: فتناهدوا عند انسلاخ المحرم، وبات علي ﵁ عنه يعبي الكتائب، ويقول: لا تقاتلوهم إلا أن يبدءوكم، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح، ولا تأخذوا شيئا من أموالهم. وبعث على خيل أهل الكوفة الأشتر، وعلى خيل أهل البصرة سهل بن حنيف، وعلى رجالة أهل الكوفة عمار بن ياسر، وعلى رجالة أهل البصرة قيس بن سعد وهاشم بن عتبة مع ابنه. ٤٦/ أوبعث/ معاوية على ميمنته ابن ذي الكلاع الحميري، وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهري، وعلى مقدمته أبو الأعور السلمي، وكان على خيول الشام كلها عمرو بن العاص، ومسلمة بن عقبة على رجالة أهل دمشق، والضحاك بن قيس على رجالة الناس كلهم. وبايع رجال من أهل الشام على الموت، فعقلوا أنفسهم بالعمائم وكانوا خمسة صفوف. ثم اقتتلوا [١] فكانوا يتبارزون، التقوا جميعا فِي بعض الأيام، لا ينصرف بعضهم عن بعض إلا إلى الصلاة، وكثرت القتلى بينهم، ثم تحاجزوا عند الليل، ثم أصبحوا على القتال، وكان علي ﵁ يتقدم حتى أن النبل لتمر بين عاتقه ومنكبه، وكان معاوية يقول: أردت أن أنهزم، فذكرت قول ابن الإطنابة، والإطنابة امرأة من بلقين وهو: أبت لي عفتي وحياء نفسي ... وإقدامي على البطل المشيح [٢] وإعطائي على المكروه مالي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي فيمنعني هذا القول من الفرار. وكان عمار يقول: والله لو ضربونا حتى تبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أنا على الحق وهم على الباطل. وكان يصيح بعمرو بن العاص: يا عمرو، بعت دينك بمصر تبا

стр. 1658

لك تبا طالما بغيت فِي الإسلام عوجا. ثم قَالَ لأصحابه: لقد قاتلت صاحب هذه الراية- يعني عمرو بن العاص- ثلاثا مع رسول الله ﷺ ، وهذه الرابعة. وكان علي ﵁ يحمل ويضرب حتى ينثني سيفه، فقتل عمار، فقَالَ عَبْد اللَّهِ بن عمرو لأبيه: يا أبه، قتلتم هذا الرجل فِي يومكم هذا، وقد قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ويحك تقتلك الفئة الباغية» فقَالَ عمرو: أتسمع ما يقول عَبْد اللَّهِ، فقَالَ معاوية: إنك شيخ أخرق، ولا تزال تحدث بالحديث وأنت تدحض فِي بولك، أو نحن قتلنا عمارا، إنما قتل عمارا من جاء به. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي/ طَاهِرٍ، [أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا ابن ٤٦/ ب مَعْرُوفٍ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ، أَخْبَرَنَا] [١] مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ [٢] : إِنِّي لأَسِيرُ مَعَ مُعَاوِيَةَ فِي مُنْصَرَفِهِ عَنْ صِفِّينَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: يَا أَبَهْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِعَمَّارٍ: «وَيْحَكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ، تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» فَقَالَ عَمْرٌو لِمُعَاوِيَةَ: أَلا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: فقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا تَزَالُ تَأْتِينَا بِهَنَّةٍ تَدْحَضُ بِهَا فِي بَوْلِكَ، أَنَحْنُ قَتَلْنَاهُ؟ إِنَّمَا قَتَلَهُ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِ. قَالَ علماء السير: ولما قتل عمار حمل علي ﵁ وأصحابه، فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض، وقتلوا كل من انتهوا إليه حتى بلغوا معاوية، وعلي ﵁ يقول [٣] : أضربهم ولا أرى معاويه ... الجاحظ العين العظيم الحاويه ثم نادى علي: يا معاوية، علام يقتل الناس بيننا، هلم أحاكمك إلى الله، فأينا قتل صاحبه استقامت له الأمور، فقَالَ له عمرو: أنصفك [الرجل] [٤] ، فقال معاوية:

стр. 1659

إنك تعلم أنه لم يبارزه رجل قط إلا قتله، قَالَ له عمرو: ما يجمل بك إلا مبارزته، فقال معاوية: طمعت فيها بعدي. ثم اقتتل الناس ليلة إلى الصباح، وهي ليلة الهرير، حتى تقصفت الرماح، ونفذ النبل، وصار الناس إلى السيوف، وأقبل علي ﵁ يسير فِي الناس ويحرض، والأشتر فِي ميمنته، وابن عباس فِي الميسرة، وعلي فِي القلب، والناس يقتتلون من كل جانب. أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ، [أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بُشْرَانَ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا] [١] أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ، قَالَ: لَمَّا وَلِيَ عَلِيٌّ ﵁ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ الْجَمَلِ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلاثِينَ، ثُمَّ رَجَعَ عَلِيٌّ إِلَى الْكُوفَةِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى صِفِّينَ، وَكَانَتِ الْحَرْبُ سَنَتَيْنِ، وَقُتِلَ بِصِفِّينَ سَبْعُونَ أَلْفًا: خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَخَمْسَةٌ وِعْشِرُونَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، مِنْهُمْ خَمْسَةٌ وعشرون بدريا. وكان ٤٧/ أالمقام بِصِفِّينَ/ مِائَةَ يَوْمٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ فِيهِ تِسْعُونَ وَقْعَةً، وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ الْتَقَى الْحَكَمَانِ. أَخْبَرَنَا الحافظ بن عبد الوهاب وابن ناصر [قالا: أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَبْد الجبار، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا أبو بكر بن الأنباري، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن أَحْمَد المقدمي، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن سعد الزهري، أَخْبَرَنَا إسحاق بن أبي إسرائيل، أَخْبَرَنَا حماد بن زيد، عن هشام،] [٢] عن مُحَمَّد بن سيرين، قَالَ: قتل يوم صفين سبعون ألفا، ما عرفت عدتهم إلا بالقصب، كان يوضع على كل قتيل قصبة. فصل فلما رأى عمرو [٣] بن العاص أن أمر العراق قد اشتد وخاف الهلاك، قال

стр. 1660

لمعاوية: هل لك فِي أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعا، ولا يزيدهم إلا فرقة، قَالَ: نعم قَالَ: نرفع المصاحف ثم نقول: ما فيها حكم بيننا وبينكم فإن أبى بعضهم أن يقبل، وقَالَ بعضهم: بل نقبل، فتكون فرقة تقع بينهم، وإن قالوا: نقبل، رفعنا هذا القتال إلى أجل. فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا: هذا كتاب الله بيننا وبينكم، من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام، ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق. فلما رأى الناس المصاحف قد رفعت، قالوا: نجيب إلى كتاب الله ونثيب إليه، فقَالَ علي ﵁: ما رفعوها إلا خديعة، فقالوا له: ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله، فقَالَ: إني إنما أقاتلهم بحكم الكتاب، فقَالَ له مسعر بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي فِي عصابة معهما من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك: يا علي، أجب إلى كتاب الله إذا دعيت إليه، وإلا ندفعك برمتك إلى القوم، أو نفعل ما فعلنا بابن عفان، إنه أبى علينا أن نعمل بما فِي كتاب الله فقتلناه، والله لتفعلنها أو لنفعلنها بك. قَالَ: أما أنا فإن تطيعوني تقاتلوا، وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم، قالوا: فابعث إلى الأشتر فليأتك. فأرسل إليه، فقَالَ للرسول: إني قد رجوت أن يفتح الله لي فلا تعجلني. فارتفع الرهج من قبل الأشتر، فقَالَ القوم: ما نراك أمرته إلا بالقتال، فقَالَ: هل رأيتموني ساررته؟ قالوا: فابعث إليه فليأتك وإلا اعتزلناك/ فبعث إليه: أقبل إلي فإن الفتنة قد وقعت. فلما ٤٧/ ب بلغه ذلك، قَالَ: ألرفع المصاحف؟ قَالَ: نعم، قَالَ: أما والله لقد ظننت حين رفعت أنها ستوقع اختلافا وفرقة، فقَالَ له الرسول: أتحب أن تظفرها هنا وتسلم أمير المؤمنين إلى عدوه؟ فأقبل حتى انتهى إليهم، فقَالَ: يا أهل العراق، يا أهل الذل والوهن، أحين قهرتم القوم رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها، وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها، أمهلوني فإني قد رأيت النصر، فقالوا: إذا ندخل معك فِي خطيئتك، فقَالَ: خدعتم والله فانخدعتم، فسبوه وسبهم. وقَالَ الناس: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا [وبينهم حكما] [١] .

