← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

[يردد النصف ولا يزيد عليه ثم قَالَ: ابعد يا سحيم، فهيج منه ما كان باطنا فقَالَ: عميرة ودع إن تجهزت غاديا] [١] ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا ثم بنى عليها وأتمها قصيدة وفحش فيها فقَالَ: وبتنا وسادانا [إلى علجانة ... وحقف تهاداه الرياح تهاديا] [٢] ٥٧/ أ/ توسدني كفا وتثني بمعصم ... علي وتحوي رجلها من ورائيا وهبت شمالا آخر الليل قرة ... ولا ثوب إلا درعها وردائيا فما زال ثوبي طيبا من نسيمها ... إلى الحول حتى أنهج الثوب باليا قَالَ: فذهب به أبو معبد إلى المدينة ليبيعه بها، فقَالَ بعد أن أخرجه بها: وما كنت أخشى معبدا أن يبيعني ... بشيء ولو أمست أنامله صفرا أخوكم ومولى مالكم وربيبكم ... ومن قد ثوى فيكم وعاشركم دهرا أشوقا ولما يمض لي غير ليلة ... فكيف إذا سار المطي بنا عشرا قَالَ: فرق له ورده، وآل أمر سحيم أنه أحب امرأة من أهل بيت مولاه، فأخذوه وأحرقوه. وقَالَ ابن قتيبة: سقوه الخمر وعرضوا عليه نسوة، فلما مرت به التي كان يتهم بها أهوى إليها فقتلوه. ٣٠٠- عَبْد اللَّهِ بن الأرقم بن عبد يغوث [بن وهب] بن عبد مناف بن زهرة [٣] : أسلم يوم الفتح، وكان يكتب لرَسُول اللَّهِ ﷺ ولأبي بكر ﵁. وكتب إلى رسول الله ﷺ كتاب فقَالَ: من يجيب؟ فقَالَ ابن الأرقم: أنا، فأجاب عنه ثم أتى إلى رسول الله ﷺ فأعجبه وأنفذه. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يعجبه ذلك ويقول: أصاب ما أراد رسول الله ﷺ ، فلم يزل ذلك فِي قلبه، فلما ولي عمر استعمله على بيت المال، وقَالَ عمر: ما رأيت أحدا أخشى للَّه منه.

стр. 1682

أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر البزاز، قَالَ: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ معروف قال: حدثنا ابْن الفهم، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سعد، قال: أخبرنا محمد بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جعفر، عَنْ أُمِّ بَكْرٍ بِنْتِ الْمَنْصُورِ، عَنْ أَبِيهَا قَالَ: وَلَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْتَ مَالِ الْمُسْلِمِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الأَرْقَمِ الزُّهْرِيَّ/، وَكَانَ ٥٧/ ب عُمَرُ ﵁ يَسْتَسْلِفُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا أَخْرَجَ الْعَطَاءَ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ فَتَقَاضَاهُ فَيُقْضِيهِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ أَقَرَّهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَكَانَ يَسْتَسْلِفُ مِنْهُ ثُمَّ يُقْضِيهِ كَعُمَرَ، ثُمَّ اجْتَمَعَ عِنْدَ عُثْمَانَ مَالٌ كَثِيرٌ وَحَضَرَ خُرُوجُ الْعَطَاءِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَدِّ الْمَالَ الَّذِي اسْتَسْلَفْتَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا أَنْتَ وَذَاكَ، إِنَّمَا أَنْتَ خَازِنٌ، فَخَرَجَ عَبْدُ ِاللَّهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَصَاحَ بِالنَّاسِ، فَاجْتَمَعُوا فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا قَالَ عُثْمَانُ وَقَالَ: هَذِهِ مَفَاتِيحُ بَيْتِ مَالِكُمْ. قَالَ مؤلف الكتاب: ولما رد المفاتيح استخزن عثمان زيد بن ثابت. ٣٠١- عَبْد اللَّهِ بن خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة [١] : ولد فِي زمان رسول الله ﷺ ، وكان موصوفا بالخير والصلاح، وورد المدائن وقتله الخوارج وهو بالنهروان. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن محمد، قال: أخبرنا أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، [قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي صَابِرٍ الدَّلالُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَلِيُّ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ عَبْدَةَ الشَّيْبَانِيُّ الْبَصْرِيُّ، عَنْ أَيُّوبُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ] [٢] ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، قَالَ [٣] : كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ يَوْمَ الْنَهْرَوَانِ [٤] ، فَجَاءَتِ الْحَرُورِيَّةُ فَكَانَتْ من وراء النهر، فقال:

стр. 1683

والله لا يقتل اليوم رجل من وراء النَّهْرِ، ثُمَّ نَزَلُوا فَقَالُوا لِعَلِيٍّ: قَدْ نَزَلُوا، قَالَ: وَاللَّهِ لا يُقْتَلُ الْيَوْمَ رَجُلٌ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ، فَأَعَادُوا عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَقَالَةَ ثَلاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُمْ عَلِيٌّ مِثْلَ قَوْلِهِ الأَوَّلِ، قَالَ: فَقَالَتِ الْحَرُورِيَّةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَرَى عَلِيٌّ أَنَّا نَخَافُهُ، فَأَجَازُوا، فَقَالَ عَلِيٌّ لأَصْحَابِهِ: لا تُحَرِّكُوهُمْ حَتَّى يُحْدِثُوا حَدَثًا، فَذَهَبُوا إِلَى مَنْزِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ وَكَانَ مِنْزُلُهُ عَلَى شَطِّ النَّهْرِ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ مَنْزِلِهِ، فَقَالُوا: حَدِّثْنَا بِحَدِيثٍ حَدَّثَكَهُ أَبُوكَ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فيها خير من القائم، والقائم فيها خير مِنَ السَّاعِي» ، فَقَدَّمُوهُ إِلَى الْمَاءِ فَذَبَحُوهُ كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ، فَسَالَ دَمُهُ فِي الْمَاءِ مِثْلَ الشراك ما امذقرّ. ٥٨/ أقال الْحَكَمُ: فَسَأَلْتُ أَبَا أَيُّوبَ: مَا امْذَقَرَّ؟ / قَالَ: مَا اخْتَلَطَ. قَالَ: وَأَخْرَجُوا أُمَّ وَلَدِهِ فَشَقُّوا عَمَّا فِي بَطْنِهَا، فَأُخْبِرَ عَلِيٌّ بِمَا صَنَعُوا، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، نَادُوهُمْ أَخْرِجُوا لَنَا قَاتِلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، قَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَهُ، فَنَادَاهُمْ ثَلاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُونَ هَذَا الْقَوْلَ. فَقَالَ عَلِيٌّ لأَصْحَابِهِ: دُونَكَمُ الْقَوْمُ، قَالَ: فَمَا لَبِثُوا أَنْ قَتَلُوهُمْ، فقَالَ عَلِيٌّ: اطْلُبُوا فِي الْقَوْمِ رَجُلا يَدُهُ كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ، فَطَلَبُوهُ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: مَا وَجَدْنَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلا كُذِبْتُ، وَإِنَّهُ لَفِي الْقَوْمِ. ثَلاثَ مَرَّاتٍ يَجِيئُونَهُ فَيَقُولُ لَهُمْ هَذَا الْقَوْلَ. ثُمَّ قَامَ هُوَ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَ لا يَمُرُّ بِقَتْلَى جَمِيعًا إِلا بَحَثَهُمْ فَلا يَجِدُهُ فِيهِمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى حُفْرَةٍ مِنَ الأَرْضِ فِيهَا قَتْلَى كَثِيرٌ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَبَحَثُوا فَوُجِدَ فِيهِمْ، فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: لَوْلا أَنْ تَنْتَظِرُوا لأَخْبَرْتُكُمْ بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ تعالى لِمَنْ قَتَلَ هَؤُلاءِ. ٣٠٢- عَبْد اللَّهِ بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب بن خزيمة [١] : أسلم قديما. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قَالَ: أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ قَدِيمًا، وَكَانَ يكتب لرسول الله ﷺ الوحي، فربما أملى

стр. 1684

عليه رسول الله ﷺ : «سَمِيعٌ عَلِيمٌ» ٢: ١٨١، فيكتب «عَلِيمٌ حَكِيمٌ» ٤: ٢٦. فيقرأه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيُقِرُّهُ، فَافْتَتَنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعٍد، وَقَالَ: مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ مَا يَقُولُ، إِنِّي لأَكَتْبُ لَهُ مَا شِئْتُ، هَذَا الَّذِي يُوحَى إِلَيَّ كَمَا يُوحَى إِلَى مُحَمَّدٍ. وَخَرَجَ هَارِبًا مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ مُرْتَدًّا، فَأَهْدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَجَاءَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ- وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ- فَقَالَ: يَا أَخِي إِنِّي وَاللَّهِ اخْتَرْتُكَ على غيرك فاحبسني هاهنا، وَاذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلِّمْهُ فِيَّ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا إِنْ رَآنِي ضَرَبَ الَّذِي فِيهِ عَيْنَايَ، فَإِنَّ جُرْمِي أَعْظَمُ الْجُرْمِ، وَقَدْ جِئْتُ تَائِبًا، فَقَالَ عُثْمَانُ: بَلِ اذهب معي، فقال: والله/ لئن ٥٨/ ب رَآنِي لَيَضْرِبَنَّ عُنُقِي فَقَدْ أَهْدَرَ دَمِي وَأَصْحَابُهُ يَطْلُبُونَنِي فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، فَقَالَ عُثْمَانُ: انْطَلِقْ مَعِي فَلا يَقْتُلَنَّكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَرْعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلا بعثمان آخذا بيد عبد الله ابن أَبِي سَرْحٍ وَاقِفَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ عُثْمَانُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّهُ كَانَتْ تَحْمِلُنِي وَتُمْشِيهِ، وَتُرْضِعُنِي وَتَفْطِمُهُ، وَكَانَتْ تَلْطُفُنِي [١] وَتَتْرُكُهُ فَهَبْهُ لِي، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَعَلَ عُثْمَانُ كُلَّمَا أَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِوَجْهِهِ اسْتَقْبَلَهُ فَيُعِيدُ عَلَيْهِ هَذَا الْكَلامَ، وَإِنَّمَا أَعْرَضَ النَّبِيُّ ﷺ إِرَادَةَ أَنْ يَقُومَ رَجُلٌ فَيَضْرِبُ عُنُقَهُ لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْهُ. فَلَمَّا رَأَىَ أَلا يَقُومَ أَحَدٌ وَعُثْمَانُ قَدْ أَكَبَّ على رسول الله ﷺ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُبَايِعُهُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَعَمْ» ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمْ أَنْ يَقُومَ رَجُلٌ مِنْكُمْ إِلَى هَذَا الْكَلْبِ فَيَقْتُلَهُ» - أَوْ قَالَ: الْفَاسِقِ- فَقَالَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ: أَلا أومأت إليّ يا رسول الله، فو الّذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لأَتْبَعُ طَرَفَكَ مِنْ كُلِّ ناحية رجاء أن تشير إلي فأضرب عُنُقِهِ- وَيُقَالُ: قَالَهُ أَبُو الْيُسْرِ، وَيُقَالُ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَلَعَلَّهُمْ قَالُوا جَمِيعًا- فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنِّي لا أَقْتُلُ بِالإِشَارَةِ» . وَقَالَ قَائِلٌ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يومئذ: «إن النبي لا تَكُونُ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ» فَبَايَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الإِسْلامِ، وَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّمَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفِرُّ مِنْهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَاهُ يَفِرُّ مِنْكَ كُلَّمَا رَآكَ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «أو لم أبايعه وأؤمنه» قال: بلى وَلَكِنَّهُ يَتَذكر عِظَمَ جُرْمِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الإِسْلامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» فَرَجَعَ عُثْمَانُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ فَأَخْبَرَهُ فَكَانَ/ بَعْدَ ذَلِكَ يَأْتِي فَيُسَلِّمُ عَلَى ٥٩/ أرسول اللَّهِ ﷺ مَعَ النَّاسِ.

