← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

سَأَلَ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُكَ، فَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا قَيْسُ بْنُ سَعْدِ [١] / بْنِ عُبَادَةَ. قال ١٣٠/ أالجهنيّ: مَا أَعْرَفَنِي بِنَسَبِكَ، وَابْتَاعَ مِنْهُ خَمْسَ جَزَائِرَ، كُلَّ جَزُورٍ بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ. ثُمَّ قَالَ: فَأَشْهِدْ لِي فَأَشْهَدَ لَهُ نَفَرًا مِنَ الأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، فَكَانَ فِيمَنْ أُشْهِدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَقَالَ عُمَرُ: لا أَشْهَدُ هَذَا بِدَيْنٍ وَلا مَالَ لَهُ، إِنَّمَا الْمَالُ لأَبِيهِ. فَقَالَ الْجُهَنِيُّ [٢] : مَا كَانَ سَعْدٌ لِيُمَنِّي بِابْنِهِ فِي شِقَّةٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَرَى وَجْهًا حَسَنًا، وَفِعْلا شَرِيفًا. فَكَانَ بَيْنَ عُمَرَ وَقَيْسٍ كَلامٌ حَتَّى أَغْلَظَ لِقَيْسٍ، وَأَخَذَ الْجُزُرَ فَنَحَرَهَا لَهُمْ فِي مَوَاطِنَ ثَلاثٍ كُلَّ يَوْمٍ جَزُورًا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ نَهَاهُ أَمِيرُهُ فَقَالَ: أَتُرِيدُ أَنْ تَخْفِرَ ذِمَّتَكَ وَلا مَالَ لَكَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَقْبَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَمَعَهُ عُمَرُ، فَقَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ لا تَتَّجِرَ، أَتُرِيدُ أَنْ تَخْفِرَ ذِمَّتَكَ فَقَالَ قَيْسٍ: يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، أَتَرَى أَبَا ثَابِتٍ يَقْضِي دُيُونَ النَّاسِ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ، ويُطْعِمُ فِي الْمَجَاعَةِ، لا يَقْضِي عَنِّي شِقَّةً مِنْ تَمْرٍ لِقَوْمٍ مُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَلِينُ لَهُ، وَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: اعْزِمْ فَعَزَمَ عَلَيْهِ، وَأَبَى أَنْ يَنْحَرَ وَبَقِيَتْ جَزُورَانِ، فَقَدِمَ بِهَا قَيْسٌ الْمَدِينَةَ ظَهْرًا يَتَعَاقَبُونَ عَلَيْهَا، وَبَلَغَ سَعْدًا مَا أَصَابَ الْقَوْمَ مِنَ الْمَجَاعَةِ فَقَالَ: إِنْ يَكُنْ قَيْسٌ كَمَا أَعْرِفُ فَيَنْحَرُ لِلْقَوْمِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَيْسٌ لَقِيَهُ سَعْدٌ فَقَالَ: ما صنعت في القوم؟ قَالَ: نَحَرْتُ. قَالَ: أَصَبْتَ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: نَحَرْتُ. قَالَ: أَصَبْتَ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: نَحَرْتُ. قَالَ: أَصَبْتَ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: نُهِيتُ. قَالَ: مَنْ نَهَاكَ؟ قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ أَمِيرِي. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّهُ لا مَالَ لِي، وَإِنَّمَا الْمَالُ لَكَ [٣] ، فَقُلْتُ: أَبِي يَقْضِي عَنِ الأباعد، ويحمل الكل، ويطعم في الْمَجَاعَةَ، فَلا يَصْنَعُ هَذَا بِي. قَالَ: فَلَكَ أَرْبَعُ حَوَائِطَ أَدْنَاهَا حَائِطٌ تَحْمِلُ خَمْسِينَ وَسْقًا. قَالَ: وَقَدِمَ الْبَدَوِيُّ مَعَ قَيْسٍ فَأَوْفَاهُ وَسْقَهُ وَحَمَلَهُ وَكَسَاهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ فِعْلِ قَيْسٍ، فَقَالَ: «إِنَّهُ فِي بَيْتِ جُودٍ» . قَالَ علماء السير: مرض قيس بن سعد واستبطأ إخوانه فِي العيادة، فقيل له: إنهم

стр. 1857

يستحيون مما لك عليهم من الدين. قَالَ: أخزى [الله] [١] مالا يمنع الإخوان من ١٣٠/ ب الزيارة، ثم أمر مناديا/ فنادى: من كان لقيس عليه حق فهو فِي حل. فكسرت درجته بالعشي من عيادته. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ قَالَ: أخبرنا أحمد بن عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ [٢] قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: بَاعَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ مِنْ مُعَاوِيَةَ مَالا بِتِسْعِينَ أَلْفًا، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى فِي الْمَدِينَةِ: مَنْ أَرَادَ الْقَرْضَ فَلْيَأْتِ مَنْزِلَ قَيْسٍ. فَأَقْرَضَ أَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسِينَ وَأَجَازَ الْبَاقِي، وَكَتَبَ عَلَى مَنْ أَقْرَضَهُ صَكًّا، فَمَرِضَ مَرَضًا قَلَّ عُوَّادُهُ، فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ قَرِيبَةَ بِنْتِ أَبِي قُحَافَةَ أُخْتِ أَبِي بَكْرٍ: يَا قَرِيبَةُ، لِمَ تَرَيْنَ قَلَّ عُوَّادِي؟ قَالَتْ: لِلَّذِي عَلَيْهِمْ مِنَ الدَّيْنِ. فَأَرْسَلَ إِلَى كَلِّ رَجُلٍ صَكَّهُ. وقَالَ عُرْوَةُ: قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ: اللَّهمّ ارْزُقْنِي مَالا وَفِعَالا، فَإِنَّهُ لا يَصْلُحُ الْفِعَالُ إِلا بِالْمَالِ. أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن علي قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن بشران قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن صفوان قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدنيا قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سعد قال: قال الهيثم ابن عدي: توفي قيس بن سعد بن عبادة بالمدينة فِي آخر خلافة معاوية. ٤٠٠- معقل بن يسار بن عَبْد اللَّهِ، أبو عَبْد اللَّهِ. وقيل: أبو علي، المزني: [٣] صحب رسول الله ﷺ ، وشهد الحديبية، ورفع أغصان الشجرة عن رسول الله ﷺ يوم بايع أهلها، ولاه عمر البصرة، فحفر النهر المنسوب إليه: نهر معقل، وبنى بالبصرة دارا فنزلها.

стр. 1858

وَأَخْبَرَنَا مَوْهُوبُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ التُّسْتَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الصَّلْتِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا خَلادُ بْنُ أَسْلَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ قال: دخل عبيد الله بن زناد عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّثُكُ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ من رسول الله ﷺ : «من استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ/ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ من ١٣١/ أمسيرة مِائَةِ عَامٍ» قَالَ ابْنُ زِيَادٍ: أَلا حَدَّثْتَنِي قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَالَ مَعْقِلٌ: وَالْيَوْمَ لَوْ لَمْ أَكُنْ عَلَى حَالِي هَذِهِ لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ. ٤٠١- هند بنت أبي أمية، واسمه سهيل، وهي أم سلمة: كانت عند أبي سلمة، فهاجرت معه إلى الحبشة، وولدت له، وتوفي عنها فتزوجها رسول الله ﷺ فِي سنة أربع من الهجرة، وتوفيت فِي هذه السنة، وصلى عليها أبو هريرة، ودفنت بالبقيع، وكان لها يوم ماتت أربع وثمانون سنة .

стр. 1859

ثم دخلت سنة ستين فمن الحوادث فيها: غزوة مالك بن عبيد الله سورية [١] ، ودخول جنادة بن أبي أمية رودس، وهدمه مدينتها فِي قول الواقدي. وفِي هذه السنة: أخذ معاوية على الوفد الذين وفدوا [٢] إليه مع عبيد الله بن زياد البيعة لابنه يزيد، وعهد إلى ابنه يزيد حين مرض فيها، فقَالَ له: يا بني، إني قد كفيتك الرحلة والترحال، ووطأت لك الأشياء، وذللت لك الأعداء، وأخضعت لك أعناق العرب، وإني لأتخوف عليك أن ينازعك فِي هذا الأمر الذي اسندت لك إلا أربعة نفر من قريش: الحسين بن علي، وعَبْد اللَّهِ بن عمر، وعَبْد اللَّهِ بْن الزُّبَيْر، وَعَبْد الرَّحْمَنِ بْن أبي بكر. فأما عَبْد اللَّهِ بن عمر فرجل قد وقذته العبادة، وإذا لم يبق أحد غيره بايعك. وأما الحسين فإن أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه، فإن خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه، فإن له رحما ماسة وحقا عظيما وأما ابن أبي بكر فليست له همة إلا فِي النساء واللهو، فإن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثلهم، وأما الذي يجثم جثوم الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب فإذا أمكنته فرصة وثب فابن الزبير، فإن هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه إربا إربا [٣] .

стр. 1860

ولما اشتد مرض معاوية كان يزيد غائبا، فدعا بالضحاك بن قيس الفهري- وكان/ صاحب شرطته- ومسلم بن عقبة المري فأوصى إليهما فقَالَ: بلغا يزيد وصيتي: انظر أهل الحجاز فإنهم أهلك، فأكرم من قدم عليك منهم، وتعاهد من غاب، وانظر أهل العراق، فإن سألوك أن تعزل كل يوم عاملا فافعل، فإن عزل عامل أحب إلي من أن تشهر عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشام، فليكونوا بطانتك وعيبتك، فإن رابك شيء من عدوك فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم. وفِي هذه السنة توفي معاوية [١] ، وبويع لابنه يزيد [٢] .

