عطاء ابن أبي رباح، وفقيه أهل اليمن طاووس، وفقيه أهل اليمامة يحيى بن أبي كثير، وفقيه أهل البصرة الحسن، وفقيه [أهل] [١] الشام المكحول، وفقيه أهل خراسان عطاء الخراساني، إلا المدينة فإن الله تعالى خصها بقرشي، فكان فقيه أهل المدينة سعيد بن المسيب غير مدافع.
أخبرنا محمد بن طَاهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عمر ابن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف، قَالَ: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا قدامة بن موسى الجمحي، قال: [٢] كان سعيد بن المسيب يفتي وَأَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أحياء.
قَالَ مُحَمَّد بْن سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هارون، والفضل بن دكين، قالا: أخبرنا مسعر بن كدام، عن سعد بن إبراهيم، عن سعيد بن المسيب، قال: [٣] ما بقي أحد أعلم بكل قضاة رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر مني.
وقال الزبير بن بكار: [٤] حدثني محمد بن الضحاك، عن عثمان الحزامي، عن مالك بن أنس: أن سعيد بن المسيب ولد في زمان عمر بن الخطاب، وكان احتلامه عند مقتل عثمان، وكان يقال لسعيد: رواية عمر بن الخطاب، وكان يتتبع أقضية عمر بن الخطاب يتعلمها، وإن كان عبد الله بن عمر ليرسل إليه يسأله/ عن القضاء من أقضية عمر فيخبره.
قال الزبير: وحدثني أبو مصعب الزهري، قال: حدثني المغيرة بن عبد الله الأخنسي، عن رجل أهل البصرة، قال:
كان الحسن بن أبي الحسن لا يدع شيئا من فعله بقول أحد حتى يقول ان سعيد بن المسيب قد قال خلافه فيأخذ به ويدع قوله.
стр. 2207
قال: وأخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا حارثة بن أبي عمران أنه سمع محمد بن يحيى بن حيان يقول.
كان رأس من بالمدينة في دهره والمقدم عليهم في الفتوى سعيد بن المسيب، ويقال: فقيه الفقهاء.
قال: وأخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا ثور بن يزيد، عن مكحول، قال:
سعيد بن المسيب عالم العلماء.
قال: وأخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُلَيْحِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مهران، قال:
قدمت المدينة فسألت عن أفقه الفقهاء، فدفعت إلى سعيد بن المسيب [١] .
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي هشام بن سعد، قال: سمعت الزهري يقول: وسأله سائل عن من أخذ سعيد بن المسيب علمه، قال: عن زيد بن ثابت، وجالس سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن عمر، ودخل على أزواج رسول الله ﷺ عائشة وأم سلمة، وكان قد سمع من عثمان وعلي وصهيب ومحمد بن مسلمة، وجل روايته المسندة عن أبي هريرة، وكان زوج ابنته.
قال: وأخبرني معن بن عيسى، عن مالك، قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول:
ما كان في المدينة عالم إلا يأتيني بعلمه وأوتى بما عند سعيد بن المسيب.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد المحسن بن محمد، قال: أخبرنا عبد الملك بن عبد الله بن سكين الفقيه، قال: أخبرنا/ أبيض بن محمد بن أبيض، قال، حدثنا عبد الرحمن النسائي، قال: حدثني أبو عبد الله الأسباطي، قال: [٢] لما نزل الماء في عين سعيد بن المسيب قيل له: اقدحها، قال: فعلى من أفتحها.
стр. 2208
قال مؤلف الكتاب ﵀: وابتلي سعيد بن المسيب بالضرب. وذلك أن عبد الله بن الزبير ولى جابر بن الأسود الزهري المدينة، فدعا الناس إلى بيعة ابن الزبير، فقال سعيد: لا حتى يجتمع الناس، فضربه ستين سوطا، فبلغ ذلك ابن الزبير، فكتب إليه يلومه ويقول: ما لنا ولسعيد، دعه.
وكان عبد الملك قد خطب بنت سعيد لابنه الوليد، فأبى، فاحتال على سعيد حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد، وصب عليه جرة ماء وألبسه جبة صوف.
أَخْبَرَنَا إسماعيل بْن أَحْمَد السمرقندي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر مُحَمَّد بْن هبة اللَّه الطبري، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الحسين بْن الفضل قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن درستويه، [١] قَالَ: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا زيد بن بشير الحضرمي، قال:
حدثنا ضمام، [٢] عن بعض أهل المدينة، قال:
لما كانت بيعة سليمان بن عبد الملك مع بيعة الوليد كره سعيد بن المسيب أن يبايع بيعتين، فكتب صاحب المدينة إلى عبد الملك بن مروان يخبره أن سعيد بن المسيب كره أن يبايع لهما جميعا، فكتب عبد الملك إلى صاحب المدينة. وما كان حاجتك إلى رفع هذا عن سعيد بن المسيب، ما كنا نخاف منه، فأما إذا ظهر ذلك وانتشر في الناس فادعه إلى ما دخل فيه من دخل في هذه البيعة، فإن أبى فاجلده مائة سوط، واحلق رأسه ولحيته، وألبسه ثيابا من شعر، وقفه على الناس في سوق المسلمين لئلا يجترئ علينا غيره.
فلما علم بعض من حضر من قريش سألوا الوالي أن لا يعجل عليه حتى يخوفه بالقتل فعسى أن يجيب، فأرسلوا مولى له كان في الحرس، قالوا: أذهب فأخفه/ بالقتل، وأخبره أنه مقتول لعل ذلك يخيفه حتى يدخل فيما دخل فيه الناس. فجاءه مولاه وهو يصلي فبكى المولى، فقال له سعيد: ما يبكيك؟ قال: يبكيني ما يراد بك، قد جاء كتاب فيك إن لم تبايع قتلت، فجئت لتطهر وتلبس ثيابا طاهرة، وتفرغ من عهدك، قال:
ويحك قد وجدتني أصلي، فتراني كنت أصلي ولست بطاهر، وثيابي غير طاهرة، وأما ما ذكرت من العهد فإني أضل ممن أرسلك إن كنت بت ليلة ولم أفرغ من عهدي.
стр. 2209
فانطلق، فلما أتى الوالي دعوه فأبى أن يجيب، فأمره بالتجريد ولبس ثيابا من شعر، ثم جلده مائة سوط، وحلق رأسه ولحيته، ووقف فقال: لو كنت أعلم أنه ليس شيء إلا هذا ما نزعت ثيابي طائعا، ولا أجبت إلى ذلك.
قال ضمام: فبلغني أن هشام بن إسماعيل كان إذا خطب الناس يوم الجمعة تحول إليه سعيد بن المسيب بوجهه ما دام يذكر الله حتى إذا رفع يذكر عبد الملك ويمدحه ويقول فيه ما يقول أعرض عنه سعيد بوجهه، فلما فطن له هشام أمر حرسيا أن يخصب وجهه إذا تحول عنه، ففعل ذلك به، فقال سعيد لهشام وأشار بيده إليه: هي ثلاث نحل. فما مر به إلا ثلاثة أشهر حتى عزل هشام.
ومعنى نحل: حسب.
[أنبأنا الحسين بن عبد الوهاب، قَالَ: أخبرنا ابن المسلمة، قَالَ:] [١] أخبرنا المخلص، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الزبير بْن بكار، قَالَ: حدثني عمي مصعب بن عبد الله، قال:
كان سعيد بن المسيب لا يقبل بوجهه على هشام بن إسماعيل إذا خطب يوم الجمعة، فأمر به هشام بعض أعوانه يعطفه عليه إذا خطب فأهوى العون يعطفه فأبى عليه فأخذه حتى عطفه، فصاح سعيد، يا هشام إنما [هي] [٢] أربع بعد أربع. فلما انصرف هشام قال: ويحكم جن سعيد، فسئل سعيد: أي شيء أربع بعد أربع، سمعت في ذلك شيئا؟ قال: لا، / فقيل: ما أردت بقولك؟ قال: إن جاريتي لما أردت المسجد، قالت لي: إني رأيت هذه الليلة رؤيا فلا تخرج حتى أقصها عليك وتعبرها لي، رأيت كأن موسى غطس عبد الملك في البحر ثلاث غطسات، فمات في الثالثة، فأولت أن عبد الملك مات، وذلك أن موسى بعث على الجبارين بقتلهم، وعبد الملك جبار هذه الأمة. قال: فلم قلت أربع بعد أربع؟ قال: مسافة مسير الرسول من دمشق إلى المدينة بالخبر. فمكثوا ثماني ليال ثم جاء رسول بموت عبد الملك.
