شعر أسود، فحضرت كتاب الوليد [بن عبد الملك] [١] يقرأ، يأمر بإدخال حجر أزواج النبي ﷺ [٢] في مسجد رسول الله ﷺ ، فما رأيت يوما باكيا أكثر بكاء من ذلك اليوم.
قال عطاء: فسمعت سعيد بن المسيب يقول يومئذ: والله لوددت أنهم تركوها على حالها فينشأ ناشئ من أهل المدينة، ويقدم القادم من الأفق فيرى ما اكتفى به رسول الله ﷺ في حياته فيكون ذلك مما يزهد الناس من التكاثر والتفاخر فيها.
قال معاذ: فلما فرغ عطاء الخراساني من حديثه، قال عمر بن أنس: كان بينها أربعة أبيات بلبن، لها حجر من جرائد، وكانت خمسة أبيات من جرائد مطينة لا حجر لها، على أبوابها المسوح من الشعر ذرعت الستر [منها] فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع، فأما ما ذكرت من كثرة البكاء فلقد رأيت في مجلس فيه نفر من أبناء أصحاب رسول الله ﷺ / منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، وخارجة بن زيد بن ثابت، وانهم ليبكون حتى أخضل لحاهم الدمع.
وقال يومئذ أبو أمامة: ليتها تركت فلم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء، ويرون ما رضي الله ﷺ ومفاتيح خزائن [٣] الدنيا بيده.
وفي هذه السنة كتب الوليد إلى عمر بحفر الآبار بالمدينة .
وبعمل الفوارة التي عند دار يزيد بن عبد الملك، فعملها وأجرى ماءها، فلما حج الوليد وقف فنظر إليها فأعجبته، وأمر أن يسقى أهل المسجد منها.
وفي هذه السنة بنى الوليد مسجد دمشق فانفق عليه مالا عظيما .
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بن أحمد السمرقندي، قال: أخبرنا
стр. 2172
عبد العزيز بن أحمد الكناني، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن الحسين الدوري، [قال: حدثنا أبو عمر محمد بن موسى بن فضالة، قال: حدثنا أبو قصي سعيد بن محمد بن إسحاق العدوي، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن [١]] ، قال: حدثنا الوليد بن مسلم. عن عمرو بن مهاجر، وكان على بيت مال الوليد بن عبد الملك، أنهم حسبوا ما انفق على الكرمة التي في قبلة مسجد دمشق فكانت سبعين ألف دينار.
قال أبو قصي: وحسبوا ما أنفق على مسجد دمشق، وكان أربعمائة صندوق، في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار.
قال أبو قصي: وأتاه حرسته فقالوا: يا أمير المؤمنين، ان أهل دمشق يتحدثون إن الوليد أنفق الأموال في غير حقها، فنادى: الصلاة جامعة، وخطب الناس فقال: إنه بلغني حرستي أنكم تقولون إن الوليد أنفق الأموال في غير حقها، ألا يا عمر بن مهاجر قم فأحضر ما قبلك من الأموال من بيت المال، قال: فأتيت البغال تحمل المال، وتصب في القبلة على الأنطاع حتى لم يبصر من في الشام من في القبلة، ولا من في القبلة من في الشام، وأتت الموازين- يعني القبابين فوزنت الأموال، وقال لصاحب الديوان:
أحضر من قبلك ممن يأخذ/ رزقنا، فوجدوا ثلاثمائة ألف ألف في جميع الأمصار، وحسبوا ما يصيبهم فوجد عنده رزق ثلاث سنين، ففرح الناس وكبروا وحمدوا الله ، وقال: إلى ما تذهب هذه الثلاث سنين قد أتانا الله بمثله ومثله، ألا وأني إنما رأيتكم يا أهل الشام تفخرون على الناس بأربع خصال فأحببت أن يكون مسجدكم الخامس، تفخرون على الناس بمائكم، وهوائكم، وفاكهتكم، وحماماتكم، فأحببت أن يكون مسجدكم الخامس، فاحمدوا الله تعالى فانصرفوا وهم شاكرين [داعين] [٢] .
وقد حكى محمد بن عبد الملك الهمداني، أن الجاحظ حكى عن بعض السلف أنه قال: ما يجوز أن يكون أحد أشد شوقا إلى الجنة من أهل دمشق لما يرون من حسن مسجدهم.
стр. 2173
قال: ودخله المأمون ومعه المعتصم ويحيى بن أكثم، فقال المأمون: أي شيء يعجبكم من هذا المسجد؟ فقال المعتصم: ذهبه فإنا نصنعه [١] فلا تمضى عشرون سنة حتى يتحول [٢] ، وهذا بحاله كأن الصانع قد فرغ منه الآن، فقال: ما أعجبني هذا، فقال يحيى بن أكثم: الذي أعجبك يا أمير المؤمنين تأليف رخامه [٣] فإن فيه عقودا ما يرى مثلها، قال: كلا، بل أعجبني أنه شيء على غير مثال شوهد.
قال: وأمر الوليد أن يسقف بالرصاص، فطلب من كل البلاد، وبقيت قطعة لم يوجد لها رصاص إلا عند امرأة، فأبت أن تبيعه إلا بوزنه ذهبا، فقال: اشتروه منها ولو بوزنه مرتين، ففعلوا ووزنوا مثله، فلما قبضته قالت: إني ظننت من صاحبكم أنه يظلم الناس في بنائه فلما رأيت إنصافه رددت الثمن. فلما بلغ ذلك الوليد أمر أن يكتب على صفائح المرأة للَّه، ولم يدخله فيما عمله، وفيما كتب عليه اسمه.
قال محمد بن عبد الملك: وقد قيل إنه أنفق عليه خراج الدنيا ثلاث مرات، وأنه بلغ ثمن البقل الذي أكله الصناع/ فيه ستة آلاف دينار، وكان فيه ستمائة سلسلة ذهب، فلم يقدر أحد أن يصلي فيه لعظم شعاعها فدخِّنت.
وعمل هذا الجامع في تسع سنين.
قال: وقال موسى بن حماد البربري: رأيت في مسجد دمشق كتابا بالذهب في الزجاج محفورا عليه سورة ألهاكم التكاثر إلى آخرها، ورأيت جوهرة حمراء ملصقة في قاف المقابر، فسألت عن ذلك، فقيل لي: كان للوليد ابنة ولها هذه الجوهرة، وكانت ابنة نفيسة فماتت، فأمرت أمها أن تدفن هذه الجوهرة معها في قبرها، فأمر الوليد بها فصيرت في قاف المقابر من ألهاكم التكاثر، ثم حلف لأمها أنه قد أودعها في المقابر فسكتت.
وفي هذه السنة حبس الوليد المجذمين أن يخرجوا على الناس، وأجرى عليهم أرزاقا.
стр. 2174
وفيها: غزا مسلمة الروم ففتح على يديه حصونا، وقتل من المستعربة نحو من ألف مع سبي الذرية وأخذ الأموال.
وفيها: حج بالناس عمر بن عبد العزيز، فأحرم من ذي الحليفة، وساق بدنا، فلما كان بالتنعيم لقيه نفر من قريش فأخبروه أن مكة قليلة الماء، وأنهم يخافون على الحاج العطش، فقال عمر: تعالوا ندعو الله تعالى فدعا ودعوا، فما وصلوا إلى البيت إلا مع المطر، فجاء سيل خاف منه أهل مكة، فكثر الخصب في تلك السنة. هذا في رواية الواقدي.
وزعم أبو معشر أن الذي حج بهم في هذه السنة عمر بن الوليد بن عبد الملك، وكان العمال على الأمصار من تقدم في السنة التي قبلها. [١] وما عرفنا من الأكابر أحدا توفي في هذه السنة.
стр. 2175
ثم دخلت سنة تسع وثمانين
فمن الحوادث فيها افتتاح المسلمين سورية [١]
وكان على الجيش مسلمة بن عبد الملك. وذكر/ الواقدي أن مسلمة والعباس دخلا جميعا في هذه السنة أرض الروم غازيين، ثم افترقا، فافتتح مسلمة حصن سورية، وافتتح أذرولية [٢] ، ووافق من الروم جمعا فهزمهم، وقصد مسلمة عمورية، وغزا الترك حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان، ففتح حصونا ومدائن وغزا العباس الصائفة من ناحية البدندون.
وفيها: غزا قتيبة بخارى، ففتح بعض بلدانها، ولقيه الصغد فظفر بهم [٣] .
وفي هذه السنة ابتدئ بالدعاء لبني العباس، وكان الدعاء لمحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وسمي بالإمام، وكوتب وأطيع [٤] ، ثم لم يزل الأمر ينمى ويقوى ويتزايد إلى أن توفي في سنة أربع وعشرين ومائة.
وفيها: حج بالناس عمر بن عبد العزيز، وكان العمال في هذه السنة على الأمصار من كان في السنة التي قبلها.
стр. 2176
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٥٠٨- ربيعة بن عباد الديلي:
من أصحاب رسول الله ﷺ ، غزا أفريقية مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة سبع وعشرين ...