стр. 1685

وشهد عبد الله فتح مصر، واختط بِهَا، وَوَلاهُ إِيَّاهَا عُثْمَانُ، وَغَزَا إِفْرِيقِيَّةَ وَأَرْضَ النُّوبَةِ وَذَاتَ الصَّوَارِي مِنْ أَرْضِ الرُّومِ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ وَفَدَ عَلَى عُثْمَانَ، فَلَمَّا رَجَعَ مَنَعَهُ ابْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ الْفُسْطَاطِ، فَمَضَى إِلَى عَسْقَلانَ فَأَقَامَ بِهَا وَلَمْ يُبَايِعْ لِعَلِيٍّ وَلا لِمُعَاوِيَةَ. تُوُفِّيَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. ٣٠٣- عمار بن ياسر بن مالك بن كنانة بن قيس، يكنى أبا اليقظان [١] : أسلم بمكة قديما فِي دار الأرقم بعد بضعة وثلاثين رجلا، وهو معدود فِي السابقين الأولين من المهاجرين عذب فِي الله بمكة وأسلم هو وأبوه وأمه سمية مولاة أبي حذيفة بن المغيرة، وكانت قريش تعذبهم فِي الرمضاء ليرجعوا عن دينهم، ومر النبي ﷺ بهم وهم يعذبون، فقَالَ: «اصبروا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة» . وكان عمار [٢] يعذب حتى لا يدري ما يقول، وهو أول من بنى مسجدا فِي بيته يصلي فيه. شهد مع رسول الله ﷺ بدرا والمشاهد كلها، وكان طويلا أدما مضطربا، أشهل العينين، بعيد ما بين المنكبين، لا يغير شيبه. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، [أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، أَخْبَرَنَا قَبِيصَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ] [٣] ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ [٤] : اسْتَأْذَنَ عَمَّارٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَعَرَفَ صَوْتَهُ، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ بْنِ الْمُطَيَّبِ» . أَخْبَرَنَا الْكَرُوخِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الأَزْدِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْعَزْرَجِيُّ، قَالا: أَخْبَرَنَا الْجَرَّاحِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْغَنَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْحَسَنِ [بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ الأَيَادِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ] ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 1686

«إِنَّ الْجَنَّةَ تَشْتَاقُ إِلَى ثَلاثَةِ [نَفَرٍ] [١] : عَلِيٍّ، وَعَمَّارٍ، وَسَلْمَانَ» . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، [أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا أحمد بن معروف، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ، حَدَّثَنَا] [٢] مُحَمَّدُ بْنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني يعقوب بن عَبْدُ اللَّهِ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، / أنه قال وهو يسير ٥٩/ ب إِلَى صِفِّينَ عَلَى شَطِّ الْفُرَاتِ: اللَّهمّ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرْضَى لَكَ عَنِّي أَنْ أَرْمِيَ بِنَفْسِي مِنْ هَذَا الْجَبَلِ فَأَتَرَدَّى فَأَسْقُطُ فَعَلْتُ، ولو أعلم أَنَّهُ أَرْضَى لَكَ عَنِّي أَنْ أُوقِدَ نَارًا عَظِيمَةً فَأَقَعَ فِيهَا فَعَلْتُ، اللَّهمّ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرْضَى لَكَ عَنِّي أَنْ أُلْقِيَ نَفْسِي فِي الْمَاءِ فَأُغْرِقَ نَفْسِي فَعَلْتُ، فَإِنِّي لا أُقَاتِلُ إِلا أُرِيدُ وَجْهَكَ، وَأَنَا أَرْجُو أَلا تُخَيِّبَنِي وَأَنَا أَرِيدُ وَجْهَكَ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ [٣] : وَأَخْبَرَنَا [أَبُو] [٤] دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَنْبَأَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ [٥] ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ [بْنَ سَلَمَةَ] [٦] يَقُولُ: رَأَيْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يَوْمَ صِفِّينَ شَيْخًا آدَمَ فِي يَدِهِ الْحَرْبَةُ، وَإِنَّهَا لَتَرْعَدُ، فَنَظَرَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمَعَهُ الرَّايَةُ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ قَدْ قَاتَلْتُ بِهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَهَذِهِ الرَّابِعَةُ، وَاللَّهِ لَوْ ضَرَبُونَا حَتَّى يُبْلِغُونَا سَعَفَاتِ هَجَرَ لَعَرَفْتُ أَنَّ مَصْلَحَتَنَا عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّهُ عَلَى الضَّلالَةِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، [أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَعْمَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي

стр. 1687

رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَمْرٍو الضَّمْرِيُّ] [١] ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ صَاحِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ [٢] : رَأَيْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ دَعَا بِشَرَابٍ فَأُتِيَ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، الْيَوْمَ أَلْقَى الأَحِبَّةَ مُحَمَّدًا وَحِزْبَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ آخِرَ شَيْءٍ تُزَوَّدَهُ مِنَ الدُّنْيَا صُحْفَةُ لَبَنٍ» . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ صَفْوَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ مِنْ عَبْسٍ مِنَ الْيَمَنِ، حَلِيفٌ لِبَنِي مَخْزُومٍ، وَيُكَنَّى أَبَا الْيَقْظَانِ، قُتِلَ بِصِفِّينَ مع أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلاثِينَ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ هُنَاكَ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ [٣] : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ: أَنَّ عليا صلّى على عمار ولم يغسله. ٦٠/ أقال مؤلف الكتاب: وقد قيل إن عمارا قتل وهو ابن إحدى وتسعين سنة. وقيل: أربع وتسعين، قتله أبو عادية المزني، طعنه برمح فسقط، فلما وقع أكب عليه/ رجل آخر فاجتز رأسه، وأقبلا يختصمان فيه، كلاهما يقول: أنا قتلته، فقَالَ عمرو بن العاص: والله إن يختصمان إلا فِي النار، فسمعها منه معاوية، فلما انصرف الرجلان قَالَ معاوية لعمرو: ما رأيت مثل ما صنعت قوم بذلوا أنفسهم دوننا تقول لهما: إنكما تختصمان فِي النار، فقَالَ عمرو: هو والله ذاك، والله إنك لتعلمه، ولوددت أني مت قبل هذا بعشرين سنة.

стр. 1688

ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين فمن الحوادث فيها مقتل مُحَمَّد بن أبي بكر ﵄ [١] قد تقدم ذكرنا السبب فِي عزل قيس بن سعد عن مصر وتولية مُحَمَّد بن أبي بكر. قَالَ الزهري [٢] : لما حدث قيس بن سعد [بمجيء] [٣] مُحَمَّد بن أبي بكر، وأنه قادم عليه أميرا، تلقاه وخلا به، وقَالَ له: إنك جئت من عند امرئ لا رأي له، وليس عزلكم إياي بمانعي أن أنصح لكم، وإني أدلك على الأمر الذي كنت أكايد به معاوية وعمرا فكايدهم به، فإنك إن تكايدهم بغيره تهلك، وحدثه بما كان يصنع، واغتشه مُحَمَّد، وخالف ما أمره به، فلما استقر مُحَمَّد نهض بأهل مصر إلى قتال أهل خربتا، وهزم مُحَمَّد، ولما قدم قيس بن سعد المدينة خافه مروان والأسود بن البخترى حتى إذا خاف أن يؤخذ ويقتل ركب راحلته فلحق بعلي ﵁. فكتب معاوية إلى مروان والأسود يتغيظ عليهما ويقول: أمددتما عليا بقيس بن سعد ومكايده، فو الله لو أمددتموه بمائة ألف مقاتل ما كان ذلك بأغيظ لي من إخراجكما قيسا إلى علي. فلما جاء قتل مُحَمَّد عرف علي أن قيسا كان يداري أمورا كثيرة، وأن من أشار إليه بعزل قيس لم ينصحه، فبعث الأشتر.

стр. 1689

وقد ذكرنا أن قوما يقولون: إنما بعث محمدا بعد الأشتر، والله أعلم. ٦٠/ ب ولما/ انصرف الحكمان [١] بايع أهل الشام معاوية بالخلافة ولم يزدد معاوية إلا قوة، واختلف الناس بالعراق على علي ﵁، فما كان لمعاوية هم إلا مصر، وكان يرجو أنه إذا أظهر عليها ظهر على حرب علي لعظم خراجها، وكان عمرو بن العاص صالح معاوية حين بايعه على قتال علي ﵁ على أن له مصر طعمة ما بقي. فلما أراد معاوية أخذ مصر استشار أصحابه، فقَالَ عمرو: أرى أن نبعث جيشا كثيفا عليهم رجل حازم صارم تأمنه وتثق به فيأتي مصر، فإنه سيأتيه من كان على مثل ذلك فتظاهره على عدوك، فقَالَ معاوية: هل عندك غير هذا؟ قَالَ: ما أعلمه، قَالَ معاوية: بلى، فكاتب من بها، فأما شيعتنا فنأمرهم بالثبات على أمرهم ونمنيهم قدومنا عليهم، وأما عدونا فندعوهم إلى صلحنا ونمنيهم شكرنا ونخوفهم حربنا، فإن صلحوا لنا وإلا كان حربهم من وراء ذلك، فقَالَ عمرو: اعمل بما ترى، فو الله ما أرى أمرك وأمرهم يؤول إلا إلى الحرب. فكتب معاوية إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري، وإلى معاوية بن حديج السكوني [الكندي] [٢] ، أما بعد: فإن الله تعالى قد ابتعثكما لأمر أعظم به أجركما، ورفع به ذكركما، طلبكما بدم الخليفة، فابشرا برضوان الله. فقدم به رسوله إلى مصر ومُحَمَّد بن أبي بكر أميرها، فكتبا إليه: عجل بخيلك ورجلك يفتح الله عليك. فبعث عمرو بن العاص فِي ستة آلاف، فخرج فاجتمع إليه العثمانية، وكتب إلى مُحَمَّد بن أبي بكر: تنح عني بدمك فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر، وكتب إليه معاوية: إني لا أعلم أحدا كان أعظم على عثمان بلاء منك، فلا تظنن أني نائم عنك. فبعث الكتابين إلى علي وكتب إليه: أما بعد، فإن ابن العاص قد نزل أراضي مصر، واجتمع إليه أهل البلد، وقد رأيت من قبلي بعض الفشل، فإن كان لك فِي أرض مصر حاجة فأمدني بالرجال والأموال. فكتب إليه علي: اصبر لعدوك وإن كانت فئتك أقل الفئتين، فإني باعث إليك