стр. 1861

باب ذكر بيعة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان [١] ويكنى أبا خالد، ولد سنة ست وعشرين هو وعبد الملك، وأمه ميسون بنت بحدل، وكان له أولاد جماعة، فمنهم: معاوية ابنه، وولي الخلافة بعده أياما. ومنهم: عاتكة، تزوجها عبد الملك بن مروان، فولدت له أربعة أولاد، وهذه عاتكة كان لها اثنا عشر محرما كلهم خلفاء: أبوها يزيد، وجدها معاوية، وأخوها معاوية بن يزيد، وزوجها عبد الملك، وحموها مروان بن الحكم، وابنها يزيد بن عبد الملك، وابن أبيها الوليد بن يزيد، وبنو زوجها: الوليد، وسليمان، وهشام، وابنا ابن زوجها: يزيد وإبراهيم، ابنا الوليد بن عبد الملك. ولم يتفق مثل هذا [٢] لامرأة سواها. وقد أسند يزيد بن معاوية الحديث، فروى عن أبيه، عن رسول الله ﷺ . وإسنادنا إليه متصل، غير أن الإمام أَحْمَد سئل: أيروى عن يزيد [٣] الحديث؟ فقَالَ: لا، ولا كرامة، فلذلك امتنعنا أن نسند عنه. وقد ذكرنا [٤] أن معاوية لما مات كان ابنه يزيد غائبا، فلما سمع بموت أبيه معاوية قدم وقد دفن، فبويع له وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة وأشهر، فأقر عبيد الله بن زياد على البصرة، والنعمان بن بشير على الكوفة، وكان أمير مكة عمرو بن سعيد بن العاص، وأمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ولم يكن ليزيد هم حين ولي إلا

стр. 1862

بيعة النفر الذين أبوا على أبيه/ الإجابة إلى بيعة يزيد، فكتب إلى الوليد بن عتبة: ١٣٢/ أأما بعد، فخذ حسينا وعبد الله بن عمر، وعَبْد اللَّهِ بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا، والسلام. فبعث إلى مروان، فدعاه واستشاره وقَالَ: كيف ترى أن أصنع؟ قَالَ: إني أرى أن تبعث الساعة إلى هؤلاء النفر فتدعوهم إلى البيعة، فإن فعلوا قبلت، وإن أبوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإنهم إن علموا بموته وثب كل واحد منهم فِي جانب، فأظهر الخلاف والمنابذة، إلا أن ابن عمر لا أراه يرى القتال، ولا يحب الولاية، إلا أن تدفع إليه عفوا. وأرسل عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو بْن عثمان وَهُوَ غلام حدث إلى الحسين وابن الزبير يدعوهما، فوجدهما فِي المجلس جالسين فقالا: أجيبا الأمير. فقالا له: انصرف، فالآن نأتيه: ثم أقبل ابن الزبير على الحسين فقَالَ له: ما تظن فيما بعث إلينا؟ فقَالَ الحسين: أظن طاغيتهم قد هلك، وقد بعث هذا إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشوا الخبر. قَالَ: وأنا ما أظن غيره، فما تريد أن تصنع؟ قَالَ: اجمع فتياني الساعة، ثم أسير إليه، فإذا بلغت الباب احتبستهم. قال: فإني أخافه عليك إذا دخلت قَالَ: لا آتيه إلا وأنا على الامتناع. قَالَ: فجمع مواليه وأهل بيته، ثم قام يمشي حتى انتهى إلى باب الوليد وقَالَ لأصحابه: إني داخل، فإن دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فاقتحموا علي بأجمعكم، وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج. فدخل وعنده مروان، فسلم عليه بالإمرة وجلس، فأقرأه الوليد الكتاب، ونعى إليه معاوية، ودعاه إلى البيعة، فقَالَ الحسين إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦ رحم الله معاوية، وعظم لك الأجر، أما ما سألتني من البيعة فإن مثلي لا يعطي بيعته سرا، ولا أراك تجتزي مني سرا دون أن تظهرها على رءوس الناس علانية قَالَ: أجل، قَالَ: فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس/ فكان ١٣٢/ ب أمرا واحدا. فقَالَ له الوليد وكان يحب العافية، فانصرف على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس. فقَالَ له مروان. والله إن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينك وبينه، احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو

стр. 1863

تضرب عنقه. فوثب الحسين عند ذلك فقَالَ: يا ابن الزرقاء، أنت تقتلني أو هو؟ كذبت والله وأثمت. ثم خرج فقَالَ مروان: والله لا يمكنك من مثلها من نفسه، فقَالَ الوليد: والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت، وإني قتلت حسينا. وأما ابن الزبير فقَالَ: الآن آتيكم. ثم أتى داره، فكمن فيها، فأكثر الرسل إليه، فبعث إليه جعفر بن الزبير فقَالَ له: إنك [١] قد أفزعت عَبْد اللَّهِ [بكثرة] رسلك [٢] ، وهو يأتيك غدا إن شاء الله. وخرج ابن الزبير من ليلته، فتوجه نحو مكة هو وأخوه جعفر ليس معهما ثالث، وتنكب الجادة، فبعث وراءه من يطلبه فلم يقدروا عليه، وتشاغلوا عن الحسين ﵇ فِي ذلك اليوم، فخرج من الليل ببنيه وأخوته وبني أخيه وأهل بيته إلى مكة لليلتين بقيتا من رجب، فدخلها ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان، وكان مخرج ابن الزبير قبله بليلة. ثم بعث الوليد إلى عَبْد اللَّهِ بن عمر فقَالَ: بايع ليزيد، فقَالَ: إذا بايع الناس بايعت. وفِي هذه السنة: عزل يزيد الوليد بن عتبة عن المدينة [٣] ، عزله فِي رمضان، وأمر عليها عمرو بن سعيد، فقدمها، ووجه عمرو بن سعيد عمرو بن الزبير إلى أخيه عَبْد اللَّهِ بن الزبير ليقاتله، لما كان يعلم ما بينه وبين أخيه عَبْد اللَّهِ، ووجه معه أنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمائة- وقيل: فِي ألفين- فعسكر فِي الجرف [٤] فجاء مروان بن الحكم إلى عمرو بن سعيد، فقَالَ له: لا تقرب مكة [٥] واتق الله، ولا تحل حرمة البيت، وخلوا ابن الزبير فقد كبر وهو رجل لجوج. فقَالَ عمرو: والله لنقاتلنه في جوف ١٣٣/ أالكعبة/، وسار أنيس حتى نزل بذي طوى، وسار عمرو بن الزبير إلى أخيه الأبطح، فأرسل عمرو بن الزبير إلى أخيه أن الخليفة قد حلف لا يقبل منك حتى يؤتي بك في

стр. 1864

جامعة، فبر يمينه وتعال اجعل فِي عنقك جامعة من فضة. فأرسل ابن الزبير عَبْد اللَّهِ بن صفوان إلى أنيس فِي جامعة، فقاتلوه، فهزم أنيس وتفرق عن عمرو جماعة من أصحابه، واستعمل عمرو بن سعيد على شرطته مصعب بن عَبْد الرَّحْمَنِ بن عوف، وأمره بالشدة على الناس، فهدم الدور، وضرب الرجال، وأرسل إلى المنذر بن الزبير، فجاءوا به ملببا، فقَالَ المسور بن مخرمة: اللَّهمّ إنا نعوذ بك من أمر هذا أوله. فلما حضر وقت الحج حج عمرو، وأظهر السلاح وأظهر ابن الزبير السلاح. وفِي هذه السنة: وجه أهل الكوفة الرسل [١] إلى الحسين وهو بمكة يدعونه إلى القدوم عليهم، فوجه إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وكان أهل الكوفة قد بعثوا إلى الحسين ﵇ يقولون: إنا قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الجمعة، فأقدم علينا. فبعث إليهم مسلما لينظر ما قالوا، فخرج مسلم حتى أتى المدينة، فأخذ منها دليلين فمرا به فِي البرية، فأصابهم عطش، فمات أحد الدليلين [٢] . وكتب مسلم إلى الحسين يستعفيه، فكتب إليه: امض، فقدم الكوفة، فنزل على رجل من أهلها، يقال له ابن عوسجة، فلما تحدث أهل الكوفة بمقدمه دنوا إليه فبايعوه، فبايعه منهم اثنا عشر ألفا، فقام رجل ممن يهوى يزيد، إلى النعمان بن بشير، فقَالَ له: إنك ضعيف، قد فسد البلد. فقَالَ له النعمان: أكون ضعيفا في طاعة الله أحب إلي من أن أكون قويا فِي معصية الله. فكتب بقوله إلى يزيد، فولى الكوفة عبيد الله [٣] بن زياد إضافة إلى البصرة، وأمره أن يقتل مسلم بن عقيل، فأقبل عبيد الله فِي وجوه أهل البصرة، حتى قدم الكوفة متلثما، فلا يمر بمجلس من مجالسهم فيسلم إلا قالوا: وعليك السلام يا ابن بنت رسول الله. وهم يظنونه الحسين/ حتى نزل القصر، فقَالَ عبيد الله لمولى له: هذه ثلاثة آلاف ١٣٣/ ب درهم، خذها وسل عن الذي بايع أهل الكوفة، وأعلمه أنك من حمص، وقل له: خذ هذا المال تقوى به. فمضى فسلمه إليه، فتحول مسلم بن عقيل حينئذ من الدار التي

стр. 1865

كان فيها إلى منزل هانئ بن عروة المرادي، وكتب مسلم إلى الحسين ببيعة اثني عشر ألفا من أهل الكوفة، ويأمره بالقدوم، ثم دخل على عبيد الله بن زياد جماعة من وجوه أهل الكوفة، فقَالَ: ما بال هانئ بن عروة لم يأتني؟ فأخبروا هانئا، فانطلق إليه فقَالَ: يا هانئ، أين مسلم؟ قَالَ: لا أدري. فقَالَ عبيد الله لمولاه الذي أعطاه الدراهم: اخرج. فخرج، فلما رآه قَالَ: أصلح الله الأمير، والله ما دعوته إلى منزلي، ولكنه جاء فطرح نفسه عليّ، قال: ائتني به، قَالَ: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه. فضربه [على حاجبه] [١] فشجه، ثم حبسه فنادى مسلم أصحابه، فاجتمع إليه من أهل الكوفة أربعة آلاف، فمضى بهم إلى القصر، فأشرف أصحاب عبيد الله على أهاليهم يعدونهم ويقولون: غدا يأتيكم جنود الشام. فتسللوا، فما اختلط الظلام حتى بقي مسلم وحده، فأوى إلى امرأة، فعلم به ابنها، وكان عبيد الله قد نادى: إنه من وجد فِي داره فقد برئت منه الذمة، ومن جاء به فله ديته. فأخبر به، فبعث عبيد الله إليه صاحب الشرطة عمرو بن حريث، ومعه عَبْد الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّد الأشعث، فلم يعلم مسلم حتى أحيط بالدار، فخرج إليهم بسيفه فقاتلهم، فأعطاه عَبْد الرَّحْمَنِ الأمان، فأمكنه من يده، فحملوه على بغلة، وانتزعوا سيفه منه، فقَالَ: هذا أول الغدر. وبكى، فقيل له: من يطلب مثل هذا الذي تطلب إذا نزل به مثل هذا لم يبك. فقَالَ: والله ما أبكي على نفسي، بل على حسين وآل حسين. ثم التفت إلى عَبْد الرَّحْمَنِ فقَالَ: هل يستطيع أن يبعث من عندك رجلا على لساني، يبلغ حسينا، فإني لا أراه إلا قد خرج إليكم، فيقول له ارجع ولا تغتر بأهل الكوفة. ١٣٤/ أفبعث رجلا، فلقي/ الحسين بزبالة، فأخبره [الخبر] [٢] ، فقَالَ: كل ما حم نازل. ولما جيء بمسلم إلى عبيد الله بن زياد [٣] أخبره عَبْد الرَّحْمَنِ أنه قد أمنه، فقَالَ: ما أنت والأمان، إنما بعثناك لتجيء به لا لتؤمنه. فأمر به، فأصعد إلى أعلى القصر، فضربت عنقه، وألقى جثته إلى الناس، وأمر بهانئ، فقتل في السوق، وسحب إلى الكناسة، فصلب هناك.

