فيا أيها اللبيب المستبصر فيهم تذهب أيامك ضياعا؟ وعما قليل [١] يقع محذورك، وينزل بك ما اطرحته وراء ظهرك، فأسلمك عشيرك، وفر منك قريبك، فنبذت بالعراء، وانفضت عنك الدنيا.
فامهد لنفسك أيها المغرور، واعمل قبل ركوب المضيق وسد الطريق، فكأني بك قد أدرجت في أطمارك، وأودعت ملحدك، وتصدع عنك أقربوك، واقتسم مالك بنوك، ورجع القوم يرعون في زهرات موبق دنياك التي كدحت لها وارتحلت عنها، فأنت كما قال الشاعر:
سترحل عن دنيا قليل بقاؤها ... عليك، وإن تبقى فإنك فان
إن الله عبادا فروا منه إليه فجالت فكرتهم في ملكوت العظمة، فعزفت عن الدنيا نفوسهم.
أيها الناس، أين الوليد وأبو الوليد وجد الوليد خلفاء الله، وأمراء المؤمنين، وساسة الرعية؟ أسمعهم الداعي، وقبض العارية معيرها، فاضمحل ما كان كأن لم يكن، وأتى ما كأنه لم يزل، وبلغوا الأمد، وانقضت بهم المدة، ورفضتهم الأيام وشمرتهم الحادثات، فسلبوا عن السلطنه، ونفضوا لدة الملك، وذهب عنهم طيب الحياة، فارقوا والله القصور وسكنوا القبور، واستبدلوا بلينة الوطاء خشونة الثرى، فهم رهائن التراب إلى يوم الحساب. فرحم الله عبدا مهد لنفسه، واجتهد لدينه، وأخذ بحظه، وعمل في حياته، وسعى لصلاحه، وعمل ليوم (تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً، وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ) ٣: ٣٠ [٢] أيها الناس، إن الله [٣] جعل الموت حتما سبق به حكمه، ونفذ به قدره، لئلا يطمع أحد في الخلود، ولا يطغي المعمر عمره، وليعلم المخلف بعد المقدم أنه غير مخلد. وقد جعل الله الدنيا دارا لا تقوم إلا بأئمة العدل، ودعاة الحق، وإن للَّه عبادا
стр. 2242
يملكهم أرضه، ويسوس بهم عباده، ويقيم بهم حدوده، ويجعلهم رعاة عباده، وقد أصبحت في هذا المقام الذي أنا به غير راغب فيه، ولا منافس عليه، ولكنها إحدى الربق أعلقها الواهق مساغ المزدرد ومخرج النفس، ولولا أن الخلافة تحفة من الله كفر باللَّه [خلفها] [١] لتمنيت أني كأحد المسلمين يضرب لي بسهمي.
فعلى رسلكم بني الوليد، فإني شبل عبد الملك، وناب مروان، لا تظلعني حمل النائبة، ولا يفزعني صريف الأجفر. وقد وليت من أمركم ما كنت له مكفيا، وأصبحت خليفة وأميرا، وما هو إلا العدل أو النار، وليجدني الممارس لي [٢] أخشن من مضرس الكذاب، فمن سلك المحجة حذي نعل السلامة، ومن عدل عن الطريق وقع في وادي الهلكة والضلالة. ألا فإن الله سائل كلا عن كل، فمن صحت نيته ولزم طاعته كان الله له بصراط التوفيق، وبرصد المعونة، وكتب له بسبيل الشكر والمكافأة، فاقبلوا العافية فقد رزقتموها، والزموا السلامة فقد وجدتموها، فمن سلمنا منه سلم منا، ومن تاركنا تاركناه، ومن نازعنا نازعناه.
فارغبوا إلى الله في صلاح نياتكم وقبول أعمالكم، وطاعة سلطانكم، فإني والله غير مبطل حدا، ولا تارك له حقا حتى أنكثها عثمانية عمرية، وقد عزلت كل أمير كرهته رعيته، ووليت أهل كل بلد من أجمع عليه خيارهم واتفقت عليه كلمتهم، وقد جعلت الغزو أربعة أشهر، وفرضت لذرية الغازين سهم المقيمين، وأمرت بقسمة صدقة كل مصر في أهله إلا سهم العامل عليها، وفي سبيل الله، وابن السبيل، فإن ذلك لي وأنا أولى بالنظر فيه، فرحم الله امرأ عرف منا سهو المغفل عن مفروض حق أو واجب فأعان برأي، وأنا أسأل الله العون على صلاحكم فإنه مجيب السائلين، جعلنا الله وإياكم ممن ينتفع بموعظته، ويوفي بعهده فإنه سميع الدعاء، وأستغفر الله لي ولكم.
ذكر طرف من أخباره وسيرته [٣]
أَخْبَرَنَا عَبْد الوهاب بن المبارك، ومحمد بن ناصر، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن
стр. 2243
عبد الجبار، قال: أخبرنا القاضي أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ، قَالَ: أخبرنا المعافى بن زكريا، قال: أخبرنا الحسين بن القاسم الكوكبي، قال: أخبرنا ابن أبي سعيد، قَالَ: حَدَّثَنِي علي بن مُحَمَّد بن سليمان الهاشمي، قال: حدثني عبد الله بن سليمان، عن سليمان بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عبد الله بن الحارث، قال:
كان سليمان بن عبد الملك أكولا، وكانت بينه وبين عبد الله بن عبد الله وصلة.
قال: قال لنا سليمان يوما: إني قد أمرت قيم بستان لي أن يحبس علي الفاكهة ولا يجني منها شيئا حتى يدرك، فاغدوا علي مع الفجر- يقول لأصحابه الذين كان يأنس بهم- لنأكل الفاكهة في برد النهار. فغدونا في ذلك الوقت، وصلى الصبح وصلينا، فدخلنا معه فإذا الفاكهة متهدلة على أغصانها، وإذا كل فاكهة مختارة قد أدركت كلها، فقال:
كلوا. ثم أقبل عليها وأكلنا بمقدار الطاقة، وأقبلنا نقول: يا أمير المؤمنين، هذا العنقود، فيخرطه في فيه، يا أمير المؤمنين هذه التفاحة، وكلما رأينا شيئا نضيجا أومأنا إليه فيأخذه فيأكله حتى ارتفع الضحى وارتفع النهار ثم أقبل على قيم البستان، فقال:
ويحك يا فلان إني قد استجعت فهل عندك شيء تطعمنيه؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين عناق حولية حمراء، قال: آتني بها، ولا تأتني معها بخبز. فجاء بها على خوان لا قوائم له وقد ملأت الخوان، فأقبل يأخذ العضو فيجيء معه فيخرطه في فيه ويلقي العظم حتى أتى عليها، ثم عاد لأكل الفاكهة، فأكل فأكثر، ثم قال للقيم: ويحك ما عندك شيء تطعمنيه؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين دجاجتان بحريتان قد عميتا شحما، قال: ائتني بهما، فأتى بهما ففعل بهما كما فعل بالعناق، ثم عاد لأكل الفاكهة، فأكل مليا، ثم قال للقيم: هل عندك شيء تطعمنيه فإني قد جعت؟ قال: عندي سويق [كأنه قطع الأوتار] [١] ، وسمن، وسكر. قال: أفلا أعلمتني قبل هذا به، ائتني به وأكثر، فأتاه بقعب يقعد فيه الرجل وقد ملأه من السويق وقد خلطه بالسكر وصب عليه السمن، وأتى بجرة من ماء بارد وكوز، فأخذ القعب على كفه وأقبل القيم يصب عليه الماء [فيحركه ويأكله- أو قال] [٢]- ويشربه حتى كفاه [٣] على وجهه فارغا، ثم عاد للفاكهة، فأكل مليا
стр. 2244
حتى علت الشمس [١] ، ودخل وأمرنا أن ندخل إلى مجلسه، فدخلنا وجلسنا، فما مكث أن خرج علينا، فلما جلس قام كبير الطباخين حياله يؤذنه بالغداء، فأومأ إليه أن ائت بالغداء، فأتاه به فوضع يده فأكل، فما فقدنا من أكله شيئا.