стр. 1690

الناس، وانتدب إلى القوم كنانة بن بشر، وقام علي ﵁ فحث/ الناس على ٦١/ أمصر، فتقاعدوا، فعاد يحثهم، فخرج نحو من ألفين، فقَالَ: أف لكم، وقام مُحَمَّد خطيبا، فقَالَ: إن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة قد ساروا إليكم بالجنود فمن أراد فليخرج إليهم، انتدبوا رحمكم الله مع كنانة بن بشر. فانتدب معه نحو من ألفِي رجل، وخرج مُحَمَّد فِي ألفِي رجل، وأقبل عمرو فطرد أصحابه كنانة، فبعث إلى معاوية بن حديج فأحاط أصحابه بكنانة فقاتل حتى قتل، وتفرق عن مُحَمَّد أصحابه، فخرج يمشي حتى انتهى إلى خربة، فأوى إليها، وخرج معاوية بن حديج فِي طلب مُحَمَّد حتى انتهى إلى علوج على قارعة الطريق، فسألهم: هل مر بكم أحد تستنكرونه؟ فقَالَ أحدهم: لا والله إلا أني دخلت تلك الخربة فإذا فيها رجل جالس، فقَالَ ابن حديج: هو هو ورب الكعبة، فدخلوا عليه واستخرجوه وقد كاد يموت عطشا وأقبلوا به نحو الفسطاط، فوثب أخوه عَبْد الرَّحْمَنِ بن أبي بكر- وكان فِي جند عمرو بن العاص- وقَالَ: أيقتل أخي صبرا، ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه، فبعث إليه: إن عمرو بن العاص يأمرك أن تأتيه بمُحَمَّد بن أبي بكر، فقَالَ: أكذاك قتلتم كنانة بن بشر وأخلي أنا عن مُحَمَّد، هيهات. فقَالَ مُحَمَّد: اسقوني من الماء، فقَالَ معاوية: لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبدا، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما، أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك فِي جوف حمار ثم أحرقه بالنار. فلما بلغ الخبر عائشة جزعت عليه جزعا شديدا، وقنتت فِي دبر كل صلاة تدعو على معاوية وعمرو، وقبضت عيال مُحَمَّد إليها وولده، وكان القاسم بن مُحَمَّد فِي عيالها، وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية بقتل مُحَمَّد وكنانة. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ الْحَافِظُ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ أَحْمَدَ التُّجِيبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي زَيْدِ بْنِ أَبِي الْعمرِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يحيى ابن زَيْدٍ، عَنْ/ إِسْحَاقَ بْنِ الْفُرَاتِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قال: ٦١/ ب بَعَثَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ بِمَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ سُلَيْمٌ إِلَى الْمَدِينَةِ بَشِيرًا بِقَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ قَمِيصُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَدَخَلَ بِهِ دَارَ عُثْمَانَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ آلُ عُثْمَانَ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، وَأَظْهَرُوا السُّرُورَ بِمَقْتَلِهِ، وَأَمَرَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بِكَبْشٍ يُشْوَى،

стр. 1691

وَبَعَثَتْ بِذَلِكَ إِلَى عَائِشَةَ وَقَالَتْ: هَكَذَا شُوِيَ أَخُوكِ، فَلَمْ تَأْكُلْ عَائِشَةُ شِوَاءً حَتَّى لَحِقَتْ باللَّه . وأما مُحَمَّد بن أبي حذيفة [١] فقد زعم قوم أنه قتل بعد قتل ابن أبي بكر. وقَالَ آخرون: بل قتل [قبل] [٢] ذلك فِي سنة ست وثلاثين، وقد سبق ذكر ذلك فيما قدمنا. وفِي هذه السنة بعد مقتل مُحَمَّد بن أبي بكر وجه معاوية عَبْد اللَّهِ بن عمرو بن الحضرمي إلى البصرة، فوجه علي ﵁ أعين بن ضبيعة المجاشعي لإخراج ابن الحضرمي من البصرة مددا لزياد [٣] شرح القصة [٤] : لما قتل مُحَمَّد بن أبي بكر خرج ابن عباس من البصرة إلى علي بالكوفة واستخلف زيادا، وقدم ابن الحضرمي من قبل معاوية، فنزل فِي بني تميم، فأرسل زيادا إلى حضين بن المنذر، ومالك بن مسمع، فقَالَ: أنتم يا معاشر بكر بن وائل من أنصار أمير المؤمنين، وقد نزل ابن الحضرمي حيث ترون، وأتاه من أتاه، فامنعوني حتى يأتيني رأي أمير المؤمنين، فقَالَ حضين: نعم، وقَالَ مالك- وكان رأيه مائلا إلى بني أمية، وكان مروان لجأ إليه يوم الجمل: هذا أمر لي فيه شركاء، أستشير وأنظر. فلما رأى زياد تثاقل مالك خاف أن تختلف ربيعة، فأرسل إلى نافع بن خالد فسأله أن يمنعه، فأشار عليه نافع بصبرة بن شيمان الحداني، فأرسل إليه زياد فقَالَ: ألا تجيرني وبيت مال المسلمين، قَالَ: بلى إن حملته إلي ونزلت داري، ففعل وحول معه المنبر، وتحول معه خمسون رجلا، فكان زياد يصلي الجمعة فِي مسجد الحداني. وكتب زياد إلى علي ﵁: إن ابن الحضرمي قد أقبل من الشام، فنزل ٦٢/ أفي بني تميم، ونعى ابن عفان، ودعى إلى الحرب وبايعته تميم وجل/ أهل البصرة، ولم يبق معي من أمتنع به، فاستجرت لنفسي ولبيت المال بصبرة بن شيمان، فوجه علي أعين بن ضبيعة، وكتب إلى زياد: إني قد وجهت أعين ليعرض بقومه عن ابن

стр. 1692

الحضرمي، فإن فرق جمعه فهو ما نريد، وإن ترقت إليهم الأمور فانهض إليهم وجاهدهم، وإن رأيت ممن قبلك تثاقلا، فدارهم وطاولهم، وكأنك بجنود الله قد أظلتك. فقدم أعين فأتى زيادا فنزل عنده، ثم أتى قومه فجمع رجالا ونهض إلى ابن الحضرمي، فدعاهم فشتموه وناوشوه وانصرف عنهم، فدخل عليه قوم فقتلوه، فلما قتل أعين، أراد زياد قتالهم، فأرسل بنو تميم إلى الأزد: إنا لم نعرض لجاركم ولا لأحد من أصحابه، فماذا تريدون من جارنا، وكرهت الأزد القتال، وقالوا: إن عرضوا لجارنا منعناه، وإن كفوا عنا كففنا عن جارهم، فأمسكوا. وكتب زياد إلى علي بقتل أعين، وأخبره أنه لم يخف معه ممن تقوى به على قتالهم، فكتب إليه علي يصوب رأيه، وبعث إليه حارثة بن قدامة فِي خمسين من بني تميم، وشريك بن الأعور في خمسمائة، فقدم حارثة البصرة، فقَالَ له زياد: احذر أن يصيبك ما أصاب صاحبك فسار حارثة إلى قومه فقرأ عليهم كتاب علي ﵁، فأجابه أكثرهم، فسار إلى ابن الحضرمي فحصره فِي داره ثم أحرق عليه الدار وعلى من معه، وكانوا سبعين رجلا، وقيل: أربعين، وتفرق الناس، ورجع زياد إلى دار الإمارة. وكان من الحوادث فِي هذه السنة إظهار الخريت [١] بن راشد فِي بني ناجية الخلاف على علي ﵁ [٢] . وذلك أنه كان مع الخريت من بني ناجية ثلاثمائة، وكانوا قدموا على علي من البصرة، فأقاموا معه بالكوفة، وخرجوا إليه يوم الجمل، وشهدوا معه صفين، فلما حكم علي جاءه الخريت فقَالَ: والله يا علي لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك، وإني لمفارق لك. فقَالَ علي: ثكلتك أمك، إذا تعصي ربك، وتنكث عهدك، ولا تضر إلا نفسك، لم تفعل ذلك؟ قَالَ: لأنك حكمت فِي الكتاب، / وضعفت عن الحق. ثم أنه فارقه ٦٢/ ب وخرج بأصحابه، فقَالَ زياد بن حفصة: يا أمير المؤمنين، إنا نخاف أن يفسد علينا جماعة كبيرة فأذن لي فِي اتباعهم أردهم عليك إن شاء الله، قَالَ: فاخرج فِي آثارهم

стр. 1693

راشدا، فخرج فِي آثارهم وقد جمع الخريت جموعا فاقتتلوا وانهزم الخريت، ثم عاد وجمع واستغوى الناس وحرضهم على قتال علي، فلقيه أصحابه فقتلوه. وفِي هذه السنة. حج بالناس قثم بن العباس بأمر علي ﵁، وهو عامله على مكة، وكان على اليمن عبيد الله بن العباس، وعلى البصرة عَبْد اللَّهِ بن العباس. وأما خراسان فكان عليها خليد بن قرة [١] اليربوعي. وقيل: ابن أبزي. وأما مصر فكانت بيد معاوية بن أبي سفيان، وعماله عليها من جهته كما ذكرنا فِي استملاكها [٢] . ذكر من توفي فِي هذه السنة من الأكابر ٣٠٤- أسماء بنت عميس [٣] : أسلمت بمكة قديما، وبايعت وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فولدت له هناك عَبْد اللَّهِ، ومحمدا، وعونا، ثم قتل عنها جعفر فتزوجها أبو بكر فولدت له مُحَمَّد بن أبي بَكْر، ثم توفي عنها وأوصى أن تغسله، ثم تزوجت بعده بعلي بن أبي طالب، فولدت له يَحْيَى وعونا. ٣٠٥- سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم، أبو سعد [٤] : شهد بدرا وأحدا، وثبت مع رسول الله ﷺ يومئذ وبايعه على الموت، وجعل ينضح عنه بالنبل، وشهد الخندف والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وشهد يوم صفين مع علي. وتوفي بالكوفة فِي هذه السنة، فصلى علي عليه وكبر عليه خمسا، وقيل: ستا، وقَالَ: إنه بدري.