стр. 1866

وقَالَ شاعرهم فِي ذلك: فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانئ فِي السوق وابن عقيل تري جسدا قد غير الموت لونه ... ونضح دم قد سال كل مسيل [١] أصابهما أمر الإمام فأصبحا ... أحاديث من يسعى بكل سبيل وفِي رواية أخرى: أن الحسين لما خرج من المدينة قيل له: لو تجنبت الطريق [٢] كما فعل ابن الزبير لأجل الطلب. قَالَ: لا والله، لا أفارقها حتى يقضي الله ما أحب. فاستقبله عَبْد اللَّهِ بن مطيع، فقَالَ له: جعلت فداك، أين تريد؟ قَالَ: أما الآن فمكة وما بعدها، فإنّي أستخير الله، فقال: خار الله لك، وجعلنا فداك، فإذا أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة، فإنها بلدة مشئومة، بها قتل أبوك، وخذل أخوك، واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه، الزم الحرم، فإنك سيد العرب، ولا يعدل بك أهل الحجاز أحدا، ويتداعى الناس إليك من كل جانب. فنزل مكة، واختلف أهلها إليه وأهل الآفاق، وابن الزبير لازم جانب الكعبة، فهو قائم يصلي عندها، ويطوف، ويأتي حسينا فيمن يأتيه، ويشير عليه، وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير لأنه قد علم أن أهل الحجاز لا يبايعونه أبدا ما دام حسين بالبلد، وقام سليمان بن صرد بالكوفة، فقَالَ: إن كنتم تعلمون أنكم تنصرون حسينا فاكتبوا إليه، وإن خفتم الفشل فلا تغروه. قالوا: بل نقاتل عدوه. فكتبوا إليه: بسم الله الرحمن الرحيم. لحسين بن علي من سليمان بن صرد، والمسيب بن نجية، ورفاعة بن شداد، وحبيب بن مظاهر وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة. سلام عليك، فإنا نحمد إليك الله الذي لا اله إلا هو، الحمد/ للَّه الذي قصم عدوك، وإنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله يجمعنا بك. ١٣٤/ ب فقدم الكتاب عليه بمكة لعشر مضين من رمضان، ثم جاءه مائة وخمسون كتابا من الرجل والاثنين والثلاثة، ثم جاءه كتاب آخر يقولون: حي هلا، فإن الناس ينتظرونك،

стр. 1867

فالعجل العجل. وتلاقت الرسل كلها عنده. فقرأ الكتب، وكتب مع هانئ بن هاني السبيعي، وسعيد بن عبيد الحنفِي [١] ، وكانا آخر الرسل: بسم الله الرحمن الرحيم. من حسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين. أما بعد، فإن هانئا وسعيدا قدما علي، وكانا آخر من قدم من رسلكم، وقد بعثت أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي وأمرت أن يكتب إلي بحالكم، فإن كتب إلي أنه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به علي رسلكم، قدمت عليكم إن شاء الله تعالى. فلما قتل [٢] مسلم بن عقيل وهانئ، وكان الحسين قد خرج من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة، وكان قد أشار عليه جماعة منهم ابن عباس أن لا يخرج، وكان من جملة ما قَالَ له: أتسير إلى قوم أميرهم عليهم قاهر لهم، وعماله تجبي بلادهم، فإنما دعوك إلى الحرب، ولا آمن أن يكذبوك. فقَالَ: أستخير الله، ثم عاد إليه فقَالَ له: إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك أهل العراق، فإنهم أهل غدر، أقم بهذا البلد فإنك سيد الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك (فاكتب إليهم) [٣] . فلينفوا عدوهم، وإن أبيت فسر إلى اليمن، فإن بها حصونا وشعابا، وهي أرض عريضة. فقَالَ: قد أجمعت المسير. قَالَ: فلا تسر بنسائك وصبيتك، فإني أخاف ما جرى لعثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه، ولقد أقررت عيني ابن الزبير بتخليتك إياه بالحجاز، والله لو أني أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علي وعليك الناس أطعتني لفعلت. ثم خرج، فلقي ابن الزبير، فقَالَ: قرت عينك، هذا حسين يخرج إلى العراق، ويخليك والحجاز، ثم أنشد مرتجزا متمثلا: / ١٣٥/ أ يا لك من قبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقّري [٤]

стр. 1868

وكتب عبيد الله إلى يزيد: أما بعد، فالحمد للَّه الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقه، وكفاه مئونة عدوه، إن مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة فكدتهما حتى استخرجتهما وضربت أعناقهما، وقد بعثت برأسيهما. فكتب إليه يزيد: إنك على ما أحب عملت عمل الحازم، وصلت صولة الشجاع، وقد بلغني أن الحسين قد توجه نحو العراق، فضع المناظر والمسالح، واحترس، واجلس [١] على الظنة، وخذ على التهمة، غير أن لا تقتل إلا من قاتلك، واكتب إلي فِي كل ما يحدث من خير إن شاء الله. قَالَ علماء السير: لما علم الحسين، بما جرى لمسلم بن عقيل هم أن يرجع، فقَالَ أخو مسلم: والله لا ترجع حتى نصيب [٢] بثأرنا. فقَالَ الحسين: لا خير فِي الحياة بعدكم. فسار فلقيته أوائل خيل عبيد الله، فنزل كربلاء، فضرب أبنيته، وكان أصحابه خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل. وفِي هذه السنة: حج بالناس عمرو بن سعيد، وكان عامل يزيد على مكة والمدينة لما نزع يزيد الوليد بن عتبة عن المدينة، وكان ذلك فِي شهر رمضان. فحج عمرو بالناس حينئذ، وكان على الكوفة والبصرة وأعمالها عبيد الله بن زياد، وعلى خراسان عَبْد الرَّحْمَنِ بن زياد، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٤٠٢- بلال بن الحارث، أبو عَبْد الرَّحْمَنِ [٣] وهو من بني قرة بن مازن، بعثه رسول الله ﷺ إلى مزينة ومعه عمرو بن عوف يستنفرانهم حين أراد أن يغزو مكة، وحمل بلال أحد ألوية مزينة الثلاثة التي عقدها لهم

стр. 1869

١٣٥/ ب رسول الله ﷺ يوم الفتح، وكان يسكن جبل مزينة ويأتي/ المدينة كثيرا. وتوفي فِي هذه السنة وَهُوَ ابْن ثمَانين سنة. ٤٠٣- خراش بن أمية بن ربيعة، أبو نضلة: شهد المريسيع والحديبية، وبعثه رسول الله ﷺ إلى قريش على جمل له يقول: إنما جئنا معتمرين ولم نأت لقتال، فعرفوا جمل رسول الله ﷺ ، وأرادوا قتال خراش فمنعه من هناك من قومه، فرجع وأخبر رسول الله ﷺ بما لقي، وقَالَ: ابعث أمنع مني، فدعا عمر فقَالَ: يا رسول الله، قد عرفت قريش عداوتي لها، وليس بها من بني عدي من يمنعني، فإن أحببت دخلت عليهم، فلم يقل لهم النبي ﷺ شيئا، فقَالَ عمر: لكني أدلك على رجل أعز مني بمكة وأكثر عشيرة، وأمنع: عثمان، فدعاه، فبعثه إليهم. وخراش هو الذي حلق رأس رسول الله ﷺ يوم الحديبية، وحلقه أيضا فِي عمرة الجعرانة، وما زال يغزو مع رسول الله ﷺ إلى أن قبض، ومات فِي آخر خلافة معاوية. ٤٠٤- صفوان بن المعطل بن رحضة بن المؤمل بن خزاعي، أبو عمرو [١] : أسلم قبل غزاة المريسيع، وشهدها مع رسول الله ﷺ ، وكان يومئذ على ساقة الناس من ورائهم، واتفق أن عقد عائشة ضاع، فأقامت على التماسه، فرحل القوم، فجاء صفوان فرآها، فأناخ بعيره، فركبت، فلحق بها الجيش، فتكلم أهل الإفك، فحلف صفوان لئن أنزل الله عذره ليضربن حسان بن ثابت بالسيف. فلما نزل العذر ضرب حسان بن ثابت بالسيف على كتفه، فأخذه قوم حسان، وأتوا به رسول الله ﷺ فدفعه إليهم ليقتصوا منه، فلما أدبروا بكى رسول اللَّه ﷺ ، فقيل لهم: هذا ١٣٦/ أرسول/ الله ﷺ يبكي. فترك حسان ذلك لرسول الله ﷺ ، فقَالَ النبي ﵇: دعوا حسان، فإنه يحب الله ورسوله، وأعطى رسول الله ﷺ حسانا شبرين عوضا. ثم شهد صفوان الخندق، والمشاهد بعدها، وكان مع كرز بن جابر فِي طلب العرنيين الذين أغاروا على لقاح رسول الله ﷺ . وتوفي بشمشاط فِي هذه السنة.