стр. 2210
تزويج بنت سعيد
أخبرنا المحمدان ابن ناصر، وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حمد بْنُ أحمد الحداد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم أحمد بن عبد الحافظ قال: أخبرنا عمر بن أحمد بن عثمان، قال: أخبرنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، عن عطاء وابن خالد، عن ابن حرملة [١] ، عن ابن أبي وداعة، قال:
كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياما، فلما جئته، قال: أين كنت؟ قلت:
توفيت أهلي فاشتغلت بها، قال: ألا أخبرتنا فشهدناها. قال: ثم أردت أن أقوم فقال:
هل استحدثت امرأة؟ فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة، فقال: أنا، فقلت: أو تفعل؟ نعم، ثم حمد الله وصلى على النبي ﷺ وزوجني على درهمين أو ثلاثة. قال: فقمت وما أدري [ما أصنع] [٢] من الفرح، فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر ممن آخذ؟ وممن أستدين؟ فصليت المغرب، وكنت وحدي، وقدمت عشائي أفطر خبزا وزيتا، فإذا الباب يقرع، فقلت: من هذا؟ قال: سعيد، قال: فأفكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب، فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، فقمت فخرجت، فإذا سعيد بن المسيب، فإنه قد بدا له، فقلت: يا أبا محمد ألا أرسلت/ إلي فآتيك، قال: لا، أنت أحق أن تؤتى، قلت: فما تأمر؟ قال:
إنك كنت رجلا عزبا تزوجت فكرهت أن أبيتك الليلة وحدك، وهذه امرأتك [قال:] [٣] فإذا هي قائمة من خلفه في طوله، ثمّ أخذ بيدها فدفعها في الباب ورد الباب، فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت من الباب ثمّ تقدمتها إلى القصعة التي فيها الزيت والخبز، فوضعتها [٤] في ظل السراج لكيلا تراه، ثم صعدت إلى السطح فرميت الجيران
стр. 2211
فجاءوني، فقالوا: ما شأنك؟ قلت: ويحكم، زوجني سعيد بن المسيب بنته اليوم وقد جاء بها على غفلة، فقالوا: سعيد بن المسيب زوجك؟ قلت: نعم. وهو ذا هي في الدار. قال: ونزلوا هم إليها، وبلغ أمي فجاءت وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام.
قال: فأقمت ثلاثا ثم دخلت بها، فإذا هي من أجمل الناس، وإذا هي أحفظ الناس لكتاب اللَّه ، وأعلمهم بسنة رسوله، وأعرفهم بحق زوج. قال: فمكثت شهرا لا يأتيني سعيد ولا آتيه، فلما كان قرب الشهر أتيت سعيدا وهو في حلقته، فسلمت عليه، فرد علي السلام ولم يكلمني حتى تفرق [١] أهل المجلس، فلم يبق غيري، قال: ما حال ذلك الإنسان؟ قلت: خيرا يا أبا محمد على ما يحب الصديق ويكره العدو، فقال: إن رابك شيء فالعصا. فانصرفت إلى منزلي، فوجه إلي بعشرين ألف درهم. [١] قال عبد الله بن سليمان: وكانت بنت سعيد بن المسيب خطبها عبد الملك بن مروان لابنه الوليد حين ولاه العهد، فأبى سعيد أن يزوجه، فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد، وصب عليه جرة ماء وألبسه جبة صوف.
قال عبد الله: وابن أبي وداعة هو كثير بن المطلب بن أبي وداعة.
قال مؤلف الكتاب: [٢] وكان لكثير هذا ولد يقال له كثير أيضا. روى الحديث، وكان شاعرا ولم يكن له عقب. فأما أبو/ وداعة فاسمه الحارث بن صبيرة بن سعيد ابن سعد بن سهم. كان قد شهد بدرا مع المشركين فأسر، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «تمسكوا به فإن له ابنا كيسا بمكة. فخرج المطلب ففداه بأربعة آلاف درهم. وهو أول أسير فدي، فشخص الناس بعده ففدوا أسراهم، وكان أبوه صبيرة قد جاز الأربعين سنة بقليل ثم مات.
أنبأنا الحسين بن عبد الوهاب، قال: أخبرنا ابن المسلمة، قال: أخبرنا
стр. 2212
المخلص، قال: حدثنا سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بكار، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِي بْن صَالِح، عَن عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير:
أن الناس مكثوا زمانا ومن جاز من قريش في السن أربعين سنة عمر، فجازها صبيرة بن سعيد بيسير، ثم مات فجأة، ففزع لذلك الناس، فناحت عليه الجن، فقالت:
من يأمن الحدثان بعد ... صبيرة القرشي ماتا
عجلت منيته المشيب ... فكان منيته افتلاتا
وفي رواية أن شاعرا قال:
حجاج بيت الله إن ... صبيرة القرشي ماتا
سبقت منيته المشيب ... كأن ميتته افتلاتا
فتزودوا لا تهلكوا من ... دون أهلكم خفاتا
قال مؤلف الكتاب ﵀: [١] ثم إن أبا وداعة أسلم يوم الفتح وبقي إلى خلافة عمر، وأسلم ابنه المطلب يوم الفتح أيضا.
توفي سعيد بالمدينة في هذه السنة وهو ابن أربع وثمانين سنة.
٥٣٠- علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، أبو الحسن: [٢]
أمه أم ولد اسمها غزالة. روى عن أبيه، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وصفية، وأم سلمة، وشهد مع أبيه كربلاء وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وكان مريضا/ حينئذ ملقى على الفراش، فلما قتل الحسين قال شمر: [٣] اقتلوا هذا، فقال رجل من أصحابه: سبحان الله، أتقتلون غلاما حدثا مريضا لم يقاتل، وجاء عمر بن سعد بن أبي وقاص، فقال: لا تعرضوا للنسوة ولا لهذا المريض، ثم أدخل على ابن زياد، فهم
стр. 2213
بقتله ثم تركه وبعثه إلى يزيد، فرده إلى المدينة، فالعقب من ولد الحسين لعلي من هذا، وأما الأكبر المقتول فلا عقب له.
أخبرنا المبارك بن علي الصيرفي، عن عبد الغفار بن القاسم، قال: كان علي بن الحسين خارجا من المسجد، فلقيه رجل فسبه، فثارت إليه العبيد والموالي، فقال علي بن الحسين: مهلا عن الرجل، ثم أقبل عليه، فقال: ما ستر الله عليك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل، فألقى إليه خميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فكان الرجل بعد ذلك يقول: أشهد أنك من أولاد الرسل. أنبأنا البارع بإسناد له عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، قال: قدم المدينة قوم من أهل العراق فجلسوا إلي ثم ذكروا أبا بكر وعمر ﵄ فنسبوهما، ثم ابتركوا في عثمان ابتراكا [١] ، فقلت لهم: أخبروني، أنتم من المهاجرين الأولين الذين قال الله فيهم: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً [٢] وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ٥٩: ٨ [٣] قالوا:
لسنا منهم قال: فأنتم من الذين قال الله فيهم: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٥٩: ٩ [٤] قالوا: لسنا منهم. قال لهم: أما أنتم فقد تبرأتم من الفريقين أن تكونوا منهم، وأنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة الذين قال الله فيهم: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ٥٩: ١٠ [٥] قوموا عني، لا قرب الله قربكم فأنتم تستترون بالإسلام، ولستم من أهله. [٦]
стр. 2214
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا علي بن محمد الأنباري، قال:
أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن صفوان، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر القرشي، قال: حدّثني محمد بن أبي معشر، قال: حدثني ابن أبي نوح الأنصاري، قال: وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين ﵄ وهو ساجد، فجعلوا يقولون له: يا ابن رسول الله النار، يا ابن رسول الله النار، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟ قال: ألهتني النار الأخرى. أَخْبَرَنَا [١] مُحَمَّد بْن عَبْد الباقي بإسناد لَهُ عن عبد الله بن أبي سليمان، قال: كان علي بن الحسين ﵄ لا تجاوز يده فخذه، ولا يخطر بيده، وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فقيل له: مالك؟ فقال: تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي. أخبرنا محمد بن أبي القاسم بإسناد له عن أبي حمزة الثمالي، قال: كان علي بن الحسين ﵄ يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز [بإسناده] [٢] عن جعفر بن محمد، قال: كان علي بن الحسين ﵄ لا يحب أن يعينه على طهوره أحد، كان يستقي الماء لطهوره ويخمره قبل أن ينام، فإذا قام من الليل بدأ بالسواك ثم يتوضأ ثم يأخذ في صلاته، وكان لا يدع صلاة الليل في السفر والحضر، وربما صلاها على بعيره، وكان يقول: عجبت للمتكبر الفخور الذي كان بالأمس نطفة ثم هو غدا جيفة، وعجبت كل العجب لمن شك في الله وهو يرى خلقه، وعجبت كل العجب لمن ينكر النشأة الأخرى وهو يرى الأولى، ولمن عمل لدار الفناء وترك دار البقاء.
