← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: [١] . وَاللَّهِ إِنِّي لأَوَّلُ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَقَدْ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا لَنَا طَعَامٌ نَأْكُلُهُ إِلا وَرَقُ الْحُبْلَةِ وَهَذَا السَّمُرُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ مَا لَهُ خِلْطٌ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: [٢] وَأَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْدِي أَحَدًا بِأَبَوَيْهِ إِلا سَعْدًا، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: «ارْمِ سَعْدُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» . توفي سعد فِي قصر بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، فحمل على أعناق الرجال إلى المدينة، وصلى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذ والي المدينة، ثم صلى عليه أزواج رسول الله ﷺ في حجرهن ووقف به عليهنّ فصلين عليه ودفن بالبقيع. وكان أوصى أن يكفن فِي جبة صوف له، كان لقي المشركين فيها يوم بدر فكفن فيها وذلك في سنة خمس وخمسين. كذلك قَالَ خليفة بن خياط، وسعيد بن عمير، وعمرو بن علي المدائني. وقَالَ أبو نعيم الفضل بن دكين: سنة ثمان وخمسين. وقال الهيثم بن عدي: سنة خمسين. وقَالَ ابن بكير: سنة أربع وخمسين، وهو آخر المهاجرين وفاة. والأول أثبت. وترك يوم مات مائتي ألف وخمسين ألف درهم. وفِي مقدار عمره أقوال ثلاث، أحدها: ثلاث وثمانون. قاله إبراهيم بن سعد. والثاني: أربع وسبعون. قاله عمرو بن علي.

стр. 1822

والثالث: اثنتان وثمانون. وقول الغلاس أثبت. ٣٨٢- سحبان بن زفر بن إياس بن عبد شمس بن الأحب الباهلي: [١] كان خطيبا بليغا يضرب المثل بفصاحته، ودخل على معاوية بن أبي سفيان وعنده خطباء القبائل، فلما رأوه خرجوا لعلمهم/ بقصورهم عنه، فمن قوله: ١١٥/ أ لقد علم الحي اليمانيون أنني ... إذا قلت: أما بعد، أني خطيبها فقال له معاوية: اخطب، فقَالَ: انظروا لي عصا تقيم من أودي، قالوا: وما تصنع بها وانت بحضرة أمير المؤمنين؟ قَالَ: ما كان يصنع بها مُوسَى وهو يخاطب ربه، فأخذها وتكلم من الظهر إلى أن قارب العصر ما تنحنح ولا سعل ولا توقف ولا ابتدأ فِي معنى فخرج عنه وقد بقيت عليه بقية فيه، فقَالَ معاوية: الصلاة، قَالَ: الصلاة أمامك ألسنا فِي تحميد وتمجيد وعظة وتنبيه وتذكير ووعد ووعيد، فقَالَ معاوية: أنت أخطب الجن والإنس، قَالَ: كذلك أنت. ٣٨٣- فضالة بن عبيد بن نافذ بن قيس [٢] : كان صبيا يوم قدم رسول الله ﷺ ، فقال: لما قدم رسول الله ﷺ إلى قباء كنا غلمانا نحتطب، فأرسلنا إلى أهلنا وقَالَ: قولوا قد جاء صاحبكم الذي تنتظرون، فخرجنا إلى أهلنا فأخبرناهم، فأقبل القوم. وشهد فضالة أحدا والخندق وما بعدها، وكان ممن بايع تحت الشجرة، ثم خرج إلى الشام وصار قاضيا بها فِي خلافة معاوية. ٣٨٤- قثم بن العباس بن عبد المطلب: [٣] كان [يشبه رسول الله ﷺ ومر به] [٤] رسول الله ﷺ وهو يلعب، فحمله خلفه.

стр. 1823

واستعمله علي بن أبي طالب على المدينة، وخرج مع سعيد بن عثمان فِي زمن معاوية، فاستشهد بسمرقند. ٣٨٥- كعب بن عمرو بن عباد، أبو اليسر [١] : شهد العقبة وبدرا وهو ابن عشرين سنة، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . ١١٥/ ب وكان قصيرا دحداحا، أبطن، وهو الذي أسر العباس بن عبد المطلب/ يوم بدر. وتوفي بالمدينة في هذه السنة.

стр. 1824

ثم دخلت سنة ست وخمسين فمن الحوادث فيها مشتى جنادة بن أبي أمية بأرض الروم. وقيل: عَبْد الرَّحْمَنِ بن مسعود. وفيها: غزا البحر يزيد بن شجرة الرهاوي، وغزا البر عياض بن الحارث. وفيها: حج بالناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. وفيها: اعتمر معاوية فِي رجب [١] . وفيها دعا الناس معاوية إلى بيعة يزيد ابنه من بعده وجعله ولي عهده [٢] وكان سبب ذلك أن المغيرة قدم على معاوية واستعفاه وشكى إليه الضعف، فأعفاه، وأراد أن يولي سعيد بن العاص، فدخل المغيرة على يزيد فعرض له البيعة، فأدى ذلك يزيد إلى أبيه، فرد معاوية المغيرة إلى الكوفة وأمره أن يعمل فِي بيعة يزيد. فشخص إلى الكوفة فعمل فِي بيعة يزيد، وكتب معاوية إلى زياد يستشيره فِي ذلك، فبعث زياد إلى عبيد بن كعب النميري، فقَالَ: إن أمير المؤمنين قد أجمع على بيعة يزيد وهو متخوف نفرة الناس، ويزيد صاحب تهاون، مع ما قد أولع به من الصيد، فالق أمير المؤمنين مؤديا عني وأخبره عن فعلات يزيد وقل: رويدك بالأمر، فأقمن أن يتم لك ما تريد، ولا تعجل فإن دركا فِي تأخير خير من تعجيل عاقبته الفوت. فقَالَ عبيد له:

стр. 1825

أفلا غير هذا، قَالَ: ما هو؟ قَالَ: لا تفسد على معاوية رأيه ولا تمقت إليه ابنه، وألقى أنا يزيد سرا من معاوية فأخبره عنك أن أمير المؤمنين يستشيرك فِي بيعته، وأنت تتخوف خلاف الناس لهنات ينقمونها عليه، وأنت ترى له ترك ما ينقمون عليه فتستحكم لأمير المؤمنين الحجة على الناس، ويسهل لك ما تريد، فتكون قد نصحت يزيد وأرضيت أمير المؤمنين. فقَالَ: أشخص على بركة الله. فقدم على يزيد فذاكره ذلك، وكتب زياد إلى ١١٦/ أمعاوية يأمره بالتؤدة/ وأن لا يعجل فقبل ذلك معاوية، وكف يزيد عن كثير مما كان يصنع، ثم قدم عبيد على زياد فأقطعه قطيعة. فلما مات زياد دعا معاوية بكتاب، فقرأه على الناس باستخلافه يزيد إن حدث به حدث الموت فيزيد ولي عهده، فاستوثق له الناس على البيعة ليزيد غير نفر خمسة، أحدهم الحسين بن علي ﵄، فقال له معاوية: يا بن أخي، قد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر أنت تقودهم، فما إربك إلى هذا الخلاف؟ قَالَ: أنا أقودهم، قَالَ: نعم، فأرسل إليهم فإن بايعوا كنت رجلا منهم وإلا لم تكن عجلت علي بأمر. قَالَ: وتفعل؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهم أحدا، فالتوى عليه، ثم أعطاه ذلك، فخرج وقد أقصد له ابن الزبير رجلا بالطريق. قَالَ: يقول لك أخوك ابن الزبير: ما كان فلم يزل به حتى استخرج منه شيئا. ثم أرسل بعده إلى ابن الزبير، فقَالَ له: قد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم يا بن أخي، فما إربك إلى الخلاف؟ قَالَ: أنا أقودهم؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فأرسل إليهم فإن بايعوا كنت رجلا منهم وإلا لم تكن عجلت علي بأمر، قَالَ: وتفعل؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما أحدا، قَالَ: يا أمير المؤمنين نحن فِي حرم وعهد الله ثقيل، فأبى عليه وخرج. ثم أرسل بعده إلى ابن عمر ﵄ فكلمه بكلام هو ألين من كلام صاحبيه، فقَالَ: إني أرهب أن أدع أمة مُحَمَّد كالضأن لا راعي لها وقد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم، فما إربك إلى الخلاف؟ قَالَ: هل لك فِي أمر يذهب الوزر، ويحقن الدم، وتدرك حاجتك؟ قَالَ: وددت، قَالَ: تبرز سريرك

стр. 1826

ثم أجيء فأبايعك على أني أدخل بعدك فيما يجتمع له عليه الأمة، فو الله لو أن الأمة اجتمعت بعدك على عبد حبشي لدخلت فيما تدخل فيه الأمة، قَالَ: وتفعل؟ قَالَ: نعم. ثم خرج فأتى منزله فأطبق بابه وجعل الناس يجيئون فلا يأذن لهم. فأرسل إلى عَبْد الرَّحْمَنِ بن أبي بكر، فقَالَ: يا ابن أبي بكر بأية يد أو رجل تقدم على معصيتي، قَالَ: أرجو/ أن يكون ذلك خيرا لي، فقَالَ: والله لقد هممت أن ١١٦/ ب أقتلك، قَالَ: لو فعلت لأتبعك الله به لعنة فِي الدنيا وأدخلك به فِي الآخرة النار. قَالَ: ولم يذكر ابن عباس. وحكى مُحَمَّد بن سعد: أن معاوية قَالَ للحسين، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، ولعبد الله بن الزبير: إني أتكلم بكلام فلا تردوا علي شيئا فأقتلكم. فخطب الناس وأظهر أنهم قد بايعوا ليزيد، فسكت القوم ولم ينكروا خوفا منه ورحل من المدينة. وفِي هذه السنة ولى معاوية سعيد بن عُثْمَان بْن عَفَّانَ على خراسان [١] وكان السبب أن سعيدا سأل ذلك، قَالَ: إن بها عبيد الله بن زياد، فقَالَ: أما والله لقد اصطنعك أبي ورقاك حتى بلغت باصطناعه المدى [الذي لا يجاري إليه ولا يسامى] [٢] ، فما شكرت بلاءه ولا جازيته. فولاه حرب خراسان، وولى إسحاق بن طَلْحَة خراجها. وكان إسحاق ابن خالة معاوية، أمه أم أبان بنت عتبة بن ربيعة، فلما صار بالري مات إسحاق بن طَلْحَة، فولي سعيد خراج خراسان وحربها، فقطع سعيد الترمذ إلى سمرقند، فخرج إليه أهل الصغد فواقفوه يوما إلى الليل ثم انصرفوا من غير قتال، فلما كان الغد خرج إليهم سعيد، وناهضه أهل الصغد فقاتلهم فهزمهم وحصرهم فِي مدينتهم، فصالحوه وأعطوه رهنا منهم خمسين غلاما يكونون فِي يده من أبناء عظمائهم، وعبر فأقام بالترمذ. وكان العامل فِي هذه السنة على المدينة مروان بن الحكم، وعلى الكوفة

стр. 1827

الضحاك بن قيس، وعلى البصرة عَبْد اللَّهِ بن زياد، وعلى خراسان سعيد بن عثمان بن عفان. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٨٦- أم حرام بنت ملحان، أخت أم سليم: [١] أسلمت وبايعت رسول الله ﷺ ، وكان ﷺ يقيل فِي بيتها. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْن مالك، قَالَ: حدثنا عبد الله بن أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا/ رَوْحٌ، قال: حدّثنا ١١٧/ أحماد- يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ- عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَيَّانَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُمِّ حَرَامٍ أَنَّهَا قَالَتْ: [٢] بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِلا فِي بَيْتِي اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: «عُرِضَ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ ظَهْرَ هَذَا الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ» فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «اللَّهمّ اجْعَلْهَا مِنْهُمْ» . ثُمَّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي مَا يُضْحِكُكَ، قَالَ: عُرِضَ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ هَذَا الْبَحْرَ كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ» . فغزت مع عبادة بن الصامت وكان زوجها عبادة بن الصامت فوقصتها بغلة لها شهباء فوقعت فماتت. قَالَ هرم بن عمار: أنا رأيت قبرها ووقفت عليه بالساحل بفاقيس. وقَالَ هشام بن الغار: قبرها بقبرص، وهم يقولون: هذا قبر المرأة الصالحة.