стр. 1870

٤٠٥- عَبْد اللَّهِ بن ثوب، أبو مسلم الخولاني [١] : أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَد قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ النَّوْفَلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْخَوْلانِيِّ قَالَ: بَيْنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ الْعَنسِيُّ بِالْيَمَنِ فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ فقَالَ لَهُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَسْمَعُ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: مَا أَسْمَعُ قَالَ: فَأَمَرَ بِنَارٍ عَظِيمَةٍ فَأُجِّجَتْ، فَطُرِحَ فِيهَا أَبُو مُسْلِمٍ فَلَمْ تَضَرَّهُ، فَقَالَ لَهُ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ: إِنْ تَرَكْتَ هَذَا فِي بِلادِكَ أَفْسَدَهَا عَلَيْكَ. فَأَمَرَهُ بِالرَّحِيلِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَامَ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ يُصَلِّي، فَبَصُرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: مِنَ الْيَمَنِ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ عَدُوُّ اللَّهِ بِصَاحِبِنَا الَّذِي حَرَقَهُ بِالنَّارِ فَلَمْ تَضُرَّهُ؟ فَقَالَ: ذَاكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَوْبٍ. قَالَ: نَشَدْتُكَ باللَّه أَنَّكَ هُوَ. قَالَ: اللَّهمّ نَعَمْ. قَالَ: فَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ بَيَنْهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ، وقَالَ: الْحَمْدُ للَّه الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى أراني مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ من فعل به كما فعل/ بإبراهيم ١٣٦/ ب خَلِيلِ الرَّحْمَنِ ﵇. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن ناصر الحافظ [٢] قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَد الحداد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بن محمد قال: حَدَّثَنَا أبو زرعة قَالَ: حَدَّثَنَا سعيد بن أسد، قَالَ: حَدَّثَنَا ضمرة عن عثمان بن عطاء، عن أبيه قَالَ: كان أبو مسلم الخولاني إذا انصرف من المسجد إلى أهله كبر على باب منزله، فتكبر امرأته، فإذا كان فِي صحن داره كبر فتجيبه امرأته. فانصرف ذات ليلة، فكبر عند باب داره، فلم يجبه أحد، فلما كان فِي الصحن كبر، فلم يجبه أحد، فلما كان فِي باب

стр. 1871

بيته [كبر] [١] فلم يجبه أحد، وكان إذا دخل بيته أخذت امرأته رداءه ونعليه، ثم أتته بطعامه. قالَ: فدخل، فإذا البيت فيه سراج، وإذا امرأته جالسة منكسة تنكث بعود معها، فقال لها: ما لك؟ قالت: أنت لك منزلة من معاوية، وليس لنا خادم، فلو سألته فأخدمنا وأعطاك. فقَالَ: اللَّهمّ من أفسد علي امرأتي فأعم بصره. قَالَ: وكانت قد جاءتها امرأة قبل ذلك فقالت: زوجك له منزلة من معاوية، فلو قلت له كتب إلى معاوية بخدمة ويعطيه عشتم. قَالَ: فبينا تلك المرأة جالسة فِي بيتها أنكرت بصرها، فقالت: ما لسراجكم طفئ؟ قالوا: لا فعرفت ذنبها، فأقبلت إلى أبي مسلم تبكي وتسأله أن يدعو لها الله أن يرد عليها بصرها. فرحمها أبو مسلم، فدعا الله فرد عليها بصرها. وفِي رواية: فرجعت. ٤٠٦- معاوية بن أبي سفيان [٢] : أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أخبرنا الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قال: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحسين بن الفهم قال: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ [٣] قَالَ: لَمَا ثَقُلَ مُعَاوِيَةُ وَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّهُ الْمَوْتُ، قَالَ لأَهْلِهِ: احْشُوا عَيْنَيَّ أَثْمِدًا، وَأَوْسِعُوا رَأْسِي دُهْنًا. فَفَعَلُوا، وَبَرَّقُوا وَجْهَهُ بالدهن، ثم مهّد له فجلس، فقال: ١٣٧/ أاسندوني. ثُمَّ قَالَ: ائْذَنُوا لِلنَّاسِ فَلْيُسَلِّمُوا/ قِيَامًا [٤] ، وَلا يَجْلِسُ أَحَدٌ. فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ قَائِمًا، فيراه مكتحلا مدهنا، فيقول: يَقُولُ النَّاسُ هُوَ لَمَّا بِهِ، وَهُوَ أَصَحُّ النَّاسِ. وَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: وَتَجَلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهِمُ ... أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لا أَتَضَعْضَعُ وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا ... أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لا تنفع [٥]

стр. 1872

قال: وكان به الثفاثة [١] مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ. قَالَ علماء السير [٢] : أوصى معاوية فقَالَ: شهدت رسول الله ﷺ يوما قلم أظفاره وأخذ من شعره، فجمعت ذلك فهو عندي، وأعطاني قميصه، فاجعلوه على جسدي، واسحقوا قلامة الأظفار فاجعلوها فِي عيني، واحشوا بالشعر فمي وأنفِي، فغشي، فأخرجت أكفانه فوضعت على المنبر، وقام الضحاك بن قيس الفهري خطيبا، فقَالَ: إن معاوية قد قضى نحبه، وهذه أكفانه، ونحن مدرجوه فيها، ومدخلوه قبره، ومخلوه وعمله، إن شاء ربه رحمه، وإن شاء عذبه. أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو الفضل قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر قال: حدثنا يعقوب بن سفيان قال: حدثني يحيى بن عبد الله، عن بكير، عن الليث قَالَ: توفي معاوية فِي رجب لأربع ليال خلت من سنة ستين، وكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر. وقيل: تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر. قَالَ الواقدي: وسبعة وعشرين يوما. واختلفوا فِي مدة عمره [٣] ، فقَالَ الزهري: خمسة وسبعون، وقيل: ثمان وسبعون، وقَالَ المدائني: ثلاث وسبعون، وقيل: ثمانون، وقيل: خمس وثمانون. ٤٠٧- النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة بن جلاس [٤] : أُمُّهُ عَمُرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ أُخْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وُلِدَ مِنَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَحَنَّكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَمْرَةٍ، فَتَلَمَّظَ بِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « [انْظُرُوا] [٥] إِلَى الأَنْصَارِ وحبها للتمر» .

стр. 1873

١٣٧/ ب توفي رسول الله ﷺ والنعمان بن بشير/ ابن ثماني سنين. وروى [عن رسول الله ﷺ [[١] ، وكان ممن نصر عثمان، وقدم بقميصه الذي قتل فيه على معاوية، وبعثه معاوية على الكوفة أميرا، فأقام بها واليا عليها سبعة أشهر، ثم آل الأمر إلى أن دعا لابن الزبير فقتله أهل حمص فِي هذه السنة. أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّارُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو الحسين محمد بن أحمد الأبنوسي قال: أخبرنا أبو الحسن الدار الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي قال: حدثنا عبد الله بن الْحُسَيْنِ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنِي الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: لَمَّا عُزِلَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ الْكُوفَةِ وَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ حِمْصَ، فَوَفَدَ عَلَيْهِ أعشى همدان، فقال له: ما أَقْدَمَكَ أَبَا الْمُصَبّحِ قَالَ: جِئْتُ لِتَصِلَنِيَ، وَتَحْفَظَ قَرَابَتِي، وَتَقْضِيَ دَيْنِي. فَأَطْرَقَ النُّعْمَانُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا [عِنْدِي] [٢] شَيْءٌ. ثُمَّ قَالَ: هِيهْ، كَأَنَّهُ ذكر شَيْئًا، فَقَامَ فصعد المنبر ثم قال: يا أَهْلَ حِمْصَ- وَهُمْ فِي الدِّيوَانِ عِشْرُونَ أَلْفًا- هَذَا ابْنُ عَمٍّ لَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَالشَّرَفِ، قَدِمَ عَلَيْكُمْ يَسْتَرْفِدُكُمْ، فَمَا تَرَوْنَ فِيهِ؟ فَقَالُوا: أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، احْكُمْ لَهُ. فَأَبَى عَلَيْهِمْ. قَالُوا: فَإِنَّا قَدْ حَكَمْنَا لَهُ عَلَى أَنْفُسِنَا مِنْ كُلِّ رَجُلٍ فِي الْعَطَاءِ بِدِينَارٍ مِنْ دِينَارَيْنِ تَعْجَلُهَا لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ. فَقَبَضَهَا وَأَنْشَأَ يَقُولُ: فَلَمْ أَرَ لِلْحَاجَاتِ عِنْدَ انْكِمَاشِهَا ... كَنُعْمَانَ نُعْمَانِ النَّدَى ابْنِ بَشِيرٍ إِذَا قَالَ أَوْفَى بِالْمَقَالَ وَلَمْ يَكُنْ ... كَمُدْلٍ إِلَى الأَقْوَامِ حَبْلَ غُرُورٍ مَتَى أَنجد النُّعْمَانَ لا أَكُ شَاكِرًا ... وَلا خَيْرُ [٣] من لا يقتدي بشكور

стр. 1874

ثم دخلت سنة إحدى وستين فمن الحوادث فيها: مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب ﵉ [١] وذلك أنه أقبل حتى نزل شراف، فبينما هم كذلك إذ طلعت عليهم الخيل، فنزل الحسين، ﵁، وأمر بأبنيته فضربت، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي- وكان صاحب شرطة ابن زياد- حتى وقفوا مقابل الحسين ﵇ فِي حر الظهيرة/، فأمر الحسين رجلا فأذن، ثم خرج فقَالَ: أيها الناس إنها معذرة إلى الله ١٣٨/ أوإليكم، إني لم آتكم حتى قدمت علي رسلكم، وأتتني كتبكم أن أقدم علينا، فليس لنا إمام، فإن كنتم كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه، فسكتوا عنه، وقالوا للمؤذن: أقم الصلاة، فأقام الصلاة، وصلى الحسين، وصلى الحر معه، ثم تراجعوا، فجاءت العصر، فخرج يصلي بهم وقَالَ: أتتني كتبكم ورسلكم، فقَالَ الحر: ما ندري ما هذه الكتب والرسل. فقَالَ: يا عقبة بن سمعان، أخرج إلي الخرجين. فأخرجهما مملوءين صحفا فنشرها بين أيديهم، فقَالَ الحر: إنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عُبَيْد الله بن زياد، فقَالَ الحسين: الموت أدنى [إليك] [٢] من ذلك. وقام فركب وركب أصحابه وقَالَ: انصرفوا