стр. 1694

٣٠٦- صهيب بن سنان بن مالك، أبو يَحْيَى [١] : وأصله من النمر بن قاسط، وكان أبوه أو عمه عاملا لكسرى على الأبلة، وكانت منازلهم بأرض الموصل، فأغارت الروم عليهم فسبت صهيبا وهو غلام صغير، فنشأ بالروم، فابتاعته كلب منهم، ثم قدمت به مكة، فاشتراه عبد الله/ بن جدعان منهم، ٦٣/ أفأعتقه، فأقام معه بمكة إلى أن هلك عَبْد اللَّهِ بن جدعان. وبعث النبي ﷺ لما أراد الله به من الكرامة، ومن به عليه من الإسلام. وأما أهل صهيب وولده فيقولون: بل هرب من الروم حين بلغ، فقدم مكة فحالف عَبْد اللَّهِ بن جدعان فأقام معه إلى أن هلك. وكان صهيب رجلا أحمر شديد الحمرة، ليس بالطويل ولا بالقصير، بل هو إلى القصر أقرب، وكان كثير شعر الرأس، وكان يخضب بالحناء، ولما أسلم عذب فصبر، وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رَسُولُ الله ﷺ . وقَالَ عمر ﵁ لأهل الشورى ليصلي بكم صهيب، فصلى بهم المكتوبات، وقدموه فصلى على عمر ﵁. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الباقي، قال: أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بن الفهم، قال: أخبرنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بْن عُمَر، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قال: قال عمار بن ياسر [٢] : لقيت صهيبا بْنَ سِنَانٍ عَلَى بَابِ دَارِ الأَرْقَمِ وَرَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، فَقُلْتُ: مَا تُرِيدُ؟ فَقَالَ: مَا تُرِيدُ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: أَرَدْتُ أَدْخُلُ عَلَى مُحَمَّدٍ فَأَسْمَعُ كَلامَهُ، قَالَ: وَأَنَا أُرِيدُ ذَلِكَ، قَالَ: فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَعَرَضَ عَلَيْنَا الإِسْلَامَ فَأَسْلَمْنَا، ثُمَّ مَكَثْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ حَتَّى أَمْسَيْنَا، ثُمَّ خَرَجْنَا وَنَحْنُ مُسْتَخْفُونَ. فَكَانَ إِسْلامُ عَمَّارٍ وَصُهَيْبٍ بَعْدَ بِضْعٍ وَثَلاثِينَ رَجُلا.

стр. 1695

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَفَّانُ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ [١] : أَقْبَلَ صُهَيْبٌ نَحْوَ الْمَدِينَةِ مُهَاجِرًا، وَاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ وَانْتَثَلَ مَا فِي كِنَانَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعَاشِرَ [٢] قُرَيْشٍ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْمَاكُمْ رَجُلا، وَايْمُ اللَّهِ لا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَرْمِيَ بِكُلِّ سَهْمٍ مَعِي فِي كِنَانَتِي، ثُمَّ أَضْرِبُكُمْ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي مِنْهُ شَيْءٌ، فَافْعَلُوا مَا شِئْتُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى مَالِي وَخَلَّيْتُمْ سبيلي،. ففعل، فلما ٦٣/ ب قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى، رَبِحَ الْبَيْعُ» / قَالَ: وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمن النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ الله وَالله رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ٢: ٢٠٧ [٣] . توفي صهيب فِي هذه السنة، وهو ابن سبعين سنة، ودفن بالبقيع فِي المدينة. ٣٠٧- صفوان بن بيضا- أخو سهيل [٤] : شهد المشاهد مع رسول اللَّه ﷺ وتوفي فِي رمضان هذه السنة، وليس له عقب. ٣٠٨- مُحَمَّد بن أبي بكر: وقد ذكرنا صفة قتله، وإن معاوية بن حديج أحرقه بالنار، وكان قتله فِي صفر من هذه السنة.

стр. 1696

ثم دخلت سنة تسع وثلاثين فمن الحوادث فيها تفريق معاوية جنوده فِي أطراف علي ﵁ [١] . ومن ذلك [٢] : أنه وجه النعمان بن بشير فِي ألفِي رجل إلى عين التمر، وكان بها مالك بن كعب مسلحة لعلي فِي ألف رجل، فأذن لهم علي فأتوا الكوفة، وأتاه النعمان ولم يبق معه إلا مائة رجل، فكتب مالك إلى علي يخبره بأمر النعمان ومن معه، فخطب علي بالناس وأمرهم بالخروج، فتثاقلوا، فقَالَ: يا أهل الكوفة، كلما سمعتم بجيش من جيوش الشام أظلكم، انجحر كل امرئ منكم فِي بيته انجحار الضب فِي جحره، والضبع فِي وجارها، المغرور والله من غررتموه، ولمن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب: لا أحرار عند النداء، ولا إخوان ثقة عند النجاء، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦، ماذا منيت به منكم. وواقع مالك النعمان بن بشير فِي تلك العصابة القليلة، فوجه إليه مخنف ابنه عبد الرحمن فِي خمسين رجلا، فانتهوا إلى مالك وأصحابه، وقد كسروا جفون سيوفهم واستقتلوا، فلما رآهم أهل الشام ظنوا أن لهم مددا وانهزموا، وتبعهم مالك، فقتل منهم ثلاثة نفر، [ومضوا على وجوههم] [٣] . ومن ذلك [٤] : أنه وجه معاوية فِي هذه السنة سفيان بن عوف في ستة آلاف رجل،

стр. 1697

وأمره أن يأتي هيت ويمضي حتى يأتي الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها. فسار حتى أتى ٦٤/ أهيت فلم يجد بها أحدا، [ثم أتى الأنبار] [١] / وبها مسلحة لعليّ تكون خمسمائة رجل، وقد تفرقوا فلم يبق منهم إلا مائة رجل، فقاتلهم، فصبر لهم أصحاب علي مع قلتهم ثم حملت عليهم الخيل والرجالة فقتلوا صاحب المسلحة، وهو أشرس بن حسان البلوي فِي ثلاثين رجلا، وحملوا ما كان فِي الأنبار من الأموال ورجعوا إلى معاوية وبلغ الخبر علي، فخرج حتى أتى النخيلة، فقَالَ له الناس: نحن نكفيك، قَالَ: ما تكفونني [ولا أنفسكم] [٢] ، وسرح سعيد بن قيس [٣] فِي أثر القوم، فخرج [فِي طلبهم] [٤] حتى جاز هيت، فلم يلحقهم [فرجع] [٥] . ومن ذلك [٦] : أنه وجه معاوية فِي هذه السنة عَبْد الله بن مسعدة الفزاري في ألف وسبعمائة رجل إلى تيماء، وأمره أن يصدق [٧] من مر به من أهل البوادي، وأن يقتل من امتنع من عطائه صدقة ماله، ثم يأتي المدينة ومكة والحجاز يفعل ذلك. واجتمع إليه خلق كثير [٨] من قومه، فلما بلغ ذلك عليا ﵁ وجه المسيب بن نجبة الفزاري فِي ألفِي رجل [٩] ، فسار حتى لحق ابن مسعدة بتيماء، فاقتتلوا حتى زالت الشمس قتالا شديدا، فدخل ابن مسعدة وعامة من معه إلى الحصن وهرب الباقون نحو الشام، وانتهبت الأعراب إبل الصدقة التي كانت مع ابن مسعدة، وحصره [ومن كان معه] [١٠] المسيب ثلاثة أيام، ثم ألقى الحطب على الباب وألهب فيه النار، فلما أحسوا بالهلاك أشرفوا على المسيب فقالوا: يا مسيب، قومك، فرق لهم، فأمر بالنار فأطفئت،

стр. 1698

وخرج ابن مسعدة ليلا بأصحابه فلحقوا بالشام. ومن ذلك [١] : أنه وجه معاوية فِي هذه السنة الضحاك بن قيس وأمره بالمرور بأسفل واقصة، وأن يغير على كل من مر به ممن فِي طاعة علي ﵁ من الأعراب، ووجه معه ثلاثة آلاف رجل، فسار وأغار على مسالح علي ﵁، وأتى على عمرو بن عميس بن مسعود [٢] ، وكان فِي خيل علي وهو يريد الحج، فأغار على [من كان] [٣] معه، وحبسه عن المسير، فلما بلغ ذلك عليا سرح حجر بن عدي الكندي فِي أربعة آلاف، فلحق الضحاك بتدمر، فقتل منهم تسعة عشر رجلا، / وقتل ٦٤/ ب من أصحابه رجلان، وحال بينهم الليل، فهرب الضحاك وأصحابه، ورجع حجر ومن معه. وفِي هذه السنة وجه ابن عباس زيادا عن أمر علي ﵁ إلى فارس [٤] وذلك أنه لما قتل ابن الحضرمي اختلف الناس على علي ﵁، وطمع أهل فارس وأهل كرمان، فغلب أهل كل ناحية على ما يليهم وأخرجوا عمالهم، فاستشار علي ﵁ فِي رجل يوليه فارس حين امتنعوا من [أداء] [٥] الخراج، فقَالَ له جارية بن قدامة: ألا أدلك يا أمير المؤمنين على رجل صليب الرأي، عالم بالسياسة، كاف لما ولي؟ قَالَ: من هو؟ قَالَ: زياد، قَالَ: هو لها، فولاه فارس وكرمان، ووجهه فِي أربعة آلاف، فدوخ تلك البلاد حتى استقاموا وأدوا الخراج. فقَالَ أهل فارس: ما رأينا سيرة أشبه بسيرة كسرى أنوشروان من سيرة هذا العربي فِي اللين والمداراة والعلم بما يأتي. وذلك أنه لما قدم فارس بعث إلى رؤسائها فوعد من نصره ومناهم، وخوف قوما وتوعدهم، وضرب بعضهم ببعض، ودل بعضهم على عورة بعض، فهربت طائفة وأقامت طائفة، وقتل بعضهم بعضا، وصفت له فارس، فلم يلق

стр. 1699

فيها حربا، وفعل مثل ذلك بكرمان، ثم رجع إلى فارس، فسار فِي كورها ومناهم فسكن الناس إلى ذلك، واستقامت له البلاد، وأتى اصطخر فنزلها وحصن قلعتها، وحمل إليها الأموال فكانت تسمى قلعة زياد، ثم تحصن فيها بعد ذلك منصور اليشكري، فهي اليوم تسمى قلعة منصور. وفِي هذه السنة سار معاوية إلى دجلة ونظر إليها ثم رجع. واختلف العلماء فيمن حج بالناس فِي هذه السنة، فقيل: عبيد الله بن عباس، وقيل: عَبْد اللَّهِ بن عباس [١] . قَالَ الواقدي [٢] : بعث علي ﵁ على الموسم سنة تسع وثلاثين عَبْد اللَّهِ بن عباس، وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي ليقيم الحج للناس، فلما ٦٥/ أاجتمعا بمكة تنازعا ولم يسلم أحد منهما إلى صاحبه، فاصطلحا/ على شيبة بن عثمان ابن أبي طَلْحَة. وكان عمال علي ﵁ فِي الأمصار فِي هذه السنة الذين ذكرنا أنهم كانوا عماله فِي سنة ثمان وثلاثين، غير أن ابن عباس كان شخص فِي هذه السنة عن عمله بالبصرة، واستخلف زياد بن سمية على الخراج، وأبا الأسود الدؤلي على القضاء فِي البصرة. ذكر من توفي في هذه السنة الأكابر ٣٠٩- سعد القرظ، مولى عمار بن ياسر [٣] : كان يؤذن على عهد رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ بقباء، فلما ولي عمر

стр. 1700

رضي الله عنه أنزله المدينة وكان يؤذن في مسجد رسول الله ﷺ ، وتوارث أولاده الأذان بعده، وكان يحمل العنزة بين يدي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي فِي العيد. ٣١٠- عقبة بن عمرو بن ثعلبة، أبو مسعود البدري [١] : قد ذكر جماعة من العلماء أنه شهد بدرا، والصحيح أنه لم يشهدها، وإنما نزل ماء بدر فقيل البدري. أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ مُحَمَّدٍ الدُّورِيَّ يَقُولُ: قِيلَ لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ شَهِدَ بَدْرًا؟ فَقَالَ: مَا شَهِدَ بَدْرًا وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ. أنبأنا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الخطيب، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلي بن مُحَمَّد السمسار، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّهِ بن عثمان الصفار، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الباقي بن نافع: أن أبا مسعود البدري توفي سنة تسع وثلاثين.

