← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

حماد بن زيد، عن يونس بن عبيد [١] ، قال: لما مات سعيد بن أبي الحسن حزن عليه الحسن حزنا شديدا، فأمسك عن الكلام حتى عرف ذلك في مجلسه وحديثه، فكلم في ذلك، فقال: الحمد للَّه الذي لم يجعل الحزن عارا على يعقوب، ثم قال: بئست الدار المفرقة [٢] . وقال ابن عون [٣] : دفع إلي الحسن برنسا كان لأخيه سعيد لأبيعه، فقلت: أشتريه أنا، فقال: أنت أعلم، ولكني لا أحب أن أراه عليك. ٥٤٥- سليمان بن عبد الملك بن مروان [٤] : لبس يوما حلة خضراء وعمامة خضراء، ونظر في المرآة، فقال: أنا الملك الشاب، فما عاش بعد ذلك إلا أسبوعا. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين بْن عَبْد الجبار، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طاهر محمد بن علي بن البيع، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر أحمد بْن إبراهيم بن شاذان، قال: حدثنا أبو عبد الله بن عرفة، قال: أخبرنا محمد بن عيسى، أنه سمع عبد الله بن محمد التيمي يقول: كان سليمان بن عبد الملك [يوما] [٥] جالسا، فنظر في المرآة إلى وجهه، وكان حسن الوجه، فأعجبه ما رأى من جماله، وكان على رأسه وصيفة، فقال: أنا الملك الشاب، فرأى شفتي جاريته تتحركان، فقال لها: ما قلت؟ قالت: خيرا. قال: لتخبريني، قالت: قلت: أنت نعم [٦] المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان وزاد غيره في الشعر بيتا آخر، فقال: أنت خلو من العيوب ومما ... يكره الناس غير أنك فاني [٧]

стр. 2277

ثم خرج إلى المسجد يخطب، فسمع أقصى من في المسجد صوته، ثم لم يزل يضعف، وانصرف محموما حمى موصولة بمنيته، فكانت وفاته سنة تسع وتسعين، وهو ابن أربعين سنة. توفي بدابق من أرض قنسرين يوم الجمعة لعشر ليال بقين- وقيل مضين- من صفر. وكانت ولايته سنتين وثمانية أشهر وخمسة أيام. أخبرنا ابن ناصر، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو علي التميمي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن مالك، قَالَ: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا عبد الله بن يونس، عن سيار أبي الحكم [١] ، قال: لما دخل سليمان بن عبد الملك قبره أدخله عمر بن عبد العزيز وابن سليمان فاضطرب على أيديهما، فقال ابنه: عاش والله [أبي] [٢] ، فقال: لا والله ولكن عوجل أبوك. ٥٤٦- عبد الله بن مطر، أبو ريحانة [٣] : روى عن ابن عمر، وسفينة. أخبرنا عَبْد اللَّه بْن علي المقري، قَالَ: أَخْبَرَنَا طراد بْن مُحَمَّد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين بْن بشران، قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بْن صفوان، قال: حدثنا أبو بكر بن عبيد الله، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الحُسَيْن، قَالَ: حَدَّثَنِي موسى بن عيسى العابد، قال: حدثنا ضمرة، عن فروة الأعمى، قال: ركب أبو ريحانة البحر، وكان يخيط فيه بإبرة معه، فسقطت إبرته في البحر، فقال: عزمت عليك يا رب إلا رددت علي إبرتي، فظهرت حتى أخذها. قال: واشتد عليهم البحر ذات يوم وهاج، فقال: اسكن أيها البحر، فإنما أنت عبد حبشي، فسكن حتى صار كالزيت.

стр. 2278

٥٤٧- عبد الله بن خارجة بن حبيب بن قيس بن عمرو بن حارثة بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان [١] : شاعر من أهل الكوفة [٢] ، متعصب لبني أمية، وهو الأعشى، أعشى بني ربيعة. دخل على عبد الملك بن مروان فأنشده يقول [٣] : وما أنا في أمري ولا في خصومتي ... بمهتضم حقي ولا قارع قرني ولا مسلم مولاي عند جناية ... ولا خائف مولاي من شر ما أجني وإن فؤادي بين جنبي عالم ... بما أبصرت عيني وما سمعت أذني وفضلني في الشعر واللب أنني ... أقول على علم وأعرف من أعني فأصبحت إذ فضلت مروان وابنه ... على الناس قد فضلت خير أب وابن فقال عبد الملك من يلومني على هذا، وأمر له بعشرة آلاف درهم، وعشرة تخوت من ثياب، وعشر قلائص من الإبل، وأقطعه ألف جريب [٤] . ودخل عليه يوما فأنشده يقول: [٥] رأيتك أمس خير بني معد ... وأنت اليوم خير منك أمس وأنت غدا تزيد الضعف ضعفا ... كذاك تزيد سادة عبد شمس ٥٤٨- القاسم بن مخيمرة الهمداني [٦] : كوفي الأصل، ثم نزل الشام. روى عن عبد الله بن عمر، وعن خلق كثير من التابعين. أخبرنا محمد بن أبي القاسم بإسناد له عن الأوزاعي، عن القاسم، أنه كره صيد الطير أيام فراخه.