стр. 1875

بنا. فحالوا بينه وبين الانصراف، فقَالَ للحر: ثكلتك أمك، ما تريد؟ قَالَ: إني لم أومر بقتالك، إنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة، فإذا أبيت فخذ طريقا لا تدخلك الكوفة، ولا تردك المدينة حتى أكتب إلى ابن زياد، وتكتب أنت إلى يزيد أو إلى ابن زياد لعل الله أن يرزقني العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك، فتباشر الحسين والحر يسايره، ثم جاءه كتاب عبيد الله بن زياد أن جعجع [١] بالحسين حتى يبلغك كتابي، فأنزلهم الحر على غير ماء، ولا فِي قرية، وذلك فِي يوم الخميس ثاني المحرم، فلما كان من الغد قدم عمرو بن سعد من الكوفة فِي أربعة آلاف، وكان عبيد الله قد ولى عمرو بن سعد الري، فلما عرض أمر الحسين قَالَ له: اكفني أمر هذا الرجل، ثم اذهب إلى عملك. فقَالَ: أعفني فأبى. قالَ: أنظرني الليلة، فأخره فأنظر فِي أمره، [ثم أصبح] [٢] راضيا. فبعث إلى الحسين رجلا يقول له: ما جاء بك؟ فقَالَ: كتب إلي أهل مصركم، فإذا كرهتموني فإني أنصرف عنكم. وجاء كتاب عبيد الله إلى عمر: حل بين الحسين وأصحابه وبين الماء كما صنع بعثمان. فقَالَ: اختاروا مني واحدة من ثلاث: إما أن تدعوني فألحق ١٣٨/ ب بالثغور أو أذهب إلى يزيد، أو أنصرف/ من حيث جئت. فقبل ذلك عمرو، وكتب إلى عبيد الله بذلك، فكتب عبيد الله. لا ولا كرامة حتى يضع يده فِي يدي، فقَالَ الحسين: لا والله لا يكون ذلك أبدا. وفِي رواية: أن عبيد الله قبل ذلك، فقَالَ له شمر بن ذي الجوشن: والله إن رحل عن بلادك ولم يضع يده فِي يدك ليكونن أولى بالقوة والعز، ولتكونن أولى بالضعف، والعجز، ولكن لينزلن على حكمك هو وأصحابه، فقَالَ له عبيد الله. اخرج بكتابي إلى عمرو بن سعد، وليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي، فإن فعلوا فليبعث بهم إلي سلما، وإن أبوا فليقاتلهم، فإن فعل فاسمع له وأطع، وإن أبى أن يقاتلهم فأنت أمير الناس، فثب عليه فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه. وكتب عبيد الله: أما بعد، فإني لم أبعثك إلى حسين لتكف عنه ولا لتطاوله ولا لتمنيه السلامة، فانظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إليّ

стр. 1876

سلما، فإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم، فإن قتل حسين فأوطئ الخيل صدره وظهره، فإنه عاق قاطع، فإن مضيت لأمرنا جزيناك خيرا، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فإنا قد أمرناه، والسلام. فلما جاء شمر بالكتاب إلى عمرو وقرأه قَالَ: ويلك، لا قرب الله دارك، قبح الله ما قدمت به علي، والله إني لأظنك أنت ثنيته أن يقبل ما كتبت به إليه، وأفسدت علينا أمرا قد كنا رجونا أن يصلح، قَالَ: فقَالَ: أخبرني ما أنت صانع لأمر أميرك؟ أتقاتل عدوه، وإلا فخل بيني وبين الجند والعسكر. فقَالَ: لا، ولا كرامة، ولكن أنا أتولى ذلك. قَالَ: فدونك. فنهض إليه عشية الخميس لتسع مضين من المحرم، وجاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين فقَالَ: أين بنو أختنا؟ فخرج إليه العباس وعَبْد اللَّهِ وجعفر بنو علي، فقالوا: مالك وما تريد؟ قَالَ: أنتم يا بني أختي آمنون، قالوا: لعنك الله، ولعن أمانك، أتؤمننا وابن رسول الله ﷺ لا أمان له؟! فنادى عمرو: يا خيل اركبي وأبشري. فركب فِي الناس، ثم زحف نحوهم بعد صلاة العصر، وحسين جالس أمام بنيه مجتثيا بسيفه/ إذ خفق برأسه على ركبتيه، فسمعت أخته الضجة، فقالت: يا أخي، أما ١٣٩/ أتسمع الأصوات قد اقتربت؟ فرفع رأسه فقَالَ: إني رأيت رسول الله ﷺ فِي المنام فقَالَ لي: «إنك تروح إلينا» فلطمت أخته وجهها وقَالَ له العباس: يا أخي، أتاك القوم. فنهض وقَالَ: يا عباس، اركب [بنفسك] أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم ما لكم وما بدا لكم. فأتاهم العباس فِي نحو من عشرين فارسا، فقَالَ: ما تريدون؟ فقالوا: جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم. قالَ: فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عَبْد اللَّهِ فأعرض عليه ما ذكرتم. فوقفوا، فرجع إلى الحسين فأخبره الخبر، ثم رجع إليهم فقَالَ: يا هؤلاء، إن أبا عَبْد اللَّهِ يسألكم أن تنصرفوا هذه العشية حتى ننظر فِي هذا الأمر، فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله، وإنما أراد أن يوصي أهله، فقَالَ عمرو للناس: ما ترون؟ فقَالَ له عمرو بن الحجاج: سبحان الله، والله لو كان من الديلم، ثم سألك هذا لكان ينبغي أن تجيبه، فجمع الحسين أصحابه وقَالَ: إني قد أذنت لكم فانطلقوا فِي هذه الليلة، فاتخذوه جملا، وتفرقوا فِي سوادكم ومدائنكم، فإن القوم إنما يطلبوني، ولو قد

стр. 1877

أصابوني لهوا عن طلب غيري. فقَالَ أخوه العباس: لم نفعل ذلك لنبقى بعدك، لا أرانا الله ذلك أبدا. ثم تكلم إخوته وأولاده وبنو أخيه وبنو عَبْد اللَّهِ بن جعفر بنحو ذلك، فقَالَ الحسين: يا بني عقيل، حسبكم من الفتك بمسلم [١] ، اذهبوا فقد أذنت لكم. فقالوا: لا والله، بل نفديك بأنفسنا وأهلينا، فقبح الله العيش بعدك. وقَالَ مسلم بن عوسجة: والله لو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لرميتهم بالحجارة، وقَالَ سعيد بن عَبْد اللَّهِ الحنفِي: والله لا نخليك حتى يعلم الله أننا قد حفظنا غيبة رسول الله فيك، والله لو علمت أني أقتل، ثم أحيا، ثم أحرق حيا، ثم أذرى تسعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك. وتكلم جماعة [من] [٢] أصحابه بنحو هذا، فلما أمسى الحسين جعل يصلح سيفه ويقول مرتجزا: ١٣٩ / ب يا دهر أف لك من خليل ... / كم لك بالإشراق والأصيل من صاحب أو طالب قتيل فلما سمعه ابنه علي خنقته العبرة، فسمعته زينب بنت علي، فنهضت إليه وهي تقول: وا ثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت فاطمة أمي، وعلي أبي، يا خليفة الماضي، وثمال الباقي. فقَالَ لها الحسين: أخية، لا يذهب حلمك الشيطان. وترقرقت عيناه، فلطمت وجهها، وشقت جيبها، وخرت مغشية عليها. فقام إليها الحسين ﵇ فرش الماء على وجهها، وقَالَ: يا أخية اعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأهل السماء لا يبقون، ولي أسوة برسول الله ﷺ ، وإني أقسم عليك يا أخية لا تشقي علي جيبا ولا تخمشي وجها. وقام الحسين وأصحابه يصلون الليل كله، ويدعون، فلما صلى عمرو بن سعد الغداة- وذلك يوم عاشوراء- خرج فيمن معه من الناس، وعبأ الحسين أصحابه، وكانوا

стр. 1878

اثنين وثلاثين فارسا، وأربعين راجلا، ثم ركب الحسين دابته، ودعى بمصحف فوضعه أمامه، وأمر أصحابه فأوقدوا النار فِي حطب كان وراءهم لئلا يأتيهم العدو من ورائهم. فمر شمر فقَالَ: يا حسين، تعجلت النار فِي الدنيا. فقَالَ مسلم بن عوسجة: ألا رميته بسهم؟ فقَالَ الحسين: لا، إني لأكره أن أبدأهم، ثم قَالَ الحسين ﵇ لأعدائه [١] : أتسبوني؟ فانظروا من أنا، ثم راجعوا أنفسكم، فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي، ألست ابن بنت نبيكم؟ وابن ابن عمه؟ أليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ وجعفر الطيار عمي؟ فقَالَ شمر [بن ذي الجوشن] [٢] : عبدت الله على غير حرف إن كنت أدري ما تقول [٣] . فقَالَ: أخبروني، أتطلبوني بقتيل [٤] منكم قتلته؟ أو مال لكم أخذته!؟ فلم يكلموه. فنادى: يا شبث بن ربعي، يا قيس بن الأشعث، يا حجار، ألم تكتبوا إلي؟ قالوا: لم نفعل، فقَالَ: فإذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم. فقال له قيس: أو لا تنزل على حكم ابن عمك؟ فإنه لن يصل إليك منهم مكروه، فقَالَ: لا والله، لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل. فعطف عليه الحر فقاتل معه/ فأول من رمى عسكر الحسين ﵇ بسهم: ١٤٠/ أعمرو بن سعد، وصار يخرج الرجل من أصحاب الحسين فيقتل من يبارزه، فقَالَ عمرو بن حجاج للناس. يا حمقى. أتدرون من تقاتلون؟ هؤلاء فرسان المصر، وهم قوم مستميتون، فقَالَ عمرو: صدقت، فحمل عمرو بن الحجاج على الحسين، فاضطربوا ساعة، فصرع مسلم بن عوسجة أول أصحاب الحسين، وحمل شمر وحمل أصحاب الحسين ﵇ من كل جانب، وقاتل أصحاب الحسين قتالا شديدا، فلم يحملوا على ناحية إلا كشفوها، وهم اثنان وثلاثون فارسا، فرشقهم أصحاب عمرو بالنبل، فعقروا خيولهم، فصاروا رجالة، ودخلوا على بيوتهم، يقوضونها ثم أحرقوها

