ثم دخلت سنة خمس وأربعين
فمن الحوادث فيها [ولاية زياد البصرة] [١]
إن معاوية ولى الحارث بن عَبْد اللَّهِ الأزدي البصرة، فأقام بالبصرة أربعة أشهر وعزله وولى زيادا، فقدم زياد إلى الكوفة ينتظر إلى أمر معاوية، فظن المغيرة أنه قدم واليا عليها فقَالَ لوائل بن حجر الحضرمي: اعلم لي علمه، فأتاه فلم يقدر منه على شيء، وقدم رسول معاوية إلى زياد: أن سر إلى البصرة، فقدمها فِي آخر شهر ربيع الآخر أو غرة جمادى الأولى من هذه السنة، واستعمله على خراسان وسجستان، ثم جمع له الهند والبحرين وعمان.
فلما قدم البصرة وجد الفسق فيها ظاهرا، فخطب فقَالَ فِي خطبته [٢] : كأنكم لم تسمعوا ما أعد الله من الثواب لأهل طاعته، والعذاب لأهل معصيته، أيكونون كمن طرفت عنه الدنيا وسدت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية.
قَالَ الشعبي: ما سمعت متكلما قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت [خوفا أن يسيء] [٣] إلا زيادا، فإنه كان كلما أكثر كان أجود كلاما.
وما زال زياد يشدد أمر السلطان، وتجرد السيف، فخافه الناس خوفا شديدا حتى
стр. 1752
أن الشيء كان يوجد فلا يتجاسر أحد أن يرفعه حتى يأتيه صاحبه، واستعان زياد بعدة من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم عمران بن حصين ولاه قضاء البصرة، والحكم بن عمرو الغفاري ولاه خراسان، وسمرة بن جندب، وعبد الرحمن بن سمرة، وأنس بن مالك.
وفِي هذه السنة شتى عَبْد الرَّحْمَنِ بن خالد بن الوليد بالشام [١] .
وفيها: حج بالناس مروان بن الحكم، / وكان على المدينة، وكانت الولاة ٨٧/ أوالعمال على الأمصار من تقدم ذكرهم فِي السنة قبلها.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣١- حفصة بنت عمر بن الخطاب [٢] :
كانت عند خنيس [٣] بن حذافة السهمي، وهاجرت معه إلى المدينة، فمات عنها بعد الهجرة، فقدم النبي ﷺ من بدر فتزوجها.
وفِي رواية أن رسول الله ﷺ طلقها، فقَالَ له جبريل: راجعها فإنها صوامة قوامة.
وفِي رواية أنه أراد طلاقها، فقَالَ جبريل: لا تطلقها فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك فِي الجنة.
توفيت فِي شعبان هذه السنة، وهي بنت ستين سنة.
وقيل: ماتت فِي خلافة عثمان بالمدينة.
٣٣٢- زيد بن ثابت بن زيد بن لوذان، أبو سعيد: [٤]
كان يكتب الوحي.
قال ابن سعد: [١] وأخبرنا عفان، قال: حدثنا شعبة، عن ابن إسحاق، أنه سمع مسروقا يقول:
أتيت المدينة فسألت عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فإذا زيد بن ثابت من الراسخين فِي العلم.
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: [٢] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَخَذَ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِالرِّكَابِ، فَقَالَ: تَنَحَّ يَا ابن عم رسول الله ﷺ ، فَقَالَ: هَكَذَا يُفْعَلُ بِعُلَمَائِنَا وَكُبَرَائِنَا.
قَالَ ابن سعد: وأَخْبَرَنَا أبو معاوية الضرير، قَالَ: حَدَّثَنَا الأعمش، عن ثابت بن عبيد، قَالَ:
كان زيد بن ثابت [٣] من أفكه الناس فِي بيته [٤] ، وأزمته إذا خرج إلى الرجال.
قَالَ: وأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، قَالَ:
خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ رَاجِعِينَ، فَدَخَلَ دارا، فقيل له:
فقال: من لا يستحي مِنَ النَّاسِ لا يَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ.
قَالَ ابن سعد: وأخبرنا محمد بن عمر، قال: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ:
أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَّر بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَذْهَبَ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُجْمَعَ الْقُرْآنُ، وَأَنْتَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَحْيَ، فتتبع القرآن فأجمعه. قال زيد: فو الله لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ أَنْقُلُهُ حَجَرًا حَجَرًا مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ، فقمت
стр. 1755
٨٨/ أفتتبعت الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالْعُسْبِ وَالأَكْتَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، فَوَجَدْتُ/ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ خُرَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... ٩: ١٢٨ [١] الآيَتَيْنِ.
قَالَ علماء السير: أتى خريمة بن ثابت بهاتين الآيتين، قَالَ زيد: من يشهد معك، قَالَ: عمر أنا. وكان أبو بكر قد قَالَ: إذا أتاكم أحد بشيء من القرآن تنكرانه فشهد عليه رجلان، فاثبتاه. ولما نسخ عثمان المصاحف أمر أبي بن كعب أن يملي وزيدا أن يكتب، وكان عمر ﵁ يستخلف زيدا على المدينة إذا سافر، ولما حوصر عثمان كان زيد يذب عنه، ودخل عليه فقَالَ: هذه الأنصار يقولون جئنا لننصر الله مرتين، فقَالَ عثمان: أما القتال فلا.
توفي زيد بالمدينة فِي هذه السنة وهو ابن ستة وخمسين سنة، ومات قبل أن تصفر الشمس، فلم يخرج حتى أصبح، فصلى عليه مروان.
وقيل: إنه توفي سنة خمس وخمسين. وقيل: سنة إحدى وخمسين. وقَالَ ابن عباس: لقد مات اليوم علم كثير، وقَالَ أبو هريرة: مات خير هذه الأمة.
٣٣٣- سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة، أبو عوف: [٢]
شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، ومات بالمدينة فِي هذه السنة وهو ابن سبعين سنة، وانقرض عقبه.
٣٣٤- عاصم بن عدي، أبو عمرو: [٣]
خلفه رسول الله ﷺ لما خرج إلى بدر على قباء أهل العالية لشيء بلغه عنهم، وضرب له بسهمه وأجره، وكان كمن شهدها، وشهد أحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . وبعثه رسول الله ﷺ من تبوك ومعه مالك بن الدخشم فأحرقا مسجد الضرار.
وتوفي وهو ابن مائة وخمس عشرة سنة.
стр. 1756
ثم دخلت سنة ست وأربعين
فمن الحوادث فيها أنه شتى المسلمون بأرض الروم [١]
واختلفوا فِي أمرهم، فقيل: مالك بن عَبْد اللَّهِ، وقيل: عَبْد الرَّحْمَنِ بن خالد بن الوليد، وقيل: مالك بن هبيرة الفزاري.
وفيها انصرف عَبْد الرَّحْمَنِ بن خالد بن الوليد من بلاد الروم إلى حمص [٢]
وكان قد عظم شأنه/ بالشام، ومال أهلها إليه لموضع غنائه عن المسلمين وآثار ٨٨/ ب أبيه حتى خافه معاوية وخشي على نفسه منه لميل الناس إليه، فدس إليه عدي بن أثال شربة مسمومة فقتله بها، فمات بحمص، وخرج خالد بن عَبْد الرَّحْمَنِ بن خالد فقتل ابن أثال [٣] .
وفيها: حج بالناس عتبة بن أبي سفيان، وكان العمال والولاة الذين كانوا في السنة التي قبلها.
стр. 1757
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣٥- سالم بن عمير بن ثابت: [١]
شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، [وهو] [٢] أحد البكاءين الذين جاءوا إلى رسول الله ﷺ وهو يريد أن يخرج إلى تبوك يستحملونه، فقَالَ: لا أجد ما أحملكم عليه، فولوا وأعينهم تفيض من الدمع [٣] .
٣٣٦- سراقة بن كعب بن عمرو: [٤]
شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ .
٣٣٧- مُحَمَّد بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة:
أسلم بالمدينة على يدي مصعب بن عمير قبل إسلام أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رَسُولُ الله ﷺ غير تبوك، فإن رسول الله ﷺ استخلفه على المدينة، وكان مُحَمَّد فيمن قتل كعب بن الأشرف. وبعثه رسول الله ﷺ إلى القرطاء سرية فِي ثلاثين راكبا من الصحابة، فسلم وغنم وبعثه إلى ذي القصة سرية فِي عشرة، وتوفي بالمدينة فِي صفر هذه السنة، وهو ابن سبع وسبعين سنة.