стр. 1701

ثم دخلت سنة أربعين فمن الحوادث فيها توجيه معاوية بسر بن أبي أرطأة فِي ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز [١] فساروا من الشام إلى المدينة وعامل علي ﵁ على المدينة يومئذ أبو ٦٥/ ب أيوب الأنصاري، ففر منهم أبو أيوب فأتى عليا بالكوفة، / ودخل بسر المدينة، فصعد منبرها، ولم يقاتله بها أحد، ودعاهم إلى البيعة فبايعوه. وأرسل إلى بني سلمة فقَالَ: والله ما لكم عندي من أمان حتى تأتوني بجابر بن عَبْد اللَّهِ، فانطلق جابر إلى أم سلمة زوج النبي ﷺ ، فقَالَ لها: إني خشيت أن أقبل وهذه بيعة ضلالة، قالت: أرى أن تبايع فإني قد أمرت ابني عمرو بن أبي سلمة أن يبايع، فأتاه جابر فبايعه. وهدم بسر دورا بالمدينة، ثم مضى حتى أتى مكة، ثم مضى إلى اليمن وعليها عبيد الله بن العباس عامل علي ﵁ ففر إلى الكوفة حتى أتى عليا ﵁، واستخلف مكانه عَبْد اللَّهِ بن عبد المدان الحارثي، فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه وقتل جماعة من شيعة علي ﵁. وبلغ خبره إلى علي ﵁، فوجه حارثة بن قدامة فِي ألفين، ووهب بن مسعود فِي ألفين، فسار حارثة حتى أتى نجران، فأخذ ناسا من شيعة عثمان فقتلهم وهرب بسر وأصحابه فاتبعهم حتى بلغ مكة، ثم سار إلى المدينة وأبو هريرة يصلي بالناس، فهرب منه.

стр. 1702

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، ومحمد بن نَاصِرٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ [عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ] [١] محمد النصيبي، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن سَعِيد بْن سويد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن الأَنْبَارِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنِ الأَعْمَش، عَنْ عَمْرو بْن مُرَّةَ، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ الأَرْقَمِ- أَوِ ابْنِ الأَقْمَرِ [٢]- قَالَ: خَطَبَ بِنَا عَلِيٌّ ﵁ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَقَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ بُسْرًا قَدْ طَلَعَ الْيَمَنَ، وَإِنِّي وَاللَّهِ أَحْسِبُ أَنْ سَيَظْهَرُ هَؤُلاءِ الْقَوْمُ عَلَيْكُمْ وَمَا يَظْهَرُونَ عَلَيْكُمْ إِلا بِعِصْيَانِكُمْ لإِمَامِكُمْ وَطَاعَتِهِمْ، وَخِيَانَتِكُمْ وَأَمَانَتِهِمْ، وَإِفْسَادِكُمْ فِي أَرْضِكُمْ وَإِصْلاحِهِمْ، قَدْ بَعَثْتُ فُلانًا فَخَانَ وَغَدَرَ، وَبَعَثْتُ فُلانًا فَخَانَ وَغَدَرَ، وَحَمَلَ الْمَالَ إِلَى مُعَاوِيَةَ حتى لو ائتمنت أحدكم/ ٦٦/ أعلى قدح لأخذ علاقته، اللَّهمّ قَدْ سَئِمْتُهُمْ وَسَئِمُونِي، وَكَرَهِتْهُمْ وَكَرِهُونِي، اللَّهمّ فَأَرِحْنِي مِنْهُمْ وَأَرِحْهُمْ مِنِّي، فَمَا صَلَّى الْجُمُعَةَ الأُخْرَى حَتَّى قُتِلَ. وفِي هذه السنة جرت بين علي ﵁ ومعاوية مهادنة [٣] بعد مكاتبات كثيرة على وضع الحرب بينهما، ويكون لعلي العراق، ولمعاوية الشام، ولا يدخل أحدهما على صاحبه فِي حملة بجيش ولا غارة. قَالَ ابن إسحاق [٤] : لما لم يعط أحد الفريقين صاحبه الطاعة، كتب معاوية إلى علي ﵁: أما إذا شئت فلك العراق ولي الشام، وكف هذا السيف عن هذه الأمة ولا ترق دماء المسلمين. ففعل ذلك علي ﵁، وتراضوا على ذلك. وفِي هذه السنة خرج عَبْد اللَّهِ بن العباس من البصرة ولحق بمكة [٥] وذلك أنه جرى بينه وبين أبي الأسود كلام، فكتب أبو الأسود إلى علي رَضِيَ اللَّهُ

стр. 1703

عَنْهُ: إن ابن عمك قد أكل ما تحت يده بغير علمك، فلم يسعني كتمانك ذلك، فكتب إلى ابن عباس فِي ذلك، فكتب ابن عباس: إن الذي بلغك باطل، فكتب إليه: فأعلمني ما أخذت؟ ومن أين أخذت؟ وفيم وضعت؟. فكتب ابن عباس: ابعث إلى عملك من أحببت، فإني ظاعن [عنه] [١] . ورحل بمال. قَالَ أبو عبيدة [٢] : كانت أرزاقا قد اجتمعت. وقَالَ أبو عبيدة فِي رواية أخرى [٣] : إن ابن عباس لم يبرح من البصرة حتى قتل علي ﵁، فشخص إلى الحسن فشهد الصلح بينه وبين معاوية، ثم رجع إلى البصرة وثقله بها فحمله وحمل مالا من بيت المال قليلا، وقَالَ: هي أرزاقي. وقد أنكر المدائني هذا وقَالَ: إن عليا قتل وابن عباس بمكة، وإن الذي شهد الصلح بين الحسن ومعاوية عبيد الله بن العباس. وفِي هذه السنة قتل علي ﵁ [٤] . وكان عامله فِي هذه السنة على مكة والطائف قثم بن العباس، وعلى المدينة أبو ٦٦/ ب أيوب الأنصاري، وقيل سهل/ بن حنيف حتى كان من أمر بسر بن أرطأة ما تقدم ذكره. وكان عامله على البصرة عَبْد الله بن العباس على خلاف قد سبق ذكره. فلما قتل علي ﵁ بويع للحسن بن علي عليهما سلام الله. ذكر خلافة الحسن بن علي ﵄ وكان يكنى أبا مُحَمَّد، وكان يشبه رسول الله ﷺ ، ولد فِي رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وَآَذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أذنه، وعق عنه بكبش وسماه حسنا، وكان علي ﵁ قد سماه حربا. وقَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ ابني هذا سيد» وحج خمس عشرة

стр. 1704

حجة ماشيا وخرج للَّه من ماله مرتين، وقاسم الله ماله ثلاث مرات. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن الْقَاسِمِ الشَّاهِدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادَرَائِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ [١] ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ [٢] : رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَحْمِلُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ وَهُوَ يَقُولُ: بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ، لَيْسَ شَبِيهَا بِعَلِيٍّ، وَعَلِيٌّ مَعَهُ يَتَبَسَّمُ. أَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، [أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الرَّاشِدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا عبد الله بن ميسرة، وأبو مريم الأنصاري] [٣] ، عَنْ عَدِيَّ بْنَ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ [٤] : رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ حَامِلا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵄ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهمّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ» . أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بشران، قال: حدثنا عثمان بن أحمد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ قَالَ: أَرْخَى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ سِتْرَهُ عَلَى مِائَتَيْ حُرَّةٍ. ذكر مبايعة الحسن ﵁ [٥] أول من بايعه قيس بن سعد، قَالَ له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة/ ٦٧/ أ

стр. 1705

رسول الله ﷺ ، وقتال المخالفين، فقَالَ له الحسن: على كتاب الله وسنة رسول الله [١] ، فإن ذلك يأتي من وراء كل شرط [٢] ، فبايعه وسكت. قَالَ الزهري [٣] : كان تحت يد قيس بن سعد فِي زمان علي أربعون ألفا، فلما قتل واستخلف الحسن، كان الحسن لا يريد القتال وإنما أراد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية ثم يدخل في الجماعة، وعلم أن قيسا لا يوافقه على رأيه، فنزعه وأمر عبيد الله بن عباس، فلما علم عبيد الله بالذي يريد الحسن كتب إلى معاوية يسأله الأمان ويشترط لنفسه على الأموال التي أصاب، فشرط له معاوية ذلك. ذكر خروج الحسن لحرب معاوية [٤] قَالَ إسماعيل بن راشد: لما بايع الناس الحسن خرج بالناس حتى نزل المدائن، وبعث قيس بن سعد بن عبادة على مقدمته فِي اثني عشر ألفا، فأقبل معاوية فِي أهل الشام حتى نزل مسكن، فبينا الحسن فِي المدائن إذ نادى منادي العسكر: ألا إن قيس بن سعد قد قتل، فانفروا، فنفروا [ونهبوا] سرادق الحسن حتى نازعوه بساطا كان تحته، وخرج الحسن حتى نزل المقصورة البيضاء بالمدائن، وكان عم المختار بن أبي عبيد- واسمه سعد بن مسعود- عاملا على المدائن، فقَالَ له المختار وهو غلام شاب: هل لك فِي الغنى والشرف؟ قَالَ: وما ذاك؟ قَالَ: توثق الحسن وتستأمن به إلى معاوية، فقَالَ له سعد: عليك لعنة الله. فلما رأى الحسن تفرق الناس عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح. ثم قام الحسن فِي أهل العراق فقَالَ: يا أهل العراق إن شحي بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي. قَالَ هلال بن خباب: لما قتل علي ﵁ توجه الحسن والحسين رضي ٦٧/ ب الله عنهما إلى المدائن، فلحقهما الناس بساباط، فحمل على/ الحسن رجل فطعنه في

стр. 1706

خاصرته، فسبقهم حتى دخل قصر المدائن، فأولم فيه نحوا من أربعين ليلة، ثم وجه إلى معاوية فصالحه. وحج بالناس فِي هذه السنة المغيرة بن شعبة، وأظهر أن معاوية أمره بذلك. وفِي هذه السنة بويع لمعاوية بالخلافة بإيلياء [١] قَالَ سعيد بن عبد العزيز: كان علي ﵁ يدعى بالعراق أمير المؤمنين، وكان معاوية يدعى بالشام الأمير، فلما قتل علي ﵁ دعي معاوية بأمير المؤمنين. ذكر من توفي فِي هذه السنة من الأكابر ٣١١- إبراهيم القبطي، مولى رسول الله ﷺ ، يكنى أبا رافع [٢] : شهد فتح مصر واختط بها، وروى عنه من أهلها علي بن رباح، وصار أبو رافع بعد ذلك إلى علي بن أبي طالب، فولاه بيت مال الكوفة. وتوفي بالكوفة فِي هذه السنة، ﵁. ٣١٢- الأشعث بن قيس بن معديكرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة، أبو مُحَمَّد [٣] : قدم على رسول الله ﷺ فِي وفد كندة، ثم رجع إلى اليمن، فلما قبض رَسُول اللَّهِ ﷺ ارتد فأخذ وحمل إلى أبي بكر الصديق ﵁ مقيدا، فأسلم ومن عليه وزوجه أخته.