روى عنه محمد بن المنكدر، وأبو الزناد، وبكير بن الأشج، [وغيرهم] .
توفي بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك.
٥٠٩-[عبد الله] بن محيريز، أبو محيريز:
أسند عن أبي سعيد، ومعاوية، وأبي محذورة.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد بإسناده عن بشير بن صالح، قال: دخل ابن محيريز حانوتا بدابق وهو يريد أن يشتري ثوبا، فقال رجل لصاحب الحانوت: هذا ابن محيريز، فأحسن بيعه، فغضب ابن محيريز وخرج وقال: إنما نشتري بأموالنا لسنا نشتري بديننا.
٥١٠- عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية:
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بن الحسن، / قال: أخبرنا علي بن محمد المعدل، قال: أخبرنا أبو علي بْن صفوان، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن عبيد، قال: قال الحسن بن عثمان: سمعت أبا العباس الوليد يقول عن عبد الرحمن بن جابر، قال:
كان عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية خلا لعبد الملك بن مروان، فلما مات عبد الملك وتصدع الناس عن قبره وقف عليه، فقال: أنت عبد الملك الذي كنت تعدني فأرجوك، وتتوعدني فأخافك، أصبحت وليس معك من ملكك غير ثوبيك، وليس لك غير أربعة أذرع في عرض ذراعين من الأرض، ثمّ انكفأ إلى أهله واجتهد في العبادة حتى صار كأنه شن.
قال: فدخل عليه بعض أهله فعاتبه في نفسه وإضراره بها، وقال للقائل: أسألك عن شيء تصدقني عنه؟ قال: نعم، قال: أخبرني عن حالك التي أنت عليها، أترضاها للموت؟ قال: اللَّهمّ لا، قال: فعزمت على الانتقال منها إلى غيرها، قال، ما انتصحت
стр. 2177
رأي في ذلك، قال: أفتأمن أن يأتيك الموت على حالك التي أنت عليها، قال: اللَّهمّ لا، قال: فحال ما أقام عليها عاقل، ثم انكفأ إلى مصلاه.
٥١١- عمران بن حطان السدوسي البصري:
روى عن أبي موسى، وابن عمر، وعائشة. وروى عنه محمد بن سيرين، ويحيى بن أبي كثير. وكان شاعرا.
أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَلي الصيرفي، قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بن محمد العلاف، قال:
أخبرنا ابن بشران، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم الكندي، قال: أخبرنا محمد بن جعفر الخرائطي، قال: حدثنا أحمد بن علي الأنباري، قال: أخبرنا الحسن بن عيسى، عن أبي الحسن المدائني، قال:
دخل عمران بن حطان على امرأته- وكان عمران قبيحا دميما قصيرا- وقد تزينت، وكانت امرأة حسناء، فلما نظر إليها ازدادت في عينه حسنا، فلم يتمالك أن يديم النظر إليها، فقالت: ما شأنك، فقال: لقد أصبحت والله جميلة، فقالت: أبشر فإني وإياك في الجنة، قال: ومن أين علمت ذلك؟ قالت: لأنك أعطيت/ مثلي فشكرت، وابتليت بمثلك فصبرت، والصابر، والشاكر في الجنة.
٥١٢- مذعور:
كان من كبار الصالحين. قال مطرف: ما تحاب اثنان في الله إلا كان أشدهما حبا لصاحبه أفضلهما، وأنا لمذعور أشد حبا، وهو أفضل مني، فكيف هذا؟ قال: فلما أمر بالرهط أن يخرجوا إلى الشام أمر بمذعور فيهم. قال: فلقيني فأخذ بلجام دابتي، فجعلت كلما أردت أن أنصرف منعني، فقلت: إن المكان بعيد، فجعل يحبسني، فقلت: أنشدك الله إلا تركتني فيم تحبسني، [فلما نشدته] [١] قال: كلمة يخفيها جهده مني، اللَّهمّ فيك، فعرفت أنه أشد حبا لي منه.
٥١٣- يزيد بن مرثد، أبو عثمان الهمداني: [٢]
أسند عن معاذ، وأبي الدرداء. وكان كثير البكاء.
стр. 2178
قرأت على أبي الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْحَرِيرِيُّ، عَنْ أَبِي طَالِبٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ العشاري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخوارزمي، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَكِّي، قَالَ: أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا منصور بن عمار، قال: حدثنا الوليد بْن مسلم، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن يزيد بن جابر، قال:
قلت ليزيد بن مرثد: ما لي لا أرى عيناك تجفان من الدموع، قال: وما سؤالك عن هذا؟ قلت: عسى أن ينفعني الله به، قال: هو ما ترى، قلت: [١] هكذا تكون في خلواتك قال: والله إن ذلك ليعتريني وقد قرب إلي طعامي فيحول بيني وبين أكله، وإن ذلك ليعتريني وقد دنوت من أهلي فيحول بيني وبين ما أريد حتى تبكي أهلي لبكائي ويبكي صبياننا وما يدرون ما يبكينا، وحتى تقول زوجتي: يا ويحها، ماذا خصت به من نساء المسلمين من الحزن معك، ما ينفعني معك عيش، ولا تقر عيني بما تقر به عين النساء مع أزواجهن، قلت: يا أخي ما الذي أحوجك؟ قال: والله يا أخي لو أن الله تعالى لم يتواعدني إن أنا عصيته إلا أن يحبسني في حمام لكنت حريا أن لا تجف لي دمعة، فكيف وقد تواعدني أن يسجنني في النار.
[وروي] [٢] / عن سويد بن عبد العزيز، عن الوضين بن عطاء، قال: أراد الوليد بن عبد الملك أن يولي يزيد بن مرثد فبلغ ذلك يزيدا، فلبس فروة وقلبها فجعل الجلد على ظهره والصوف خارجا، وأخذ بيده رغيفا وعرقا، وخرج بلا رداء ولا قلنسوة ولا نعل ولا خف، وجعل يمشي في الأسواق ويأكل، فقيل للوليد: يزيد قد اختلط، وأخبر بما فعل، فتركه.
٥١٤- يحيى بن يعمر، أبو سليمان الليثي البصري [٣] :
كان صاحب علم بالقرآن والعربية. روى عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي الأسود
стр. 2179
الديليّ [١] . وروى عنه عبد للَّه بن أبي بريدة، وإسحاق بن سويد. ونزل مرو، وولي القضاء، وكان عالما فصيحا ثقة.
قال الأصمعي: كان يحيى قاضيا فتقدم إليه رجل وامرأته، فقال يحيى للرجل:
أرأيت إن سألتك حق شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها. قال: يقول الرجل لامرأته:
لا والله لا أدري ما يقول قومي حتى تنصرف [شبرة] تطلها: تبطل حقها. وتضهلها:
تعطيها حقها قليلا قليلا، والكناية بالشكر والشبر عن النكاح.
стр. 2180
ثم دخلت سنة تسعين
فمن الحوادث فيها.
غزوة مسلمة بن عبد الملك أرض الروم، ففتح حصونا خمسة بسورية.
وفيها: غزا العباس بن الوليد حتى بلغ الأردن [١] ، وقيل: بل بلغ سورية.
وفيها: قتل محمد بن القاسم الثقفي ملك السند، وكان على جيش من قبل الحجاج.
وفيها: ولى الوليد قرة بن شريك على مصر موضع عبد الله بن عبد الملك.
وفيها: أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، فذهبوا به إلى ملكهم، فأهداه ملك الروم إلى الوليد بن عبد الملك.
وفيها: فتح قتيبة [بن مسلم بخارى وهزم جموع العدو بها.
وفيها: جدد قتيبة] [٢] الصلح بينه وبين طرخون ملك الصغد. وذلك أنه لما أوقع/ قتيبة بأهل بخاري ففض جمعهم هابه أهل الصغد، فرجع طرخون ملك الصغد حتى وقف قريبا من عسكر قتيبة وبينهم نهر بخارى، فسأل أن يبعث إليه رجلا يكلمه، فبعث قتيبة إليه رجلا، فسأل الصلح على فدية يؤديها، فأجابه قتيبة.
стр. 2181
وفيها: [١] غدر نيزك، فنقض الصلح الذي كان بينه وبين المسلمين، وامتنع بقلعة، فغزاه قتيبة.
وذلك أن قتيبة فصل من بخارى ومعه نيزك وقد ذعره ما رأى من الفتوح، وخاف قتيبة فاستأذنه في الرجوع إلى بخارى فأذن له، فذهب وخلع قتيبة وكتب إلى جماعة من الملوك منهم ملك الطالقان فوافقوه على ذلك وواعدوه الغزو معه في الربيع، فبعث قتيبة أخاه عبد الله إلى بلخ في اثني عشر ألفا، وقال: أقم بها ولا تحدث شيئا، فإذا انكسر الشتاء فعسكر، واعلم أني قريبا منك، فدخل قتيبة الطالقان، فأوقع بأهلها البلاء، وقتل منهم قتلة عظيمة، وصلب منهم سماطين أربعة فراسخ في نظام واحد.
وقيل: كان هذا في سنة إحدى وتسعين.