стр. 1828

ثم دخلت سنة سبع وخمسين فمن الحوادث فيها: مشتى عَبْد اللَّهِ بن قيس بأرض الروم. وفيها: صرف مروان عن المدينة فِي ذي القعدة. واستعمل الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. وقَالَ غيره: بل كانت المدينة فِي هذه السنة إلى مروان، وإنما صرفه فِي سنة ثمان وخمسين، واستعمل حينئذ الوليد بن عتبة. وفيها: حج بالناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكان العامل على الكوفة الضحاك بن قيس، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى خراسان سعيد بن عثمان. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٨٧- عثمان بن حنيف بن واهب بن عكيم، أبو عَبْد اللَّهِ: [١] بعثه عمر بن الخطاب ﵁ على خراج السواد، ورزقه كل يوم ربع شاة وخمسة دراهم، وأمره أن يمسح/ السواد، فلم يزل على ذلك. ١١٧/ ب ولما قتل عثمان بعثه علي بن أبي طالب واليا على البصرة فلم يزل بها حتى قدم عليه طَلْحَة والزبير فقاتلهم ثم اصطلحوا وكتبوا بينهم كتابا بالموادعة على أن دار الإمارة والمسجد وبيت المال إلى عثمان بن حنيف، وينزل طَلْحَة والزبير وعائشة حيث شاءوا من البصرة. وتوفي عثمان بن حنيف في خلافة معاوية.

стр. 1829

ثم دخلت سنة ثمان وخمسين فمن الحوادث فيها: غزو مالك بن عَبْد اللَّهِ الخثعمي أرض الروم. وقتل يزيد [١] بن شجرة فِي البحر فِي السفن. وقيل: إن الذي شتى بأرض الروم فِي هذه السنة عمرو بن يزيد الجهني، والذي غزا فِي البحر جنادة بن أبي أمية [٢] . وفيها ولى معاوية الكوفة عَبْد الرَّحْمَنِ بن عَبْد اللَّهِ بن عثمان بن ربيعة الثقفِي [٣] . وهو ابن أم الحكم أخت معاوية بن أبي سفيان، وعزل عنها الضحاك بن قيس. وفِي عمله فِي هذه السنة خرجت الطائفة التي حبسها المغيرة بن شعبة فِي السجن من الخوارج الذين كانوا بايعوا المستورد، فظفر بهم فاستودعهم السجن، فلما مات المغيرة خرجوا من السجن، فجمع حيان بن ظبيان أصحابه ثم حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بعد، فإن الله كتب علينا الجهاد، فمنا من قضى نحبه ومنا من ينتظر، وأولئك هم الأبرار الفائزون بفعلهم، فمن كان منكم يريد الله وثوابه فليسلك سبيل أصحابه.

стр. 1830

وقَالَ معاذ بن جوين [الطائي] [١] : يا أهل الإسلام، إنا والله لو علمنا أنا إذا تركنا جهاد الظلمة وإنكار الجور، كان لنا به عند الله عذر، لكان تركه أيسر علينا وأخف من ركوبه، ولكنا قد علمنا واستيقنا أنه لا عذر لنا. ثم قَالَ: ابسط يدك نبايعك، فبايعه وبايعه القوم، فضربوا على يد حيان فبايعوه وذلك فِي إمارة عَبْد الرَّحْمَنِ بن عَبْد اللَّهِ، / ثم أن القوم اجتمعوا في منزل معاذ بن ١١٨/ أجوين، فقَالَ لهم حيان: عباد الله، أشيروا برأيكم، أين تأمروني أن أخرج؟ فقَالَ له معاذ: إني أرى أن تسير بنا إلى حلوان فإنها كورة بين السهل والجبل، وبين المصر والثغر، فمن كان يرى رأينا من أهل المصر والثغر والجبال والسواد لحق بنا. فقَالَ له حيان: عدوك معاجلك قبل اجتماع الناس إليك، فلا يتروكم حتى يجتمع الناس إليكم، ولكن رأيت أن أخرج معكم فِي جانب الكوفة ثم نقاتلهم حتى نلحق بربنا، فإني [والله] [٢] قد علمت أنكم لا تقدرون وأنتم دون المائة رجل أن تهزموا عدوكم، ولا أن تشتد نكايتكم فيهم، ولكن متى علم الله أنكم قد أجهدتم أنفسكم فِي جهاد عدوه وعدوكم كان لكم به العذر، وخرجتم من الإثم. قالوا: رأينا رأيك، فقَالَ لهم عديس بن عرقوب [٣] : اخرجوا بجانب من مصرهم هذا فقاتلوا، فقالوا: لن يخالفك، فمكثوا حتى إذا كان آخر سنة من سني ابن أم الحكم فِي أول يوم من ربيع الآخر اجتمعوا إلى حيان، فقَالَ: يا قوم، والله الذي لا إله غيره ما سررت قط في الدنيا بعد ما أسلمت سروري بخروجي هذا على الظلمة، إني قد رأيت أن نخرج حتى ننزل جانب دار جرير، فإذا خرج إليكم الأحزاب ناجزتموهم، فقَالَ عديس بن عرقوب: إذا قاتلتهم فِي جوف المصر قاتلنا الرجال وصعد النساء والصبيان والإماء، فرمونا بالحجارة، فقَالَ رجل منهم: انزلوا بنا من وراء الجسر، فقَالَ معاذ: لا بل سيروا بنا

стр. 1831

فلننزل بانقيا فما أسرع ما يأتيكم عدوكم، فإذا كان ذلك استقبلنا القوم وجعلنا البيوت فِي ظهورنا، فقاتلناهم من وجه واحد، فخرجوا فبعث إليهم جيش فقتلوا جميعا. وفِي هذه السنة طرد أهل الكوفة عَبْد الرَّحْمَنِ بن أم الحكم [١] ١١٨/ ب وذلك أنه أساء السيرة فيهم، فطردوه، فلحق بمعاوية/ وهو خاله، فقَالَ له: أوليك خيرا منها مصر، فولاه، فتوجه إليها، وبلغ معاوية بن حديج السكوني الخبر، فخرج إليه واستقبله على مرحلتين من مصر، فقَالَ له: ارجع إلى خالك فلعمري لا تسير فينا سيرتك فِي إخواننا من أهل الكوفة. فرجع إلى معاوية، ثم أقبل معاوية بن حديج وافدا، فدخل عليه وعنده أم الحكم، فقالت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قَالَ: هذا معاوية بن حديج، قالت: لا مرحبا به، «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» فقَالَ: على رسلك يا أم الحكم، أما والله لقد تزوجت فما أكرمت وولدت فما أنجبت، أردت أن يلي ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار فِي إخواننا من أهل الكوفة ما كان الله ليريه ذلك، ولو فعل ذلك لضربناه ضربا يطأطئ منه، فقَالَ لها معاوية: كفى. قصة ابن أم الحكم مع الأعرابي وجرت لعبد الرحمن ابن أم الحكم قصة عجيبة أَخْبَرَنَا بِهَا مُحَمَّد بْنُ نَاصِرٍ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أحمد الكاتبة، قالت: أَخْبَرَنَا جعفر بْن أحمد السَّرَّاجُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: أخبرنا أبو عمر بن حيويه، قال: حدثنا مُحَمَّد بْنُ خَلَفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مِخْنَفٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَذنَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ يَوْمًا، فَكَانَ فِيمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ فَتًى مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، فَلَمَّا أَخَذَ النَّاسُ مَجَالِسَهُمْ قَامَ الْفَتَى الْعُذْرِيُّ بَيْنَ السِّمَاطينَ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: مُعَاوِي يَا ذَا الْفَضْلِ وَالْحُكْمِ وَالْعَقْلِ ... وَذَا الْبِرِّ وَالإِحْسَانِ وَالْجُودِ وَالْبَذْلِ أَتَيْتُكَ لَمَّا ضَاقَ فِي الأَرْضِ مَسْلَكِي ... وَأَنْكَرْتُ مِمَّا قَدْ أصبت به عقلي

стр. 1832

فَفَرِّجْ كَلاكَ اللَّهُ عَنِّي فَإِنَّنِي ... لَقِيتُ الَّذِي لَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ قَبْلِي وَخُذْ لِي هَدَاكَ اللَّهُ حَقِّي مِنَ الَّذِي ... رَمَانِي بِسَهْمٍ كَانَ أَهْوَنَهُ قَتْلِي وَكُنْتُ أُرْجِي عَدْلَهُ إِنْ أَتَيْتُهُ ... فَأَكْثَرَ تِرْدَادِي مَعَ الْحَبْسِ وَالْكَبْلِ / فَطَلَّقْتُهَا مِنْ جَهْدِ مَا قَدْ أَصَابَنِي ... فَهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ من العذل ١١٩/ أفقال مُعَاوِيَةُ: ادْنُ بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ، مَا خَطْبُكَ؟ فَقَالَ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، تَزَوَّجْتُ ابْنَةَ عَمٍّ لِي، وَكَانَتْ لِي صِرْمَةٌ مِنْ إِبِلٍ وَشُوَيْهَاتٍ، فَأَنْفَقْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَصَابَتْنِي نَائِبَةُ الزَّمَانِ وَحَادِثَاتُ الدَّهْرِ رَغِبَ عَنِّي أَبُوهَا، وَكَانَتْ جَارِيَةً فِيهَا الْحَيَاءُ وَالْكَرَمُ، فَكَرِهْتُ مُحَالَفَةَ أَبِيهَا، فَأَتَيْتُ عَامِلَكَ ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَبَلَغَهُ جَمَالُهَا، فَأَعْطَى أَبَاهَا عَشَرَةَ آلافِ دِرْهَمٍ وَتَزَوَّجَهَا وَأَخَذَنِي فَحَبَسَنِي وَضَيَّقَ عَلَيَّ، فَلَمَّا أَصَابَنِي مَسُّ الْحَدِيدِ وَأَلَمُ الْعَذَابِ طَلَّقْتُهَا، وَقَدْ أَتَيْتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْتَ غَيَّاثُ الْمَحْرُوبِ وَسَنَدُ الْمَسْلُوبِ، فَهَلْ مِنْ فَرَجٍ، ثُمَّ بَكَى وَقَالَ فِي بُكَائِهِ: فِي الْقَلْبِ مِنِّي نَارٌ وَالنَّارُ فِيهَا شَرَارٌ ... وَالْجِسْمُ مِنِّي نَحِيلٌ وَاللُّوْنُ فِيهِ اصْفِرَارٌ وَالْعَيْنُ تَبْكِي بِشَجْوٍ وَدَمْعُهَا مِدْرَارٌ ... وَالْحُبُّ دَاءٌ عَسِيرٌ فِيهِ الطَّبِيبُ يُحَارُ حَمَلْتُ مِنْهُ عَظِيمًا فَمَا عَلَيْهِ اصْطِبَارٌ ... فَلَيْسَ لَيْلِي بِلَيْلٍ وَلا نَهَارِي نَهَارٌ فَرَقَّ لَهُ مُعَاوِيَةُ وَكَتَبَ لَهُ إِلَى ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ كِتَابًا غَلِيظًا، وَكَتَبَ فِي آخِرِهِ يَقُولُ: رَكِبْتَ أَمْرًا عَظِيمًا لَسْتُ أَعْرِفُهُ ... أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ جَوْرِ امْرِئٍ زَانٍ قَدْ كُنْتَ تُشْبِهُ صُوفِيًّا لَهُ كُتُبٌ ... مِنَ الْفَرَائِضِ أَوْ آثَارِ فُرْقَانٍ [١] حَتَّى أَتَانِي الْفَتَى الْعُذْرِيُّ مُنْتَحِبًا ... يَشْكُو إِلَيَّ بِحَقٍّ غَيْرِ بُهْتَانٍ أَعْطَى الإِلَهُ عُهُودًا لا أَجِيشُ بِهَا ... أَوْ لا فَبَرِئْتَ مِنْ دِينٍ وَإِيمَانٍ إِنْ أَنْتَ رَاجَعْتَنِي فِيمَا كَتَبْتُ بِهِ ... لأَجْعَلَنَّكَ لَحْمًا عِنْدَ عُقْبَانِ [٢] طَلِّقْ سُعَادَ وَفَارِقْهَا بِمُجْتَمَعٍ ... وَأَشْهِدْ على ذاك نصرا وابن ظبيان