стр. 1707

وروى عن رسول الله ﷺ ، وشهد مع سعد قتال الفرس بالعراق، وكان على راية كندة بصفين مع علي ﵁، وحضر قتال الخوارج بالنهروان، وورد المدائن ثم عاد إلى الكوفة فأقام بها حتى مات فِي الوقت الذي صالح فيه الحسن معاوية، وتوفي ابن ثلاث وستين سنة. ٣١٣- بشير بن عبد المنذر، أو لبابة [١] : رده رسول الله ﷺ من الروحاء حين خرج إلى بدر، واستعمله على المدينة وضرب له بسهمه وأجره، فكان كمن شهدها، وشهد أحدا، واستخلفه على المدينة ٦٨/ أحين خرج إلى غزاة السويق، / وكانت معه راية بني عمرو بن عوف فِي غزاة الفتح، وشهد مع رسول الله ﷺ جميع المشاهد، ولما استشاروه ببني قريظة أشار إليهم أنه الذبح، ثم ندم فارتبط إلى أسطوانة حتى تاب الله عليه. ٣١٤- تميم بن أوس بن خارجة بن سويد الداري، ويكنى أبا رقية [٢] : وفد على رسول الله ﷺ مع جماعة الداريين عند منصرفه من تبوك، فأقاموا حتى توفي رسول الله ﷺ . أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الجوهري، قَالَ: أخبرنا ابن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف، قَالَ: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: أخبرنا محمد بن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ: كُنْتُ بِالشَّامِ حِينَ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجْتُ إِلَى بَعْضِ حَاجَتِي، فَأَدْرَكَنِي اللَّيْلُ، فَقُلْتُ: أَنَا في جوار عَظِيمِ هَذَا الْوَادِي اللَّيْلَةَ. قَالَ: فَلَمَّا أَخَذْتُ مَضْجَعِي إِذْ مُنَادٍ يُنَادِي لا أَرَاهُ: عُذْ باللَّه فَإِنَّ الْجِنَّ لا تُجِيرُ أَحَدًا عَلَى اللَّهِ، فَقُلْتُ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ الأَمِينُ وَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ بِالْحُجُونِ وَأَسْلَمْنَا وَاتَّبَعْنَاهُ وَوُهِنَ كَيْدُ الْجِنِّ وَرُمِيَتْ بِالشُّهُبِ، وَانْطَلِقْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَأَسْلِمْ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ ذَهَبْتُ إِلَى دير أيوب فسألت

стр. 1708

رَاهِبًا بِهِ وَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: قَدْ صَدَقُوكَ، نَجِدُهُ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ وَهُوَ خَيْرُ الأَنْبِيَاءِ فَلا تُسْبَقْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَتَكَلَّفْتُ الشُّخُوصَ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَسْلَمْتُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الحداء، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: كَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يَخْتُمُ الْقُرْآنَ فِي سَبْعِ لَيَالٍ. قَالَ علماء السير: استأذن تميم عُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ إِنَّ يقص على الناس، فأذن له، فلما قتل عثمان ﵁ تحول إلى الشام. ٣١٥- الحارث بن خزمة بن/ عدي بن أبي بن غنم، أبو بشير [١] : ٦٨/ ب شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وتوفي في هذه السنة، وهو ابن سبع وستين سنة. ٣١٦- خارجة بن حذافة بن غانم [٢] : شهد الفتح بمصر، واختط بها، وكان أمير المدد الذين أمد بهم عمر بن الخطاب. وكان على شرطة مصر فِي إمرة عمرو بن العاص لمعاوية، قتله خارجي بمصر فِي هذه السنة وهو يظن أنه عمرو بن العاص. ٣١٧- خوات بن جبير، أبو عَبْد اللَّهِ، وقيل أبو صالح الأنصاري المديني [٣] : وهو صاحب ذات النحيين فِي الجاهلية التي ضرب بها المثل، فقيل: «أشغل من ذات النحيين» . أسلم خوات وخرج مع رسول الله ﷺ [إلى بدر] [٤] ، فأصابه بالروحاء حجر، فكسر، فرده النبي ﷺ إلى المدينة، وضرب له بأجره وبسهمه فكان كمن شهدها.

стр. 1709

وذكر البخاري فِي تاريخه [١] : عن ابن عيينة أنه شهد بدرا. وقد شهد أحدا والمشاهد بعدها مع رسول الله ﷺ . فأما قصة ذات النحيين: فَأَنْبَأَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بن عبد الله الْحَبَّالِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإِشْبِيلِيُّ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْحُصَيْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، وَأَبُو عَلِيٍّ مُحَسِّنُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْكِرَامِ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمِنْقَرِيُّ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفِيفُ بْنُ سَالِمٍ الْمَوْصِلِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: قَالَ خَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ: كُنْتُ صَاحِبَ ذَاتِ النِّحْيَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ- وَالنِّحْيُ الزِّقُّ الصَّغِيرُ- وَإِنِّي أتيت سوق عكاظ فإذا أنا بِجَارِيَةٍ مَعَهَا نِحْيَانِ مِنْ سَمْنٍ كَأَنَّهَا فَلْقَةُ قَمَرٍ، فَقُلْتُ لَهَا: مَنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ: أَنَا سلمى بنت يعار الْخَثْعَمِيَّةِ، فَقُلْتُ: لَعَلَّ سَمْنَكَ هَذَا مَشُوبًا؟ فَقَالَتْ: سبحان الله، ٦٩/ أأو تشيب الْحُرَّةُ؟ فَقُلْتُ لَهَا: انْزِلِي إِلَى/ بَطْنِ الْوَادِي لأَذُوقَ سَمْنَكِ، فَنَزَلَتْ فَأَخَذْتُ إِحْدَى النِّحْيَيْنِ فَذُقْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ لَهَا: مَا هَذَا بِمَشُوبٍ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَيْهَا فِي يَدِهَا مَفْتُوحًا، ثُمَّ أَخَذْتُ الآخَرَ فَذُقْتُهُ ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَيْهَا فِي يَدِهَا الْيُسْرَى، ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَيْهَا فَقَضَيْتُ مِنْهَا حَاجَتِي، وَكَرِهَتْ أَنْ تُرْسِلَهُ، وَكَانَ قُوتَ أَهْلِهَا، فَذَهَبَتْ مَثَلا: «أَشْغَلُ مِنْ ذَاتِ النِّحْيَيْنِ» ثُمَّ أَسْلَمْتُ وَهَاجَرْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِي بَعْضِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ إِذَا أَنَا بِبَغِيٍّ مِنْ بَغَايَا الْجَاهِلِيَّةِ قَدْ كَانَتْ لي خلا فحجبني إسلامي عنها، ودعتني نفسي إليها، فَلَمْ أَزَلْ أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا حَتَّى تَلَقَّانِي جِدَارُ بَنِي جَذْرَةَ، فَسَالَتِ الدِّمَاءُ وَهُشِّمَ وَجْهِي، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، فَقَالَ: «مَهِيمٌ» فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «فَلا تَعُدْ، إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا» . ثُمَّ مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ لَيَالٍ وَأَنَا جَالِسٌ مَعَ نِسْوَانٍ مِنْ نِسْوَانِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تُنَاشِدْنَنِي وَتُضَاحِكْنَنِي وَتُمَازِحْنَنِي، قَالَ: فَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ رَآنِي، قَالَ: فَمَضَى ولم يقل

стр. 1710

شَيْئًا، فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنَ الْغَدِ غَدَوْتُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: «يَا خَوَّاتُ أَمَا آنَ لِذَلِكَ الْبَعِيرِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ شُرُودِهِ» قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَرَدَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، قَالَ: «صَدَقْتَ وَلَكِنْ لا تَعُدْ إِلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَإِنَّهُ مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ» . [قَالَ مؤلف الكتاب ﵀] [١] : قد فسر هذا الحديث أبو عبيدة الهروي وقَالَ: عرض لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بقصته مع ذات النحيين. قَالَ: وأراد بقوله: «شروده» أنه لما فعل ذلك شرد فِي الأرض خوفا، وليس هذا بشيء، فإنه ما كان ليعيره بشيء كان فِي الجاهلية، وإنما لامه على مجالسته النسوان بعد الإسلام. وقد روى ذلك لنا فِي حديث أبين من هذا. أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْنِ النَّقُّورِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَسَدِيُّ، قَالَ: / حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ ٦٩/ ب يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ الْبَصْرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ يُحَدِّثُ أَنَّ خَوَّاتَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: [٢] نَزَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرَّ الظَّهْرَانِ [٣] ، فَخَرَجْتُ مِنْ خِبَائِي، فَإِذَا [أَنَا] [٤] بِنِسْوَةٍ يَتَحَدَّثْنِ فَأَعْجَبْنَنِي فَرَجَعْتُ، فَاسْتَخْرَجْتُ حُلَّةً لِي مِنْ عَيْبَتِي فَلَبِسْتُهَا، ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَيْهِنَّ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قُبَّتِهِ، فَقَالَ لِي: «يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا يُجْلِسُكَ إِلَيْهِنَّ» ؟ قَالَ: فَهِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَمَلٌ لِي شَرُودٌ أَبْتَغِي لَهُ قَيْدًا قَالَ: فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَبِعْتُهُ، فَأَلْقَى إِلَيَّ رِدَاءَهُ وَدَخَلَ الأَرَاكَ [٥] فَقَضَى حَاجَتَهُ وَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: «أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا فَعَلَ شِرَادُ جَمَلِكَ؟» قَالَ: فَتَعَجَّلْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَاجْتَنَبْتُ الْمَسْجِدَ وَمُجَالَسَةَ رسول الله ﷺ ، فلما طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ تَحَيَّنْتُ سَاعَةَ خَلْوَةٍ لِلْمَسْجِدِ فَجَعَلْتُ أُصَلِّي، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَعْضِ حُجَرِهِ فَجَاءَ فصلى ركعتين خفيفتين ثم جلس،