ويقال: فِي سنة ثلاث وأربعين.
٣٣٨- هرم بن حيان العبدي: [٥]
كان عاملا لعمر بن الخطاب، ولقي أويسا القرني، وكان من الخائفين.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن أبي القاسم، قال: أخبرنا أحمد بن أحمد، قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْن مُحَمَّد، قَالَ: حدّثنا محمد بن شبل، قال:
стр. 1758
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ أَصْبَغَ الْوَرَّاقِ، عن أبي نصرة:
أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ هَرِمَ بْنَ حَيَّانَ عَلَى الْخَيْلِ، فَغَضِبَ عَلَى رَجُلٍ فَأَمَرَ بِهِ فَوُجِئَتْ عُنُقُهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، / فَقَالَ: لا جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مَا نَصَحْتُمُونِي حِينَ قُلْتُ، ولا ٨٩/ أكففتموني عَنْ غَضَبِي، وَاللَّهِ لا أَلِي لَكُمْ عَمَلا، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لا طَاقَةَ لِي بِالرَّعِيَّةِ، فَابْعَثْ إِلَى عَمَلِكَ.
أخبرنا عَبْد اللَّه بْن علي المقري، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو منصور مُحَمَّد بن أَحْمَد الخياط، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو طاهر أَحْمَد بن الحسن الباقلاني، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الملك بن بشران، قَالَ: حَدَّثَنَا دعلج، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد الصائغ، قَالَ:
حَدَّثَنَا جعفر الفريابي، قَالَ: حَدَّثَنَا إبراهيم بن عثمان بن زياد، قَالَ: حَدَّثَنَا مخلد بن حسين، عن هشام، عن الحسن، قَالَ:
خرج هرم بن حيان، وعَبْد اللَّهِ بن عامر يؤمان الحجاز فجعلت أعناق رواحلهما تخالجان الشجر، فقَالَ هرم لابن عامر: أتحب أنك شجرة من هذه الشجر، فقَالَ ابن عامر: لا والله لما أرجو من ربي، فقَالَ هرم: لكني والله لوددت أني شجرة من هذه الشجر أكلتني هذه الناقة، ثم قذفتني بعراء، ولم أكابد الحساب [١] ، يا ابن عامر إني أخاف الداهية الكبرى، إما إلى الجنة وإما إلى النار.
قَالَ الحسن: وكان هرم أفقه الرجلين وأعلمهما باللَّه.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن أبي القاسم، قال: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أحمد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو إسحاق بن حمزة، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بن يَحْيَى الحلواني، قَالَ: حَدَّثَنَا سعيد بن سليمان، عن عبد الواحد بن سليمان، قَالَ: حَدَّثَنَا هشام بن حسان، عن الحسن، قَالَ:
مات هرم فِي يوم صائف شديد الحر، فلما نفضوا أيديهم من قبره جاءت سحابة تسير حتى قامت على قبره، فلم تكن أطول منه ولا أقصر حتى روته ثم انصرفت.
стр. 1759
ثم دخلت سنة سبع وأربعين
فمن الحوادث فيها مشتى مالك بن هبيرة بأرض الروم، ومشتى أبي عَبْد الرَّحْمَنِ القيني بأنطاكية.
وفيها عزل عَبْد اللَّهِ بن عمرو بن العاص عن مصر
ووليها معاوية بن حديج.
٨٩/ ب واختلفوا فيمن حج بالناس فِي هذه السنة. فقَالَ الواقدي/ عتبة بن أبي سفيان.
وقَالَ غيره: عنبسة بن أبي سفيان.
وكانت العمال والولاة هم الذين كانوا فِي السنة التي قبلها، غير مصر فإنها لمعاوية بن حديج.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٣٩- قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد، أبو علي المنقري، ويقال: أبو قبيصة: [١]
كان قد حرم الخمر فِي الجاهلية، وذلك أنه شرب فسكر، فعبث بذي محرم منه، فهربت، فلما أصبح قيل له في ذلك، فقال:
стр. 1760
رأيت الخمر مصلحة [١] وفيها ... مقابح تفضح الرجل الكريما
فلا والله أشربها حياتي ... ولا أشفِي بها أبدا سقيما
ثم وفد على رسول الله ﷺ فِي وفد بني تميم، فأسلم، فقَالَ النبي ﷺ : «هذا سيد أهل الوبر» ، وقَالَ له: «اغتسل بماء وسدر» . وكان جوادا، وهو الذي قيل فيه لما مات:
وما كان قيس موته موت واحد [٢] ... ولكنه بنيان قوم تهدما
نزل البصرة، وروى عن رسول الله ﷺ .
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد القاري، قال:
أخبرنا عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بن مروان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بن عباد التميمي، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو عثمان المازني، قَالَ:
سمعت الأصمعي يقول: سمعت عمرو بن العلاء، وأبا سفيان بن العلاء، يقولان:
قيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم، قَالَ: من قيس بن عاصم [المنقري، لقد اختلفنا إليه فِي الحكم كما نختلف إلى الفقهاء فِي الفقه، بينما نحن عند قيس بن عاصم] وهو قاعد فِي قبائه محتب بكسائه أتته جماعة فيهم مقتول ومكتوف، فقالوا: هذا ابنك قتله ابن أخيك، فو الله ما حل حبوته حتى فرغ من كلامه ثم التفت إلى ابن له فِي المسجد، فقَالَ: أطلق عن/ ابن عمك ووار أخاك واحمل إلى ٩٠/ أأمه مائة من الإبل، فإنها غريبة، وأنشأ يقول:
إني امرؤ لا شائن حسبي ... دنس يغيره ولا أفن
من منقر فِي بيت مكرمة ... والغصن ينبت حوله الغصن
خطباء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه أعفة لسن
لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم بحسن جواره فطن
وروى حكيم بن قيس أن أباه لما احتضر أومأ إلى بنيه وهم اثنان وثلاثون ذكرا،
стр. 1761
فجمعهم وقَالَ: يا بني سودوا عليكم أكبركم، فإن القوم إذا سودوا أكبرهم خلفوا أباهم، وإذا سودوا أصغرهم أزري بهم عند أكفائهم، وعليكم بالمال واصطناعه فإنه منبهة للكريم ويستغني به عن اللئيم، وإياكم ومساءلة الناس فإنها من أخس مكسبة الرجل، ولا تنوحوا علي، فإن رسول الله ﷺ لم ينح عليه، ولا تدفنوني حيث تشعر بي بكر بن وائل، فإني كنت أعاديهم فِي الجاهلية، فرثاه الشاعر يقول:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من ألبسته منك نعمة [١] ... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما
стр. 1762
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين
- فمن الحوادث فيها مشتى أبي عَبْد الرَّحْمَنِ القيسي بأنطاكية، وغزوة مالك بن هبيرة اليشكري البحر، وغزوة عقبة بن عامر [١] الجهني بأهل مصر البحر.
وفيها: وجه زياد غالب بن فضالة الليثي على خراسان، وكانت له صحبة.
وفيها: حج بالناس مروان بن الحكم، وكان يتوقع العزل لموجدة كانت من معاوية عليه، وارتجاعه، فدك منه، وكان وهبها له. وكان عمال/ الأمصار في هذه السنة ٩٠/ ب الذين كانوا فِي السنة التي قبلها.
ولم نعلم من مات من الأكابر فِي هذه السنة
стр. 1763
ثم دخلت سنة تسع وأربعين
فمن الحوادث فيها مشتى مالك بن هبيرة الفزاري بأرض الروم. وغزوة يزيد بن شجرة الرهاوي فِي البحر.
وفيها: غزا يزيد بن معاوية أرض الروم حتى بلغ القسطنطينية ومعه ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو أيوب الأنصاري.
وفيها: عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة فِي ربيع الأول، وأمر عليها سعد بن أبي وقاص، وكانت ولاية مروان المدينة لمعاوية ثمان سنين وشهرين.
وكان على قضاء المدينة لمروان حين عزل عَبْد اللَّهِ بن الحارث بن نوفل، فلما ولى سعد عزله واستقضى أبا سلمة بن عَبْد الرَّحْمَنِ.
وفيها: وقع الطاعون بالكوفة، فهرب المغيرة بن شعبة، فلما ارتفع الطاعون قيل له: لو رجعت، فقدمها، فطعن فمات.
وقد قيل: مات المغيرة سنة خمسين.
