وذكر مُحَمَّد بن سعد [١] : أنه لما مات علي ﵁ أخرج ابن ملجم من الحبس، فقالوا: نشفِي نفوسنا منه، فقطع عَبْد اللَّهِ بن جعفر يديه ورجليه، فلم يجزع ولم يتكلم، فكحل عينيه بمسمار محمي فلم يجزع، وأخرج لسانه ليقطع، فجزع وقَالَ: أكره أن أكون فِي الدنيا فواقا لا أذكر الله، فقطعوا لسانه ثم أحرقوه.
فصل [٢]
واختلفوا فِي موضع دفنه ﵇.
فأَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز، قَالَ: أخبرنا أبو بكر أَحْمَد بن علي الخطيب، قَالَ:
أَخْبَرَنَا حمزة بن مُحَمَّد بن طاهر، قَالَ: أَخْبَرَنَا الوليد بن بكر، قَالَ: حَدَّثَنَا علي بن أَحْمَد بن [زكريا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مسلم صالح بْن أَحْمَد] [٣] بن عبد الله العجْلي، قَالَ:
حَدَّثَنِي أبي، قَالَ:
علي بن أبي طالب قتل بالكوفة، [قتله عَبْد الرَّحْمَنِ بن ملجم المرادي، وقتل عَبْد الرَّحْمَنِ الحسن بن علي] [٤] ، ودفن بها، ولا يعلم أين موضع قبره [٥] .
وفِي رواية [٦] : أنه دفن مما يلي قبلة المسجد.
وقيل: عند قصر الإمارة.
وقَالَ أبو نعيم الفضل بن دكن [٧] : حوله ابنه الحسن إلى المدينة، فدفن بالبقيع عند قبر فاطمة ﵍.
وفِي رواية [٨] : أنهم خرجوا به يريدون المدينة، فضل البعير الّذي هو عليه،
стр. 1717
فأخذته طيِّئ يظنونه مالا. فلما رأوه دفنوا الصندوق بما فيه.
كان هذه الروايات رواها أبو بكر الخطيب.
وقَالَ [١] : حكى لنا أبو نعيم الحافظ، قَالَ: سمعت أبا بكر الطلحي يذكر أن مطينا كان ينكر أن يكون القبر المزور بظاهر الكوفة قبر علي بن أبي طالب ﵁، وكان يقول: لو علمت الرافضة قبر من هذا لرجمته بالحجارة، هذا قبر المغيرة بن شعبة.
والله أعلم أي الأقوال أصح.
أما البرك بن عَبْد اللَّهِ [٢] : فإنه مضى تلك الليلة، فقعد لمعاوية، فلما خرج ليصلي الغداة شد عليه بسيفه فوقع السيف فِي أليته، فأخذ، فقَالَ له: إن عندي خبرا أسرك به، فإن أخبرتك فنافعي ذلك عندك [٣] ؟ قَالَ: نعم، قَالَ: إن أخا لي قتل عليا فِي هذه الليلة، قَالَ: فلعله لم يقدر على ذلك، قَالَ: بلى، إن عليا يخرج ليس معه أحد يحرسه، فأمر به معاوية فقتل.
وبعث معاوية إلى الطبيب [٤] ، فلما نظر إليه قَالَ: اختر إحدى خصلتين: إما أن أحمي حديدة وأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع عنك الولد وتبرأ، فإن ضربتك مسمومة، فقَالَ معاوية: أما النار فلا صبر لي عليها، وأما انقطاع الولد فإن فِي يزيد وعبد الله ما تقر به عيني، فسقاه تلك الشربة فبرأ ولم يولد له بعدها. وأمر معاوية عند ذلك بالمقصورة، وحرس الليل، وقيام الشرطة على رأسه إذا سجد.
وأما عمرو بن بكر [٥] : فجلس لعمرو تلك الليلة فلم يخرج، وكان اشتكى بطنه، فأمر خارجة بن حذافة صاحب [٦] شرطته، فخرج ليصلي، فشد عليه وهو يرى أنه ٧٢/ ب عمرو، / فضربه، فأخذه الناس وانطلقوا به إلى عمرو، فقال: من هذا؟ فقالوا: عمرو،
стр. 1718
قالَ: فمن قتلت؟ قالوا: خارجة، قَالَ: أما والله يا فاسق ما أردت غيرك، فقَالَ عمرو:
أردتني وأراد الله خارجة. فقتله عمرو.
٣١٩- لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب، أبو عقيل الشاعر [١] :
كان يقال لأبيه ربيعة المقترين، لجوده وسخائه، قدم فِي وفد فأسلموا ورجعوا إلى بلادهم وذلك بعد وفاة أخيه أربد وعامر بن الطفيل، ثم هاجر وحسن إسلامه، ونزل الكوفة فِي أيام عمر، وكان من الشعراء المجودين فِي الجاهلية وفِي الإسلام. وقَالَ له المغيرة: أنشدني ما قلت من الشعر فِي الجاهلية والإسلام، فقَالَ: قد أبدلني/ الله ٧٣/ أبذلك سورة البقرة وآل عِمْرانَ.
وقَالَ أبو عبيدة [٢] : لم يقل لبيد فِي الإسلام إلا بيتا واحدا، وهو هذا:
الحمد للَّه إذ لم يأتني أجلي ... حتى لبست من الإسلام سربالا
قَالَ عمرو بن [٣] شيبة، حَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن حكيم، قَالَ: كان لبيد من أجواد العرب، وكان قد آلى ألا تهب الصبا إلا أطعم، وكان له جفنتان يغدا بهما ويراح فِي كل يوم على أهل مسجد قومه، فهبت الصبا يوما والوليد بن عقبة على الكوفة، فصعد الوليد المنبر فخطب الناس، ثم قَالَ: إن أخاكم لبيد بن ربيعة نذر فِي الجاهلية ألا تهب الصبا إلا أطعم، وهذا يوم من أيامه، وقد هبت الصبا فأعينوه، وأنا أول من فعل، ثم نزل عن المنبر، فأرسل إليه بمائة بكرة، وكتب إليه بأبيات قالها:
ما أرى الجزار يشحذ شفرتيه ... إذا هبت رياح أبي عقيل
أشم الأنف أصيد عامري ... طويل الباع كالسيف الصقيل
فقَالَ لابنته: أجيبيه، فلعمري لقد عشت برهة وما أنحني بجواب شاعر، فقالت:
إذا هبت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبتها الوليدا
стр. 1719
أشم الأنف [١] أروع عبشميا ... أعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأن ركبا ... عليها من بني حام قعودا
أبا وهب جزاك الله خيرا ... نحرناها وأطعمنا الثريدا
فعد إن الكريم له معاد ... وظني بابن أروى أن تعودا
فقَالَ لبيد: لقد أحسنت لولا إنك استطعمتيه، فقالت: إن الملوك لا تستحي من مسألتهم، فقَالَ: وأنت فِي هذا يا بنية أشعر.
٧٣/ ب ولما بلغ لبيد/ سبعا وسبعين سنة، قَالَ:
باتت تشكى إلي النفس مجهشة ... وقد حملتك سبعا بعد سبعينا
فإن تراءى ثلاثا تبلغي أملا ... وفِي البلاد وفاء للثمانينا
فلما بلغ التسعين، قال [٢] :
كأني قد جاوزت تسعين بعد ما ... خلعت بها عن منكبي ردائيا
فلما بلغ مائة وعشرا قَالَ:
أليس فِي مائة قد عاشها رجل ... وفِي تكامل عشر بعدها عمر
فلما جاوزها قَالَ:
ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد
٣٢٠- أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط [٣] :
أسلمت بمكة، وبايعت قبل الهجرة، وهي أول من هاجر من النساء بعد أن هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، هاجرت فِي هدنة الحديبية.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْن عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بن بيان، قال:
أخبرنا أبو منصور أَحْمَدَ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّوَّاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، قال:
قَالَ مؤلف الكتاب: ومعنى نقض العهد فِي النساء، نزول الامتحان فِي حقهن، وذلك أنه كان يقول للمرأة: والله ما أخرجك إلا حب والله ورسوله والإسلام، ولا خرجت لزوج ولا مال، فإذا قالت ذلك تركت ولم ترد.