стр. 1833

فَمَا سَمِعْتُ كَمَا بُلِّغْتُ مِنْ عَجَبٍ ... وَلا فِعَالُكَ حَقًّا فِعْلَ فِتْيَانِ [١] فَلَمَّا وَرَدَ كِتَابُ مُعَاوِيَةَ عَلَى ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ تَنَفَّسَ الصَّعْدَاءَ وقال: وددت أن ١١٩/ ب أَمِيرَ/ الْمُؤْمِنِينَ خَلَّى بَيْنِي وَبَيْنَهَا سَنَةً ثُمَّ عَرَضَنِي عَلَى السَّيْفِ، وَجَعَلَ يُؤَامِرُ نَفْسَهُ فِي طَلاقِهَا فَلا يَقْدِرُ، فَلَمَّا أَزْعَجَهُ الْوَفْدُ طَلَّقَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا سُعَادُ، اخْرُجِي، فَخَرَجَتْ شَكِلَةً غَنِجَةً، ذَاتَ هَيْئَةٍ وَجَمَالٍ، فَلَمَّا رَآهَا الْوَفْدُ قالوا: ما تصلح هذه إِلا لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لا لأَعْرَابِيٍّ، وَكَتَبَ جَوَابَ كِتَابِهِ يَقُولُ: لا تَحْنَثَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ ... أُوفِي بِعَهْدِكَ فِي رِفْقٍ وَإِحْسَانٍ وَمَا رَكِبْتُ حَرَامًا حَيْثُ أَعْجَبَنِي ... فَكَيْفَ سُمِّيتُ بِاسْمِ الْخَائِنِ الزَّانِ وَسَوْفَ يَأْتِيكَ شَمْسٌ لا خَفَاءَ بِهَا ... أَبْهَى الْبَرِيَّةِ مِنْ إِنْسٍ وَمِنْ جَانٍ حَوْرَاءُ يَقْصُرُ عَنْهَا الْوَصْفُ إِنْ وُصِفَتْ ... أَقُولُ ذَلِكَ فِي سِرٍّ وَإِعْلانٍ فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى مُعَاوِيَةَ، قَالَ: إِنْ كَانَتْ أُعْطِيَتْ حُسْنَ النِّعْمَةِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَهِيَ أَكْمَلُ الْبَرِيَّةِ، فَاسْتَنْطَقَهَا فَإِذَا هِيَ أَحْسَنُ النَّاسِ كَلامًا وَأَكْمَلُهُمْ شَكْلا وَدلا، فَقَالَ: يَا أَعْرَابِيُّ فَهَلْ مِنْ سَلْوٍ عَنْهَا بِأَفْضَلِ الرَّغْبَةِ، قَالَ: نَعَمْ إِذَا فَرَّقْتَ بَيْنَ رَأْسِي وَجَسَدِي، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: لا تَجْعَلْنِي وَالأَمْثَالُ تُضْرَبُ بِي ... كَالْمُسْتَغِيثِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ أَرْدُدْ سُعَادَ عَلَى حَيْرَانَ مُكْتَئِبٍ ... يُمْسِي وَيُصْبِحُ فِي هَمٍّ وَتِذْكَارٍ قَدْ شَفَّهُ قَلَقٌ مَا مِثْلُهُ قَلَقٌ ... وَأَسْعَرَ الْقَلْبُ مِنْهُ أَيَّ إِسْعَارٍ وَاللَّهِ وَاللَّهِ لا أَنْسَى مَحَبَّتَهَا ... حَتَّى أَغِيبَ فِي رَمْسٍ وَأَحْجَارٍ كَيْفَ السَّلْوُ وَقَدْ هَامَ الْفُؤَادُ بِهَا ... وَأَصْبَحَ الْقَلْبُ عَنْهَا غَيْرَ صَبَّارٍ قَالَ: فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ غَضَبًا شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي إِنْ شِئْتِ أَنَا، وَإِنْ شِئْتِ ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ، وَإِنْ شِئْتِ الأَعْرَابِيَّ. فَأَنْشَأَتْ سُعَادُ وَارْتَجَزَتْ تَقُولُ: هَذَا وَإِنْ أَصْبَحَ فِي الْخِمَارِ ... وَكَانَ فِي نَقْصِ مِنَ الْيَسَارِ أَكْثَرُ عِنْدِي مِنْ أَبِي وَجَارِي ... وَصَاحِبِ الدِّرْهَمِ والدينار أخشى إذا غدرت حر النار

стр. 1834

فقال معاوية: خذها/ لا بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا. فَارْتَجَزَ الأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: خَلُّوا عَنِ الطَّرِيقِ للأَعْرَابِيِّ ... أَلَمْ تَرْقُوا وَيْحَكُمْ لِمَا بِي قَالَ: فَضَحِكَ مُعَاوِيَةُ وَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ وَنَاقَةٍ وَوِطَاءٍ. وَأَمَرَ بِهَا فَأُدْخِلَتْ فِي بَعْضِ قُصُورِهِ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنَ ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ، ثُمَّ أَمَرَ بِدَفْعِهَا إِلَى الأَعْرَابِيِّ. وفِي هذه السنة اشتد عبيد الله بن زياد على الخوارج [١] فقتل منهم صبرا جماعة كثيرة، وفِي الحرب جماعة أخرى، وممن قتل منهم صبرا عروة بن أدية. وسبب ذلك أن ابن زياد خرج فِي رهان له، فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع الناس وفيهم عروة بن أدية، فأقبل على ابن زياد، فقَالَ: خمس كن فِي الأمم [قبلنا] [٢] ، فقد صرن فينا: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ٢٦: ١٢٨- ١٣٠ [٣] وذكر خصلتين نسيهما الراوي، فلما قَالَ ذلك ظن ابن زياد أنه لم يجترئ على مثل ذلك إلا ومعه جماعة من أصحابه، فقام فركب وترك رهانه، فقيل لعروة: ما صنعت، والله ليقتلنك. فتوارى، فطلبه ابن زياد فأتى الكوفة، فأخذ به ابن زياد فأمر به فقطعت يداه ورجلاه، ثم دعاه فقَالَ: كيف ترى؟ قَالَ: أرى أنك أفسدت دنياي وأفسدت آخرتك، فقتله، وأرسل إلى ابنيه فقتلهما. وكان ابن زياد قد حبس مرداس بن أدية، وكان السجان يرى عبادته واجتهاده، فكان يأذن له فِي الليل فينصرف، فإذا طلع الفجر أتاه فدخل السجن، فذكر ابن زياد الخوارج ليلة، فعزم على قتلهم إذا أصبح، فانطلق صديق لمرداس إلى منزله وأخبرهم، فأرسلوا إليه ليعهد، فسمع ذلك مرداس، وبلغ الخبر صاحب السجن فبات بليلة سوء إشفاقا من أن يعلم مرداس الخبر فلا يرجع. فلما كان وقت رجوعه جاء، فقَالَ له السجان: هل علمت ما عزم عليه الأمير؟ قَالَ: نعم. فلما قدم/ ليقتل، وثب ١٢٠/ ب السجان- وكان ظئرا لعبيد الله- فأخذ بقدمه وقَالَ: هبه لي، وقص عليه القصة، فوهبه له

стр. 1835

وأطلقه، فخرج مرداس فِي أربعين رجلا إلى الأهواز فبعث ابن زياد إليهم جيشا. وفِي هذه السنة توفي عميرة بن يثربي [١] قاضي البصرة، فاستقضى مكانه هشام بن هبيرة. وكان على الكوفة فِي هذه السنة عَبْد الرَّحْمَنِ بن أم الحكم. وقَالَ بعضهم: بل الضحاك بن قيس الفهري. وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى قضاء الكوفة شريح. وفيها: حج بالناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. ذكر من توفي فِي هذه السنة من الأكابر ٣٨٨- سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص، يكنى أبا عثمان، ويكنى أبا سعيد: [٢] جده أبو أحيحة، قتل أبوه العاص يوم بدر كافرا، وقبض رسول الله ﷺ ولسعيد تسع سنين. وكان سعيد كريما، استسقى يوما من دار بالمدينة، ثم عرض صاحب الدار الدار للبيع، فقَالَ: لم يبيعها؟ قالوا: عليه دين أربعة آلاف دينار، فقَالَ: إن له لحرمة لسقيه إيانا. فركب إليه ومعه غريمه، فقَالَ للغريم: هي لك علي، وقَالَ لصاحب الدار: استمتع بدارك. وكان الناس يتعشون عنده، وكان فيهم رجل من القراء افتقر، فقالت له زوجته: قد بلغنا عن أميرنا هذا كرم فاذكر له حالك فلعله أن ينيلنا شيئا، فقَالَ: ويحك، لا تخلقي وجهي، قَالَتْ: فاذكر له على كل حال. فتصرم الناس ليلة عنه، وثبت الرجل، فقَالَ: سعيد: أظن جلوسك لحاجة، فسكت، فقَالَ لغلمانه: تنحوا، ثم قَالَ له: رحمك الله، إنما أنا وأنت فاذكر حاجتك، فسكت، فأطفأ السراج ثم قَالَ: رحمك الله، لست ترى وجهي فاذكر حاجتك، فقَالَ: أصلح الله الأمير، لقد أصابتنا حاجة فأحببت ذكرها لك، فقَالَ: إذا أصبحت فالق فلانا وكيلي. فلما أصبح

