← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

٣٥٨- سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل [١] : أسلم قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم وقبل أن يدعو فيها [٢] . وبعثه رَسُول اللَّهِ ﷺ مَعَ طَلْحَة [٣] ، يتجسسان خبر العير ففاتتهما بدر، فضرب لهما رسول الله ﷺ بسهامهما وأجورهما. وقدما المدينة فِي اليوم الذي لقي رسول الله ﷺ المشركين ببدر. وشهد سعيد أحدا والخندق والمشاهد بعدها مع رسول الله ﷺ ، وتوفي بالعقيق فِي هذه السنة، وغسله سعد بن أبي وقاص، وحمل إلى المدينة فدفن بها وهو ابن بضع وسبعين سنة. وكان رجلا طوالا، أدم أشعر. ٣٥٩- عَبْد اللَّهِ بن أنيس بن أسعد بن حرام، أبو يَحْيَى [٤] : شهد العقبة مع السبعين، وكان يكسر أصنام بني سلمة هو ومعاذ بن جبل لما أسلما. ولم يشهد بدرا، لكنه شهد أحدا وما بعدها، وبعثه رسول الله ﷺ بسرية وحده إلى سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي وأمره أن يقتله، فخرج فقتله ثم قدم فأخبر النبي ﷺ فأعطاه مخصرا- يعني عصا- فقَالَ: خذ هذه تنخصر بها يوم القيامة فإن المنخصرين يومئذ/ قليل» . فلما حضرته الوفاة أمر أن تدفن معه فِي أكفانه، ومات بالمدينة فِي خلافة معاوية. ٣٦٠- نفيع بن الحارث، أبو بكرة [٥] : ويقال: اسمه مسروح، [ويقال: نفيع بن مسروح] [٦] ، وأمه سمية، وهو أخو زياد ابن سمية بن أبي سفيان لأمه. كان عبدا لبعض أهل الطائف، فلما حاصرهم رسول الله ﷺ نادى مناديه: أيما

стр. 1787

عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، فخرج بضع عشر منهم أبو بكرة، تدلى من بكرة، فكني أبا بكرة. وكان يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ . سكن البصرة، وروى عن رسول الله ﷺ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ، قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْمُزَكّي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْد الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: لَمَّا اشْتَكَى أَبُو بَكْرَةَ عَرَضَ عَلَيْهُ بَنُوهُ أَنْ يَأْتُوهُ بِطَبِيبٍ فَأَبَى، فلما نزل به الموت وعرف الموت مِنْ نَفْسِهِ وَعَرَفُوهُ مِنْهُ، قَالَ: أَيْنَ طَبِيبُكُمْ لِيَرُدَّهَا إِنْ كَانَ صَادِقًا، قَالُوا: وَمَا يُغْنِي الآنَ، قَالَ: وَقَبْلَ الآنَ. قَالَ: وَجَاءَتِ ابْنَتُهُ أَمَةُ اللَّهِ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا بِهِ بَكَتْ، فَقَالَ: أَي بُنَيَّةَ لا تَبْكِي، قَالَتْ: يَا أَبَهْ، فَإِذَا لَمْ أَبْكِ عَلَيْكَ فَعَلَى مَنْ أبكي؟ فقال: لا تبكي، فو الّذي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ تَكُونَ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ نَفْسِي هَذِهِ، وَلا نَفْسُ هَذَا الذُّبَابِ الطَّائِرِ. وَأَقْبَلَ عَلَى حُمْرَانَ بْنِ أَبَانٍ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ: لا أُخْبِرُكَ مِمَّ ذَاكَ، خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ يَجِيءَ أَمْرٌ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ الإِسْلامِ، ثُمَّ جَاءَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَقَعَدَ بَيْنَ يديه وأخذ بيده ١٠٠/ ب وقال: إن ابن أمك زياد أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ/ وَقَدْ بَلَغَهُ الَّذِي نَزَلَ بِكَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَحَبَّ أَنْ يُحْدِثَ بِكَ عَهْدًا وَأَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْكَ وَأَنْ يُفَارِقَكَ عَنْ رِضًى، قَالَ: أَفَمُبِلِّغُهُ أَنْتَ عَنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أُحَرِّجُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ لِي بَيْتًا وَيَحْضُرَ لِي جِنَازَةً، قَالَ: لَمْ يَرْحَمْكَ اللَّهُ وَقَدْ كَانَ لَكَ مُعَظِّمًا وَلِبَنِيكَ وَاصِلا، قَالَ: فِي ذَلِكَ غَضِبْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَفِي خَاصَّةِ نَفْسِكَ، فَمَا عَلِمْتُهُ إِلا مُجْتَهِدًا، قَالَ: فَأَجْلِسُونِي، فَأَجْلَسُوهُ فَقَالَ: نَشَدْتُكَ باللَّه لَمَا حَدَّثْتَنِي عَنْ أَهْلِ النَّهْرِ، أَكَانُوا مُجْتَهِدِينَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَفَأَصَابُوا أَمْ أَخْطَأُوا، قَالَ: هُوَ ذَاكَ، ثُمَّ قَالَ: أَضْجِعُونِي. فَرَجَعَ أَنَسٌ إِلَى زِيَادٍ فَأَبْلَغَهُ، فَرَكِبَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْكُوفَةِ فَتُوُفِّيَ، فَقَدِمَ بَنُوهُ أَبَا بَرْزَةَ فصلى عليه .

стр. 1788

ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين فمن الحوادث فيها غزوة سفيان بن عوف الأزدي ومشتاه بأرض الروم، وأنه توفي بها، واستخلف عَبْد اللَّهِ بن مسعدة الفزاري. هذا قول الواقدي [١] . وقَالَ غيره: بل الذي شتا بأرض الروم فِي هذه السنة بالناس بسر بن أبي أرطأة ومعه سفيان بن عوف، وغزا الصائفة فِي هذه السنة مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ الثقفِي. وفيها حج بالناس سعيد بن العاص، وكان العمال فِي هذه السنة العمال الذين كانوا في السنة التي قبلها. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٦١- خالد بْن يزيد [٢] بن كليب بن ثعلبة، أبو أيوب الأنصاري، الخزرجي: حضر العقبة، ونزل عليه رَسُول اللَّهِ ﷺ حين قدم المدينة، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وحضر مع علي بن أبي طالب حرب الخوارج بالنهروان، وورد المدائن فِي صحبته. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر،

стр. 1789

قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ- يَعْنِي أَبَا زَيْدٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن الحارث، ١٠١/ أعن أَفْلَحَ مَوْلَى/ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ. أن رسول الله ﷺ نَزَلَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَسْفَلَ الدَّارِ وَأَبُو أَيُّوبَ فِي الْعُلْوِ، فَانْتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: يُمْسِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ فَلَمَّا أَصْبَحَ ذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَسْفَلُ أَرْفَقُ بِي» ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: لا أَعْلُو سُقَيْفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا، فَتَحَوَّلَ أَبُو أَيُّوبَ فِي السِّفْلِ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي الْعُلْوِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسن بن علي الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمر بْنُ حَيْوَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حدثنا الحارث بن أبي سلمة، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سعد [١] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَمِ، عِنْ مُقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خَرَجَ مِنْ خَيْبَرَ وَمَعَهُ صَفِيَّةُ دَخَلَ الْفُسْطَاطَ مَعَهُ السَّيْفُ وَاضِعًا رَأْسَهُ عَلَى الْفُسْطَاطِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ الْحَرَكَةَ، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟» فَقَالَ: أَنَا أَبُو أَيُّوبَ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَارِيَةٌ شَابَّةٌ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ وَقَدْ صَنَعَتْ بِزَوْجِهَا مَا صَنَعَتْ فَلَمْ آمَنُهَا، قُلْتُ إِنْ تَحَرَّكَتْ أَكُونُ قَرِيبًا مِنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَبَا أَيُّوبَ» ، مَرَّتَيْنِ. قَالَ ابن معروف [٢] : وحَدَّثَنَا ابْن الفهم، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سعد، قال: قال الواقدي: توفي أبو أيوب حين غزا يزيد بن معاوية القسطنطينية فِي خلافة أبيه معاوية سنة اثنتين وخمسين، وصلى عليه يزيد، وقبره بأصل حصن القسطنطينية بأرض الروم، فلقد بلغنا أن الروم يتعاهدون قبره ويرمونه، ويستسقون به إذا قحطوا.

стр. 1790

وقد قَالَ أبو زرعة الدمشقي أنه مات أبو أيوب سنة خمس وخمسين، والأول أثبت. أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي، قال: أخبرنا ابن الفضل، قال: أخبرنا/ عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا ١٠١/ ب صفوان بن صالح، قَالَ: حَدَّثَنَا الوليد، قَالَ: حَدَّثَنِي شيخ من أهل فلسطين: أنه رأى بنية بيضاء دون حائط القسطنطينية، فقالوا: هذا قبر أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ، فأبيت تلك البنية، فرأيت قبره فِي تلك البنية وعليه قنديل معلق بسلسلة. ٣٦٢- عَبْد اللَّهِ بن قيس بن سليم، أبو مُوسَى الأشعري [١] : أمه ظبية بنت وهب بن عك، أسلمت وماتت بالمدينة. وكان خفيف الجسم قصيرا أثط، قدم مكة (فحالف سعيد بن العاص فأسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم مع أهل السفينتين ورسول الله ﷺ بخيبر. ذكره الواقدي، ولم يذكره ابن عبيد وابن إسحاق وأبو معشر فيمن هاجر إلى الحبشة. وقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْد اللَّهِ بن جهم: ليس أبو مُوسَى من مهاجرة الحبشة، وليس له حلف فِي قريش، وكان قد أسلم بمكة قديما ثم رجع إلى بلاد قومه، فلم يزل بها حتى قدم هو وناس من الأَشْعَرِيِّينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فوافق قدومهم قدوم أهل السفينتين جعفر وأصحابه من أرض الحبشة، ووافق رسول الله ﷺ بخيبر، ولما دنا أبو مُوسَى وأصحابه من المدينة جعلوا يرتجزون ويقولون: غدا نلقى الأحبة ... محمدا وحزبه أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بن الفهم، قال: حدّثنا

стр. 1791

مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ [١] : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، الْمَسْجِدَ، فَسَمِعَ قِرَاءَةَ رَجُلٍ، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟» . قِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: «لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» . قَالَ مُحَمَّد بْنُ سَعْدٍ [٢] : وأَخْبَرَنَا يَزِيدُ وَعَفَّانُ، قَالا: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى إِذَا نَامَ يَلْبِسُ ثِيَابًا عِنْدَ النَّوْمِ مَخَافَةَ أَنْ تَنْكَشِفَ عورته. ١٠٢/ أقال ابْنُ سَعْدٍ: [٣] / وأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: [٤] إِنِّي لأَغْتَسِلُ فِي الْبَيْتِ الْخَالِي فَيَمْنَعُنِي الْحَيَاءُ مِنْ رَبِّي أَنْ أُقِيمَ صُلْبِي. أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قال: حَدَّثَنِي أَبِي: قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ فِي وَصِيَّتِهِ: أَنْ لا يُقَرَّ لِي عَامِلٌ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، وَأَقِرُّوا الأَشْعَرِيَّ- يَعْنِي أَبَا مُوسَى- أَرْبَعَ سِنِينَ. توفي أبو مُوسَى فِي هذه السنة، وقيل: فِي سنة اثنتين وأربعين. ٣٦٣- عَبْد اللَّهِ بن مغفل، أبو سعيد [٥] : وكان من البكاءين، ومن الذين بعثهم عمر إلى البصرة يفقهونهم. أنبأنا أبو بكر بْن أبي طاهر، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن علي الجوهري، قال:

стр. 1792

أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ حَيُّوِيَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن معروف، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن الفهم، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هَوْذَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ خُزَاعِيِّ، بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: أُرِيَ عَبْد اللَّهِ بْن مُغَفَّلٍ أَنَّ السَّاعَةَ قَدْ قَامَتْ وَالنَّاسُ يُعْرَضُونَ عَلَى مَكَانٍ، قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ مَنْ جَازَ ذَلِكَ الْمَكَانَ نَجَا، فَذَهَبْتُ أَدْنُو مِنْهُ، فَقَالَ: وَرَاءَكَ، أَتُرِيدُ أَنْ تَنْجُو وَعِنْدَكَ مَا عِنْدَكَ، كَلا وَاللَّهِ، قَالَ: فَاسْتَيْقَظْتُ مِنَ الْفَزَعِ، فَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَعِنْدَهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ عَيْبَةٌ مَمْلُوءَةٌ دَنَانِيرَ، فَقَالَ: يَا فُلانَةُ، أَرِنِي تِلْكَ الْعَيْبَةَ قَبَّحَهَا اللَّهُ وَقَبَّحَ مَا فِيهَا [فَمَا أَصْبَحَ حَتَّى قَسَّمَهَا] فَلَمْ يَدَعْ مِنْهَا دِينَارًا. فَلَمَّا كَانَ الْمَرَضُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَوْصَى أَهْلَهُ، قَالَ: لا يَلِينِي إِلا أَصْحَابِي، وَلا يُصَلِّي عَلَيَّ ابْنُ زِيَادٍ، فَلَمَّا مَاتَ أَرْسَلُوا إِلَى أَبِي بَرْزَةَ وَعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو، وَنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَوُلُّوا غَسْلَهُ وَتَكْفِينَهُ، فَلَمَّا أَخْرَجُوهُ إِذَا بِابْنِ زِيَادٍ فِي مَوْكِبِهِ بِالْبَابِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ أَوْصَى أَنْ لا تُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَسَارَ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ حِذَاءَ الْبَيْضَاءِ، فَمَالَ إِلَى الْبَيْضَاءِ وَتَرَكَهُ. توفي عَبْد اللَّهِ بالبصرة [١] . ٣٦٤- عمران بن حصين بن عبيد بن خلف بن عبد نهم، أبو نجيد [٢] : / أسلم قديما، وغزا مع رسول الله ﷺ غزوات، ولم يزل فِي بلاد قومه ثم تحول ١٠٢/ ب إلى البصرة، فنزلها إلى أن مات بها. أنبأنا أبو بكر بن عبد الباقي، قَالَ: أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أخبرنا ابن مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهِمِ، قَالَ: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا عارم بن الفضل، قال: حدثنا حماد بن زيد، قَالَ: حَدَّثَنَا هشام، عن مُحَمَّد بن سيرين، قَالَ [٣] : ما قدم من البصرة أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، يفضل على عمران بن حصين.

стр. 1793

قَالَ ابْنُ سَعْدٍ [١] : وَأَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ حميد بن هلال يحدث عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: أُشْعِرْتُ أَنَّهُ كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيَّ فَلَمَّا اكْتَوَيْتُ انْقَطَعَ التَّسْلِيمُ، فَقُلْتُ: أَمِنْ قِبَلِ رَأْسِكَ كَانَ يَأْتِيكَ التَّسْلِيمُ أَمْ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْكَ؟ قَالَ: لا بَلْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِي، فَقُلْتُ: لا أَرَى أَنْ تَمُوتَ حَتَّى يَعُودَ ذَلِكَ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ قَالَ لِي: أُشْعِرْتُ أَنَّ التَّسْلِيمَ عَادَ لِي. قَالَ: ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إِلا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ. قَالَ: وَقُلْتُ لِعِمْرَانَ: مَا يَمْنَعُنِي مِنْ عِيَادَتِكَ إِلا مَا أَرَى مِنْ حَالِكَ، قَالَ: لا تَفْعَلْ، فَإِنَّ أَحَبَّهُ إِلَيَّ أَحَبُّهُ إِلَى اللَّهِ . ٣٦٥- معاوية بن حديج بن جفنة، أبو نعيم [٢] : وفد على رسول الله ﷺ ، وشهد فتح مصر، وكان الوافد إلى عمر بن الخطاب ﵁ بفتح الإسكندرية، وكان أعور، ذهبت عينه فِي حرب النوبة مع عبد الله ابن سعد بن أبي سرح سنة إحدى وثلاثين، وولي الإمرة على غزو المغرب سنة أربع وثلاثين، وسنة أربعين وسنة خمسين. روى عنه علي بن رباح، وعبد الرحمن بن سماعة، وسويد بن قيس [٣] ، وغيرهم. توفي فِي هذه السنة. ٣٦٦- هانئ بن نيار بن عمرو بن عبيد، أبو بردة [٤] : وهو خال البراء بن عازب، شهد العقبة مع السعين وبدرا والمشاهد كلها مع ١٠٣/ أرسول الله ﷺ ، وكانت معه راية بني/ حارثة في غزوة الفتح.

стр. 1794

ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين فمن الحوادث فيها مشتى عَبْد الرَّحْمَنِ بن أم الحكم الثقفِي بأرض الروم [١] . وفيها: فتحت رودس [٢] ، وهي جزيرة فِي البحر، فتحها جنادة بن أبي أمية الأزدي، فنزلها المسلمون، وزرعوا، واتخذوا بها الأموال والمواشي، وكان لهم ناطور [٣] يحذرهم من يريدهم من البحر بكيد، وكانوا أشد شيء على الروم، يعترضونهم فِي البحر فيقطعون سفنهم، وكان معاوية يدر لهم العطاء، فلما مات معاوية أقفلهم يزيد [بن معاوية] [٤] . وقيل: هذا كان فِي سنة أربع وخمسين. قَالَ الأصمعي: وكان بالكوفة طاعون زياد الذي مات فيه [٥] فِي هذه السنة. وقيل: كان فِي سنة أربع. وفيها: حج بالناس سعيد بن العاص، وكان هو العامل على المدينة، وكان على الكوفة عَبْد اللَّهِ بن خالد بن أسيد، وعلى البصرة سمرة بن جندب. وعلى خراسان خليد بن عبد الله الحنفي.

стр. 1795

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٦٧- جبلة بن الأيهم: [١] كان ملك غسان، فكتب إليه رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام، فأسلم وكتب بإسلامه إلى رسول الله ﷺ وأهدى له هدية، ثم لم يزل مسلما حتى كان فِي زمان عمر ﵁ فوطئ رجل من مزينة [٢] ، فوثب المزني فلطمه، وكان ذلك بدمشق، فأخذ الرجل فانطلق به إلى أبي عبيدة بن الجراح، فقالوا: هذا لطم جبلة بن الأيهم، قَالَ: فليلطمه، قالوا: وما يقتل؟ قَالَ: لا، قالوا: فما تقطع يده؟ قَالَ: لا، إنما أمر الله بالقود، قَالَ جبلة: أترون أني جاعل وجهي ندا لوجه جدر جاء من عمق- يعني ١٠٣/ ب موضعا فِي ناحية المدينة- بئس الدين هذا. ثم ارتد نصرانيا، وترحل/ بقومه حتى دخل أرض الروم، فبلغ ذلك عمر فشق ذلك عليه. وروي لنا خبره على غير هذا الوجه، وأنه أسلم فِي زمن عمر. قَالَ أبو عمرو الشيباني: كتب جبلة إلى عمر بن الخطاب يستأذنه فِي القدوم عليه، فأذن له عمر، فخرج إليه في خمسمائة من بنيه حتى إذا كان على مرحلتين كتب إلى عمر يعلمه بذلك، فسر عمر وبعث إليه بإنزال، وأمر جبلة مائتي رجل من أصحابه فلبسوا الديباج والحرير، وركبوا الخيل معقودة أذنابها وألبسوها قلائد الذهب والفضة، ولبس جبلة تاجه وفيه قرط مارية، وهي جدته، ودخل المدينة فلم يبق بها بكر ولا عانس إلا خرجت تنظر إليه وإلى زيه، فلما انتهى إلى عمر رحب به وألطفه وأدنى مجلسه، ثم خرج عمر إلى الحج، فحج معه جبلة، فبينما هو يطوف بالبيت وطئ إزاره رجل من بني فزارة فانحل، فرفع جبلة يده فهشم أنفه، فاستعدى عليه عمر، فبعث إلى جبلة، فقَالَ له: ما هذا؟ قَالَ: نعم يا أمير المؤمنين، إنه تعمد حل إزاري ولولا حرمة الكعبة لضربت بين عينيه بالسيف، فقَالَ له عمر: قد أقررت، فإما أن ترضي الرجل وأما أن أقيد منك، قَالَ جبلة: تصنع بي ماذا؟ قَالَ: آمر بهشم أنفك كما فعلت، قَالَ، كيف ذلك وهو سوقة وأنا ملك؟ قَالَ: إن

стр. 1796

الإسلام جمعك وإياه، فلست تفضله إلا بالتقى، قَالَ جبلة: قد ضننت أني أكون فِي الإسلام أعز مني فِي الجاهلية، قَالَ عمر: دع ذا عنك [فإنك إن لم ترض الرجل] اقتدته منك، قَالَ: إذا أتنصر، قَالَ: إن تنصرت ضربت عنقك لأنك قد أسلمت فإن ارتددت قتلتك. فلما رأى الجد من عمر قال: أنا ناظر في هذه ليلتي هذه، وقد اجتمع بباب عمر من حي هذا وحي هذا خلق كثير حتى كادت تكون بينهم فتنة، فلما أمسوا أذن له عمر فِي الانصراف حتى إذا نام الناس تحمل بخيله ورواحله إلى الشام فأصبحت مكة بلاقع منهم، فلما أتى الشام تحمل في خمسمائة رجل من قومه حتى أتى القسطنطينية فدخل إلى هرقل فتنصر هو وقومه، فسر بذلك وظن أنه/ فتح من الفتوح، وأجرى عليه ما شاء ١٠٤/ أوجعله من سماره. [وذكر [١] ابن الكلبي أن الفزاري لما وطئ إزار جبلة، فلطمه جبلة، فلطم جبلة كما لطمه، فوثب عليه غسان فهشموا أنفه وأتوا به عمر، وذكر فِي الحديث مثل ما تقدم. أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْنُ نَاصِرٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ مُوسَى بْنِ هَارُونَ، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْنُ يزك، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ذَكَرُوا أَنُّه لَمَّا أَسْلَمَ جَبَلَةُ بْنُ الأَيْهَمِ الْغَسَّانِيُّ، وَكَانَ مِنْ مُلُوكِ جَفْنَةَ، وَذَلِكَ فِي خِلافَةِ عُمَرَ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بِإِسْلامِهِ، وَيَسْتَأْذِنُهُ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَسُرَّ عُمَرُ بِذَلِكَ وَأَذِنَ لَهُ فِي الْقُدُومِ، فَخَرَجَ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ حَتَّى إِذَا قَارَبَ الْمَدِينَةَ عَمَدَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَحَمَلَهُمْ عَلَى الْخَيْلِ وَقَلَّدَهَا قَلائِدَ الْفِضَّةِ، وَأَلْبَسَهُمُ الدِّيبَاجَ وَالْحَرِيرَ، وَلَبِسَ تَاجَهُ وَفِيهِ قُرْطُ مَارِيَةَ جَدِّتِهِ، وَبَلَغَ عُمَرَ، فَبَعَثَ إليه بالنزل لك، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةِ فِي هَيْئَتِهِ، فَلَمْ تَبْقَ بِكْرٌ وَلا عَانِسٌ إِلا خَرَجَتْ تَنْظُرُ، فَدَخَلَ على عمر فرحب به، ثم أقام