وكان إذا أتاه سائل رحب به وقال: مرحبا بمن يحمل زادي إلى الآخرة.
стр. 2215
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر بإسناد لَهُ عَنْ [١] طاووس، قال: / رأيت علي بن الحسين ﵄ ساجدا، فقلت: رجل صالح من أهل بيت طيب، لأسمعن ما يقول:
فأصغيت إليه فسمعته يقول: عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فقيرك بفنائك. فو الله ما دعوت بها في كرب إلا كشف عني. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال:
أخبرنا ابن عليّ الطناجيري، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصِ بْنِ شَاهِينَ، قَالَ: حدثنا محمد بن الحَسَن، [٢] قَالَ: حدثنا أحمد بن الحارث، قال: حدثنا جدي قال: حدثنا الهيثم بن عدي، قال: حدثنا جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ علي بن الحسين ﵄: سألت الله في دبر كل صلاة [سنة] [٣] أن يعلمني اسمه الأعظم. قال:
فو الله إني لجالس قد صليت ركعتي الفجر إذ ملكتني عيناي، فإذا رجل جالس بين يدي قال: قد استجيب لك، فقل: اللَّهمّ إني أسألك باسمك الله الله الله الله الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم. ثم قال لي: أفهمت أم أعيد عليك، قلت: أعد علي، ففعل قال علي: فما دعوت بها في شيء قط إلا رأيته، وإني لأرجو أن يدخر الله لي عنده خيرا. أخبرنا عبد الوهاب، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: حدثنا أبو محمد الجوهري، قال: حدثنا ابن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا [أَبُو بكر] [٤] بْن الأنباري، قَالَ: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا عبد الله بن هارون بن أبي عيسى، عن أبيه، عن حاتم بن أبي صفيرة [٥] ، عن عمرو بن دينار، قال: دخل علي بن الحسين ﵄ على أسامة بن زيد في مرضه الّذي مات
стр. 2216
فيه وهو يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ قال: دين علي، قال: كم مبلغه؟ قال: خمسة عشر ألف دينار- أو بضعة عشر ألف دينار [١]- قال: فهو علي. وقال شيبة بن نعامة الضبي: كان علي بن الحسين ﵄ يبخل، فلما مات وجدوه يقوت مائة أهل بيت. وفي رواية: أنه كان إذا أقرض قرضا لم يستعده، وإذا عار ثوبا لم يرتجعه [٢] ، وإذا وعد شيئا لم يأكل ولم يشرب حتى يفي بوعده، وإذا مشى في حاجة فوقفت قضاها من ماله. وكان يحج ويغزو ولا يضرب راحلته. وكان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة. وقال الزهري: لم أر هاشميا أفضل منه ولا أفقه منه.
أنبأنا [٣] محمد بن أبي منصور الحافظ، قال: أخبرنا أبو الفضل جعفر بن يحيى بن إبراهيم المكي، قال: أخبرنا القاضي أبو الحسن محمد بن علي بن صخر، قال: أخبرني علي بن أحمد بن عبد الرحمن الأصبهاني، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: سمعت الزهري يقول:
وجه عبد الملك بن مروان رسلا في حمل علي بن الحسين فوجدوه بمكة، فحملوه مكبلا بالحديد ومنع الناس أن يدخلوا عليه.
قال ابن شهاب: فأذنت عليه، فصرفني البوابون من عند عبد الملك فأذنوا لي، فدخلت عليه الحبس وجعلت أتوجع له وأقول له: يعز عليّ يا ابن رسول الله أن أراك على مثل هذه الحالة، فلما رأى شدة حزني وبكائي، قال: يا زهري، لا تجزع إن هذا الحديد لا يؤذيني، ثم نزعه من رجله ووضعه بين يدي، وقال: لست أجوز معهم ذات عرق.
قال: ثم مضوا به محمولا، فما لبثنا بعد ذلك إلا أربعة أيام حتى [أتت] [٤] رسل عبد الملك يسألون عن علي بن الحسين وقد فقدوه، فقلت كيف كان أمره؟ قالوا: لما
стр. 2217
نزلنا ذات عرق فبتنا بها ليلتنا تلك فلما أصبحنا وجدنا حديده وفقدناه.
قال ابن شهاب: فقدمت بعد ذلك بأسبوع على عبد الملك وهو بالشام فسألني عن علي بن الحسين، فقلت: أنت أعلم به مني، فقال: إنه قدم علي في اليوم الذي فقده فيه أصحابي بذات عرق فدخل علي من هذا الباب فقال: ما أنا وأنت، فقلت:
أريد أن تقيم عندي [١] ... قال علماء السير: حج هشام بن عبد الملك ولم يل الخلافة بعد، فطاف بالبيت فجهد أن يصل إلى الحجر فيستلمه، فلم يقدر عليه، فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس، فأقبل علي بن الحسين فطاف بالبيت، فلما بلغ إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلمه، / فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟
فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، وكان الفرزدق حاضرا، فقال الفرزدق: ولكني أعرفه، فقال الشامي: من هذا يا أبا فراس؟، فقال:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
ينمى إلى ذروة العز [٢] التي قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم [٣]
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه ... لخر يلثم منه الكف والقدم [٤]
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
من جده دان فضل الأنبياء له. ... وفضل أمته دانت له الأمم
стр. 2218
ينشق نور الهدى عن نور غرته ... كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم [١]
مشتقة من رسول الله نبعته ... طابت عناصره [٢] والخيم والشيم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا
الله شرفه قدما وفضله [٣] ... جرى بذاك له في لوحه القلم
وليس قولك: من هذا؟ بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عم نفعهما ... يستوكفان ولا يعروهما العدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره ... يزينه اثنان حسن الخلق والشيم
حمال أثقال أقوام إذا فدحوا ... رحب الفناء أريب حين يعتزم
عم البرية بالإحسان فانقشعت ... عنه الغيابة والإملاق والعدم
من معشر حبهم دين وبغضهم ... كفر وقربهم منجى ومعتصم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهم ... ولا يدانيهم قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... والأسد أسد الشرى والبأس محتدم
لا ينقص العسر بسطا من أكفهم ... سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا
يستدفع السوء والبلوى بحبهم ... ويسترب به الإحسان والنعم
مقدم بعد ذكر الله ذكرهم ... في كل بدء ومختوم به الكلم
يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم ... خيم كريم وأيد بالندى هضم
أي الخلائق ليست في رقابهم ... لأوّليّة هذا أو له نعم
ما قال لا قط إلا في تشهده ... لولا التشهد كانت لاءه نعم
من يعرف الله يعرف أولية ذا ... الدين من بيت هذا ناله الأمم
قال: فغضب هشام وأمر بحبس الفرزدق بعسفان- بين مكة والمدينة. وبلغ ذلك علي بن الحسين، فبعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم، وقال: أعذر أبا فراس، فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به، فردها الفرزدق وقال: يا ابن رسول الله ما قلت
стр. 2219
الذي قلت إلا غضبا للَّه ولرسوله، وما كنت لأزرأ عليه شيئا، فقال: شكر الله لك، إلا أنا أهل البيت إذا أنفذنا أمرا لم نعد فيه، فقبلها، وجعل يهجو هشاما وهو في الحبس، فكان مما هجاه به قوله:
أتحبسني بين المدينة والتي ... إليها قلوب الناس يهوى منيبها
يقلب رأسا لم يكن رأس سيد ... وعين له حولاء باد عيوبها
توفي علي بن الحسين بالمدينة في هذه السنة، ودفن بالبقيع، وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
ومن العجائب: ثلاثة كانوا في زمان واحد، وهم بنو/ أعمام، كل واحد منهم اسمه عليّ، ولهم ثلاثة أولاد كل واحد اسمه محمد، والآباء والأبناء علماء أشراف:
علي بن الحسين بن علي، وعليّ بن عبد الله بن عباس، وعلي بن عبد الله بن جعفر.