стр. 1661

فقَالَ الأشعث: يا معاوية، لأي شيء رفعتم هذه المصاحف؟ قَالَ: لنرجع إلى أمر الله به، تبعثون رجلا ترضون به، ونبعث منا رجلا، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما فِي كتاب الله لا يعدوانه، ثم نتبع ما اتفقا عليه. فجاء الأشعث إلى علي فأخبره، فقَالَ الناس: قد رضينا، فقَالَ أهل الشام: فإنا قد اخترنا عمرو بن العاص، فقَالَ الأشعث وأولئك الذين صاروا خوارج بعد: فإنا رضينا بأبي مُوسَى الأشعري، فقَالَ علي: إنكم عصيتموني فِي أول الأمر فلا تعصوني الآن، إني لا أرى أن أولي أبا مُوسَى، فقَالَ أولئك: إنا لا نرضى إلا به، قَالَ: فهذا ابن عباس، قالوا: لا نريد إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء، ليس إلى واحد منكما بأدنى منه إلى الآخر، قَالَ: فإني أجعل الأشتر، قالوا: وهل سعر الأرض غير الأشتر؟ قَالَ: فاصنعوا ما شئتم، فقَالَ الأحنف لعلي ﵁: إنك قد رميت بحجر الأرض، فإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يصير فِي أكفهم، ويبعد حتى يصير بمنزلة النجم منهم، فإن أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا أو ثالثا فإنه لن يعقد عقدة إلا ٤٨/ أحللتها، ولن يحل/ عقدة أعقدها إلا عقدت لك أخرى أحكم منها. فأبى الناس إلا أبا مُوسَى. فكتبوا: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه علي أمير المؤمنين ... » . فقَالَ عمرو: اكتب اسمه واسم أبيه، وهو أميركم، أما أميرنا فلا، فقَالَ الأحنف بن قيس: لا تمح اسم «إمارة المؤمنين» فإني أخاف إن محوتها لا ترجع إليك أبدا، فأبى ذلك علي، فقَالَ له الأشعث: امح هذا الاسم برحه الله [١] ، فمحي، فقَالَ علي: الله أكبر، سنة بسنة، والله إني لكاتب رسول الله ﷺ يوم الحديبية إذ قالوا: لست رسول الله، ولا نشهد لك به، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فكتب: هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضي علي على أهل الكوفة ومن معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، وقاضي معاوية على أهل الشام ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين، إنا ننزل عند حكم الله وكتابه،

стр. 1662

نحيي ما أحيا، ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان فِي كتاب الله وهما أبو موسى الأشعري، وعمرو بن العاص- وما لم يجدا فِي كتاب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة. وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين العهود والمواثيق أنهما أمنان على أنفسهما وأهلهما، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد الله وميثاقه أنا على ما فِي هذه الصحيفة، وأجلا القضاء إلى رمضان، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه على تراض منهما. وكتب فِي يوم الأربعاء لثلاث عشر خلت من صفر سنة سبع وثلاثين، على أن يوافي عليّ ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل فِي رمضان، فإن لم يجتمعا بذلك اجتمعا من العام المقبل. وخرج الأشعث بذلك الكتاب/ يقرؤه على الناس، ويعرضه عليهم [١] ، فمر به ٤٨/ ب على طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدية، فقرأه عليهم، فقَالَ عروة: تحكمون فِي أمر الله الرجال، لا حكم إلا للَّه، ثم سل سيفه فضرب به عجز دابته، فغضب للأشعث قومه [وناس كثير من أهل اليمن] [٢] ، ثم سكتوا. وأذن علي بالرحيل [٣] ، فمضى علي على طريق البر على شاطئ الفرات حتى انتهى إلى هيت وعلى صندوداء. وقَالَ سيف الضبي: أقاموا بصفين سبعة أو تسعة أشهر. وكان بينهم القتال نحو سبعين زحفا، وقتل فِي ثلاثة أيام نحو سبعين ألفا من الفريقين. قَالَ الزهري: بلغني أنه كان يدفن فِي القبر خمسون. قَالَ ربيعة بن لقيط: مطرت السماء عليهما دما كانوا يأخذونه بالآنية. ذكر خروج الخوارج على أمير المؤمنين ﵁ [٤] . لما رجع علي ﵁ من صفين فدخل الكوفة لم تدخل معه الخوارج،

стр. 1663

وكانوا من وقت تحكيمه يردون عليه ولا يرضون بفعله، فلما رجع باينوه فأتوا حروراء، فنزل بها منهم اثنا عشر ألفا، وقالوا: لا حكم إلا للَّه- وكان ذلك أول ظهورهم- ونادى مناديهم: إن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي، وأمير الصلاة عَبْد اللَّهِ بن الكواء اليشكري، والأمر شورى. فبعث علي ﵁ عَبْد اللَّهِ بن العباس إلى الخوارج، فقَالَ: ما نقمتم من الحكمين. أَخْبَرَنَا إسماعيل بْن أَحْمَد السمرقندي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن هبة اللَّه الطبري، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الحسين بْن الفضل، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن درستويه، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي زُمَيْلٍ سِمَاكٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا اعْتَزَلَتِ الْخَوَارِجُ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَخْرُجُوا على عَلي بْن أبي طالب ﵁ أتيته يوما قَبْلَ الظُّهْرِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَبْرِدْ بِالصَّلاةِ لَعَلِّي أَدْخُلُ عَلَى هَؤُلاءِ الْقَوْمِ فَأُكَلِّمَهُمْ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ عَلْيَكَ، فَقُلْتُ: كَلا، وكنت حسن الخلق، لا أوذي ٤٩/ أأحدا، فأذن لي/ فدخلت عليهم فَلَمْ أَرَ قَوْمًا أَشَدَّ مِنْهُمُ اجْتِهَادًا جِبَاهُهُمْ قَرِحَةٌ مِنَ السُّجُودِ، وَأَيْدِيهِمْ كَأَنَّهَا نَقْرُ الإِبِلِ [١] ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مُرَحَّضَةٌ [٢] مُشَمِّرِينَ، مُشَهَّمَةٌ وَجُوهُهُمْ مِنَ السَّهَرِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِابْنِ عَبَّاسٍ، مَا جَاءَ بِكَ؟ فَقَالَ: أَتَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَمِنْ عِنْدِ صِهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ وَهُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ مِنْكُمْ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: لا تُخَاصِمُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ٤٣: ٥٨ [٣] فَقَالَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاثَةٌ: لَنُكَلِمَنَّهُ، فَقُلْتُ: هَاتُوا مَا نَقَمْتُمْ عَلَى صِهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: ثَلاثًا، أَمَّا إِحْدَاهُنَّ: فَإِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ٦: ٥٧ [٤] ، فما شأن الرجال والحكم؟ فقلت: هذه

стр. 1664

وَاحِدَةٌ، قَالُوا: وَإِنَّهُ قَاتَلَ وَلَمْ يُسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، فَلَئِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ مَا حَلَّ لَنَا قِتَالُهُمْ وَسَبْيُهُمْ. قَالُوا: وَمَحَى نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ. فَقُلْتُ لَهُمْ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللَّهِ، أَنَا أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا يَنْقُضُ قَوْلَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ صَيَّرَ مِنْ حُكْمِهِ إِلَى الرِّجَالِ فِي رُبُعِ دِرْهَمٍ ثَمَنَ أَرْنَبٍ، وَتَلَى قَوْلُهُ تَعَالَى: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ... ٥: ٩٥ [١] الآيَةَ. وَفِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ٤: ٣٥ [٢] . فَنَشَدْتُكُمُ اللَّهَ، هَلْ تَعْلَمُونَ حُكْمَ الرِّجَالِ فِي إِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ، وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ أَفْضَلَ مِنْ حُكْمِهِمْ فِي أَرْنَبٍ وَبُضْعِ امْرَأَةٍ، فَأَيُّهُمَا تَرَوْنَ أَفْضَلَ؟ قَالُوا: بَلْ هَذِهِ، قُلْتُ: خَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قُلْتُ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: قَاتَلَ وَلَمْ يُسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، فَتُسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ، فو الله إِنْ قُلْتُمْ لَيْسَتْ بِأُمِّنَا لَقَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الإِسْلامِ، وَإِنْ قُلْتُمْ لَنُسبِيَنَّهَا وَنَسْتَحِلُّ مِنْهَا مَا نَسْتَحِلُّ مِنْ غَيْرِهَا خَرَجْتُمْ مِنَ الإِسْلَامِ، أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قُلْتُ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: مَحَى نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ كَاتَبَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ اكْتُبْ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ/، وَلَوْ نَعْلَمُ مَا قَاتَلْنَاكَ، فقال: امح يا ٤٩/ ب عَلِيُّ وَاكْتُبْ: هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بن عبد الله، فو الله لَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ وَقَدْ مَحَى نَفْسَهُ. فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ، وَخَرَجَ سَائِرُهُمْ فَتَقَاتَلُوا [٣] . قَالَ علماء السير [٤] : وجاء علي بن أبي طالب [﵁ إلى القوم] [٥] وابن عباس يكلمهم، فقَالَ لهم: من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكواء، قَالَ: فما أخرجكم علينا؟