стр. 1797

أَيَّامًا، وَأَرَادَ عُمَرُ الْحَجَّ، فَخَرَجَ مَعَهُ، وَكَانَ النَّاسُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ هَيْئَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَطِئَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إِزَارَهُ مِنْ خَلْفِهِ فَانْحَلَّ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَهَشَّمَ أَنْفَ الْفَزَارِيِّ، فَمَضَى يَسْتَعْدِي عُمَرَ عَلَيْهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ، فَأَتَى فَقَالَ: هَشَّمْتَ أَنْفَ الرَّجُلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، اعْتَمَدَ حَلَّ إِزَارِي، وَلَوْلا حُرْمَةُ الْكَعْبَةِ لَضَرَبْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أَقْرَرْتَ، فَإِمَّا أَنْ تُرْضِيَ الرَّجُلَ وَإِلا أَقَدْتُهُ مِنْكَ، قَالَ: أَوَ خَطَر هُوَ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: كَيْفَ وَأَنَا مَلِكٌ وَهُوَ سُوقَةٌ؟ قَالَ عُمَرُ: الإِسْلامُ جَمَعَكُمَا، قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنِّي أَكُون فِي الإِسْلامِ أَعَزَّ مني في الجاهلية، قال عمر: هُوَ مَا تَرَى، فَقَالَ: إِذِنْ أَتَنَصَّرُ، قَالَ: إِنْ فَعَلْتَ قَتَلْتُكَ. وَاجْتَمَعَ مِنْ حَيِّ الْفَزَارِيِّ وَحَيِّ جَبَلَةَ عَلَى بَابِ عُمَرَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَقَالَ: أنا أَنْظُرُ فِي هَذَا الأَمْرِ لَيْلَتِي هَذِهِ. فَانْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا ادْلَهَمَّ اللَّيْلُ تحمل بأصحابه إلى الشام في خمسمائة حَتَّى دَخَلَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ فِي زَمَنِ هِرْقِلَ] [١] فَتَنَصَّرَ وَقَوْمُهُ فَأَقْطَعَهُ هِرْقِلُ مَا شَاءَ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ مَا شَاءَ وَجَعَلَهُ مِنْ سُمَّارِهِ. فَمَكَثَ دَهْرًا ثُمَّ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى هِرْقِلَ كِتَابًا وَبَعَثَهُ مَعَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَجَابَ هِرْقِلُ بِمَا أَرَادَ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ للرَّجُلِ: هَلْ لَقِيتَ ابْنَ عَمِّكَ جَبَلَةَ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَالْقِهِ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَمَا أَخَالَنِي رَأَيْتُ ثِيَابَ هِرْقِلَ مِنَ السُّرُورِ وَالْبَهْجَةِ مَا رَأَيْتُ مِنْ ثِيَابِ جَبَلَةَ، فَاسْتَأْذَنْتُ، فَأَذِنَ وَقَامَ وَرَحَّبَ بِي عَانَقَنِي وَعَاتَبَنِي فِي تَرْكِ النُّزُولِ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ في بهو عظيم من التماثيل والهول مالا أُحْسِنُ أَصِفُهُ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ، لَهُ أَرْبَعُ قَوَائِمَ رَأْسُهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَإِذَا هُوَ رَجُلٌ أَصْهَبُ ذُو سِبَالٍ، وَإِذَا هُوَ قَدْ أَمَرَ بِالذَّهَبِ الأَحْمَرِ فَسُحِلَ فَذُرَّ فِي لِحْيَتِهِ، وَاسْتَقْبَلَ عَيْنَ الشَّمْسِ ثُمَّ أَجْلَسَنِي عَلَى كُرْسِيٍّ مِنْ ذَهَبٍ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُهُ انْحَدَرْتُ عَنْهُ وَقُلْتُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ هَذَا، وَسَأَلَنِي عَنِ النَّاسِ وَأَلْحَفَ فِي السُّؤَالِ عَنْ عُمَرَ، ثُمَّ عَرَفْتُ الْحُزْنَ فِيهِ، فَقُلْتُ: مَا يَمْنَعُكَ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى قَوْمِكَ وَالإِسْلامِ؟ قَالَ: بَعْدَ الَّذِي كَانَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَدْ كَانَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ارْتَدَّ وَضَرَبَهُمْ بِالسُّيُوفِ وَمَنَعَهُمُ الزَّكَاةَ ثُمَّ دَخَلَ فِي الإِسْلامِ، وَزَوَّجَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أُخْتَهُ، فَقَالَ: دَعْ هَذَا عَنْكَ، ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى وَصِيفٍ قَائِمٍ عَلَى رَأْسِهِ فَوَلَّى، فَمَا شَعَرْنَا إِلا بِالصَّنَادِيقِ يَحْمِلُهَا الرِّجَالُ، فَوُضِعَتْ أَمَامَنَا مَائِدَةً مِنْ ذَهَبٍ فَاسْتَعْفَيْتُ مِنْهَا، فَأَتَى بِمَائِدَةِ خَلَنْجَ، فوضعت أمامي

стр. 1798

وَسعي عَلَيْنَا مِنْ كُلِّ حَارٍّ وَبَارِدٍ فِي صِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَدَارَتْ عَلَيْنَا الْخَمْرُ فَاسْتَعْفَيْتُ مِنْهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَبْرِيقٍ مِنْ ذَهَبٍ. ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى وَصِيفٍ لَهُ فَمَا كَانَ إِلا هُنَيْهَةً حَتَّى أَقْبَلَتْ عَشْرُ جَوَارٍ، فَقَعَدَ خَمْسٌ عَنْ يَمِينِهِ وَخَمْسٌ عن يساره/ على ١٠٤/ ب كَرَاسِيِّ الْعَاجِ، وَإِذَا عَشْرٌ أُخَرُ أَحْسَنُ مِنَ الأُوَّلِ، فَقَعَدَ خَمْسٌ عَنْ يَمِينِهِ وَخَمْسٌ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ جَارِيَةٌ [مِنْ أَحْسَن مَا تَكُونُ مِنَ الْجَوَارِي] بِطَائِرٍ أَبْيَضَ، وَفِي يَدِهَا الْيُمْنَى جَامٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ مِسْكٌ وَعَنْبَرٌ سَحِيقَانِ، وَفِي يَدِهَا الْيُسْرَى جَامٌ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ [مَاءُ وَرْدٍ] مَا لَمْ أَشُمَّ مِثْلَهُ، فَنَقَرَتِ الطَّائِرَ فَوَقَعَ فِي الْجَامِ فَتَقَلَّبَ فِيهِ ثُمَّ فِي الْجَامِ الآخَرِ فَتَقَلَّبَ فِيهِ، ثُمَّ سَقَطَ عَلَى صَلِيبٍ فِي تَاجِ جَبَلَةَ، ثُمَّ حَرَّكَ جَنَاحَيْهِ فَنَثَرَ ذَلِكَ عَلَى رَأْسِ جَبَلَةَ وَلِحْيَتِهِ، ثُمَّ شَرِبَ جَبَلَةُ خَمْرًا ثُمَّ اسْتَهَلَّ وَاسْتَبْشَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْجَوَارِي: أَطْرِبْنَنِي، فَخَفَقْنَ بِعِيدَانِهِنَّ، فَانْدَفَعْنَ يُغَنِّينَ: للَّه دَرُّ عِصَابَةٍ نَادَمْتُهُمْ ... يَوْمًا بِجِلقٍ فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ أَوْلادُ جَفْنَةَ عِنْدَ قَبْرِ أَبِيهِمْ ... قَبْرِ ابْنِ مَارِيَةَ الْكَرِيمِ الْمُفَضَّلِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَرِيمَةٌ أَحْسَابُهُمْ ... شَمُّ الأُنُوفِ مِنَ الطِّرَازِ الأَوَّلِ يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَهِرُّ كِلابُهُمْ ... لا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ فَطَرِبَ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَعْرِفُ لِمَنْ هَذَا الشِّعْرُ؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: قَالَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: هُوَ حَيٌّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، أَمَا إِنَّهُ ضَرِيرٌ كَبِيرٌ. ثُمَّ قَالَ: أَطْرِبْنَنِي، فَغَنَّيْنَ: لِمَنِ الدَّارُ أقفرت بمغان ... بين قرع اليرموك والضّمان [١] ذَاكَ مُغْنٍ لآلِ جَفْنَة فِي الدَّهْرِ ... مَحَاهُ تَعَاقُبُ الأَزْمَانِ فقَالَ: أَتَعْرِفُ قَائِلَ هَذَا، ذَاكَ حَسَّانُ. ثُمَّ سَكَتَ طَوِيلا ثُمَّ قَالَ: ابْكينَنِي. فَوَضَعْنَ عِيدَانَهُنَّ وَنَكَّسْنَ رُءُوسَهُنَّ وَقُلْنَ: تَنَصَّرَتِ الأَشْرَافُ مِنْ عَارِ لَطْمَةٍ ... وَمَا كَانَ فِيهَا لَوْ صَبَرَتْ عَلَى ضَرَرْ تَكَنَّفَنِي فِيهَا لجَاجٌ وَنَخْوَةٌ ... [وبعت بها العين الصحيحة بالعور] [٢]

стр. 1799

فَيَا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي وَلَيْتَنِي ... رَجَعْتُ إلى القول الّذي قاله عمر ١٠٥/ أوياليتني أَرْعَى الْمَخَاضَ بِقَفْرَةٍ ... وَكُنْتُ أَسِيرًا فِي رَبِيعَةَ أَوْ مُضَرْ وَيَا لَيْتَ لِي بِالشَّامِ أَدْنَى مَعِيشَةٍ ... أُجَالِسُ قَوْمِي ذَاهِب السَّمْعِ وَالْبَصَرْ أدِينُ بِمَا دَانَوْا بِهِ مِنْ شَرِيعَةٍ ... وَقَدْ يَصْبِرُ الْعَودُ الْكَبِيرُ عَلَى الدّبرْ ثُمَّ انْصَرَفَ الْجَوَارِي، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَبْكِي حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى دُمُوعِهِ تَجُولُ كَأَنَّهَا اللُّؤْلُؤُ، وَبَكَيْتُ مَعَهُ ثُمَّ نَشَّفَ دُمُوعَهُ بِكُمِّهِ، وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَقَالَ: يا جارية هاتي، فأتته بخمسمائة دِينَارٍ هِرْقِلِيَّةٍ، فَقَالَ: ادْفَعْ هَذِهِ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ. ثُمَّ قَالَ: هاتي، فأتته بمثلها، فَقَالَ: خُذْهَا صِلَّةً لَكَ، فَأَبَيْتُ وَقُلْتُ: لا أَقْبَلُ صِلَّةَ رَجُلٍ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ، فَقَالَ: أَقْرِئْ عَلَى عُمَرَ وَالْمُسْلِمِينَ السَّلامَ. فَجِئْتُ إِلَى عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: وَرَأَيْتَهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ، تَعَجَّلَ فَانِيَهُ بِبَاقِيهِ. وفِي رواية أخرى أن الرسول من حمير اسمه جثامة بن مساحق الكناني. وروى عَبْد اللَّهِ بن مسعدة الفزاري، قَالَ: وجهني معاوية إلى ملك الروم، فدخلت عليه، فإذا عنده رجل على سرير من ذهب دون مجلس الملك، فقلت: من أنت يا عَبْد اللَّهِ، فقَالَ: أنا رجل غلب علي الشقاء، أنا جبلة بن الأيهم، إذا صرت إلى منزلي فالقني. فلما انصرف إلى منزله أتيته فلقيته على شرابه وعنده قينتان تغنيانه بشعر حسان، فقَالَ لي: ما فعل حسان؟ قلت: شيخ كبير قد عمي، فدعى بألف دينار فدفعها إلي وأمرني أن أدفعها إليه وقَالَ: أترى صاحبك يفِي إن خرجت إليه؟ قلت: قل ما شئت أعرضه عليه، قَالَ: يعطيني الثنية فإنها كانت منازلنا، وعشرين قرية من الغوطة، ويفرض لجماعتنا، ويحسن جوائزنا. قلت: أبلغه. فلما قدمت على معاوية، قَالَ: وددت أنك أجبته إلى ما سأل/ فأجيزه له. وكتب إليه معاوية يعطيه ذلك، فوجده قد مات. ٣٦٨- الربيع بن زياد الحارثي [١] : وكان عامل زياد على خراسان، فبقي سنتين وأشهرا، ومات. وكان الربيع قد