стр. 1711

وَطَوَّلْتُ رَجَاءَ أَنْ يَذْهَبَ وَيَدَعَنِي، فَقَالَ: «طَوِّلْ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا شِئْتَ، فَلَسْتُ بِنَازِحٍ حَتَّى تَنْصَرِفَ» فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لأَعْتَذِرَنَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلأُبَرِئَنَّ صَدْرَهُ. قَالَ: فَانْصَرَفْتُ، فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا فَعَلَ شِرَادُ الْجَمَلِ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا شَرَدَ ذَلِكَ الْجَمَلُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، فَقَالَ: «رَحِمَكَ اللَّهُ» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، ثُمَّ أَمْسَكَ عَنِّي فَلَمْ يَعُدْ. توفي خوات بن جبير بالمدينة فِي هَذِهِ السنة وَهُوَ ابْن أربع وسبعين سنة، وكان ربعة من الرجال. ٣١٨- علي بن أبي طالب ﵁ [١] : كان السبب فِي قتله [٢] أن عَبْد الرَّحْمَنِ بن ملجم، والبرك بن عَبْد اللَّهِ، وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس وعابوا عمل ولاتهم، ثم ذكروا أمر النهر ٧٠/ أفترحموا عليهم، وقالوا: والله ما نصنع بالبقاء/ بعدهم شيئا، كانوا لا يخافون فِي الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلال فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد، وأخذنا بثأر إخواننا. فقَالَ ابن ملجم: أما أنا فأكفيكم علي بن أبي طالب، وكان من أهل مصر. وقَالَ البرك بن عَبْد اللَّهِ: أنا أكفيكم معاوية، وقَالَ عمرو: أنا أكفيكم عمرو بن العاص. فتعاهدوا وتواثقوا لا ينكص رجل منهم عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم فسموها واتعدوا لسبع عشرة من رمضان أن يثب كل واحد منهم على صاحبه. وأقبل كل منهم إلى المصر الذي هو فيه يطلبه. فأما ابن ملجم وكان عداده فِي كنده، فخرج فلقي أصحابه بالكوفة، وكاتمهم أمره كراهية أن يظهروا شيئا من أمره، ثم أنه رأى ذات يوم أصحابا له من تيم الرباب- وكان علي ﵁ قتل منهم يوم النهر عدة فذكروا قتلاهم، ولقي من يومه ذلك امرأة من تيم الرباب يقال لها: «قطام» . وقد قتل علي أباها وأخاها يوم النهر- وكانت فائقة الجمال- فلما رآها التبست بعقله ونسي حاجته التي جاء لها، فخطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تشتفِي لي، قالَ: وما تشائين، قالت: ثلاثة آلاف، وعبد، وقينة، وقتل

стр. 1712

علي، فقَالَ: والله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل علي، فلك ما سألت، قالت: إني أطلب لك من يسند ظهرك ويساعدك على أمرك، فبعثت إلى رجل من قومها من تيم الرباب يقال له: «وردان» فكلمته، فأجابها، فأتى ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له: شبيب بن بجرة [١] ، فقَالَ له: هل لك فِي شرف الدنيا والآخرة؟ فقَالَ: وما ذاك؟ قَالَ: قتل علي، قَالَ: ثكلتك أمك، لقد جئت شيئا فريا إذا، كيف تقدر على علي؟ قَالَ: أكمن له فِي المسجد فإذا خرج إلى صلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا بأنفسنا وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها، قَالَ: ويحك لو كان غير علي أهون علي، قد عرفت بلاءه فِي الإسلام، / وسابقته مع النبي ﷺ ، وما أجدني أنشرح صدرا ٧٠/ ب لقتله. قَالَ: أتعلم أنه قتل أهل النهر العباد المصلين [٢] ، قَالَ: بلى، قَالَ: فنقتله بمن قتل من إخواننا، فأجابه، فجاءوا قطام وهي فِي المسجد الأعظم معتكفة، فقالوا: قد اجتمع رأينا على قتل علي، قالت: فإذا أردتم ذلك فأتوني، فعادوا ليلة الجمعة التي قتل فِي صبيحتها علي، فقَالَ: هذه الليلة التي واعدت فيها أن يقتل كل واحد منا صاحبه، فأخذوا أسيافهم ووقفوا مقابل السدة التي يخرج منها علي ﵁، فلما خرج ضربه شبيب بالسيف، فوقع سيفه فِي الطاق، وضربه ابن ملجم بالسيف. وهرب وردان حتى دخل منزله، فدخل عليه رجل، فقَالَ: ما هذا السيف، فأخبره فقتله، وخرج شبيب نحو أبواب كنده فِي الغلس، وصاح الناس فلحقه رجل من حضرموت- يقال له عويم- وفِي يد شبيب السيف، فأخذه، فلما رأى الناس قد أقبلوا وسيف شبيب فِي يده خشي على نفسه فتركه ونجا بنفسه، ونجا شبيب فِي غمار الناس، فشدوا على ابن ملجم، فأخذوه. وتأخر علي ودفع فِي ظهر جعدة بن هبيرة بن أبي وهب، فصلى بالناس الغداة، ثم قَالَ علي ﵁: علي بالرجل، فأدخل عليه فقَالَ: أي عدو الله، ألم أحسن إليك؟ قَالَ: بلى، قَالَ: فما حملك على هذا؟ قَالَ: شحذت سيفِي هذا أربعين صباحا، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، فقَالَ: لا أراك إلا مقتولا به، ولا أراك إلا من شر خلق الله.

стр. 1713

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، ومحمد بن ناصر، قالا: أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَبْد الجبار، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسن بن مُحَمَّد النصيبي، قَالَ: أَخْبَرَنَا إسماعيل بن سويد، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن الأنباري، قَالَ: حَدَّثَني أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عبيد، عن الهيثم، قَالَ: حَدَّثَنِي رجل من بجيلة، عن مشيخة قومه [١] : ٧١/ أان عَبْد الرَّحْمَنِ بن ملجم رأى امرأة من تيم الرباب/ يقال لها: «قطام» ، كانت من أجمل النساء، ترى رأي الخوارج، قد قتل قومها على هذا الرأي يوم النهروان، فلما أبصرها عشقها فخطبها، فقالت: لا أتزوجك إلا على ثلاثة آلاف، وقتل علي بن أبي طالب، فتزوجها على ذلك، فلما بنى بها قالت: يا هذا قد فرعت فافرع، فخرج ملتبسا سلاحه، وخرجت فضربت له قبة فِي المسجد، وخرج علي ﵁ يقول: الصلاة الصلاة، فاتبعه عَبْد الرَّحْمَنِ فضربه بالسيف على قرن رأسه، فقَالَ الشاعر فِي ذلك: ولم أر مهرا ساقه ذو سماحة ... كمهر قطام بينا غير معجم ثلاثة آلاف وعبد وقينة ... وقتل علي بالحسام المصمم فلا مهر أغلى من علي وإن غلا ... ولا قتل إلا دون قتل ابن ملجم [٢] أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قال: أخبرنا أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادَرَائِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الصَّنْعَانِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانٍ الْوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَاصِحٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَلِّمِيُّ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [٣] : «مَنْ أَشْقَى الأَوَّلِينَ؟» قَالَ: عَاقِرُ النَّاقَةِ، قَالَ: «فَمَنْ أَشْقَى الآخِرِينَ؟» قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قال: «قاتلك» .

стр. 1714

قَالَ مُحَمَّد بن الحنفية [١] : والله إني لأصلي فِي تلك الليلة التي ضرب فيها علي فِي رجال كثيرة ما هم إلا قياما وركوعا وسجودا، وما يسأمون من أول الليل إلى آخره، إذ خرج علي لصلاة الغداة، فجعل ينادي: أيها الناس، الصلاة الصلاة، إذ نظرت إلى بريق السيف، وسمعت: الحكم للَّه لا لك يا علي ولا لأصحابك، فرأيت سيفا وسمعت عليا يقول: لا يفوتنكم الرجل، وشد الناس عليه من كل جانب، فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم وأدخل إلى عليّ ﵁، فدخلت فيمن دخل، فسمعت عليا يقول: النفس بالنفس، إن/ هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي. ٧١/ ب وكان ابن ملجم مكتوفا بين يدي علي ﵁، فنادته أم كلثوم بنت علي وهي تبكي: أي والله، ويلك قتلت أمير المؤمنين، قَالَ: ما قتلت إلا أباك، قالت: إني لأرجو ألا يكون عليه بأس، قَالَ: فما لك تبكين، والله لقد سممته شهرا، ولو كانت هذه الضربة بجميع أهل الأرض [٢] ما بقي منهم أحد. قالوا: يا أمير المؤمنين: إن فقدناك أنبايع الحسن؟ فقَالَ: ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر. ثم دعا حسنا وحسينا، فقَالَ: أوصيكم بتقوى الله، ولا تبغيا الدنيا، ولا تبكيا على شيء زوى عنكما، ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض. وذلك فِي رمضان، وغسله الحسن والحسين ﵉، وعبد الله بن جعفر، وكفن فِي ثلاثة أثواب وكبر عليه الحسن تسع تكبيرات. أَخْبَرَنَا الْحُصَيْنُ، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْن أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قال: حدثني أبي، قال: [حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ:] [٣] حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، قَالَ [٤] : لَمَّا ضَرَبَ ابْنُ مُلْجَمٍ عَلِيًّا ﵁ قَالَ عَلِيٌّ ﵁: افْعَلُوا بِهِ كَمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَفْعَلَ بِرَجُلٍ أَرَادَ قتله، فقال: اقتلوه، ثم حرقوه.

стр. 1715

وذكر أبو الحسن المدائني أن ابن ملجم لما ضرب علي بن أبي طالب، قَالَ ابن ملجم: وَمن النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ الله ٢: ٢٠٧ [١] . وآخر ما تكلم به علي ﵁ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ٩٩: ٧- ٨ [٢] . فصل واختلف العلماء [٣] فِي وقت قتل أمير المؤمنين علي ﵁. فقَالَ أبو معشر والواقدي: قتل يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان. وقَالَ المدائني: يوم الجمعة لإحدى عشرة. قَالَ: وقد قيل فِي ربيع الآخر. فصل واختلف فِي سن علي ﵁: فأَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّد، [قال: أخبرنا أحمد بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بن محمد المعدل [٤] ، قال: أخبرنا ابْن صفوان، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن محمد] [٥] بن أبي الدنيا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن عمر ٧٢/ أالواقدي، قال: حدثنا أبو بكر عَبْد اللَّه/ بْن أَبِي سبرة، عَنْ إِسْحَاق بن عَبْد اللَّهِ بن أبي فروة، قَالَ: سألت أبا جعفر مُحَمَّد بن علي ﵄: كم كان سن علي ﵁ يوم قتل؟ قَالَ: ثلاثا وستين سنة، قلت: أين دفن؟ قَالَ: بالكوفة ليلا وقد غبي عني دفنه. وفِي رواية عن جعفر بن مُحَمَّد، قَالَ: كان سن علي ﵁ ثمانيا وخمسين سنة.