стр. 1665

قالوا: حكومتك يوم صفين، قَالَ: أنشدكم باللَّه، أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف فقلتم نجيبهم إلى كتاب الله قلت لكم إني أعلم بالقوم منكم، إنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني عرفتهم أطفالا ورجالا، فكانوا شر أطفال وشر رجال، امضوا على حقكم، فإنما رفعهم المصاحف خديعة، فرددتم علي رأيي وقلتم: لا بل نقبل منهم، فلما أبيتم إلا الكتاب [١] اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكم من حكم بما فِي القرآن، وإن أبيا فنحن من حكمهما براء. قالوا له: فخبرنا، أتراه عدلا تحكيم الرجال فِي الدماء؟ فقَالَ: إنا لسنا حكمنا الرجال، إنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين، لا ينطق، إنما يتكلم به الرجال، ادخلوا مصركم، فدخلوا من عند آخرهم. وقَالَ الخوارج منهم: كان الأمر كما وصفت، ولكن كان ذلك كفرا منا، فقد تبنا إلى الله منه، فتب كما تبنا نبايعك، وإلا فنحن مخالفون. فانصرف علي بأصحابه، فقَالَ قوم: إنه أقر لهم بالخطأ، فصعد المنبر فذكر أمرهم فعابه، فوثبوا من نواحي المسجد يقولون: لا حكم إلا للَّه، فقَالَ علي: كلمة حق أريد بها باطل. وفِي هذه السنة كان اجتماع الحكمين [٢] فبعث عليّ ﵁ أربعمائة رجل عليهم شريح بن هانئ الحارثي، وفيهم أبو مُوسَى [الأشعري] [٣] ، وبعث معهم عَبْد اللَّهِ بن عباس يصلي ويلي أمورهم، ولم يحضر علي وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام، ثم جاء معاوية، واجتمعوا بأذرح، وشهد معهم عَبْد اللَّهِ بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ٥٠/ أوالمغيرة بن شعبة فِي جماعة كثيرة. / وخرج عمرو بن سعد بن أبي وقاص، فأتى أباه وهو بالبادية، فقَالَ: يا أبت، قد بلغك ما كان بين الناس بصفين، وقد حكموا وقد

стр. 1666

شهدهم نفر من قريش، فاشهدهم فإنك صاحب رسول الله ﷺ وأحد أهل الشورى، وأنت أحق بالخلافة، فقَالَ: لا أفعل، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «إنه تكون فتنة خير الناس فيها الخفي التقي» . والتقى الحكمان، فقَالَ عمرو بن العاص: يا أبا مُوسَى، أرأيت أول ما يقضى به من الحق أن يقضى لأهل الوفاء بوفائهم، وعلى أهل الغدر بغدرهم، قَالَ: وما ذاك؟ قَالَ: ألست تعلم أن معاوية وأهل الشام قد وافوا وقدموا للموعد؟ قَالَ: بلى، قَالَ عمرو: اكتبها، فكتبها أبو مُوسَى، قَالَ: ألست تعلم أن عثمان ﵁ قتل مظلوما؟ قَالَ: أشهد، قَالَ: أفلست تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قَالَ: بلى، قَالَ: فإن الله قَالَ: وَمن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً ١٧: ٣٣ [١] ، فما يمنعك من معاوية ولي عثمان، وبيته فِي قريش كما قد علمت، فإن قَالَ الناس ليس له سابقة فلك حجة، وهي أن تقول: إني وجدته ولي عثمان المظلوم، والطالب بدمه، وقد صحبت رسول الله ﷺ ، فقَالَ: إني لم أكن لأوليه، وأدع المهاجرين الأولين والأنصار، ولو خرج لي من سلطانه ما كنت لأرتشي فِي حكم الله، ولكنك إن شئت أحيينا اسم عمر بن الخطاب. فأبى عمرو وقَالَ: أخبرني عن رأيك، قَالَ: رأيي أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى بين المسلمين، فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا، فقَالَ له عمرو: فإن الرأي ما رأيت، فأقبلا إلى الناس فقَالَ عمرو: يا أبا مُوسَى أعلمهم بأن رأينا قد اجتمع، فتكلم أبو مُوسَى فقَالَ: رأيي ورأي عمرو قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر هذه الأمة، فقَالَ عمرو: صدق وبر، يا أبا مُوسَى، تقدم فتكلم. فتقدم أبو مُوسَى ليتكلم فدعاه ابن عباس فقَالَ له: ويحك، والله إني لأظنه قد خدعك إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه فليتكلم بذلك قبلك، فإني لا آمن أن يخالفك، فقَالَ: إنا قد اتفقنا. فتقدم أبو مُوسَى، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قَالَ: أيها الناس، إنا قد نظرنا فِي أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم/ لشعثها من أمر قد اجتمع عليه رأيي ورأي ٥٠/ ب عمرو، وهو أن نخلع عليا ومعاوية، وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر، فيولوا منهم ما أحبوا

стр. 1667

عليهم، وإني قد خلعت عليا ومعاوية، فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلا، ثم تنحى. وأقبل عمرو فقام مقامه، فحمد الله وأثنى عليه وقَالَ: إن هذا قد قَالَ ما سمعتم، وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي [معاوية] [١] ، فإنه ولي عثمان، والطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه، فقَالَ له أبو مُوسَى: مالك، لا وفقك الله، غدرت وفجرت، إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. قَالَ عمرو: إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا. وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط، وحمل على شريح ابن لعمرو فضربه بالسوط، وقام الناس فحجزوا بينهم. فالتمس أهل الشام أبا مُوسَى فركب راحلته ولحق بمكة. وكان يقول: اطمأننت إلى عمرو وظننت أنه لن يؤثر شيئا على نصح الأمة، ولقد حذرنيه ابن عباس. وانصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية وسلموا عليه بالخلافة وقام معاوية عشية فِي النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أما بعد، من كان متكلما فِي هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، قَالَ ابن عمر: فأطلعت حويتي فأردت أن أقول: يتكلم فيه رجال قاتلوك وأباك على الإسلام، ثم خشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجماعة ويسفك فيها دم وأحمل فيها على غير رأيي، وذكرت ما وعد الله فِي الجنان فأمسكت. قَالَ عمرو بن العاص: بلغني أن عتبة بن أبي سفيان قَالَ لعبد الله بن عباس: ما منع عليّا أن يبعثك مكان أبي مُوسَى، فقَالَ عَبْد اللَّهِ: منعه والله من ذلك حاجز القدر، وقصر المدة، ومحنة الابتلاء، أما والله لو بعثني لاعترضت فِي مدارج نفس عمرو ناقضا ما أبرم ومبرما لما نقض، أسف إذا طار وأطير إذا أسف، ولكن مضى قدر وبقي أسف، والآخرة خير لأمير المؤمنين. وقَالَ خريم بن فاتك الأسدي هذه الأبيات: لو كان للقوم رأي يرشدون به ... أهل العراق رموكم بابن عباس ٥١/ أ/ للَّه در أبيه أيما رجل ... ما مثله لفصال الأمر للناس