стр. 1800

خرج يوم جمعة، فقَالَ: أيها الناس، قد ملكت الحياة وأنا داع فأمنوا، ثم رفع يديه بعد الصلاة، وقَالَ: اللَّهمّ إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك عاجلا، فأمن الناس، فخرج فسقط وحمل إلى بيته، واستخلف ابنه. وفِي رواية: استخلف خليد بن عَبْد اللَّهِ الحنفِي وأقره زياد. ٣٦٩- رويفع بن ثابت بن السكن [١] : له صحبة، روى عن رسول الله ﷺ ، وشهد فتح مصر، واختط بها [دارا] [٢] ، ومنزله باق. روى عنه مرثد بن عَبْد اللَّهِ اليزني وغيره. وله بالمغرب ولايات وفتوح. توفي ببرقة وهو أمير عليها لمسلمة بن مخلد الأنصاري أمير مصر فِي هذه السنة. ٣٧٠- زياد بن سمية، وهو الذي يقال له ابن أبيه: [٣] وكان أحمر اللون، فِي عينه اليمنى انكسار. قَالَ سفيان بن عيينة: أول من ضرب الدنانير والدراهم زياد. وقَالَ أبو رجاء: عزل معاوية عَبْد اللَّهِ بن عامر عن البصرة وولاها زيادا، قالوا: فملك العراق خمس سنين. وكتب إلى معاوية: إني قد ضبطت لك العراق بشمالي وبقيت يميني فارغة فاشغلها بالحجاز، فكتب له عهده، فلما بلغ ذلك أهل الحجاز أبى نفر منهم عَبْد اللَّهِ بن عمر بن الخطاب، فذكروا ذلك له، فقَالَ: ادعوا الله عليه يكفيكموه، فاستقبل القبلة واستقبلوا، ودعا ودعوا، فخرجت طاعونة على إصبعه، فأرسل إلى شريح وكان قاضيه، فقَالَ: قد أمرت بقطعها فأشر علي، فقَالَ شريح: إني أخشى أن تكون الجراح على يدك والألم فِي قلبك، وأن يكون الأجل قد دنا وتلقى الله أجذم وقد قطعت يدك كراهية لقائه، أو أن يكون فِي الأجل تأخير وقد قطعت يدك فتعيش أجذم ويعير/ ولدك، فتركها. وخرج ١٠٦/ أ

стр. 1801

شريح فسألوه فأخبرهم بما أشار عليه، فقالوا: هلا أشرت عليه بقطعها، فقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «المستشار مؤتمن» . ثم عزم زياد على قطعها وقَالَ: أنام والطاعون فِي لحاف، فلما نظر إلى النار والمكاوي جزع، فترك ذلك فحضرته الوفاة، فقَالَ له ابنه: يا أبه [١] ، قد هيأت لك ستين ثوبا أكفنك فيها، فقَالَ: يا بني قد دنا من أبيك لباس خير من لباسه هذا، وسلب سريع، فمات لثلاث خلون من رمضان بالثوير بجانب الكوفة، وكان قد توجه يريد الحجاز واليا عليها، فلما بلغ الخبر ابن عمر، قَالَ: اذهب إليك ابن سمية، لا الدنيا بقيت لك، ولا الآخرة أدركت. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن ناصر، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْد الْجَبَّارِ، أَخْبَرَنَا أبو الحسن أحمد بن عبد الله الأنماطي، أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمَرْوَزِيُّ، قال: أخبرنا الْحَارِثِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الهيثم بن عدي، قال: حدثنا مجالد، عن الشعبي، قَالَ: حَدَّثَنَا عجلان مولى زياد وحاجبه، قَالَ: كان زياد إذا خرج إلى المسجد مشيت أمامه حتى يدخل، وإذا دخل مشيت أمامه حتى [٢] يخرج، وإذا دخل مجلسه فعلت ذلك به، فدخل يوما مجلسه، فإذا ضوء فِي الحائط مثال ثلاثين، فنظر إليه فقَالَ: يا عجلان، هل يصل إلى هذا المجلس ضوء من موضع؟ قلت: لا، قَالَ: فما هذا؟ ثم قَالَ: هيه، هذا والله أجلي، نعيت إلى نفسي ثلاثين سنة، والله ما أطمع فيها ثلاثين شهرا، والله يفعل ما يريد، أثلاثون يوما، والله يفعل ما يشاء قَالَ عجلان. فمات والله فِي آخر يوم من الثلاثين يوما. [أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِبَةَ اللَّهِ الْعُكَبْرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، حَدَّثَنَا ابْن صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا] [٢] أَبُو بَكْر الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ ثَعْلَبَةَ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ أُمِّهِ عَائِشَةَ، عَنْ أَبِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ السَّائِبِ الأَنْصَارِيِّ، قال:

стр. 1802

جَمَعَ زِيَادٌ أَهْلَ الْكُوفَةِ، فَمَلأَ مِنْهُمُ الْمَسْجِدَ وَالرَّحْبَةَ وَالْقَصْرَ لِيَعْرِضَهُمْ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ عَلِيٍّ ﵁. / قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَإِنِّي لمع نفر من أصحابي من ١٠٦/ ب الأَنْصَارِ وَالنَّاسُ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ، قالَ: فَهَوَّمْتُ تَهْوِيمَةً، فَرَأَيْتُ شَيْئًا أَقْبَلَ، طَوِيلَ الْعُنُقِ مِثْلَ عُنُقِ الْبَعِيرِ، أَهْدَبَ أَهْدَلَ، فَقُلْتُ: مَا أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا النَّفَادُ ذُو الرَّقَبَةِ بُعِثْتُ إِلَى صاحب هذا القصر. فاستيقظت فزعا، فقلت لأصحابي: هَلْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ؟ قَالُوا: لا، فَأَخْبَرْتُهُمْ، وَخَرَجَ عَلَيْنَا خَارِجٌ مِنَ الْقَصْرِ فَقَالَ: إِنَّ الأَمِيرَ يَقُولُ لَكُمْ انْصَرِفُوا عَنِّي فَإِنِّي عَنْكُمْ مشغول، وإذا الطاعون قد أصابه، فأنشأ عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُولُ: [مَا كَانَ مُنْتَهِيًّا عَمَّا أَرَادَ بِنَا ... حَتَّى تَنَاوَلَهُ النَّفَادُ ذُو الرَّقَبَهْ] وَأَثْبَتَ الشّقُّ مِنْهُ ضَرْبَةٌ ثَبَتَتْ ... كَمَا تَنَاوَلَ ظُلْمًا صَاحِبَ الرَّحْبَهْ قَالَ أبو بكر القرشي: حَدَّثَنِي زكريا بن يَحْيَى، عن عبد السلام بن مظهر، عن جعفر بن سليمان، عن عبد ربه أبي بن كعب الجرموزي: أن زيادا لما قدم الكوفة قَالَ: أي أهل البلد أعبد؟ قالوا: فلان الحميري، فأرسل إليه، فأتاه فإذا له سمت ونجو، فقَالَ زياد: لو مال هذا مال أهل الكوفة معه، فقَالَ له: إني بعثت إليك لأمولك وأعطيك على أن تلزم بيتك فلا تخرج، قَالَ: سبحان الله، والله لصلاة واحدة فِي جماعة أحب إليّ من الدنيا كلها، ولزيارة أخ في الله وعيادة مريض أحب إلي من الدنيا كلها، وليس إلى ذلك سبيل. قَالَ: فاخرج فصل فِي جماعة، وزر إخوانك، وعد المريض، والزم لسانك، قَالَ: سبحان الله، أرى معروفا لا أقول فيه، أرى منكرا لا أنهى عنه، فو الله لمقام من ذلك واحد أحب إلي من الدنيا كلها. قَالَ جعفر: أظن الرجل أبو المغيرة، فقَالَ: السيف، فأمر به فضربت عنقه، قَالَ جعفر: فقيل لزياد: أبشر، قَالَ: كيف وأبو المغيرة فِي الطريق. أنبأنا الجريري، عن العشاري، قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بن الحسين، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن القاسم بن مهدي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِي بْن أَحْمَد بْن أَبِي قيس، قال: حدثنا أبو بكر القرشي، قال: حدثني سعيد بن يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عمي عَبْد اللَّهِ بن سعيد، عن زياد بن عَبْد اللَّهِ، عن عوانة، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَنِ بن الحسين، عن القاسم بن سليمان، / قَالَ: ١٠٧/ أ

стр. 1803

وقع طاعون بالكوفة فبدأ زياد، فخرج من الكوفة، فلما ارتفع الطاعون رجع فخرج طاعون بأصبعه. قَالَ سليم: فأرسل إلي فأتيته، فقَالَ: يا سليم، أتجد ما أجد من الحر؟ قلت: لا، قَالَ: والله إني لأجد فِي جسدي حرا كأنه النار، واجتمع إليه مائة وخمسون طبيبا، منهم ثلاثة من أطباء كسرى، فخلا سليم بطبيب [١] من أطباء كسرى فسأله عنه، فقَالَ له الطبيب ما به وهو ميت، فمره بالوصية. ٣٧١- صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم: [٢] . كان يَحْيَى الموءودة فِي الجاهلية، ثم جاء الإسلام فأسلم. روى أبو عبده، عن عقَالَ بن شبة، قَالَ: قَالَ صعصعة: خرجت باغيا ناقتين لي فرفعت لي نار فسرت نحوها وهممت بالنزول، فجعلت النار تضيء مرة وتخبو أخرى، فلم تزل تفعل ذلك حتى قلت: اللَّهمّ لك علي إن بلغتني هذه النار أن لا أجد أهلها يوقدونها لكربة: إلا فرجتها عنهم، قَالَ: فلم أسر إلا قليلا حتى أتيتها، فإذا حي من بني أنمار، وإذا بشيخ يوقدها فِي مقدم بيته، والنساء قد اجتمعن إلى امرأة ماخض قد حبستهن ثلاث ليال، فسلمت، فقَالَ الشيخ: من أنت؟ فقلت: أنا صعصعة بن ناجية، فقَالَ: مرحبا بسيدنا، ففيم أنت يا بن أخي؟ فقلت: فِي بغاء ناقتين لي، قَالَ: قد وجدتهما بعد أن أحيى الله بهما أهل بيت من قومك، وقد تجناهما وعطفت إحداهما على الأخرى، وهم شأنك فِي أدنى الإبل، قَالَ: ففيم توقد نارك منذ الليلة، قَالَ: أوقدتها لامرأة ماخض قد حبستنا منذ ثلاث ليال، قَالَ: فقَالَ النساء: قد جاء الولد، فقَالَ الشيخ: إن كان غلاما فو الله ما أدري ما أصنع به، وإن كانت جارية فلا أسمعن صوتها إلا قتلتها، فقلت، يا هذا، ذرها فإنها ابنتك ورزقها على الله، فقَالَ أقتلها، فقلت: أنشدك الله، فقَالَ: إني أراك بها حفيا فاشترها مني، قلت: إني أشتريها منك، فقَالَ: ما تعطيني؟ قلت: أعطيك إحدى ناقتي، قَالَ: لا، قلت: أزيدك الأخرى، فنظر إلى ١٠٧/ ب جملي الذي تحتي، فقَالَ: / لا إلا أن تزيدني جملك هذا فإني أراه حسن اللون شاب السن، فقلت: هو لك على أن تبلغني أهلي، قَالَ قد فعلت. فابتعتها منه، وأخذت عليه