стр. 1879

بالنار، فقتل أصحاب الحسين كلهم وفيهم بضعة عشر شابا من أهل بيته منهم من أولاد علي ﵇: العباس، وجعفر، وعثمان، ومُحَمَّد، وأبو بكر. ومنهم من أولاد الحسين: علي، وعبد الله، وأبو بكر، والقاسم. ومنهم من أولاد عَبْد اللَّهِ بن جعفر: عون، ومُحَمَّد. ومن أولاد عقيل: جعفر، وعبد الرحمن، وعَبْد اللَّهِ، ومسلم، قتل بالكوفة. وقتل عَبْد اللَّهِ بن مسلم بن عقيل، ومُحَمَّد بن أبي سعيد بن عقيل، وقتل عبد الله بن يقطر رضيع الحسين. وجاء سهم فأصاب ابنا للحسين وهو فِي حجره، فجعل يمسح الدم عنه وهو يقول: اللَّهمّ احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا. فحمل شمر بن ذي الجوشن حتى طعن فسطاط الحسين برمحه، ونادى: علي بالنار حتى أحرق هذا البيت على أهله. فصاح النساء وخرجن من الفسطاط، وصاح به الحسين ﵇: حرقك الله بالنار. ثم اقتتلوا حتى وقت الظهر، وصلى بهم الحر صلاة الخوف، ثم اقتتلوا بعد الظهر، وخرج علي بن الحسين الأكبر فشد على الناس وهو يقول: أنا علي بن الحسين بن علي ... نحن ورب البيت أولى بالنبي ١٤٠/ ب/ تاللَّه لا يحكم فينا ابن الدعي فطعنه مرة بن منقذ فصرعه، واحتوشوه فقطعوه بالسيوف، فقَالَ الحسين: قتل الله قوما قتلوك يا بني، على الدنيا بعدك العفاء. وخرجت زينب بنت فاطمة [تنادي] [١] : يا أخاه يا ابن أخاه. وأكبت عليه، فأخذ بيدها الحسين فردها إلى الفسطاط، وجعل يقاتل قتال الشجاع، وبقي الحسين زمانا ما انتهى إليه رجل منهم [إلا] [٢] انصرف عنه وكره أن يتولى قتله، واشتد به العطش فتقدم ليشرب، فرماه حصين بن تميم بسهم فوقع فِي فمه، فجعل يتلقى الدم ويرمي به السماء ويقول: اللَّهمّ أحصهم عددا واقتلهم مددا، ولا تذر على الأرض منهم أحدا. ثُمَّ جعل يقاتل، فنادى شمر فِي الناس: ويحكم، ما تنتظرون بالرجل، اقتلوه.

стр. 1880

فضربه زرعة بن شريك على كتفه، وضربه آخر على عاتقه، وحمل عليه سنان بن أنس النخعي فطعنه بالرمح، فوقع، فنزل إليه فذبحه واجتز رأسه، فسلمه إلى خولى بن يزيد الأصبحي، ثم انتهبوا سلبه، فأخذ قيس بن الأشعث عمامته، وأخذ آخر سيفه، وأخذ آخر نعليه، وآخر سراويله، ثم انتهبوا ماله، فقَالَ عمرو بن سعد: من أخذ شيئا فليرده، فما منهم من رد شيئا. وجاء سنان حتى وقف على فسطاط عمرو بن سعد، ثم نادى: أوقر ركابي فضة وذهبا ... فقد قتلت السيد المحجبا قتلت خير الناس أما وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا فقَالَ له عمرو: يا مجنون، تتكلم بهذا الكلام؟ ثم قَالَ عمرو: من يوطئ فرسه الحسين؟ فانتدب أقوام بخيولهم حتى رضوا ظهره، وأمر بقتل علي بن الحسين، فوقعت عليه زينب وقالت: والله لا يقتل حتى أقتل. فرق لها وكف عنه. وبعث برأسه ورءوس أصحابه إلى ابن زياد، فجاءت كندة بثلاثة عشر رأسا وصاحبهم قيس بن الأشعث. وجاءت هوازن بعشرين رأسا وصاحبهم/ شمر بن ذي ١٤١/ أالجوشن، وجاءت بنو تميم بسبعة عشر، وبنو أسد بستة، وبنو مدحج بسبعة. فلما وصل رأس الحسين إلى ابن زياد جعل ينكث ثنيته بقضيب فِي يده، فقَالَ له زيد بن أرقم: والله الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول للَّه ﷺ على هاتين الشفتين [يقبلهما] [١] . ثم نصب رأس الحسين بالكوفة بعد أن طيف به، ثم دعي زفر بن قيس، فبعث معه برأس الحسين ورءوس أصحابه إلى يزيد، فلما دخل على يزيد قَالَ: ما وراءك؟ قَالَ: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره، ورد علينا الحسين فِي ثمانية عشر من أهل بيته، وستين من شيعته، فسرنا إليهم، فسألناهم أن يستسلموا أو ينزلوا على حكم ابن زياد أو القتال، فاختاروا القتال، فغدونا عليهم من شروق الشمس، فأحطنا بهم، فجعلوا يهربون إلى غير وزر ويلوذون منا بالآكام والحفر كما تلوذ الحمائم من

стр. 1881

صقر، فو الله ما كان إلا جزر جزور أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجردة، وخدودهم معفرة، تصهرهم الشمس، وتسفى عليه الريح، تزاورهم العقبان والرخم بقي سبسب [١] . فدمعت عينا يزيد وقَالَ: كنت أرضى من طاعتهم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن سمية، أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه. ثم جلس يزيد، ودعى أشراف أهل الشام، وأجلسهم حوله، ثم أدخلهم عليه. أَخْبَرَنَا [٢] عبد الوهاب بن المبارك قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال: أخبرنا الحسين بن علي الطناجيري قال: أخبرنا عمر بن أحمد بن شاهين قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سالم قَالَ: حَدَّثَنَا علي بن سهل قال: حدثنا خالد بن خداس قَالَ: حَدَّثَنَا حماد بن زيد، عن حميل بن مرة، عن أبي الوصي قال: ١٤١/ ب/ نحرت الإبل التي حمل عليها رأس الحسين وأصحابه، فلم يستطيعوا أكلها، كانت لحومها أمر من الصبر. قَالَ مؤلف الكتاب [٣] : ولما جلس يزيد وضع الرأس بين يديه وجعل ينكث بالقضيب على فيه ويقول: يفلقن هاما [٤] من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما فقَالَ أبو برزة- وكان حاضرا: ارفع قضيبك، فو الله لرأيت فاه رسول الله ﷺ علي فيه يلثمه. أَخْبَرَنَا ابن ناصر قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن أَحْمَد السراج قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو طاهر مُحَمَّد بن علي العلاف قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ أَخِي مِيمِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين بْنُ صَفْوَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن محمد القرشي قال: حدثني محمد بن صالح قال: حدثنا

стр. 1882

علي بن مُحَمَّد، عن خالد بن يزيد بن بشر السكسكي، عن أبيه، عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي قَالَ: قدم برأس الحسين، فلما وضع بين يدي يزيد ضربه بقضيب كان فِي يده، ثم قَالَ: يفلقن هاما من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما أنبأنا علي بن عبيد الله بن الزغواني قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو جعفر بن المسلمة، عن أبي عبيد الله المرزباني قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن أَحْمَد الكاتب قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّهِ بن أبي سعد الوراق قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى الأحمري قَالَ: حَدَّثَنَا ليث، عن مجاهد قَالَ: جيء برأس الحسين بن علي، فوضع بين يدي يزيد بن معاوية، فتمثل بهذين البيتين، يقول: ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل فأهلوا واستهلوا فرحا ... ثم قالوا لي: بقيت [١] لأتمثل قَالَ مجاهد: نافق فيها، ثم والله ما بقي من عسكره أحدا إلا تركه. قَالَ علماء السير: ثم [دعا] [٢] يزيد بعلي بن الحسين وصبيان الحسين ونسائه، فأدخلوا عليه/ فقَالَ لعلي: يا علي، أبوك الذي قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني ١٤٢/ أسلطاني، فصنع الله به ما رأيت. فقَالَ علي: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها ٥٧: ٢٢ [٣] . ثم دعا بالنساء والصبيان، فأجلسوا بين يديه، فرأى هيئة قبيحة، فقَالَ: قبح الله ابن مرجانة، لو كانت بينكم وبينه قرابة ما فعل بكم هذا. فرق لهم يزيد، فقام رجل أحمر من أهل الشام فقَالَ: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه- يعني فاطمة بنت علي- وكانت وضيئة، فارتعدت وظنت أنهم يفعلون،

стр. 1883

فأخذت بثياب أختها زينب- وكانت زينب أكبر منها- فقالت زينب: كذبت والله، ما ذلك لك ولا له. فغضب يزيد وقَالَ: كذبت، إن ذلك لي، ولو شئت أن أفعله لفعلته، قالت: كلا والله، ما جعل الله ذلك لك إلا أن يخرج من ملتنا ويدين بغير ديننا، فعاد الشامين فقام وقَالَ: هب لي هذه، فقَالَ: اغرب، وهب الله لك حتفا قاضيا، ثم قَالَ يزيد للنعمان بن بشير: جهزهم بما يصلحهم، وابعث معهم رجلا من أهل الشام أمينا صالحا يسير بهم إلى المدينة. ثم دخلن دار يزيد، فلم يبق من آل معاوية امرأة إلا استقبلتهن تبكي وتنوح على الحسين، وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا دعا علي بن الحسين، فدعاه يوما ودعا معه عمرو بن الحسين- وكان صغيرا- فقَالَ يزيد لعمرو: أتقاتل هذا؟ يعني ابنه خالدا. قَالَ: لا، ولكن أعطني سكينا وأعطه سكينا، ثم أقاتله. فقَالَ يزيد: سنة أعرفها من أحرم [١] ، ثم بعث بهم إلى المدينة، وبعث برأس الحسين إلى عمرو بن سعيد بن العاص- وهو عامله على المدينة- فكفنه ودفنه بالبقيع عند قبر أمه فاطمة. هكذا قَالَ ابن سعد. وذكر ابن أبي الدنيا أنهم وجدوا فِي خزانة يزيد رأس الحسين، فكفنوه، ودفنوه بدمشق عند باب الفراديس. ١٤٢/ ب ولما أتى أهل المدينة مقتل الحسين ﵇/ خرجت ابنة عقيل [٢] بن أبي طالب ومعها نساؤها حاسرة وهي تبكي وتقول: ماذا تقولون إن قَالَ النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم أفضل الأمم [٣] بعترتي وبأهلي عند منطلقي [٤] ... منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بشر فِي ذوي رحم أنبأنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن سليمان الطوسي قال: حدثنا الزبير بن