٧٤/ ب وكانت أم كلثوم عذراء، فتزوجها زيد بن حارثة، فلما قتل عنها، تزوجها الزبير/ فولدت له، ثم تزوجها عَبْد الرَّحْمَنِ بن عوف فولدت له، ثم تزوجها عمرو بن العاص فماتت عنده
.
стр. 1722
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين
فمن الحوادث فيها تسليم الحسن ﵁ الأمر لمعاوية [١]
وذلك أن الحسن لما تفرق الناس عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح، فبعث معاوية إليه عَبْد اللَّهِ بن عامر، وعبد الرحمن بن سمرة، فقدما عليه المدائن، فأعطياه ما أراد وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف فِي أشياء اشترطها، وكان معاوية قد أرسل إليه قبل ذلك صحيفة بيضاء وكتب إليه اشترط فِي هذه الصحيفة ما شئت فهو لك، فاشترط أضعاف الشروط التي سألها معاوية قبل ذلك، وأمسكها عنده وأمسك معاوية صحيفة الحسن التي كتب إليه فيها، فلما التقيا سأله الحسن أن يعطيه الشروط التي شرط فِي الصحيفة، فأبى معاوية وقَالَ: لك ما كنت تسألني.
[وكان الصلح] [٢] بينهم بمسكن، ثم دخلوا الكوفة، فقَالَ عمرو بن العاص لمعاوية: مر الحسن أن يقوم فيخطب، فكره معاوية ذلك وقَالَ: ما تريد بهذا؟ قَالَ: أريد أن يبدو عيه فِي الناس. فخرج معاوية فخطب ثم قَالَ: قم يا حسن فتكلم، فقام فقَالَ: أما بعد، فإن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا، والدنيا دول، [وإن الله تعالى قال لنبيه ﷺ ] [٣] : وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ٢١: ١١١ [٤] . فقال معاوية:
اجلس.
стр. 1723
ثم خرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر من الكوفة إلى المدينة، وسلم الكوفة إلى معاوية لخمس [بقين] [١] من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين.
وقيل فِي ربيع الآخر، ويقال: فِي غرة جمادى الأولى.
ولما رحل الحسن تلقاه قوم فقالوا: يا مذل العرب.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال:
أخبرنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أحمد بن إبراهيم الحكمي، ٧٥/ أقال: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، / قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ [٢] ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ الْهَمَذَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَرِيفِ، قَالَ: كُنَّا عَلَى مُقَدِّمَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا بِمَسْكَنٍ مُسْتَمِيتِينَ مِنَ الْجِدِّ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ وَعَلَيْنَا أَبُو الْعمرطَةِ [٣] ، فَلَمَّا جَاءَنَا صُلْحُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ كَأَنَّمَا كُسِرَتْ ظُهُورُنَا مِنَ الْغَيْظِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى الْكُوفَةِ، قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ أَبُو عَامِرٍ سُفْيَانُ بْنُ اللَّيلِ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا مُذِلَّ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: لا تَقُلْ ذَلِكَ يَا أَبَا عَامِرٍ، لَسْتُ بِمُذِلِّ الْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنِّي كَرِهْتُ أن أقتلهم على الملك.
стр. 1724
باب ذكر خلافة معاوية [١]
هو معاوية بن أبي سفيان صخر بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَّيَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ بن عبد مناف.
وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس.
أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة، واستكتبه النبي ﷺ ، وولاه عمر بن الخطاب ﵁ مكان أخيه يزيد لما مات، فلم يزل كذلك خلافة عمر، وأقره عثمان وأفرد له جميع الشام، وقد ذكرنا ما جرى له مع أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ من القتال ومصالحة الحسن إياه، ومبايعته له بالخلافة، وذلك فِي سنة إحدى وأربعين، فسمي عام الجماعة، فاستعمل على القضاء فضالة بن عبيد، فلما مات استقضى أبا إدريس الخولاني، وكان على شرطته قيس بن حمزة، وكان كاتبه وصاحب أمره سرحون بن منصور الرومي.
وكان معاوية أول من اتخذ الحرس، وأول من حزم الكتب ثم ختمها، لأنه كان قد أمر لعمرو بن الزبير بمائة ألف درهم ففض عمرو الكتاب وجعل المائة مائتين، فلما رفع حسابه إلى معاوية أنكر ذلك وأمر عمرا بردها وحبسه، فأداها أخوه عَبْد اللَّهِ بن الزبير عنه.
وفِي هذه السنة جرى الصلح بين قيس بن/ سعد ومعاوية [٢]
٧٥/ ب وذلك أن [٣] قيس بن سعد كان على شرطة جيش علي ﵁ وهم أربعون
стр. 1725
ألفا فتعاقدوا هم وهو على قتال معاوية حتى يشترط لشيعة علي ﵁ على أموالهم ودمائهم وما أصابوا فِي الفتنة، فأرسل معاوية إلى قيس يذكره الله تعالى، ويقول: على طاعة من تقاتل وقد بايعني الذي أعطيته طاعتك، فأبى أن يلين له، فأرسل إليه معاوية بسجل قد ختم عليه فِي أسفله، وقَالَ: اكتب فِي هذا السجل ما شئت فهو لك، فقَالَ عمرو: لا تعطه، وقاتله، فقَالَ: على رسلك، فإنا لا نخلص إلى قتال هؤلاء حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشام، فما خير العيش بعد ذلك، وإني لا أقاتله حتى لا أجد بدا من قتاله، فلما بعث إليه معاوية ذلك السجل اشترط لنفسه ولشيعة علي ما أصابوا من الدماء والأموال، ولم يسأل معاوية فِي سجله مالا، وأعطاه معاوية [ما سأل] [١] ، فدخل قيس بن سعد ومن معه [فِي طاعة معاوية] [٢] .
وفِي هذه السنة غلب حمران بن أبان على البصرة [٣]
وذلك أنه لما صالح الحسن معاوية، وثب حمران على البصرة فأخذها، فبعث إليه معاوية بسر بن أرطأة، فصعد [حمران] [٤] إلى المنبر وشتم عليا ﵁، ثم قَالَ: أنشد الله رجلا عليما أني صادق إلا صدقني، أو كاذب إلا كذبني، فقَالَ أبو بكرة:
لا نعلمك إلا كاذبا، فأمر به يخنق، فقام أبو لؤلؤة الضبي فرمى بنفسه عليه فمنعه، فأعطاه أبو بكرة- بعد ذلك مائة جريب، فقيل لأبي بكرة: ما أردت بهذا؟ فقَالَ: يناشدنا باللَّه ثم لا نصدقه، فأقام بسر بالبصرة ستة أشهر.
وفِي هذه السنة ولي معاوية بن عامر البصرة، وحرب سجستان وخراسان
وسبب ذلك أن معاوية أراد أن يوجه عتبة بن أبي سفيان على البصرة، فقَالَ له ابن عامر: إن لي بها أموالا وودائع فإن لم توجهني عليها ذهبت، فولاه البصرة فقدمها في
стр. 1726
آخر سنة إحدى/ وأربعين وإليه على خراسان وسجستان، فولى حبيب بن شهاب [١] ٧٦/ أشرطته- وقيل: قيس بن الهيثم- واستقضى عميرة بن يثربي.
وفِي هذه السنة.
حج بالناس عتبة بن أبي سفيان. فِي قول أبي معشر. وقَالَ الواقدي: بل عنبسة بن أبي سفيان.
وفِي هذه السنة ولد علي بن عَبْد اللَّهِ بن عباس، وقيل: بل ولد فِي سنة أربعين.