стр. 1804

عهد الله وميثاقه ليحسنن برها وصلتها ما عاشت حتى تبين عنه أو يدركها الموت، فلما برزت من عنده حدثت نفسي وقلت: إن هذه مكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب، ثم قلت: اللَّهمّ إن لك علي أن لا أسمع برجل من العرب يريد أن يئد بنتا له إلا اشتريتها بلقوحة وجمل، فبعث الله مُحَمَّدًا ﷺ وقد أحييت مائة موءودة إلا أربعا لم يشاركني فِي ذلك أحد حتى أنزل الله تحريمه فِي القرآن. وفِي رواية أخرى: أنه جاء الإسلام وقد أحيى ثلاثمائة وستين موءودة. وفي رواية أربعمائة. وقد على رسول الله ﷺ فأسلم وتعلم القرآن وأخبر رسول الله ﷺ بما صنع، فقَالَ: «لك أجر ذلك إذ من الله عليك بالإسلام» . ثم توفي في هذه السنة . [١]

стр. 1805

ثم دخلت سنة أربع وخمسين فمن الحوادث فيها: مشتى مُحَمَّد بن مالك بأرض الروم، وصائفة معن بن يزيد السلمي [١] . وفيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن المدينة واستعمل مروان [٢] وسبب ذلك أن معاوية كان يغري بين مروان وسعيد بن العاص، فكتب إلى سعيد وهو على المدينة: اهدم دار مروان، فلم يهدمها، فأعاد إليه الكتاب مرة بعد مرة فلم يفعل، فعزله، فلما ولى مروان كتب إليه اهدم دار سعيد، فركب وجاء بالفعلة، فقَالَ له [سعيد] [٣] : أتهدم داري؟ قَالَ: كتب إلي أمير المؤمنين، ولو كتب إليك فِي هدم داري لفعلت، قَالَ: ما كنت لأفعل، قَالَ: بلى والله. فجاءه بكتاب معاوية فِي ذلك فرجع ولم يهدمها. وقَالَ الواقدي [٤] : كتب إليه: اقبض أموال مروان واجعلها صافية، واقبض فدك ١٠٨/ أمنه، وكان وهبها له. فراجعه سعيد وقَالَ: قرابته قريبة، فأعاد إليه الكتاب/ فأبى وأخذ الكتابين فوضعهما عند جارية له، فلما عزل وولي مروان كتب معاوية إلى مروان يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص بالحجاز، فأرسل إليه بكتاب مع ابنه عبد الملك وقَالَ: لو كان غير كتاب أمير المؤمنين لتجافيته. فدعى سعيد بالكتابين اللذين كتب بهما إليه فِي

стр. 1806

أموال مروان، فذهب بهما إلى مروان، فقَالَ: هو كان أوصل لنا منه إليه، وكف عن قبض أموال سعيد. وفِي هذه السنة عزل معاوية سمرة بن جندب عن البصرة وولى عَبْد اللَّهِ بن عمرو بن غيلان [١] وكان سمرة خليفة زياد على البصرة، فلما مات زياد أقره معاوية ستة أشهر ثم عزله، فقَالَ سمرة بن جندب: والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا . وفِي هذه السنة ولى معاوية عبيد الله بن زياد خراسان [٢] وذلك أنه لما مات زياد، وفد عبيد الله على معاوية، فقَالَ له معاوية: من استخلف أخي على عمله بالكوفة؟ قَالَ: عَبْد اللَّهِ بن خالد بن أسيد، قَالَ: وعلى البصرة سمرة بن جندب، فقَالَ: لو استعملك أبوك لاستعملتك. وكان معاوية إذا أراد أن يولي رجلا من بني حرب ولاه الطائف، فإن رأى فيه ما يعجبه ولاه مكة معها، فإن أحسن الولاية جمع له معها المدينة، فكان إذا ولى الطائف رجلا قيل: هو فِي أبي جاد [٣] ، وإذا ولاه مكة قيل: هو فِي القرار، فإذا ولاه المدينة قيل: هو قد حذق. فولى معاوية عبيد الله بن زياد خراسان وهو ابن خمسة وعشرين سنة، فقدمها وقطع النهر إلى جبال بخارى، ففتح راميثن، ونصف بيكند- وهما من بخارى- ولقي الترك ببخارى ومع ملكهم أمرأته، فلما هزمهم الله أعجلها المسلمون عن لبس خفيها، فلبست أحدهما وبقي الآخر، فأصابه المسلمون، فقوموا الجورب بمائتي ألف درهم. وأقام بخراسان سنتين. وفيها: حج بالناس فِي هذه السنة/ مروان بن الحكم وكان هو على المدينة، ١٠٨/ ب

стр. 1807

وكان على الكوفة عَبْد اللَّهِ بن خالد بن أسيد، وقيل: بل كان الضحاك بن قيس. وكان على البصرة عَبْد اللَّهِ بن عمرو بن غيلان. ذكر من توفي فِي هذه السنة ٣٧٢- ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، يكنى أبا عَبْد اللَّهِ [١] : أصابه سبي فاشتراه رسول الله ﷺ وأعتقه، فلم يزل معه حتى قبض رَسُول اللَّهِ ﷺ فنزل حمص فمات فِي هذه السنة. ٣٧٣- الحارث بن ربعي، أبو قتادة الأنصاري [٢] : قَالَ الواقدي: اسمه النعمان. وقَالَ الهيثم بن عدي: اسمه عمرو. والأول أصح. شهد ما بعد بدر، وحضر مع علي قتال الخوارج بالنهروان. وقد قيل إنه مات فِي خلافته وصلى عليه، ولا يصح ذلك بل عاش بعده. قَالَ أبو بكر بن أبي الدنيا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عمر، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن عَبْد اللَّهِ بن أبي قتادة، قَالَ: توفي أبو قتادة بالمدينة سنة أربع وخمسين، وهو ابن سبعين سنة . ٣٧٤- حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى: [٣] ولد قبل الفيل باثنتي عشرة سنة، وكان آدم شديد الأدمة خفيف اللحم. [أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْد اللَّهِ الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن عبد الوهاب، أخبرنا أبو جعفر بن الْمُسْلِمَةِ، أَخْبَرَنَا الْمُخَلِّصُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطوسي، حدثنا] [٤] الزبير بن

стр. 1808

بكّار، قالَ: حَدَّثَنِي مُصْعَب بْن عثمان، قَالَ: دخلت أم حكيم بن حزام الكعبة معها نسوة من قريش وهي حامل بحكيم بن حزام، فضربها المخاض فِي الكعبة، فأتيت بنطع حيث أعجلتها الولادة، فولدت حكيم بن حزام فِي الكعبة على النطع [١] . وكان حكيم من سادات قريش فِي الجاهلية والإسلام. قَالَ الزُّبَيْرُ بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك، عن أَبِيهِ، قَالَ: لَمْ يَدْخُلْ دَارَ النَّدْوَةِ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِلْمَشُورَةِ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً إِلا حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، دَخَلَهَا وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طاهر، قَالَ: أَخْبَرَنَا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا/ الْحُسَيْنُ بْنُ الفهم، قال: حدّثنا ١٠٩/ أمحمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي حَبِيبَةَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ، يَقُولُ: وُلِدْتُ قَبْلَ قُدُومِ أَصْحَابِ الْفِيلَ بِثَلاثَ عَشْرَةَ [٢] سَنَةً وَأَنَا أَعْقِلُ حِينَ أَرَادَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَنْ يَذْبَحَ وَلَدَهُ عَبْدَ اللَّهِ حَتَّى وَقَعَ نَذْرُهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَمْسِ سِنِينَ. قَالَ مُحَمَّد بن عمر: شهد حكيم بن حزام مع أبيه حرب الفجار، وقتل أبوه حزام فِي الفجار الأخير، وكان حكيم يكنى أبا خالد وكان له جماعة من الولد كلهم أدرك رسول اللَّه ﷺ وأسلموا يوم الفتح. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ [٣] : وَأَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَحْمُودٍ، عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ، قَالُوا: بَكَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أبه؟ قال: خصال كلها أبكاني،

стр. 1809

أَمَّا أَوَّلُهَا: فَبُطْءُ إِسْلامِي حَتَّى سُبِقْتُ فِي مَوَاطِنَ كُلِّهَا صَالِحَةٍ، وَنَجَوْتُ يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ أُحُدٍ، فَقُلْتُ: لا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ وَلا أُوضَعُ مَعَ قُرَيْشٍ مَا بَقِيتُ، فَأَقَمْتُ بِمَكَّةَ وَيَأْبَى اللَّهُ أَنْ يَشْرَحَ قَلْبِي لِلإِسْلامِ وَذَلِكَ أَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَقَايَا مِنْ قُرَيْشٍ لَهُمْ أَسْنَانٌ مُتَمَسِّكِينَ [١] بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَقْتَدِي بِهِمْ، وَيَا لَيْتَ أَنِّي لَمْ أَقْتَدِ بِهِمْ، فَمَا أَهْلَكَنَا إِلا اقْتِدَاؤُنَا بِآبَائِنَا [٢] وَكُبَرَائِنَا، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ جَعَلْتُ أُفَكِّرُ، وَأَتَانِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حُرْبٍ، فَقَالَ: أَبَا خَالِدٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَى أَنْ يَأْتِيَنَا مُحَمَّدٌ فِي جُمُوعِ يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ تَابِعِي إِلَى شَرَفٍ نَتَرَوَّحُ الْخَبَرَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَخَرَجْنَا نَتَحَدَّثُ وَنَحْنُ مشاة حتى إذا ١٠٩/ ب كُنَّا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ إِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الدُّهْمِ [٣] مِنَ النَّاسِ، فَلَقِيَ الْعَبَّاسُ/ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبَا سُفْيَانَ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فرجعت إِلَى مَكَّةَ فَدَخَلْتُ بَيْتِي وَآمَنَ النَّاسُ، فَجِئْتُهُ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْبَطْحَاءِ وَأَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُهُ وَشَهِدْتُ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ إِلَى حُنَيْنٍ. فَأَعْطَى رِجَالا مِنَ الْغَنَائِمِ وَالأَمْوَالِ، وَسَأَلْتُهُ حِينَئِذٍ فألحقت المسلة. قَالَ مُحَمَّد بْن عُمَرَ: وَحَدَّثَنِي مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالا: حَدَّثَنَا حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا كَانَ بِحُنَيْنٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ فَأَعْطَانِيهَا، ثُمَّ سَأَلْتُهُ مِائَةً فَأَعْطَانِيهَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِسْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ، فَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» . فَكَانَ حَكِيمٌ يَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكِ بِالْحَقِّ لا أَزْرَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَدْعُو حَكِيمًا لِيُعْطِيَهُ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ عُمَرُ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى عَطَائِهِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَيَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ أُشْهِدُكُمْ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَدْعُوهُ إِلَى عَطَائِهِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَزْرَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ شَيْئًا بَعْدَ رسول الله ﷺ حتى توفي.