وفِي هذه السنة أعني سنة تسع وأربعين ضم معاوية الكوفة إلى زياد، فكان أول من جمع له الكوفة والبصرة، واستخلف على البصرة سمرة بن جندب، وشخص إلى الكوفة، فكان زياد يقيم ستة أشهر بالكوفة، وستة أشهر بالبصرة.
وفيها: حج بالناس سعيد بن العاص، وكان العمال فيها هم العمال فِي التي
стр. 1764
قبلها، إلا أن فِي تاريخ موت المغيرة اختلافا قد ذكرناه.
ذكر من توفي فِي هذه السنة من الأكابر
٣٤٠- الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهما: [١]
ولد سنة ثلاث من الهجرة، وكان يشبه رسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين/ يشبه ما كان أسفل [من ذلك] [٢] ، وكان له من الولد خمسة عشر ذكرا، ٩١/ أوثمان بنات.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حيويه، قَالَ: أخبرنا ابن مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ خَلادِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ:
حَجَّ الْحَسَنُ خَمْسَ عَشْرَةَ حَجَّةً مَاشِيًا وَإِنَّ النَّجَائِبَ لَتُقَادُ مَعَهُ.
وَخَرَّجَ مِنْ مَالِهِ للَّه مَرَّتَيْنِ، وَقَاسَمَ اللَّهَ مَالَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، حَتَّى أَنَّهُ كَانَ لَيُعْطِي نَعْلا وَيَأْخُذُ نَعْلا.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن سلمان، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَرُوبَةَ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَرَجُلٌ عَلَى الْحَسَنِ نَعُودُهُ، فَقَالَ: قَدْ أُلْقِيَتْ طَائِفَةٌ مِنْ كَبِدِي وَإِنِّي قَدْ سُقِيتُ السُّمَّ مِرَارًا فَلَمْ [٣] أُسْقَ مِثْلَ هَذِهِ الْمَرَّةِ. ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ وَالْحُسَيْنُ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ: يَا أَخِي مَنْ تَتَّهِمُ؟ [٤] قَالَ: لِمَ، لِتَقْتُلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قال: إن
стр. 1765
يَكُنِ الَّذِي أَظُنُّ فاللَّه أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلا أُحِبُّ أَنْ يُقْتَلَ بِي بَرِيءٌ، ثُمَّ قَضَي ﵁. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ خَيْرُونٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حيويه، قال: حدثنا محمد بن خلف، قال: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْيَمَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ الْجُمَحِيُّ، عَنِ ابْنِ جَعْدَةَ، قَالَ:
كَانَتْ جَعْدَةُ بِنْتُ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ تَحْتَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فَدَسَّ إِلَيْهَا يَزِيدُ أَنْ سُمِّي حَسَنًا حَتَّى أَتَزَوَّجَكِ، فَفَعَلَتْ، فَلَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بَعَثَتْ جَعْدَةُ إِلَى يَزِيدَ تَسْأَلُهُ الْوَفَاءَ بِمَا وَعَدَهَا، فَقَالَ: إِنَّا وَاللَّهِ لَمْ نَرْضَكِ لِلْحَسَنِ أَفَنَرْضَاكِ لأَنْفُسِنَا.
مرض الحسن أربعين يوما، وتوفي فِي ربيع الأول من هذه السنة، وهو ابن سبع وأربعين سنة، وصلى عليه سعيد بن العاص بالمدينة، ودفن بالبقيع، وقيل: إنه توفي فِي سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين
.
стр. 1766
ثم دخلت سنة خمسين
فمن الحوادث فيها غزاة بسر بن أبي أرطأة وسفيان بن عوف الأزدي أرض الروم.
وفيها: كانت غزاة فضالة بن عبيد البحر. وقيل: إنما كانت فِي السنة التي قبلها.
وفيها خطب زياد بالكوفة بعد أن ضمت إليه مع البصرة. [١]
فقَالَ: إن الأمر أتاني وأنا بالبصرة، فأردت أن أشخص إليكم فِي ألفين من شرطة البصرة، ثم ذكرت أنكم أهل حق فأتيتكم فِي أهل بيتي، فحصب وهو على المنبر، فدعا قوما من خاصته فأمرهم أن يأخذوا بأبواب المسجد، فمن حلف أنه ما حصبه خلاه، ومن لم يحلف حبسه حتى صاروا إلى ثلاثين. وقيل: ثمانين، فقطع أيديهم على المكان.
واتخذ مقصورة.
وفِي هذه السنة أمر معاوية بمنبر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِنَّ يحمل إلى الشام [٢]
стр. 1767
فحول [١] ، فكسفت الشمس حتى رئيت النجوم [٢] بادية فأعظم الناس ذلك، فقَالَ: لم أرد حمله، إنما خفت أن يكون قد أرض [٣] ، فنظرت إليه. ثم كساه. رواه الواقدي.
وروي [٤] : أن عبد الملك بن مروان هم بالمنبر فقَالَ له قبيصة: [أذكرك] [٥] الله أن نفعل، فإن معاوية حركه فكسفت الشمس، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «من حلف على منبري إثما فليتبوَّأ مقعده من النار» ، فتخرجه من المدينة وهو مقطع الحقوق بينهم [بالمدينة] [٦] ، فأقصر. فلما كان الوليد [وحج] [٧] هم بذلك. فأرسل سعيد بن المسيب إلى عمر بن عبد العزيز، فقَالَ: كلم صاحبك يتق الله ولا يتعرض لسخطه، فكلمه فأقصر. فلما حج سليمان بن عبد الملك أخبره عمر بن عبد العزيز بما كان من عبد الملك والوليد، فقَالَ:
ما كنت أحب أن يذكر هذا عن عبد الملك ولا عن الوليد، ما لنا ولهذا، أخذنا الدنيا فهي فِي أيدينا ونريد أن نعمد إلى علم من أعلام الإسلام فنحمله، هذا لا يصح [٨] .
وفِي هذه السنة. عزل معاوية بن حديج. عن مصر وولي مسلمة بن مخلد مصر وإفريقية ٩٢/ أوالمغرب/ كله [٩] .
وكان معاوية بن أبي سفيان قد بعث قبل أن يولي مسلمة مصر وإفريقية عقبة بن
стр. 1768
عامر الفهري إلى إفريقية فافتتحها واختط بها قيروانها، وكان موضعه غيضة لا ترام من السباع والحيات وغير ذلك من الدواب، فدعا الله فلم يبق منها شيء إلا خرج منها هاربا، حتى إن السباع كانت تحمل أولادها.
قَالَ علي بن أبي رباح [١] : نادى عقبة: إنا نازلون فارحلوا- أو قَالَ: فاظعنوا- فخرجن من جحرهن هوارب.
وفِي هذه السنة. غزا الحكم بن عمرو الغفاري أهل جبل الأشل [٢] .
فغنم، فكتب إليه زياد: إن أمير المؤمنين كتب إلي أن أصطفى [له] [٣] الصفراء والبيضاء. فلما وصل الكتاب إليه قَالَ للناس: أغدوا على [٤] غنائمكم، وعزل الخمس، وقسم بينهم الغنائم. فكتب إليه زياد: والله إن بقيت لك لأقطعن منك طابقا. فقَالَ:
اللَّهمّ إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك. فمات بمرو.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْمَاطِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مُحَمَّدِ بن عبد الكريم المروزي، قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قال: حدثنا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ الْفِرْدَوْسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي حَلَقَتِهِ فِي الْمَسْجِدِ، إِذْ مَرَّ بِنَا الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ وَقَدْ عَقَدَ لَهُ زِيَادُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى خُرَاسَانَ، فَقِيلَ لِعِمْرَانَ: هَذَا الْحَكَمُ اسْتُعْمِلَ عَلَى خُرَاسَانَ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِ. فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: يَا حَكَمُ، أَتَذكر حَدِيثًا سَمِعْتُهُ أَنَا وَأَنْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: «لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي
стр. 1769
مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» . قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِذَا شِئْتَ [فَقُمْ] [١] ، قَالَ: فَأَتَى خُرَاسَانَ فَأَصَابَ بِهَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَكَتَبَ إِلَيْهِ زِيَادٌ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أمير المؤمنين كتب إلي أن أصطفى له الْبَيْضَاءَ وَالصَّفْرَاءَ، وَلا أَعْلَمَنَّ مَا قَسَمْتَ بَيْنَ النَّاسِ ذَهَبًا وَلا فِضَّةً. فَلَمَّا جَاءَهُ الْكِتَابُ قَالَ لِلنَّاسِ: اغْدُوا عَلَى غَنَائِمِكُمْ فَخُذُوهَا، ثُمَّ كتب ٩٢/ ب إلى زياد: جاءني/ كتاب الأمير يَذكر أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَصْطَفِيَ بِالصَّفْرَاءِ فَلا يَعْلَمَنَّ مَا قَسَمْتُ بَيْنَ النَّاسِ ذَهْبًا وَلا فِضَّةً، وَإِنِّي وَجَدْتُ كِتَابَ الله قد سبق كتاب أمير المؤمنين، وو الله الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا عَلَى عَبْدٍ اتَّقَى اللَّهَ لَجَعَلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَخْرَجًا، وَالسَّلَامُ.