وفي هذه السنة هرب [٢] يزيد بن المهلب بإخوته الذين كانوا في سجن الحجاج .
فلحقوا بسليمان بن الملك مستجيرين به من الحجاج، والوليد بن عبد الملك.
وسبب ذلك وسبب خلاصهم أن الحجاج خرج إلى رستقباذ للبعث، لأن الأكراد كانوا قد غلبوا على عامة أرض فارس، فخرج بيزيد وبإخوته المفضل وعبد الملك حتى قدم بهم رستقباذ، فجعلهم في عسكره، وجعل عليهم كهيئة الخندق، وجعلهم في فسطاط قريبا من حجرته، وجعل عليهم حرسا من أهل الشام، وأغرمهم ستة آلاف ألف، وأخذ يعذبهم، وكان يزيد يصبر صبرا حسنا، وكان ذلك يغيظ الحجاج، فبعثوا إلى مروان بن المهلب وهو بالبصرة ليهيئ لهم الخيل، وصنع يزيد طعاما كثيرا، فأطعم الحرس وسقاهم، ولبس يزيد ثياب طباخه، ووضع على لحيته لحية بيضاء وخرج فرآه [٣] / بعض الحرس في الليل فقال: كأنه يزيد، ثم طالعه فقال: هذا الشّيخ. وخرج المفضل في أثره ولم يفطن له، فجاءوا إلى سفن قد هيئوها في البطائح، وبينهم وبين البصرة ثمانية عشر فرسخا، فأبطأ عليهم عبد الملك وشغل عنهم، ثم جاء فركبوا السفن وساروا ليلتهم حتى أصبحوا، ولما أصبح الحرس علموا بذهابهم، ورفع ذلك إلى
стр. 2182
الحجاج، ففزع وذهب وهمه إلى أنهم ذهبوا قبل خراسان، وبعث إلى قتيبة بن مسلم يحذره قدومهم، ويأمره أن يستعد لهم، وكان يظن أن يزيد يريد ما أراد ابن الأشعث، ولما دنا يزيد من البطائح استقبلته الخيل، قد هيئت له ولأخوته، فخرجوا عليها ومعهم دليل من كلب [١] ، فأخذ بهم على السماوة، فنزل يزيد على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي، وكان كريما على سليمان، فجاء وهيب حتى دخل على سليمان، فقال: هذا يزيد وإخوته في منزلي وقد أتوا هرابا من الحجاج متعوذين بك، قال: فأتني بهم فإنهم آمنون، لا يوصل إليهم أبدا وأنا حي، فجاء بهم حتى أدخلهم عليه.
وكتب الحجاج: إن آل المهلب خانوا مال الله وهربوا مني ولحقوا بسليمان، وكان الوليد قد أمر الناس بالتهيؤ إلى خراسان ظنا منه أن يزيد قد ذهب إلي ثمّ، فلما عرف هذا هان عليه الأمر، وكتب سليمان إلى الوليد: إنما على يزيد ثلاثة آلاف ألف، والحجاج قد أغرمهم ستة آلاف ألف، [فأدوا ثلاثة آلاف ألف، وبقي ثلاثة آلاف ألف] [٢] ، فهي علي.
فكتب إليه: لا والله لا أؤمنه حتى تبعث به إلي، فكتب إليه: لئن أنا بعثت به إليك لأجيئن معه، فأنشدك الله أن تفضحني ولا تخفرني. فكتب إليه: والله لئن جئتني لا أؤمنه. فقال يزيد: ابعثني إليه، والله ما أحب أن أوقع بينك وبينه عداوة، فابعثني وأرسل معي ابنك، واكتب إليه باللطف [٣] . فأرسل معه ابنه أيوب، فقال: يا أمير المؤمنين، نفسي فداؤك، لا تخفر ذمة أبي. فأمنه وعاد إلى سليمان، فمكث عنده تسعة أشهر وتوفي الحجاج.
وفي هذه السنة [٤] حج [بالناس] عمر بن عبد العزيز [٥] ، وكان عامل الوليد على مكة والمدينة
стр. 2183
والطائف، وكان على العراق/ والمشرق الحجاج بن يوسف، وكان عامل الحجاج على البصرة الجراح بن عبد الله، وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة، وعلى الكوفة زياد بن جرير بن عبد الله، وعلى قضائها ابن أبي موسى، وعلى خراسان قتيبة بن مسلم، وعلى مصر قرة بن شريك
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٥١٥- رفيع أبو العالية الرياحي: [١]
أعتقته امرأة من بني رياح. قال: كنت مملوكان لأعرابية، فدخلت المسجد معها، فوافينا الإمام على المنبر، فقبضت على يدي وقالت: اللَّهمّ أذخره عندك ذخيرة، اشهدوا يا أهل المسجد أنه سائبة للَّه، ثم ذهبت، فما تراءينا بعد.
أسند أبو العالية عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وأبي، وأبي موسى، وأبي هريرة، وابن عباس. وكان عالما ثقة.
أخبرنا ابن ناصر بإسناده عن سفيان بن عيينة، عن عاصم، قال: كان أبو العالية إذا جلس إليه أكثر من أربعة قام [٢] .
٥١٦- عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة:
وكان شاعرا مجيدا، وهو القائل لما بلغ بلكثة الشام.
بينما نحن في بلاكث بالقاع ... سراعا والعيش تهوي هويا
стр. 2184
خطرت خطرة على القلب ... من ذكراك وهنا فما أطقت مضيا
قلت للشوق إذ دعاني لبيك ... وللحادثين ردي المطيا
٥١٧- مرثد بن عبد الله، أبو الخير الكلاعي اليزني:
يروي عن أبي أيوب الأنصاري، وزيد بن ثابت، وعقبة بن عامر، ومالك بن هبيرة، وعمرو بن العاص، وغيرهم.
وكان مفتي أهل مصر في أيامه.
توفي في هذه السنة.
стр. 2185
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين
فمن الحوادث فيها غزاة عبد العزيز بن الوليد الصائفة .
وكان على الجيش مسلمة بن عبد الملك/.
وفيها غزا مسلمة الترك .
حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان، ففتح على يديه مدائن وحصون.
وفيها سار قتيبة إلى مروالروذ .
فبلغ الخبر إلى مرزبانها، فهرب إلى الفرس، فقدم قتيبة فأخذ ابنين له فقتلهما وصلبهما، ومضى إلى الفارياب، فخرج إليه ملك الفارياب مذعنا [١] مطيعا فرضي عنه واستعمل عليها رجلا من باهلة، وبلغ الخبر صاحب الجوزجان، فترك أرضه وخرج إلى الجبال هاربا، وسار قتيبة إلى الجوزجان، فلقيه أهلها مطيعين، فقبل منهم واستعمل عليها عامر بن مالك، وما زال ينصب المنجنيق على بلدة، ويحرق بلدة، ويبالغ في الجهاد حتى قتل في مكان واحد اثني عشر ألفا.
وفي هذه السنة ولى الوليد خالد بن عبد القسري مكة .
فلم يزل واليا إلى أن مات الوليد، فخطب خالد الناس في ولايته، فقال: إني والله
стр. 2186
ما أوتي بأحد يطعن على إمامه إلا صلبته في الحرم.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال:
أخبرنا محمد بن عامر بن بكير، قال: أخبرنا هارون بن عيسى بن المطلب الهاشمي، قال: أخبرنا إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى، قال: حدثنا محمد بن الوليد المخزومي، قال: حدثنا القاسم بن أبي سفيان، قال: حدثنا عبد الرحمن بن حبيب بن أبي حبيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت خالد بن [عبد الله] القسري يخطب الناس فقال:
من كان منكم يريد أن يضحي فلينطلق فليضح فبارك الله له في أضحيته، فإنّي مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا، فسبحان الله عما يقول الجعد علوا كبيرا، ثم نزل فذبحه.
[وفي هذه السنة حج الوليد بن عبد الملك]
حج الوليد بن عبد الملك. قال الواقدي: حدثني موسى بن أبي بكر، قال:
حدثنا صالح بن كيسان، قال: فلما حضر قدوم الوليد أمر عمر بن عبد العزيز عشرين/ رجلا من قريش يخرجون معه، فخرجوا فلقوه بالسويداء، فلما دخل إلى المدينة غدا إلى المسجد ينظر إلى بنائه، فأخرج الناس منه، فما ترك فيه أحد، وبقي سعيد بن المسيب ما يجترئ أحد من الحرس أن يخرجه، وما عليه إلا ريطتان ما تساويان خمسة دراهم في مصلاه، فقيل له: لو قمت، قال: والله لا أقوم حتى يأتي الوقت الذي كنت أقوم فيه، فقيل له: لو سلمت على أمير المؤمنين، فقال: لا والله لا أقوم إليه.