стр. 1810

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، ثُمَّ أَعْتَقَ فِي الإِسْلامِ مِائَةَ رَقَبَةٍ وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شَيْئًا كُنْتُ فَعَلْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَتَحَنَّثُ بِهِ، هَلْ لِي فِيهِ مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ رسول الله ﷺ : «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ/ لَكَ مِنْ خَيْرٍ» . أنبأنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب، قَالَ: أخبرنا ابن المسلمة، قَالَ: أخبرنا المخلص، قال: أخبرنا أحمد بن سليمان الطوسي، قال: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَمِّي مصعب بن عبد الله، قال: جاء الإسلام وَفِي يَدِ حَكِيمٍ الرِّفَادَةُ وَدَارُ النَّدْوَةِ بِيَدِهِ، فَبَاعَهَا بَعْدُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: بِعْتَ مكرمة قريش، فقال حكيم: ذَهَبَتِ الْمَكَارِمُ إِلا التَّقْوَى يَا ابْنَ أَخِي، إِنِّي اشْتَرْيَتُ بِهَا دَارًا فِي الْجَنَّةِ، أُشْهِدُ أَنِّي قَدْ جَعَلْتُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وكان يفعل المعروف ويصل الرحم، عاش ستين سنة فِي الجاهلية وستين سنة فِي الإسلام. قَالَ الزبير: وحَدَّثَنِي يعقوب بن مُحَمَّد بن عيسى، قَالَ: حَدَّثَنِي عثمان بن عمر بن عثمان بن سليمان بن أبي حثمة، عن أبيه، عن أبي بكر بن سليمان، قَالَ: حج حكيم بن حزام معه مائة بدنة [قد أهداها] ، وجللها الحبرة، وكفها على أعجازها، ووقف مائة وصيف يوم عرفة فِي أعناقهم أطوقة الفضة قد نقش فِي رءوسها عتقاء الله من حكيم بن حزام، وأعتقهم وأهدى ألف شاة. قَالَ الزبير بن بكار: وأخبرني إبراهيم بن حمزة، أن مشركي قريش حصروا بني هاشم فِي الشعب، وكان حكيم بن حزام تأتيه العير تحمل الحنطة من الشام فيقبل بها إلى الشعب، ثم يضرب أعجازها فتدخل عليهم فيأخذون ما عليها من الحنطة. قَالَ الزُّبَيْرُ [١] : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِرِ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ حَكِيمُ بن حزام:

стр. 1811

كُنْتُ أُعَالِجُ الْبَزَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكُنْتُ رَجُلا تَاجِرًا أَخْرُجُ إِلَى الْيَمَنِ وَإِلَى الشَّامِ فِي الرِّحْلَتَيْنِ، وَكُنْتُ أَرْبَحَ أَرْبَاحًا كَثِيرَةً فَأَعُودُ عَلَى فُقَرَاءِ قَوْمِي وَنَحْنُ لا نَعْبُدُ شَيْئًا نُرِيدُ بِذَلِكَ ثَرَاءَ الأَمْوَالِ وَالْمَحَبَّةَ فِي الْعَشِيرَةِ، وَكُنْتُ أحضر للأسواق، وكان لنا ثلاثة أسواق: ١١٠/ ب سوق بعكاظ يَقُومُ صُبْحَ هِلالِ ذِي/ الْقِعْدَةِ، فَيَقُومُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَيَحْضُرُهَا الْعَرَبُ، وَبِهَا ابْتَعْتُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ لِعَمَّتِي خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ غلام، فأخذته بستمائة دِرْهَمٍ، فَلَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَدِيجَةَ سَأَلَهَا زَيْدًا، فَوَهَبَتْهُ لَهُ فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَبِهَا ابْتَعْتُ حُلَّةَ ذِي يَزَنَ، كَسَوْتُهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَمَا رأيت أَحَدًا قَطُّ أَجْمَلَ وَلا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَلْكَ الْحُلَّةِ. قَالَ: وَيُقَالُ: [١] إِنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ قَدِمَ بِالْحُلَّةِ فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَهُوَ يُرِيدُ الشَّامَ فِي عِيرٍ، فَأَرْسَلَ بِالْحُلَّةِ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْبَلَهَا، وَقَالَ: «لا أَقْبَلُ هدية مشرك» ، قال حَكِيمٌ: فَجَزِعْتُ جَزَعًا شَدِيدًا حَيْثُ رَدَّ هَدِيَّتِي، وَبِعْتُهَا بِسُوقِ النّبْطِ مِنْ أَوَّلِ سَائِمٍ سَامَنِي، وَدَسَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فَاشْتَرَاهَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُهَا بَعْدُ. وَكان سُوقُ مَجَنَّةَ تَقُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ حَتَّى إِذَا رَأَيْنَا هِلالَ ذِي الْحِجَّةِ انْصَرَفْنَا وَانْتَهَيْنَا إِلَى سُوقِ ذِي الْمَجَازِ تُقَامُ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ. وَكُلُّ هَذِهِ الأَسْوَاقِ أَلْقَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَوَاسِمِ يَسْتَعْرِضُ الْقَبَائِلَ قَبِيلَةً قَبِيلَةً يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلا أَرَى أَحَدًا يَسْتَجِيبُ، وَقُرَيْشٌ أَشَدُّ الْقَبَائِلِ عَلَيْهِ حَتَّى بَعَثَ رَبُّهُ قَوْمًا أَرَادَ بِهِمْ كَرَامَةَ هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ فَبَايَعُوهُ وَآمَنُوا بِهِ وَبَذَلُوا لَهُ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ دَارَ هِجْرَةٍ. فَلَمَّا حَجَّ مُعَاوِيَةُ سَامَنِي بِدَارِي بِمَكَّةَ فَبِعْتُهَا مِنْهُ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَبَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: مَا يَدْرِي هَذَا الشَّيْخُ مَا يَبِيعُ لَيُرَدَّنَّ عَلَيْهِ بَيْعُهُ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا ابْتَعْتُهَا إِلا بِزِقٍّ مِنْ خَمْرٍ. وَكَانَ حَكِيمٌ يَشْتَرِي الظّهْرَ وَالأَدَاةَ وَالزَّادَ ثُمَّ لا يَجِيئُهُ أَحَدٌ يَسْتَحْمِلُهُ في السبيل إلا حمله.

стр. 1812

وَكَانَ مُعَاوِيَةُ عَامَ حَجَّ مَرَّ بِهِ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ وَمِائَة سَنَةٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِلَقُوحٍ [يُشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ سَأَلَهُ أَيُّ الطَّعَامِ يَأْكُلُ، فَقَالَ: أَمَّا مَضْغٌ فَلا مَضْغَ بِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِلَقُوحٍ] [١] / وَصَلَهُ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا وَقَالَ: لَمْ آخُذْ مِنْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا، قَدْ ١١١/ أدعاني أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ إِلَى حَقِّي فَأَبَيْتُ. توفي بالمدينة فِي هذه السنة وهو ابن مائة وعشرين سنة. ٣٧٥- حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل، أبو مُحَمَّد [٢] : أسلم يوم الفتح، وصحب رسول الله ﷺ ، وهو أحد النفر الذين أمرهم عمر بن الخطاب بتجديد أنصاب الحرم. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْن حيويه، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الفهم، قَالَ: حدثنا محمد بن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ الأَشْهَلِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: [٣] . كَانَ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى قَدْ بَلَغَ عِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ، سِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَسِتِّينَ فِي الإِسْلامِ، فَلَمَّا وُلِّيَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ الْمَدِينَةَ فِي عَمَلِهِ الأَوَّلِ دَخَلَ عَلَيْهِ حُوَيْطِبٌ مَعَ مَشْيَخَةٍ جِلَّةٍ: حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَمَخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَتَحَدَّثُوا عِنْدَهُ ثُمَّ تَفَرَّقُوا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ حُوَيْطِبٌ يَوْمًا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَحَدَّثَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: مَا سِنُّكَ؟ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: تَأَخَّرَ إِسْلامُكَ أَيُّهَا الشَّيْخُ حَتَّى سَبَقَكَ الأَحْدَاثُ، فقَالَ حُوَيْطِبٌ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ بِالإِسْلامِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كُلَّ ذَلِكَ يَعُوقُنِي أَبُوكَ، يَقُولُ: تَدَعُ شَرَفَكَ [٤] ، وَتَدَعُ دِينَ آبَائِكَ لِدِينٍ مُحْدَثٍ وَتَصِيرُ تَابِعًا، قَالَ: فَأُسْكِتَ مَرْوَانُ، وَنَدِمَ على ما كان.

стр. 1813

قَالَ لَهُ: ثُمَّ قَالَ حُوَيْطِبٌ: أَمَا كَانَ أَخْبَرَكَ عُثْمَانُ مَا كَانَ لَقِيَ مِنْ أَبِيكَ حِينَ أَسْلَمَ؟ فَازْدَادَ مَرْوَانُ غَمًّا، ثُمَّ قَالَ حُوَيْطِبٌ: مَا كَانَ فِي قُرَيْشٍ أَحَدٌ مِنْ كُبَرَائِنَا الَّذِينَ بَقَوْا عَلَى دِينِ قَوْمِهِمْ إِلَى أَنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ، كَانَ أَكْرَهَ لِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنِّي، وَلَكِنَّ الْمَقَادِيرَ. وَلَقَدْ شَهِدْتُ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَرَأَيْتُ عِبَرًا، رَأَيْتُ الْمَلائِكَةَ تَقْتُلُ وَتَأْسِرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ مَمْنُوعٌ، وَلَمْ أَذكر مَا رَأَيْتُ، فَانْهَزَمْنَا رَاجِعِينَ إلى مكة، ١١١/ ب فَأَقَمْنَا بِمَكَّةَ نُسْلِمُ رَجُلا رَجُلا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْحُدَيْبِيَةِ حَضَرْتُ وَشَهِدْتُ/ الصُّلْحَ وَمَشِيتُ فِيهِ حَتَّى تَمَّ، وَكُلَّ ذَلِكَ أُرِيدُ الإِسْلامَ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا مَا يُرِيدُ، فَلَمَّا كَتَبْنَا صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ كُنْتُ أَنَا أَحَدَ شُهُودِهِ، قُلْتُ: لا ترى قريش من محمد إلا ما يسوؤها، قَدْ رَضِيتُ أَنْ دَافَعْتُ بِالرَّاحِ. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْقَضِيَّةِ، وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ عَنْ مَكَّةَ، وَكُنْتُ فِيمَنْ تَخَلَّفَ فِي مَكَّةَ أَنَا وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ولات يَخْرُجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَضَى الْوَقْتُ، وَهُو ثَلاثٌ، فَلَمَّا انْقَضَتِ الثَّلاثُ أَقْبَلْتُ أَنَا وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقُلْنَا: قَدْ مَضَى شَرْطُكَ فَاخْرُجْ بِمَنْ مَعَكَ مِنْ بَلَدِنَا، فَصَاحَ: يَا بِلالُ لا تَغِيبُ الشَّمْسُ وَأَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا. وَبِالإِسْنَادِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَهْمٍ، قَالَ: قَالَ حُوَيْطِبٌ [١] : لَمَّا دَخَلَ رسول الله ﷺ مكة عَامَ الْفَتْحِ خِفْتُ خَوْفًا شَدِيدًا، فَخَرَجْتُ مِنْ بَيْتِي وَفَرَّقْتُ عِيَالِي فِي مَوَاضِعَ يَأْمَنُونَ فِيهَا، ثُمَّ انْتَهَيْتُ إِلَى حَائِطِ عَوْفٍ، فَكُنْتُ فِيهِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خُلَّةٌ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ هَرَبْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: أبا محمد، قلت: لبيك، قال: ما لك، قُلْتُ: الْخَوْفُ، قَالَ: لا خَوْفَ عَلَيْكَ تَعَالَى أَنْتَ آمِنْ بِأَمَانِ اللَّهِ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي: اذْهَبْ إِلَى مَنْزِلِكَ، قُلْتُ: وَهَلْ سَبِيلٌ إِلَى مَنْزِلِي، وَاللَّهِ مَا أَرَانِي أَصِلُ إِلَى بَيْتِي حَيًّا حَتَّى أُلْقَى فَأُقْتَلَ أَوْ يُدْخَلَ عَلَيَّ فِي مَنْزِلِي فَأُقْتَلُ وَإِنَّ عِيَالِي فِي مَوَاضِعَ شَتَّى، قَالَ: فَاجْمَعْ عِيَالَكَ مَعَكَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَأَنَا أَبْلُغُ مَعَكَ منزلك،