стр. 1836

الرجل لقي الوكيل، فقَالَ له: إن الأمير قد أمر لك بشيء فائت بمن يحمله معك، فقَالَ: ما عندي من يحمل، ثم انصرف إلى زوجته فأخبرها الخبر وجعل يلومها ويقول: ما أظنه أمر لي إلا بقوصرة تمر وقفيز بز وذهب ماء وجهي، لو كانت/ دراهم أعطانيها، فقالت له ١٢١/ أامرأته: يا هذا، قد بلغ بنا الأمر ما ترى فمهما أعطاك فإنه يقوتنا، فأتى الوكيل، فقَالَ: أين تكون؟ أخبرت الأمير أنه ليس عندك من يحمل فأمرني أن أوجه معك من يحمل معك ما أمر به، ثم أخرج إليه ثلاثة من السودان على رأس كل واحد منهم بدرة دراهم وقَالَ: امضوا معه، فلما بلغ الرجل باب منزله فتح بدرة منها فأخرج دراهم ودفعها إلى السودان وقَالَ: انصرفوا، قَالُوا: إلى أين، نحن عبيدك، إنه ما حمل مملوك للأمير قط هدية إلى أحد فرجع المملوك إلى ملكه. قال: فصلحت حال الرجل. ولما احتضر سعيد قَالَ لبنيه: لا يفقدن مني إخواني غير وجهي، فاصنعوا لهم ما كنت أصنع، وأجروا عليهم ما كنت أجري، فاكفوهم مئونة الطلب، فإن الرجل إذا طلب الحاجة اضطربت أركانه وارتعدت فرائصه مخافة أن يرد، فو الله لرجل يتململ على فراشه يراكم موضعا لحاجة أعظم عليكم منة منكم عليه بما تعطونه. أنبأنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب الْبَارِعُ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٌ الْمُخَلِّصُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بن داود، قال: حدثنا الزبير بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبُرْدٍ فَقَالَتْ: إِنِّي نَوَيْتُ أَنْ أُعْطِيَ هَذَا الثَّوْبَ أَكْرَمَ الْعَرَبِ، فَقَالَ: «أَعْطِيهِ هَذَا الْغُلامَ» : يَعْنِي سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَهُوَ وَاقِفٌ. ومات سعيد بن العاص فِي قصره بالعرصة على ثلاثة أميال من المدينة، ودفن بالبقيع، وأوصى إلى ابنه عمرو الأشدق وأمره أن يدفنه بالبقيع، وقَالَ: إن قليلا لي عند قومي فِي بري بهم أن يحملوني على رقابهم من العرصة إلى البقيع، ففعلوا، وأمر ابنه عمرا إذا دفنه أن يركب إلى معاوية فينعاه ويبيعه منزله بالعرصة، وكان منزلا قد أنحله سعيدا، وغرس فيه النخل وزرع وبنى فيه قصرا معجبا، وقَالَ لابنه: إن منزلي هذا ليس فِي العقد، إنما هو منزل برة، فبعه من معاوية/ واقض عني ديني ومواعيدي، ولا تقبل ١٢١/ ب من معاوية قضاء ديني فتزودنيه إلى ربي.

стр. 1837

فلما دفنه عمرو ووقف الناس بالبقيع فعزوه، ثم ركب رواحله إلى معاوية، فقدم عليه فنعاه له، فاسترجع وتوجع لموته، ثم قَالَ: هل ترك من دين؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فكم؟ قال: ثلاثمائة ألف درهم، قَالَ: هي علي، قَالَ: قد أبى ذلك وأمرني أن أقضي عنه من أمواله، أبيع ما استباع منها، قَالَ: فاعرضني ما شئت، قَالَ: أنفسها وأحبها إلينا وإليه فِي حياته، منزله فِي العرصة، فقَالَ له معاوية: هيهات لا تبيعون هذا المنزل، انظر غيره، قَالَ: فما نصنع، نحب تعجيل قضاء دينه، قال: قد أخذته بثلاثمائة ألف درهم، قَالَ: اجعلها بالواقية- يريدون درهم فارس، الدرهم زنة مثقَالَ الذهب- قَالَ: قد فعلت، قَالَ: فاحملها إلى المدينة، قَالَ: قد فعلت، فحملها له، فقدم عمرو بن سعيد فجعلها فِي ديونه وحاسبهم بما بين الدراهم الواقية- وهي البعلية- وبين الدراهم الجوار- وهي تنقص فِي العشرة ثلاثة، كل سبعة بالبعلية عشرة بالجوار- حتى أتاه فتى من قريش فذكر حقا له فِي كراع أديم بعشرين ألف درهم على سعيد بن العاص بخط مولى لسعيد كان يقوم لسعيد على بعض نفقاته، وشهادة سعيد على نفسه بخط سعيد، فعرف خط المولى وخط أبيه وأنكر أن يكون للفتى- وهو صعلوك من قريش- هذا المال، فأرسل إلى مولى أبيه الصك فلما قرأه المولى بكى ثم قَالَ: نعم أعرف هذا الصك، وهو حق، دعاني مولاي فقَالَ لي وهذا الفتى عنده على بابه، معه هذه القطعة الأديم: اكتب، فكتبت بإملائه هذا الحق، فقَالَ عمرو للفتى: وما سبب مالك هذا؟ قَالَ: رأيته يمشي وحده فقمت مشيت حتى بلغ باب منزله، ثم وقفت، فقَالَ: هل من حاجة؟ فقلت: لا، إلا أني رأيتك تمشي وحدك فأحببت أن أصل جناحك، فقَالَ: وصلتك رحم يا ابن أخي، ابغني قطعة أديم، فأتيت خرازا عند باب داره فأخذت منه ١٢٢/ أهذه القطعة، فدعا مولاه هذا فقَالَ: اكتب، فكتب عن أبيك هذا الكتاب وكتب فيه شهادته/ على نفسه ثم دفعه إلي وقَالَ: يا ابن أخي، ليس عندنا اليوم شيء، فخذ هذا الكتاب فإذا أتانا شيء فاتنا به إن شاء الله، فمات ﵀ قبل أن يأتيه شيء. قال عمرو: لا جرم، لا تأخذها إلا وافية، فدفعها إليه. وروى الزبير من طريق آخر: أن معاوية اشترى العرصة بألف ألف درهم، وكان دين سعيد ثلاثة آلاف درهم، فاشترى معاوية العرصة من ابن سعيد بألف ألف، والنخل بألف ألف، والمزارع بألف ألف.

стр. 1838

وتوفي سعيد فِي هذه السنة، وكان عمرو بن سعيد يدعي أن مروان بن الحكم جعل إليه ولاية العهد بعد عبد الملك، ثم نقض ذلك وجعله إلى عبد العزيز، فلما خرج عبد الملك إلى حرب مصعب غلق عمرو أبواب دمشق فأعطاه عبد الملك الأمان ثم غدر به فقتله. ٣٨٩- شداد بن أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام، أبو يعلى: [١] وهو ابن أخي حسان بن ثابت. كانت له عبادة واجتهاد. أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّارُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمر بْن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا محمد بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا فَرَحُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ أَسَدِ بْنِ وَدَاعَةَ، قَالَ: كَانَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كَانَ كَأَنَّهُ حَبَّةٌ عَلَى مَقْلَى، فَيَقُولُ: اللَّهمّ إِنَّ النَّارَ أَسْهَرَتْنِي، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى الصَّلاةِ. تحول شداد إلى فلسطين فنزل ومات بها فِي هذه السنة وهو ابن خمس وسبعين سنة. ٣٩٠- عَبْد الرَّحْمَنِ بن أبي بكر الصديق، يكنى أبا عَبْد اللَّهِ [٢] : أمه أم رومان بنت عامر، وهو أخو عائشة لأبويها وكان أسن أولاد أبي بكر، لم يزل على دين قومه وشهد بدرا مع المشركين ودعا إلى المبارزة فقام أبو بكر الصديق ليبارزه، فقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «متعنا بنفسك» ، ثم أسلم عَبْد الرَّحْمَنِ فِي هدنة الحديبية، وهو الّذي قال لمروان لما دعي إلى بيعة يزيد: إنما يريدون أن يجعلوها كسروية أو هرقلية، فقَالَ مروان: أيها الناس، هذا الَّذِي قَالَ لِوالِدَيْهِ/ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ ٤٦: ١٧ [٣] ، ١٢٢/ ب فصاحت به عائشة: ألعَبْد الرَّحْمَنِ يقول هذا، كذبت والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الرجل الذي أنزل فيه لسميته، ولكني أشهد أن رسول الله ﷺ لعن أباك وأنت فِي صلبه.

стр. 1839

وهاجر إلى المدينة، وأطعم رسول الله ﷺ بخيبر أربعين وسقا، وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وكان عَبْد الرَّحْمَنِ يتجر فِي الجاهلية إلى الشام بماله ومال قريش فرأى ليلى بنت الجودي فهويها، فلما فتح خالد الشام زمن عمر صارت إليه فازداد بها شغفا. أنبأنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب البارع، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جعفر بْن المسلمة، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طاهر المخلص، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الزُّبَير بْن بكار، قَالَ: حدثني محمد بْن الضَّحَّاكِ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَدِمَ الشَّامَ فِي تِجَارَةٍ، فَرَأَى هُنَاكَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا ابْنَةُ الْجُودِيِّ عَلَى طَنْفَسَةٍ لَهَا وَلائِدُ، فَأَعْجَبَتْهُ فَقَالَ لَهَا: أَتَذكر لَيْلَى وَالسَّمَاوَةُ دُونَهَا ... وَمَا لابْنَةِ الجودي ليلى وما ليا وَأَنَّى تَعَاطَى قَلْبَهُ حَارِثِيَّةٌ ... تَؤُمَّنَّ بُصْرَى [١] أَوْ يَحِلُ الْجَوابِيَا وَأَنِّي بِلاقِيهَا بَلَى وَلَعَلَّهَا ... إِنِ النَّاسُ حَجُّوا قَابِلا أَنْ تُلاقِيَا [٢] فَلَمَّا بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَيْشَهُ إِلَى الشَّامِ قَالَ لِصَاحِبِ الْجَيْشِ: إِنْ ظَفَرْتَ بِلَيْلَى بِنْتِ الْجُودِيِّ عَنْوَةً فَادْفَعْهَا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَظَفَرَ بِهَا فَدَفَعَهَا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأُعْجِبَ بِهَا وَآثَرَهَا عَلَى نِسَائِهِ حَتَّى شَكَوْنَهُ إِلَى عَائِشَةَ، فَعَاتَبَتْهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ كَأَنِّي أَرْشِفُ بِأَنْيَابِهَا حَبَّ الرُّمَّانِ، فَأَصَابَهَا وَجَعٌ سَقَطَ لَهُ فُوهَا فَجَفَاهَا حَتَّى شَكَتْهُ إِلَى عائشة، فقالت له عائشة: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لَقَدْ أَحْبَبْتَ لَيْلَى فَأَفْرَطْتَ وَأَبْغَضْتَهَا فَأَفْرَطْتَ، فَإِمَّا أَنْ تُنْصِفَهَا وَإِمَّا أَنْ تجهزها إلى أهلها. ١٢٣/ أقال الزُّبَيْرُ: وحَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ/ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ نَفَّلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ لَيْلَى بِنْتَ الْجُودِي حِينَ فَتَحَ دِمَشْقَ، وَكَانَتِ ابنة ملك دمشق.

стр. 1840

ومما يروى لعبد الرحمن فِي ليلى بنت الجودي هذا: يا ابنة الجودي قلبي [كئيب] [١] ... مستهام عندها ما يؤوب جاورت أخوالها حي عك ... فلعلك من فؤادي نصيب [٢] ولقد لاموا فقلت ذروني ... إن من يلحون فيها الحبيب غصن بان ما خلا الخصر منها ... ثم ما أسفل ذاك كثيب قالت عائشة: كنت أعاتبه فِي كثرة محبته لها، ثم صرت أعاتبه فِي إساءته إليها، حتى ردها إلى أهلها. قَالَ مُحَمَّد بْنُ سَعْدٍ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ لاحِقٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: مَاتَ عبد الرحمن بالحبشي فَحُمِلَ حَتَّى دُفِنَ بِمَكَّةَ، فَقَدِمَتْ عَائِشَةُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَأَتَتْ قَبْرَهُ فَوَقَفَتْ عَلَيْهِ فَتَمَثَّلَتْ بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ: وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَة [٣] ... مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا ... لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا ثُمَّ قَالَتْ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُ قَبْرَكَ، وَلَوْ شَهِدْتُكَ مَا حَمَلْتُ مِنْ حَبَشِي مَيِّتًا وَلَدُفِنْتُ مَكَانَكَ. [قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ] [٤] بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ تُوُفِّيَ فِي مَنْزِلٍ لَهُ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى رِقَابِنَا سِتَّةَ أَمْيَالٍ إِلَى مَكَّةَ، وَعَائِشَةُ غَائِبَةٌ، فَقَدِمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَتْ: أروني قبر أخي، فصلت عَلَيْهِ. [قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي نَوْمَةٍ نَامَهَا فَأَعْيَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ زَمَانًا. الحبشي موضع] [٥] .