قال عمر بن عبد العزيز: فجعلت أعدل بالوليد في ناحية المسجد رجاء ألا يرى سعيد بن المسيب حتى يقوم، فحانت من الوليد التفاتة- أو قال: نظرة- إلى القبلة، فقال من ذلك الجالس؟ أهو الشيخ سعيد بن المسيب؟ فقال عمر: نعم يا أمير المؤمنين، من حاله ومن حاله ... ولو علم مكانك لقام مسلما عليك، فدار في المسجد حتى وقف [على القبر، ثم أقبل حتى وقف] [١] على سعيد بن المسيب، فقال:
стр. 2187
كيف أنت أيها الشيخ؟ [فو الله ما تحرك سعيد ولا قام] [١] فقال: بخير والحمد للَّه، فكيف أمير المؤمنين وكيف حاله؟ فقال الوليد: بخير والحمد الله فانصرف وهو يقول: لعمر: هذا بقية الناس، فقال: أجل يا أمير المؤمنين.
وقسم الوليد بالمدينة رقيقا كثيرا بين الناس، وآنية من ذهب وفضة وأموالا، وخطب بها يوم الجمعة وصلى بهم.
قال الواقدي: وقدم بطيب وكسوة للكعبة.
قال المدائني: وحج محمد بن يوسف من اليمن، وحمل هدايا للوليد، فقالت أم البنين للوليد: اجعل لي هدية محمد بن يوسف، فأمر بصرفها إليها، فجاءت أم البنين إلى محمد فيها، فأبى وقال: حتى ينظر إليها أمير المؤمنين فيرى رأيه، وكانت هدايا كثيرة فقالت: يا أمير المؤمنين، إنك أمرت بهدايا محمد أن تصرف إلي ولا حاجة لي فيها، قال: ولم، قالت: بلغني أنه غصبها وكلفهم عملها وظلمهم، وحمل محمد المتاع إلى الوليد، فقال له: بلغني أنك أصبتها غصبا، قال: معاذ الله، فأمر فاستحلف بين الركن والمقام خمسين يمينا أنه ما/ غصب شيئا منها ولا ظلم أحدا ولا أصابها إلا من طيب، فحلف فقبلها الوليد ودفعها إلى أم البنين. ومات محمد باليمن، أصابه داء انقطع منه.
وكان عمال الأمصار في هذه السنة من تقدم في السنة التي قبلها، غير مكة، فإن الواقدي يقول: كان عاملها خالد بن عبد الله القسري. وقال غيره: بل كان عمر بن العزيز
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٥١٨- الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈: [٢]
أمه خولة بنت منظور بن زبان. تزوج فاطمة بنت الحسين، فولدت له عبد الله،
стр. 2188
وتوفي عنها، فخلف عَلَيْهَا عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بن عثمان بن عفان.
٥١٩- سهل بن سعد الساعدي: [١]
توفي في هذه السنة عن خمس وسبعين سنة.
٥٢٠- عمر بن يوسف، أخو الحجاج .
توفي باليمن واليا عليها، وتوفي بعده بستة أيام.
٥٢١- محمد بن الحجاج:
فقال الحجاج يرثيه:
وحسبي بقاء الله من كل ميت ... وحسبي بقاء الله من كل هالك.
إذا ما أتيت الله عني راضيا ... فإن شفاء النفس فيما هنالك
стр. 2189
ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين
فمن الحوادث فيها غزوة عمر بن الوليد ومسلمة أرض الروم، ففتح على يد مسلمة ثلاث حصون، وجلا خلقا كثيرا عن بلادهم.
وفيها: غزا طارق بن زياد الأندلس في اثني عشر ألفا ففتحها وقتل الملك.
وفيها: حج بالناس عمر بن العزيز وهو على المدينة وكان عمال الأمصار الذين كانوا في السنة التي قبلها.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٥٢٢- أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم ابن عدي بن النجار: [١]
أمه أم سليم بنت ملحان. لما قدم رسول الله ﷺ المدينة ذهبت به أمه إليه ليخدمه.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ، قَالَ: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال:
أخبرنا ابن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف، قَالَ: حدّثنا الحسين بن الفهم،
стр. 2190
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سعد، قَالَ: أَخْبَرَنَا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زَيْدٍ، عَنْ سِنَانِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: [١] . ذَهَبَتْ بِي أُمِّي إلى رسول الله ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خُوَيْدِمُكَ ادْعُ لَهُ، قَالَ:
«اللَّهمّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَأَطِلْ عُمْرَهُ وَاغْفِرْ ذَنْبَهُ» . قَالَ أَنَسٌ: فَقَدْ دَفَنْتُ مِنْ صُلْبِي مِائَةَ غَيْرَ اثْنَيْنِ- أَوْ قَالَ: مِائَةً واثنين، وإن ثمرتي لتحمل في السنة مَرَّتَيْنِ، وَلَقَدْ بَقِيتُ حَتَّى سَئِمْتُ الْحَيَاةَ، وَأَنَا أَرْجُو الرَّابِعَةَ.
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: [٢] وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ:
كَانَ كَرْمُ أَنَسٍ يَحْمِلُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ. وَكَانَ أَنَسٌ يُصَلِّي فَيُطِيلُ الْقِيَامَ حَتَّى تَقْطُرُ قَدَمَاهُ دَمًا.
قال ابن سعد [٣] : وحدثنا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الحرمي، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، قال: حدثنا ثابت البناني، قال:
شكى قيم لأنس بن مالك في أرضه العطش، فصلى أنس فدعا، فثارت سحابة حتى غشيت أرضه فملأت صهريجه، فأرسل غلامه فقال: انظر أنى بلغت هذه، فنظر، فإذا هي لم تعد أرضه.
قال: وأخبرنا يوسف بن العرق، قال: حدثنا صالح المري، عن ثابت، قال:
كان أنس إذا أشفى على ختم القرآن من الليل بقي منه سور حتى يصبح فيختمه عند عياله.
قال: وحدثنا عفان، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، قال: حدثنا ثابت البناني، قال: كان أنس إذا ختم القرآن جمع ولده وأهله فدعا لهم.
قال: وأخبرنا عفان، قال: حدثنا خالد بن أبي عثمان، قال: حدّثنا ثمامة بن
стр. 2191
عبد الله بن أنس، قال: كان أنس إذا صلى المغرب لم يقدر عليه ما بين المغرب والعشاء قائما يصلي.
توفي أنس بالبصرة في هذه السنة وَهُوَ ابْن تسع وتسعين سنة. وقيل: / ابن مائة وسبع سنين، وهو آخر من مات من أصحاب رسول الله ﷺ بالبصرة، ورزق مائة ولد، ولا يعرف في الإسلام من ولد له من صلبه مائة سوى أربعة [١] : أنس بن مالك، وعبد الله ابن عمير الليثي، وخليفة السعدي، وجعفر بن سليمان الهاشمي.
٥٢٣- إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، من تيم الرباب، يكنى أبا أسماء: [٢]
روى عن أبيه، والحارث بن سويد في آخرين، فكان عالما عابدا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أحمد بن يزيد، قال:
حدثنا عبد الله بن عمر، قال: حدثنا حفص الواسطي، قال: حدثنا العوام بن حوشب، قال:
ما رأيت رجلا قط خيرا من إبراهيم التيمي، وما رأيته رافعا بصره إلى السماء في صلاة ولا غيرها، وسمعته يقول: إن الرجل ليظلمه، فأرحمه.
أخبرنا ابن ناصر، وابن أبي عمر، قال: حدثنا رزق الله، وطراد، قالا: أخبرنا ابن بشران قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بكر، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنه سمع سفيان بن عيينة يقول: قال إبراهيم:
مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: أي نفسي، أي شيء تريدين؟ قالت: أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحا قال: قلت: فأنت في الأمنية فاعملي.
стр. 2192
أنبأنا أبو بكر بن أبي طاهر، عن أبي محمد الجوهري، عن أبي عمر ابن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف، قَالَ: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا علي بن محمد، قال: [١] كان سبب حبس إبراهيم التيمي أن الحجاج طلب إبراهيم النخعي، فجاء الذي يطلبه، فقال: أريد إبراهيم، فقال إبراهيم التيمي: أنا إبراهيم، وهو يعلم أنه أراد النخعي، فلم يستحل أن يدله عليه، فجاء به إلى الحجاج فأمر بحبسه، ولم يكن لهم في الحبس/ ظل من الشمس، ولا كن من البرد، وكان كل اثنين في سلسلة، فتغير إبراهيم، فجاءته أمه في الحبس فلم تعرفه حتّى كلمها، فمات في السجن فرأى الحجاج قائلا يقول: مات في هذه الليلة رجل من أهل الجنة، فلما أصبح قال: هل مات الليلة أحد بواسط؟ قالوا: نعم، إبراهيم التيمي، قال: حلم نزعة من نزعات الشيطان، وأمر به فألقي على الكناسة، وذلك في هذه السنة.
٥٢٤- وضاح اليمن: [٢]
أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَلي الصيرفي، قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بن محمد العلاف، قال:
أخبرنا عبد الملك بن بشران، قال: حدثني أحمد بن إبراهيم الكندي، قال: أخبرنا جعفر بن محمد الخرائطي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد، قَالَ: حَدَّثَنَا إسحاق بن الضيف، عن أبي مسهر، قال:
كان وضاح اليمن نشأ هو وأم البنين صغيرين، فأحبها وأحبته، وكان لا يصبر عنها حتى إذا بلغت حجبت عنه، وطال بهما البلاء، فحج الوليد بن عبد الملك فبلغه جمال أم البنين وأدبها فتزوجها ونقلها إلى الشام.