стр. 1668

لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن ... لم يدر ما ضرب أخماس لأسداس [١] أَخْبَرَنَا أبو القاسم الحريري، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو طالب العشاري، قال: حدّثنا أبو الحسن الدار الدارقطني، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو الحسين إبراهيم بن بيان الرزاد، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو سعيد الخرقي، قالَ: حَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ بْنُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ، [قَالَ: سألت أبي] قلت: ما تقول فِي علي ومعاوية؟ فأطرق ثم قَالَ: يا بني، إيش أقول فيهما، أعلم أن عليا كان كثير الأعداء ففتش له أعداؤه عيبا فلم يجدوا، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فوضعوا له فضائل كيدا منهم له. [أو كما قَالَ] . وفِي هذه السنة بعث علي ﵁ بعد مرجعه من صفين جعدة بن هبيرة المخزومي إلى خراسان [٢] فانتهى إلى قوم قد كفروا وامتنعوا، فرجع، فبعث مكانه خليد بن قرة اليربوعي، فحاصر أهل نيسابور حتى صالحوه، وصالحه أهل مرو فأصاب جاريتين من أبناء الملوك فنزلتا بأمان، فبعث بهما إلى علي ﵁ فأعطاهما بعض الدهاقين. وفِي هذه السنة اجتمعت الخوارج على حرب علي ﵁ وتأهبوا لذلك [٣] وشرح القصة: أنه لما أراد علي ﵁ أن يبعث أبا مُوسَى للحكومة أتاه رجلان من الخوارج: زرعة بن البرج الطائي، وحرقوص بن زهير السعيدي، فدخلا عليه، فقالا: لا حكم إلا للَّه، فقَالَ علي: لا حكم إلا للَّه، فقَالَ له حرقوص: تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا، قَالَ لهم: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني، وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا وشرطنا شروطا وأعطينا عليها عهودا ومواثيقا، وقد قال الله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا ١٦: ٩١

стр. 1669

الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ الله يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ١٦: ٩١ [١] ، فقَالَ حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه، فقَالَ له علي: ما هو ذنب ولكن عجز من الرأي، ٥١/ ب وضعف من العمل وقد/ نهيتكم عنه، فقَالَ له زرعة: أما والله يا علي، لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله قاتلتك أطلب بذلك وجه الله ورضوانه، فقَالَ علي: بؤسا لك، ما أشقاك، كأني بك قتيلا تسفِي عليك الريح، فقَالَ: وددت أن قد كان ذلك. فخرج علي يوما فخطب، فقالوا من جوانب المسجد: لا حكم إلا الله، وصاح منهم رجل بعلي ﵁، فقَالَ: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ من الْخاسِرِينَ ٣٩: ٦٥ [٢] فقَالَ علي: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ٣٠: ٦٠ [٣] . فاجتمعت الخوارج فِي منزل عَبْد اللَّهِ بن وهب الراسبي، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قَالَ: ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينيبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا التي [الرضا بها والركون بها والإيثار إياها عناء وتبار] [٤] آثر عنده من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق، فاخرجوا بنا إلى إخواننا من بين أهل هذه القرية الظالم أهلها إلى جانب هذا السواد، وإلى بعض كور الجبال أو إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضلة، والأحكام الجائرة. فقَالَ حرقوص بن زهير: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تدعونكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلفتنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. فقَالَ حمزة بن سنان الأسدي: يا قوم، إن الرأي ما رأيتم، وإن الحق ما ذكرتم، فولوا أمركم هذا رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من عماد وسناد وراية تحفون بها، وترجعون إليها.

стр. 1670

فبعثوا إلى زيد بن حصن الكناني [١] ، وكان من رءوسهم، فعرضوها عليه فأبى، وعرضوها على عَبْد اللَّهِ بن وهب الراسبي، فقَالَ: هاتوها، أنا والله لا آخذها رغبة فِي الدنيا ولا أدعها فرقا من الموت، وذلك بعد ما عرضوها على حرقوص، فأبى وعرضوها على حمزة فأبى، وعرضوها على شريح بن أوفى/ العبسي فأبى ولم يقبلها غير ابن ٥٢/ أوهب الراسبي، وقَالَ ما قَالَ. ثم إنهم اجتمعوا فِي منزل زيد بن حصن، فقَالَ: إن الله قد أخذ عهودنا ومواثيقنا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قَالَ: وَمن لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ٥: ٤٤ [٢] وَمن لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ٥: ٤٥ [٣] وَمن لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ٥: ٤٧ [٤] فاشهد على أهل دعوتنا من أهل قبلتنا أنهم قد اتبعوا الهوى ونبذوا حكم الكتاب، وجاروا فِي القول والفعل، وإن جهادهم حق على المؤمنين، وأقسم بالذي تعنو له الوجوه، وتخشع له الأبصار إني لو لم أجد على تغيير الجور، وقتال القاسطين أحدا مساعدا لمضيت فردا حتى ألقى ربي ليرى أني قد عبرت إرادة رضوانه. فقَالَ عَبْد اللَّهِ بن وهب: اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها [٥] . فقَالَ شريح: اخرجوا إلى المدائن فلننزلها ولنأخذ بأبوابها، ونخرج منها سكانها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا، فقَالَ زيد: إنكم إن خرجتم يرى لكم جماعة تبعتم، ولكن اخرجوا وحدانا، فأما المدائن فإن بها قوما يمنعونها منكم، ولكن اكتبوا إلى إخوانكم من أهل البصرة فأعلموهم بمخرجكم، وسيروا حتى تنزلوا جسر النهروان، قالوا: هذا الرأي. وأجمعوا على ذلك، وكتبوا إلى أهل البصرة، وخرجوا ليلة السبت وحدانا يتسللون، فبلغ خبرهم علي بن أبي طالب ﵁، فكتب إليهم وهو بالنهر.

стр. 1671

بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زيد بن حصن وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس. أما بعد، فإن هذين الرجلين الذين ارتضينا حكمين قد خالفا كتاب الله، واتبعا أهواءهما بغير هدى من الله، فلم يعملا بالسنة، ولم ينفذا للقرآن حكما، فبرئ الله منهما ورسوله والمؤمنون، فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا ٥٢/ ب فإنا/ سائرون إلى عدونا ونحن على الأمر الأول الذي كنا عليه [والسلام] [١] . فكتبوا إليه: أما بعد، فإنك لم تغضب لربك، وإنما غضبت لنفسك، فإن شهدت [على نفسك] [٢] بالكفر، واستقبلت التوبة، نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابذناك على سواء إن الله لا يحب الخائنين. فلما قرأ كتابهم أيس منهم. ولقي الخوارج [٣] فِي طريقهم عَبْد اللَّهِ بن خباب، فقالوا: هل سمعت من أبيك حديثا يحدثه عن رسول الله ﷺ تحدثناه؟ قَالَ: نعم، سمعته يُحَدِّثُ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، قَالَ: فإن أدركت ذلك فكن عَبْد اللَّهِ المقتول. قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك يحدثه عن رسول الله ﷺ ؟ قَالَ: نعم، فقدموه على شفير النهر فضربوا عنقه، فسال دمه كأنه شراك نعل، ونقروا أم ولده عما فِي بطنها، وكانت حبلى، ونزلوا تحت نخل مواقر [٤] ، فسقطت رطبة، فأخذها أحدهم فقذف بها فِي فيه، فقَالَ أحدهم: بغير حلها وبغير ثمن، فلفظها من فيه. واخترط أحدهم سيفه فأخذ يهزه، فمر خنزير لأهل الذمة [٥] ، فضربه، فقالوا له: هذا فساد فِي الأرض، فلقي صاحب الخنزير فأرضاه من خنزيره. وكان علي ﵁ قد تجهز للخروج إلى قتال الشام، وندب الناس،

стр. 1672

فاجتمع معه ثمانية وستون ألفا، فلما سمع الناس خبر هؤلاء قالوا: لو سار بنا إلى هؤلاء فبدأنا بهم [١] ثم وجهنا إلى المحلين [٢] ، فبلغه قولهم، فقَالَ: إن غير هؤلاء أهم إلينا، فسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين، فقالوا: سر بنا حيث أحببت. فلما بلغه قتلهم عَبْد اللَّهِ بن خباب بعث إليهم الحارث بن مرة العبدي ليأتيه بخبرهم، فلما دنا منهم يسألهم قتلوه. فأتى الخبر عليا، فقام الناس/ إليه، فقالوا: يا ٥٣/ أأمير المؤمنين، علام ندع هؤلاء وراءنا يخلفوننا فِي أموالنا وعيالنا، سر بنا إلى القوم، فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام. فنادى بالرحيل وخرج، ثم بعث إليهم: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثم نكف عنكم، واخرجوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم، فبعثوا إليه كلنا قتلهم، وكلنا نستحل لدمائهم ودمائكم. وفِي رواية أخرى [٣] أن عليا أتاهم فوقف عليهم، فقَالَ: أيتها العصابة التي أخرجتها اللجاجة، وصدها عن الحق الهوى، إني نذير لكم أن تصبحوا صرعى بأثناء هذا النهر، تلفيكم الأمة غدا بغير بينة من ربكم [٤] ، وإن الحكمين اختلفا وخالفا كتاب الله والسنة، فنبذنا أمرهما ونحن على الأمر الأول، فما الذي بكم؟ ومن أين أتيتم؟ فقالوا: إنا لما حكمنا أثمنا وكلنا بذلك كافرين وقد تبنا قَالَ: إذا تبت كما تبنا، فنحن منك وإلا فاعتزلنا فإنا منابذوك على سواء، فقَالَ علي ﵁: أصابكم حاصب ولا بقي منكم وابر [٥] ، أبعد إيماني برسول الله ﷺ وهجرتي معه وجهادي فِي سبيل الله أشهد على نفسي بالكفر، لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين.