стр. 1841

وفِي هذه السنة توفي عَبْد الرَّحْمَنِ على ما ذكره البخاري. وقَالَ ابن سعد: سنة ثلاث وخمسين. ٣٩١- عبيد اللَّه بْن الْعَبَّاس بْن عَبْد المطلب بن هاشم، أبو مُحَمَّد الهاشمي: [١] أمه أم الفضل، رأى رسول الله ﷺ وهو غلام أصغر سنا من عَبْد اللَّهِ بسنة، وكان سخيا جوادا، كثير الإطعام للناس. ١٢٣/ ب أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَارِعُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو/ جعفر بْن المسلمة، قال: أخبرنا أبو طَاهِرٍ الْمُخَلِّصُ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بن داود، قال: أخبرنا الزبير بن بكار، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْجُمَحِيُّ، عن أبيه، قال: دخل أعرابي دار العباس بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَفِي جَانِبِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يُفْتِي، لا يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ يسأل عنه، وفي الجانب الآخر عبيد الله بْنُ الْعَبَّاسِ يُطْعِمُ كُلَّ مَنْ دَخَلَ، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: مَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ فَعَلَيْهِ بِدَارِ الْعَبَّاسِ، هَذَا الْفَتَى يُفْتِي وَيُفَقِّهُ النَّاسَ، وَهَذَا يُطْعِمُ الطَّعَامَ. استعمل علي بن أبي طالب عبيد الله على اليمن، وأمره بالحج فحج بالناس سنة ست وثلاثين، ومات بالمدينة فِي هذه السنة. وقيل: بل مات باليمن. ٣٩٢- عميرة بن يثربي: [٢] قاضي الكوفة. توفي فِي هذه السنة. ٣٩٣- عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂ وعن أبيها: [٣] كانت مسماة لجبير بن مطعم، فلما خطبها رسول الله ﷺ استلها أبو بكر منهم فَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شوال سنة عشر من النبوة، وهي بنت ست سنين، ودخل بها بالمدينة وهي بنت تسع.

стр. 1842

قَالَتْ: وَكُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الْجَوَارِي، فَمَا عَلِمْتُ أن رسول الله ﷺ تَزَوَّجَنِي حَتَّى أَخَذَتْنِي أُمِّي فَحَبَسَتْنِي فِي الْبَيْتِ عَنِ الْخُرُوجِ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنِّي تَزَوَّجْتُ، فَمَا سَأَلْتُهَا حَتَّى كَانَتْ هِيَ الَّتِي أَخْبَرَتْنِي. وَرَأَتْ عَائِشَةُ جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ، قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأَ عَلَيْكِ السَّلامَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ الْكَرُوخِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عامر الأزدي وأبو بكر العوزجي، قَالا: أَخْبَرَنَا الْجَرَّاحِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمَحْبُوبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أصحاب رسول الله ﷺ حَدِيثًا قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا. أَخْبَرَنَا/ ابن ناصر، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ [١] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم ١٢٤/ أالأصفهاني [٢] ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحسن بن غيلان الورق، قَالَ: حَدَّثَنَا جعفر الفريابي، قَالَ: حَدَّثَنَا منجاب بن الحارث، قَالَ: حَدَّثَنَا علي بن مُسْهِر، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قال: ما رأيت أحدا من الناس أعلم بالقرآن ولا بفريضة ولا بحلال ولا بحرام ولا بشعر ولا بحديث العرب ولا بنسيب من عائشة ﵂. توفيت عائشة ليلة سبع عشرة من رمضان هذه السنة، وأوصت إلى عَبْد اللَّهِ بن الزبير، وصلى عليها أبو هريرة بعد الوتر، ودفنت بالبقيع وهي بنت ست وستين سنة، ولم يكن بالبقيع قبر مطابق بالحجارة غير قبر الحسن بن علي وقبرها.

стр. 1843

ثم دخلت سنة تسع وخمسين فمن الحوادث فيها: مشتى عمرو بن مرة الجهني بأرض الروم. قَالَ الواقدي: ولم يكن عامئذ غزو فِي البحر. وقَالَ غيره: غزا فِي البحر جنادة بن أمية. وفيها عزل معاوية عَبْد الرَّحْمَنِ ابن أم الحكم عن الكوفة وولى عَبْد الرَّحْمَنِ بن زياد بن سمية خراسان [١] وذلك أن عَبْد الرَّحْمَنِ قدم وافدا على معاوية، فقَالَ: يا أمير المؤمنين، أما لنا حق؟ قَالَ: بلى، قَالَ: فماذا توليني؟ قَالَ معاوية: النعمان بن بشير بالكوفة، وهو رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، وعبيد الله بن زياد على البصرة وخراسان، وعباد بن زياد على سجستان، ولست أرى عملا يشبهك إلا أن أشركك فِي عمل أخيك عبيد الله بن زياد، قَالَ: أشركني فإن عمله واسع يحتمل الشركة، فولاه خراسان. روى أبو حفص الأزدي، قَالَ: حَدَّثَنِي عمي، قَالَ: قدم علينا قيس بن الهثيم السلمي، وقد وجهه عَبْد الرَّحْمَنِ بن زياد، فأخذ أسلم بن زرعة الكلابي فحبسه، ثم قدم عَبْد الرحمن، فأغرم أسلم بن زرعة ثلاثمائة ألف درهم. قَالَ علماء السير: أقام عَبْد الرحمن بخراسان سنتين، ثم قدم على ١٢٤/ ب يزيد بن/ معاوية بعد قتل الحسين، واستخلف على خراسان قيس بن الهثيم. فقال

стр. 1844

يزيد لعبد الرحمن [١] : كم قدمت به معك من المال؟ قَالَ: عشرون ألف ألف درهم، قَالَ: إن شئت حاسبناك وقبضناها منك، ورددناك على عملك، وإن شئت سوغناك وعزلناك، وتعطي عبد الله بن جعفر خمسمائة ألف درهم، قَالَ: بل تسوغني ما قلت، وتستعمل عليها غيري. ثم بعث إلى ابن جعفر ألف ألف درهم، وقال: خمسمائة ألف من قبل أمير المؤمنين، وخمسمائة ألف درهم من قبلي. وفِي هذه السنة وفد عبيد الله بن زياد على معاوية فِي أشراف أهل البصرة فعزله عنها ثم رده عليها وجدد له الولاية [٢] وسبب ذلك أن عبيد الله بن زياد وفد فِي أهل العراق على معاوية، فقَالَ له: ائذن لوفدك على منازلهم وشرفهم، فأذن لهم، ودخل الأحنف فِي آخرهم، وكان سيئ المنزلة من عبيد الله، فلما نظر معاوية رحب [٣] به وأجلسه معه على سريره، ثم تكلم القوم فأحسنوا الثناء على عبيد الله، والأحنف ساكت، فقَالَ: ما لك يا أبا بحر لا تتكلم؟ قَالَ: إن تكلمت خالفت القوم، فقَالَ: انهضوا فقد عزلته عنكم فاطلبوا واليا ترضونه، ثم بعث إليهم معاوية بعد أيام، فقَالَ: من اخترتم؟ فاختلفت كلمتهم وسمى كل فريق منهم رجلا والأحنف ساكت، فقال له معاوية: ما لك لا تتكلم؟ قَالَ: إن وليت علينا من أهل بيتك لم نعدل بعبيد الله أحدا، وإن وليت علينا من غيرهم فانظر فِي ذلك، فقَالَ معاوية: فإني قد أعدته عليكم، ثم وصاه بالأحنف وقبح رأيه فِي مباعدته. فلما هاجت الفتنة لم يف لعبيد الله غير الأحنف. وفِي هذه السنة حج بالناس عثمان بن مُحَمَّد بن أبي سفيان وكان الوالي على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عَبْد الرَّحْمَنِ بن زياد/ وعلى سجستان عباد بن زياد، وعلى كرمان ١٢٥/ أشريك بن الأعور الحارثي من قبل عبيد الله بن زياد.

стр. 1845

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٩٤- أسامة بن زيد، أبو مُحَمَّد الحب ابن الحب: [١] أمه أم أيمن واسمها بركة، حاضنة رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ يحبه حبا شديدا وقبض رسول الله ﷺ وأسامة ابن عشرين سنة. أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي طَاهِرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حدّثنا شريك بن الْعَبَّاسِ [٢] بْنِ ذُرَيْحٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ. عَثِرَ أُسَامَةُ عَلَى عَتَبَةِ الْبَابِ فَشُجَّتْ جَبْهَتُهُ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «يا عَائِشَةُ أَمِيطِي عَنْهُ الدَّمَ» . فَاسْتَقْذَرَتْهُ عَائِشَةُ. قَالَتْ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمُصُّ شَجَّتَهُ وَيَمُجُّهُ وَيَقُولُ: «لَوْ كَانَ أُسَامَةُ جَارِيَةٌ لَكَسْوَتُهُ وَحَلَّيْتُهُ حَتَّى أُنَفِّقَهُ» . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ [٣] : وَأَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ أَخْبَرَنَا حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَّرَ الإِفَاضَةَ مِنْ عَرَفَةَ مِنْ أَجْلِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَنْتَظِرُهُ، فَجَاءَ غُلامٌ أَفْطَسُ أَسْوَدُ، فَقَالَ أَهْلُ الْيَمَنِ: إِنَّمَا حُبِسْنَا مِنْ أَجْلِ هَذَا. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: [٤] أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَكَأَنَّ النَّاسَ طَعَنُوا فِيهِ- أَيْ فِي صِغَرِهِ- فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، [فصعد المنبر] [٥] فحمد

стр. 1846

اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: «إِنَّ النَّاسَ قَدْ طَعَنُوا فِي إِمَارَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَقَدْ كَانُوا طَعَنُوا فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَإِنَّهُمَا لَخَلِيقَانِ لَهَا، أَوْ كَانَا خَلِيقَيْنِ لِذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ إِلا [فَاطِمَةَ] [١] ، فَأُوصِيكُمْ بِأُسَامَةَ خَيْرًا» /. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: [٢] وَأَخْبَرَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ [٣] ، قال: ١٢٥/ ب حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، قَالَ: بَلَغَتِ النَّخْلَةُ عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، قَالَ: فَعَمَدَ أُسَامَةُ إِلَى نَخْلَةٍ فَنَقَرَهَا وَأَخْرَجَ جُمَّارَهَا فَأَطْعَمَهَا أُمَّهُ، فَقَالُوا لَهُ: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى هَذَا وَأَنْتَ تَرَى النَّخْلَةَ قَدْ بَلَغَتْ أَلْفَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: إِنَّ أُمِّي سَأَلَتْنِيهِ وَلا تَسْأَلُنِي شَيْئًا أَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلا أَعْطَيْتُهَا. سكن أسامة بعد رسول الله ﷺ وادي القرى، ثم نزل المدينة فمات بالجرف، فحمل إلى المدينة. ٣٩٥- جرول بن مالك بن جؤية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس [٤] : وهو الحطيئة، لقب بذلك لقصره وقربه من الأرض، ويكنى أبا مليكة. وهو جاهلي إسلامي، والظاهر أنه أسلم بعد موت رسول الله ﷺ لأنه لا ذكر له فِي الصحابة ولا فِي الوفود. وكان خبيث اللسان كثير الهجاء، هجا أباه وأمه وعمه وخاله ونفسه، فقَالَ [لأمه] [٥] : تنحي فاقعدي مني بعيدا ... أراح الله منك العالمينا أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا لدى المتحدثينا جزاك الله شرا من عجوز ... ولقّاك العقوق من البنينا