قال: فذهب عقل وضاح عليها وجعل يذوب وينحل فلما طال عليه البلاء خرج إلى الشام، فجعل يطوف بقصر الوليد بن عبد الملك في كل يوم لا يجد حيلة حتى رأى
стр. 2193
يوما جارية صفراء، فما زال حتى أنس بها، فقال لها: هل تعرفين أم البنين؟ فقالت:
إنك تسأل عن مولاتي، فقال: إنها لابنة عمي، فإنها تسر بمكاني وموضعي لو أخبرتها، قالت: إني أخبرها فمضت الجارية فأخبرت أم البنين، فقالت ويلك، أحي هو؟ قالت: نعم، قالت: قولي له كن مكانك حتى يأتيك رسولي. فلن أدع الاحتيال لك، فاحتالت إلى أن أدخلته إليها في صندوق، فمكث عندها حينا فإذا أنت أخرجته، فقعد معها وإذا خافت عين رقيب أدخلته الصندوق.
فأهدي يوما للوليد بن عبد الملك جوهر، فقال لبعض خدمه: خذ هذا الجوهر فامض به إلى أم البنين وقل لها: أهدي هذا إلى أمير المؤمنين، فوجه به إليك.
فدخل/ الخادم من غير استئذان ووضاح معها، فلمحه ولم تشعر أم البنين، فبادر إلى الصندوق فدخله، فأدى الرسالة، إليها، وقال لها: هبي لي من هذا الجوهر حجرا، فقالت: لا أم لك، وما تصنع أنت بهذا؟ فخرج وهو عليها حنق فجاء الوليد فخبره الخبر ووصف له الصندوق الذي رآه دخله، فقال: كذبت، لا أم لك. ثم نهض الوليد مسرعا فدخل إليها وهي في ذلك البيت وفيه صناديق، فجاء حتى جلس على ذلك الصندوق الذي وصف له الخادم، فقال لها: يا أم البنين، هبي لي صندوقا من صناديقك هذه، فقالت:
يا أمير المؤمنين، هي لك وأنا لك فقال لها: ما أريد غير هذا الذي تحتي، فقالت: يا أمير المؤمنين، إن فيه شيئا من أمور النساء، قال: ما أريد غيره، قالت: هو لك. فأمر به فحمل ودعا بغلامين وأمرهما بحفر بئر، فحفرا حتى إذا بلغا الماء وضع فمه على الصندوق وقال: أيها الصندوق، قد بلغنا عنك شيء فإن كان حقا فقد دفنا خبرك ودرسنا أثرك، وإن كان كذبا فما علينا من دفن صندوق من حرج، ثم أمر به فألقي في الحفرة، وأمر بالخادم [١] فقذف في ذلك المكان فوقه، وطم عليهما المكان. فكانت أم البنين توجد في ذلك المكان تبكي إلى أن وجدت فيه يوما مكبوبة على وجهها ميتة.
وقد روى نحو هذه الحكاية هشام بن محمد بن السائب: أن أم البنين كانت عند يزيد بن عبد الملك، وإن قصة وضاح اليمن جرت له وهي عند يزيد.
стр. 2194
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين
فمن الحوادث فيها غزاة العباس بن الوليد أرض الروم .
ففتح الله على يده بعضها، وغزاها أيضا مسلمة فافتتح بلادا منها.
وفيها صالح قتيبة ملك خوارزم [١]
قالوا: كان ملك خوارزم ضعيفا فغلبه أخوه خرزاذ على أمره، وكان خرزاذ/ أصغر منه، فكان إذا بلغه أن عند أحد جارية أو دابة أو متاعا فاخرا أرسل فأخذه، أو بلغه أن لأحد بنتا أو أختا أو امرأة جميلة أخذها، ولا يمتنع عليه أحد، ولا يمنعه الملك، فإذا قيل له، قال: لا أقوى عليه، فلما طال ذلك عليه كتب إلى قتيبة في السر يدعوه إلى أرضه ليسلمها إليه، وبعث إليه بمفتاح البلد واشترط عليه أن يسلم إليه أخاه وكل من يضاده، يحكم فيهم بما يرى، فرجعت الرسل بما يحب، وسار قتيبة مظهرا أنه يريد الصغد [٢] ، فقال الملك لأصحابه: إن قتيبة يريد الصغد، فهل لكم أن نتنعم في ربيعنا هذا، فأقبلوا على التنعم والشراب، وأمنوا، فلم يشعروا إلا بقتيبة، فقال الملك: ما ترون؟ قالوا: نقاتله، قال: لا أرى ذلك لأنه قد عجز عنه من هو أقوى منا، ولكن نصرفه عنا بشيء نؤديه إليه، فصالحه على مال عظيم، وأخذ أخاه فدفعه إليه، ثم أتى قتيبة الصغد فصالحوه على ألفي ألف ومائتي ألف كل عام، وأن يبنى له فيها مسجد، ويضع
стр. 2195
فيه منبرا فيخطب عليه، ففعلوا، فدخل فخطب [وصلى] [١] فقال: لست ببارح [فاخرجوا] ، وجاءوه بالأصنام فأحرقها، فوجدوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضة خمسين ألف مثقال، ودخل المسلمون مدينة سمرقند فصالحوهم. ثم ارتحل قتيبة راجعا إلى مرو، واستخلف على سمرقند عبد الرحمن بن مسلم، وخلف عنده جندا كثيفا وآلة من آلات الحرب كثيرة.
وفي هذه السنة عزل موسى بن نصير طارق بن زياد عن الأندلس .
فلقيه موسى في عشرة آلاف فترضى طارقا فرضي عنه ووجهه إلى طليطلة- وهي من عظام مدائن الأندلس- وهي من قرطبة على عشرين يوما- فأصاب فيها مائدة سليمان بن داود ﵇، وفيها من الذهب والجوهر ما الله به أعلم [٢] .
وفيها أجدب أهل أفريقية جدبا شديدا .
فخرج موسى بن نصير فاستسقى بالناس، ودعا وخطب، فقيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين، فقال: ليس هذا موضع ذلك [٣] ، فسقوا سقيا كفاهم حينا.
وفي هذه السنة ضرب عمر بن عبد العزيز خبيب بن عبد الله بن الزبير بن العوام خمسين سوطا .
وقيل: مائة سوط عن أمر الوليد بن عبد الملك بذلك، وصب على رأسه قربة ماء بارد في يوم شات، ووقفه على باب المسجد [٤] ، فمكث يوما ومات.
وكان السبب أن خبيبا حدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا عباد الله خولا ومال الله دولا» . أنبأنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب الدباس، قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة، قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن سليمان بن داود
стр. 2196
الطوسي، قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عمي مصعب بن عبد الله، قال:
كان خبيب قد لقي العلماء ولقي كعب الأحبار، وقرأ الكتب، وكان من النساك، وأدركه أصحابنا وغيرهم يذكرون أنه كان يعلم علما كثيرا لا يعرفون وجهه ولا مذهبه فيه يشبه ما يدعى الناس من علوم النجوم.
قال عمي مصعب: وحدثت عن مولى لخالته أم هاشم بنت منظور يقال له يعلى بن عقبة، قال:
كنت أمشي معه وهو يحدث نفسه إذ وقف ثم قال: سأل قليلا فأعطي كثيرا، وسأل كثيرا فأعطي قليلا، فطعنه فأرداه فقتله، ثم أقبل علي فقال: قتل عمرو بن سعيد الساعة، ثم مضى، فوجدوا ذلك اليوم الذي قتل فيه عمرو بن سعيد.
وله أشباه هذا يذكرونها والله أعلم ما هي، وكان طويل الصمت [١] قليل الكلام.
وكان الوليد بن عبد الملك قد كتب إلى عمر بن عبد/ العزيز إذ كان واليا على المدينة يأمره بجلده مائة سوط [وبحبسه، فجلده عمر مائة سوط] [٢] ، وبرد له ماء في جرة، ثم صبها عليه في غداه باردة، فكن فمات فيها.
وكان عمر قد أخرجه من المسجد حين اشتد وجعه وندم على ما صنع، فانتقله آل الزبير في دار من دورهم.
قال عمي مصعب: وأخبرني مصعب بن عثمان أنهم نقلوه إلى دار عمر بن مصعب بن الزبير، واجتمعوا عنده حتى مات، فبينا هم جلوس إذ جاءهم الماجشون استأذن عليهم وخبيب مسجى بثوبه، وكان الماجشون يكون مع عمر بن عبد العزيز في ولايته على المدينة، فقال عبد الله بن عروة: ائذنوا له، فلما دخل قال: كان صاحبك في مرية من موته، اكشفوا له عنه، فكشفوا له عنه، فلما رآه الماجشون انصرف. قال الماجشون: فانتهيت إلى دار مروان فقرعت الباب، فدخلت فوجدت عمر كالمرأة الماخض قائما قاعدا، فقال لي: ما وراءك؟ فقلت: مات الرجل، فسقط إلى الأرض
стр. 2197
فزعا، ثم رفع رأسه يسترجع، فلم تزل تعرف فيه حتى مات، فاستعفى من المدينة، وامتنع من الولاية، وكان يقال: إنك قد فعلت كذا فأبشر، فيقول: فكيف بخبيب.