٥٣١- عروة بن الزبير بن العوام، أبو عَبْد اللَّهِ: [١]
أمه أسماء بنت أبي بكر. روى عن أبيه، وعن زيد بن ثابت، وأسامة، وأبي أيوب، والنعمان بن بشير، وأبي هريرة، ومعاوية، وابن عمر، وابن عمرو، وابن عباس في آخرين، وكان فقيها فاضلا يسرد الصوم، مات صائما.
أَخْبَرَنَا إسماعيل بْن أَحْمَد السمرقندي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن هبة اللَّه الطبري، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن الحسين بْن الفضل، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن درستويه [٢] ، قَالَ: حَدَّثَنَا يعقوب بْن سفيان، قال: حدثني سعيد بن أسد، قال: حدثنا ضمرة، عن ابن شوذب، قال:
كان عروة بن الزبير إذا كان أيام الرطب ثلم حائطه، فيدخل الناس فيأكلون ويحملون، وكان إذا دخله ردد هذه الآية فيه حتى يخرج منه: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ١٨: ٣٩ [٣] .
стр. 2220
وكان عروة يقرأ ربع القرآن كل يوم نظرا في المصحف، ويقوم به الليل فما تركه إلا ليلة قطعت رجله، ثم عاود من الليلة المقبلة.
قال يعقوب: وحدثني العباس بن مزيد، قال: أخبرني أبي قال: قال أبو عمرو يعني الأوزاعي:
خرجت في بطن قدمه بثرة- يعني عروة- فترامى به ذلك إلى أن نشرت ساقه، فقال لما نشرت: اللَّهمّ إنك تعلم أني لم أمش بها إلى سوء قط.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الباقي بإسناده عَنْ هشام بن عروه، قال: خرج أبي إلى الوليد بن عبد الملك، فوقعت في رجله الأكلة، فقال له الوليد، يا أبا عبد الله، أرى لك قطعها. قال: فقطعت وإنه لصائم، فما تضور وجهه. قال: ودخل ابن له- أكبر ولده- اصطبله، فرفسته دابة فقتلته، فما سمع من أبي في ذلك شيء حتى قدم المدينة، فقال:
اللَّهمّ إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا وأبقيت لي ثلاثة، فلك الحمد. وكان لي بنون أربعة/ فأخذت واحدا وبقيت لي ثلاثة فلك الحمد، وأيم الله لئن أخذت لقد أبقيت ولئن ابتليت لطالما عافيت.
توفي عروة بناحية الفرع في هذه السنة، ودفن هناك. وقيل: توفي في السنة التي قبلها.
٥٣٢-[أبو بكر] [١] بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة: [٢]
ولد في خلافة عمر، وليس له اسم. وروى عن أبي مسعود الأنصاري، وأبي هريرة، وعائشة، وأم سلمة، وكان يقال له: راهب قريش لكثرة صلاته، وكان فقيها جوادا، أودع مالا، فذهب فغرمه حفظا لعرضه، وذهب بصره، فذهب يوما إلى مغتسله فمات فجأه في هذه السنة.
стр. 2221
ثم دخلت سنة خمس وتسعين
فمن الحوادث فيها غزوة العباس بن الوليد بن عبد الملك أرض الروم، ففتح الله على يديه ثلاثة حصون، وفتح قنسرين.
وفيها: قتل الوضاحي بأرض الروم وقتل معه نحو من ألفي رجل.
وفيها: انصرف موسى بن نصير إلى إفريقية من الأندلس.
وفيها: غزا قتيبة الشاش، فلما وصل إليها جاءه موت الحجاج، فقفل راجعا إلى مرو، فجاءه كتاب من الوليد يقول فيه: عرف أمير المؤمنين بلاءك وجهادك وجدك في جهاد أعداء المسلمين، وأمير المؤمنين رافعك وصانع بك ما تحب، فلا تغيب عن أمير المؤمنين كتبك حتّى كأني أنظر إلى بلادك، والثغر الذي أنت به.
- وفي هذه السنة مات الحجاج، فاستخلف على الصلاة ابنه عبد الرحمن وقيل: بل استخلف [يزيد بن أبي كبشة على الصلاة، و] [١] على الخراج يزيد بن أبي مسلم، وأقرهما الوليد، وأقر عمال الحجاج كلهم.
وفي هذه السنة ولد المنصور بن عبد الله بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس ﵁.
стр. 2222
وفي هذه السنة حج بالناس بشر بن الوليد بن عبد الملك، وكان العمال فيها العمال/ في السنة التي قبلها إلا ما كان من الكوفة والبصرة، فإنها ضمت إلى من ذكرنا بعد موت الحجاج.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٥٣٣- الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل، وهو عتبة بن مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن عوف بن سعد بن عوف بن ثقيف، من الأحلاف: [١]
وأمه الفارعة بنت همام، وكانت عند المغيرة بن شعبة، فولدت له بنتا. وكان الحجاج أخفش، دقيق الصوت فصيحا حسن الحفظ للقرآن [٢] ، إلا أنه قد أخذ عليه فيه لحن.
قال ليحيى بن يعمر: أتجدني ألحن، قال: الأمير أفصح من ذلك، قال: عزمت عليك لتخبرني، قال: نعم: وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ ٩: ٢٤ [٣] بالرفع وأحب منصوب، قال: لا تسمعني ألحن بعدها فنفاه إلى خراسان.
وكان الحجاج أول أيامه معلما، وكان يقرأ في كل ليلة ربع القرآن. وسمع الحديث وأسنده، وليس بأهل أن يروى عنه.
وكان الحجاج قد أذل أصحاب رسول الله ﷺ وأهل المدينة خاصة، واحتج بأنهم لم ينصروا عثمان، وقتل الخلق الكثير يحتج عليهم بأنهم خرجوا على عبد الملك.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ الْكَرُوخِيُّ، [قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عامر الأزدي، وأبو بكر الكروخي،
стр. 2223
قالا: أخبرنا عبد الجبار بن محمد بن الجراح، عن أبي العباس بن محبوب] [١] ، عن الترمذي، عن هشام بن حسان، قال:
أحصينا ما قتل الحجاج صبرا فبلغ مائة ألف وعشرين ألف رجل.
وأخبرنا عبد الوهاب بإسناد له عن الأصمعي، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عباد بن كثير، عن قحذم، قال:
وجد في سجن الحجاج ثلاثة وثلاثين ألفا ما يجب على أحد منهم قطع ولا قتل ولا صلب، ووجد [٢] فيهم أعرابي رئي جالسا يبول عند ربض المدينة- يعني واسط- فخلى عنه، فانصرف وهو يقول:
/ إذا نحن جاوزنا مدينة واسط ... خرينا وصلينا بغير حساب
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْبُسْرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيِّ، قَالَ: حَدَّثَني أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْن مُحَمَّد الْكَلْبِيُّ، عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: [٣] دَخَلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ عَلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، فَلَمَّا وَقَفَ سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ له الحجاج: إيه إِيهِ يَا أَنَسُ، يَوْمٌ لَكَ مَعَ عَلِيٍّ، وَيَوْمٌ لَكَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَيَوْمٌ لَكَ مَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ، وَاللَّهِ لأَسْتَأْصِلَنَّكَ كَمَا تُسْتَأْصَلُ الشَّأْفَةُ [٤] ، وَلأدَمْغَنَّكَ كَمَا تُدْمَغُ الصَّمْغَةُ، فَقَالَ أَنَسٌ: إِيَّايَ- يَعْنِي الأَمِيرَ- أَصْلَحَهُ اللَّهُ؟ قَالَ: إِيَّاكَ صَكَّ [٥] اللَّهُ سَمْعَكَ، قَالَ أَنَسٌ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ٢: ١٥٦ وَاللَّهِ لَوْلا الصِّبْيَةُ الصِّغَارُ مَا بَالَيْتُ أَيَّ قَتْلَةٍ قُتِلْتُ، وَلا أَيَّ مِيتَةٍ مِتُّ.
ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدَهُ، فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، فلما قرأ كتابه
لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ من بَعْدِي ٣٨: ٣٥ [١] ثُمَّ اضْمَحَلَّ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ وَكُلُّكُمْ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وَاللَّهِ لَكَأَنِّي [بِي] [٢] / وَبِكُمْ، وَقَدْ صَارَ كُلُّ حَيٍّ مِنَّا مَيِّتًا، وَكُلُّ رَطْبٍ مِنَّا يَابِسًا، وَنُقِلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنَّا فِي ثِيَابِ طُهْرِهِ إِلَى ثَلاثِ أَذْرُعٍ فِي ذِرَاعَيْنِ، فَأَكَلَتِ الأَرْضُ لَحْمَهُ وَمَصَّتْ دَمَهُ وَصَدِيدَهُ، وَرَجَعَ الْخَبِيثَانِ يُقِيمُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ خَبِيثَةً مِنْ وَلَدِهِ يُقَسِّمُ خَبِيثَةً مِنْ مَالِهِ، أَلا إِنَّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ مَا أَقُولُ، ثُمَّ نَزَلَ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا المبارك بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الطَّيِّبِ الطبري، قال: حدثنا المعافى بن زكريا، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَلْبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ:
لَمَّا أَرَادَ الْحَجَّاجُ الْخُرُوجَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى مَكَّةَ خَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ، إِنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ، وَقَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدًا ابْنِي، وَأَوْصَيْتُهُ فِيكُمْ بِخِلافِ مَا أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الأَنْصَارِ، فَإِنَّهُ أَوْصَى فِي الأَنْصَارِ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ، أَلا وَإِنِّي قَدْ أَوْصَيْتُهُ بِكُمْ أَلا يَقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِكُمْ، وَلا يَتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِكُمْ، أَلا فَإِنَّكُمْ قَائِلُونَ: لا أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ الصَّحَابَةَ، وَإِنِّي مُعَجِّلٌ لَكُمُ الْجَوَابَ: لا أَحْسَنَ الله عليكم الخلافة.
تم الجزء السادس من كتاب المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، تأليف الشيخ الإمام العالم الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن الجوزي عفى الله عنه وعن جميع المسلمين. يتلوه في الجزء السابع ذكر وفاة الحجاج. قد ذكرنا أن عبد الملك بن مروان أوصى الوليد بالحجاج ثم لم يلبث الحجاج.....
стр. 2230
[المجلد السابع]
بسم الله الرّحمن الرّحيم وبه نستعين
[تتمة سنة خمس وتسعين]
[تتمة ذكر من توفى في هذه السنة]
[تتمة ٥٥٣- الحجاج بن يوسف]
ذكر وفاة الحجاج
قد ذكرنا أن عبد الملك بن مروان أوصى ولده الوليد بالحجاج، ثم لم يمت الحجاج حتى ثقل على الوليد، وكان الوليد قد مرض فغشي عليه، فمكث عامة يومه يحسبونه ميتا، فقدمت البرد على الحجاج بذلك فاسترجع، وأمر بحبل فشد في يده ثم أوثق إلى أسطوانة، وقال: اللَّهمّ لا تسلط علي من لا رحمة له فقد طال ما سألتك أن تجعل منيتي قبل منيته، وجعل يدعو. فقدم البريد بإفاقته، فلما أفاق الوليد، قال: ما أَحَدٌ أَسَرَّ بعافيتي من الحجاج، فقال عمر: كأني بكتاب الحجاج قد أتاك يذكر أنه لما بلغه بُرؤك خر ساجدا وأعتق كل مملوك له، فجاء الكتاب بذلك، وبقي الحجاج في إمرته [١] على العراق تمام عشرين سنة، وكان مقدما على القتل والظلم، وآخر من قتل سعيد بن جبير، فوقعت الأكلة في بطنه [٢] ، فأخذ الطبيب لحما وجعله في خيط وأرسله في حلقه ثم استخرجه وقد لصق الدود به، فعلم أنه ليس بناج، فقال:
يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا ... أيمانهم أنني من ساكني النار
أيحلفون على عمياء ويلهم ... ما علمهم بعظيم العفو غفار
أخبرنا محمد بن [أبي] [٣] القاسم، قَالَ: حَدَّثَنَا حمد بْن أَحْمَد، قَالَ: حدثنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا أبو حامد بن جبلة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال:
стр. 2231
حدثنا هارون بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مسلمة، قال: حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن كاتب كان [١] للحجاج يقال له يعلى، قال:
كنت أكتب للحجاج وأنا يومئذ غلام حديث السن، فدخلت عليه يوما بعد قتل سعيد بن جبير وهو في قبة لها أربعة أبواب، فدخلت مما يلي ظهره، فسمعته يقول: ما لي ولسعيد بن جبير، فخرجت رويدا وعلمت أنه إن علم بي قتلني، [ثم لم يلبث الحجاج إلا يسيرا حتى مات] [٢] .
وفي رواية أخرى: أنه كان يقول: ما لي ولسعيد بن جبير كلما أردت النوم أخذ برجلي.
ومات في شوال هذه السنة. وقيل: لخمس بقين من رمضان، وهو ابن أربع وخمسين سنة. وقيل: ثلاث وخمسين سنة.
وقال أبو عمر الجرمي [٣] ، قال يونس النحوي: أنا أذكر عرس العراق، فقيل له:
وما عرس العراق؟ قال: موت الحجاج سنة خمس وتسعين.
ولما مات ولى عليها الوليد بن عبد الملك مكانه يزيد بن أبي شبل [٤] .
وذكر أبو عمر أحمد بن عبد ربه في كتاب «العقد» : أن رجلا حلف بالطلاق أن الحجاج في النار، فسأل الحسن البصري، فقال: لا عليك يا ابن أخي فإن لم يكن الحجاج في النار فما ينفعك [٥] أن تكون مع امرأتك في زنا.
وقال يزيد الرقاشي: إني لأرجو للحجاج، فقال الحسن: إني لأرجو أن يخلف الله رجاءك [٦] .
وقيل لإبراهيم النخعي: ما ترى في لعن الحجاج؟ فقال: ألم تسمع إلى قول الله تعالى: (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) ١١: ١٨ [٧] . وأشهد أن الحجاج كان منهم.
стр. 2232
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، ومحمد بن ناصر، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا الحسين بن محمد النصيبي، قال: أخبرنا إسماعيل بن سويد، قال: حدثنا أبو بكر بن الأنباري، قال: حَدَّثَني أبي، قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخراز، قال: حدثنا أبو الحسن المدائني، قال: قال عمر بن عبد العزيز:
إذا أتت قوم فارس بأكاسرتها، والروم بقياصرتها أتينا بالحجاج فكان عدلا بهم [١] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن الحسين بن خيرون، قال:
أخبرنا [٢] مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ رَزَمَةَ، قَالَ: أخبرنا أبو محمد علي بن عبد الله [٣] بن المغيرة، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الأسدي، قال: حدثنا العباس بن فرح الرياشي [٤] ، قال: حدثنا ابن أبي سمية، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، قال:
قيل ليزيد بن أبي مسلم: أن الحجاج يسمع صياحه من قبره، قال: فانطلق في نفر من أصحابه إلى قبره فسمع الصياح، فقال: يرحمك الله أبا محمد، ما تدع تهجدك حيا ولا ميتا.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْن أَحْمَد السمرقندي، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن هبة الله الطبري، قال: حدثنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا الحسين بْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد القرشي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جَمِيلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ:
أُغْمِيَ عَلَى الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى مَعَ: (الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً) ٤: ٦٩ [٥] وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَالْحَجَّاجُ يَجُرَّانِ أَمْعَاءَهُمَا فِي النَّارِ.
стр. 2233
٥٣٤- سعيد بن جبير، يكنى أبا عبد الله، مولى لبني والبة [١] بن الحارث من بني أسد بن خزيمة:
[٢] روى عن علي، وأبي مسعود البدري، وابن عمر، وابن عمرو، وأبي موسى [الأشعري] [٣] ، وعبد الله بن المغفل، وعدي بن حاتم، وأبي هريرة، وأكثر عن ابن عباس. وكان عالما، وكان ابن عباس يقول له: حدث وأنا حاضر.
وقال لأهل الكوفة: تسألوني وفيكم سعيد بن جبير.
وجاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن فريضة، فقال له: ائت سعيد بن جبير فإنه أعلم بالحساب مني.