ذكر من توفي فِي هذه السنة من الأكابر
٣٢١- ركانة بن عبد يزيد [٢] بن هاشم بن عبد المطلب، وأمه العجلة بنت العجلان [٣] :
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُسْلِمَةِ، [أَخْبَرَنَا الْمُخَلِّصُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سليمان الطوسي] [٤] ، حدثنا الزبير بن بكار، قال: كَانَ رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ أَشَدَّ النَّاسِ، فقال للنبي ﷺ : يَا مُحَمَّد، إِنْ صَرَعْتَنِي آمَنْتُ بِكَ، فَصَرَعَهُ رسول الله ﷺ ، فقال: أَشْهَدُ أَنَّكَ سَاحِرٌ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدُ، وَنَزَلَ الْمَدِينَةَ فَمَاتَ بِهَا فِي أَوَّلِ خِلافَةِ مُعَاوِيَةَ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قَالَ: أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بن أبي أسامة، قال: حدثنا محمد بن سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ الْكِلابِيُّ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْعَسْقَلانِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ محمد بن ركانة، عن أبيه:
стр. 1727
أَنَّهُ صَارَعَ النَّبِيَّ ﷺ فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ .
وفِي رواية: أن ركانة هذا كان لا يصرعه أحد. وأسلم يوم الفتح.
٣٢٢- رفاعة [بن رافع] [١] بن مالك بن العجلان [٢] :
شهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ .
٣٢٣- صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح أبو وهب [٣] :
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو عمر بْن حيويه، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا محمد بن عمر، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن عَبْد اللَّه بن أبي سبرة، عن موسى بن ٧٦/ ب عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي/ حَبِيبَةَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ هَرَبَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ حَتَّى أَتَى الشَّعْبِيَّةَ، فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ اللَّخْمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ سَيِّدَ قَوْمِي خَرَجَ هَارِبًا لِيَقْذِفَ نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، وَخَافَ أَلا تُؤَمِّنَهُ، فَأَمِّنْهُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، قَالَ: قَدْ أَمَّنْتُهُ. فَخَرَجَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ فِي أَثَرِهِ فَأَدْرَكَهُ، فَقَالَ: جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَبَرِّ النَّاسِ وَأَوْصَلِ النَّاسِ، وَقَدْ أَمَّنَكَ، فَقَالَ: لا وَاللَّهِ حَتَّى تَأْتِيَنِي مِنْهُ بِعَلامَةٍ أَعْرِفُهَا، فَرَجَعَ عُمَيْرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ:
«خُذْ عِمَامَتِي» ، وَهُوَ الْبُرْدُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ مُعْتَجِرًا بِهِ بُرْدٌ حَبِرَةٌ، فَخَرَجَ عُمَيْرٌ فَأَعْطَاهُ الْبُرْدَ فَعَرَفَهُ فَرَجَعَ مَعَهُ، وَانْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعَصْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَرْخَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ جَاءَنِي بِبُرْدِكَ وَزَعَمَ أَنَّكَ دَعَوْتَنِي إِلَى الْقُدُومِ عَلَيْكَ، فَإِنْ رَضِيتُ أَمْرًا وَإِلا سَيَّرْتَنِي شَهْرَيْنِ، قَالَ: «انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ» قَالَ: لا وَاللَّهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِي، قَالَ: لَكَ تَسِيرُ أَرْبَعَة أَشْهُرٍ، فَنَزَلَ صَفْوَانُ، وَخَرَجَ رسول الله ﷺ قبل هَوَازِنَ، وَخَرَجَ مَعَهُ صَفْوَانُ وَاسْتَعَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِلاحًا، فَأَعَارَهُ مِائَةَ درع بأداتها، وشهد معه حنين وَالطَّائِفَ وَهُوَ كَافِرٌ، ثُمَّ رَجَعَ الْجَعْرَانَةَ، فَبَيْنَا رسول الله ﷺ يسير فِي الْغَنَائِمِ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَمَعَهُ صَفْوَانُ جَعَلَ صفوان ينظر
стр. 1728
إِلَى شِعْبٍ مَلاءَ نَعَمٍ وَشَاءٍ وَرعَاءٍ، فَأَدَامَ إِلَيْهِ النَّظَرَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْمُقُهُ، فَقَالَ: أَبَا وَهْبٍ، يُعْجِبُكَ هَذَا الشِّعْبُ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هُوَ لَكَ وَمَا فِيهِ، فَقَالَ صَفْوَانُ عِنْدَ ذَلِكَ:
مَا طَابَتْ نَفْسُ أَحَدٍ بِمِثْلِ هَذَا إِلا نَفْسَ نَبِيٍّ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ وَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْضًا/ مَعَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ خَمْسِينَ بَعِيرًا. قَالَ مُحَمَّد بن عمر: لم يزل صفوان صحيح الإسلام، ولم يبلغنا أنه غزا مع رسول الله ﷺ شيئا ولا بعده، ولم يزل مقيما بمكة إلى أن مات بها فِي أول خلافة معاوية.
٣٢٤- عثمان بن طَلْحَة بن أبي طَلْحَة بن عبد العزى [١] :
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَبْدَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
قَالَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَدَعَانِي إِلَى الإِسْلَامِ، فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ، الْعَجَبُ لَكَ حَيْثُ تَطْمَعُ أَنْ أَتَّبِعَكَ وَقَدْ خَالَفْتَ دِينَ قَوْمِكَ وَجِئْتَ بِدِينٍ مُحْدَثٍ، وَفَرَّقْتَ جَمَاعَتَهُمْ، فَانْصَرَفَ، وَكُنَّا نَفْتَحُ الْكَعْبَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَأَقْبَلَ يَوْمًا يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ الْكَعْبَةَ مَعَ النَّاسِ، فَغَلَّظْتُ لَهُ وَنِلْتُ مِنْهُ، وَحَلُمَ عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: «يَا عُثْمَانُ، لَعَلَّكَ سَتَرَى هَذَا الْمِفْتَاحَ يَوْمًا بِيَدِي أَضَعُهُ حَيْثُ شِئْتُ» ، فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ هَلَكَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ وَذَلَّتْ، قَالَ: «بَلْ عَزَّتْ» . وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ، فَوَقَعَتْ كَلِمَتُهُ مِنِّي مَوْقِعًا ظَنَنْتُ أَنَّ الأَمْرَ سَيَصِيرُ إِلَى مَا قَالَ، فَأَرَدْتُ الإِسْلامَ، فَإِذَا قَوْمِي يزئروني زئيرا شَدِيدًا، فَلَمَّا هَاجَرَ جَعَلَتْ قُرَيْشٌ تُشْفِقُ مِنْ رُجُوعِهِ عَلَيْهَا، فَهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ حَتَّى جَاءَ إِلَى بَدْرٍ، فَخَرَجْتُ فِيمَنْ خَرَجَ، وَشَهِدْتُ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ عَامَ الْقَضِيَّةِ غَيَّرَ اللَّهُ قَلْبِي وَدَخَّلَنِي الإِسْلَامَ، وَجَعَلْتُ أُفَكِّرُ فيما نحن عليه
стр. 1729
وَمَا نَعْبُدُ مِنْ حَجَرٍ لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ، وَأَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَظَلْفَ أَنْفُسِهِمْ عَنِ الدُّنْيَا، فَيَقَعُ ذَلِكَ مِنِّي، وَلَمْ يَعْزِمْ، إِلَى أَنْ آتِيَهُ حَتَّى انْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ رَاجِعًا، ثُمُّ عَزَمَ ٧٧/ ب لِي عَلَى الْخُرُوجِ إِلَيْهِ، فَأَدْلَجْتُ، فَأَلْقَى خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَاصْطَحَبْنَا حَتَّى نَزَلْنَا/ الْهَدَّةَ، فَمَا شَعَرْنَا إِلا بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَانْقَمَعْنَا مِنْهُ وَانْقَمَعَ مِنَّا، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ يُرِيدُ الرَّجُلانِ؟
فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: وَأَنَا أُرِيدُ الَّذِي تُرِيدَانِ، فَاصْطَحَبْنَا حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَايَعْتُهُ عَلَى الإِسْلَامِ وَأَقَمْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْتُ مَعَهُ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَدَخَلَ مَكَّةَ وَقَالَ لِي: «يَا عُثْمَانُ، ائْتِ بِالْمِفْتَاحِ» فَأَتَيْتُ بِهِ، فَأَخَذَهُ مِنِّي ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: «خُذْهَا تَالِدَةً خَالِدَةً لا يَنْزِعُهَا إِلا ظَالِمٌ» . قَالَ مُحَمَّد بن عمر: وكان قدوم عثمان المدينة فِي صفر سنة ثمان، ولم يزل مقيما بالمدينة حتى قبض رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فرجع إلى مكة، فنزلها حتى مات بها فِي أول خلافة معاوية.