وحدثني عمي قال: حدثني هارون بن أبي عبيد الله بن عبد الله بن مصعب، قال: سمعت أصحابنا يقولون: قسم فينا عمر بن عبد العزيز قسما في خلافته خصنا به، فقال الناس: دية خبيب.
وفي هذه السنة عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن المدينة .
وكان السبب في ذلك أن عمر كتب إلى الوليد يخبره بعسف الحجاج أهل عمله بالعراق، واعتدائه عليهم، وظلمه لهم بغير حق، فبلغ ذلك الحجاج فاضطغنه [١] على عمر، وكتب إلى الوليد: إن من قبلي من مراق أهل العراق وأهل الشقاق قد جلوا عن العراق [٢] ولجئوا إلى المدينة، وإن ذلك وهن/.
فكتب الوليد إلى الحجاج: أن أشر علي برجلين، فكتب إليه يشير عليه بعثمان بن حيان وخالد بن عبد الله، فولى خالدا مكة، وولى عثمان المدينة، وعزل عمر بن عبد العزيز، فخرج عمر بن عبد العزيز من المدينة معزولا في شعبان هذه السنة، واستخلف حين خرج أبا بكر بن عمرو بن حزم، وجعل يقول لمولاه مزاحم: أتخاف أن تكون ممن نفته المدينة. ووليها عثمان بن حيان في شعبان إلا أنه قدم المدينة لليلتين مضيتا من شوال.
وفي هذه السنة.
حج بالناس عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، وكانت العمال على الأمصار عمالها في السنة التي قبلها إلا المدينة فإن عمر وليها إلى شعبان، وعثمان بن حيان وليها من شعبان، ويقال: قدمها في سنة أربع وتسعين.
стр. 2198
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٥٢٥- إياس بن قتادة التميمي، ابن أخت الأحنف بن قيس [١] :
أسند عن قيس بن عباد، عن أبي بن كعب.
أنبأنا أبو بكر ابن أبي طاهر، عن أبي محمد الجوهري، عن ابن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف، قَالَ: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال:
أخبرت عن معتمر بن سليمان، عن سلمة بن علقمة، قال: [٢] اعتم إياس بن قتادة وهو يريد بشر بن مروان، فنظر في المرآة فإذا بشيبة في دقنه، فقال: افليها يا جارية، ففلتها، فإذا هي بشيبة أخرى، فقال: أنظروا من بالباب من قومي فادخلوا عليه، فقال: يا بني تميم، إني كنت وهبت لكم شبيبتي، فهبوا لي شيبتي، ألا أراني حمير الحاجات وهذا الموت يقرب مني. ثم قال: انقضي العمامة فاعتزل يؤذن لقومه، ويعبد ربه، ولم يغش سلطانا حتى مات.
٥٢٦- زرارة بن أوفى الحرشي، يكنى أبا حاجب: [٣]
أسند عن أبي هريرة، وعمران، [٤] وابن عباس. وتوفي في هذه السنة فجأة.
أخبرنا محمد بن طاهر، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن عُمَر البرمكي، قَالَ: أخبرنا أبو/ محمد بن ناسي، قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن علي الخراز، قال: حدثنا عبد الواحد بن غياث، قال: حدثنا أبو خباب القصار، قال:
صلى بنا زرارة بن أوفى الفجر، فلما بلغ: فَإِذا نُقِرَ في النَّاقُورِ ٧٤: ٨ [٥] شهق شهقة فمات.
стр. 2199
٥٢٧- عبد الرحمن بن يزيد بن جارية بن عامر الأنصاري: [١] .
وأمه جميلة بنت ثابت ابن أبي الأقلح، ولد فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
٥٢٨- عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة، واسمه حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، يكنى أبا الخطاب: [٢]
وكان أبو ربيعة يسمى ذا الرمحين، سمي بذلك لطوله، كأنه يمشي على رمحين.
وقيل: بل قاتل في عكاظ برمحين، فسمي بذلك.
ولد عمر ليلة قتل عمر بن الخطاب، وكانت أمه وأم إخوته نصرانية. وأبو جهل بن هشام عم أبيه، وأم عمر بن الخطاب حثمة بنت هشام بن المغيرة بنت عم أبيه، وإخوته عبد الله، وعبد الرحمن، والحارث بنو عبد الله بن أبي ربيعة. وكان أخوه عبد الرحمن تزوج بنت أبي بكر الصديق بعد طلحة، وولدت له، وأعقب الحارث ولا عقب لعمر.
وكان عمر شاعرا مجيدا.
روى الزبير بن بكار، قال: حدثني يعقوب ابن أبي إسحاق [٣] ، قال: كانت العرب تقر لقريش بالتقدم في كل شيء عليها إلا في الشعر، فلما كان عمر أقرت له الشعراء بالشعر أيضا.
وقال ابن جريج: ما دخل على العواتق في حجالهن [شيء] [٤] أضر عليهن من شعر عمر بن أبي ربيعة. [٥] وقال هشام بن عروة: لا ترووا فتياتكم شعر عمر بن أبي ربيعة لا يتورطن في الزنا تورطا.
стр. 2200
وكان كثير التشبيب بالنساء، قلما يرى امرأة إلا ويتشبب بها تشبيب عاشق. وكان يحب زيارتهن، ويكثر مجالستهن، فممن شبب بهن سكينة بنت الحسين، فقال:
قالت سكينة والدموع ذوارف ... منها على الخدين والجلباب
ليت المغيري الذي لم أجزه ... فيما أطال تصيدي وطلابي
/ كانت ترد لنا المنى أيامه ... أولا تلوم [١] على هوى وتصابي
أسكين ما ماء الفرات وطيبه ... مني على ظمأ وحب شراب
بألذ منك وقد نأيت وقلما ... ترعى النساء أمانة الغياب
وشبب بفاطمة بنت عبد الملك بن مروان، فقال:
افعلي بالأسير إحدى ثلاث ... وافهميهن ثم ردي جوابي
اقتليه قتلا سريحا مريحا ... لا تكوني عليه سوط عذابي
أو اقتدي فإنما النفس بالنفس ... قضاء مفصلا في الكتاب
أوصليه وصلا تقر به العين ... وشر الوصال وصل الكذاب
فأعطت الذي جاءها بالأبيات لكل بيت عشرة دنانير.
وحج عبد الملك فلقيه عمر، فقال له عبد الملك: يا فاسق، فقال: بئس تحية ابن العم على طول السخط، قال: يا فاسق، أما أن قريشا لتعلم انك أطولها صبوة وأبطؤها توبة، ألست القائل.
ولولا أن تعنفني قريش ... فقال الناصح الأوفى الشقيق
لقلت إذا التقينا قبليني ... ولو كنا على ظهر الطريق
وكان أخوه الحارث خيرا عفيفا، فعاتبه يوما. قال عمر: وكنت على ميعاد من الثريا، فرحت إلى المسجد مع المغرب وجاءت الثريا للميعاد فتجد الحارث مستلقيا على الفراش، فألقت نفسها عليه وهي لا تشك أنه أنا، فوثب وقال: من هذه؟ قيل له:
الثريا، قال: ما أرى عمر ينتفع بوعظنا، فلما جئت للميعاد، قال: ويحك كدنا نفتن بعدك، لا والله ما شعرت إلا وصاحبتك واقعة علي، قلت: لا تمسك [النار] [٢] أبدا، قال: عليك لعنة الله وعليها.
стр. 2201
فلما تزوج سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الثريا، قال عمر:
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان
أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَلي الصيرفي، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن العلاف، قَالَ:
أخبرنا عبد الملك بن بشران، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الكندي، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي، قال: حدثنا إسماعيل بن أحمد بن معاوية الباهلي، عن أبيه، عن الأصمعي، عن أبي سفيان بن العلاء، قال:
لما بصرت الثريا بعمر بن ربيعة وهو يطوف حول البيت فتنكرت وفي كفها خلوق، فرجمته فأثر الخلوق في ثوبه، فجعل الناس يقولون: يا أبا الخطاب، ما هذا بزي محرم، فأنشأ يقول:
أدخل الله رب موسى وعيسى ... جنة الخلد من ملاني خلوقا
مسحت كفها بجيب قميصي ... حين طفنا بالبيت مسحا رفيقا
فقال له عبد الله بن عمر: مثل هذا القول تقول في هذا الموضع، فقال: يا أبا عبد الرحمن، قد سمعت مني ما سمعت، فو ربّ هذه البنية ما حللت إزاري على حرام قط.