أخبرنا ابن ناصر الحافظ، قال: أخبرنا ثابت بن بندار، وأحمد بن علي بن سوار، وأبو الفضل محمد بن عبد الله الناقد، قالوا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بن رزقه، قال: أخبرنا أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي، قال:
حدثني محمد بن يحيى، عن معن بن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال:
كان سليمان بن عبد الملك في نادية له، فسمر ليلة على ظهر سطح، ثم تفرق عنه جلساؤه، فدعا بوضوء، فجاءت به جارية له، فبينا هي تصب عليه إذ استمدها بيده وأشار إليها فإذا هي ساهية مصغية بسمعها مائلة بجسدها كله إلى صوت غناء تسمعه في ناحية العسكر، فأمرها فتنحت واستمع هو الصوت، فإذا صوت رجل يغني، فأنصت له حتى [إذا] [٢] فهم ما يغنى به من الشعر، ثم دعا جارية من جواريه غيرها، فتوضأ.
فلما أصبح أذن للناس إذنا عاما، فلما أخذوا مجالسهم أجرى ذكر الغناء ومن كان يسمعه ولين فيه حتى ظن القوم أنه يشتهيه، فأفاضوا في ذلك في التليين والتحليل والتسهيل، وذكروا من كان يسمعه من أهل المروءات وسروات [٣] الناس، ثم قال: هل بقي أحد يسمع منه؟ فقال رجل من القوم: عندي رجلان من أهل أيلة حاذقان، فقال:
أين منزلك من العسكر، فأومأ إلى الناحية التي كان فيها الغناء. فقال سليمان: يبعث إليهما، فوجد الرسول أحدهما فأقبل به حتى أدخله على سليمان، فقال له: ما اسمك؟
قال: سمير، قال: فسأله عن الغناء كيف هو فيه؟ قال: حاذق محكم، قال: فمتى عهدك به؟ قال: في ليلتي هذه الماضية، قال: وفي أي نواحي العسكر كنت؟ فذكر له الناحية التي سمع فيها الصوت، قال: فما غنيت؟ قال: فذكر الشعر الذي سمع سليمان، فأقبل سليمان، يقول: هدر الجمل فضبعت [٤] الناقة، وهب التيس [٥] فشكرت الشاة، وهدر
стр. 2245
الحمام فرافت، [١] وغنى الرجل فطربت المرأة. ثم أمر به فخصي. وسأل عن الغناء أين أصله، وأكثر ما يكون؟ قالوا: بالمدينة وهو في المخنثين وهم الحذاق به والأئمة فيه، فكتب إلى عامله بالمدينة وهو أبو بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أن أخص [٢] من قبلك من المخنثين.
قال الزبير: وأخبرني محمد بن يحيى بن موسى بن جعفر بن أبي كثير، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه مثله.
وكان ابن أبي عبلة وسليمان بن حرب يقصان عند سليمان بن عبد الملك.
وفي هذه السنة عزل سليمان بن عبد الملك عثمان بن حيان عن المدينة لسبع بقين من رمضان.
وكانت إمرته عليها ثلاث سنين. وقيل: سنتين إلا سبع ليال.
وفيها: عزل سليمان يزيد بن أبي مسلم عن العراق. [٣] [وأمر عليها يزيد بن المهلب.
وفيها: جعل سليمان صالح بن عبد الرحمن على الخراج] [٤] وأمره أن يقتل آل أبي عقيل ويبسط عليهم العذاب وكان يلي عذابهم عبد الملك بن المهلب.
وفيها قتل قتيبة بن مسلم بخراسان [٥] وسبب قتله أن الوليد لما أراد خلع سليمان وافقه قتيبة، فلما مات الوليد خاف قتيبة من سليمان، وحذر أن يولي يزيد بن المهلب خراسان، فكتب إلى سليمان كتابا يهنئه بالخلافة، ويعزيه على الوليد [٦] ، ويعلمه بلاءه
стр. 2246
وطاعته لعبد الملك والوليد، وأنه له على مثل ما كان لهما من الطاعة والنصيحة، إن لم يعزله عن خراسان. ثم كتب كتابا يعلمه فيه فتوحه وعظم قدره عند ملوك العجم، وهيبته في صدورهم، ويذم المهلب وآل المهلب، ويحلف باللَّه لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنه. ثم كتب كتابا ثالثا [فيه خلعه، وبعث بالكتب الثلاثة] [١] مع رجل من باهلة، وقال: ادفع هذا الكتاب إليه فإن قرأه وألقاه إلى يزيد فادفع هذا الكتاب إليه، وإن قرأ الأول ولم يدفعه إلى يزيد فاحتبس الكتابين الآخرين.
فقدم الرسول فدخل على سليمان وعنده يزيد بن المهلب، فدفع إليه الكتاب فقرأه ثم رمى به إلى يزيد، ثم دفع إليه الكتاب الثاني فقرأه ثم رمى به إلى يزيد، فأعطاه الثالث فتمعر لونه [٢] ، ثم دعا بطين فختمه ثم أمسكه بيده، ثم أمر بالرسول إلى دار الضيافه، فلما أمسى دعا به فأعطاه دنانير وقال: هذه جائزتك، وهذا عهد صاحبك على خراسان فسر، وهذا رسولي معك بعهده. فخرج فلما كان بحلوان تلقاهم الناس بخلع قتيبة لسليمان، وكان قتيبة قد خلعه ودعا الناس إلى خلعه، فكره الناس خلع سليمان، فصعد قتيبة المنبر وسب الناس لكونهم لم يوافقوه، واجتمعوا على خلافه وخلعه، ثم قتلوه.
وفي هذه السنة عزل سليمان خالد بن عبد الله القسري عن مكة وولاها طلحة بن داود الحضرمي [٣] .
وفيها: غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الصائفة ففتح حصنا يقال له: حصن عوف.
وفيها: حج بالناس [٤] أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وهو الأمير [٥]
стр. 2247
على المدينة، وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد. وعلى حرب العراق وصلاتها يزيد بن المهلب، وعلى خراجها صالح بن عبد الرحمن، وعلى البصرة سفيان بن عبد الله الكندي من قبل يزيد بن المهلب، وعلى قضاء البصرة عبد الرحمن ابن أذينة، وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبي موسى، وعلى حرب خراسان [١] وكيع بن أبي بردة [٢] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٥٣٧- إبراهيم بن يزيد بن الأسود، أبو عمران النخعي: [٣]
كان إماما في الفقه، يعظمه الأكابر، وكان سعيد بن جبير يقول: أتستفتوني وفيكم إبراهيم.
وكان شديد الهيبة، يهاب كما يهاب الأمير، وكان يتخوف من الفتوى ويحتقر نفسه ويقول: احتيج إليّ. ويكره أن يستند إلى السارية، ولا يتكلم حتى يسأل وحمل الناس عنه العلم وهو ابن ثماني عشرة سنة. وكان يصوم يوما ويفطر يوما.
أنبأنا زاهر بن طاهر، قَالَ: أخبرنا أبو بكر أَحْمَد بْن الحسين البيهقي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، قال: سمعت أبا علي الحسين بن علي بن يزيد الحافظ، يقول: سمعت أبا عبد الرحمن محمد بن عبد الله البيروتي، يقول: حدثنا محمد بن أحمد بن مطر بن العلاء، قال: حدثني محمد بن أحمد بن يوسف بن بشير القرشي، قال: حدثني الوليد بن محمد الموقري [٤] ، قال: سمعت محمد بن مسلم الزهري، يقول:
قدمت على عبد الملك بن مروان، فقال لي: من أين [قدمت] [٥] يا زهري؟
стр. 2248
قلت: من مكة، فقال: من خلفت بها يسود أهلها؟ قلت: عطاء بن أبي رباح، قال:
فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: وبم سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية، قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا، فمن يسود أهل اليمن؟ قلت:
طاوس بن كيسان، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: وبم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء، قال: إنه لينبغي. قال: فمن يسود أهل مصر؟
قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، [عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل] [١] ، قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي [٢] ، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسين بن أبي الحسن، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: ويلك، فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب، قال: ويلك يا زهري، فرجت عني، والله ليسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه، فمن حفظه ساد، ومن ضيعه سقط.