٣٢٥- عمرو بن الأسود السكوني [١] :
كان حسن السمت والهدي.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْن مالك، قَالَ: حدثنا عبد الله بن أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو اليمان، قال: أخبرنا أبو بكر بن حَكِيمِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالا [٢] :
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَدْيِ عَمْرِو بْنِ الأَسْوَدِ.
قَالَ المصنف: كان عمرو إذا خرج من بيته إلى المسجد قبض يمينه على شماله مخافة الخيلاء، وكان يشتري الحلة بمائتي درهم، ويصبغها بدينار ويخمرها النهار كله ويقوم فيها الليل كله.
وقد أسند عن معاذ، وعثمان، والعرباض، وغيرهم.
стр. 1730
٣٢٦- عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى [١] :
أمها أم كرز بنت الحضرمي، أسلمت وبايعت وهاجرت، فتزوجها عَبْد اللَّهِ بن أبي بكر وجعل لها بعض أرضيه على ألا تتزوج بعده، فلما توفي بعث إليها عمر وقَالَ:
إنك قد حرمت على نفسك ما أحل الله لك، فردي المال وتزوجي، فتزوجها عمر، فأرسلت إليها عائشة أن ردي علينا أرضنا.
أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ البارع، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جعفر بْن المسلمة، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٌ الْمُخَلِّصُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بن داود/ الطوسي، قال: حدّثنا ٧٨/ أالزبير بْنُ بَكَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، وَأَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عن عبد الله بن عاصم بن الْمُنْذِرِ- يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ- قَالَ:
تَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عَاتِكَةَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَكَانَتْ حَسْنَاءَ ذَاتَ خُلُقٍ بَارِعٍ، فَشَغَلَتْهُ عَنْ مَغَازِيهِ، فَأَمَرَهُ أَبُوهُ بِطَلاقِهَا وَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ شَغَلَتْكَ عَنْ مَغَازِيكَ، فَقَالَ:
يَقُولُونَ طَلِّقْهَا وَخَيِّمْ مَكَانَهَا ... مُقِيمًا عَلَيْهَا الْهَمَّ أَحْلامَ نَائِمِ
وَإِنَّ فِرَاقِي أَهْلَ بَيْتٍ جَمَعْتُهُمْ ... عَلَى كُرْهٍ مِنِّي لإِحْدَى الْعَظَائِمِ
ثُمَّ طَلَّقَهَا فَمَرَّ بِهِ أَبُوهُ وَهُوَ يَقُولُ:
لَمْ أَرَ مِثْلِي طَلَّقَ الْعَامَ مِثْلَهَا ... وَلا مِثْلَهَا فِي غَيْرِ جُرْمٍ يُطَلَّقُ
لَهَا خُلُقٌ جَزْلٌ وَرَأْيٌ وَمَنْصِبٌ ... وَخَلْقٌ سَوِيٌّ فِي الْحَيَاةِ مُصَدَّقُ
فَرَقَّ لَهُ أَبُوهُ وَأَمَرَهُ بِمُرَاجَعَتِهَا، ثُمَّ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزَاةً فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَمَاتَ مِنْهُ فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ عَاتِكَةُ تَبْكِيهِ:
رُزِيتُ بِخَيْرِ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ ... وَبَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَمَا كَانَ قَصَّرَا
وَآلَيْتُ لا تَنْفَكُّ عَيْنِي حَزِينَةً [٢] ... عَلَيْكَ وَلا يَنْفَكُّ جِلْدِي أَغْبَرَا
فَلِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رأى مثله فتى ... أكر وأحمى في الهياح وأصبرا
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين
فمن الحوادث فيها [غزو المسلمين الروم] [١]
أن المسلمين غزوا الروم فهزموهم هزيمة منكرة، وقتلوا جماعة من بطارقتهم.
- وفيها ولى معاوية مروان بن الحكم المدينة .
فاستقضى مروان بن عَبْد اللَّهِ بن الحارث بن نوفل، وعلى مكة خالد بن العاص بن هشام، وكان على الكوفة من قبله المغيرة بن شعبة، وعلى القضاء شريح، وعلى البصرة عَبْد اللَّهِ بن عامر، وعلى قضائها عميرة بن يثربي، [٢] وعلى خراسان قيس بن الهيثم من قبل عَبْد اللَّهِ بن عامر
. - وفيها تحركت الخوارج
الذين كانوا انحازوا عمن قتل منهم بالنهروان، ومن كان ارتث من جرحاهم بالنهروان، فبرئ، وعفا عنهم علي بن أبي طالب ﵁.
وكان حيان بن ظبيان السلمي [٣] يرى رأي الخوارج، وكان ممن ارتث يوم النهروان، فعفا عنه علي ﵁ في أربعمائة عفى عنهم من المرتثين يوم النهر، فلبث فِي أهله شهرا أو نحوه، ثم خرج إلى الري فِي رجال كانوا يرون ذلك الرأي، فلم
стр. 1733
يزالوا مقيمين بالري حتى بلغهم قتل علي ﵁، فدعا أصحابه أولئك وكانوا تسعة عشر رجلا، فأتوه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قَالَ: أيها الإخوان من المسلمين، إنه قد بلغني أن أخاكم ابن ملجم قعد لعلي عند أغباش [١] الصبح، فشد عليه فقتله، فأخذ القوم يحمدون الله على قتله، فقَالَ حيان: إنه والله ما تلبث الأيام لابن آدم حتى تذيقه الموت، فيدع الدنيا التي لا يبكي عليها إلا الفجرة [٢] ، فانصرفوا رحمكم الله إلى مصرنا ٧٩/ أفلنأت/ إخواننا فلندعهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه لا عذر لنا فِي القعود، وولاتنا ظلمة، وسنة الهدى متروكة، فإن ظفرنا الله بهم يشفِي صدور قوم مؤمنين، وإن نقتل فهي مفارقة الظالمين ففيها راحة، ولنا فِي أسلافنا الصالحين أسوة.
فقالوا: كلنا قابل منك ما ذكرت [٣] ، وحامد رأيك، فرد بنا المصر فإنا راضون بهداك.
فخرج وخرجوا معه مقبلين إلى الكوفة، فأحب العافية، [وأحسن فِي الناس السيرة] [٤] ، ولم يفتش على أهل الأهواء عن أهوائهم، وكان يقال له: إن فلانا يرى رأي الشيعة، وفلانا يرى رأي الخوارج، فيقول: [قضى الله] [٥] ألا تزالون مختلفين، وسيحكم الله بين عباده، فأمنه الناس، وكانت الخوارج يلقي بعضهم بعضا، ويتذاكرون مكان إخوانهم بالنهروان، ويرون فِي جهاد أهل القبلة.