стр. 1847

وقَالَ لأبيه وعمه وخاله: لحاك الله ثم لحاك حقا ... أبا ولحاك من عم وخال فنعم الشيخ أنت لدى المخازي ... وبئس الشيخ أنت لدى المعالي وقَالَ لنفسه: أبت شفتاي اليوم ألا تكلما ... بشر فما أدري لمن أنا قائله أرى لي وجها شوه الله خلقه ... فقبح من وجه وقبح حامله قَالَ أبو عبيدة معمر بن المثنى: قدم على أبي بكر الصديق ﵁ فِي الردة الزبرقان، فساق صدقات عوف والأبناء، فلما كان ببعض الطريق رأى الحطيئة- وكان الحطيئة أسود اللسان وداخل الفم وملتقي الشفتين- وهو يتبختر فِي هدم له، أشعث أغبر، وقد كان بين الزبرقان وبين بني قريع مقارضة ومهاجاة، فأراد أن ١٢٦/ أيستظهر/ بالحطيئة عليهم، فقَالَ له: ويلك إنك بمضيعة وأراك شاعرا، فهل لك إلى خير مواساة؟ قَالَ: وددت، قَالَ: فالحق ببني سعد حتى آتيك فإنما أؤدي هذه الصدقة إلى أبي بكر ثم ألحق بك، قَالَ: عمن أسأل؟ قَالَ: أم مطلع الشمس ثم سل عن الزبرقان بن بدر ثم ائت أم سدرة فقل لها: يقول لك بعلك الزبرقان بن بدر أحسني إلى قومك، فإنها ستفعل. ففعل الحطيئة ذلك، فلما رأته بنو قريع قالوا: داهية، وإنما يريد أن يستظهر به علينا، فأتاه نقيض بن شماس فقَالَ: يا أبا مليكة جئت من بلادك ولا أرى فِي يدك شيئا، هل لك إلى خصلة هي خير لك مما أنت فيه، قَالَ: ما هي؟ قَالَ: مائة بعير وتتحول إلينا ونحن ضامنون لأهلك من عيالك أن يدبروا من حالك أن تخلفه، فتحول إليهم فقدم الزبرقان، فقَالَ: أين جاري؟ قالت امرأته: خبث عليك، ثم أخذ يهجو الزبرقان بن بدر، فقَالَ فِي أبيات: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فاستعدى عليه عمر فقَالَ له: ما أراه هجاك، أما ترضى أن تكون طاعما كاسيا؟ قَالَ: كيف تراني كيسا مكيسا أبيت بعد نافع مخيسا.

стр. 1848

قَالَ: إنه لا يكون فِي الهجاء أشد من هذا، فبعث عمر إلى حسان بن ثابت فسأله فقَالَ: ما هجاه ولكن سلح عليه فحبسه [فِي قعر بئر] [١] ولم تكن السجون مبنية، وأول من بناها علي بن أبي طالب ﵁، بنى بالكوفة سجنا سماه مخيسا، فقَالَ عمر للحطيئة: يا خبيث لأشغلنك عن أعراض المسلمين فقَالَ: ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... [زغب الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم فِي قعر مظلمة ... فارفق عليك سلام الله يا عمر] [٢] الأبيات. فرق له عمر ﵁ وأطلقه وأخذ عليه أن لا يهجو مسلما. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، ومحمد بن ناصر، قالا: أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَبْد الجبار، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمر بْن حيويه، قَالَ: أخبرنا أبو بكر بن الأنباري، قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى النَّحْوِيُّ، وَأَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَيَّاطُ، / قَالا: حدّثنا الزبير بن بكار، ١٢٦/ ب قال: حدثني محمد بن الضحاك بن عثمان الْحِزَامِيُّ، عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُصْعَبٍ، عَنْ جَدِّي، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِإِخْرَاجِ الْحُطَيْئَةِ مِنَ الْحَبْسِ وَقَدْ كلمه فيه عمرو بن العاص، وغيره، فأخرج وَأَنَا حَاضِرٌ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: مَاذَا تَقُولُ لأَفْرَاخٍ بذي مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شَجَرٌ غَادَرْتُ كَاسِبَهُمْ فِي قَعْرِ مَظْلَمَةٍ [٣] ... فَارْحَمْ هَدَاكَ مَلِيكُ النَّاسِ يَا عُمَرُ أَنْتَ الإِمَامُ الَّذِي مِنْ بَعْدِ صَاحِبِهِ ... أَلْقَى إِلَيْكَ مَقَالِيدَ النهى البشر لم يؤثروك بِهَا إِذْ قَدَّمُوكَ لَهَا ... لَكِنَّ لأَنْفُسِهِمْ كَانَتْ بِكَ الأَثَرُ فَامْنُنْ عَلَى صِبْيَةٍ بِالرَّمْلِ مَسْكَنُهُمْ ... بَيْنَ الأَبَاطِحِ يَغْشَاهُمْ بِهَا الْقَدَرُ نَفْسِي فِدَاؤُكَ كَمْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ ... مِنْ عَرْضِ دَاوِيَةٍ تَعْمَى بها الخبر

стр. 1849

قَالَ: فَلَمَّا قَالَ الْحُطَيْئَةُ: مَاذَا تَقُولُ لأَفْرَاخٍ، بَكَى عُمَرُ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَلا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ أَعْدَلَ مِنْ رَجُلٍ يَبْكِي عَلَى تَرْكِهِ الْحُطَيْئَةَ. قَالَ عُمَرُ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الشَّاعِرِ فَإِنَّهُ يَقُولُ الْهَجْوَ وَيُشَبِّبُ بِالْحَرَمِ وَيَمْدَحُ النَّاسَ وَيَذُمُّهُمْ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ، مَا أَرَانِي إِلا قَاطِعًا لِسَانَهُ عَلَيَّ بِكُرْسِيٍّ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: عَلَيَّ بِالْمِخْصَفِ عَلَيَّ بِالسِّكِّينِ لا بَلْ عَلَيَّ بالْمُوسَى فَإِنَّهُ أَوْجَى، فَقَالُوا: لا يَعُودُ يِا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَشَارُوا إِلَيْهِ قُلْ لا أَعُودُ، فَقَالَ: لا أَعُودُ، فَقَالَ: النَّجَا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: ارْجِعْ يَا حُطَيْئَةُ، فَرَجَعَ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي بِكَ عِنْدَ شَابٍّ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ كَسَرَ لَكَ نِمْرِقَةً وَبَسَطَ لَكَ أُخْرَى، [وَقَالَ: يَا حُطَيْئَةُ غَنِّنَا] [١] فَانْدَفَعْتَ تُغَنِّيهِ بِأَعْرَاضِ النَّاسِ، قَالَ أَسْلَمُ: فَرَأَيْتُ الْحُطَيْئَةُ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَدْ كَسَرَ لَهُ نِمْرِقَةً وَبَسَطَ لَهُ أُخْرَى وَقَالَ: يَا حُطَيْئَةُ غَنِّنَا، فَانْدَفَعَ يُغَنِّيهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا حُطَيْئَةُ أَتَذكر يَوْمَ عُمَرَ حِينَ قَالَ لَكَ مَا قَالَ، فَفَزَعَ وقال: رحم ١٢٧/ أالله ذَلِكَ الْمَرْءَ لَوْ كَانَ حَيًّا مَا فَعَلْنَا هَذَا، فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ: إِنِّي سَمِعْتُ/ أَبَاكَ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، وَكُنْتَ أَنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلَ. وَبِالإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ أَبِيهِ قال: أمر عمر بن الخطاب بإخراج الحطيئة مِنَ السِّجْنِ فَأُخْرِجَ، فَقَالَ لَهُ: دَعْ قَوْلَ الشِّعْرِ. فَقَالَ لا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ هُوَ مَأْكَلَةُ عِيَالِي، وَنَمْلَةٌ عَلَى لِسَانِي. قَالَ: فَدَعِ الْمِدْحَةَ الْمُجْحِفَةَ. قَالَ وَمَا الْمِدْحَةُ الْمُجْحِفَةُ؟ قَالَ: لا تَقُولُ بَنُو فُلانٍ [٢] أَفْضَلُ مِنْ بَنِي فُلانٍ، امْدَحْ وَلا تُفَضِّلْ. قَالَ: أَنْتَ أَشْعَرُ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ: ضَرَبَ النَّمْلَةَ مَثَلا لِمَا يَتَرَدَّدُ مِنَ قَوْلِ الشَّعْرِ فِي قَلْبِهِ، وَيُطَالِبُ بِهِ لِسَانُهُ. وَمِنْ مَدَائِحِهِ قَوْلُهُ: أَقِلُّوا عَلَيْهِمْ لا أَبًا لأَبِيكُمْ ... مِنَ اللَّوْمِ أَوْ سُدُّوا الْمَكَانَ الَّذِي سَدُّوا أُولَئِكَ قَوْمٌ إِنْ بَنَوْا أَحْسَنُوا الْبُنَا ... وَإِنْ عَاهَدُوا أَوْفَوْا وَإِنْ عَقَدُوا شَدُّوا وَإِنْ كَانَتِ النَّعْمَاءُ فِيهِمْ جَزَوْا بِهَا [٣] ... وَإِنْ أَنْعَمُوا لا كدّروها ولا كدّوا

стр. 1850

وَلَمَّا احْتَضَرَ الْحُطَيْئَةُ قِيلَ لَهُ: أَوْصِ. فَقَالَ الْمَالُ لِلذُّكْرَانِ دُونَ الإِنَاثِ. فَقِيلَ لَهُ: أَوْصِ. فقال أوصيكم بالشعر، ثم قَالَ: الشِّعْرُ صَعْبٌ وَطَوِيلٌ سُلَّمُهُ ... إِذَا ارْتَقَى فيه الّذي لا يعمله زَلَّتْ بِهِ إِلَى الْحَضِيضِ قَدَمُهُ ... وَالشِّعْرُ لا يَسْطِيعُهُ مَنْ يَظْلِمُهُ أَرَادَ [١] أَنْ يُعْرِبَهُ فَيُعْجِمَهُ ٣٩٦- عَبْد اللَّهِ بن عامر بن كريز بن ربيعة بن خبيب بن عبد شمس بن عبد مناف [٢] : أمه دجاجة بنت أسماء بن الصلت بن خبيب. وله أحد عشر ذكرا وأربع نسوة. ولد بمكة بعد الهجرة بأربع سنين، فلما قدم رسول الله ﷺ مكة فِي عمرة القضاء حمل إليه وهو ابن ثلاث سنين فحنكه، فتلمظ فتثاءب، فتفل رسول الله ﷺ فِي فيه. وكان ابن خال عُثْمَان بْن عَفَّانَ، ولم يزل شريف القدر، كريما سخيا، فلما ولي عثمان الخلافة ولاه البصرة بعد أن أقر أبا مُوسَى أربع سنين كما أوصى عمر، ثم عزله وولاه، وكان يوم ولاه ابن خمس وعشرين سنة/ فقَالَ أبو موسى: قد أتاكم فتى من ١٢٧/ ب قريش، كريم الأمهات والعمات والخالات، يقول بالمال فيكم هكذا وهكذا. ففتح بلادا كثيرة من خراسان، وقتل يزدجرد فِي ولايته، فأحرم من نيسابور شكرا للَّه تعالى، وعمل السقايات بعرفة، فلما قتل عثمان لحق بالشام، فولاه معاوية البصرة ثلاث سنين، وزوجه ابنته هندا. أَنْبَأَنَا [٣] الْحُسَيْنُ مُحَمَّدٌ الْبَارِعُ قَالَ: أَنْبَأَنَا [٤] أَبُو جَعْفَرِ بن المسلمة قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طاهر المخلص قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن سليمان بْنُ دَاوِدَ الطُّوسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بكار قال: حدّثني عمي بن عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ بَعْضِ الْقُرَشِيِّينَ قَالَ: كَانَتْ هِنْدُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ أَبَرَّ شَيْءٍ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، وَأَنَّهَا جَاءَتْهُ يَوْمًا بِالْمِرْآةِ وَالْمُشْطِ- وكانت تتولى خدمته