وقد روى محمد بن الضحاك: أن عمر بن أبي ربيعة لما مرض مرض الموت أسف عليه أخوه الحارث، فقال عمر: يا أخي إن كان أسفك لما سمعت من قولي قلت لها وقالت لي، فكل مملوك لي حر إن كان كشف فرجا حراما قط، فقال الحارث:
الحمد للَّه طيبت نفسي، وكان له سبعون عبدا. [١] وقد روي عنه أنه لما كبر حلف ألا يقول بيت شعر إلا أعتق رقبة.
وروى الزبير بن بكار، عن محمد بن الضحاك، قال: عاش عمر بن [أبي] [٢] ربيعة ثمانين سنة فتك منها أربعين سنة، ونسك أربعين سنة [٣] .
стр. 2202
وقد روى الزبير بن بكار، قال: حدثني مصعب بن عثمان: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وُلِّيَ الخلافة لم تكن له همة إلا عمر بن أبي ربيعة والأحوص. فكتب إلى عامله على المدينة: إني قد عرفت عمر والأحوص بالخبث والشر، فإذا أتاك كتابي هذا/ فاشددهما واحملهما إلي- فلما أتاه الكتاب حملهما إليه فأقبل عليّ عمر وقال:
هيه فلم أر كالتجميز منظر ناظر كالرمي [١] ، فإذا لم يفلت الناس منك في هذه الأيام فمتى يفلتون، أما والله لو أهممت بحجبك لم تنظر إلى شيء غيرك، ثم أمر بنفيه، فقال: يا أمير المؤمنين، أو خير من ذلك، قال: ما هو؟ قال: أعاهد الله أن لا أعود لمثل هذا الشعر، ولا أذكر النساء في شعر، وأجدد توبة على يدك، قال: أن تفعل؟ قال: نعم.
فعاهد الله على توبته وخلاه.
ثم دعا بالأحوص، فقال: من يقول:
هي الله بيني وبين قيمها ... يفر مني بها وأتبعه
بل الله بين قيمها وبينك، ثم أمر بنفيه إلى دهلك، فلم يزل بها، فسئل في رده، فقال: والله لا أرده ما كان لي سلطان.
وقد اختلفوا في سبب موته على قولين: أحدهما: أن عمر بن عبد العزيز سيره إلى دهلك ثم غزا في البحر فأحرقت السفينة التي كان فيها، فاحترق هو ومن كان معه. ذكره ابن قتيبة.
والثاني: أنه نظر إلى امرأه مستحسنة في الطواف، فكلمها فلم تجبه، فقال لها أبياتا فبلغتها، فقيل لها: اذكريها لزوجك ينكر عليه، فقالت: كلا، لا أشكوها إلا إلى الله فقالت: اللَّهمّ إن كان نوه باسمي ظالما فاجعله طعاما للريح. فضرب الدهر ضربة، فغدا يوما على فرس، فهبت الريح، فنزل إلى شجرة، فخدشه منها غصن فدمي فرمي فيه. فمات من ذلك [٢] .
стр. 2203
ثم دخلت سنة أربع/ وتسعين
فمن الحوادث فيها غزاة العباس [١] بن الوليد أرض الروم، فقيل: إنه فتح أنطاكية. وغزا عبد العزيز بن الوليد، وغزا الوليد بن هشام فأوغلا، وغزا يزيد بن أبي كبشة أرض سورية.
وفيها: [٢] افتتح القاسم بن محمد الثقفي أرض الهند.
وفيها: [٣] غزا قتيبة شاش وفرغانة حتى بلغ خجندة، وافتتح قاشان [٤] ، وجاءه الجنود الذين وجههم إلى الشاش وقد فتحوها، فانصرف إلى مرو.
وفيها: [٥] أخذ عثمان بن حيان أمير المدينة جماعة من الخوارج فقتلهم، وبعث ببعضهم في جوامع إلى الحجاج، ونادى: برئت الذمة ممن آوى عراقيا.
وفيها: [٦] استقضى الوليد سليمان بن حبيب
стр. 2204
وفيها: دامت الزلازل أربعين يوما، وشمل الهدم الأبنية الشاهقة، وتهدمت دور مدينة أنطاكية.
وفي هذه السنة قتل الحجاج سعيد بن جبير [١]
وكان سبب ذلك خروجه عليه مع من خرج مع عبد الرحمن بن الأشعث، وكان الحجاج قد جعل سعيد بن جبير على عطاء الجند حين وجه عبد الرحمن إلى رتبيل لقتاله، فلما خلع عبد الرحمن الحجاج خلعه معه سعيد بن جبير، فلما هزم عبد الرحمن وهرب إلى بلاد رتبيل هرب سعيد إلى أصفهان، فكتب الحجاج إلى واليها: أن خذه وكان الوالي يتحرج، فأرسل إلى سعيد أن أخرج وتنح عنا، فتنحى إلى أذربيجان، ثم خرج إلى مكة فأقام بها. وكان أناس ممن فعل مثله [٢] يستخفون فلا يخبرون بأسمائهم.
وكتب الحجاج إلى الوليد: إن أهل الشقاق والنفاق قد لجئوا إلى مكة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي فيهم. فكتب إلى خالد بن عبد الله القسري، فأخذ عطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهدًا، وطلق بن حبيب، وعمرو بن دينار. فأرسل عطاء وعمرو بن/ دينار لأنهما مكيان، وبعث بالآخرين إلى الحجاج، فمات طلق في الطريق، وحبس مجاهد حتى مات الحجاج، وقتل سعيد.
واختلفوا فيمن أقام الحج للناس في هذه السنة، [٣] فقال أبو معشر: مسلمة بن عبد الملك. وقال الواقدي: عبد العزيز بن الوليد، وكان العامل على المدينة عثمان بن حيان، وعلى الكوفة زياد بن جرير، وعلى قضائها أبو بكر بن موسى، وعلى البصرة الجراح بن عبد الله وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة، وعلى خراسان قتيبة، وعلى مصر قرة بن شريك، وكان العراق والمشرق كله إلى الحجاج.
стр. 2205
ذكر من توفي فِي هذه السنة من الأكابر
٥٢٩- سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بْن عائذ بْن عمران بْن مخزوم بن يقظة: [١]
وكل من كان منسوبا إلى عائذ بن عمران فهو عائذي، بالذال المعجمة. ومن نسب إلى عمرو بن مخزوم فهو عائدي بالدال المهملة. وقد يقال عائذي بالذال المعجمة نسبة إلى عائذ الله بن سعيد، منهم حمزة العائذي، وسعيد بن حنظلة العائذي، وابن طلق العائذي. ويقال: عائذي نسبة إلى عائذ قريش، منهم علي بن مسهر القاضي.
وقال أبو عبد الله الصوري: اجتمع في مخزوم عائد وعائذ، وهما أبناء عم. فأما عائذ فهو ابن عمران بن مخزوم، وأما عائد فهو ابن عمرو بن مخزوم، وإذا جاء عمران فولده عائذ بالياء نقطتين من تحتها والذال المعجمة. وإذا جاء عمر، فولده عابد بالباء واحدة، والدال غير معجمة.
ويكنى سعيد أبا عبد الله، ويقال: أبا عبد الملك. ويقال: أبا محمد. وجده حزن، لقي رسول الله ﷺ ، ولد سعيد لسنتين خلتا من خلافة عمر، وقال: أصلحت بين علي وعثمان، وكان سعيد أفقه أهل الحجاز وأعبرهم للرؤيا.
أخبرنا ابن ناصر، قال: / أخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الملك الأسدي، قال:
أنبأنا أبو الحسين بن رزمة، قال: أخبرنا عمر بن محمد بن سيف، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه اليزيدي، قَالَ: حدثنا أحمد بن زهير، قال: سمعت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، يقول:
لما مات العبادلة- عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير- صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي، فكان فقيه أهل مكة
стр. 2206
عطاء ابن أبي رباح، وفقيه أهل اليمن طاووس، وفقيه أهل اليمامة يحيى بن أبي كثير، وفقيه أهل البصرة الحسن، وفقيه [أهل] [١] الشام المكحول، وفقيه أهل خراسان عطاء الخراساني، إلا المدينة فإن الله تعالى خصها بقرشي، فكان فقيه أهل المدينة سعيد بن المسيب غير مدافع.
أخبرنا محمد بن طَاهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عمر ابن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف، قَالَ: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا قدامة بن موسى الجمحي، قال: [٢] كان سعيد بن المسيب يفتي وَأَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أحياء.
قَالَ مُحَمَّد بْن سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هارون، والفضل بن دكين، قالا: أخبرنا مسعر بن كدام، عن سعد بن إبراهيم، عن سعيد بن المسيب، قال: [٣] ما بقي أحد أعلم بكل قضاة رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر مني.
وقال الزبير بن بكار: [٤] حدثني محمد بن الضحاك، عن عثمان الحزامي، عن مالك بن أنس: أن سعيد بن المسيب ولد في زمان عمر بن الخطاب، وكان احتلامه عند مقتل عثمان، وكان يقال لسعيد: رواية عمر بن الخطاب، وكان يتتبع أقضية عمر بن الخطاب يتعلمها، وإن كان عبد الله بن عمر ليرسل إليه يسأله/ عن القضاء من أقضية عمر فيخبره.