стр. 1884

بكار قَالَ: حدثني عمي مصعب بْن عَبْد اللَّهِ قَالَ: كان علي بن الحسين الأصغر مع أمه، وهو يومئذ ابن ثلاث وعشرين سنة، وكان مريضا، فلما قتل الحسين قَالَ عمرو بن سعد: لا تعرضوا لهذا المريض، قَالَ علي بن الحسين [١] : فغيبني رجل منهم فأكرم منزلي واختصني وجعل يبكي كلما دخل وخرج، حتى كنت أقول: إن يكن عند أحد خير فعند هذا. إلى أن نادى منادي عبيد الله بن زياد: ألا من وجد علي بن الحسين فليأت به، فقد جعلنا فيه ثلاثمائة درهم. قَالَ: فدخل علي والله وهو يبكي، وجعل يربط يدي إلى عنقي ويقول أخاف. وأخرجني إليهم مربوطا حتى دفعني إليهم وأخذ ثلاثمائة درهم وأنا أنظر، وأدخلت على ابن زياد فقَالَ: ما اسمك؟ فقلت: علي بن الحسين. فقال: أو لم يقتل الله عليا؟ قلت: كان أخي، يقال له علي أكبر مني، قتله الناس: قَالَ: بل الله قتله، قلت: الله يتوفى الأنفس حين موتها. فأمر بقتله، فصاحت زينب بنت علي: يا ابن زياد، حسبك من دمائنا، أسألك باللَّه إن قتلته إلا قتلتني معه. فتركه، فلما صار إلى يزيد بن معاوية قام رجل من أهل الشام فقَالَ: سباياهم لنا حلال، فقَالَ علي بن الحسين: كذبت، ما ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا، فأطرق يزيد/ مليا ثم قَالَ لعلي بن الحسين: إن أحببت أن تقيم، عندنا فنصل ١٤٣/ أرحمك فعلت، وإن أحببت وصلتك ورددتك إلى بلدك، قَالَ: بل تردني إلى المدينة. فوصله ورده. أخبرنا عبد الرحمن القزاز قال: أخبرنا أحمد [بن على] بن ثابت قال: أخبرنا علي بن أحمد الرزاز، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الصواف قَالَ: حَدَّثَنَا بشر بن مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عمر بن علي قَالَ: قتل الحسين بن علي سنة إحدى وستين، وهو يومئذ ابن ست وخمسين سنة، فِي المحرم يوم عاشوراء. وقد قَالَ جعفر بن مُحَمَّد: وهو ابن ثمان وخمسين سنة. وقَالَ أبو نعيم الفضل بن دكين: وهو ابن خمس وستين أو ست وستين.

стр. 1885

قَالَ مؤلف الكتاب: وهذا لا وجه له، فإنه إنما ولد فِي سنة أربع من الهجرة، ومن نظر في مقدار خلافة الخلفاء إلى زمان قتله علم أنه لم يصل إلى الستين. وقول جعفر بن مُحَمَّد أصح. وقَالَ هشام بن مُحَمَّد الكلبي: قتل سنة اثنتين وستين. وهو غلط. أَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ رِزْقٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن عُمَر الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَامِرِ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [١] قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ نِصْفَ النَّهَارِ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، بِيَدِهِ قَارُورَةٌ، فقلت: ما هذه القارورة؟ قَالَ: «دَمُ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ مَا زِلْتُ أَلْتَقِطُهُ مِنْذُ الْيَوْمِ» فَنَظَرْنَا فَإِذَا هُوَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْحُسَيْنُ. أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ قال: أخبرنا أحمد بن علي [٢] قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ ميَاحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَدَّادٍ الْمِسْمَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعْيَمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [٣] قال: ١٤٣/ ب أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ / إِنِّي قَتَلْتُ بِيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا سَبْعِينَ أَلْفًا، وَإِنِّي قَاتِلٌ بِابْنِ ابْنَتِكَ سَبْعِينَ أَلْفًا وَسَبْعِينَ أَلْفًا. وأَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الجبار قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد العتيقي قَالَ: سمعت أبا بكر مُحَمَّد بن الحسن بن عبدان الصيرفي يقول: سمعت جعفر الخلدي يقول: كان بي جرب عظيم فتمسحت بتراب قبر الحسين، فغفوت فانتبهت وليس علي منه

стр. 1886

شيء. وزرت قبر الحسين فغفوت عند القبر غفوة، فرأيت كأن القبر قد شق وخرج منه إنسان، فقلت: إلى أين يا ابن رسول الله؟ فقَالَ: من يد هؤلاء. وفِي هذه السنة: ولى يزيد بن معاوية سالم بن زياد سجستان وخراسان، فلما شخص خرج معه المهلب بن أبي صفرة، ويَحْيَى بن معمر فِي خلق كثير من أشراف البصرة وفرسانها، ورغب قوم في الجهاد، فطلبوا إليه أن يخرجهم، وخرج معه صلة بن أشيم، فخرج سالم وأخرج معه امرأته أم مُحَمَّد بنت عَبْد اللَّهِ بن عثمان بن أبي العاص، فغزا سمرقند، فهي أول امرأة من العرب قطع بها النهر، وكان عمال خراسان يغزون، فإذا دخل الشتاء قفلوا من مغازيهم إلى مرو، وإذا انصرف المسلمون اجتمع ملوك خراسان إلى مدينة من مدائن خراسان مما يلي خوارزم يتشاورون فِي أمورهم، وكان المسلمون يطلبون إلى أمرائهم غزو تلك المدينة فيأبون عليهم، فلما قدم سالم خراسان شتا فِي بعض مغازيه، فألح عليه المهلب وسأله أن يوجه إلى تلك المدينة، فوجهه فِي ستة آلاف- ويقال: فِي أربعة آلاف- فحاصرهم، فسألوه أن يصالحهم على أن يفدوا أنفسهم، فأجابهم فصالحوه على نيف وعشرين ألف ألف، فحظي بذلك المهلب عند سالم. وفِي هذه السنة، عزل يزيد عمرو بن سعيد بن العاص عن المدينة، وولاها الوليد بن عتبة، وذلك لهلال ذي الحجة. وسبب ذلك: أنه لما قتل الحسين قام ابن الزبير فِي مكة، فعظم مقتل الحسين ﵇، وعاب أهل الكوفة، ولام أهل العراق، فثار/ [إليه] [١] أصحابه، [فقالوا: ٤٤/ أأيها الرجل، لم يبق من بعد الحسين من ينازعك بيعتك. وقد كان بايع الناس] [٢] ، سرا وأظهر أنه عائذ بالبيت، فقَالَ لهم: لا تعجلوا، فلما علم يزيد ما قد جمع ابن الزبير من الجموع أعطى الله عهدا ليوثقن فِي سلسلة. فبعث سلسلة من فضة [٣] . وغلالة وابن

стр. 1887

الزبير [١] بمكة، وكاتبه أهل المدينة، وقيل ليزيد: لو شاء عمرو بن سعيد لأخذ ابن الزبير وبعث به إليك. فعزل عمرا وبعث الوليد أميرا. وفِي هذه السنة: حج بالناس الوليد بن عتبة، وكان عامل يزيد على المدينة، وكان على البصرة والكوفة: عبيد الله بن زياد، وعلى المدينة: الوليد بن عتبة- كما ذكرنا- وعلى خراسان وسجستان: سالم بن زياد. وعلى قضاء الكوفة: شريح، وعلى قضاء البصرة: هشام بن هبيرة. ذكر من توفي فِي هذه السنة من الأكابر ٤٠٨- جبير بن عتيك بن قيس، أبو عَبْد اللَّهِ [٢] : شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وكانت معه راية بني معاوية يوم الفتح. وتوفي فِي هذه السنة وهو ابن إحدى وسبعين سنة. ٤٠٩- الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈ [٣] : ولد فِي شعبان سنة أربع من الهجرة، وَآَذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أذنه، وكان له من الولد: علي الأكبر، وعلي الأصغر- وله العقب- وجعفر، وفاطمة، وسكينة. وقد ذكرنا مقتله كيف كان فِي الحوادث. أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري قال: أخبرنا أبو عمر بْن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف الخشاب قال: أخبرنا الحسين بن الفهم قال: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عمير قال:

стр. 1888

حج الحسين بن علي ﵇ خمسا وعشرين حجة ماشيا ونجائبه تقاد معه. وقيل: علي بن الحسين بن علي هو الذي حج ماشيا والنجائب تقاد خلفه، ﵁. / تم الجزء الخامس من كتاب «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» تأليف الشيخ ١٤٤/ ب الإمام العالم الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن الجوزي، عفا الله عنه. ويتلوه في [الجزء] السادس - شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري قال: أخبرنا أبو عمر بن حيويه قال: أخبرنا....