стр. 1851

بِنَفْسِهَا- فَنَظَرَ فِي الْمِرْآةِ، فَالْتَقَى وَجْهُهُ وَوَجْهُهَا فِي الْمِرْآةِ، فَرَأَى شَبَابَهَا وَجَمَالَهَا، وَرَأَى الشَّيْبَ فِي لِحْيَتِهِ قَدْ أَلْحَقَهُ بِالشُّيُوخِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهَا، فَقَالَ: الْحَقِي بِأَبِيكِ. فَانْطَلَقَتْ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى أَبِيهَا فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَالَ: وَهَلْ تُطَلَّقُ الْحُرَّةُ. قَالَتْ: مَا أُوتِيَ مِنْ قِبَلِي، وَأَخْبَرَتْهُ خَبَرَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَكْرَمْتُكَ بِابْنَتِي ثُمَّ رَدَدَتْهَا عَلَيَّ. قَالَ: إِنِّي أُخْبِرُكَ عَنْ ذَلِكَ، إِنَّ اللَّهَ ﵎ مَنَّ عَلَيَّ بِفَضْلِهِ، وَجَعَلَنِي كَرِيمًا لا أُحِبُّ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيَّ أَحَدٌ، وَإِنَّ ابْنَتَكَ أَعْجَزَتْنِي مُكَافَأَتُهَا لِحُسْنِ صُحْبَتِهَا، فَنَظَرْتُ فِإِذَا أَنَا شَيْخٌ وَهِيَ شَابَّةٌ، لا أَزِيدُهَا مَالا إِلَى مَالِهَا، وَلا شَرَفًا إِلَى شَرَفِهَا، فَرَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّهَا إِلَيْكَ، فَتُزَوِّجَهَا فَتًى مِنْ فِتْيَانِكَ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسين بن أَحْمَد بن مُحَمَّد الثعالبي قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو سهل محمود بن عمر العُكْبري قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو الحسن علي بن الفرج بن أبي روح قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد القرشي قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بن عباد بن مُوسَى العكلي قَالَ: حَدَّثَنَا الحسن بن علي بن زبان قَالَ: حَدَّثَنِي سفيان بن عبدة الحميري وعبيد بن يَحْيَى الهجري قَالا: خرج إلى عَبْد اللَّهِ بن عامر بن ١٢٨/ أكرز وهو عامل العراق لعُثْمَان بْن عَفَّانَ [١] / رجلان من أهل المدينة، أحدهما: ابن جابر بن عَبْد اللَّهِ الأنصاري، والآخر: من ثقيف، فكتب إلى ابن عامر فيما يكتب من الأخبار، فأقبلا يسيران حتى إذا كانا بناحية البصرة قَالَ الأنصاري للثقفي: هل لك فِي رأي رأيته: قَالَ: اعرضه. قَالَ: رأيت أن أنخ رواحلنا [٢] ونتناول مطاهرنا، فنمس ماء، ثم نصلي ركعتين ونحمد الله على ما قضى من سفرنا. قَالَ: هذا الذي لا يرد، فتوضيا، ثم صليا ركعتين، فالتفت الأنصاري إلى الثقفِي فقَالَ: يا أخا ثقيف، ما رأيك؟ قال: وأي موضع رأي هذا، قضيت سفري، وأنضيت بدني، وأنضيت راحلتي [٣] ، ولا مؤمل دون ابن عامر، فهل لك رأي غير هذا؟ قَالَ: نعم، إني لما صليت هاتين الركعتين فكرت فاستحييت من ربي ﵎ أن يراني طالبا رزقا من غيره، اللَّهمّ ارزق ابن عامر وارزقني من فضلك. ثم ولى راجعا إلى المدينة، ودخل الثقفي البصرة، فمكث

стр. 1852

أياما، فأذن له ابن عامر، فلما رآه رحب به، ثم قَالَ: ألم أخبر أن ابن جابر خرج معك؟ فخبره خبره، فبكى ابن عامر ثم قَالَ: أما والله ما قَالَ أشرا [١] ولا بطرا، ولكن رأى مجرى الرزق ومخرج النعمة، فعلم أن الله تعالى هو الذي فعل ذلك، فسأله من فضله، وأمر للثقفِي بأربعة آلاف درهم وكسوة ومطرف، وأضعف ذلك كله الأنصاري، فخرج الثقفِي وهو يقول: أميمة [٢] ما حرص الحريص بزائد ... فتيلا ولا زهد الضعيف بضائر خرجنا جميعا من مساقط رأسنا ... على ثقة منا بخير ابن عامر ولما أنخنا الناعجات ببابه تأخر ... عني اليثربي ابن جابر وقَالَ سيكفيني عطية قادر ... على ما يشاء اليوم بالخلق قاهر وإن الذي أعطى العراق ابن عامر ... لربي الذي أرجو لسد مفاقري فلما سرى سارت عليه صبابة ... إليه كما حنت ظراب الأباعر وأضعف عَبْد اللَّهِ إذ غاب حظه ... على حظ لهفان من الحرص فاغر / فأبت وقد أيقنت أن ليس نافعي ... ولا ضائري شيء خلاف المقادر ١٢٨/ ب [قال المصنف:] [٣] قرأت على أبي القاسم الجريري، عن أبي طالب العشاري قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر البرقاني قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَكِّي قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بْن إسحاق الثقفي قَالَ: حدثنا هارون بن عبد الله قال: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ نَافِعٍ الطَّاحِيُّ قَالَ: مَرَرْتُ بِأَبِي ذَرٍّ فَقَالَ لِي: مِمَّنْ أَنْتَ؟ [٤] قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. قَالَ: أَتَعْرِفُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ مَعِي وَيَلْزَمُنِي، ثُمَّ طَلَبَ الإِمَارَةَ، فَإِذَا قَدِمْتَ الْبَصْرَةَ فَتَرَاءَ لَهُ، فَإِنَّهُ سَيَقُولُ: لَكَ حَاجَةٌ؟ فَقُلْ: أَخْلِنِي وَقُلْ لَهُ: أَنَا رَسُولُ أَبِي ذَرٍّ إِلَيْكَ، وَهُوَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ وَيَقُولُ لَكَ: إِنَّا نَأْكُلُ مِنَ التَّمْرِ، وَنَشْرَبُ من الماء،

стр. 1853

وَنَعِيشُ كَمَا تَعِيشُ. فَلَمَّا قَدِمْتُ تَرَاءَيْتُ لَهُ، فَقَالَ: لَكَ حَاجَةٌ؟ قُلْتُ: أَخْلِنِي أَصْلَحَكَ اللَّهُ. فَفَعَلَ، فَقُلْتُ: أَنَا رَسُولُ أَبِي ذَرٍّ إِلَيْكَ- فَلَمَّا قُلْتُهَا خَشَعَ قَلْبُهُ- وَهُوَ يَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلامُ وَيَقُولُ: إِنَّا نَأْكُلُ مِنَ التَّمْرِ، وَنُرْوَى مِنَ الْمَاءِ، وَنَعِيشُ كَمَا تَعِيشُ. قَالَ: فَحَلَّ إِزَارَهُ ثُمَّ أَدْخَلَ رَأْسَهُ فِي جَيْبِهِ ثُمَّ بَكَى حَتَّى مَلأَ جَيْبَهُ بِالْبُكَاءِ. توفي ابن عامر فِي هذه السنة، فقَالَ معاوية: بمن نفاخر؟! بمن نباهي!؟ ٣٩٧- عَبْد اللَّهِ، أبو هريرة [١] : وقد اختلفوا فِي اسمه ونسبه على ثمانية عشر قولا قد ذكرتها فِي «التلقيح» . وكان فِي صغره يلعب بهرة فكني بها [٢] . قدم على رسول الله ﷺ وهو بخيبر فأسلم. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أخبرنا الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قال: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحسين بن الفهم قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ قَالَ [٣] : وَاللَّهِ لا يَسْمَعُ بِي مُؤْمِنٌ وَلا مُؤْمِنَةٌ إِلا أَحَبَّنِي. قَالَ: قُلْتُ لَهُ: وَمَا يُعْلِمُكَ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ لِي: إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلامِ فتأبى عليّ، فدعوتها ذات/ يوم إلى ١٢٩/ أالإسلام فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَكْرَهَتْنِي، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَدْعُو أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى الإِسْلامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ، وَإِنِّي دَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى الإِسْلامِ. فَفَعَلَ، فَجِئْتُ فَإِذا الْبَابُ مُجَافٌ، وَسَمِعَتْ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، فَلَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَعَجَّلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، ثُمَّ قَالَتْ: ادْخُلْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَدَخَلْتُ فَقَالَتْ: أَنَا أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَجِئْتُ أَسْعَى إلى رسول الله ﷺ أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ كَمَا بَكَيْتُ مِنَ الْحَزَنِ. فَقُلْتُ: أَبْشِر يَا رَسُولَ اللَّهِ، [فَقَدْ أَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ، قَدْ هَدَى اللَّهُ أُمَّ أَبِي هريرة إلى

стр. 1854

الإِسْلامِ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ] [١] ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي وَأُمِّيَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [اللَّهمّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا وَأُمَّهُ إِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ] [٢]- أَوْ إِلَى كُلِّ مُؤْمِنَةٍ وَمُؤْمِنٍ- فَلَيْسَ يَسْمَعُ بِي مُؤْمِنٌ وَلا مُؤْمِنَةٌ إِلا أَحَبَّنِي. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنِي الْمُعَلَّى بْنُ رَاشِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُسَبِّحُ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَلْفَ تَسْبِيحَةً، يَقُولُ: أُسَبِّحُ بِقَدْرِ ذَنْبِي. قَالَ: وأخبرنا عارم بن الفضل قال: حدثنا حماد بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ الْجَرِيرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ قَالَ: تَضَيَّفَ أَبَا هُرَيْرَةَ سَبْعًا، فَكَانُوا يَعْتَقِبُونَ اللَّيْلَ أَثْلاثًا ثُلُثًا هُوَ، وَثُلُثًا امْرَأَتُهُ، وَثُلُثًا خَادِمُهُ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: [٣] وَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ وَرْدٍ، عَنْ سَلْمِ بْنِ بَشِيرِ [٤] بْنِ حَجْلٍ قَالَ: بَكَى أَبُو هُرَيْرَةَ فِي مَرَضِهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ [٥] ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي مَا أَبْكِي عَلَى دُنْيَاكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنِّي أَبْكِي لِبُعْدِ سَفَرِي، وَقِلَّةِ زَادِي، وَإِنِّي أَصْبَحْتُ فِي صُعُودٍ مَهْبَطُهُ عَلَى جَنَّةٍ وَنَارٍ، فَلا أَدْرِي أَيَّهُمَا يُسْلَكُ بِي. قَالَ: [٦] وقَالَ مُحَمَّد بن عمر: كان أبو هريرة [٧] ينزل ذا الحليفة وله دار بالمدينة تصدق بها على مواليه، فباعوها بعد ذلك من عمر بن بزيع، وتوفي سنة تسع وخمسين ١٢٩/ ب فِي آخر خلافة/ معاوية وكان له يومئذ ثمان وسبعون سنة، وهو صلى على عائشة وأم سلمة.