стр. 2279

وروى سعيد [١] بن عبد العزيز، عن القاسم بن مخيمرة، قال: ما اجتمع على مائدتي لونان من طعام، ولا غلقت بابي ولي خلفه هم، وأتيت عمر بن عبد العزيز فقضى عني سبعين دينارا، وحملني على بغلة وفرض لي في خمسين فقلت: أغنيتني عن التجارة، فسألني عن حديث، فقلت [٢] : هبني يا أمير المؤمنين، كأنه كره أن يحدثه بعد لأجل العطاء. ٥٤٩- محمود بن الربيع بن الحارث بن الخزرج [٣] : رأى رسول الله ﷺ ، وعقل مجة مجها في وجهه وهو ابن خمس سنين. وتوفي في هذه السنة وَهُوَ ابن ثلاث وتسعين سنة. وقيل: أربع وتسعين سنة.

стр. 2280

ثم دخلت سنة مائة فمن الحوادث فيها خروج الخارجة التي خرجت على عمر بالعراق [١] فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن عامل العراق يأمره أن يدعوهم إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ ، فلما أعذر في دعائهم [بكتاب الله وسنة نبيه] [٢] بعث إليهم عبد الحميد جيشا فهزمتهم الحرورية [٣] ، فبلغ عمر فبعث إليهم مسلمة بن عبد الملك في جيش من أهل الشام جهزهم من الرقة، فكتب إلى عبد الحميد: قد بلغني ما فعل جيشك جيش السوء، وقد بعثت مسلمة بأهل الشام فلم ينشب [٤] أن أظهره الله عليهم. وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى: أن الذي خرج على عبد الحميد بالعراق في خلافة عمر بن عبد العزيز ابن شوذب [٥] واسمه بسطام من بني يشكر، وكان مخرجه [بجوخى] [٦] في ثمانين فارسا أكثرهم من ربيعة، فكتب عمر إلى عبد الحميد، ألا تحركهم إلا أن يسفكوا دما، أو يفسدوا في الأرض، فإن فعلوا فحل بينهم وبين ذلك، وانظر رجلا حازما، فوجهه إليهم ووجه معه جندا وأوصه بما أمرتك به.

стр. 2281

فعقد عبد الحميد لمحمد بن جرير بن عبد الله البجلي في ألفين من أهل الكوفة وأمره بما أمر به عمر، وكتب عمر إلى بسطام يدعوه ويسأله عن مخرجه، فقدم كتاب عمر عليه [١] ، وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم. إنه بلغني أنك خرجت غضبا للَّه ولنبيه ﷺ ، ولست بأولى بذلك مني، فهلم أناظرك، فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن كان في يدك نظرنا في أمرك. فلم يحرك بسطام شيئا، وكتب إلى عمر: قد أنصفت، وقد بعثت إليك برجلين يناظرانك [٢] ، فدخلا عليه فقالا: أخبرنا عن يزيد لم تعده خليفة بعدك؟ قال: صيره غيري، قالا: أفرأيت لو وليت مالا لغيرك، ثم وكلته إلى غير مأمون عليه، أتراك كنت أديت الأمانة إلى من ائتمنك؟ فقال: أنظراني ثلاثا، فخرجا من عنده، وخاف بنو مروان أن يخرج ما في أيديهم من الأموال، وأن يخلع يزيدا، فدسوا إليه من سقاه سما، فلم يلبث بعد خروجهما إلا ثلاثا حتى مات رضى الله عنه. وفي هذه السنة أغزى عمر الوليد بن هشام المعيطي، وعمرو بن قيس الكندي من أهل حمص الصائفة أَخْبَرَنَا المبارك بْن علي الصيرفي، قَالَ: أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله الحيري، قالت: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن الحسين بْن الفضل، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد بْن خالد الكاتب، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بن المغيرة، قال: حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّبَيْر بْن بكار، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد الله بن عبد العزيز، قال: أخبرني ابن العلاء- أحسبه أبا عمرو بن العلاء، أو أخاه- عن جويرية عن إسماعيل بن أبي حكيم، قال: بعثني عمر بن عبد العزيز حين ولي في الفداء، فبينا أنا أجول في القسطنطينية إذ سمعت صوتا يغني وهو يقول: أرقت وغاب عني من يلوم ... ولكن لم أنم أنا والهموم