أخبرنا يحيى بن علي المدير، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النَّقُّورِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عمران، قال: حدثنا البغوي، قال: حدثنا محمد بن بكار، قال: حدثنا محمد بن طلحة، عن ميمون بن أبي حمزة، عن إبراهيم أنه قال:
قد تكلمت ولو وجدت بدا ما تكلمت، وإن زمانا أكون فيه فقيه الكوفة لزمان سوء.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد الفقيه، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن عثمان الصوفي [٣] ، قال: حدثنا أبو أحمد الأنباري، قال: حدثنا أبي، قال:
حدثنا إسحاق بن إبراهيم الكتاني، قال: حدثنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا الأعمش، قال:
خرجت أنا وإبراهيم النخعي ونحن نريد الجامع، فلما صرنا في خلال طرقات الكوفة قال لي: يا سليمان، قلت: لبيك، قال: هل لك أن تأخذ في خلال طرقات
стр. 2249
الكوفة كي لا نمر بسفهائها فينظرون إلى أعور وأعمش فيغتابونا ويأثمون؟ قلت: يا أبا عمران، وما عليك في أن نؤجر ويأثمون؟ قال: يا سبحان الله، بل نسلم ويسلمون خير من أن نؤجر ويأثمون.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي [١] ، قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بن محمد، قَالَ: [حدثنا] [٢] أحمد بن روح، قَالَ: حدثنا حماد بن المؤمل، قال: حدثني إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن سوقة، عن عمران الخياط، قال:
دخلنا على إبراهيم النخعي نعوده وهو يبكي، فقلنا: ما يبكيك؟ قال: أنتظر ملك الموت، لا أدري يبشرني بالجنة أم بالنار.
أدرك إبراهيم النخعي أبا سعيد الخدري، وعائشة، وعامة ما يروى عن التابعين كعلقمة، ومسروق، والأسود. وتوفي هذه السنة وهو ابن تسع وأربعين سنة. وقيل: ابن نيف وخمسين سنة [٣] .
وكان الشعبي يقول: والله ما ترك بعده مثله.
٥٣٨- عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان:
أمه حفصة بْنت عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن الخطاب، توفي بمصر في هذه السنة [٤] .
وهذا الرجل تزوج إليه أربعة من الخلفاء، كان له بنت اسمها عبدة تزوجها الوليد بن عبد الملك، وبنت تكنى أم سعيد تزوجها يزيد بن عبد الملك، ورقية تزوجها هشام بن عبد الملك، وبنت اسمها عائشة تزوجها سليمان بن عبد الملك.
٥٣٩- قتيبة بن مسلم، [أبو حفص] [٥] :
كان يروي عن أبي سعيد الخدري، والشعبي. تولى خراسان سنة ست وثمانين،
стр. 2250
وغزا بها غزوات إلى أن مات الحجاج، ثم قتله وكيع بن أبي الأسود الحنظلي بفرغانة، وقد سبق خبره.
٥٤٠- الوليد بن عبد الملك بن مروان [١] :
توفي يوم السبت منتصف جمادى الآخرة [سنة ست وتسعين] [٢] بدير مران وحمل إلى دمشق فدفن بها في مقابر الفراديس، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز، لأن أخاه سليمان الذي كان ولي عهده كان غائبا بالرملة. وعاش اثنتين وخمسين سنة. وقيل: اثنتين وأربعين. وقيل: خمسا وأربعين.
قال الزهري: كانت خلافته عشر سنين إلا شهرا.
وقال أبو معشر: تسع سنين وأربعة أشهر.
وقال الواقدي: وثمانية أشهر.
وقال هشام بن محمد الكلبي: كانت خلافته- يعني الوليد- ثماني سنين وثلاثة أشهر.
стр. 2251
ثم دخلت سنة سبع وتسعين
فمن الحوادث فيها تجهيز سليمان بن عبد الملك إلى القسطنطينية، واستعمال ابنه داود على الصائفة.
وفيها: غزا مسلمة أرض الروم ففتح الحصن الذي كان الوضاح افتتحه.
وفيها: غزا عمر بن هبيرة الفزاري أرض الروم، فشتى بها [١] .
وفيها: ولي سليمان يزيد بن المهلب خراسان [٢]
وكان السبب في ذلك أن سليمان لما ولى يزيد بن المهلب حرب العراق والصلاة وخراجها، فنظر يزيد فإذا الحجاج قد أخرب العراق، فقال في نفسه: متى أخذت الناس بالخراج وعذبتهم عليه صرت مثل الحجاج، ومتى لم آت سليمان بمثل ما كان يأتي به الحجاج لم يقبل مني. فجاء يزيد إلى سليمان فقال: أدلك على رجل بصير بالخراج توليه؟ صالح بن عبد الرحمن مولى بني تميم، فقبل منه. فأقبل يزيد إلى العراق وقد قدم قبله عبد الرحمن، فنزل واسط، فخرج الناس يتلقون يزيد، ولم يخرج صالح حتى قرب يزيد، وكان صالح لا ينفذ أمر يزيد ويضيق عليه ويعاتبه [٣] في كثرة إنفاقه، ويقول: هذا لا يرضي أمير المؤمنين.
стр. 2252
فبينا هو كذلك إذ جاء كتاب سليمان بتولية يزيد خراسان، وكان قد وليها وكيع بن أبي الأسود بعد قتل قتيبة تسعة أشهر أو عشرة، فقدمها يزيد واليا عليها، وكان جوادا.
وفي هذه السنة حج بالناس [١] سليمان بن عبد الملك، وحج الشعراء معه، فلما صدر من الحج عزل طلحة بن داود الحضرمي عن مكة، وكان قد عمل عليها ستة أشهر، وولي عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وكان عمال الأمصار هم العمال فِي السنة الَّتِي قبلها، إلا خراسان فإن عاملها كان يزيد بن المهلب بن أبي صفرة [٢] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٥٤١- طلحة بن عبد الله بن عوف [ابن أخي عبد الرحمن بن عوف] يكنى أبا محمد: [٣]
ولي المدينة، وكان من سراة [٤] قريش وأجوادهم، ومدحه الفرزدق ومدح عشرة من أهل المدينة، فأعطاه طلحة ألف دينار، فلم يتجاسر أحد على نقيصة الفرزدق لئلا يتعرضوا للسانه فأتعب الناس.
وتوفي طلحة في هذه السنة عن اثنتين وسبعين [٥] سنة.
стр. 2253
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين
فمن الحوادث فيها غزو سليمان القسطنطينية
فنزل دابق ووجه أخاه مسلمة إليها وأمره أن يقيم عليها حتى يفتحها أو يأتيه أمره، فشتى بها وصاف. ولما دنا من قسطنطينية أمر كل فارس أن يحمل على عجز فرسه مدين [١] من طعام حتى يأتي به القسطنطينية، فأمر بالطعام فألقي ناحية مثل الجبال، ثم قال للمسلمين: لا تأكلوا منه شيئا، أغيروا في أرضهم. وعمل بيوتا من خشب، فشتى فيها، وزرع الناس، ومكث ذلك الطعام [٢] في الصحراء لا يكنه شيء، والناس يأكلون ما أصابوا من الغارات، ثم أكلوا من الزرع، وأقام مسلمة بالقسطنطينية قاهرا لأهلها، معه وجوه أهل الشام: خالد بن معدان، وعبد الله بن أبي زكريا الخزاعي، ومجاهد بن جبير، حتى أتاه موت سليمان.
وفي هذه السنة بايع سليمان بن عبد الملك لابنه أيوب [٣]
وجعله ولي عهده، وكان عبد الملك قد أخذ على الوليد وسليمان أن يبايعا لابن عاتكة، ولمروان بن عبد الملك من بعده، فمات مروان في خلافة سليمان في منصرفه
стр. 2254
من مكة، فبايع سليمان حين مات لأيوب، وأمسك عن يزيد وتربص [به] [١] ، ورجا أن يهلك، فهلك وأيوب ولي عهده.
وفيها: فتحت مدينة الصقالبة.
وفيها: غزا الوليد بن هشام، فأصاب ناسا من نواحي الروم فأسر منهم خلقا كثيرا.