وفِي هذه السنة [٢] استعدت بنو نهشل وفقيم على الفرزدق
زياد بن أبي سفيان لموضع هجائه إياهم، فطلبه فهرب منه إلى سعيد بن العاص وهو والي المدينة من قبل معاوية مستجيرا به فأجاره.
وفِي هذه السنة. حج بالناس معاوية .
وقيل: يزيد. وكان الوالي على المدينة سعيد بن العاص، وعلى الكوفة والبصرة والمشرق وسجستان وفارس والهند زياد.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٤١- جبير بن مطعم بْن عدي بْن نوفل بْن عَبْد مناف، أبو مُحَمَّد: [٣]
كان أبوه من أشراف قريش، وقدم جبير فِي فداء أسارى بدر، قال: فنمت في
стр. 1770
المسجد بعد العصر، فأقيمت المغرب، فقمت فزعا بقراءة رسول الله ﷺ ، فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد، فذاك أول يوم دخل الإسلام فِي قلبي.
وأسلم قبل الفتح، ونزل المدينة، ومات فِي وسط خلافة معاوية.
٣٤٢- جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار: [١]
سبيت فِي غزوة بني المصطلق، فوقعت فِي سهم ثابت بن قيس، فكاتبها، فأدى رسول الله ﷺ كتابتها وتزوجها. وكانت كثيرة التسبيح والتقديس [٢] والذكر. وتوفيت فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهِيَ بِنْتُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ [سنة] [٣] .
٣٤٣- حسان بن ثابت [بن المنذر] بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، أبو الوليد الأنصاري: [٤]
كان من فحول شعراء الجاهلية، وكان يضرب روثة أنفه من طوله ويقول: ما يسرني به مقول من العرب، والله لو وضعته على شعر لحلقه أو على صخر لفلقه. وكان يفد على/ ملوك غسان، ويمدحهم. ٩٣/ أأسلم قديما ولم يشهد مع رسول الله ﷺ مشهدا، كان يجبن. عاش ستين [سنة] [٥] في الجاهلية وستين [سنة] [٦] في الإسلام، ووهب لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شيرين أخت مارية، فولدت له عَبْد الرَّحْمَنِ، وكانت له بنت تقول الشعر، وكان ربما قَالَ بيتا فوقف ما بعده عليه فقالته، فقَالَ لها: لا قلت شعرا وأنت حية، فقالت: لا بل أنا لا أقول الشعر وأنت حي.
وكان للمشركين من الشعراء الذين هجوا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، أبو سفيان بن
стр. 1771
الحارث، وعمرو بن العاص، وابن الزبعري، وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حسان، وابن رواحة، وكعب بن مالك. وكان حسان يذكر عيوب القوم وآثامهم، وكان ابن رواحة يعيرهم بالكفر، وكان كعب يذكر الحرب ويقول: فعلنا بهم وفعلنا، ويتهددهم، فكان أشده عليهم قول حسان، وأهونه قول ابن رواحة. فلما أسلموا كان أشده عليهم قول ابن رواحة، وكأن رسول الله ﷺ قد قَالَ للأنصار: ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله ﷺ بسلاحهم وأنفسهم أن ينصروه بألسنتهم. فقَالَ حسان: أنا لها، قَالَ: كيف تهجوهم وأنا منهم، قَالَ: إني أسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قال: أخبرنا ابن المذهب، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قال: حدثني أبي، قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: [١] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَضَعَ لِحَسَّانٍ مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ يُنَافِحُ عَنْهُ بِالشِّعْرِ، ثُمَّ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ حَسَّانَ بِرُوحِ الْقُدُسِ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ» . وقَالَ حسان فِي فتح مكة [٢] :
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء
٩٣/ ب/ وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يعين [٣] الله فيه من يشاء
وقَالَ الله قد سيرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء
وجبريل أمين الله [٤] فينا ... وروح القدس ليس به كفاء
ألا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مجوف نخب هواء
[٥]
стр. 1772
يعني أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فإنه كان يهاجي رسول الله ﷺ قبل أن يسلم.
ولحسان: [١]
هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله فِي ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء
فإن أبي ووالدتي وعرضي [٢] ... لعرض مُحَمَّد منكم وقاء
لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري ما تكدره [٣] الدلاء
أَخْبَرَنَا إسماعيل بن أَحْمَد، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن هبة الطبري، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن الفضل، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن درستويه، قَالَ: أَخْبَرَنَا يعقوب بن سفيان، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، عن سعيد بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أبيه، قَالَ:
عاش حسان بن ثابت مائة سنة وأربع سنين، وعاش أبوه ثابت مائة سنة وأربع سنين، وكان عَبْد الرَّحْمَنِ إذا حَدَّثَنَا بهذا الحديث اشرأب لها وثنى رجليه على مثلها، فمات وهو ابن ثمان وأربعين.
٣٤٤- الحكم بن عمرو الغفاري [٤] :
صحب رسول الله ﷺ حتى قبض، ثم تحول إلى البصرة، فولاه زياد بن أبي سفيان خراسان. وقد ذكرنا قصته فِي تلك الولاية آنفا. وتوفي بخراسان سنة خمسين.
٣٤٥- دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد [٥] :
أسلم قديما ولم يشهد بدرا، وشهد ما بعدها، وكان جبريل يأتي في صورته،
стр. 1773
٩٤/ أوبعثه رسول الله ﷺ / سرية وحده، وبعث معه كتابا [١] إلى قيصر.
٣٤٦- صفية بنت حيي بن أخطب من سبط هارون بن عمران [٢] :
كان اصطفاها رسول الله ﷺ يوم خيبر، وقيل: اشتراها من دحية بسبعة أرس فأسلمت وأعتقها وتزوجها، وجعل عتقها مهرها [٣] . ورأى رسول الله ﷺ أثر خضرة قريبا من عنقها، فقَالَ: ما هذا؟ فقالت رأيت فِي المنام قمرا أقبل من يثرب فوقع فِي حجري، فذكرت ذلك لزوجي كنانة، فقَالَ: أتحبين أن تكوني تحت هذا الملك الذي يأتي من المدينة؟ فضرب وجهي. فلما رحل رسول الله ﷺ عن خيبر وقد طهرت [٤] ، مال يريد أن يعرس بها، فأبت، فلما كان بالصهباء عرس بها هناك، فقَالَ: ما حملك على ما صنعت فِي المنزل الأول؟ قالت: خشيت عليك قرب يهود، فزادها ذلك عنده. [توفيت فِي هذه السنة] [٥] ، ودفنت بالبقيع.
٣٤٧- عَبْد الرَّحْمَنِ بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، يكنى أبا سعيد [٦] .
وكان اسمه عبد الكعبة، فلما أسلم سماه رسول الله ﷺ عَبْد الرَّحْمَنِ، واستعمله عَبْد اللَّهِ بن عامر على سجستان، وغزا خراسان وفتح بها فتوحا، ثم رجع إلى البصرة، فأقام بها حتى مات.
أَخْبَرَنَا القزاز، [أَخْبَرَنَا الخطيب، أَخْبَرَنَا الأزهري، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن العباس، أَخْبَرَنَا إبراهيم بن مُحَمَّد الكندي، حَدَّثَنَا أبو] [٧] مُوسَى مُحَمَّد بن المثنى، قَالَ:
مات عَبْد الرَّحْمَنِ بن سمرة سنة خمسين.
وقَالَ خليفة بن خياط: سنة إحدى وخمسين.