стр. 2282

كأني من تذكر ما ألاقي ... إذا ما أظلم الليل البهيم سقيم مل منه أقربوه ... وودعه المداوي والحميم وكم في بحرة بين المنقا ... إلى أحد إلى ماء زريم [١] إلى الجماء من خد أسيل ... نقي اللون ليس به كلوم يضيء به الظلام إذا تبدى ... كضوء الفجر منظره وسيم فلما أن دنا منا ارتحال ... وقرب ناجيات السير كوم أتين مودعات والمطايا ... على أكوارها خوص هجوم فقائلة ومثنية علينا ... تقول وما لها فينا حميم وأخرى لبها معنا ولكن ... تستر وهي واجمة كظوم تعد لنا الليالي تحتصيها ... متى هو خائن منا قدوم متى تر غفلة الواشين عنا ... تجد بدموعها العين السجوم قال الزبير: والشعر لبقيلة الأشجعي. قال إسماعيل بن أبي حكيم: فسألته حين دخلت عليه، فقلت له: من أنت؟ قال: أنا الوابصي الذي أخذت فعذبت فجزعت فدخلت في دينهم، فقلت: إن أمير المؤمنين [٢] عمر بن عبد العزيز بعثني في الفداء وأنت والله أحب من افتديته إلا أن لم تكن بطنت في الكفر، قال: والله لقد بطنت في الكفر، فقلت: أنشدك الله أسلم، فقال: أسلم، وهذان ابناي وقد تزوجت امرأة، وهذان ابناها، وإذا دخلت المدينة قال أحدهم: يا نصراني، وقيل لولدي وأمهم [وولدهم] [٣] كذلك، لا والله لا أفعل، فقلت له: قد كنت قارئا للقرآن، فقال: إني والله من أقرأ القراء للقرآن، فقلت: ما بقي معك من القرآن؟ قال: لا شيء إلا هذه الآية: (رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) ١٥: ٢ [٤] . وفي هذه السنة أشخص عمر [٥] بن هبيرة الفزاري إلى الجزيرة عاملا عليها.

стр. 2283

وفيها حمل يزيد بن المهلب من العراق إلى عمر بن عبد العزيز . وسبب ذلك أن يزيدا نزل واسطا، ثم ركب السفن يريد البصرة، فبعث عمر عدي بن أرطأة إلى البصرة فأوثقه ثم بعث به إلى عمر، فدعا به عمر- وقد كان عمر يبغضه ويبغض بنيه ويقول: جبابرة، وكان يزيد يبغض عمر- فلما وصل إلى عمر سأله عن الأموال التي كتب بها إلى سليمان، قال: إنما كتبت إليه لأسمع الناس، ولم يكن سليمان ليأخذني بشيء سمعت به، فقال له: ما أجد في أمرك إلا حبسك، فاتق الله وأد ما قبلك فإنها حقوق المسلمين لا يسعني تركها فحبسه إلى أن مرض عمر. وفي هذه السنة عزل عمر الجراح عن خراسان وولاها عبد الرحمن بن نعيم القشيري [١] . وكانت ولاية الجراح خراسان سنة وخمسة أشهر. وفي هذه السنة وجه مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس إلى العراق وإلى خراسان من يدعو إليه وإلى أهل بيته فاستجاب له جماعة. وكتب لهم محمد بن علي كتابا ليكون لهم مثالا وسيرة يسيرون بها، وكان يقول لرجال أهل الدعوة حين أراد توجيههم [٢] : أما الكوفة وسوادها فهناك شيعة علي وولده، وأما البصرة وسوادها فعثمانية ترى الكف، تقول: كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل، وأما الجزيرة فحرورية، وأما الرقة فمسلمون أحلاف النصارى [٣] ، وأما أهل الشام فلا يعرفون إلا طاعة بني مروان، وأما أهل مكة والمدينة فقد غلب عليها [٤] أبو بكر وعمر، ولكن عليكم بخراسان فإن هناك الصدور السليمة والقلوب الفارغة [٥] التي [لم] [٦] تتقسمها الأهواء ولم تتوزعها النحل.