وفيها غزا يزيد بن المهلب جرجان وطبرستان [٢]
في مائة ألف مقاتل سوى الموالي والمتطوعين. وجاء فنزل بدهستان فحاصرها ومنع عنهم المواد، فبعث إليه ملكهم: إني أريد أن أصالحك على أن تؤمنني على نفسي وأهل بيتي ومالي، وأدفع إليك المدينة وما فيها وأهلها. فصالحه ووفى له ودخل المدينة، وأخذ ما كان فيها من الأموال والكنوز، ومن السبي ما لا يحصى، وقتل أربعة عشر ألف تركي صبرا، وكتب بذلك إلى سليمان بن عبد الملك، ثم خرج حتى أتى جرجان، وقد كانوا يصالحون أهل الكوفة على مائة ألف، ومائتي ألف، وثلاثمائة ألف، وقد كانوا صالحوا سعيد بن العاص، ثم امتنعوا وكفروا، فلم يأت بعد سعيد إليهم أحد، ومنعوا ذلك الطريق فلم يسلكه أحد إلا على وجل [وخوف] [٣] منهم.
فلما أتاهم يزيد استقبلوه بالصلح، فاستخلف رجلا. ودخل طبرستان، فعرض ملكها عليه الصلح [٤] ، فصالحه على سبعمائة ألف درهم- أو أربعمائة ألف درهم- نقدا، وثلاثمائة ألف مؤجلة، وأربعمائة ألف حمار موقرة زعفران، وأربعمائة رجل على رأس كل رجل برنس، وعلى البرنس [٥] طيلسان وجام من فضة وسرقة من حرير.
وكان شهر بن حوشب على خزائن يزيد بن المهلب، فرفع إليه أنه أخذ خريطة فسأله عنها، فأتاه بها، فقال: هي لك، فقال: لا حاجة لي فيها، فقال القطامي: [٦]
стр. 2255
لقد باع شهر دينه بخريطة ... فمن يأمن القراء بعدك يا شهر؟!
وكان فيما أصاب يزيد بن المهلب بجرجان تاج فيه جوهر، فقال: أترون أحدا يزهد في هذا التاج؟ قالوا: لا، فدعا محمد بن واسع فقال: خذ هذا التاج فهو لك، قال: لا حاجة لي فيه، قال: عزمت عليك إلا أخذته، فأخذه، وخرج فأمر يزيد رجلا ينظر ما يصنع به، فلقي سائلا فدفعه إليه، فأخذه الرجل السائل، فأتى به يزيد، فأخذ يزيد التاج وعوض السائل مالا.
وكان سليمان يقول ليزيد بن المهلب كلما رأى قتيبة يفتح حصنا: أما ترى ما يصنع الله على يدي قتيبة؟ فيقول يزيد: الشأن في جرجان. فلما ولي لم يكن له همة غير جرجان، فجاء فصالحوه على ما ذكرنا.
ثم إنهم غدروا بجنده، فقتلوا منهم، ونقضوا العهد، فأعطى الله عهدا لئن ظفر بهم لا يرفع عنهم السيف [١] حتى يطحن بدمائهم ويختبز من ذلك الطحين ويأكل.
فنزل عليها سبعة أشهر لا يقدر منهم على شيء، ولا يعرف لها مأتى إلا من وجه واحد، فكانوا يخرجون فيقاتلونهم ويرجعون إلى حصنهم، فدله رجل على [طريق] [٢] آخر يشرف عليهم، فبعث معه جندا، ونهض هو لقتالهم [٣] ، فركبهم المسلمون، فأعطوا بأيديهم ونزلوا على حكمه، فسبى ذراريهم وقتل مقاتليهم وصلبهم على الشجر عن يمين الطريق ويساره، وقاد منهم اثني عشر ألفا إلى الوادي فقتلوا فيه، فأجرى فيه دماءهم [٤] وأجرى فيه الماء وعليه أرحاء، فطحن واختبز وأكل، وبنى مدينة جرجان، ولم تكن قبل ذلك مدينة، واستعمل عليهم جهم بن زحر الجعفي، ورجع إلى خراسان، وكتب يزيد إلى سليمان [٥] :
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإن الله تعالى ذكره قد فتح لأمير المؤمنين فتحا عظيما، وصنع للمسلمين أحسن الصنع، فلربنا الحمد [٦] على نعمه وإحسانه،
стр. 2256
وأظهر في خلافة أمير المؤمنين على جرجان وطبرستان، وقد أعيا ذلك سابور ذا الأكتاف، وكسرى بن قباد، وكسرى بن هرمز، وأعيا الفاروق عمر بن الخطاب، وذا النورين ومن بعدهما، حتى فتح الله سبحانه ذلك لأمير المؤمنين، كرامة من الله له، وزيادة في نعمه عليه، وقد صار عندي من خمس ما أفاء الله على المسلمين بعد أن صار إلى كل ذي حق حقه من الفيء والغنيمة سبعة [١] آلاف ألف، وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء الله.
وفي هذه السنة كثرت الزلازل ودامت ستة أشهر. وفتح حصن المرأة مما يلي ملطية.
وفيها: حج بالناس [٢] عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وهو يومئذ أمير على مكة. وكان عمال الأمصار هم الذين كانوا في السنة التي قبلها، غير أن عامل ابن المهلب على البصرة كان سفيان بن عبد الله الكندي.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٥٤٢- عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، ويكنى أبا عبد الله، وهو حليف بني زهرة بن كلاب: [٣]
روى عن أبي هريرة، وابن عباس، وأبي طلحة، وسهل بن حنيف، وزيد بن خالد، وأبي سعيد الخدريّ، وعائشة.
وكان ثقة فقيها، وهو أحد الفقهاء السبعة ومن أكابرهم، وهو مع ذلك شاعر فصيح. وجده عتبة بن مسعود أخو عبد الله بن مسعود لأبويه، قديم الإسلام ولم يرو عن رسول الله ﷺ شيئا، ومات في خلافة عمر. وأما ابنه عبد الله فإنه نزل الكوفة ومات بها في خلافة عبد الملك. ومات عبيد الله بالمدينة في سنة ثمان وتسعين. وقيل: في سنة تسع. وكان الزهري يسميه بحرا.
стр. 2257
قال عمر بن عبد العزيز: لو أدركني إذ وقعت فيما وقعت فيه. وكان عمر يقول: من لي بليلة من ليالي عبيد الله بن عبد الله بألف دينار. وكان قد ذهب بصره، [وقال شعرا] [١] .
روى عبد الرحمن بن أبي الزناد [٢] ، عن أبيه، قال [٣] : قدمت المدينة امرأة من هذيل، وكانت جميلة جدا، فرغب الناس فيها فخطبوها وكادت تذهب بعقول أكثرهم، فقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
أحبك حبا لا يحبك مثله ... قريب ولا في العاشقين بعيد
أحبك حبا لو شعرت ببعضه ... لجدت ولم يصعب عليك شديد [٤]
وحبك يا أم الصبي مدلهي ... شهيدي أبو بكر فنعم شهيد
ويعرف وجدي القاسم بن محمد ... وعروة ما ألقى بكم وسعيد
ويعلم ما أخفي سليمان علمه [٥] ... وخارجة يبدي بنا ويعيد
١٤/ أ/ متى تسألي عما أقول وتخبري ... فلله عندي طارف وتليد
فقال سعيد بن المسيب: أما أنت والله قد أمنت أن تسألنا وما طمعت إن سألتنا أن نشهد لك بزور.
قال الزبير: هؤلاء الذين استشهدهم عبيد الله وهو معهم فقهاء المدينة السبعة الذين أخذ عنهم الرأي.
توفي في هذه السنة.
стр. 2258
ثم دخلت سنة تسع وتسعين
فمن الحوادث فيها وفاة سليمان بن عبد الملك [١] وخلافة عمر بن عبد العزيز.
باب ذكر خلافة عمر بن عبد العزيز [٢]
هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، ويكنى أبا حفص، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁.
روى عن ابن عمر، وأنس، وعبد الله بن جعفر، وعمر بن أبي سلمة، والسائب بن يزيد. وأرسل الحديث عن جماعة من القدماء، وروى عن خلق [كثير] [٣] من التابعين، وكان عالما دينا.
стр. 2259
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّازُ، قَالَ: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمرو بن حيوية، قال: أخبرنا سليمان بن إسحاق الجلاب، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ [قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن أبي إسحاق، قال: حدثنا إبراهيم بن عياش، قال: حدثني ضمرة] [١] ، قال: قال ابن شوذب:
لما أراد عبد العزيز بن مروان أن يتزوج أم عمر بن عبد العزيز قال لقيمه: اجمع لي أربعمائة دينار من طيب مالي فإني أريد أن أتزوج إلى أهل بيت لهم صلاح. فتزوج أم عمر بن عبد العزيز.