стр. 1716

وذكر مُحَمَّد بن سعد [١] : أنه لما مات علي ﵁ أخرج ابن ملجم من الحبس، فقالوا: نشفِي نفوسنا منه، فقطع عَبْد اللَّهِ بن جعفر يديه ورجليه، فلم يجزع ولم يتكلم، فكحل عينيه بمسمار محمي فلم يجزع، وأخرج لسانه ليقطع، فجزع وقَالَ: أكره أن أكون فِي الدنيا فواقا لا أذكر الله، فقطعوا لسانه ثم أحرقوه. فصل [٢] واختلفوا فِي موضع دفنه ﵇. فأَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز، قَالَ: أخبرنا أبو بكر أَحْمَد بن علي الخطيب، قَالَ: أَخْبَرَنَا حمزة بن مُحَمَّد بن طاهر، قَالَ: أَخْبَرَنَا الوليد بن بكر، قَالَ: حَدَّثَنَا علي بن أَحْمَد بن [زكريا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مسلم صالح بْن أَحْمَد] [٣] بن عبد الله العجْلي، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: علي بن أبي طالب قتل بالكوفة، [قتله عَبْد الرَّحْمَنِ بن ملجم المرادي، وقتل عَبْد الرَّحْمَنِ الحسن بن علي] [٤] ، ودفن بها، ولا يعلم أين موضع قبره [٥] . وفِي رواية [٦] : أنه دفن مما يلي قبلة المسجد. وقيل: عند قصر الإمارة. وقَالَ أبو نعيم الفضل بن دكن [٧] : حوله ابنه الحسن إلى المدينة، فدفن بالبقيع عند قبر فاطمة ﵍. وفِي رواية [٨] : أنهم خرجوا به يريدون المدينة، فضل البعير الّذي هو عليه،

стр. 1717

فأخذته طيِّئ يظنونه مالا. فلما رأوه دفنوا الصندوق بما فيه. كان هذه الروايات رواها أبو بكر الخطيب. وقَالَ [١] : حكى لنا أبو نعيم الحافظ، قَالَ: سمعت أبا بكر الطلحي يذكر أن مطينا كان ينكر أن يكون القبر المزور بظاهر الكوفة قبر علي بن أبي طالب ﵁، وكان يقول: لو علمت الرافضة قبر من هذا لرجمته بالحجارة، هذا قبر المغيرة بن شعبة. والله أعلم أي الأقوال أصح. أما البرك بن عَبْد اللَّهِ [٢] : فإنه مضى تلك الليلة، فقعد لمعاوية، فلما خرج ليصلي الغداة شد عليه بسيفه فوقع السيف فِي أليته، فأخذ، فقَالَ له: إن عندي خبرا أسرك به، فإن أخبرتك فنافعي ذلك عندك [٣] ؟ قَالَ: نعم، قَالَ: إن أخا لي قتل عليا فِي هذه الليلة، قَالَ: فلعله لم يقدر على ذلك، قَالَ: بلى، إن عليا يخرج ليس معه أحد يحرسه، فأمر به معاوية فقتل. وبعث معاوية إلى الطبيب [٤] ، فلما نظر إليه قَالَ: اختر إحدى خصلتين: إما أن أحمي حديدة وأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع عنك الولد وتبرأ، فإن ضربتك مسمومة، فقَالَ معاوية: أما النار فلا صبر لي عليها، وأما انقطاع الولد فإن فِي يزيد وعبد الله ما تقر به عيني، فسقاه تلك الشربة فبرأ ولم يولد له بعدها. وأمر معاوية عند ذلك بالمقصورة، وحرس الليل، وقيام الشرطة على رأسه إذا سجد. وأما عمرو بن بكر [٥] : فجلس لعمرو تلك الليلة فلم يخرج، وكان اشتكى بطنه، فأمر خارجة بن حذافة صاحب [٦] شرطته، فخرج ليصلي، فشد عليه وهو يرى أنه ٧٢/ ب عمرو، / فضربه، فأخذه الناس وانطلقوا به إلى عمرو، فقال: من هذا؟ فقالوا: عمرو،

стр. 1718

قالَ: فمن قتلت؟ قالوا: خارجة، قَالَ: أما والله يا فاسق ما أردت غيرك، فقَالَ عمرو: أردتني وأراد الله خارجة. فقتله عمرو. ٣١٩- لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب، أبو عقيل الشاعر [١] : كان يقال لأبيه ربيعة المقترين، لجوده وسخائه، قدم فِي وفد فأسلموا ورجعوا إلى بلادهم وذلك بعد وفاة أخيه أربد وعامر بن الطفيل، ثم هاجر وحسن إسلامه، ونزل الكوفة فِي أيام عمر، وكان من الشعراء المجودين فِي الجاهلية وفِي الإسلام. وقَالَ له المغيرة: أنشدني ما قلت من الشعر فِي الجاهلية والإسلام، فقَالَ: قد أبدلني/ الله ٧٣/ أبذلك سورة البقرة وآل عِمْرانَ. وقَالَ أبو عبيدة [٢] : لم يقل لبيد فِي الإسلام إلا بيتا واحدا، وهو هذا: الحمد للَّه إذ لم يأتني أجلي ... حتى لبست من الإسلام سربالا قَالَ عمرو بن [٣] شيبة، حَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن حكيم، قَالَ: كان لبيد من أجواد العرب، وكان قد آلى ألا تهب الصبا إلا أطعم، وكان له جفنتان يغدا بهما ويراح فِي كل يوم على أهل مسجد قومه، فهبت الصبا يوما والوليد بن عقبة على الكوفة، فصعد الوليد المنبر فخطب الناس، ثم قَالَ: إن أخاكم لبيد بن ربيعة نذر فِي الجاهلية ألا تهب الصبا إلا أطعم، وهذا يوم من أيامه، وقد هبت الصبا فأعينوه، وأنا أول من فعل، ثم نزل عن المنبر، فأرسل إليه بمائة بكرة، وكتب إليه بأبيات قالها: ما أرى الجزار يشحذ شفرتيه ... إذا هبت رياح أبي عقيل أشم الأنف أصيد عامري ... طويل الباع كالسيف الصقيل فقَالَ لابنته: أجيبيه، فلعمري لقد عشت برهة وما أنحني بجواب شاعر، فقالت: إذا هبت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبتها الوليدا

стр. 1719

أشم الأنف [١] أروع عبشميا ... أعان على مروءته لبيدا بأمثال الهضاب كأن ركبا ... عليها من بني حام قعودا أبا وهب جزاك الله خيرا ... نحرناها وأطعمنا الثريدا فعد إن الكريم له معاد ... وظني بابن أروى أن تعودا فقَالَ لبيد: لقد أحسنت لولا إنك استطعمتيه، فقالت: إن الملوك لا تستحي من مسألتهم، فقَالَ: وأنت فِي هذا يا بنية أشعر. ٧٣/ ب ولما بلغ لبيد/ سبعا وسبعين سنة، قَالَ: باتت تشكى إلي النفس مجهشة ... وقد حملتك سبعا بعد سبعينا فإن تراءى ثلاثا تبلغي أملا ... وفِي البلاد وفاء للثمانينا فلما بلغ التسعين، قال [٢] : كأني قد جاوزت تسعين بعد ما ... خلعت بها عن منكبي ردائيا فلما بلغ مائة وعشرا قَالَ: أليس فِي مائة قد عاشها رجل ... وفِي تكامل عشر بعدها عمر فلما جاوزها قَالَ: ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد ٣٢٠- أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط [٣] : أسلمت بمكة، وبايعت قبل الهجرة، وهي أول من هاجر من النساء بعد أن هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، هاجرت فِي هدنة الحديبية. أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْن عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بن بيان، قال: أخبرنا أبو منصور أَحْمَدَ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّوَّاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، قال:

стр. 1720

أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ وَقُدَامَةَ، قَالا: لا نَعْلَمُ قُرَشِيَّةً خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ أَبَوَيْهَا مُسْلِمَةً مُهَاجِرَةً إِلا أُمَّ كُلْثُومٍ. قَالَتْ: كُنْتُ أَخْرُجُ إِلَى بَادِيَةٍ لَنَا فِيهَا أَهْلِي فَأُقِيمُ بِهَا الثَّلاثَ وَالأَرْبَعَ، وَهِيَ نَاحِيَةَ التَّنْعِيمِ، ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فلا ينكرون ذِهَابِي الْبَادِيَةَ، حَتَّى أَجْمَعْتُ الْمَسِيرَ، فَخَرَجْتُ يَوْمًا مِنْ مَكَّةَ كَأَنِّي أُرِيدُ الْبَادِيَةَ، فَلَمَّا رَجَعَ مَنْ تَبِعَنِي إِذَا رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ [قَالَ: أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ قُلْتُ: وَمَا مَسْأَلَتُكَ وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ] [١] اطْمَأْنَنْتُ إِلَيْهِ لِدُخُولِ خُزَاعَةَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَقْدِهِ- فَقُلْتُ: إِنِّي امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَإِنِّي أُرِيدُ اللُّحُوقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ /، وَلا عِلْمَ لِي بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ: أَنَا صَاحِبُكِ حَتَّى أُورِدَكِ الْمَدِينَةَ، ثمَّ ٧٤/ أجاءني بِبَعِيرٍ فَرَكِبْتُهُ فَكَانَ يَقُودُ بِي الْبَعِيرَ، وَلا وَاللَّهِ مَا يُكَلِّمُنِي بِكَلِمَةٍ حَتَّى إِذَا أَنَاخَ الْبَعِيرَ تَنَحَّى عَنِّي، فَإِذَا نَزَلْتُ جَاءَ إِلَى الْبَعِيرِ فَقَيَّدَهُ بِالشَّجَرِ، وَتَنَحَّى إِلَى فَيْءِ شَجَرَةٍ حَتَّى إِذَا كَانَ الرَّوَاحُ خَدَجَ الْبَعِيرَ فَقَرَّبَهُ وَوَلَّى عَنِّي، فَإِذَا رَكِبْتُ أَخَذَ بِرَأْسِهِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ وَرَاءَهُ حَتَّى أَنْزِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَجَزَاهُ اللَّهُ مِنْ صَاحِبٍ خَيْرًا، فَدَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَأَنَا مُتَنَقِّبَةٌ، فَمَا عَرَفَتْنِي حَتَّى كَشَفْتُ النِّقَابَ فَالْتَزَمَتْنِي وَقَالَتْ: هَاجَرْتِ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يَرُدَّنِي كَمَا رَدَّ أَبَا جَنْدَلٍ وَأَبَا بَصِيرٍ، وَحَالُ الرِّجَالِ لَيْسَ كَحَالِ النِّسَاءِ، وَالْقَوْمُ مُصْبِحِي قَدْ طَالَتْ غَيْبَتِي عَنْهُمُ الْيَوْمَ خَمْسَةُ أَيَّامٍ مُنْذُ فَارَقْتُهُمْ، وَهُمْ يَتَحَيَّنُونَ قَدْرَ مَا كُنْتُ أَغِيبُ ثُمَّ يَطْلُبُونِي فَإِنْ لَمْ يَجِدُونِي رَحَلُوا. فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَأَخْبَرَتْهُ خبر أم كلثوم، فرحب بها وسهل، فقلت: إِنِّي فَرَرْتُ إِلَيْكَ بِدِينِي فَامْنَعْنِي وَلا تَرُدَّنِي إِلَيْهِم يَفْتِنُونِي وَيُعَذِّبُونِي وَلا صَبْرَ لِي عَلَى الْعَذَابِ، إِنَّما أَنَا امْرَأَةٌ وَضَعْفُ النِّسَاءِ عَلَى مَا تَعْرِفُ، وَقَدْ رَأَيْتُكَ رَدَدْتَ رَجُلَيْنِ حَتَّى امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ نَقَضَ الْعَهْدَ فِي النِّسَاءِ» وَحَكَمَ فِي ذَلِكَ بِحُكْمِ رَضُوهُ كُلُّهُمْ وَكَانَ يَرُدُّ النِّسَاءَ، فَقَدِمَ أَخَوَاهَا الْوَلِيدُ وَعُمَارَةُ مِنَ الْغَدِ، فَقَالا: أَوْفِ لَنَا بِشَرْطِنَا وَمَا عَاهَدْتَنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: «قَدْ نقض الله ذلك» فانصرفا.
следующие страницы →