قال الزبير: وحدثني أبو مصعب الزهري، قال: حدثني المغيرة بن عبد الله الأخنسي، عن رجل أهل البصرة، قال:
كان الحسن بن أبي الحسن لا يدع شيئا من فعله بقول أحد حتى يقول ان سعيد بن المسيب قد قال خلافه فيأخذ به ويدع قوله.
стр. 2207
قال: وأخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا حارثة بن أبي عمران أنه سمع محمد بن يحيى بن حيان يقول.
كان رأس من بالمدينة في دهره والمقدم عليهم في الفتوى سعيد بن المسيب، ويقال: فقيه الفقهاء.
قال: وأخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا ثور بن يزيد، عن مكحول، قال:
سعيد بن المسيب عالم العلماء.
قال: وأخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُلَيْحِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مهران، قال:
قدمت المدينة فسألت عن أفقه الفقهاء، فدفعت إلى سعيد بن المسيب [١] .
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي هشام بن سعد، قال: سمعت الزهري يقول: وسأله سائل عن من أخذ سعيد بن المسيب علمه، قال: عن زيد بن ثابت، وجالس سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن عمر، ودخل على أزواج رسول الله ﷺ عائشة وأم سلمة، وكان قد سمع من عثمان وعلي وصهيب ومحمد بن مسلمة، وجل روايته المسندة عن أبي هريرة، وكان زوج ابنته.
قال: وأخبرني معن بن عيسى، عن مالك، قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول:
ما كان في المدينة عالم إلا يأتيني بعلمه وأوتى بما عند سعيد بن المسيب.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد المحسن بن محمد، قال: أخبرنا عبد الملك بن عبد الله بن سكين الفقيه، قال: أخبرنا/ أبيض بن محمد بن أبيض، قال، حدثنا عبد الرحمن النسائي، قال: حدثني أبو عبد الله الأسباطي، قال: [٢] لما نزل الماء في عين سعيد بن المسيب قيل له: اقدحها، قال: فعلى من أفتحها.
стр. 2208
قال مؤلف الكتاب ﵀: وابتلي سعيد بن المسيب بالضرب. وذلك أن عبد الله بن الزبير ولى جابر بن الأسود الزهري المدينة، فدعا الناس إلى بيعة ابن الزبير، فقال سعيد: لا حتى يجتمع الناس، فضربه ستين سوطا، فبلغ ذلك ابن الزبير، فكتب إليه يلومه ويقول: ما لنا ولسعيد، دعه.
وكان عبد الملك قد خطب بنت سعيد لابنه الوليد، فأبى، فاحتال على سعيد حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد، وصب عليه جرة ماء وألبسه جبة صوف.
أَخْبَرَنَا إسماعيل بْن أَحْمَد السمرقندي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر مُحَمَّد بْن هبة اللَّه الطبري، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الحسين بْن الفضل قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن درستويه، [١] قَالَ: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا زيد بن بشير الحضرمي، قال:
حدثنا ضمام، [٢] عن بعض أهل المدينة، قال:
لما كانت بيعة سليمان بن عبد الملك مع بيعة الوليد كره سعيد بن المسيب أن يبايع بيعتين، فكتب صاحب المدينة إلى عبد الملك بن مروان يخبره أن سعيد بن المسيب كره أن يبايع لهما جميعا، فكتب عبد الملك إلى صاحب المدينة. وما كان حاجتك إلى رفع هذا عن سعيد بن المسيب، ما كنا نخاف منه، فأما إذا ظهر ذلك وانتشر في الناس فادعه إلى ما دخل فيه من دخل في هذه البيعة، فإن أبى فاجلده مائة سوط، واحلق رأسه ولحيته، وألبسه ثيابا من شعر، وقفه على الناس في سوق المسلمين لئلا يجترئ علينا غيره.
فلما علم بعض من حضر من قريش سألوا الوالي أن لا يعجل عليه حتى يخوفه بالقتل فعسى أن يجيب، فأرسلوا مولى له كان في الحرس، قالوا: أذهب فأخفه/ بالقتل، وأخبره أنه مقتول لعل ذلك يخيفه حتى يدخل فيما دخل فيه الناس. فجاءه مولاه وهو يصلي فبكى المولى، فقال له سعيد: ما يبكيك؟ قال: يبكيني ما يراد بك، قد جاء كتاب فيك إن لم تبايع قتلت، فجئت لتطهر وتلبس ثيابا طاهرة، وتفرغ من عهدك، قال:
ويحك قد وجدتني أصلي، فتراني كنت أصلي ولست بطاهر، وثيابي غير طاهرة، وأما ما ذكرت من العهد فإني أضل ممن أرسلك إن كنت بت ليلة ولم أفرغ من عهدي.
стр. 2209
فانطلق، فلما أتى الوالي دعوه فأبى أن يجيب، فأمره بالتجريد ولبس ثيابا من شعر، ثم جلده مائة سوط، وحلق رأسه ولحيته، ووقف فقال: لو كنت أعلم أنه ليس شيء إلا هذا ما نزعت ثيابي طائعا، ولا أجبت إلى ذلك.
قال ضمام: فبلغني أن هشام بن إسماعيل كان إذا خطب الناس يوم الجمعة تحول إليه سعيد بن المسيب بوجهه ما دام يذكر الله حتى إذا رفع يذكر عبد الملك ويمدحه ويقول فيه ما يقول أعرض عنه سعيد بوجهه، فلما فطن له هشام أمر حرسيا أن يخصب وجهه إذا تحول عنه، ففعل ذلك به، فقال سعيد لهشام وأشار بيده إليه: هي ثلاث نحل. فما مر به إلا ثلاثة أشهر حتى عزل هشام.
ومعنى نحل: حسب.
[أنبأنا الحسين بن عبد الوهاب، قَالَ: أخبرنا ابن المسلمة، قَالَ:] [١] أخبرنا المخلص، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الزبير بْن بكار، قَالَ: حدثني عمي مصعب بن عبد الله، قال:
كان سعيد بن المسيب لا يقبل بوجهه على هشام بن إسماعيل إذا خطب يوم الجمعة، فأمر به هشام بعض أعوانه يعطفه عليه إذا خطب فأهوى العون يعطفه فأبى عليه فأخذه حتى عطفه، فصاح سعيد، يا هشام إنما [هي] [٢] أربع بعد أربع. فلما انصرف هشام قال: ويحكم جن سعيد، فسئل سعيد: أي شيء أربع بعد أربع، سمعت في ذلك شيئا؟ قال: لا، / فقيل: ما أردت بقولك؟ قال: إن جاريتي لما أردت المسجد، قالت لي: إني رأيت هذه الليلة رؤيا فلا تخرج حتى أقصها عليك وتعبرها لي، رأيت كأن موسى غطس عبد الملك في البحر ثلاث غطسات، فمات في الثالثة، فأولت أن عبد الملك مات، وذلك أن موسى بعث على الجبارين بقتلهم، وعبد الملك جبار هذه الأمة. قال: فلم قلت أربع بعد أربع؟ قال: مسافة مسير الرسول من دمشق إلى المدينة بالخبر. فمكثوا ثماني ليال ثم جاء رسول بموت عبد الملك.
стр. 2210
تزويج بنت سعيد
أخبرنا المحمدان ابن ناصر، وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حمد بْنُ أحمد الحداد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم أحمد بن عبد الحافظ قال: أخبرنا عمر بن أحمد بن عثمان، قال: أخبرنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، عن عطاء وابن خالد، عن ابن حرملة [١] ، عن ابن أبي وداعة، قال:
كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياما، فلما جئته، قال: أين كنت؟ قلت:
توفيت أهلي فاشتغلت بها، قال: ألا أخبرتنا فشهدناها. قال: ثم أردت أن أقوم فقال:
هل استحدثت امرأة؟ فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة، فقال: أنا، فقلت: أو تفعل؟ نعم، ثم حمد الله وصلى على النبي ﷺ وزوجني على درهمين أو ثلاثة. قال: فقمت وما أدري [ما أصنع] [٢] من الفرح، فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر ممن آخذ؟ وممن أستدين؟ فصليت المغرب، وكنت وحدي، وقدمت عشائي أفطر خبزا وزيتا، فإذا الباب يقرع، فقلت: من هذا؟ قال: سعيد، قال: فأفكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب، فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، فقمت فخرجت، فإذا سعيد بن المسيب، فإنه قد بدا له، فقلت: يا أبا محمد ألا أرسلت/ إلي فآتيك، قال: لا، أنت أحق أن تؤتى، قلت: فما تأمر؟ قال:
إنك كنت رجلا عزبا تزوجت فكرهت أن أبيتك الليلة وحدك، وهذه امرأتك [قال:] [٣] فإذا هي قائمة من خلفه في طوله، ثمّ أخذ بيدها فدفعها في الباب ورد الباب، فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت من الباب ثمّ تقدمتها إلى القصعة التي فيها الزيت والخبز، فوضعتها [٤] في ظل السراج لكيلا تراه، ثم صعدت إلى السطح فرميت الجيران