وكان سعيد يقص على أصحابه بعد الفجر وبعد العصر، ويختم القرآن كل ليلتين، وكان إذا وقف في الصلاة [٤] كأنه وتد. وكان يبكي [بالليل] [٥] حتى عمش.
وكان يخرج في كل سنة مرتين: مرة للحج، ومرة للعمرة.
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال:
أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الدَّقَّاق، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو الحسين بْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر القرشي، قال: حدثنا عمر بن إسماعيل الهمداني، قال: حدثنا محمد بن سعيد الأموي، عن معاوية بن إسحاق، قال: حدثنا سعيد بن جبير عند الصباح فرأيته ثقيل اللسان، فقلت له: ما لي أراك ثقيل اللسان؟
فقال: قرأت القرآن البارحة مرتين ونصفا.
قال عمر: وحدثنا أبو معاوية، عن موسى بن المغيرة، عن حماد: أن سعيد بن
стр. 2234
جبير قرأ القرآن في ركعة واحدة في الكعبة، وقرأ في الثانية بقل هو الله أحد.
ذكر مقتله [١]
كان سعيد قد خرج مع القراء الذين خرجوا على الحجاج، وشهد دير الجماجم، فلما انهزم أصحاب ابن الأشعث هرب فلحق بمكة، فبقي زمانا طويلا. ثم إن خالد بن عبد الله القسري- وكان واليا للوليد بن عبد الملك على مكة- أخذه فبعثه إلى الحجاج مع إسماعيل بن أوسط البجلي، فقال له: ما الذي أخرجك؟ قال: كانت لابن الأشعث بيعة في عنقي، وعزم علي، فقال: رأيت لعدو الله عزمة لم ترها للَّه ولا لأمير المؤمنين، والله لا أرفع قدمي [٢] حتى أقتلك فأعجلك إلى النار سيف رعيب، فقام مسلم الأعور ومعه سيف فضرب عنقه.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ أَحْمَدَ بن سلمان، قال: أخبرنا حمد بْنُ أحمد الحداد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، قال: حدثنا أبو حامد بن جبلة، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إسحاق، قَالَ: حَدَّثَنَا واصل بن عبد الأعلى، قال: حدثنا أبو بكر بن عباس، عن أبي حصين، قال:
أتيت سعيد بن جبير بمكة، فقلت: إن هذا الرجل قادم- يعني خالد بن عبد الله- ولا آمنه عليك فأطعني واخرج، فقال: والله لقد فررت حتى استحييت من الله، قلت:
والله إني لأراك كما سمتك أمك سعيدا.
قال: فقدم مكة فأرسل إليه فأخذه. قال: فأخبرني يزيد بن عبد الله قال: أتينا سعيد بن جبير حين جيء به، فإذا هو طيب النفس وبنية له في حجره فنظرت إلى القيد فبكت، قال: فشيعناه إلى باب الجسر، فقال له الحرس: أعطنا كفيك فإنا نخاف أن تغرق نفسك، قال: يزيد: فكنت فيمن كفل به.
قال محمد بن إسحاق: وحدثنا محمد بن عبد العزيز الجزري [٣] ، قال: حدثنا يحيى بن حسان، قال: حدثنا صالح بن عمر، عن داود بن أبي هند، قال:
стр. 2235
لما أخذ الحجاج سعيد بن جبير قال: ما أراني إلا مقتولا وسأخبركم أني كنت أنا وصاحبان لي دعونا حين وجدنا حلاوة الدعاء، ثم سألنا الله الشهادة، فكلا صاحبي رزقها [١] ، وأنا أنتظرها، قال: فكأنه رأى أن الإجابة عند حلاوة الدعاء.
أخبرنا إسماعيل بْنُ أَحْمَدَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا أبو طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر الأنباري، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن الفضل بن نظيف الفراء، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن الحسن بن إسحاق بن عتبة الرازي، قال:
حدثنا هارون بن عيسى، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المقري [٢] ، قال: حدثنا حرملة بن عمران، قال: حدثنا ابن ذكوان:
أن الحجاج بن يوسف بعث إلى سعيد بن جبير فأصابه الرسول بمكة، فلما سار به ثلاثة أيام رآه يصوم نهاره ويقوم ليله، فقال له الرسول: والله إني لأعلم أني أذهب بك إلى من يقتلك فاذهب أي الطرق شئت [٣] ، فقال له سعيد: إنه سيبلغ الحجاج أنك قد أخذتني فإن خليت عني خفت أن يقتلك، ولكن اذهب بي إليه.
قال: فذهب به إليه، فلما أدخل عليه قال له الحجاج: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، قال: بل شقي بن كسير، قال: أمي سمتني [سعيدا] [٤] ، قال: شقيت أنت وأمك، قال: الغيب يعلمه غيرك، قال له الحجاج: أما والله لأبدلنك من دنياك نارا تلظى، قال سعيد: لو علمت أن ذلك إليك ما اتخذت إلها غيرك، ثم قال له الحجاج: ما تقول فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نبي مصطفى خير الباقين وخير الماضين، قال: فما تقول في أبي بكر الصديق؟ قال: ثاني اثنين إذ هما في الغار، أعز به الدين وجمع به بعد الفرقة، قال: وما تقول في عمر بن الخطاب؟ قال: فاروق الله وخيرته من خلقه [٥] ، أحب الله أن يعز الدين بأحد الرجلين، فكان أحقهما بالخيرة والفضيلة، قال: فما تقول في عثمان؟ قال: مجهز جيش العسرة، والمشتري بيتا في الجنة، والمقتول ظلما، قال:
стр. 2236
فما تقول في علي [بن أبي طالب] [١] ؟ قال: أولهم إسلاما، تزوج بنت رسول الله ﷺ التي هي أحب بناته، قال: فما تقول في معاوية؟ قال: كاتب رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فما تقول في الخلفاء منذ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إلى الآن؟ قال: سيجزون بأعمالهم فمسرور ومثبور لست عليهم بوكيل، قال: فما تقول في عبد الملك بن مروان؟ قال: إن يكن محسنا فعند الله ثواب إحسانه، وإن يكن مسيئا فلن يعجز الله، قال: فما تقول في؟
قال: أنت أعلم بنفسك، قال: بث في علمك، قال: إذن أسوؤك ولا أسرك، قال: بث، قال: نعم ظهر منك جور في حد الله وجرأة على معاصيه بقتلك أولياء الله، قال: والله لأقطعنك قطعا، ولأفرقن أعضاءك عضوا عضوا، قال: إذن تفسد علي دنياي وأفسد عليك آخرتك، والقصاص أمامك، قال: الويل لك من الله، قال: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار، قال: اذهبوا به فاضربوا عنقه، قال سعيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أستحفظكها [٢] حتى ألقاك يوم القيامة. ولما ذهبوا به ليقتل تبسم، فقال له الحجاج: مم ضحكت؟ قال: من جرأتك على الله ، فقال الحجاج: أضجعوه للذبح، فأضجع فقال: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) ٦: ٧٩ [٣] فقال الحجاج: اقلبوا ظهره إلى القبلة، فقرأ سعيد: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله) ٢: ١١٥ [٤] فقال: كبوه على وجهه، فقرأ سعيد: (مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى) ٢٠: ٥٥ [٥] فذبح من قفاه.
قال: فبلغ ذلك الحسن بن أبي الحسن البصري، فقال: اللَّهمّ يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج، فما بقي إلا ثلاثا حتى وقع الدود في بطنه فمات.
وفي رواية أخرى: أنه عاش بعده خمسة عشر يوما.
أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد [٦] بْن أَحْمَد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أخبرنا أبو حامد بن جبلة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق،
стр. 2237
قال: حدثنا الحسن بن عبد العزيز، قال: حدثنا سنيد [١] ، عن خلف بن خليفة، عن أبيه، قال:
شهدت مقتل سعيد بن جبير، فلما بان رأسه قال: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، ثم قال الثالثة [٢] فلم يتمها.
أخبرنا ابن ناصر، قَالَ: أخبرنا أبو عبد الله الحُمَيْدِي، قال: أخبرنا القضاعي، قال: أخبرنا أبو مسلم الكاتب، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن دريد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عثمان، قال:
حدثنا عبد الله [٣] ، قال: حدثنا غسان بن مضر، قال: حدثنا سعيد بن يزيد، قال:
كنا عند الحسن وهو متوار في بيت أبي خليفة، فجاءه رجل فقال له: يا أبا سعيد، قتل الحجاج سعيد بن جبير، فقال الحسن: لعنة الله على الفاسق بن يوسف، ثم قال:
والله لو أن أهل المشرق والمغرب اجتمعوا على قتل سعيد لأدخلهم الله النار.