стр. 1889

[المجلد السادس] بسم الله الرّحمن الرّحيم وبه نستعين [تتمة سنة إحدى وستين] [تتمة ذكر من توفى من الأكابر ... ] ٤١٠- شيبة بن عثمان بن أبي طلحة [١] : أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمر بْنُ حَيْوَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حدثنا ابْن الفهم، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُ: كَانَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ يُحَدِّثُ عَنْ إِسْلامِهِ فَيَقُولُ [٢] : مَا رَأَيْتُ أَعْجَبَ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ لُزُومِ مَا مَضَى عَلَيْهِ آبَاؤُنَا مِنَ الضَّلالاتِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ عَنْوَةً، قُلْتُ: أسير مَعَ قُرَيْشٍ إِلَى هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ فَعَسَى أَنِ اخْتَلَطُوا أَنْ أُصِيبَ مِنْ مُحَمَّدٍ غِرَّةً فَأَثْأَرُ مِنْهُ، فَأَكُونُ أَنَا الَّذِي قُمْتُ بِثَأْرِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، وَأَقُولُ: لَوْ لَمْ يَبَقَ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ أَحَدٌ إِلا اتَّبَع مُحَمَّدًا مَا اتَّبَعْتُهُ أَبَدًا، فَلَمَّا اخْتَلَطَ النَّاسُ اقْتَحَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ عَنْ بَغْلَتِهِ، وَأَصَلْتُ السَّيْفَ [٣] فَدَنَوْتُ أُرِيدُ مَا أُرِيدُ مِنْهُ، وَرَفَعْتُ سَيْفِي فَرُفِعَ لِي شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ كَالْبَرْقِ حَتَّى كَانَ يُمْحِشُنِي، فَوَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى بَصَرِي خَوْفًا عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إلي رسول الله ﵌ فناداني: «يا شبيب [٤] ، ادْنُ مِنِّي» ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَمَسَحَ صَدْرِي وَقَالَ: «اللَّهمّ أعذه من الشيطان» . فو الله لهو كان سَاعَتَئِذٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سَمْعِي وَبَصَرِي وَنَفْسِي، فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي، ثُمَّ قَالَ: «ادن فقاتل» فتقدمت أمامه

стр. 1890

أَضْرِبُ بِسَيفِي، اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّ أَنْ أَقِيَهُ بِنَفْسِي كُلَّ شَيْءٍ، وَلَوْ لَقِيتُ تِلْكَ السَّاعَةَ أَبِي لَوْ كَانَ حَيًّا لأَوْقَعْتُ بِهِ السَّيْفَ، فَلَمَّا [١] تَرَاجَعَ الْمُسْلِمُونَ وَكَرُّوا كَرَّةً وَاحِدَةً [٢] ، قَرُبَتْ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَوَى عَلَيْهَا فَخَرَجَ فِي أَثَرِهِمْ حَتَّى تَفَرَّقُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَرَجَعَ إِلَى مُعَسْكَرِهِ/ فَدَخَلَ خِبَاءَهُ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «يَا شَيْبَةُ [٣] ، الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ بِكَ خَيْرٌ مِمَّا أَرَدْتَ بِنَفْسِكَ» ، ثُمَّ حَدَّثَنِي بِكُلِّ مَا أَضْمَرْتُ فِي نَفْسِي مِمَّا لَمْ أَكُنْ أَذْكُرُهُ لأَحَدٍ قَطُّ، فَقُلْتُ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله وأنك رسول الله، ثُمَّ قُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ. قال الواقدي: كان عثمان بن أبي طلحة يلي فتح البيت إلى أن توفي، فدفع ذلك إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وهو ابن عمه، فبقيت الحجابة في ولد شيبة. ٤١١- عبد المطلب بْن ربيعة بْن الحارث بْن عَبْد المطلب بن هاشم [٤] : صحب رسول الله ﷺ ، وروى عنه، ولم يزل بالمدينة إلى عهد عمر، ثم تحول إلى دمشق فابتنى بها دارا، وتوفي بها في خلافة يزيد [بن معاوية] [٥] ، وإليه أوصى. ٤١٢- ميمونة بنت الحارث، زوج رسول الله ﷺ [٦] : تزوجها في عمرة القضية بسرف، بعد أن خرج من مكة، وبنى بها هناك، واتفق أنها ماتت هناك في هذه السنة. ٤١٣- الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أبو وهب [٧] : قتل عقبة يوم بدر صبرا، وأسلم الوليد يوم فتح مكة، وبعثه رسول الله ﷺ علي صدقات بني المصطلق وخزاعة، وكانوا قد أسلموا وبنوا المساجد بساحاتهم، فخرجوا

стр. 1891

يتلقونه بالسلاح، [فظنهم محاربين، فرجع فأخبر النبي ﷺ أنهم لما رأوه لقوه بالسلاح] [١] ومنعوا الصدقة، فهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ يبعث إليهم بعثا، وبلغهم ذلك، فقدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: سله هل ناطقنا أو كلمنا حتى رجع ونحن قوم مؤمنون، فنزل على رسول الله ﷺ وهو يكلمهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ ... ٤٩: ٦ [٢] الآية. وولاه عمر صدقات بني تغلب، وولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص ثم عزله عنها، فلم يزل بالمدينة حتى بويع علي، فخرج إلى الرقة فنزلها معتزلا/ لعلي ومعاوية، فمات بها، وقبره على خمسة عشر ميلا من الرقة، كان له هناك ضيعة فمات بها.

стр. 1892

ثم دخلت سنة اثنتين وستين فمن الحوادث فيها مقدم وفد المدينة على يزيد ومبايعتهم محمد بن حنظلة [١] وكان السبب في ذلك أن يزيد لما عزل عمرو بن سعيد، وولى الوليد بن عتبة، قدم الوليد [المدينة] [٢] فأخذ غلمانا لعمرو، نحوا من ثلاثمائة فحبسهم، فكلمه فيهم عمرو فأبى أن يخليهم، فخرج عمرو من المدينة وكتب إلى غلمانه: إني باعث إلى كل رجل منكم جملا وأداته، تناخ لكم بالسوق [٣] ، فإذا أتاكم رسولي فاكسروا باب السجن، ثم ليقم كل رجل منكم إلى جمله فليركبه، ثم أقبلوا علي [٤] . ففعل ذلك، فقدم على يزيد، فرحب به وعاتبه على تقصيره في أشياء يأمره بها في ابن الزبير، فقال: يا أمير المؤمنين: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وإن جل أهل الحجاز مالوا إليه، ولم يكن معي جند أقوى عليه لو ناهضته، فكنت أداريه لأتمكن منه [٥] ، مع أني قد ضيقت عليه، فجعلت على مكة وطرقها رجالا لا يدعون أحدا يدخلها حتى يكتبوا لي اسمه واسم أبيه، وما جاء به، فإن كان ممن أرى أنه يريده رددته صاغرا، وقد بعثت الوليد وسيأتيك من عمله ما تعرف به فضل مبايعتي ومناصحتي.

стр. 1893

فعزل يزيد الوليد، وبعث عثمان بن محمد بن أبي سفيان وهو حدث لم يحنكه السن، وكان لا يكاد ينظر في شيء من عمله. وبعث إلى يزيد وفدا من المدينة فيهم عبد الله بن حنظلة الغسيل، والمنذر بن الزبير، فأكرمهم وأجازهم، ثم رجعوا إلى المدينة فأظهروا شتم يزيد وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير ويلعب بالكلاب، وإنا/ نشهدكم أنا قد خلعناه. وقال المنذر: والله لقد أجازني بمائة ألف درهم، وإنه لا يمنعني ما صنع إلي أن أصدقكم عنه، والله إنه ليشرب الخمر، وإنه ليسكر حتى يدع الصلاة. ثم بايعوا عبد الله بن حنظلة. وفيها: حج بالناس الوليد بن عتبة، وكان العمال على البلاد في هذه السنة هم العمال فِي السنة التي قبلها، وقد ذكرناهم. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر . ٤١٤- بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج، أبو عبد الله: [١] أسلم لما مر به النبي ﷺ في طريق الهجرة. وذلك أن رسول الله ﵌ لما خرج من مكة إلى المدينة فانتهى إلى الغميم أتاه بريدة بن الحصيب فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام هو ومن معه، وكانوا زهاء ثمانين بيتا، فصلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العشاء وصلوا خلفه ليلتئذ صدرا من سورة مريم، ثم قدم على رسول الله ﷺ [المدينة] [٢] بعد أن مضت بدر وأحد فتعلم بقية السورة، وغزا معه مغازيه [٣] بعد ذلك، واستعمله على أسارى المريسيع، وأعطاه لواء يوم الفتح، وبعثه على أسلم وغفار يصدقهم، وإلى أسلم لما أراد غزوة تبوك يستنفرهم، ولم يزل مقيما بالمدينة مع رسول الله ﷺ إلى أن توفي، فلما فتحت البصرة تحول إليها واختلط بها، ثم خرج

стр. 1894

غازيا إلى خراسان، فمات بمرو في خلافة يزيد. ٤١٥- الرّبيع بن خيثم، أبو يزيد الثوري [١] : روى عن ابن مسعود وغيره. أخبرنا علي بن عبد الواحد الدينَوَريّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن عُمَر القزويني، قَالَ: أخبرنا أبو بكر بن شاذان، قال: أخبرنا البغوي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حنبل، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن سعيد بن مسروق، قال: قال عبد الله للربيع بن خيثم [٢] : لو رآك رسول الله ﷺ / لأحبك. قال أحمد: وحدثني عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الواحد عن عبد الله بن الربيع، عن أبي عبيدة، قال: كان عبد الله يقول للربيع: ما رأيتك إلا ذكرت المخبتين [٣] . وكان الربيع إذا أتى عبد الله لم يكن عليه إذن حتى يفرغ كل واحد منهما من صاحبه، وكان الربيع إذا جاء إلى باب عبد الله يقول للجارية: من بالباب؟ فتقول الجارية ذلك الشيخ الأعمى. وروى سفيان [٤] بن نسير بن ذعلوق، عن إبراهيم التيمي، قال: أخبرنا من صحب [٥] الربيع بن خثيم عشرين عاما ما سمع منه كلمة تعاب. وأخبرنا سفيان، قال: أخبرتني سرية الربيع بن خيثم قالت:

стр. 1895

كان عمل الربيع بن خثيم كله سرا، كان ليجيء الرجل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه. ٤١٦- الرباب بنت امرئ القيس: [١] تزوجها الحسين بن علي ﵄، فولدت له سكينة، وكان يحبها حبا شديدا، ويقول: لعمرك إنني لأحب دارا ... تحل بها سكينة والرباب أحبهما وأبذل جل مالي [٢] ... وليس لعاتب عندي عتاب وكانت الرباب معه يوم الطف، فرجعت إلى المدينة مصابة مع من رجع، فخطبها الأشراف من قريش، فقالت: والله لا يكون حمو آخر بعد رسول الله ﷺ . فعاشت بعد الحسين ﵁ سنة لم يظلها سقف، فبليت وماتت كمدا. ٤١٧- علقمة بن قيس بن عبد الله، أبو شبل النخعي الكوفي: [٣] وهو عم الأسود وعبد الله ابني يزيد. وخال إبراهيم التيمي. روى عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وغيرهم. روى عنه أبو وائل، والشعبي، والنخعي وابن سيرين. وشهد حرب الخوارج بالنهروان، وكان/ من العلماء الربانيين، مقدما في الحديث والفقه والزهد والورع، وكان يشبه بابن مسعود. ٤١٨- عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عوف، أبو الضحاك: [٤] استعمله النبي ﷺ على نجران اليمن وهو ابن سبع عشرة سنة، وتوفي رسول
следующие страницы →