стр. 2284

وفي هذه السنة حج بالناس أبو بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وكان عمال الأمصار في هذه السنة هم العمال فِي السنة التي قبلها ما خلا خراسان، فإن عاملها في آخر السنة كان عبد الرحمن بن نعيم على الصلاة والحرب، وعبد الرحمن بن عبد الله على الخراج [١] . وفي هذه السنة وقع طاعون، فقيل له: طاعون عدي بن أرطأة. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٥٥٠- بسر [٢] بن سعيد مولى الحضرميين [٣] : روى عن زيد بن ثابت، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وأبي سعيد [٤] . وكان بسر ثقة من العباد المنقطعين، وأهل الزهد في الدنيا، وتوفي بالمدينة وهو ابن ثمان وسبعين، ولم يدع كفنا. ٥٥١- حنش بن عبد الله بن عمرو، أبو رشدين الصنعاني [٥] : كان مع علي بن أبي طالب بالكوفة، وقدم مصر بعد قتل علي، وغزا المغرب مع رويفع بن ثابت، وغزا الأندلس مع موسى بن نصير، وكان فيمن ثار مع ابن الزبير على عبد الملك، فأتى به عبد الملك في وثاق فعفا عنه، وكان عبد الملك حين غزا

стр. 2285

المغرب مع معاوية بن خديج، نزل عليه بإفريقية سنة خمسين، فحفظ له ذلك. وكان حنش أول من ولي عشور إفريقية في الإسلام، وكان إذا فرغ من عشائه وحوائجه وأراد أن يرقد أوقد المصباح وقدم المصحف وإناء فيه ماء، وكان إذا وجد النعاس [١] أخذ الماء، وإذا تعايا في آية نظر في المصحف. وتوفي بإفريقية في هذه السنة. ٥٥٢- خارجة بن زيد بن ثابت بن الضحاك، أبو زيد: [٢] روى عن أبيه وكان ثقة، وقال: رأيت في المنام كأني بنيت سبعين درجة، فلما فرغت منها تهورت، وهذه السنة لي سبعون قد أكملتها. فمات فيها [٣] . توفي في هذه السنة بالمدينة. ٥٥٣- عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز: توفي في خلافة أبيه، وكان صالحا. أخبرنا علي بن أبي عمر، قال: أخبرنا محمد بن الحسن الباقلاوي، قال: أخبرنا عبد الملك بن بشران، قال: أخبرنا أبو بكر الآجري، قال: حدثنا أبو عبد الله بن مخلد، قال: حدثني سهل بن عيسى المروزي، قال: حدثني القاسم بن محمد بن الحارث، قال: حدثنا [٤] سهل بن يحيى بن محمد المروزي، قال: أخبرني أبي، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال: لما ولي [أبي] [٥] عمر الخلافة وخطب الناس ذهب يتبوأ مقيلا [٦] ، فأتاه ابنه

стр. 2286

عبد الملك، فقال: ما تريد أن تصنع؟ قال: يا بني أقيل، قال: تقيل ولا ترد المظالم، فقال: أي بني [١] إني قد سهرت البارحة في أمر عمك سليمان، فإذا صليت الظهر رددت المظالم، قال: يا أمير المؤمنين، من لك أن تعيش إلى الظهر، قال: أدن مني أي بني. فدنا منه فالتزمه وقبل بين عينيه وقال: الحمد للَّه الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني، فخرج ولم يقل. أخبرنا [٢] ابن ناصر، عن أبي القاسم وأبي عمر ابني عبد الله بن منده، عن أبيهما، قال: حدثنا أبو سعيد بن يونس، قال: حدثنا محمد بن نصر بن القاسم، قال: حدّثنا أحمد بن عمرو بن السراج [٣] ، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني [٤] الليث بن سعد، قال: حدثنا عبد الله [٥] بن أبي جعفر، عن عاصم بن أبي بكر بن عبد العزيز بن مروان: أنه وفد على سليمان بن عبد الملك. قال: فنزلت على عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز وهو عزب، فكنت معه في بيته، فلما صلينا العشاء وأوى كل رجل منا إلى فراشه، فلما ظن أن قد نمنا قام [إلى] [٦] المصباح فأطفأه وأنا أنظر إليه، ثم جعل يصلي حتى ذهب النوم. قال: فاستيقظت وهو يقرأ: (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ مَا كانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ٢٦: ٢٠٥- ٢٠٧ [٧] . ثم بكى ثم رجع إليها ثم بكى ثم لم يزل يفعل حتى قلت سيقتله البكاء، فلما رأيت ذلك قلت: سبحان الله والحمد للَّه، كالمستيقظ من النوم لأقطع ذلك عنه، فلما سمعني ألبد فلم أسمع له حسا. أخبرنا عبد الوهاب ويحيى بن علي، قالا: أخبرنا عبد الله بن أحمد السكري، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ، قال: حدّثنا [٨] حمزة بن القاسم الهاشمي،