وفي مقدار عمر سعيد بن جبير ثلاثة أقوال: أحدها سبع وخمسون، والثاني تسع وأربعون، والثالث اثنان وأربعون.
٥٣٥- عبد الرحمن بن معاوية بن خديج، أبو معاوية التجيبي [٤] :
روى عن ابن عمر، وابن عمرو، وأبي نضرة، وأبيه [٥] جمع له عبد العزيز بن مروان بين القضاء والشرط بمصر [٦] .
[وتوفي في هذه السنة] [٧] .
٥٣٦- قيس بن أبي حازم، واسمه حصين بن عوف، ويقال: اسمه عبد عوف بن الحارث، أبو عبد الله الأحمسي: [٨]
أدرك الجاهلية، وقصد رسول الله ﷺ ليبايعه فوجده قد توفي.
стр. 2238
روى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وابن مسعود، وبلال بن أبي رباح، وعمار، وخباب، وحذيفة، وجرير [في آخرين] [١] .
وقال أبو داود: روى عن تسعة من العشرة، [ولم يرو عن عبد الرحمن بن عوف، وقال غيره: روى عن العشرة] [٢] .
قال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش الحافظ: ليس في التابعين من روى عن العشرة غيره.
وشهد النهروان مع علي ﵁.
روى عنه أبو إسحاق، وإسماعيل بن خالد، والأعمش وجاز المائة بسنين كثيرة فتغير. وتوفي في هذه السنة، وقيل: في سنة ثمان وتسعين.
стр. 2239
ثم دخلت سنة ست وتسعين
فمن الحوادث فيها أن قتيبة بن مسلم افتتح كاشغر، وغزا الصين [١] .
وفيها: أن الوليد أراد الشخوص إلى أخيه سليمان ليخلعه ويبايع لابنه عبد العزيز بعده.
وقد ذكرنا أن عبد الملك جعلهما وليي عهده، فأراد الوليد سليمان على ذلك فأبى، وعرض عليه أموالا كثيرة فأبى. فكتب إلى عماله أن يبايعوا عبد العزيز، ودعا الناس إلى ذلك فلم يجبه إلى ذلك إلا الحجاج وقتيبة بن مسلم وخواص من الناس، فقال له عباد بن زياد: إن الناس لا يجيبونك إلى هذا، ولو أجابوك لم آمن الغدر منهم بابنك، فاكتب إلى سليمان فليقدم عليك فإن عليه طاعة فأرده على البيعة فإنه لا يقدر على الامتناع وهو عندك، وإن أبى كان الناس عليه.
فكتب الوليد إلى سليمان يأمره بالقدوم فأبطأ، فاعتزم الوليد على المسير إليه ليخلعه، فأمر الناس بالتأهب، فمرض فمات قبل أن يسير، فاستخلف سليمان.
стр. 2240
باب ذكر خلافة سليمان بن عبد الملك [١]
ويكنى أبا أيوب، بويع يوم موت أخيه الوليد، وكان بالرملة، فوصل الخبر إليه بعد سبعة أيام، [فبويع] ، وسار إلى دمشق، فورد على فاقة من الناس إليه لما كانوا فيه من جور الوليد وعسفه، فأحسن السيرة، ورد المظالم، وفك الأسرى، وأطلق أهل السجون، واتخذ عمر بن عبد العزيز وزيرا، ثم عهد إليه.
وكان طويلا أسمرا أعرج أكولا [٢] ، نشأ بالبادية عند أخواله، فلما قدم صعد المنبر، فخنقته العبرة، ثم قال:
ركب القلا به المطي فغافل ... عن سيره ومشمر لم يغفل
لا بد أن يرد المقصر والذي ... حب النجاء محله لم تحلل
يا أيها الناس، رحم الله من ذكر فاذكر، فإن العظة تجلو العمى، إنكم أوطنتم أنفسكم دار الرحلة، واطمأننتم إلى دار الغرور فألهاكم الأمل وغرتكم الأماني، فأنتم سفر وإن أقمتم، ومرتحلون وإن وطنتم، لا تشتكي مطاياكم ألم الكلال، ولا يتعبها دأب السير، ليل يدلج بكم وأنتم نائمون، ونهار يجد بكم وأنتم غافلون، لكم في كل يوم مشيع لا يستقبل، ومودع لا يؤوب. أولا ترون- رحمكم الله- إلى ما أنتم فيه منافسون، وعليه مواظبون، وله مؤثرون، من كثير يفنى، وجديد يبلى، كيف أخذ به المخلفون له، وحوسبوا عليه [٣] دون المتنعم به، فأصبح كل منهم رهنا بما كسبت يداه. وما الله بظلام للعبيد.
стр. 2241
فيا أيها اللبيب المستبصر فيهم تذهب أيامك ضياعا؟ وعما قليل [١] يقع محذورك، وينزل بك ما اطرحته وراء ظهرك، فأسلمك عشيرك، وفر منك قريبك، فنبذت بالعراء، وانفضت عنك الدنيا.
فامهد لنفسك أيها المغرور، واعمل قبل ركوب المضيق وسد الطريق، فكأني بك قد أدرجت في أطمارك، وأودعت ملحدك، وتصدع عنك أقربوك، واقتسم مالك بنوك، ورجع القوم يرعون في زهرات موبق دنياك التي كدحت لها وارتحلت عنها، فأنت كما قال الشاعر:
سترحل عن دنيا قليل بقاؤها ... عليك، وإن تبقى فإنك فان
إن الله عبادا فروا منه إليه فجالت فكرتهم في ملكوت العظمة، فعزفت عن الدنيا نفوسهم.
أيها الناس، أين الوليد وأبو الوليد وجد الوليد خلفاء الله، وأمراء المؤمنين، وساسة الرعية؟ أسمعهم الداعي، وقبض العارية معيرها، فاضمحل ما كان كأن لم يكن، وأتى ما كأنه لم يزل، وبلغوا الأمد، وانقضت بهم المدة، ورفضتهم الأيام وشمرتهم الحادثات، فسلبوا عن السلطنه، ونفضوا لدة الملك، وذهب عنهم طيب الحياة، فارقوا والله القصور وسكنوا القبور، واستبدلوا بلينة الوطاء خشونة الثرى، فهم رهائن التراب إلى يوم الحساب. فرحم الله عبدا مهد لنفسه، واجتهد لدينه، وأخذ بحظه، وعمل في حياته، وسعى لصلاحه، وعمل ليوم (تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً، وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ) ٣: ٣٠ [٢] أيها الناس، إن الله [٣] جعل الموت حتما سبق به حكمه، ونفذ به قدره، لئلا يطمع أحد في الخلود، ولا يطغي المعمر عمره، وليعلم المخلف بعد المقدم أنه غير مخلد. وقد جعل الله الدنيا دارا لا تقوم إلا بأئمة العدل، ودعاة الحق، وإن للَّه عبادا
стр. 2242
يملكهم أرضه، ويسوس بهم عباده، ويقيم بهم حدوده، ويجعلهم رعاة عباده، وقد أصبحت في هذا المقام الذي أنا به غير راغب فيه، ولا منافس عليه، ولكنها إحدى الربق أعلقها الواهق مساغ المزدرد ومخرج النفس، ولولا أن الخلافة تحفة من الله كفر باللَّه [خلفها] [١] لتمنيت أني كأحد المسلمين يضرب لي بسهمي.
فعلى رسلكم بني الوليد، فإني شبل عبد الملك، وناب مروان، لا تظلعني حمل النائبة، ولا يفزعني صريف الأجفر. وقد وليت من أمركم ما كنت له مكفيا، وأصبحت خليفة وأميرا، وما هو إلا العدل أو النار، وليجدني الممارس لي [٢] أخشن من مضرس الكذاب، فمن سلك المحجة حذي نعل السلامة، ومن عدل عن الطريق وقع في وادي الهلكة والضلالة. ألا فإن الله سائل كلا عن كل، فمن صحت نيته ولزم طاعته كان الله له بصراط التوفيق، وبرصد المعونة، وكتب له بسبيل الشكر والمكافأة، فاقبلوا العافية فقد رزقتموها، والزموا السلامة فقد وجدتموها، فمن سلمنا منه سلم منا، ومن تاركنا تاركناه، ومن نازعنا نازعناه.