стр. 1673

فتنادوا [١] : لا تخاطبوهم ولا تكلموهم، وتهيأوا للقاء الرب، الرواح الرواح إلى الجنة. فخرج علي فعبأ الناس، فجعل على ميمنته حجر بن عدي، وعلى ميسرته شبث بن ربعي- أو معقل بن قيس الرياحي- وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرجالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة قيس بن سعد. وعبأت الخوارج [٢] ، فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصن، وعلى ميسرتهم شريح بن أوفى العبسي، وعلى خيلهم حمزة بن سنان، وعلى رجالتهم حرقوص بن زهير [٣] . ودفع علي إلى أبي أيوب الأنصاري راية أمان، فناداهم أبو أيوب: من جاء هذه ٥٣/ ب الراية منكم/ ممن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن، ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن، إنه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا فِي سفك دمائكم، فقال فروة بن نوفل: والله ما أدري على أي شيء نقاتل عليا، لا أرى إلا أن أنصرف حتى تنفذ لي بصيرتي فِي قتاله أو اتباعه [٤] . فانصرف في خمسمائة فارس. وخرجت طائفة [أخرى] [٥] متفرقين، فنزلوا الكوفة، وخرج إلى علي منهم نحو من مائة، وكانوا أربعة آلاف، فكان الذين بقوا مع عبد الله بن وهب ألفين وثمانمائة، فزحفوا إلى علي فقَالَ علي لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدءوكم، فتنادوا: الرواح الرواح، فشدوا على الناس، فلم تثبت خيل علي لشدتهم، فاستقبلت الرامية وجوههم بالنبل وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة فأناموهم، ولم يقتل من أصحاب علي ﵁ إلا سبعة أولهم يزيد بن نويرة. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثَابِتٍ، [أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ [بْنِ] [٦] مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الْعُكَبْرِيُّ، أَخْبَرَنَا جدي، حدّثنا

стр. 1674

إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ] [١] حَاتِمٍ الْمَدَنِيُّ، قَالَ [٢] : أَوَّلُ قَتِيلٍ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ يَوْمَ النَّهْرَوانِ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: يَزِيدُ بْنُ نُوَيْرَةَ، شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ مَرَّتَيْنِ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ جَازَ التَّلَّ فَلَهُ الْجَنَّةُ» . فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ نُوَيْرَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا بَيْنِي وَبَيْنَ الْجَنَّةِ هَذَا التَّلُّ، ثُمَّ أَخَذَ سَيْفَهُ فَضَارَبَ حَتَّى جَازَ التَّلَّ، فَقَالَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ: [٣] يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَجْعَلُ لي ما جعلت مِثْلَ مَا جَعَلْتَ لابْنِ عَمِّي يَزِيدَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، فَقَاتَلَ حَتَّى جَازَ التَّلَّ، ثُمَّ أَقْبَلا يَخْتَلِفَانِ فِي قَتِيلٍ قَتَلاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُمَا: «كِلاكُمَا قَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَلَكَ يَا يَزِيدُ عَلَى صاحبك درجة» ، قال: فشهد يزيد مَعَ عَلِيٍّ فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ. قَالَ علماء السير [٤] : وخرج علي فِي طلب ذي الثدية، فوجده فِي حفرة على شاطئ النهر قتيلا، فلما استخرج نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع/ على منكبه كثدي ٥٤/ أالمرأة له حلمة عليها شعيرات سود، فقَالَ علي: الله أكبر، والله ما كذبت ولا كذبت، أما والله لولا أن تنكلوا عن العمل لأخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه ﷺ لمن قاتلهم مستنصرا فِي قتالهم. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو الحسن علي بن أحمد بن إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ النَّسَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سفيان، قال: حدّثنا أصبغ بن الفرح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بَكِيرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أَنَّ الْحَرُورِيَّةَ لَمَّا خَرَجَتْ عَلَى عَلي بْن أبي طالب ﵁ وَقَالُوا: لا حُكْمَ إِلا للَّه، قالَ عَلِيٌّ ﵁: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وصف لنا

стр. 1675

نَاسًا إِنِّي لأَعْرِفُ صِفَتَهُمْ فِي هَؤُلاءِ، يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ، لا يُجَاوِزُ هَذَا مِنْهُمْ- وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ- مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ، فَيهِمْ أَسْوَدُ، إِحْدَى يَدَيْهِ كَأَنَّهَا طُبْيُ [١] شَاةٍ، أَوْ حَلَمَةُ ثَدْيٍ، فَلَمَّا قَتَلَهُمْ قَالَ: انْظُرُوا، فَنَظَرُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، فَقَالَ: ارْجِعُوا، وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ- مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا- فَوَجَدُوهُ فِي حُفْرَةٍ، فَأَتَوْا بِهِ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَأَنَا حَاضِرٌ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ فِيهِمْ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ، قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الأَزْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَكَّائِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ [٢] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحَمَّامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ [٣] ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ مَيْسَرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ [٤] : قَالَ عَلِيٌّ ﵁ حِينَ فَرَغْنَا مِنَ الْحَرُورِيَّةِ: إِنَّ فِيهِمْ رَجُلا مُخْدَجًا [٥] ، لَيْسَ فِي عَضُدِهِ عَظْمٌ، ثُمَّ عَظْمُهُ أَوْ عَضُدُهُ حَلَمَةٌ كَحَلَمَةِ الثَّدْيِ، عَلَيْهَا شُعَيْرَاتٌ طُوَالٌ عقف [٦] ، ٥٤/ ب فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، / وَأَنَا فِيمَنْ يَلْتَمِسُ. قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ عَلِيًّا جَزِعًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْ جَزَعِهِ يَوْمَئِذٍ، فَقَالُوا: مَا نَجِدُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: وَيْلَكُمْ مَا اسْمُ هَذَا الْمَكَانِ؟ قَالُوا: النَّهْرَوَانُ، قَالَ: كَذَبْتُمْ إِنَّهُ لَفِيهِمْ، فَثَوَّرْنَا [٧] الْقَتْلَى فَلَمْ نَجِدْهُ، فَعُدْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا نَجِدُهُ، قَالَ: وَيْلَكُمْ مَا اسْمُ هَذَا الْمَكَانِ؟ قَالُوا: النَّهْرَوَانُ. قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَكَذَبْتُمْ إِنَّهُ لَفِيهِمْ فَالْتَمِسُوهُ، فَالْتَمَسْنَاهُ فِي سَاقِيَةٍ، فَوَجَدْنَاهُ فَجِئْنَا بِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى عَضُدِهِ لَيْسَ فِيهَا عَظْمٌ، وَعَلَيْهَا حَلَمَةٌ كَحَلَمَةِ ثدي المرأة، عليها شعرات طوال عقف.