стр. 1774
- ٣٤٨ عمرو [بن أمية] بن خويلد، أبو أمية الضمري [١] :
شهد بدرا وأحدا مع المشركين، وكان شجاعا، ثم أسلم، فأول مشهد شهده فِي الإسلام بئر معونة، فأسرته بنو عامر يومئذ، فقَالَ له عامر بن الطفيل: إنه قد كان على أمي نسمة فأنت حر عنها، فلما انصرف من بئر معونة لقي رجلين [من بني كلاب] [٢] ، فقتلهما، وقد كان لهما من رسول الله ﷺ أمان فوداهما رسول الله ﷺ ، وهما القتيلان اللذان/ خرج رسول الله ﷺ [بسببهما] [٣] إلى بني النضير يستعينهما في ٩٤/ ب ديتهما. [وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية ومعه سلمة بن أسلم بن حريش الأنصاري سرية إلى مكة إلى أبي سفيان بن حرب، فعلم بمكانهما، فطلبا، فتواريا، وظفر عمرو بن أمية فِي تواريه ذلك فِي الغار بناحية مكة بعبيد الله التيمي، فقتله] [٤] ، ومضى فأنزل خبيبا عن خشبته.
وبعثه رسول الله ﷺ إلى النجاشي ليزوجه أم حبيبة [بنت أبي سفيان بن حرب] [٥] ، ويحمل بقية أصحابه إلى المدينة.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي طاهر البزار، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال:
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ حَيْوَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْفَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْفَغْوَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَنِي بِمَالٍ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ يَقْسِمُه فِي قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ وَذَلِكَ بَعْدَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: الْتَمِسْ صَاحِبًا، قَالَ: فَجَاءَنِي عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، فَقَالَ:
بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ الْخُرُوجَ وَتَلْتَمِسُ صَاحِبًا، قُلْتُ: أَجَلْ، قَالَ: فَأَنَا لَكَ صَاحِبٌ، قَالَ:
فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: قَدْ وَجَدْتُ صَاحِبًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إذا وجدت
стр. 1775
صاحبا فَأَذِنِّي، فَقَالَ: مَنْ؟ قُلْتُ: عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، فَقَالَ: إِذَا هَبَطْتَ إِلَى بِلادِ قَوْمِهِ فَاحْذَرْهُ، فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ الْقَائِلُ: أَخُوكَ الْبَكْرِيُّ فَلا تَأْمَنْهُ.
قَالَ: فَخَرَجْنَا حَتَّى جِئْتُ الأَبْوَاءَ، قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ حَاجَةً إِلَى قَوْمِي بِوَدَّانَ فَتَلَبَّثْ لِي، قَالَ: قُلْتُ رَاشِدًا، فَلَمَّا وَلَّى ذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَشَدَدْتُ عَلَى بَعِيرِي ثُمَّ خَرَجْتُ أَوْضَعُهُ حَتَّى إذا كنت بالأصافر إِذَا هُوَ يُعَارِضُنِي فِي رَهْطٍ. قَالَ: فَأَوْضَعْتُ فَسَبَقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي قَدْ فُتُّهُ انْصَرَفُوا، وَجَاءَنِي فَقَالَ: كَانَتْ لِي إِلَى قَوْمِي حَاجَةٌ، قُلْتُ:
أَجَلْ. وَمَضَيْنَا حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ، فَدَفَعْتُ الْمَالَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ.
٣٤٩- عقيل بن أبي طالب ﵁ [١] :
وأمه فاطمة بنت أسد، وكان أسن ولد أبي طالب بعد طالب، وكان بينه وبين ٩٥/ أطالب عشر سنين، ثم بينه وبين جعفر عشر سنين، ثم بين جعفر وبين علي/ عشر سنين، وكان علي ﵁ أصغرهم سنا وأقدمهم إسلاما.
وأخرج عقيل يوم بدر مع المشركين مكرها، فشهدها وأسر، ففداه العباس. ومات عقيل بعد ما عمي بصره [فِي خلافة معاوية] [٢] .
٣٥٠-[عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان [٣] :
شهد بدرا وأحدا والخندق وذهب بصره] .
٣٥١- أم شريك، واسمها غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية [٤] :
وهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ . واختلفوا هل قبلها أم لا؟ على قولين، أحدهما أنه قبلها ودخل عليها، والثاني أنه لم يقبلها، فلم تتزوج حتى ماتت.
أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي، قَالا: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الأَصْفَهَانِيُّ [٥] ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أحمد، قال: حدثنا أحمد بن
стр. 1776
فَرَحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْمُقْرِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
وَقَعَ فِي قَلْبِ أُمِّ شَرِيكٍ الإِسْلامُ فَأَسْلَمَتْ وَهِيَ بِمَكَّةَ، وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي الْعُكَيْرِ الدَّوْسِيِّ [١] ، ثُمَّ جَعَلَتْ تَدْخُلُ عَلَى نِسَاءِ قُرَيْشٍ سِرًّا فَتَدْعُوهُنَّ وَتُرَغِّبُهُنَّ فِي الإِسْلامِ حَتَّى ظَهَرَ أَمْرُهَا لأَهْلِ مَكَّةَ، فَأَخَذُوهَا وَقَالُوا: لَوْلا قَوْمُكِ لِفَعَلْنَا بِكِ وَفَعَلْنَا وَلَكِنَّا سَنَرُدُّكِ إِلَيْهِمْ.
قَالَتْ: فَحَمَلُونِي عَلَى بَعِيرٍ لَيْسَ تَحْتِي شَيْءٌ، ثُمَّ تَرَكُونِي ثَلاثًا لا يُطْعِمُونِي وَلا يَسْقُونِي، وَكَانُوا إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلا أَوْثَقُونِي فِي الشَّمْسِ وَاسْتَظَلُّوا مِنْهَا وَحَبَسُوا عَنِّي الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ فَبَيْنَمَا هُمْ قَدْ نَزَلُوا مَنْزِلا وَأَوْثَقُونِي فِي الشَّمْسِ إِذَا أَنَا بِأَبْرَدِ شَيْءٍ عَلَى صَدْرِي فَتَنَاوَلْتُهُ فَإِذَا هُوَ دَلْوٌ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ قَلِيلا ثُمَّ نُزِعَ عَنِّي ثُمَّ عَادَ فَتَنَاوَلْتُهُ ثُمَّ رُفِعَ، ثُمَّ عَادَ فَتَنَاوَلْتُهُ ثُمَّ رُفِعَ مِرَارًا ثُمَّ نَزَلَ فَشَرِبْتُ حَتَّى رَوِيتُ ثُمَّ أَفْضَيْتُ سَائِرَهُ عَلَى جَسَدِي وَثِيَابِي، فَلَمَّا اسْتَيْقَظُوا إِذَا هُمْ بِأَثَرِ الْمَاءِ وَرَأَوْنِي حَسَنَةَ الْهَيْئَةِ، فَقَالُوا لِي: انْحَلَلْتِ فَأَخَذْتِ سِقَاءَنَا فَشَرِبْتِ مِنْهُ، قُلْتُ: لا وَاللَّهِ وَلَكِنَّهُ كَانَ مِنَ الأَمْرِ كَذَا وَكَذَا، قَالُوا: إِنْ كُنْتِ صَادِقَةً لَدِينُكِ خَيْرٌ مِنْ دِينِنَا، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَى أَسْقِيَتِهِمْ وَجَدُوهَا كَمَا تَرَكُوهَا، فَأَسْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ/ وَأَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ بِغَيْرِ مَهْرٍ، فَقَبِلَهَا وَدَخَلَ عليها. ٩٥/ ب
٣٥٢- كعب بن مالك بن أبي كعب، أبو عَبْد الرَّحْمَنِ:
شهد العقبة وأحدا وما بعدها سوى تبوك، فإنه أحد الثلاثة الذين تخلفوا عنها وأنزلت توبته، وقد ذكرناها فيما تقدم، وكان قد ذهب بصره.
وتوفي فِي هذه السنة وهو ابن سبع وسبعين.