وما زال عمر يميل إلى الخير والدين مع أنه ولي الإمارة، وكانوا يفزعون إليه في أحوالهم. ولما مرض سليمان كتب العهد لابنه أيوب، ولم يكن بالغا، فرده عن ذلك رجاء بن حيوة فقال له: فما ترى في ابني داود، فقال له: هو بقسطنطينية، وأنت لا تدري أحي هو أم ميت، قال: فمن؟ فقال: رأيك يا أمير المؤمنين، قال: كيف ترى في عمر؟
فقال: أعلمه والله فاضلا خيرا [٢] مسلما، فقال: لئن وليته ولم أول أحدا من ولد عبد الملك لتكونن فتنة، ولا يتركونه، فكتب له، وجعل من بعده يزيد، وختم الكتاب، وأمر أن يجمع أهل بيته، وأمر رجاء بن حيوة أن يذهب بكتابه إليهم، وأمرهم أن يبايعوا من فيه [٣] ، ففعلوا، ثم دخلوا على سليمان والكتاب بيده، فقال: هذا عهدي فاسمعوا له وأطيعوا وبايعوا.
قال رجاء: فجاءني عمر بن عبد العزيز، فقال: يا رجاء، قد كانت لي بسليمان حرمة وأنا أخشى أن يكون قد أسند إلي من هذا الأمر شيئا، فإن كان فأعلمني أستعفيه، فقال رجاء: والله لا أخبرك بحرف، فمضى [قال:] [٤] وجاءني هشام فقال: لي حرمة وعندي شكر فأعلمني، فقلت: لا والله لا أخبرك [٥] [بحرف] [٦] . فانصرف هشام وهو يضرب بيد على يد ويقول: فإلى من؟
стр. 2260
فلما مات سليمان جددت البيعة قبل أن يخبر بموته، فبايعوا، ثم قرأ الكتاب، فلما ذكر عمر بن عبد العزيز نادى هشام: والله لا نبايعه، فقال له رجاء: إذن والله أضرب عنقك، قم فبايع، فقام يجر رجليه ويسترجع إذ خرج عنه الأمر، وعمر يسترجع إذ وقع فيه.
ثم جيء بمراكب الخلافة، فقال عمر: قربوا لي بغلتي، ثم أنشد يقول: [١]
ولولا التقى ثم النهى خشية الردى ... لعاصيت في حب الهوى كل زاجر
قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى ... له صبوة أخرى الليالي الغوابر
ثم قال: إن شاء الله، ثم خطب فقال: يا أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني فيه، ولا مشورة. وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم، فصاح الناس صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك فلي أمرنا باليمن والبركة. فقال: أوصيكم بتقوى الله، فإن تقوى الله خلف من كل شيء وليس من تقوى الله خلف، فاعملوا لآخرتكم، فإنه من عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه، وأصلحوا سرائركم يصلح الكريم علانيتكم، وأكثروا ذكر الموت وأحسنوا الاستعداد له قبل أن ينزل بكم، وإن امرأ لا يذكر من آبائه فيما بينه وبين آدم أبا حيا لمعرق [٢] له في الموت.
ثم نزل فدخل فأمر بالستور فهتكت، والثياب التي كانت تبسط للخلفاء فحملت وأمر ببيعها وإدخال ثمنها في بيت المال ورد المظالم.
أخبرنا علي بن أبي عمر، قال: أخبرنا محمد بن الحسن الباقلاوي، قال: أخبرنا عبد الملك [بن بشران] [٣] ، قال: أخبرنا أبو بكر الآجري، قال: حدثنا أبو عبد الله بن مخلد، قال: حدثني سهل بن عيسى المروزي، قال: حدثني القاسم بن محمد بن الحارث المروزي، قال: حدثني سهل بن يحيى بن محمد، قال: أخبرني أبي، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال:
لما بلغ الخوارج سيرة عمر وما رد من المظالم قالوا: ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا
стр. 2261
الرجل. وبلغ ذلك عمر بن الوليد بن عبد الملك، فكتب إليه: إنك قد أزريت على من كان قبلك من الخلفاء، وعبت عليهم وسرت بغير سيرتهم بغضا لهم وسبى لمن بعدهم من أولادهم، قطعت ما أمر الله به أن يوصل إذ عمدت إلى أموال قريش ومواريثهم، فأدخلتها في بيت المال جورا وعدوانا، ولن تترك على هذا، فلما قرأ كتابه كتب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمر بن الوليد، السلام على المرسلين والحمد للَّه رب العالمين، أما بعد، فإنني بلغني كتابك وسأجيبك بنحو منه: أما أول شأنك ابن الوليد كما زعم فأمك بنانة أمة السكون، كانت تطوف في سوق حمص وتدخل في حوانيتها، ثم الله أعلم بما اشتراها ذبيان من فيء المسلمين، فأهداها لأبيك، فحملت بك، فبئس المحمول وبئس المولود. ثم نشأت فكنت جبارا عنيدا، أتزعم أني من الظالمين لما حرمتك وأهل بيتك فيء الله الذي فيه حق القرابة والمساكين والأرامل، وإن أظلم مني وأترك لعهد الله من استعملك صبيا سفيها على جند المسلمين تحكم فيهم برأيك، ولم تكن له في ذلك نية إلا حب الوالد لولده، فويل لك وويل لأبيك، ما أكثر خصماء كما يوم القيامة، وكيف ينجو أبوك من خصمائه.
وإن أظلم مني وأترك لعهد الله من استعمل الحجاج بن يوسف يسفك الدم الحرام، ويأخذ المال الحرام. وإن أظلم مني وأترك لعهد الله من استعمل قرة بن شريك أعرابيا جافيا على مصر أذن له في المعازف واللهو والشرب. وإن أظلم مني وأترك لعهد الله من جعل لعالية البربرية سهما في خمس فيء العرب فرويدا يا ابن بنانة، فلو التقى خلقا البطان ورد الفيء إلى أهله لتفرغت لك ولأهل بيتك فوضعتهم على المحجة البيضاء، فطالما تركتم الحق وأخذتم في بنيات الطريق، ومن وراء هذا ما أرجو أن أكون رأيته بيع رقبتك وقسم ثمنك بين اليتامى والمساكين والأرامل فإن لكل فيك حقا، والسلام علينا ولا ينال سلام الله الظالمين.
أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري بإسناده عن عمرو بن مهاجر [١] قهرمان عمر بن عبد العزيز، قال:
كان نقش خاتم عمر بن عبد العزيز «الوفاء عزيز» .
стр. 2262
أخبرنا علي بن أبي عمر بإسناد له عن [١] قبيصة، قال: سمعت سفيان الثوري يقول:
الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز [﵃] .
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ الْمَرْزُبَانُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحَّاكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ [٢] :
لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَفَدَ الشُّعَرَاءُ إِلَيْهِ [٣] ، فَأَقَامُوا بِبَابِهِ أَيَّامًا لا يُؤْذَنُ لَهُمْ. فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ وَقَدْ أَزْمَعُوا عَلَى الرَّحِيلِ إِذْ مَرَّ بِهِمْ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ- وَكَانَ مِنْ خُطَبَاءِ أَهْلِ الشَّامِ- فَلَمَّا رَآهُ جَرِيرٌ دَاخِلا عَلَى عمر أنشأ يقول:
يا أيها الرَّجُلُ الْمُرْخِي عِمَامَتَهُ ... هَذَا زَمَانُكَ فَاسْتَأْذِنْ لَنَا عُمَرَا
قَالَ: فَدَخَلَ وَلَمْ يَذكر مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْئًا، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَأَةَ، فقال له جرير [٤] :
يا أيّها الرَّجُلُ الْمُرْخِي مَطِيَّتَهُ ... هَذَا زَمَانُكَ إِنِّي قَدْ مَضَى زَمَنِي [٥]
أَبْلِغْ خَلِيفَتَنَا إِنْ كُنْتَ لاقِيَهُ ... أَنِّي لَدَى الْبَابِ كَالْمَصْفُودِ فِي قَرَنِ
لا تنس حاجتنا لقّيت مَغْفِرَةً ... قَدْ طَالَ مُكْثِي عَنْ أَهْلِي وَعَنْ وَطَنِي
قَالَ: فَدَخَلَ عَدِيٌّ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الشُّعَرَاءُ بِبَابِكَ وَسِهَامُهُمْ مَسْمُومَةٌ وأقوالهم نافذة، قال: ويحك يا عدي، ما لي وَلِلشُّعَرَاءِ، قَالَ: أَعَزَّ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ رسول الله ﷺ قد امتدح وأعطى، ولك فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ، قَالَ:
كَيْفَ؟ قَالَ: امْتَدَحَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ فَأَعْطَاهُ حُلَّةً قَطَعَ بِهَا لِسَانَهُ، قال:
فَكُلُّ الَّذِي عَدَّدْتُ يَكْفِيكَ بَعْضُهُ ... وَنَيلُكَ [١] خَيْرٌ مِنْ بُحُورٍ سَوَائِلِ
فَقَالَ: يَا أَحْوَصُ، إِنَّكَ تُسْأَلُ عَمَّا قُلْتَ. وَتَقَدَّمَ نُصَيْبٌ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الإِنْشَادِ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَأَمَرَهُ بِالْغَزْوِ إِلَى دابق، فخرج وهو محموم. وأمر لي بثلاثمائة دِرْهَمٍ، وَلِلأَحْوَصِ بِمِثْلِهَا، وَلِنُصَيْبٍ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا [٢] .