ففزعوا إلى ثلاثة نفر المستورد بن علفة التيمي [٦] ، وحيان بن ظبيان، ومعاذ بن حصن الطائي [٧] ، فاجتمعوا فِي منزل حيان بن ظبيان، فتشاوروا فيمن يولون عليهم، فقَالَ لهم المستورد: أيها المؤمنون، ما أبالي من كان منكم الوالي، وما شرف الدنيا نريد، وما إلى البقاء فيها من سبيل، فقَالَ حيان: أما أنا فلا حاجة لي فيها، وأنا بك، وبكل امرئ من إخواني راض، فانظروا من شئتم منكم فسموه، فأنا أول من يتابعه.
стр. 1734
فقَالَ معاذ بن حصين: إذا قلتما هذا وأنتما سيدا المسلمين، فمن يرأس المسلمين وليس كلكم يصلح لهذا الأمر، وإنما ينبغي أن يلي على المسلمين إذا كانوا سواء فِي الفضل أبصرهم بالحرب، وأفقههم فِي الدين، وأنتما بحمد الله ممن يرضى بهذا الأمر فليتوله أحدكما، قالا: فتوله أنت، فقد رضيناك، فأنت والحمد للَّه الكامل فِي دينك ورأيك.
فقَالَ: أنتما أسن مني، فليتوله أحدكما. فقَالَ جماعة من الخوارج: قد رضينا بكم أيها الثلاثة، فولوا أيكم أحببتم، فليس فِي الثلاثة رجل قَالَ لصاحبه: تولها فإني بك راض، ثم بايعوا المستورد، وذلك فِي جمادى الآخرة، / ثم أجمعوا على الخروج في غرة ٧٩/ ب هلال شعبان سنة ثلاث وأربعين.
وفِي هذه السنة قدم زياد على معاوية [١]
من فارس بعد أن كان قد امتنع بقلعة من قلاعها أكثر من سنة، فصالحه معاوية على مال يحمله إليه.
وكان سبب ذلك، أن عَبْد الرَّحْمَنِ بن أبي بكرة كان يلي ما كان لزياد بالبصرة، فبلغ معاوية أن لزياد أموالا عند عَبْد الرَّحْمَنِ، وخاف زياد على أشياء كانت فِي يدي عَبْد الرَّحْمَنِ لزياد، فكتب إليه يأمره بإحرازها، وبعث معاوية المغيرة بن شعبة لينظر فِي أموال زياد، فقدم البصرة، وأخذ عَبْد الرَّحْمَنِ وكتب إلى معاوية: إني لم أصب فِي يدي عَبْد الرَّحْمَنِ شيئا يحل لي أخذه، وكتب معاوية إلى زياد: علام تهلك نفسك أقبل فأعلمني علم ما صار إليك من المال وما خرج من يديك وما بقي عندك وأنت آمن فأتاه فأخبره فصدقه، ثم سأله أن يأذن له فِي نزول الكوفة، فأذن له فشخص إليها.
وفِي هذه السنة حج بالناس عنبسة بن أبي سفيان وفيها: ولد الحجاج بن يوسف.
стр. 1735
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٢٧- عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعد بن سهم، أبو عَبْد اللَّهِ: [١]
أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا ابْنُ حَيْوَيَةَ، قالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حدثنا ابْن الفهم، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ:
كُنْتُ للإسْلامِ مُجَانِبًا مُعَانِدًا، حَضَرْتُ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَنَجَوْتُ، ثُمَّ حَضَرْتُ أُحُدًا فَنَجَوْتُ، ثُمَّ حَضَرْتُ الْخَنْدَقَ فَنَجَوْتُ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَمْ أُوضَعُ؟ وَاللَّهِ لَيَظْهَرَنَّ مُحَمَّدٌ عَلَى قُرَيْشٍ فَلَمْ أَحْضُرِ الْحُدَيْبِيَةَ وَلَا صُلْحَهَا، وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالصلح، ٨٠/ أورجعت قُرَيْشٌ إِلَى مَكَّةَ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: يَدْخُلُ مُحَمَّدٌ إِلَى/ مَكَّةَ بِأَصْحَابِهِ، مَا مَكَّةُ لَنَا بِمَنْزِلٍ وَلَا الطَّائِفُ، وَمَا شَيْءٌ خَيْرٌ مِنَ الْخُرُوجِ، وَأَنَا بَعْدُ نَأْيٌ عَنِ الإِسْلامِ، أَرَى لَوْ أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ كُلُّهَا لَمْ أُسْلِمْ، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ، فَجَمَعْتُ رِجَالا مِنْ قَوْمِي كَانُوا يَرَوْنَ رَأْيِي وَيَسْمَعُونَ مِنِّي، وَيُقَدِّمُونِي فِيمَا نَابَهُمْ، فَقُلْتُ لَهُمْ: كَيْفَ أَنَا فِيكُمْ؟ قَالُوا: ذُو رَأْيِنَا وَمَدَدُ وَهْنِنَا مَعَ يُمْنِ نَقِيبَةٍ وَبَرَكَةِ أَمْرٍ، قُلْتُ: تَعْلَمُنَّ وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَى أَمْرَ مُحَمَّدٍ يَعْلُو الأمور علوا مُنْكَرًا، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا، قَالُوا: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: نَلْحَقُ بِالنَّجَاشِيِّ فَنَكُونُ عِنْدَهُ فَإِنْ يَظْهَرْ [مُحَمَّدٌ] [٢] كُنَّا عِنْدَ النَّجَاشِيِّ تَحْتَ يَدَيْهِ أَحَبَّ إِلَيْنَا أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ تَظَهَرْ قُرَيْشٌ فَنَحْنُ مَنْ قَدْ عَرَفُوا، قَالُوا: هَذَا الرَّأْيُ، قُلْتُ فَاجْمَعُوا مَا تُهْدُونَ لَهُ، وَكَانَ أَحَبَّ مَا يُهْدَى إِلَيْهِ مِنْ أَرْضِنَا الأدَمُ، فَجَمَعْنَا أَدَمًا كَثِيرًا ثُمَّ خَرَجْنَا فقدمنا على النجاشي فو الله إنا لعنده إِذْ جَاءَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَكَانَ رسول الله صلي الله عليه وسلم قد بَعَثَهُ إِلَيْهِ بِكِتَابٍ كَتَبَهُ إِلَيْهِ يُزَوِّجُهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي: هَذَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَلَوْ قَدْ دَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيِّ سَأَلْتُهُ إِيَّاهُ فَأَعْطَانِيهِ فَضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ سَرَرَتْ قُرَيْشًا وَكُنْتُ قَدْ أَجْزَأْتُ عنها حين قتلت رسول محمد.
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين
فمن الحوادث فيها غزوة بسر بن أبي أرطأة الروم [١]
حتى بلغ القسطنطينية. فيما ذكر الواقدي.
وفيها ولى معاوية عَبْد اللَّهِ بن عمرو بن العاص مصر
بعد موت أبيه، فوليها له نحوا من سنتين.
وفيها قتل المستورد بن علفة الخارجي [٢]
فيما ذكر هشام بن الكلبي، وقَالَ قوم: قتل فِي سنة اثنتين وأربعين.
ذكر سبب قتله
قد ذكرنا اجتماع بقايا الخوارج الذين كانوا ارتثوا [٣] يوم النهر، واعتمادهم على الثلاثة الذين هذا أحدهم، ومبايعتهم المستورد، وأن ذلك كان فِي جمادى، وأنهم اجتمعوا فِي منزل حيان بن ظبيان على الخروج فِي شعبان، فبلغ خبرهم إلى المغيرة بن شعبة، فقَالَ لصاحب الشرطة: سر بالشرطة حتى تحيط بدار حيان بن ظبيان فأتني به، فأتاه ومعه نحو من عشرين من أصحابه، فانطلق به إلى المغيرة بن شعبة، فقَالَ لهم: ما حملكم على ما أردتم من شق عصا المسلمين؟ قالوا: ما أردنا من ذلك من شيء،
стр. 1741
قالَ: بل بلغني وصدق ذلك عندي اجتماعكم، فقالوا: أما اجتماعنا فإن حيان بن ظبيان أقرانا للقرآن فنحن نجتمع فِي منزله فنقرأ القرآن عليه، قَالَ: اذهبوا بهم إلى السجن، فلم يزالوا فيه نحوا من سنة.