стр. 1814

فَبَلَغَ مَعِي وَجَعَلَ يُنَادِي عَلَى بَابِي: إِنَّ حُوَيْطِبَ آمِنٌ فَلا يَهْجُ. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: «أو ليس قَدْ آمَنَّا النَّاسَ كُلَّهُمْ إِلا مَنْ أَمَرْتُ بِقَتْلِهِ» . فَاطْمَأْنَنْتُ وَرَدَدْتُ عِيَالِي إِلَى مَوَاضِعِهِمْ، وَعَادَ إِلَيَّ أَبُو ذَرٍّ [١] فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ حَتَّى مَتَى وَإِلَى مَتَى قَدْ سَبَقْتَ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا وَفَاتَكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَبَقِيَ خَيْرٌ كَثِيرٌ فَأْتِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فأسلم تسلم، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَرُّ النَّاسِ وَأَوْصَلُ النَّاسِ وَأَحْلَمُ النَّاسِ. قُلْتُ: فَأَنَا أَخْرُجُ مَعَكَ/ فَآتِيهِ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْبَطْحَاءِ وعنده ١١٢/ أأبو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَوَقَفْتُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَدْ سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ: كَيْفَ يُقَالُ إِذَا سُلِّمَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: قُلْ السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، قَالَ: «وَعَلَيْكَ السَّلامُ، أَحُوَيْطِبٌ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: «الْحَمْدُ للَّه الَّذِي هَدَاكَ» . وَسُرَّ بِإِسْلَامِي وَاسْتَقْرَضَنِي مَالا فَأَقْرَضْتُهُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَشَهِدْتُ مَعَهُ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ، وَأَعْطَانِي مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ مِائَةَ بَعِيرٍ. ثم قدم حويطب بعد ذلك المدينة فنزلها وله بها دار. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَاعَ حُوَيْطِبٌ دَارَهُ بِمَكَّةَ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَمَا أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ خَمْسَةٌ مِنَ الْعِيَالِ. ومات حويطب بالمدينة فِي هذه السنة وله مائة وعشرون سنة. ٣٧٦- سعيد بن يربوع بن عنكثة بن عامر بن مخزوم [٢] : أسلم يوم الفتح، وشهد مع رسول الله ﷺ حنينا وأعطاه من غنائمها خمسين بعيرا، وكان ممن يجدد أنصاب الحرم كل سنة معرفة بها حتى ذهب بصره فِي آخر خلافة عمر ﵁. وتوفي بالمدينة فِي هذه السنة وهو ابن مائة وعشرين سنة.

стр. 1815

٣٧٧- سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ: [١] تزوجها السكران بن عمرو، وأسلما وخرجا إلى الحبشة فِي الهجرة الثانية، فلما قدم مكة توفي، فأرسل رسول الله ﷺ إليها فخطبها فتزوجها، فهي أول امرأة تزوجها بعد خديجة، وكان ذلك فِي رمضان سنة عشر من النبوة، وبنى بها بمكة، وكانت قد كبرت فأراد طلاقها، فقالت: دعني أحشر فِي جملة أزواجك وليلتي لعائشة. وقيل: إنه طلقها، فلما قالت هذا راجعها. ١١٢/ ب وتوفيت فِي شوال/ هذه السنة بالمدينة. ٣٧٨- مرة بن شراحبيل الهمداني [٢] : ويقال له: مرة الخير، ومرة الطيب، سمي ذلك لعبادته. وروى عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود. وكان كثير الصلاة تبين فِي وجهه وكفيه آثار الركوع والسجود. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو حامد بن جبلة، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إسحاق، قَالَ: حَدَّثَنَا سعدان بن يزيد، قَالَ: حَدَّثَنَا الهيثم بن جميل، قَالَ: حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة، عن عطاء بن السائب، قَالَ: كان مرة يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، فلما ثقل وبدن صلّى أربعمائة ركعة، وكنت تنظر إلى مباركه كأنها مبارك الإبل. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن هبة الله الطبري، قال: أخبرنا ابن بشران، قال: حدثنا ابن صفوان، قال: أخبرنا أبو بكر القرشي، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الحُسَيْن، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ العابد، قال: حدّثنا الحارث الغنوي، قال:

стр. 1816

سَجَدَ مُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ حَتَى أَكَلَ التُّرَابُ جَبْهَتَهُ، فَلَمَّا مَاتَ رَآهُ رَجَلٌ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ مَوْضِعَ سُجُودِهِ كَهَيْئَةِ الْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ يَلْمَعُ. فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى بِوَجْهِكَ؟ قَالَ: كَسَى مَوْضِعَ السُّجُودِ بِأَكْلِ التُّرَابِ لَهُ نُورًا، قَالَ: فَمَا مَنْزِلَتُكَ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: خَيْرُ مَنْزِلَةٍ، دَارٌ لا يَنْتَقِلُ عَنْهَا أَهْلُهَا وَلا يَمُوتُونَ. ٣٧٩- النعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث [١] : شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مع رسول الله ﷺ ، وَكَانَ يُؤْتَى بِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فِي شُرْبِ النَّبِيذِ، فَقَالَ رَجُلٌ: اللَّهمّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يَشْرَبُ وَأَكْثَرَ مَا يُجْلَدُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لا تَلْعَنْهُ [٢] فإنه يحب الله ورسوله» .

стр. 1817

ثم دخلت سنة خمس وخمسين فمن الحوادث فيها: مشتى سفيان بن عوف الأزدي بأرض الروم فِي قول الواقدي. وقَالَ غيره: بل الذي شتا هناك عمرو بن محرز. وقيل: بل عَبْد اللَّهِ بن قيس الفزاري. وقيل: بل مالك بن عبد الله [١] . ١١٣/ أ وفيها عزل معاوية عَبْد اللَّهِ بن عمرو بن غيلان/ عن البصرة وولى عبيد الله بن زياد [٢] وكان السبب فِي ذلك أن عَبْد اللَّهِ خطب على منبر البصرة فحصبه رجل من بني ضبة يدعى جبير بن الضحاك، فأمر به فقطعت يده، فاجتمعت عشيرته فقالت له: لا نأمن أن نبلغ خبر صاحبنا إلى أمير المؤمنين فتأتي من عنده عقوبة تعم أو تخص، فإن رأى الأمير أن يكتب لنا كتابا يخرج به أحدنا إلى أمير المؤمنين يخبره أنه قطعه على شبهة وأمر لم يصح، فكتب لهم، فأمسكوا الكتاب مدة ثم ذهبوا به إلى معاوية وقالوا: إنه قطع يد صاحبنا ظلما وهذا كتابه. فقرأ الكتاب وقَالَ: أما القود من عمالي فلا سبيل له، ولكن إن شئتم وديت صاحبكم، فوداه من بيت المال، وعزل عَبْد اللَّهِ وقَالَ: اختاروا من تحبون، فقالوا: يتخير لنا أمير المؤمنين، قَالَ: قد وليت عليكم ابن أخي عبيد الله بن زياد. فلما ولي عبيد الله ولى أسلم بن زرعة خراسان فلم يغز ولم يفتح بها شيئا. وولى

стр. 1818

شرطته عبد الله بن حصن والقضاء زرارة بن أوفى ثم عزله وولى القضاء ابن أذينة العبدي. وفِي هذه السنة عزل معاوية عَبْد اللَّهِ بن خالد بن أسيد عن الكوفة وولاها الضحاك بن قيس الفهري. وفيها: حج بالناس مروان بن الحكم، وكان على المدينة. ذكر من توفي فِي هذه السنة من الأكابر ٣٨٠- أرقم بن أبي الأرقم بن أسد بن عَبْد اللَّهِ بن عمر بن مخزوم، أبو عَبْد اللَّهِ: [١] وأمه أميمة بنت الحارث من خزاعة، وخاله نافع بن الحارث بن خزاعة عامل عمر بن الخطاب على مكة. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ، قَالَ: أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْفَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سعد، قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ هِنْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ الأَرْقَمِ [بْنِ أَبِي الأَرْقَمِ الْمَخْزُومِيُّ] [٢] ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ عِمْرَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ الأَرْقَمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي عُثْمَانُ بْنُ الأَرْقَمِ، قَالَ [٣] : أَنَا ابْنُ سَبْعَةٍ فِي الإِسْلامِ، أَسْلَمَ أَبِي سَابِعَ سَبْعَةٍ، وَكَانَتْ دَارُهُ بِمَكَّةَ عَلَى الصَّفَا، وَهِيَ/ الدَّارُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكُونُ فِيهَا فِي أَوَّلِ الإِسْلامِ، وفيها دعي الناس ١١٣/ ب إِلَى الإِسْلامِ، وَأَسْلَمَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقَالَ لَيْلَةَ الاثْنَيْنِ فِيهَا: «اللَّهمّ أَعِزَّ الإِسْلامَ بِأَحَبِّ الرجلين إليك: عمر بن الخطاب، أو عمرو بْنِ هِشَامٍ» . فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنَ الْغَدِ بَكْرَةً فَأَسْلَمَ فِي دَارِ الأَرْقَمِ وَخَرَجُوا مِنْهَا وَكَبَّرُوا وَطَافُوا بِالْبَيْتِ طَاهِرِينَ، فَدُعِيَتْ دَارُ الأَرْقَمِ دَارُ الإِسْلامِ، وَتَصَدَّقَ بِهَا الأَرْقَمُ عَلَى وَلَدِهِ، فَقَرَأْتُ نُسْخَةَ صَدَقَةِ الأَرْقَمِ بِدَارِهِ. «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا قَضَى الأَرْقَمُ في ربعه ما حاذى الصفا، إنها