٣٥٣- المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك، أبو عَبْد اللَّهِ [٢] :
كان أصهب الشعر جعدا، أقلص الشفتين، ضخم الهامة، أهتم، عبل الذراعين، بعيد ما بين المنكبين.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال:
جَمِيعًا وَأَخَذْتُ جَمِيعَ مَا كَانَ مَعَهُمْ، فَقَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَجِدُهُ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَصْحَابِهِ، وَعَلَيَّ ثِيَابُ سَفَرِي، فَسَلَّمْتُ بِسَلامِ الإِسْلامِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ- وَكَانَ بِي عَارِفًا- فَقَالَ: ابْنُ أَخِي عُرْوَةَ، قُلْتُ: نَعَمْ، جِئْتُ أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «الْحَمْدُ للَّه الَّذِي هَدَاكَ لِلإِسْلامِ» ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِنْ مِصْرَ أَقْبَلْتُمْ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ الْمَالِكِيُّونَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَكَ؟
قُلْتُ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْعَرَبِ وَنَحْنُ عَلَى دِينِ الشِّرْكِ فَقَتَلْتُهُمْ وَأَخَذْتُ أَسْلابَهُمْ، وَجِئْتُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَخْمِسَهَا أَوْ يَرَى فِيهَا رَأْيَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ غَنِيمَةٌ مِنْ مُشْرِكِينَ وَأَنَا مُسْلِمٌ مُصَدِّقٌ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «أما إسلامك فنقبله/ ولا ٩٦/ ب آخُذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا وَلا أُخْمِسُهُ لأَنَّ هَذَا غَدْرٌ، وَالْغَدْرُ لا خَيْرَ فِيهِ» . قَالَ: فَأَخَذَنِي مَا قَرَّبَ وَمَا بَعَّدَ، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَتَلْتُهُمْ وَأَنا عَلى دِينِ قَوْمِي ثُمَّ أَسْلَمْتُ حَيْثُ دَخَلْتُ عَلَيْكَ السَّاعَةَ قَالَ: فَإِنَّ الإِسْلامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ. قَالَ: وكان قد قتل منهم [١] ثلاثة عشر إنسانا، فبلغ ذلك ثقيفا فتداعوا للقتال ثم اصطلحوا على أن يحمل عني عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية.
قَالَ المغيرة: وأقمت مع النبي ﷺ حتى اعتمر عمرة الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهجرة- وكانت أول سفرة خرجت معه فيها، وكنت أكون مع أبي بكر الصديق وألزم النبي ﷺ فيمن يلزمه.
وبعثت قريش عام الحديبية عروة بن مسعود إلى النبي ﷺ ليكلمه، فأتاه فكلمه وجعل يمس لحية رسول الله ﷺ والمغيرة بن شعبة قائم على رسول الله ﷺ مقنع فِي الحديد. فقَالَ لعروة وهو يمس لحية رسول الله ﷺ : كف يدك قبل أن لا تصل إليك، فقَالَ عروة: من هذا يا مُحَمَّد، ما أفظه وأغلظه؟ قَالَ: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة، فقَالَ عروة: يا غدر ما غسلت عني سوأتك بالأمس. وانصرف عروة إلى قريش فأخبرهم بما كلم به رسول الله ﷺ .
وشهد المغيرة بعد ذلك المشاهد مع رسول اللَّه ﷺ ، وكان يحمل وضوء رسول الله ﷺ ، ولما توفي رسول الله بعثه أبو بكر الصديق إلى أهل البحرين، ثم شهد اليمامة،
стр. 1779
ثُمَّ شهد فتوح الشام مع المسلمين، ثم شهد اليرموك وأصيبت عينه يومئذ، ثم شهد القادسية، وكان رسول سعد إلى رستم، وولي لعمر فتوحا وولي له البصرة نحوا من سنتين، ففتح بيسان وغيرها، وفتح سوق الأهواز، وغزا نهر تيري، وفتح ٩٧/ أهمدان/ وشهد نهاوند. وكان عمر قد كتب: إن هلك النعمان فالأمير حذيفة، وإن هلك حذيفة فالأمير المغيرة.
وكان المغيرة أول من وضع ديوان البصرة وجمع الناس ليعطوا عليه، وولي الكوفة لعمر بن الخطاب، فقتل عمر وهو عليها، ثم وليها بعد ذلك لمعاوية، فابتنى بها دارا ومات بها وهو وال عليها.
وَبِالإِسْنَادِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ الْعِجْلِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ [١] :
إِنَّ الْمُغِيرَةَ أَحْصَنَ مِائَةَ امْرَأَةٍ مَا بَيْنَ قُرَشِيَّةٍ وَثَقَفِيَّةٍ.
وأَخْبَرَنَا القزاز، قَالَ: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت، قال: أَخْبَرَنَا الحسين بن أبي بَكْر، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ الشافعي، قَالَ: سمعت إبراهيم الحربي يقول:
توفي المغيرة بن شعبة سنة خمسين وهو ابن سبعين سنة.
وتوفي سنة خمسين.
وقيل: سنة تسع وأربعين.
وكذلك قَالَ خليفة بن خياط، وأبو حسان الزنادي.
стр. 1780
ثُمَّ دخلت سنة إحدى وخمسين
فمن الحوادث فيها مشتى فضالة بن عبيد بأرض الروم، وغزاة بسر بن أبي أرطأة الصائفة [١] .
وفيها: مقتل حجر بن عدي [٢] .
وسببه: أن معاوية بن أبي سفيان لما ولى المغيرة بن شعبة الكوفة فقَالَ له: قد أردت أن أوصيك بأشياء كثيرة، فأنا تاركها اعتمادا على بصرك بما يرضيني ويسندد سلطاني [٣] ، فأقام المغيرة على الكوفة عاملا لمعاوية سبع سنين وأشهرا وهو حسن السيرة، إلا أنه لم يدع الدعاء لعثمان والوقيعة فِي علي ﵁ [٤] ، وكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك قَالَ: أنا أشهد أن من تعيبون لأحق بالفضل وأن من تزكون لأولى بالذم، فيقول له المغيرة: ويحك اتق غضب السلطان وسطوته، فقام المغيرة/ يوما ٩٧/ ب فأثنى على عثمان، فصاح به حجر: إنك قد حبست أرزاقنا وأصبحت مولعا بتقريظ المجرمين، وقام معه أكثر من ثلاثين يقولون: صدق حجر، فمر لنا بأعطياتنا، فنزل المغيرة ودخل عليه قومه فقالوا: علام تترك هذا الرجل يجترئ فِي سلطانك، ولو بلغ معاوية كان أسخط له عليك، فقَالَ لهم المغيرة: إني قد قتلته، إنه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي، فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة،
стр. 1781
إنه قد اقترب أجلي، ولا أحب أن أبتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم، فيسعدوا بذلك وأشقى، ويعز فِي الدنيا معاوية ويذل يوم القيامة المغيرة، ولكني قابل من محسنهم، وعاف عن مسيئهم، وواعظ شقيهم حتى يفرق بيني وبينهم الموت، وسيذكروني، ولو قد جربوا العمال بعدي [١] .
فلما هلك المغيرة وولي زياد بن أبي سفيان قام فذكر عثمان وأصحابه فقرظهم وذكر قتلتهم ولعنهم، فقام حجر ففعل مثل الذي كان يفعل بالمغيرة، فقَالَ: ويل أمك يا حجر، «سقط بك العشاء على سرحان» [٢] .
وفِي رواية أخرى: أن زيادا خطب فأطال الخطبة وأخر الصلاة، فقَالَ له حجر بن عدي: الصلاة فمضى فِي خطبته، ثم قَالَ: الصلاة، فلما خشي الفوت ضرب بيده إلى كف من الحصا، وثار إلى الصلاة، وثار الناس معه، فنزل زياد فصلى بالناس، ثم كتب إلى معاوية فِي أمره، فاستشهد عليه جماعة من أهل مصره، منهم أبو بردة بن أبي مُوسَى أنه خلع الطاعة ودعا إلى الفتنة.
فكتب إليه معاوية أن شده فِي الحديد ثم احمله إلي فبعثه إليه مع جماعة ممن يرى رأيه، فاستوهب بعضهم وبقي بعضهم، فقيل لهم تبرءوا من علي حتى يطلقكم، فلم يفعلوا.
فلما دخل حجر على معاوية قَالَ: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقَالَ له معاوية: لا والله لا أقيلك ولا أستقيلك، أخرجوه فاضربوا عنقه، فأخرج، فقال: دعوني ٩٨/ أأصلي ركعتين، فصلاهما، ثم قَالَ لمن/ حضره من أهله: لا تطلقوا عني حديدا، ولا تغسلوا عني دما، فإنّي ألاقي معاوية غدا على الجادة. ثم قدم فضربت عنقه، وقتل معه جماعة من أصحابه ممن يرى رأيه.
ولما لقيت عائشة أم المؤمنين معاوية قالت [٣] : يا معاوية، أين كان حلمك عن
стр. 1782
حجر، فقَالَ لها: يا أم المؤمنين، لم يحضرني رشيد.
قَالَ ابن سيرين [١] : فبلغنا أنه لما حضرته الوفاة جعل يغرغر بالموت ويقول: يومي منك يا حجر يوم طويل.