قال المصنف: وما زال عمر بن عبد العزيز منذ ولي يجتهد في العدل ومحو الظلم وترك الهوى، وكان يقول للناس: ارحلوا إلى بلادكم [٣] فإني أنساكم ها هنا وأذكركم في بلادكم. ومن ظلمه عامله فلا إذن له علي.
وخير جواريه لما ولي، فقال: قد جاء أمر شغلني عنكن فمن أحب أن أعتقه أعتقته، ومن أراد أن أمسكه أمسكته ولم يكن مني إليها شيء، قالت زوجته فاطمة: ما أعلم أنه اغتسل لا من جنابة ولا من احتلام منذ ولي إلى أن مات.
وقيل لها: اغسلي قميصه، فقالت: والله ما يملك غيره.
أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَلي الصيرفي، قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بن محمد العلاف، قال:
أخبرنا عبد الملك بن بشران، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الكندي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر، قال: أخبرنا أبو الفضل الربعي، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، عن الهيثم بن عدي، قال:
كانت لفاطمة بنت عبد الملك بن مروان- زوجة عمر- جارية ذات جمال فائق، وكان عمر معجبا بها قبل أن تفضي إليه الخلافة، فطلبها منها وحرص، فغارت من ذلك، فلم تزل في نفس عمر، فلما استخلف أمرت فاطمة بالجارية فأصلحت ثم حليت، فكانت حديثا في حسنها وجمالها، ثم دخلت فاطمة بالجارية على عمر، فقالت: يا أمير المؤمنين، إنك كنت بفلانة معجبا، وسألتنيها فأبيت ذلك عليك، وإن نفسي قد طابت لك بها اليوم، فدونكها، فلما قالت ذلك استبانت الفرح في وجهه، ثم قال: ابعثي بها إلي، ففعلت، فلما دخلت عليه نظر إلى شيء أعجبه فازداد بها عجبا، فقال لها: ألقي
стр. 2270
ثوبك، فلما همت أن تفعل قال: على رسلك، اقعدي، أخبريني لمن كنت؟ ومن أين أنت لفاطمة؟ قالت: كان الحجاج بن يوسف أغرم عاملا كان له من أهل الكوفة مالا، وكنت في رقيق ذلك العامل فاستصفاني عنه مع رقيق له وأموال، فبعث بي إلى عبد الملك بن مروان وأنا يومئذ صبية، فوهبني عبد الملك لابنته فاطمة. قال: وما فعل ذلك العامل؟ قالت: هلك، قال: وما ترك ولدا؟ قالت: بلى، قال: وما حالهم؟ قالت:
بشر، قال: شدي عليك ثوبك.
ثم كتب إلى عبد الحميد عامله على بلدهم: أن سرح إلي فلان بن فلان على البريد، فلما قدم قال: ارفع إلي جميع ما أغرم الحجاج أباك فلم يرفع إليه شيئا إلا دفعه إليه، ثم أمر بالجارية فدفعت إليه، فلما أخذ بيدها قال: إياك وإياها فإنك حديث السن ولعل أباك أن يكون قد وطئها، فقال الغلام: يا أمير المؤمنين هي لك، قال: لا حاجة لي فيها، قال: فابتعها مني، قال: لست إذا ممن ينهى النفس عن الهوى. فمضى بها الفتى فقالت له الجارية: فأين موجدتك بي [١] يا أمير المؤمنين؟ قال: إنها لعلى حالها ولقد ازدادت، فلم تزل الجارية في نفس عمر حتى مات.
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْجُرَيْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُغَلِّسِ الْجُمَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ:
قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَدْ وُلِّيَ الْخَلافَةَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ عَرَفَنِي وَلَمْ أعرفه، فقال: ادن مني، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: أَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ:
أَلَمْ تَكُنْ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ أَمِيرًا، فَكَانَ مَرْكَبُكَ وَطِيًّا، وَثَوْبُكَ نَقِيًّا وَوَجْهُكَ بَهِيًّا، وطعامك شهيا، وخدمك كثير، فَمَا الَّذِي غَيَّرَكَ وَأَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَبَكَى وَقَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ، كَيْفَ لَوْ رَأَيْتَنِي بَعْدَ ثَلاثٍ فِي قَبْرِي وَقَدْ سَالَتْ حَدَقَتَايَ على وجنتي، ثم جف لساني، وانشقت بَطْنِي وَجَرَتِ الدِّيدَانُ فِي بَدَنِي لَكُنْتَ لِي أَشَدَّ إِنْكَارًا، أَعِدْ عَلَيَّ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثْتَنِي بِالْمَدِينَةِ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقول: «إن بين أيديكم عقبة كؤودا مُضَرَّسَةً لا يَجُوزُهَا إِلا كُلُّ ضَامِرٍ مَهْزُولٍ» .
стр. 2271
قال: فبكي بكاء طويلا ثم قال لي: يا أبا حازم، أما ينبغي لي أن أضمر نفسي لتلك العقبة فعسى أن أنجو منها يومئذ [١] ، وما أظن أني مع هذا البلاء الذي ابتليت به من أمور الناس بناج. ثم رقد ثم تكلم الناس، فقلت: أقلوا الكلام [٢] فما فعل به ما ترون إلا سهر الليل، ثم تصبب عرقا في يوم الله أعلم كيف كان، ثم بكى حتى علا نحيبه، ثم تبسم، فسبقت الناس إلى كلامه، فقلت: يا أمير المؤمنين، رأيت منك عجبا، إنك لما رقدت تصببت عرقا حتى ابتل ما حولك، ثم بكيت حتى علا نحيبك ثم تبسمت، فقال لي:
وقد رأيت [٣] ذلك؟ قلت: نعم ومن كان حولك من الناس رآه، فقال لي: يا أبا حازم، إني لما وضعت رأسي فرقدت، رأيت كأن القيامة قد قامت واجتمع الناس، فقيل: انهم عشرون ومائة صف فملئوا الأفق، أمة محمد من ذلك ثمانون صفا [٤] مهطعين إلى الداعي [٥] ينتظرون متى يدعون إلى الحساب، إذ نودي: أين عبد الله بن عثمان أبو بكر الصديق؟ فأجاب فأخذته الملائكة فأوقفوه أمام ربه ، فحوسب ثم نجا [وأخذ به ذات اليمين، ثم نودي بعمر فقربته الملائكة، فوقفوه أمام ربه، فحوسب ثم نجا] [٦] وأمر به وبصاحبه إلى الجنة. ثم نودي بعثمان، فأجاب، فحوسب يسيرا، ثم أمر به إلى الجنة، ثم نودي بعلي بن أبي طالب، فحوسب ثم أمر به إلى الجنة [٧] . فلما قرب الأمر مني أسقط في يدي، ثم جعل يؤتى بقوم لا أدري ما حالهم، ثم نودي: أين عمر بن عبد العزيز؟ فتصببت عرقا، ثم سئلت عن الفتيل والنقير والقطمير وعن كل قضية قضيت بها [٨] ، ثم غفر لي، فمررت بجيفة ملقاة، فقلت للملائكة: من هذا؟ فقالوا: إنك لو كلمته كلمك، فوكزته برجلي فرفع رأسه إلي وفتح عينيه، فقلت له: من أنت؟ فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنا عمر بن عبد العزيز، قال: ما فعل الله بك؟ قلت: تفضل علي وفعل بي ما فعل بالخلفاء الأربعة الذين غفر لهم، وأما الباقون فما أدري ما فعل بهم،
стр. 2272
فقال لي: هنيئا لك ما صرت إليه. قلت له: من أنت؟ قال: أنا الحجاج، قدمت على الله فوجدته شديد العقاب فقتلني بكل قتلة قتلة، وها أنا موقوف بين يدي الله أنتظر ما ينتظر الموحدون من ربهم، إما إلى الجنة وإما إلى النار.