فارغبوا إلى الله في صلاح نياتكم وقبول أعمالكم، وطاعة سلطانكم، فإني والله غير مبطل حدا، ولا تارك له حقا حتى أنكثها عثمانية عمرية، وقد عزلت كل أمير كرهته رعيته، ووليت أهل كل بلد من أجمع عليه خيارهم واتفقت عليه كلمتهم، وقد جعلت الغزو أربعة أشهر، وفرضت لذرية الغازين سهم المقيمين، وأمرت بقسمة صدقة كل مصر في أهله إلا سهم العامل عليها، وفي سبيل الله، وابن السبيل، فإن ذلك لي وأنا أولى بالنظر فيه، فرحم الله امرأ عرف منا سهو المغفل عن مفروض حق أو واجب فأعان برأي، وأنا أسأل الله العون على صلاحكم فإنه مجيب السائلين، جعلنا الله وإياكم ممن ينتفع بموعظته، ويوفي بعهده فإنه سميع الدعاء، وأستغفر الله لي ولكم.
ذكر طرف من أخباره وسيرته [٣]
أَخْبَرَنَا عَبْد الوهاب بن المبارك، ومحمد بن ناصر، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن
стр. 2243
عبد الجبار، قال: أخبرنا القاضي أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ، قَالَ: أخبرنا المعافى بن زكريا، قال: أخبرنا الحسين بن القاسم الكوكبي، قال: أخبرنا ابن أبي سعيد، قَالَ: حَدَّثَنِي علي بن مُحَمَّد بن سليمان الهاشمي، قال: حدثني عبد الله بن سليمان، عن سليمان بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عبد الله بن الحارث، قال:
كان سليمان بن عبد الملك أكولا، وكانت بينه وبين عبد الله بن عبد الله وصلة.
قال: قال لنا سليمان يوما: إني قد أمرت قيم بستان لي أن يحبس علي الفاكهة ولا يجني منها شيئا حتى يدرك، فاغدوا علي مع الفجر- يقول لأصحابه الذين كان يأنس بهم- لنأكل الفاكهة في برد النهار. فغدونا في ذلك الوقت، وصلى الصبح وصلينا، فدخلنا معه فإذا الفاكهة متهدلة على أغصانها، وإذا كل فاكهة مختارة قد أدركت كلها، فقال:
كلوا. ثم أقبل عليها وأكلنا بمقدار الطاقة، وأقبلنا نقول: يا أمير المؤمنين، هذا العنقود، فيخرطه في فيه، يا أمير المؤمنين هذه التفاحة، وكلما رأينا شيئا نضيجا أومأنا إليه فيأخذه فيأكله حتى ارتفع الضحى وارتفع النهار ثم أقبل على قيم البستان، فقال:
ويحك يا فلان إني قد استجعت فهل عندك شيء تطعمنيه؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين عناق حولية حمراء، قال: آتني بها، ولا تأتني معها بخبز. فجاء بها على خوان لا قوائم له وقد ملأت الخوان، فأقبل يأخذ العضو فيجيء معه فيخرطه في فيه ويلقي العظم حتى أتى عليها، ثم عاد لأكل الفاكهة، فأكل فأكثر، ثم قال للقيم: ويحك ما عندك شيء تطعمنيه؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين دجاجتان بحريتان قد عميتا شحما، قال: ائتني بهما، فأتى بهما ففعل بهما كما فعل بالعناق، ثم عاد لأكل الفاكهة، فأكل مليا، ثم قال للقيم: هل عندك شيء تطعمنيه فإني قد جعت؟ قال: عندي سويق [كأنه قطع الأوتار] [١] ، وسمن، وسكر. قال: أفلا أعلمتني قبل هذا به، ائتني به وأكثر، فأتاه بقعب يقعد فيه الرجل وقد ملأه من السويق وقد خلطه بالسكر وصب عليه السمن، وأتى بجرة من ماء بارد وكوز، فأخذ القعب على كفه وأقبل القيم يصب عليه الماء [فيحركه ويأكله- أو قال] [٢]- ويشربه حتى كفاه [٣] على وجهه فارغا، ثم عاد للفاكهة، فأكل مليا
стр. 2244
حتى علت الشمس [١] ، ودخل وأمرنا أن ندخل إلى مجلسه، فدخلنا وجلسنا، فما مكث أن خرج علينا، فلما جلس قام كبير الطباخين حياله يؤذنه بالغداء، فأومأ إليه أن ائت بالغداء، فأتاه به فوضع يده فأكل، فما فقدنا من أكله شيئا.
أخبرنا ابن ناصر الحافظ، قال: أخبرنا ثابت بن بندار، وأحمد بن علي بن سوار، وأبو الفضل محمد بن عبد الله الناقد، قالوا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بن رزقه، قال: أخبرنا أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي، قال:
حدثني محمد بن يحيى، عن معن بن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال:
كان سليمان بن عبد الملك في نادية له، فسمر ليلة على ظهر سطح، ثم تفرق عنه جلساؤه، فدعا بوضوء، فجاءت به جارية له، فبينا هي تصب عليه إذ استمدها بيده وأشار إليها فإذا هي ساهية مصغية بسمعها مائلة بجسدها كله إلى صوت غناء تسمعه في ناحية العسكر، فأمرها فتنحت واستمع هو الصوت، فإذا صوت رجل يغني، فأنصت له حتى [إذا] [٢] فهم ما يغنى به من الشعر، ثم دعا جارية من جواريه غيرها، فتوضأ.
فلما أصبح أذن للناس إذنا عاما، فلما أخذوا مجالسهم أجرى ذكر الغناء ومن كان يسمعه ولين فيه حتى ظن القوم أنه يشتهيه، فأفاضوا في ذلك في التليين والتحليل والتسهيل، وذكروا من كان يسمعه من أهل المروءات وسروات [٣] الناس، ثم قال: هل بقي أحد يسمع منه؟ فقال رجل من القوم: عندي رجلان من أهل أيلة حاذقان، فقال:
أين منزلك من العسكر، فأومأ إلى الناحية التي كان فيها الغناء. فقال سليمان: يبعث إليهما، فوجد الرسول أحدهما فأقبل به حتى أدخله على سليمان، فقال له: ما اسمك؟
قال: سمير، قال: فسأله عن الغناء كيف هو فيه؟ قال: حاذق محكم، قال: فمتى عهدك به؟ قال: في ليلتي هذه الماضية، قال: وفي أي نواحي العسكر كنت؟ فذكر له الناحية التي سمع فيها الصوت، قال: فما غنيت؟ قال: فذكر الشعر الذي سمع سليمان، فأقبل سليمان، يقول: هدر الجمل فضبعت [٤] الناقة، وهب التيس [٥] فشكرت الشاة، وهدر
стр. 2245
الحمام فرافت، [١] وغنى الرجل فطربت المرأة. ثم أمر به فخصي. وسأل عن الغناء أين أصله، وأكثر ما يكون؟ قالوا: بالمدينة وهو في المخنثين وهم الحذاق به والأئمة فيه، فكتب إلى عامله بالمدينة وهو أبو بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أن أخص [٢] من قبلك من المخنثين.
قال الزبير: وأخبرني محمد بن يحيى بن موسى بن جعفر بن أبي كثير، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه مثله.
وكان ابن أبي عبلة وسليمان بن حرب يقصان عند سليمان بن عبد الملك.
وفي هذه السنة عزل سليمان بن عبد الملك عثمان بن حيان عن المدينة لسبع بقين من رمضان.
وكانت إمرته عليها ثلاث سنين. وقيل: سنتين إلا سبع ليال.
وفيها: عزل سليمان يزيد بن أبي مسلم عن العراق. [٣] [وأمر عليها يزيد بن المهلب.
وفيها: جعل سليمان صالح بن عبد الرحمن على الخراج] [٤] وأمره أن يقتل آل أبي عقيل ويبسط عليهم العذاب وكان يلي عذابهم عبد الملك بن المهلب.
وفيها قتل قتيبة بن مسلم بخراسان [٥] وسبب قتله أن الوليد لما أراد خلع سليمان وافقه قتيبة، فلما مات الوليد خاف قتيبة من سليمان، وحذر أن يولي يزيد بن المهلب خراسان، فكتب إلى سليمان كتابا يهنئه بالخلافة، ويعزيه على الوليد [٦] ، ويعلمه بلاءه