وسمع إخوانهم بأخذهم، فخرج المستورد فنزل دارا بالحيرة، وكان إخوانه يختلفون إليه ويتجهزون، فلما كثر اختلاف أصحابه إليه قَالَ: تحولوا بنا عن هذا المكان فإني لا آمن أن يطلع عليكم، فإنهم لفِي ذلك [يقول بعضهم لبعض: نأتي مكان كذا وكذا، ويقول بعضهم: نأتي مكان كذا وكذا] [١] ، إذ أشرف عليهم حجار بن أبجر وإذا بفارسين قد أقبلا فدخلا الدار، ثم جاء آخر، ثم جاء آخر، وكان خروجهم قد اقترب، فقَالَ حجار لصاحب الدار: ويحك ما هذه الخيل الذي أراها تدخل هذه الدار، فقَالَ:
لا أدري إلا أن الرجال يختلفون إلى هذه الدار رجالا وفرسانا، فركب حجار حتى انتهى إلى بابهم، وإذا عليه رجل منهم، فإذا أتى إنسان استأذن، فقَالَ له: من أنت؟ قَالَ:
حجار بن أبجر، فدخل يستأذن له، فدخل خلفه فإذا الرجل يقول لهم: قد جاء حجار فقالوا: والله ما جاء لخير، فقَالَ حجار: السلام عليكم ثم انصرف، فقَالَ بعضهم لبعض:
أدركوه فاحبسوه فإنه مؤذن بكم، فخرج منهم جماعة إليه، فإذا هو قد ركب فرسه، فقالوا: لم يأت لشيء يروعكم، قالوا: أفتؤمننا من الإذن بنا؟ قَالَ: أنتم آمنون، ثم تفرقوا عن ذلك المكان.
وبلغ خبرهم المغيرة فحذر الناس أن يؤويهم، وبعث المستورد إلى أصحابه اخرجوا، فاتعدوا سورا، وخرجوا إليها متقطعين من أربعة وخمسة. فبلغ الخبر المغيرة، فبعث معقل بن قيس فِي ثلاثة آلاف، وقَالَ له: يا معقل إني قد بعثت معك فرسان أهل ٨٣/ أالمصر، ثم أمرت بهم فانتخبوا انتخابا، / فسر إلى هذه العصابة المارقة الذين فارقوا جماعتنا، وشهدوا علينا بالكفر، فادعهم إلى التوبة وإلى الدخول فِي الجماعة، فإن فعلوا فاقبل منهم، واكفف عنهم، وإن لم يفعلوا فناجزهم واستعن باللَّه عليهم، فقَالَ له:
هل بلغك- أصلحك الله- أين منزل القوم؟ قَالَ: نعم، كتب إلي سماك بن عبيد
стр. 1742
القيسي، [١] وكان عاملا له على المدائن، يخبرني أنهم ارتحلوا حتى نزلوا بهرسير، وأنهم أرادوا أن يعبروا إلى المدينة العتيقة التي بها منازل كسرى، فمنعهم سماك أن يجوزوا، فنزلوا بمدينة بهرسير مقيمين، فاخرجوا إليهم، وانكمش فِي آثارهم ولا تدعهم والإقامة فِي بلد أكثر من الساعة التي تدعوهم فيها، فإن قبلوا وإلا فناهضهم، فإنهم لن يقيموا ببلد يومين إلا أفسدوا كل من خالطهم، فخرج من يومه فبات بسورا، فبعث المغيرة مولاه ورادا إلى المسجد فقام فقَالَ: أيها الناس، إن معقل قد سار إلى هذه العصبة المارقة وهو بائت الليلة بسورا، فلا يتخلف عنه أحد من أصحابه ألا وإن الأمير يخرج على كل رجل من المسلمين ويعزم عليهم أن يبيتوا [٢] بالكوفة، وأيما رجل من هذا البعث وجدناه بعد يومنا هذا بالكوفة فقد أحل بنفسه.
قَالَ عَبْد الرَّحْمَنِ بن جندب، [عن عَبْد اللَّهِ بن عقبة] [٣] الغنوي، [قَالَ] : [٤] كنت فيمن خرج مع المستورد، وكنت أحدث رجل منهم، فخرجنا حتى أتينا الصراة، فأقمنا بها حتى تتامت جماعتنا، ثم خرجنا حتى انتهينا إلى بهرسير، فدخلناها، ونذر بنا سماك بن عبيد العبسي، وكان على المدينة العتيقة، فلما ذهبنا لنعبر الجسر إليهم قاتلنا [٥] عليه، ثم قطعه علينا، فأقمنا ببهرسير. قَالَ: فدعاني المستورد فقَالَ لي:
أتكتب يا ابن أخي؟ قلت: نعم، فدعا برق ودواة، وقَالَ: اكتب: من عَبْد اللَّهِ المستورد أمير المؤمنين إلى سماك بن عبيد، أما بعد. فإنا نقمنا على قومنا الجور فِي الأحكام، وتعطيل الحدود والاستئثار بالفيء، وإنا ندعوك إلى كتاب الله، وسنة نبيه وولاية/ أبي ٨٣/ ب بكر وعمر، والبراءة من علي وعثمان، لإحداثهما فِي الدين، وتركهما حكم الكتاب، فإن تقبل فقد أدركت رشدك، وإن لا تقبل فقد أبلغنا فِي الإعذار إليك، وقد آذناك بحرب، ونبذنا إليك على سواء، إن الله لا يحب الخائنين.
стр. 1743
ثم قَالَ [المستورد] : انطلق بهذا الكتاب إلى سماك، فادفعه إليه واحفظ ما يقول لك، والقني.
فقلت له: أصلحك الله، لو أمرتني أن أستعرض دجلة فألقي نفسي فيها ما عصيتك، ولكن ما آمن أن يتعلق بي سماك فيحبسني عنك، فإذا أنا قد فاتني ما أرجو من الجهاد. فتبسم وقَالَ: يا ابن أخي، إنما أنت رسول والرسول لا يعرض له ولو خشيت ذلك عليك لم أبعثك. فخرجت حتى عبرت إليهم فِي معبر، فقالوا: من أنت؟ فقلت:
رسول أمير المؤمنين المستورد، فلما وصلت إلى سماك أريته الكتاب، قَالَ: اذهب إلى صاحبك فقل له: اتق الله وارجع عن رأيك هذا، وادخل فِي جماعة المسلمين، ثم قَالَ لأصحابه: إنهم خلوا بهذا. فأخذوا يقرءون عليه القرآن، ويتخشعون [١] ويتباكون، فظن أنهم على شيء، ثم قَالَ: انطلق يا بني إلى صاحبك، إنما تندم لو قد اكتنفتكم الخيل، وأشرعت فِي صدوركم الرماح، هناك تمنى أنك كنت فِي بيت آبائك [٢] .
فانصرفت من عنده إلى صاحبي، فأخبرته، فقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ٢: ٦- ٧ [٣] .
فمكثنا يومين أو ثلاثة، فاستبان لهم مسير معقل بن قيس إلينا، فجمعنا المستورد وقَالَ: أشيروا علي، فقَالَ بعضنا: والله ما خرجنا نريد إلا الله وقد جاءونا فأين نذهب عنهم. وقالت طائفة: بل نعتزل ونتنحى، وندعو الناس.