стр. 1855

٣٩٨- عَبْد اللَّهِ بن بحينة، وبحينة أمه. وأبوه مالك [١] بن القشب، ويكنى أبا مُحَمَّد [٢] : صحب رسول الله ﷺ قديما، وكان ناسكا فاضلا، يصوم الدهر، وتوفي فِي خلافة معاوية. ٣٩٩- قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة، أبو عبيد الله [٣] : دفعه أبوه إلى النبي ﷺ ليخدمه، فكان قريبا من رسول الله ﷺ ، وكان جوادا شجاعا، وحمل لواء رسول الله ﷺ فِي بعض مغازيه، وولاه علي بن أبي طالب على إمارة مصر، وحضر معه حرب الخوارج بالنهروان، ووقعة صفين، وكان مع الحسن بن علي على مقدمته بالمدائن، ثم لما صالح الحسن معاوية وبايعه دخل قيس فِي المصالحة، وتابع الجماعة ورجع إلى المدينة فتوفي بها. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي قال: أخبرنا محمد بن أَحْمَد بْن رزق قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن أَحْمَد قَالَ: حَدَّثَنَا حنبل بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ رَجُلا ضَخْمًا جَسِيمًا صَغِيرَ الرَّأْسِ، وَكَانَ إِذَا رَكِبَ الْحِمَارَ حَطَّتْ رِجْلاهُ فِي الأَرْضِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدِ بْنِ غَيْلانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ قالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ وَخَارِجَةُ بْنُ الْحَارِثِ قَالُوا [٤] : بَعَثَ رسول الله ﷺ أبا عبيدة في سرية فيها المهاجرون والأنصار ثلاثمائة رَجُلٍ إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ إِلَى حَيٍّ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَصَابَهُمْ جُوعٌ شَدِيدٌ، فَقَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ: مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي تَمْرًا بِجَزُورٍ، وَيُوَفِّينِي الْجَزُورَ هَا هُنَا، وَأُوَفِّيهِ التَّمْرَ بِالْمَدِينَةِ فَجَعَلَ عمر يقول: وا عجبا لِهَذَا الْغُلامِ، لا مَالَ لَهُ يَدِينُ فِي مَالِ غَيْرِهِ. فَوَجَد رَجُلا مِنْ جُهَيْنَةَ يُعْطِيهِ ما

стр. 1856

سَأَلَ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُكَ، فَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا قَيْسُ بْنُ سَعْدِ [١] / بْنِ عُبَادَةَ. قال ١٣٠/ أالجهنيّ: مَا أَعْرَفَنِي بِنَسَبِكَ، وَابْتَاعَ مِنْهُ خَمْسَ جَزَائِرَ، كُلَّ جَزُورٍ بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ. ثُمَّ قَالَ: فَأَشْهِدْ لِي فَأَشْهَدَ لَهُ نَفَرًا مِنَ الأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، فَكَانَ فِيمَنْ أُشْهِدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَقَالَ عُمَرُ: لا أَشْهَدُ هَذَا بِدَيْنٍ وَلا مَالَ لَهُ، إِنَّمَا الْمَالُ لأَبِيهِ. فَقَالَ الْجُهَنِيُّ [٢] : مَا كَانَ سَعْدٌ لِيُمَنِّي بِابْنِهِ فِي شِقَّةٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَرَى وَجْهًا حَسَنًا، وَفِعْلا شَرِيفًا. فَكَانَ بَيْنَ عُمَرَ وَقَيْسٍ كَلامٌ حَتَّى أَغْلَظَ لِقَيْسٍ، وَأَخَذَ الْجُزُرَ فَنَحَرَهَا لَهُمْ فِي مَوَاطِنَ ثَلاثٍ كُلَّ يَوْمٍ جَزُورًا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ نَهَاهُ أَمِيرُهُ فَقَالَ: أَتُرِيدُ أَنْ تَخْفِرَ ذِمَّتَكَ وَلا مَالَ لَكَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَقْبَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَمَعَهُ عُمَرُ، فَقَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ لا تَتَّجِرَ، أَتُرِيدُ أَنْ تَخْفِرَ ذِمَّتَكَ فَقَالَ قَيْسٍ: يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، أَتَرَى أَبَا ثَابِتٍ يَقْضِي دُيُونَ النَّاسِ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ، ويُطْعِمُ فِي الْمَجَاعَةِ، لا يَقْضِي عَنِّي شِقَّةً مِنْ تَمْرٍ لِقَوْمٍ مُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَلِينُ لَهُ، وَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: اعْزِمْ فَعَزَمَ عَلَيْهِ، وَأَبَى أَنْ يَنْحَرَ وَبَقِيَتْ جَزُورَانِ، فَقَدِمَ بِهَا قَيْسٌ الْمَدِينَةَ ظَهْرًا يَتَعَاقَبُونَ عَلَيْهَا، وَبَلَغَ سَعْدًا مَا أَصَابَ الْقَوْمَ مِنَ الْمَجَاعَةِ فَقَالَ: إِنْ يَكُنْ قَيْسٌ كَمَا أَعْرِفُ فَيَنْحَرُ لِلْقَوْمِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَيْسٌ لَقِيَهُ سَعْدٌ فَقَالَ: ما صنعت في القوم؟ قَالَ: نَحَرْتُ. قَالَ: أَصَبْتَ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: نَحَرْتُ. قَالَ: أَصَبْتَ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: نَحَرْتُ. قَالَ: أَصَبْتَ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: نُهِيتُ. قَالَ: مَنْ نَهَاكَ؟ قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ أَمِيرِي. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّهُ لا مَالَ لِي، وَإِنَّمَا الْمَالُ لَكَ [٣] ، فَقُلْتُ: أَبِي يَقْضِي عَنِ الأباعد، ويحمل الكل، ويطعم في الْمَجَاعَةَ، فَلا يَصْنَعُ هَذَا بِي. قَالَ: فَلَكَ أَرْبَعُ حَوَائِطَ أَدْنَاهَا حَائِطٌ تَحْمِلُ خَمْسِينَ وَسْقًا. قَالَ: وَقَدِمَ الْبَدَوِيُّ مَعَ قَيْسٍ فَأَوْفَاهُ وَسْقَهُ وَحَمَلَهُ وَكَسَاهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ فِعْلِ قَيْسٍ، فَقَالَ: «إِنَّهُ فِي بَيْتِ جُودٍ» . قَالَ علماء السير: مرض قيس بن سعد واستبطأ إخوانه فِي العيادة، فقيل له: إنهم

стр. 1857

يستحيون مما لك عليهم من الدين. قَالَ: أخزى [الله] [١] مالا يمنع الإخوان من ١٣٠/ ب الزيارة، ثم أمر مناديا/ فنادى: من كان لقيس عليه حق فهو فِي حل. فكسرت درجته بالعشي من عيادته. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ قَالَ: أخبرنا أحمد بن عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ [٢] قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: بَاعَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ مِنْ مُعَاوِيَةَ مَالا بِتِسْعِينَ أَلْفًا، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى فِي الْمَدِينَةِ: مَنْ أَرَادَ الْقَرْضَ فَلْيَأْتِ مَنْزِلَ قَيْسٍ. فَأَقْرَضَ أَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسِينَ وَأَجَازَ الْبَاقِي، وَكَتَبَ عَلَى مَنْ أَقْرَضَهُ صَكًّا، فَمَرِضَ مَرَضًا قَلَّ عُوَّادُهُ، فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ قَرِيبَةَ بِنْتِ أَبِي قُحَافَةَ أُخْتِ أَبِي بَكْرٍ: يَا قَرِيبَةُ، لِمَ تَرَيْنَ قَلَّ عُوَّادِي؟ قَالَتْ: لِلَّذِي عَلَيْهِمْ مِنَ الدَّيْنِ. فَأَرْسَلَ إِلَى كَلِّ رَجُلٍ صَكَّهُ. وقَالَ عُرْوَةُ: قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ: اللَّهمّ ارْزُقْنِي مَالا وَفِعَالا، فَإِنَّهُ لا يَصْلُحُ الْفِعَالُ إِلا بِالْمَالِ. أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن علي قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن بشران قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن صفوان قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدنيا قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سعد قال: قال الهيثم ابن عدي: توفي قيس بن سعد بن عبادة بالمدينة فِي آخر خلافة معاوية. ٤٠٠- معقل بن يسار بن عَبْد اللَّهِ، أبو عَبْد اللَّهِ. وقيل: أبو علي، المزني: [٣] صحب رسول الله ﷺ ، وشهد الحديبية، ورفع أغصان الشجرة عن رسول الله ﷺ يوم بايع أهلها، ولاه عمر البصرة، فحفر النهر المنسوب إليه: نهر معقل، وبنى بالبصرة دارا فنزلها.

стр. 1858

وَأَخْبَرَنَا مَوْهُوبُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ التُّسْتَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الصَّلْتِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا خَلادُ بْنُ أَسْلَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ قال: دخل عبيد الله بن زناد عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّثُكُ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ من رسول الله ﷺ : «من استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ/ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ من ١٣١/ أمسيرة مِائَةِ عَامٍ» قَالَ ابْنُ زِيَادٍ: أَلا حَدَّثْتَنِي قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَالَ مَعْقِلٌ: وَالْيَوْمَ لَوْ لَمْ أَكُنْ عَلَى حَالِي هَذِهِ لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ. ٤٠١- هند بنت أبي أمية، واسمه سهيل، وهي أم سلمة: كانت عند أبي سلمة، فهاجرت معه إلى الحبشة، وولدت له، وتوفي عنها فتزوجها رسول الله ﷺ فِي سنة أربع من الهجرة، وتوفيت فِي هذه السنة، وصلى عليها أبو هريرة، ودفنت بالبقيع، وكان لها يوم ماتت أربع وثمانون سنة .

стр. 1859

ثم دخلت سنة ستين فمن الحوادث فيها: غزوة مالك بن عبيد الله سورية [١] ، ودخول جنادة بن أبي أمية رودس، وهدمه مدينتها فِي قول الواقدي. وفِي هذه السنة: أخذ معاوية على الوفد الذين وفدوا [٢] إليه مع عبيد الله بن زياد البيعة لابنه يزيد، وعهد إلى ابنه يزيد حين مرض فيها، فقَالَ له: يا بني، إني قد كفيتك الرحلة والترحال، ووطأت لك الأشياء، وذللت لك الأعداء، وأخضعت لك أعناق العرب، وإني لأتخوف عليك أن ينازعك فِي هذا الأمر الذي اسندت لك إلا أربعة نفر من قريش: الحسين بن علي، وعَبْد اللَّهِ بن عمر، وعَبْد اللَّهِ بْن الزُّبَيْر، وَعَبْد الرَّحْمَنِ بْن أبي بكر. فأما عَبْد اللَّهِ بن عمر فرجل قد وقذته العبادة، وإذا لم يبق أحد غيره بايعك. وأما الحسين فإن أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه، فإن خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه، فإن له رحما ماسة وحقا عظيما وأما ابن أبي بكر فليست له همة إلا فِي النساء واللهو، فإن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثلهم، وأما الذي يجثم جثوم الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب فإذا أمكنته فرصة وثب فابن الزبير، فإن هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه إربا إربا [٣] .

стр. 1860

ولما اشتد مرض معاوية كان يزيد غائبا، فدعا بالضحاك بن قيس الفهري- وكان/ صاحب شرطته- ومسلم بن عقبة المري فأوصى إليهما فقَالَ: بلغا يزيد وصيتي: انظر أهل الحجاز فإنهم أهلك، فأكرم من قدم عليك منهم، وتعاهد من غاب، وانظر أهل العراق، فإن سألوك أن تعزل كل يوم عاملا فافعل، فإن عزل عامل أحب إلي من أن تشهر عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشام، فليكونوا بطانتك وعيبتك، فإن رابك شيء من عدوك فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم. وفِي هذه السنة توفي معاوية [١] ، وبويع لابنه يزيد [٢] .
следующие страницы →