وَرَوَى أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ [٢] قَالَ: قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ عن الصعقب بْنِ زُهَيْرٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَرْبَعُ خِصَالٍ كن فِي مُعَاوِيَةَ، لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْهُنَّ إِلا وَاحِدَةً لَكَانَتْ مُوبِقَةً:
ابْتَزَّ هَذِهِ الأُمَّةَ أَمْرَهَا بِغَيْرِ مَشُورَةٍ مِنْهُمْ وَفِيهِمْ بَقَايَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَذَوِي الْفَضْلِ. وَاسْتَخْلَفَ ابْنَهُ بَعْدَهُ سِكِّيرًا جِهِّيرًا، يَلْبَسُ [٣] الْحَرِيرَ وَيَضْرِبُ بِالطَّنَابِيرِ، وَادَّعَى زِيَادًا وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» ، وَقَتَلَ حُجْرًا فَيَا وَيْلا لَهُ مِنْ حُجْرٍ وَأَصْحَابِهِ.
وفِي هذه السنة وجه زياد الربيع بن زياد الحارثي إلى خراسان أميرا بعد موت الحكم بن عمرو الغفاري
وكان الحكم قد استخلف على عمله أنس بن أبي إياس فعزله زياد وولى خليد بن عَبْد اللَّهِ الحنفِي أشهرا ثم عزله، وولى خراسان الربيع بن زياد فِي أول سنة إحدى وخمسين فنقل الناس عيالاتهم إلى خراسان فوطنوها، ثم غزا الربيع حين قدم إلى خراسان ففتح بلخ صلحا، وفتح قهستان عنوة، وكانت بناحيتهم أتراك فقتلهم وهزمهم، وكان ممن بقي منهم نيزك طرخان فقتله قتيبة بن مسلم فِي ولايته.
وكان الربيع قد قطع النهر فغنم وسلم، وكان الحكم بن عمرو قطع النهر قبله فِي ولايته إلا أنه لم يفتح.
فذكر المديني أن أول من شرب من النهر مولى للحكم، اغترف بترسه فشرب ثم ناول الحكم فشرب وتوضأ وصلى من وراء النهر ركعتين.
стр. 1783
وفيها: حج بالناس يزيد بن معاوية، وكان العامل على المدينة سعيد بن العاص، ٩٨/ ب وكان على الكوفة والبصرة والمشرق/ كله زياد ... وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة عميرة بن يثربي.
ذكر من توفي فِي هذه السنة من الأكابر
٣٥٤- جعفر بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب [١] :
قدم مع أبيه على رسول الله ﷺ وأسلما، وغزا مع رسول الله ﷺ مكة وحنينا وثبت يومئذ.
٣٥٥- جرير بن عَبْد اللَّهِ بن مالك بن نصر بن ثعلبة، وقيل: جرير بن عَبْد اللَّهِ بن جابر بن مالك، يكنى أبا عمرو، وقيل: أبا عَبْد اللَّهِ: [٢]
قدم المدينة فِي رمضان سنة عشر فأسلم، وقَالَ: لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي ثم حللت عيبتي ولبست حلي، فدخلت على رسول الله ﷺ وهو يخطب، فسلمت عليه، فرماني الناس بالحدق فقلت لجليسي: هل ذكر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من أمري شيئا؟ قَالَ: نعم، ذكرك فأحسن الذكر بيننا، وهو يخطب قَالَ: «سيدخل عليكم من هذا الفج- أو من هذا الباب- الآن مِنْ خَيْرِ ذِي يَمَنٍ، عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةُ ملك» ، فحمدت الله على ما أبلاني.
ولما جاء جرير يبايع رسول الله ﷺ بسط له ثوبا ليجلس عليه، وقَالَ: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» . وكان جرير سيدا فِي قومه.
وبعثه رسول الله ﷺ إلى هدم ذي الخلصة، وهو بيت لخثعم كان يسمى الكعبة اليمانية، فأضرمه بالنار. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، قال: أخبرنا ابن حيوية،
стр. 1784
قال: أخبرنا ابن معروف، قال: حدثنا ابن الْفَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْن جَرِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ:
أَنَّ عُمَرَ كَانَ فِي بَيْتٍ وَمَعَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَوَجَدَ رِيحًا، فَقَالَ: عَزَمْتُ عَلَى صَاحِبِ هَذِهِ الرِّيحِ لَمَا قَامَ فَتَوَضَّأَ، فَقَالَ جَرِيرٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ يَتَوَضَّأُ الْقَوْمُ جَمِيعًا، فَقَالَ عُمَرُ: رَحِمَكَ اللَّهُ، نِعْمَ السَّيِّدُ كُنْتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَنِعْمَ السَّيِّدُ أَنْتَ فِي الإِسْلامِ.
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ وَالنَّاسُ يَتَحَامَوْنَ الْعِرَاقَ/، وَقِتَالَ الأَعَاجِمِ: سِرْ بِقَوْمِكَ فَمَا غَلَبْتَ عَلَيْهِ فلك ربعه، فلما جمعت ٩٩/ أالغنائم- غَنَائِمُ جَلُولاءَ- ادَّعَى جَرِيرٌ أَنَّ لَهُ رُبُعَ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَكَتَبَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ عُمَرُ: صَدَقَ جَرِيرٌ وَقَدْ قُلْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَكُونَ قَاتَلَ هُوَ وَقَوْمُهُ عَلَى جُعْلٍ فَاعْطُوهُ جُعْلَهُ، وَأَنْ يَكُونَ قَاتَلَ للَّه وَلِدِينِهِ وَحَسَبِهِ فَهُوَ رجل من المسلمين له ما لهم وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ.
فَلَمَّا قَدِمَ الْكِتَابُ عَلَى سَعْدٍ أَخْبَرَ جَرِيرًا بِذَلِكَ، فَقَالَ جَرِيرٌ: صَدَقَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، لا حَاجَةَ لِي بِهِ، بَل أَنَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ علماء السير: شهد جرير مع المسلمين يوم المدائن، فلما مصرت الكوفة نزلها، فمكث بها إلى خلافة عثمان، ثم بدت الفتنة فانتقل إلى قرقيسيا وسكنها إلى أن مات ودفن بها.
أَخْبَرَنَا القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي الحافظ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الله بن محمد بن جعفر، قال: حدثنا عمر بن أَحْمَد، قَالَ: حَدَّثَنَا خليفة، قَالَ:
نزل جرير قرقيسيا فمات بها سنة إحدى وخمسين.
وكذلك قَالَ مُحَمَّد بن المثنى.
وقَالَ هشام بن مُحَمَّد الكلبي: مات سنة أربع وخمسين
.
٣٥٨- سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل [١] :
أسلم قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم وقبل أن يدعو فيها [٢] .
وبعثه رَسُول اللَّهِ ﷺ مَعَ طَلْحَة [٣] ، يتجسسان خبر العير ففاتتهما بدر، فضرب لهما رسول الله ﷺ بسهامهما وأجورهما. وقدما المدينة فِي اليوم الذي لقي رسول الله ﷺ المشركين ببدر. وشهد سعيد أحدا والخندق والمشاهد بعدها مع رسول الله ﷺ ، وتوفي بالعقيق فِي هذه السنة، وغسله سعد بن أبي وقاص، وحمل إلى المدينة فدفن بها وهو ابن بضع وسبعين سنة. وكان رجلا طوالا، أدم أشعر.
٣٥٩- عَبْد اللَّهِ بن أنيس بن أسعد بن حرام، أبو يَحْيَى [٤] :
شهد العقبة مع السبعين، وكان يكسر أصنام بني سلمة هو ومعاذ بن جبل لما أسلما. ولم يشهد بدرا، لكنه شهد أحدا وما بعدها، وبعثه رسول الله ﷺ بسرية وحده إلى سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي وأمره أن يقتله، فخرج فقتله ثم قدم فأخبر النبي ﷺ فأعطاه مخصرا- يعني عصا- فقَالَ: خذ هذه تنخصر بها يوم القيامة فإن المنخصرين يومئذ/ قليل» . فلما حضرته الوفاة أمر أن تدفن معه فِي أكفانه، ومات بالمدينة فِي خلافة معاوية.
٣٦٠- نفيع بن الحارث، أبو بكرة [٥] :
ويقال: اسمه مسروح، [ويقال: نفيع بن مسروح] [٦] ، وأمه سمية، وهو أخو زياد ابن سمية بن أبي سفيان لأمه.