قال أبو حازم: فعاهدت الله بعد رؤيا عمر بن عبد العزيز ألا أقطع [١] على أحد بالنار ممن يموت وهو يقول لا إله إلا الله.
وفي هذه السنة وجه عمر إلى مسلمة بن عبد الملك وهو بأرض الروم فأمره بالقفول منها بمن معه من المسلمين [٢]
أنبأنا زاهر بن طاهر، قَالَ: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عَبْد اللَّه الحاكم، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يعقوب، قال: حدثنا محمد بن النعمان بن بشير النيسابوري، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثني نوح بن أبي مريم، عن حجاج بن أرطأة، قال:
كتب ملك الهند إلى عمر بن عبد العزيز: من ملك الهند الذي في مربطه [٣] ألف فيل، والذي تحته ألف ملك، والذي له نهران ينبتان العود والكافور، إلى ملك العرب الذي لا يشرك باللَّه شيئا، أما بعد.. فإني قد [٤] أهديت لك هدية وما هي بهدية ولكنها تحية [٥] ، وأحببت أن تبعث إلي رجلا يعلمني ويفهمني الإسلام.
وفي هذه السنة أغارت الترك على أذربيجان فقتلوا جماعة من المسلمين، فوجه عمر من قتلهم فلم يفلت منهم إلا اليسير، وقدم عليه منهم بخمسين أسيرا.
وفيها عزل عمر يزيد بن المهلب عن العراق وحبسه، ووجه على البصرة وأرضها عدي
стр. 2273
ابن أرطأة الفزاري، ووجه على الكوفة [١] وأرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن القرشي، وضم إليه أبا الزناد، فكان أبو الزناد كاتب عبد الحميد.
وفيها: حج بالناس أبو بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وكان عامل عمر على المدينة. وكان عامله على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، [وعلى الكوفة وأرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن، وعلى البصرة وأرضها عدي بن أرطأة] [٢] وعلى خراسان الجراح بن عبد الله، وعلى قضاء البصرة إياس بن معاوية بن قرة المزني.
[وكان] [٣] الواقدي يقول: كان على قضاء الكوفة من قبل عبد الحميد الشعبي، وعلى قضاء البصرة من قبل عدي بن أرطأة الحسن البصري، ثم إن الحسن استعفى عديا فأعفاه وولى إياسا.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٥٤٣- إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمي [٤] :
كان شريفا كريما، ويسمى أسد قريش وأسد الحجاز، وكان أعرج، وهو أخو عَبْد اللَّه بْن حسن [بْن حسن] [٥] بْن علي لأمه فاطمة بنت الحسين.
روى عن أبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس. واستعمله عبد الله بن الزبير على خراج الكوفة. توفي بمنى ليلة جمع محرما، ودفن أسفل العقبة.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا علي بن أحمد بْن البسري، عن أبي عبد الله بْن بطة العكبري، قال: أخبرنا أبو بكر الآجري، قال: أخبرنا أبو نصر محمد بن كردي، قال:
أخبرنا أبو بكر المروزي، قال: أخبرت أن عمر بن عبد العزيز قال:
لما ولي الحجاج بن يوسف الحرمين بعد قتل ابن الزبير أشخص إبراهيم بن
стр. 2274
محمد بن طلحة بن عبيد الله وقربه في المنزلة، فلم يزل كذلك عنده [١] حتى خرج إلى عبد الملك بن مروان زائرا له، فخرج معادلا له لا يترك توشيحه وتعظيمه، فلما حضر باب عبد الملك حضر معه [٢] ، فدخل على عبد الملك فلم يبدأ بشيء بعد التسليم أولى من أن قال: قدمت عليك يا أمير المؤمنين برجل الحجاز، لم أدع والله له فيها [٣] نظيرا في كمال المروءة والأدب وحسن المذهب والطاعة والنصيحة مع القرابة ووجوب الحق وفضل الأبوة إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله وقد أحضرته بابك أسهل عليه أذنك، وتلقاه ببشرك، وتفعل به ما تفعل بمثله ممن كانت مذاهبه مثل مذاهبه. فقال عبد الملك: ذكرتنا حقا واجبا ورحما قريبة، يا غلام إئذن لإبراهيم بن محمد بن طلحة. فلما دخل قربه حتى أجلسه على فراشه ثم قال له: يا ابن طلحة، إن أبا محمد ذكرنا ما لم نزل نعرفك به في الفضل والأدب وحسن المذهب مع قرابة الرحم ووجوب الحق، فلا تدعن حاجة في خاص من أمرك ولا عام إلا ذكرتها، قال: يا أمير المؤمنين، إن أولى الأمور أن يفتتح به الحوائج وترجى به الزلف ما كان للَّه رضى، ولحق نبيه محمد ﷺ أداء، ولك ولجماعة المسلمين نصيحة، وإن عندي نصيحة لا أجد بدا من ذكرها، ولا يكون البوح بها إلا وأنت خال، فأخلني حتى ترد عليك نصيحتي، قال: دون أبا محمد؟ قال: دون أبا محمد، قال: قم يا حجاج، فلما جاز حد الستر قال: قل يا أبا طلحة نصيحتك، قال: يا أمير المؤمنين، إنك عمدت إلى الحجاج في تغطرسه [٤] وتعجرفه وبعده من الحق وركونه إلى الباطل فوليته الحرمين وبهما من بهما، وفيهما من فيهما من المهاجرين والأنصار والموالي والأخيار أصحاب رسول الله ﷺ وأبناء الصحابة يسومهم الخسف، ويطؤهم بالعسف، ويحكم بينهم بغير السنة، ويطؤهم بطغام من أهل الشام، وزعازع لا روية لهم في إقامة حق ولا إزاحة باطل، ثم ظننت أن ذلك فيما بينك وبين الله راهق، وفيما بينك وبين رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جاثاك لخصومته إياك في أمته، أما والله لا تنجو هنالك إلا بحجة تضمن لك النجاة، فاربع على نفسك أودع. فقال: كذبت ومنت وظن بك الحجاج ما لم نجده عندك،
стр. 2275
فلربما ظن الخير بغير أهله، قم فأنت الكاذب المائن، قال: فقمت وما أبصر طريقا، فلما خلفت الستر لحقني لا حق من قبله فقال للحاجب: احبس هذا، ادخل يا أبا محمد.
قال: فدخل الحجاج فلبث مليا لا أشك أنهما في أمري، ثم خرج الإذن: قم يا أبا طلحة ادخل، فقمت فلما كشف لي الستر لقيني الحجاج وهو خارج وأنا داخل، فاعتنقني وقبل ما بين عيني ثم قال: إذا ما جزى الله المتواخين [١] بفضل تواصلهم جزاك [٢] الله أفضل ما جزى أخا عن أخيه، فو الله لئن سلمت لأرفعن ناطرك، ولأعلين كفك ولأتبعن الرجال غبار قدمك. قال: قلت: تهزأ بي. فلما وصلت إلى عبد الملك أدناني حتى أجلسني في مجلسي الأول ثم قال: يا ابن طلحة، لعل أحدا من الناس شاركك في نصيحتك، قلت: لا والله ولا أعلم أحدا كان أظهر عندي معروفا ولا أوضح يدا من الحجاج، ولو كنت محابيا أحدا بديني لكان هو، ولكني آثرت الله ورسوله ﷺ والمسلمين وأنت عليه. قال: قد علمت أنك آثرت الله، ولو أردت الدنيا كان لك في الحجاج كفاية، وقد أزحت الحجاج عن الحرمين [وأعلمته أنك استنزلتني له عنهما استصغارا لهما عنه] [٣] ووليته العراقين لما هناك من الأمور التي لا يدحضها إلا مثله، وأعلمته أنك استدعيتني إلى التولية عليهما استزادة له ليلزمه من نصيحتك [٤] ما يؤدي به عني إليك [الحق] [٥] ، وتصير معه إلى الذي تستحقه، فاخرج معه فإنك غير ذام صحبته.