стр. 1819

مُحَرَّمَةٌ بِمَكَانِهَا مِنَ الْحَرَمِ، لا تُبَاعُ وَلا تُورَثُ، شَهِدَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ، وَفُلَانٌ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ الْعَاصِ» . فَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ الدَّارُ صَدَقَةً قَائِمَةً فيِهَا وَلَدُهُ يَسْكُنُونَ وَيُؤَاجِرُونَ وَيَأْخُذُونَ عَلَيْهَا [١] حَتَّى كَانَ زَمَنُ أَبِي جَعْفَرٍ. قَالَ مُحَمَّد بن عِمْرانَ: فأخبرني أبي، عن يَحْيَى بن عِمْرانَ أن ابن عثمان بن الأرقم قَالَ: إني لأعلم اليوم الذي وقعت فِي نفس أبي جعفر، إنه ليسعى بين الصفا والمروة فِي حجة حجها ونحن على ظهر الدار فِي فسطاط فيمر تحتنا لو أشاء أن آخذ قلنسوة عليه لأخذتها، وإنه لينظر إلينا من حين يهبط بطن الوادي حتى يصعد إلى الصفا، فلما خرج مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ بن حسن بالمدينة، كان عَبْد اللَّهِ بن عثمان بن الأرقم ممن تابعه ولم يخرج معه، فتعلق عليه أبو جعفر بذلك، فكتب إلى عامله بالمدينة أن يحبسه ويطرحه في حديد، ثم بعث رجلا من أهل الكوفة يقال له شهاب بن عبد رب، وكتب معه إلى عامل المدينة أن يفعل ما يأمره به، فدخل شهاب على عَبْد اللَّهِ بن عثمان الحبس- وهو شيخ كبير ابن بضع وثمانين سنة، وقد ضجر بالحديد والحبس- فقَالَ له: هل لك أن أخلصك مما أنت فيه وتبيعني دار الأرقم؟ فإن أمير المؤمنين يريدها، وعسى أن بعته إياها أن أكلمه فيك فيعفو عنك قَالَ: إنها صدقة، ولكن حقي منها له ومعي فيها شركاء إخوتي وغيرهم، فقَالَ: إنما عليك نفسك، أعطنا حقك وبرئت. فاشهد له بحقه، وكتب عليه ١١٤/ أكتاب شراء على حساب سبعة/ عشر ألف دينار، ثم تتبع إخوته ففتنهم بكثرة المال فباعوه، فصارت لأبي جعفر ولمن أقطعها، ثم صيرها المهدي للخيزران أم مُوسَى وهارون، فبنتها وعرفت بها، ثم صارت لجعفر بن موسى أمير المؤمنين، [ثم سكنها أصحاب الشطوي والعدني، ثم اشترى] [٢] عامتها غسان بن عباد من ولد موسى بن جعفر. قَالَ علماء السير: شهد الأرقم بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله، ومات الأرقم

стр. 1820

بالمدينة فِي هذه السنة وهو ابن سبع وثمانين سنة، وصلى عليه سعد بن أبي وقاص. ٣٨١- سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك بن وهيب بْن عَبْد مناف بْن زهرة بْن كلاب بن مرة ويكنى أبا إسحاق [١] : وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بْن عَبْد شمس بْن عَبْد مناف بن قصي. أسلم وهو ابن سبع عشرة سنة. وقيل: تسع عشرة. وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وَقَالَ رسول الله ﷺ : «هذا خالي فليرني امرؤ خاله» . وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهمّ سدد رميته وأجب دعوته» . وكان مجاب الدعوة، ودعا فقَالَ: اللَّهمّ إن لي بنين صغارا فأخر عني الموت حتى يبلغوا، فأخر عنه الموت عشرين سنة. وولي الولايات من قبل عمر وعثمان، وجعله عمر أحد أصحاب الشورى، وأمره على جيوش العراق، ثم ولاه الكوفة. وكان قصيرا، غليظا، ذا هامة، شثن الأصابع، آدم، أفطس، أشعر الجسد، يخضب السواد. وكان له من الولد، ثمانية عشر ذكرا، وثماني عشرة أنثى. وروى عنه من الصحابة ابن عباس، وجابر بن سمرة، والسائب بن يزيد، وعائشة أم المؤمنين. وكان عمر يقول لابنه: إذا حدثك سعد عن رسول الله ﷺ شيئا فلا تسأل عنه غيره. أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أخبرنا ابن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن/ سعد، قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَيَعْلَى وَمُحَمَّدٌ ابْنَا عبيد، قالوا: ١١٤/ ب

стр. 1821

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: [١] . وَاللَّهِ إِنِّي لأَوَّلُ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَقَدْ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا لَنَا طَعَامٌ نَأْكُلُهُ إِلا وَرَقُ الْحُبْلَةِ وَهَذَا السَّمُرُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ مَا لَهُ خِلْطٌ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: [٢] وَأَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْدِي أَحَدًا بِأَبَوَيْهِ إِلا سَعْدًا، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: «ارْمِ سَعْدُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» . توفي سعد فِي قصر بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، فحمل على أعناق الرجال إلى المدينة، وصلى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذ والي المدينة، ثم صلى عليه أزواج رسول الله ﷺ في حجرهن ووقف به عليهنّ فصلين عليه ودفن بالبقيع. وكان أوصى أن يكفن فِي جبة صوف له، كان لقي المشركين فيها يوم بدر فكفن فيها وذلك في سنة خمس وخمسين. كذلك قَالَ خليفة بن خياط، وسعيد بن عمير، وعمرو بن علي المدائني. وقَالَ أبو نعيم الفضل بن دكين: سنة ثمان وخمسين. وقال الهيثم بن عدي: سنة خمسين. وقَالَ ابن بكير: سنة أربع وخمسين، وهو آخر المهاجرين وفاة. والأول أثبت. وترك يوم مات مائتي ألف وخمسين ألف درهم. وفِي مقدار عمره أقوال ثلاث، أحدها: ثلاث وثمانون. قاله إبراهيم بن سعد. والثاني: أربع وسبعون. قاله عمرو بن علي.

стр. 1822

والثالث: اثنتان وثمانون. وقول الغلاس أثبت. ٣٨٢- سحبان بن زفر بن إياس بن عبد شمس بن الأحب الباهلي: [١] كان خطيبا بليغا يضرب المثل بفصاحته، ودخل على معاوية بن أبي سفيان وعنده خطباء القبائل، فلما رأوه خرجوا لعلمهم/ بقصورهم عنه، فمن قوله: ١١٥/ أ لقد علم الحي اليمانيون أنني ... إذا قلت: أما بعد، أني خطيبها فقال له معاوية: اخطب، فقَالَ: انظروا لي عصا تقيم من أودي، قالوا: وما تصنع بها وانت بحضرة أمير المؤمنين؟ قَالَ: ما كان يصنع بها مُوسَى وهو يخاطب ربه، فأخذها وتكلم من الظهر إلى أن قارب العصر ما تنحنح ولا سعل ولا توقف ولا ابتدأ فِي معنى فخرج عنه وقد بقيت عليه بقية فيه، فقَالَ معاوية: الصلاة، قَالَ: الصلاة أمامك ألسنا فِي تحميد وتمجيد وعظة وتنبيه وتذكير ووعد ووعيد، فقَالَ معاوية: أنت أخطب الجن والإنس، قَالَ: كذلك أنت. ٣٨٣- فضالة بن عبيد بن نافذ بن قيس [٢] : كان صبيا يوم قدم رسول الله ﷺ ، فقال: لما قدم رسول الله ﷺ إلى قباء كنا غلمانا نحتطب، فأرسلنا إلى أهلنا وقَالَ: قولوا قد جاء صاحبكم الذي تنتظرون، فخرجنا إلى أهلنا فأخبرناهم، فأقبل القوم. وشهد فضالة أحدا والخندق وما بعدها، وكان ممن بايع تحت الشجرة، ثم خرج إلى الشام وصار قاضيا بها فِي خلافة معاوية. ٣٨٤- قثم بن العباس بن عبد المطلب: [٣] كان [يشبه رسول الله ﷺ ومر به] [٤] رسول الله ﷺ وهو يلعب، فحمله خلفه.

стр. 1823

واستعمله علي بن أبي طالب على المدينة، وخرج مع سعيد بن عثمان فِي زمن معاوية، فاستشهد بسمرقند. ٣٨٥- كعب بن عمرو بن عباد، أبو اليسر [١] : شهد العقبة وبدرا وهو ابن عشرين سنة، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . ١١٥/ ب وكان قصيرا دحداحا، أبطن، وهو الذي أسر العباس بن عبد المطلب/ يوم بدر. وتوفي بالمدينة في هذه السنة.

стр. 1824

ثم دخلت سنة ست وخمسين فمن الحوادث فيها مشتى جنادة بن أبي أمية بأرض الروم. وقيل: عَبْد الرَّحْمَنِ بن مسعود. وفيها: غزا البحر يزيد بن شجرة الرهاوي، وغزا البر عياض بن الحارث. وفيها: حج بالناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. وفيها: اعتمر معاوية فِي رجب [١] . وفيها دعا الناس معاوية إلى بيعة يزيد ابنه من بعده وجعله ولي عهده [٢] وكان سبب ذلك أن المغيرة قدم على معاوية واستعفاه وشكى إليه الضعف، فأعفاه، وأراد أن يولي سعيد بن العاص، فدخل المغيرة على يزيد فعرض له البيعة، فأدى ذلك يزيد إلى أبيه، فرد معاوية المغيرة إلى الكوفة وأمره أن يعمل فِي بيعة يزيد. فشخص إلى الكوفة فعمل فِي بيعة يزيد، وكتب معاوية إلى زياد يستشيره فِي ذلك، فبعث زياد إلى عبيد بن كعب النميري، فقَالَ: إن أمير المؤمنين قد أجمع على بيعة يزيد وهو متخوف نفرة الناس، ويزيد صاحب تهاون، مع ما قد أولع به من الصيد، فالق أمير المؤمنين مؤديا عني وأخبره عن فعلات يزيد وقل: رويدك بالأمر، فأقمن أن يتم لك ما تريد، ولا تعجل فإن دركا فِي تأخير خير من تعجيل عاقبته الفوت. فقَالَ عبيد له:

стр. 1825

أفلا غير هذا، قَالَ: ما هو؟ قَالَ: لا تفسد على معاوية رأيه ولا تمقت إليه ابنه، وألقى أنا يزيد سرا من معاوية فأخبره عنك أن أمير المؤمنين يستشيرك فِي بيعته، وأنت تتخوف خلاف الناس لهنات ينقمونها عليه، وأنت ترى له ترك ما ينقمون عليه فتستحكم لأمير المؤمنين الحجة على الناس، ويسهل لك ما تريد، فتكون قد نصحت يزيد وأرضيت أمير المؤمنين. فقَالَ: أشخص على بركة الله. فقدم على يزيد فذاكره ذلك، وكتب زياد إلى ١١٦/ أمعاوية يأمره بالتؤدة/ وأن لا يعجل فقبل ذلك معاوية، وكف يزيد عن كثير مما كان يصنع، ثم قدم عبيد على زياد فأقطعه قطيعة. فلما مات زياد دعا معاوية بكتاب، فقرأه على الناس باستخلافه يزيد إن حدث به حدث الموت فيزيد ولي عهده، فاستوثق له الناس على البيعة ليزيد غير نفر خمسة، أحدهم الحسين بن علي ﵄، فقال له معاوية: يا بن أخي، قد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر أنت تقودهم، فما إربك إلى هذا الخلاف؟ قَالَ: أنا أقودهم، قَالَ: نعم، فأرسل إليهم فإن بايعوا كنت رجلا منهم وإلا لم تكن عجلت علي بأمر. قَالَ: وتفعل؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهم أحدا، فالتوى عليه، ثم أعطاه ذلك، فخرج وقد أقصد له ابن الزبير رجلا بالطريق. قَالَ: يقول لك أخوك ابن الزبير: ما كان فلم يزل به حتى استخرج منه شيئا. ثم أرسل بعده إلى ابن الزبير، فقَالَ له: قد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم يا بن أخي، فما إربك إلى الخلاف؟ قَالَ: أنا أقودهم؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فأرسل إليهم فإن بايعوا كنت رجلا منهم وإلا لم تكن عجلت علي بأمر، قَالَ: وتفعل؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما أحدا، قَالَ: يا أمير المؤمنين نحن فِي حرم وعهد الله ثقيل، فأبى عليه وخرج. ثم أرسل بعده إلى ابن عمر ﵄ فكلمه بكلام هو ألين من كلام صاحبيه، فقَالَ: إني أرهب أن أدع أمة مُحَمَّد كالضأن لا راعي لها وقد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم، فما إربك إلى الخلاف؟ قَالَ: هل لك فِي أمر يذهب الوزر، ويحقن الدم، وتدرك حاجتك؟ قَالَ: وددت، قَالَ: تبرز سريرك
следующие страницы →