كان عبدا لبعض أهل الطائف، فلما حاصرهم رسول الله ﷺ نادى مناديه: أيما
стр. 1787
عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، فخرج بضع عشر منهم أبو بكرة، تدلى من بكرة، فكني أبا بكرة.
وكان يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ . سكن البصرة، وروى عن رسول الله ﷺ .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ، قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال:
أخبرنا محمد بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْمُزَكّي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْد الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ:
لَمَّا اشْتَكَى أَبُو بَكْرَةَ عَرَضَ عَلَيْهُ بَنُوهُ أَنْ يَأْتُوهُ بِطَبِيبٍ فَأَبَى، فلما نزل به الموت وعرف الموت مِنْ نَفْسِهِ وَعَرَفُوهُ مِنْهُ، قَالَ: أَيْنَ طَبِيبُكُمْ لِيَرُدَّهَا إِنْ كَانَ صَادِقًا، قَالُوا: وَمَا يُغْنِي الآنَ، قَالَ: وَقَبْلَ الآنَ.
قَالَ: وَجَاءَتِ ابْنَتُهُ أَمَةُ اللَّهِ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا بِهِ بَكَتْ، فَقَالَ: أَي بُنَيَّةَ لا تَبْكِي، قَالَتْ: يَا أَبَهْ، فَإِذَا لَمْ أَبْكِ عَلَيْكَ فَعَلَى مَنْ أبكي؟ فقال: لا تبكي، فو الّذي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ تَكُونَ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ نَفْسِي هَذِهِ، وَلا نَفْسُ هَذَا الذُّبَابِ الطَّائِرِ.
وَأَقْبَلَ عَلَى حُمْرَانَ بْنِ أَبَانٍ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ: لا أُخْبِرُكَ مِمَّ ذَاكَ، خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ يَجِيءَ أَمْرٌ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ الإِسْلامِ، ثُمَّ جَاءَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَقَعَدَ بَيْنَ يديه وأخذ بيده ١٠٠/ ب وقال: إن ابن أمك زياد أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ/ وَقَدْ بَلَغَهُ الَّذِي نَزَلَ بِكَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَحَبَّ أَنْ يُحْدِثَ بِكَ عَهْدًا وَأَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْكَ وَأَنْ يُفَارِقَكَ عَنْ رِضًى، قَالَ:
أَفَمُبِلِّغُهُ أَنْتَ عَنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أُحَرِّجُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ لِي بَيْتًا وَيَحْضُرَ لِي جِنَازَةً، قَالَ: لَمْ يَرْحَمْكَ اللَّهُ وَقَدْ كَانَ لَكَ مُعَظِّمًا وَلِبَنِيكَ وَاصِلا، قَالَ: فِي ذَلِكَ غَضِبْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَفِي خَاصَّةِ نَفْسِكَ، فَمَا عَلِمْتُهُ إِلا مُجْتَهِدًا، قَالَ: فَأَجْلِسُونِي، فَأَجْلَسُوهُ فَقَالَ:
نَشَدْتُكَ باللَّه لَمَا حَدَّثْتَنِي عَنْ أَهْلِ النَّهْرِ، أَكَانُوا مُجْتَهِدِينَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَفَأَصَابُوا أَمْ أَخْطَأُوا، قَالَ: هُوَ ذَاكَ، ثُمَّ قَالَ: أَضْجِعُونِي. فَرَجَعَ أَنَسٌ إِلَى زِيَادٍ فَأَبْلَغَهُ، فَرَكِبَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْكُوفَةِ فَتُوُفِّيَ، فَقَدِمَ بَنُوهُ أَبَا بَرْزَةَ فصلى عليه
.
стр. 1788
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين
فمن الحوادث فيها غزوة سفيان بن عوف الأزدي ومشتاه بأرض الروم، وأنه توفي بها، واستخلف عَبْد اللَّهِ بن مسعدة الفزاري. هذا قول الواقدي [١] .
وقَالَ غيره: بل الذي شتا بأرض الروم فِي هذه السنة بالناس بسر بن أبي أرطأة ومعه سفيان بن عوف، وغزا الصائفة فِي هذه السنة مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ الثقفِي.
وفيها حج بالناس سعيد بن العاص، وكان العمال فِي هذه السنة العمال الذين كانوا في السنة التي قبلها.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٦١- خالد بْن يزيد [٢] بن كليب بن ثعلبة، أبو أيوب الأنصاري، الخزرجي:
حضر العقبة، ونزل عليه رَسُول اللَّهِ ﷺ حين قدم المدينة، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وحضر مع علي بن أبي طالب حرب الخوارج بالنهروان، وورد المدائن فِي صحبته.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر،
стр. 1789
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ- يَعْنِي أَبَا زَيْدٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن الحارث، ١٠١/ أعن أَفْلَحَ مَوْلَى/ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ. أن رسول الله ﷺ نَزَلَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَسْفَلَ الدَّارِ وَأَبُو أَيُّوبَ فِي الْعُلْوِ، فَانْتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: يُمْسِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ فَلَمَّا أَصْبَحَ ذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَسْفَلُ أَرْفَقُ بِي» ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: لا أَعْلُو سُقَيْفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا، فَتَحَوَّلَ أَبُو أَيُّوبَ فِي السِّفْلِ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي الْعُلْوِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسن بن علي الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمر بْنُ حَيْوَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حدثنا الحارث بن أبي سلمة، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سعد [١] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَمِ، عِنْ مُقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خَرَجَ مِنْ خَيْبَرَ وَمَعَهُ صَفِيَّةُ دَخَلَ الْفُسْطَاطَ مَعَهُ السَّيْفُ وَاضِعًا رَأْسَهُ عَلَى الْفُسْطَاطِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ الْحَرَكَةَ، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟» فَقَالَ:
أَنَا أَبُو أَيُّوبَ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَارِيَةٌ شَابَّةٌ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ وَقَدْ صَنَعَتْ بِزَوْجِهَا مَا صَنَعَتْ فَلَمْ آمَنُهَا، قُلْتُ إِنْ تَحَرَّكَتْ أَكُونُ قَرِيبًا مِنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَبَا أَيُّوبَ» ، مَرَّتَيْنِ. قَالَ ابن معروف [٢] : وحَدَّثَنَا ابْن الفهم، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سعد، قال: قال الواقدي: توفي أبو أيوب حين غزا يزيد بن معاوية القسطنطينية فِي خلافة أبيه معاوية سنة اثنتين وخمسين، وصلى عليه يزيد، وقبره بأصل حصن القسطنطينية بأرض الروم، فلقد بلغنا أن الروم يتعاهدون قبره ويرمونه، ويستسقون به إذا قحطوا.
стр. 1790
وقد قَالَ أبو زرعة الدمشقي أنه مات أبو أيوب سنة خمس وخمسين، والأول أثبت.
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي، قال: أخبرنا ابن الفضل، قال: أخبرنا/ عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا ١٠١/ ب صفوان بن صالح، قَالَ: حَدَّثَنَا الوليد، قَالَ: حَدَّثَنِي شيخ من أهل فلسطين:
أنه رأى بنية بيضاء دون حائط القسطنطينية، فقالوا: هذا قبر أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ، فأبيت تلك البنية، فرأيت قبره فِي تلك البنية وعليه قنديل معلق بسلسلة.
٣٦٢- عَبْد اللَّهِ بن قيس بن سليم، أبو مُوسَى الأشعري [١] :
أمه ظبية بنت وهب بن عك، أسلمت وماتت بالمدينة.
وكان خفيف الجسم قصيرا أثط، قدم مكة (فحالف سعيد بن العاص فأسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم مع أهل السفينتين ورسول الله ﷺ بخيبر.
ذكره الواقدي، ولم يذكره ابن عبيد وابن إسحاق وأبو معشر فيمن هاجر إلى الحبشة.
وقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْد اللَّهِ بن جهم: ليس أبو مُوسَى من مهاجرة الحبشة، وليس له حلف فِي قريش، وكان قد أسلم بمكة قديما ثم رجع إلى بلاد قومه، فلم يزل بها حتى قدم هو وناس من الأَشْعَرِيِّينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فوافق قدومهم قدوم أهل السفينتين جعفر وأصحابه من أرض الحبشة، ووافق رسول الله ﷺ بخيبر، ولما دنا أبو مُوسَى وأصحابه من المدينة جعلوا يرتجزون ويقولون:
غدا نلقى الأحبة ... محمدا وحزبه
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بن الفهم، قال: حدّثنا