فقَالَ: يا معشر المسلمين، إني والله ما خرجت ألتمس الدنيا ولا البقاء، وما أحب أنها لي بحذافيرها، وما أحب إلا التماس الشهادة، وإني قد نظرت فيما استشرتكم به ٨٤/ أفرأيت ألا أقيم لهم حتى يقدمون علي [٤] وهم جامّون، ولكني رأيت أن أسير/ حتى
стр. 1744
أمعن فإنهم إذا بلغهم ذلك خرجوا فِي طلبنا فتقطعوا وتبددوا، فعلى ذلك الحال ينبغي لنا أن نقاتلهم، فأخرجوا بنا على اسم الله.
فخرجنا فمضينا على شاطئ دجلة حتى انتهينا إلى جرجرايا، فعبرنا دجلة، فمضينا كما نحن فِي أرض جوخى [١] حتى بلغنا المذار، فأقمنا.
وقَالَ عَبْد اللَّهِ بن الحارث [٢] : كنت فِي الذين خرجوا مع معقل حين خرج، وكان أول منزل نزلناه سورا.
[قَالَ] [٣] : فمكثنا به يوما حتى اجتمع إليه جل أصحابه، ثم خرجنا مسرعين مبادرين لعدونا أن يفوتنا [٤] ، ثم سرنا حتى دنونا من المدائن، فاستقبلنا الناس يخبروننا أنهم قد ارتحلوا، فشق ذلك علينا وأيقنا بالعناء [وطول الطلب] [٥] .
وجاء معقل حتى نزل على باب مدينة بهرسير، فخرج إليه سماك فسلم عليه، وبعث إليه ما يصلح الجند، فأقام ثلاثا. ثم جمع أصحابه وقَالَ: إن هؤلاء المارقة إنما خرجوا على وجوههم إرادة أن تتعجلوا فِي آثارهم [فتقطعوا] [٦] وتبددوا، وإنه ليس شيء يدخل عليكم من ذلك إلا وقد يدخل عليهم مثله، فخرج بنا من المدائن، فقدم بين يديه أبو الرواغ [٧] فِي ثلاثمائة فارس، واتبع أثره فلحقهم أبو الرواغ [٨] بالمذار مقيمين، فاستشار أصحابه فِي قتالهم قبل قدوم معقل عليه، فقَالَ: بعضهم: أقدم بنا، وقَالَ آخرون: حتى يأتينا أميرنا، فبات أصحاب أبي الرواغ يتحارسون، فخرج القوم عليهم وهم عدتهم هؤلاء ثلاثمائة، وهؤلاء ثلاثمائة، فلما اقتربوا شدوا على أصحاب أبي الرواغ، فانهزموا فصاح أبو الرواغ: يا فرسان السوء، قبحكم الله، الكرة الكرة، فحمل
стр. 1745
وحمل أصحابه ثم انكشفوا، فقَالَ أبو الرواغ: ثكلتكم أمهاتكم، انصرفوا بنا فلنكر قريبا من القوم حتى يأتينا أميرنا، فما زالوا يطاردونهم وينحاز أبو الرواغ وأصحابه.
وبلغ الخبر إلى معقل، فأسرع في نحو من سبعمائة فارس من أهل القوة والشجاعة، فلما وصل شدوا عليه، فانجفل عامة أصحابه فنزل وقَالَ: الأرض الأرض، ٨٤/ ب/ ونزل معه أبو الرواغ ونحو من مائتي فارس، فلما غشيهم المستورد وأصحابه استقبلوهم بالرماح والسيوف، فانجفلت خيل معقل ثم كرت، وأقبل شريك بن الأعور مددا لمعقل، فرأى المستورد ما لا يطيق، فذهب بأصحابه فِي الليل، فعادوا إلى جرجرايا فتبعهم أبو الرواغ فقاتلهم قتالا شديدا وظنوا أن معقلا يأتي بعده، فذهبوا حتى قطعوا دجلة، وسار أبو الرواغ فِي آثارهم، وجاء معقل متبعا آثار أبو الرواغ، فانصرفوا إلى ساباط، ثم اقتتلوا، فهلك الخوارج، وصاح المستورد: يا معقل ابرز لي، فبرز له فأشرع المستورد الرمح فِي صدر معقل حتى خرج السنان من ظهره، وضربه معقل بالسيف على رأسه فخرا ميتين وتبدد من بقي.
وفِي هذه السنة حج بالناس مروان بن الحكم، وكان على المدينة. وكان على مكة خالد بن العاص بن هشام، وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة، وعلى قضائها شريح، وعلى البصرة وفارس وسجستان وخراسان عَبْد اللَّهِ بن عامر، وعلى قضائها عمير بن يثربي.
ذكر من توفي فِي هذه السنة
٣٢٨- عَبْد اللَّهِ بن سلام، يكنى أبا يوسف [١] :
وكان اسمه [الحصين] [٢] ، فلما أسلم سماه رسول الله ﷺ عَبْد اللَّهِ، وهو من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طاهر، قَالَ: أَخْبَرَنَا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيويه،
ابْنُ سَلامٍ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ. توفي عَبْد اللَّهِ بن سلام بالمدينة فِي هذه السنة.
٣٢٩- عَبْد الرَّحْمَنِ بن عسيلة، أبو عَبْد اللَّهِ الصنابحي [١] :
أسند عن أبي بكر الصديق، ومعاذ، وعبادة في آخرين. وكان عبادة يقول: من/ ٨٥/ ب سره أن ينظر إلى رجل كأنما رقي به فوق سبع سماوات فعمل على ما رأى فلينظر إلى هذا.
стр. 1748
ثم دخلت سنة أربع وأربعين
فمن الحوادث فيها:
دخول المسلمين مع عَبْد الرَّحْمَنِ بن خالد بن الوليد بلاد الروم ومشتاهم بها [١] .
وفيها غزا بسر بن أبي أرطأة البحر
قَالَ عبد الملك بن عمير: قرأت فِي ديوان معاوية [بعد موته] [٢] كتابا من ملك الصين، فيه: من ملك الصين الذي على مربطه ألف فيل، وبنيت داره بلبن الذهب والفضة، ويخدمه بنات ألف ملك، والذي له نهران يسقيان الألوة، إلى معاوية.
وفيها عزل عَبْد اللَّهِ بن عامر عن البصرة [٣] .
وكان سبب عزله أن ابن عامر كان لينا لا يأخذ على أيدي السفهاء ولا يعاقب، ففسدت البصرة بذلك، وقدم ابن الكواء- واسمه عَبْد اللَّهِ [بن أبي أوفى] [٤]- على معاوية، فسأله عن الناس، فقَالَ: أما البصر فقد غلب عليها سفهاؤها وعاملها ضعيف، فعزله معاوية، وبعث الحارث بن عبد الله الأزدي.
стр. 1749
وفِي هذه السنة استلحق معاوية نسب زياد ابن سمية بأبيه أبي سفيان [١]
شهد لزياد رجل من البصرة، وكان الحسن البصري يذم هذا من فعله، ويقول:
استلحق زيادا وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» . وَأَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حدثني أبي، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ:
حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ [٢] : لَمَّا ادَّعَى زِيَادٌ لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟ إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: سمع أذني من رسول الله ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «مَنِ ادَّعَى أَبًا فِي الإِسْلامِ ٨٦/ أغير/ أَبِيهِ- وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ [٣]- فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ من رسول الله ﷺ .
وفِي هذه السنة عمل معاوية المقصورة بالشام، وعملها مروان بالمدينة.
وفيها: حج معاوية بالناس، وكان عماله على البلاد فِي هذه السنة العمال فِي السنة التي قبلها غير البصرة، فكان عليها الحارث الأزدي.
ذكر من توفي فِي هذه السنة من الأكابر
٣٣٠- رملة بنت أبي سفيان بن حرب، وهي أم حبيبة: [٤]
تزوجها عَبْد اللَّهِ بن جحش، وهاجر بها إلى أرض الحبشة، فولدت هناك منه حبيبة.