٥٤٤- سعيد بن أبي الحسن، أخو الحسن البصري: [٦]
روى محمد بن سعد [٧] ، قال: حدثنا عارم [بن الفضل] [٨] ، قال: حدّثنا
стр. 2276
حماد بن زيد، عن يونس بن عبيد [١] ، قال:
لما مات سعيد بن أبي الحسن حزن عليه الحسن حزنا شديدا، فأمسك عن الكلام حتى عرف ذلك في مجلسه وحديثه، فكلم في ذلك، فقال: الحمد للَّه الذي لم يجعل الحزن عارا على يعقوب، ثم قال: بئست الدار المفرقة [٢] .
وقال ابن عون [٣] : دفع إلي الحسن برنسا كان لأخيه سعيد لأبيعه، فقلت: أشتريه أنا، فقال: أنت أعلم، ولكني لا أحب أن أراه عليك.
٥٤٥- سليمان بن عبد الملك بن مروان [٤] :
لبس يوما حلة خضراء وعمامة خضراء، ونظر في المرآة، فقال: أنا الملك الشاب، فما عاش بعد ذلك إلا أسبوعا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين بْن عَبْد الجبار، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طاهر محمد بن علي بن البيع، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر أحمد بْن إبراهيم بن شاذان، قال: حدثنا أبو عبد الله بن عرفة، قال: أخبرنا محمد بن عيسى، أنه سمع عبد الله بن محمد التيمي يقول:
كان سليمان بن عبد الملك [يوما] [٥] جالسا، فنظر في المرآة إلى وجهه، وكان حسن الوجه، فأعجبه ما رأى من جماله، وكان على رأسه وصيفة، فقال: أنا الملك الشاب، فرأى شفتي جاريته تتحركان، فقال لها: ما قلت؟ قالت: خيرا. قال: لتخبريني، قالت: قلت:
أنت نعم [٦] المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
وزاد غيره في الشعر بيتا آخر، فقال:
أنت خلو من العيوب ومما ... يكره الناس غير أنك فاني [٧]
стр. 2277
ثم خرج إلى المسجد يخطب، فسمع أقصى من في المسجد صوته، ثم لم يزل يضعف، وانصرف محموما حمى موصولة بمنيته، فكانت وفاته سنة تسع وتسعين، وهو ابن أربعين سنة.
توفي بدابق من أرض قنسرين يوم الجمعة لعشر ليال بقين- وقيل مضين- من صفر. وكانت ولايته سنتين وثمانية أشهر وخمسة أيام.
أخبرنا ابن ناصر، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو علي التميمي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن مالك، قَالَ: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال:
حدثنا يزيد، قال: حدثنا عبد الله بن يونس، عن سيار أبي الحكم [١] ، قال:
لما دخل سليمان بن عبد الملك قبره أدخله عمر بن عبد العزيز وابن سليمان فاضطرب على أيديهما، فقال ابنه: عاش والله [أبي] [٢] ، فقال: لا والله ولكن عوجل أبوك.
٥٤٦- عبد الله بن مطر، أبو ريحانة [٣] :
روى عن ابن عمر، وسفينة.
أخبرنا عَبْد اللَّه بْن علي المقري، قَالَ: أَخْبَرَنَا طراد بْن مُحَمَّد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين بْن بشران، قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بْن صفوان، قال: حدثنا أبو بكر بن عبيد الله، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الحُسَيْن، قَالَ: حَدَّثَنِي موسى بن عيسى العابد، قال: حدثنا ضمرة، عن فروة الأعمى، قال:
ركب أبو ريحانة البحر، وكان يخيط فيه بإبرة معه، فسقطت إبرته في البحر، فقال: عزمت عليك يا رب إلا رددت علي إبرتي، فظهرت حتى أخذها.
قال: واشتد عليهم البحر ذات يوم وهاج، فقال: اسكن أيها البحر، فإنما أنت عبد حبشي، فسكن حتى صار كالزيت.
стр. 2278
٥٤٧- عبد الله بن خارجة بن حبيب بن قيس بن عمرو بن حارثة بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان [١] :
شاعر من أهل الكوفة [٢] ، متعصب لبني أمية، وهو الأعشى، أعشى بني ربيعة.
دخل على عبد الملك بن مروان فأنشده يقول [٣] :
وما أنا في أمري ولا في خصومتي ... بمهتضم حقي ولا قارع قرني
ولا مسلم مولاي عند جناية ... ولا خائف مولاي من شر ما أجني
وإن فؤادي بين جنبي عالم ... بما أبصرت عيني وما سمعت أذني
وفضلني في الشعر واللب أنني ... أقول على علم وأعرف من أعني
فأصبحت إذ فضلت مروان وابنه ... على الناس قد فضلت خير أب وابن
فقال عبد الملك من يلومني على هذا، وأمر له بعشرة آلاف درهم، وعشرة تخوت من ثياب، وعشر قلائص من الإبل، وأقطعه ألف جريب [٤] .
ودخل عليه يوما فأنشده يقول: [٥]
رأيتك أمس خير بني معد ... وأنت اليوم خير منك أمس
وأنت غدا تزيد الضعف ضعفا ... كذاك تزيد سادة عبد شمس
٥٤٨- القاسم بن مخيمرة الهمداني [٦] :
كوفي الأصل، ثم نزل الشام. روى عن عبد الله بن عمر، وعن خلق كثير من التابعين.
أخبرنا محمد بن أبي القاسم بإسناد له عن الأوزاعي، عن القاسم، أنه كره صيد الطير أيام فراخه.
стр. 2279
وروى سعيد [١] بن عبد العزيز، عن القاسم بن مخيمرة، قال: ما اجتمع على مائدتي لونان من طعام، ولا غلقت بابي ولي خلفه هم، وأتيت عمر بن عبد العزيز فقضى عني سبعين دينارا، وحملني على بغلة وفرض لي في خمسين فقلت: أغنيتني عن التجارة، فسألني عن حديث، فقلت [٢] : هبني يا أمير المؤمنين، كأنه كره أن يحدثه بعد لأجل العطاء.
٥٤٩- محمود بن الربيع بن الحارث بن الخزرج [٣] :
رأى رسول الله ﷺ ، وعقل مجة مجها في وجهه وهو ابن خمس سنين.
وتوفي في هذه السنة وَهُوَ ابن ثلاث وتسعين سنة. وقيل: أربع وتسعين سنة.
стр. 2280
ثم دخلت سنة مائة
فمن الحوادث فيها خروج الخارجة التي خرجت على عمر بالعراق [١]
فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن عامل العراق يأمره أن يدعوهم إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ ، فلما أعذر في دعائهم [بكتاب الله وسنة نبيه] [٢] بعث إليهم عبد الحميد جيشا فهزمتهم الحرورية [٣] ، فبلغ عمر فبعث إليهم مسلمة بن عبد الملك في جيش من أهل الشام جهزهم من الرقة، فكتب إلى عبد الحميد: قد بلغني ما فعل جيشك جيش السوء، وقد بعثت مسلمة بأهل الشام فلم ينشب [٤] أن أظهره الله عليهم.
وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى: أن الذي خرج على عبد الحميد بالعراق في خلافة عمر بن عبد العزيز ابن شوذب [٥] واسمه بسطام من بني يشكر، وكان مخرجه [بجوخى] [٦] في ثمانين فارسا أكثرهم من ربيعة، فكتب عمر إلى عبد الحميد، ألا تحركهم إلا أن يسفكوا دما، أو يفسدوا في الأرض، فإن فعلوا فحل بينهم وبين ذلك، وانظر رجلا حازما، فوجهه إليهم ووجه معه جندا وأوصه بما أمرتك به.