стр. 1676

قَالَ علماء السير [١] : ثم قام علي ﵁ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قَالَ: إن الله قد [أحسن بكم [٢] ، و] أعز نصركم، فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، نفدت نبالنا، وكلت سيوفنا، فارجع إلى مصرنا، واستعد بأحسن عدتنا. فأقبل حتى نزل النخيلة، فأمر الناس أن يلزموا عسكرهم، ويوطنوا على الجهاد أنفسهم، وأن يقلوا زيارة أبنائهم ونسائهم حتى يسيروا إلى عدوهم، فأقاموا أياما ثم تسللوا فدخلوا إلا قليلا منهم، فلما رأى ذلك دخل الكوفة وانكسر رأيه فِي المسير. وقد ذهب قوم إلى أن هذه الوقعة بالخوارج كانت فِي سنة ثمان وثلاثين. وفِي هذه السنة، أعني سنة سبع وثلاثين حج بالناس [٣] عبيد الله بن عباس، وكان عامل علي على اليمن ومخاليفها، وكان عامله على مكة [والطائف] [٤] قثم بن العباس، وعلى المدينة سهل بن حنيف، وقيل: كان عليها تمام بن العباس. وكان على البصرة عَبْد اللَّهِ بن العباس، وعلى قضائها أبو الأسود الدؤلي، وعلى مصر مُحَمَّد بن أبي بكر. ولما شخص علي إلى صفين استخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاري، وعلى خراسان خليد بن قرة اليربوعي. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٢٩٥-/ الربيع بنت معوذ بن عفراء [٥] : ٥٥/ أأسلمت وبايعت رسول الله ﷺ ، وحدثت عنه. وكانت تغزو مع رسول الله ﷺ فتخدم القوم وترد القتلى والجرحى إلى المدينة.

стр. 1677

٢٩٦- خباب بن الأرت بن جندلة [١] : كان قد أصابه سباء فبيع بمكة واشترته أم أنمار، وهي أم سباع الخزاعية. ويقال: بل أم سباع بن عبد العزى واحدة. وكانت ختانة بمكة، وهي التي عنى حمزة بن عبد المطلب حين قَالَ لسباع بن عبد العزى وأمه أم أنمار: هلم يا ابن مقطعة البظور، فانضم خباب بن الأرت إلى آل سباع، وادعى حلف بني زهرة بهذا السبب. وكان يكنى أبا عَبْد اللَّهِ وأسلم قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وقبل أن يدعو فيها، وكان من المستضعفين الدين يعذبون بمكة ليرجع عن دينه. وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رَسُولُ الله ﷺ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، [أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الحسن بن مَعْرُوفٍ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهِمِ] [٢] ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَيَّانُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ [٣] : دَخَلَ خَبَّابُ بْنُ الأَرَتِّ عَلَى عُمَرَ فَأَجْلَسَهُ عَلَى مُتَّكَئِهِ، وَقَالَ: مَا عَلَى الأَرْضِ أحد أحق بهذا المجلس مِنْ هَذَا إِلا رَجُلٌ وَاحِدٌ، قَالَ لَهُ خَبَّابٌ: مَنْ هُوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: بِلالٌ، قَالَ: فَقَالَ خَبَّابٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا هُوَ بِأَحَقَّ مِنِّي، إِنَّ بِلالا كَانَ لَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَنْ يَمْنَعَهُ اللَّهُ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِي أَحَدٌ يَمْنَعُنِي، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمًا أَخَذُونِي وَأَوْقَدُوا لِي نَارًا ثُمَّ سَلَقُونِي فيها، ثم وضع رجل رِجْلَهُ عَلَى صَدْرِي فَمَا اتَّقَيْتُ الأَرْضَ إِلا بِظَهْرِي، قَالَ: ثُمَّ كَشَفَ عَنْ ظَهْرِهِ فَإِذَا هو قد بَرَصٌ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ [٤] : وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَسَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شهاب، قال:

стр. 1678

عَادَ خَبَّابًا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، فَقَالُوا: أَبْشِرْ/ يَا أبا عبد الله، إخوانك ٥٥/ ب تُقْدِمُ عَلَيْهِمْ غَدًا، فَبَكَى وَقَالَ: [عَلَيْهَا مِنْ حَالِي] [١] ، أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بِي جَزَعٌ، وَلَكِنْ ذَكَّرْتُمُونِي أَقْوَامًا وَسَمَّيْتُمُوهُمْ لِي إِخْوَانًا، وَإِنَّ أُولَئِكَ مَضَوْا وَأُجُورُهُمْ كَمَا هِيَ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ ثَوَابُ مَا تَذْكُرُونَ مِنْ تِلْكَ الأَعْمَالِ مَا أُوتِينَا بَعْدَهُمْ. توفي خباب بالكوفة فِي هذه السنة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وهو أول من دفن بظهر الكوفة. ٢٩٧- خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة بن عامر، أبو عمارة، وهو ذو الشهادتين: [٢] أَخْبَرَنَا محمد بْن أبي طاهر، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمر بْن حيويه، قَالَ: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَمِّهِ- وَكَانَ من أصحاب رسول الله ﷺ [٣] : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الأَعْرَابِ، فَاسْتَتْبَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُعْطِيَهُ ثَمَنَهُ، فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَشْيَ، وَأَبْطَأَ الأَعْرَابِيُّ فَطَفِقَ رِجَالٌ يَلْقَوْنَ الأَعْرَابِيَّ يُسَاوِمُونَهُ الْفَرَسَ وَلا يَشْعُرُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِ ابْتَاعَهُ، حَتَّى زَادَ بَعْضُهُمُ الأَعْرَابِيَّ فِي السَّوْمِ عَلَى ثَمَنِ الْفَرَسِ الَّذِي ابْتَاعَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِهِ. فَلَمَّا زَادَهُ نَادَى الأَعْرَابِيُّ رسول الله ﷺ وَقَالَ: إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا هَذَا الْفَرَسَ فَابْتَعْهُ وَإِلا بِعْتُهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَمِعَ قَوْلَ الأَعْرَابِيِّ حَتَّى أَتَاهُ الأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَسْتُ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟» فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: لا وَاللَّهِ مَا بِعْتُكَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَلَى قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ» فَطَفِقَ النَّاسُ يَلُوذُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالأَعْرَابِيِّ وَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ، وَطَفِقَ الأعرابي/ يقول: هلم شهيدا ٥٦/ أيشهد لَكَ، فَمَنْ جَاءَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ للأَعْرَابِي: وَيْلَكَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ لِيَقُلْ إِلا حَقًّا، حَتَّى جَاءَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، فَاسْتَمَعَ مُرَاجَعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمُرَاجَعَةَ الأَعْرَابِيِّ، فَطَفِقَ الأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: هَلُمَّ شَهِيدًا يَشْهَدُ أَنِّي قد بايعتك، فقال خزيمة: أنا

стр. 1679

أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى خُزَيْمَةَ فَقَالَ: بِمَ تَشْهَدُ؟ قَالَ: بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ. قَالَ مُحَمَّد بن عمر [١] : لم يسم لنا أخو خزيمة الذي روى هذا الحديث، وكان له أخوان، [يقال لأحدهما وحوح] [٢] ولا عقب له، وعَبْد اللَّهِ وله عقب. وفِي طريق آخر أنه قَالَ [٣] : أنا أصدقك بخبر السماء، ولا أصدقك بما تقول. قَالَ مُحَمَّد بن عمر [٤] : وكانت له راية بني خطمة فِي يوم الفتح، وشهد صفين مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وقتل يومئذ. ٢٩٨- سفينة- مولى رسول الله ﷺ واسمه مهران، ويكنى أبا عَبْد الرَّحْمَنِ [٥] : اشترته أم سلمة فاعتقته واشترطت عليه يَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما عاش. أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسن بن علي الجوهري، قال: أخبرنا ابْنُ حَيَّوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الفهم، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سعد، قال: أخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا خرجُ بْنُ نُبَاتَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُهْمَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ سَفِينَةَ عَنِ اسْمِهِ، فَقَالَ: سَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سفينة، قلت: وبما سَمَّاكَ سَفِينَةَ؟ قَالَ: خَرَجَ مَعَهُ أَصْحَابُهُ فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ مَتَاعُهُمْ فَقَالَ لِي: ابْسُطْ لِي كُسَاكَ، فَبَسَطَهُ، فَحَوَّلُوا فِيهِ مَتَاعَهُمْ ثُمَّ حَمَلُوهُ عَلَيَّ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «احْمِلْ فَمَا أَنْتَ إِلا سَفِينَةَ» . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن مُوسَى، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بن المنكدر، عن سفينة:

стр. 1680

أَنَّهُ رَكِبَ سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ، / فَانْكَسَرَتْ بِهِمْ، قال: فتعلقت بشيء منها حتى ٥٦/ ب خرجت إلى جزيرة، فإذا فِيهَا الأَسَدُ، فَقُلْتُ: أَبَا الْحَارِثِ، إِنَّمَا سَفِينَةُ مولى رسول الله ﷺ ، فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ وَجَعَلَ يَدْفَعُنِي بِجَنْبَيْهِ، يَدُلُّنِي عَلَى الطَّرِيقِ فَلَمَّا خَرَجْتُ إِلَى الطَّرِيقِ هَمَّهُمْ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوَدِّعُنِي. ٢٩٩- سحيم، عبد بني الحسحاس: [١] اشتراه عَبْد اللَّهِ بن عامر، فأهداه إلى عُثْمَان بْن عَفَّانَ فرده عليه وقَالَ: لا حاجة لنا فيه، وله أشعار كثيرة وأخبار. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر الحافظ، أَخْبَرَنَا أبو الحسين بن عبد الجبار، أَخْبَرَنَا الجوهري، أَخْبَرَنَا ابن حيوية، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن خلف، قَالَ: قَالَ ابن الأعرابي: كان سحيم حبشيا وقد أدرك الجاهلية. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّازُ، [عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّه أَحْمَدُ بْن مُحَمَّد بْنِ إِسْحَاقَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا] [٢] الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ خَالِهِ يُوسُفَ بْنِ الْمَاجِشُونَ، قَالَ: اشْتَرَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ سُحَيْمًا عَبْدَ بَنِي الْحَسْحَاسِ، وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: إِنِّي قَدِ ابْتَعْتُ لَكَ غُلامًا حَبَشِيًّا شَاعِرًا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ: لا حَاجَةَ لِي بِهِ، فَإِنَّمَا قُصَارَى الْعَبْدِ الشَّاعِرِ، إِنْ شَبِعَ تَشَبَّبَ بِنِسَائِهِمْ، وَإِنْ جَاعَ يَهْجُوهُمْ، فَرَدَّهُ عَبْدَ اللَّهِ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْحَسْحَاسِ. وَكَانَ حَبَشِيًّا أَعْجَمِيَّ اللِّسَانِ يُنْشِدُ الشِّعْرَ. قَالَ الزبير: وحَدَّثَنِي عمر بن أبي بكر، عن أبي صالح الفقعسي، قَالَ: كان سحيم عبدا لبني الحسحاس حبشيا شاعرا، وكان يهوى ابنة مولاه عميرة بنت أبي معبد، ويكنى عن حبها إلى أن خرج مولاه أبو معبد سفرا، وخرج به معه، وكان أبو معبد يتشوق إلى ابنته ويقول: عميرة ودع إن تجهزت غاديا

стр. 1681

[يردد النصف ولا يزيد عليه ثم قَالَ: ابعد يا سحيم، فهيج منه ما كان باطنا فقَالَ: عميرة ودع إن تجهزت غاديا] [١] ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا ثم بنى عليها وأتمها قصيدة وفحش فيها فقَالَ: وبتنا وسادانا [إلى علجانة ... وحقف تهاداه الرياح تهاديا] [٢] ٥٧/ أ/ توسدني كفا وتثني بمعصم ... علي وتحوي رجلها من ورائيا وهبت شمالا آخر الليل قرة ... ولا ثوب إلا درعها وردائيا فما زال ثوبي طيبا من نسيمها ... إلى الحول حتى أنهج الثوب باليا قَالَ: فذهب به أبو معبد إلى المدينة ليبيعه بها، فقَالَ بعد أن أخرجه بها: وما كنت أخشى معبدا أن يبيعني ... بشيء ولو أمست أنامله صفرا أخوكم ومولى مالكم وربيبكم ... ومن قد ثوى فيكم وعاشركم دهرا أشوقا ولما يمض لي غير ليلة ... فكيف إذا سار المطي بنا عشرا قَالَ: فرق له ورده، وآل أمر سحيم أنه أحب امرأة من أهل بيت مولاه، فأخذوه وأحرقوه. وقَالَ ابن قتيبة: سقوه الخمر وعرضوا عليه نسوة، فلما مرت به التي كان يتهم بها أهوى إليها فقتلوه. ٣٠٠- عَبْد اللَّهِ بن الأرقم بن عبد يغوث [بن وهب] بن عبد مناف بن زهرة [٣] : أسلم يوم الفتح، وكان يكتب لرَسُول اللَّهِ ﷺ ولأبي بكر ﵁. وكتب إلى رسول الله ﷺ كتاب فقَالَ: من يجيب؟ فقَالَ ابن الأرقم: أنا، فأجاب عنه ثم أتى إلى رسول الله ﷺ فأعجبه وأنفذه. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يعجبه ذلك ويقول: أصاب ما أراد رسول الله ﷺ ، فلم يزل ذلك فِي قلبه، فلما ولي عمر استعمله على بيت المال، وقَالَ عمر: ما رأيت أحدا أخشى للَّه منه.

стр. 1682

أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر البزاز، قَالَ: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ معروف قال: حدثنا ابْن الفهم، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سعد، قال: أخبرنا محمد بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جعفر، عَنْ أُمِّ بَكْرٍ بِنْتِ الْمَنْصُورِ، عَنْ أَبِيهَا قَالَ: وَلَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْتَ مَالِ الْمُسْلِمِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الأَرْقَمِ الزُّهْرِيَّ/، وَكَانَ ٥٧/ ب عُمَرُ ﵁ يَسْتَسْلِفُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا أَخْرَجَ الْعَطَاءَ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ فَتَقَاضَاهُ فَيُقْضِيهِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ أَقَرَّهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَكَانَ يَسْتَسْلِفُ مِنْهُ ثُمَّ يُقْضِيهِ كَعُمَرَ، ثُمَّ اجْتَمَعَ عِنْدَ عُثْمَانَ مَالٌ كَثِيرٌ وَحَضَرَ خُرُوجُ الْعَطَاءِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَدِّ الْمَالَ الَّذِي اسْتَسْلَفْتَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا أَنْتَ وَذَاكَ، إِنَّمَا أَنْتَ خَازِنٌ، فَخَرَجَ عَبْدُ ِاللَّهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَصَاحَ بِالنَّاسِ، فَاجْتَمَعُوا فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا قَالَ عُثْمَانُ وَقَالَ: هَذِهِ مَفَاتِيحُ بَيْتِ مَالِكُمْ. قَالَ مؤلف الكتاب: ولما رد المفاتيح استخزن عثمان زيد بن ثابت. ٣٠١- عَبْد اللَّهِ بن خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة [١] : ولد فِي زمان رسول الله ﷺ ، وكان موصوفا بالخير والصلاح، وورد المدائن وقتله الخوارج وهو بالنهروان. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن محمد، قال: أخبرنا أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، [قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي صَابِرٍ الدَّلالُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَلِيُّ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ عَبْدَةَ الشَّيْبَانِيُّ الْبَصْرِيُّ، عَنْ أَيُّوبُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ] [٢] ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، قَالَ [٣] : كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ يَوْمَ الْنَهْرَوَانِ [٤] ، فَجَاءَتِ الْحَرُورِيَّةُ فَكَانَتْ من وراء النهر، فقال:

стр. 1683

والله لا يقتل اليوم رجل من وراء النَّهْرِ، ثُمَّ نَزَلُوا فَقَالُوا لِعَلِيٍّ: قَدْ نَزَلُوا، قَالَ: وَاللَّهِ لا يُقْتَلُ الْيَوْمَ رَجُلٌ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ، فَأَعَادُوا عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَقَالَةَ ثَلاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُمْ عَلِيٌّ مِثْلَ قَوْلِهِ الأَوَّلِ، قَالَ: فَقَالَتِ الْحَرُورِيَّةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَرَى عَلِيٌّ أَنَّا نَخَافُهُ، فَأَجَازُوا، فَقَالَ عَلِيٌّ لأَصْحَابِهِ: لا تُحَرِّكُوهُمْ حَتَّى يُحْدِثُوا حَدَثًا، فَذَهَبُوا إِلَى مَنْزِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ وَكَانَ مِنْزُلُهُ عَلَى شَطِّ النَّهْرِ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ مَنْزِلِهِ، فَقَالُوا: حَدِّثْنَا بِحَدِيثٍ حَدَّثَكَهُ أَبُوكَ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فيها خير من القائم، والقائم فيها خير مِنَ السَّاعِي» ، فَقَدَّمُوهُ إِلَى الْمَاءِ فَذَبَحُوهُ كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ، فَسَالَ دَمُهُ فِي الْمَاءِ مِثْلَ الشراك ما امذقرّ. ٥٨/ أقال الْحَكَمُ: فَسَأَلْتُ أَبَا أَيُّوبَ: مَا امْذَقَرَّ؟ / قَالَ: مَا اخْتَلَطَ. قَالَ: وَأَخْرَجُوا أُمَّ وَلَدِهِ فَشَقُّوا عَمَّا فِي بَطْنِهَا، فَأُخْبِرَ عَلِيٌّ بِمَا صَنَعُوا، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، نَادُوهُمْ أَخْرِجُوا لَنَا قَاتِلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، قَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَهُ، فَنَادَاهُمْ ثَلاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُونَ هَذَا الْقَوْلَ. فَقَالَ عَلِيٌّ لأَصْحَابِهِ: دُونَكَمُ الْقَوْمُ، قَالَ: فَمَا لَبِثُوا أَنْ قَتَلُوهُمْ، فقَالَ عَلِيٌّ: اطْلُبُوا فِي الْقَوْمِ رَجُلا يَدُهُ كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ، فَطَلَبُوهُ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: مَا وَجَدْنَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلا كُذِبْتُ، وَإِنَّهُ لَفِي الْقَوْمِ. ثَلاثَ مَرَّاتٍ يَجِيئُونَهُ فَيَقُولُ لَهُمْ هَذَا الْقَوْلَ. ثُمَّ قَامَ هُوَ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَ لا يَمُرُّ بِقَتْلَى جَمِيعًا إِلا بَحَثَهُمْ فَلا يَجِدُهُ فِيهِمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى حُفْرَةٍ مِنَ الأَرْضِ فِيهَا قَتْلَى كَثِيرٌ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَبَحَثُوا فَوُجِدَ فِيهِمْ، فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: لَوْلا أَنْ تَنْتَظِرُوا لأَخْبَرْتُكُمْ بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ تعالى لِمَنْ قَتَلَ هَؤُلاءِ. ٣٠٢- عَبْد اللَّهِ بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب بن خزيمة [١] : أسلم قديما. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قَالَ: أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ قَدِيمًا، وَكَانَ يكتب لرسول الله ﷺ الوحي، فربما أملى

стр. 1684

عليه رسول الله ﷺ : «سَمِيعٌ عَلِيمٌ» ٢: ١٨١، فيكتب «عَلِيمٌ حَكِيمٌ» ٤: ٢٦. فيقرأه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيُقِرُّهُ، فَافْتَتَنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعٍد، وَقَالَ: مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ مَا يَقُولُ، إِنِّي لأَكَتْبُ لَهُ مَا شِئْتُ، هَذَا الَّذِي يُوحَى إِلَيَّ كَمَا يُوحَى إِلَى مُحَمَّدٍ. وَخَرَجَ هَارِبًا مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ مُرْتَدًّا، فَأَهْدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَجَاءَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ- وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ- فَقَالَ: يَا أَخِي إِنِّي وَاللَّهِ اخْتَرْتُكَ على غيرك فاحبسني هاهنا، وَاذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلِّمْهُ فِيَّ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا إِنْ رَآنِي ضَرَبَ الَّذِي فِيهِ عَيْنَايَ، فَإِنَّ جُرْمِي أَعْظَمُ الْجُرْمِ، وَقَدْ جِئْتُ تَائِبًا، فَقَالَ عُثْمَانُ: بَلِ اذهب معي، فقال: والله/ لئن ٥٨/ ب رَآنِي لَيَضْرِبَنَّ عُنُقِي فَقَدْ أَهْدَرَ دَمِي وَأَصْحَابُهُ يَطْلُبُونَنِي فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، فَقَالَ عُثْمَانُ: انْطَلِقْ مَعِي فَلا يَقْتُلَنَّكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَرْعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلا بعثمان آخذا بيد عبد الله ابن أَبِي سَرْحٍ وَاقِفَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ عُثْمَانُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّهُ كَانَتْ تَحْمِلُنِي وَتُمْشِيهِ، وَتُرْضِعُنِي وَتَفْطِمُهُ، وَكَانَتْ تَلْطُفُنِي [١] وَتَتْرُكُهُ فَهَبْهُ لِي، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَعَلَ عُثْمَانُ كُلَّمَا أَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِوَجْهِهِ اسْتَقْبَلَهُ فَيُعِيدُ عَلَيْهِ هَذَا الْكَلامَ، وَإِنَّمَا أَعْرَضَ النَّبِيُّ ﷺ إِرَادَةَ أَنْ يَقُومَ رَجُلٌ فَيَضْرِبُ عُنُقَهُ لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْهُ. فَلَمَّا رَأَىَ أَلا يَقُومَ أَحَدٌ وَعُثْمَانُ قَدْ أَكَبَّ على رسول الله ﷺ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُبَايِعُهُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَعَمْ» ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمْ أَنْ يَقُومَ رَجُلٌ مِنْكُمْ إِلَى هَذَا الْكَلْبِ فَيَقْتُلَهُ» - أَوْ قَالَ: الْفَاسِقِ- فَقَالَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ: أَلا أومأت إليّ يا رسول الله، فو الّذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لأَتْبَعُ طَرَفَكَ مِنْ كُلِّ ناحية رجاء أن تشير إلي فأضرب عُنُقِهِ- وَيُقَالُ: قَالَهُ أَبُو الْيُسْرِ، وَيُقَالُ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَلَعَلَّهُمْ قَالُوا جَمِيعًا- فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنِّي لا أَقْتُلُ بِالإِشَارَةِ» . وَقَالَ قَائِلٌ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يومئذ: «إن النبي لا تَكُونُ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ» فَبَايَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الإِسْلامِ، وَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّمَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفِرُّ مِنْهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَاهُ يَفِرُّ مِنْكَ كُلَّمَا رَآكَ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «أو لم أبايعه وأؤمنه» قال: بلى وَلَكِنَّهُ يَتَذكر عِظَمَ جُرْمِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الإِسْلامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» فَرَجَعَ عُثْمَانُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ فَأَخْبَرَهُ فَكَانَ/ بَعْدَ ذَلِكَ يَأْتِي فَيُسَلِّمُ عَلَى ٥٩/ أرسول اللَّهِ ﷺ مَعَ النَّاسِ.

стр. 1685

وشهد عبد الله فتح مصر، واختط بِهَا، وَوَلاهُ إِيَّاهَا عُثْمَانُ، وَغَزَا إِفْرِيقِيَّةَ وَأَرْضَ النُّوبَةِ وَذَاتَ الصَّوَارِي مِنْ أَرْضِ الرُّومِ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ وَفَدَ عَلَى عُثْمَانَ، فَلَمَّا رَجَعَ مَنَعَهُ ابْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ الْفُسْطَاطِ، فَمَضَى إِلَى عَسْقَلانَ فَأَقَامَ بِهَا وَلَمْ يُبَايِعْ لِعَلِيٍّ وَلا لِمُعَاوِيَةَ. تُوُفِّيَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. ٣٠٣- عمار بن ياسر بن مالك بن كنانة بن قيس، يكنى أبا اليقظان [١] : أسلم بمكة قديما فِي دار الأرقم بعد بضعة وثلاثين رجلا، وهو معدود فِي السابقين الأولين من المهاجرين عذب فِي الله بمكة وأسلم هو وأبوه وأمه سمية مولاة أبي حذيفة بن المغيرة، وكانت قريش تعذبهم فِي الرمضاء ليرجعوا عن دينهم، ومر النبي ﷺ بهم وهم يعذبون، فقَالَ: «اصبروا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة» . وكان عمار [٢] يعذب حتى لا يدري ما يقول، وهو أول من بنى مسجدا فِي بيته يصلي فيه. شهد مع رسول الله ﷺ بدرا والمشاهد كلها، وكان طويلا أدما مضطربا، أشهل العينين، بعيد ما بين المنكبين، لا يغير شيبه. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، [أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، أَخْبَرَنَا قَبِيصَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ] [٣] ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ [٤] : اسْتَأْذَنَ عَمَّارٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَعَرَفَ صَوْتَهُ، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ بْنِ الْمُطَيَّبِ» . أَخْبَرَنَا الْكَرُوخِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الأَزْدِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْعَزْرَجِيُّ، قَالا: أَخْبَرَنَا الْجَرَّاحِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْغَنَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْحَسَنِ [بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ الأَيَادِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ] ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
следующие страницы →