стр. 1750
وقيل: إنها ولدتها بمكة، وهاجرت بها، ثم تنصر عَبْد اللَّهِ بن جحش وثبتت على دينها، وكتب رسول الله ﷺ إلى النجاشي أن يزوجه أم حبيبة [١] ، فزوجه إياها، وبعث بها إليه فِي سنة سبع، وقد سبق شرح هذه القصة.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: [٢] لَمَّا قَدِمَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ الْمَدِينَةَ جَاءَ إلى رسول الله ﷺ وَهُوَ يُرِيدُ غَزْوَ مَكَّةَ، فَكَلَّمَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَمْ يَقْبَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ ﷺ طَوَتْهُ دُونَهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، أَرَغِبْتِ بِهَذَا الْفِرَاشِ عَنِّي أَمْ بِي عَنْهُ؟ قَالَتْ: بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْتَ امْرُؤٌ نَجَسٌ مُشْرِكٌ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، قَدْ أَصَابَكِ بَعْدِي شَرٌّ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ [٣] : وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ:
دَعَتْنِي/ أُمُّ حَبِيبَةَ ﵂ عِنْدَ مَوْتِهَا، قَالَتْ: قَدْ كَانَ يَكُونُ بيننا ما يكون ٨٦/ ب بَيْنَ الضَّرَائِرِ، فَغَفَرَ اللَّهُ لِي وَلَكِ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكِ ذَلِكَ كُلَّهُ وَتَجَاوَزَ وَحَلَّلَكِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: سَرَرْتِنِي سَرَّكِ اللَّهُ، وَأَرْسَلَتْ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ.
وتوفيت سنة أربع وأربعين.
стр. 1751
ثم دخلت سنة خمس وأربعين
فمن الحوادث فيها [ولاية زياد البصرة] [١]
إن معاوية ولى الحارث بن عَبْد اللَّهِ الأزدي البصرة، فأقام بالبصرة أربعة أشهر وعزله وولى زيادا، فقدم زياد إلى الكوفة ينتظر إلى أمر معاوية، فظن المغيرة أنه قدم واليا عليها فقَالَ لوائل بن حجر الحضرمي: اعلم لي علمه، فأتاه فلم يقدر منه على شيء، وقدم رسول معاوية إلى زياد: أن سر إلى البصرة، فقدمها فِي آخر شهر ربيع الآخر أو غرة جمادى الأولى من هذه السنة، واستعمله على خراسان وسجستان، ثم جمع له الهند والبحرين وعمان.
فلما قدم البصرة وجد الفسق فيها ظاهرا، فخطب فقَالَ فِي خطبته [٢] : كأنكم لم تسمعوا ما أعد الله من الثواب لأهل طاعته، والعذاب لأهل معصيته، أيكونون كمن طرفت عنه الدنيا وسدت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية.
قَالَ الشعبي: ما سمعت متكلما قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت [خوفا أن يسيء] [٣] إلا زيادا، فإنه كان كلما أكثر كان أجود كلاما.
وما زال زياد يشدد أمر السلطان، وتجرد السيف، فخافه الناس خوفا شديدا حتى
стр. 1752
أن الشيء كان يوجد فلا يتجاسر أحد أن يرفعه حتى يأتيه صاحبه، واستعان زياد بعدة من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم عمران بن حصين ولاه قضاء البصرة، والحكم بن عمرو الغفاري ولاه خراسان، وسمرة بن جندب، وعبد الرحمن بن سمرة، وأنس بن مالك.
وفِي هذه السنة شتى عَبْد الرَّحْمَنِ بن خالد بن الوليد بالشام [١] .
وفيها: حج بالناس مروان بن الحكم، / وكان على المدينة، وكانت الولاة ٨٧/ أوالعمال على الأمصار من تقدم ذكرهم فِي السنة قبلها.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣١- حفصة بنت عمر بن الخطاب [٢] :
كانت عند خنيس [٣] بن حذافة السهمي، وهاجرت معه إلى المدينة، فمات عنها بعد الهجرة، فقدم النبي ﷺ من بدر فتزوجها.
وفِي رواية أن رسول الله ﷺ طلقها، فقَالَ له جبريل: راجعها فإنها صوامة قوامة.
وفِي رواية أنه أراد طلاقها، فقَالَ جبريل: لا تطلقها فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك فِي الجنة.
توفيت فِي شعبان هذه السنة، وهي بنت ستين سنة.
وقيل: ماتت فِي خلافة عثمان بالمدينة.
٣٣٢- زيد بن ثابت بن زيد بن لوذان، أبو سعيد: [٤]
كان يكتب الوحي.
قال ابن سعد: [١] وأخبرنا عفان، قال: حدثنا شعبة، عن ابن إسحاق، أنه سمع مسروقا يقول:
أتيت المدينة فسألت عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فإذا زيد بن ثابت من الراسخين فِي العلم.
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: [٢] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَخَذَ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِالرِّكَابِ، فَقَالَ: تَنَحَّ يَا ابن عم رسول الله ﷺ ، فَقَالَ: هَكَذَا يُفْعَلُ بِعُلَمَائِنَا وَكُبَرَائِنَا.
قَالَ ابن سعد: وأَخْبَرَنَا أبو معاوية الضرير، قَالَ: حَدَّثَنَا الأعمش، عن ثابت بن عبيد، قَالَ:
كان زيد بن ثابت [٣] من أفكه الناس فِي بيته [٤] ، وأزمته إذا خرج إلى الرجال.
قَالَ: وأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، قَالَ:
خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ رَاجِعِينَ، فَدَخَلَ دارا، فقيل له:
فقال: من لا يستحي مِنَ النَّاسِ لا يَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ.
قَالَ ابن سعد: وأخبرنا محمد بن عمر، قال: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ:
أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَّر بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَذْهَبَ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُجْمَعَ الْقُرْآنُ، وَأَنْتَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَحْيَ، فتتبع القرآن فأجمعه. قال زيد: فو الله لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ أَنْقُلُهُ حَجَرًا حَجَرًا مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ، فقمت
стр. 1755
٨٨/ أفتتبعت الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالْعُسْبِ وَالأَكْتَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، فَوَجَدْتُ/ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ خُرَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... ٩: ١٢٨ [١] الآيَتَيْنِ.
قَالَ علماء السير: أتى خريمة بن ثابت بهاتين الآيتين، قَالَ زيد: من يشهد معك، قَالَ: عمر أنا. وكان أبو بكر قد قَالَ: إذا أتاكم أحد بشيء من القرآن تنكرانه فشهد عليه رجلان، فاثبتاه. ولما نسخ عثمان المصاحف أمر أبي بن كعب أن يملي وزيدا أن يكتب، وكان عمر ﵁ يستخلف زيدا على المدينة إذا سافر، ولما حوصر عثمان كان زيد يذب عنه، ودخل عليه فقَالَ: هذه الأنصار يقولون جئنا لننصر الله مرتين، فقَالَ عثمان: أما القتال فلا.
توفي زيد بالمدينة فِي هذه السنة وهو ابن ستة وخمسين سنة، ومات قبل أن تصفر الشمس، فلم يخرج حتى أصبح، فصلى عليه مروان.
وقيل: إنه توفي سنة خمس وخمسين. وقيل: سنة إحدى وخمسين. وقَالَ ابن عباس: لقد مات اليوم علم كثير، وقَالَ أبو هريرة: مات خير هذه الأمة.
٣٣٣- سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة، أبو عوف: [٢]
شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، ومات بالمدينة فِي هذه السنة وهو ابن سبعين سنة، وانقرض عقبه.
٣٣٤- عاصم بن عدي، أبو عمرو: [٣]
خلفه رسول الله ﷺ لما خرج إلى بدر على قباء أهل العالية لشيء بلغه عنهم، وضرب له بسهمه وأجره، وكان كمن شهدها، وشهد أحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . وبعثه رسول الله ﷺ من تبوك ومعه مالك بن الدخشم فأحرقا مسجد الضرار.
وتوفي وهو ابن مائة وخمس عشرة سنة.