стр. 2287

قال: حدثنا حنبل، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حنبل، قَالَ: حَدَّثَنَا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثني زياد بن أبي حسان: أنه شهد عمر بن عبد العزيز حين دفن ابنه عبد الملك، استوى قائما فأحاط به الناس فقال: والله يا بني لقد كنت برا بأبيك، وو الله ما زلت منذ وهبك الله لي مسرورا بك، ولا والله ما كنت قط أشد سرورا ولا أرجى لحظي من الله منك مذ وضعتك في المنزل الذي صيرك الله إليه، فرحمك وغفر لك ذنبك وجزاك بأحسن عملك، ورحم كل شافع يشفع لك غيري شاهد وغائب، رضينا بقضاء الله وسلمنا لأمره، والحمد للَّه رب العالمين. ثم انصرف. ٥٥٤- عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدي بن وهب بن ربيعة، أبو عثمان النهدي [١] : حج في الجاهلية حجتين، وأسلم على عهد رسول الله ﷺ إلا أنه لم يلقه، وهاجر إلى المدينة بعد موت أبي بكر فلقي عمر بن الخطاب. وروى عنه، وعن علي، وسعد، وسعيد، وابن مسعود، وأبي، وغيرهم من الصحابة، [وكان ثقة] [٢] ونزل الكوفة ثم صار إلى البصرة، فحدث عنه أيوب، وقتادة، وسليمان التيمي، وغيرهم، وكان معه وشهد القادسية وجلولاء، وتستر ونهاوند واليرموك وأذربيجان ورستم. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا عَبْد العزيز بْن عَلِيّ الوراق، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا يوسف بن يعقوب النيسابوري، قال: أَخْبَرَنَا أبو بكر بْن أبي شيبة، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحجاج بن أبي زينب، قال: سمعت أبا عثمان النهدي يقول [٣] : كنا في الجاهلية نعبد حجرا، فسمعنا مناديا ينادي: يا أهل الرحال، إن ربكم قد هلك فالتمسوا ربا، قال: فخرجنا على كل صعب وذلول، فبينا نحن كذلك نطلب إذا نحن بمناد ينادي: إنا قد وجدنا ربكم أو شبهه [٤] ، قال: فجئنا فإذا [نحن] [٥] بحجر فنحرنا عليه الجزر.

стр. 2288

أخبرنا عبد الرحمن، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا ابن الفضل، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر، قال: حدثنا يعقوب، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد، عن حميد، عن أبي عثمان، قال: [١] أتت علي نحو من ثلاثين ومائة سنة، وما شيء مني إلا وقد أنكرته إلا أملي فإني أجده كما هو. توفي أبو عثمان في هذه السنة وهو ابن ثلاثين ومائة سنة. ٥٥٥- عمران بن ملحان، أبو رجاء العطاردي [٢] : أَخْبَرَنَا محمد بن [أبي] [٣] القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بْن عَبْد اللَّه الأَصْفَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّد بْن أَحْمَد، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، فَقَالَ: [٤] بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ عَلَى مَاءٍ لَنَا، وَكَانَ لَنَا صَنَمٌ مُدَوَّرٌ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى قَتَبٍ وَانْتَقَلْنَا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ إِلَى غَيْرِهِ، فَمَرَرْنَا بِرَمْلَةٍ فَانْسَلَّ الْحَجَرُ فَوَقَعَ فِي الرَّمْلِ فَغَابَ فِيهِ، فَلَمَّا رَجَعْنَا إِلَى الْمَاءِ فَقَدْنَا الْحَجَرَ فَرَجَعْنَا فِي طَلَبِهِ فَإِذَا هُوَ فِي رَمْلٍ قَدْ غَابَ فاستخرجناه، فكان ذلك أول إِسْلامِي، فَقُلْتُ: إِنَّ إِلَهًا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ تُرَابٍ يَغِيبُ فِيهِ لإِلَهُ سُوءٍ وَإِنَّ الْعَنْزَ لَتَمْنَعُ حَيَاءَهَا بِثَدْيِهَا. فَرَجَعْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَدْ توفي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَالَ مؤلف الكتاب [٥] : روى أبو رجاء [العطاردي] عن عمر وابن عباس، وأم قومه أربعين سنة، وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز.

стр. 2289

٥٥٦- مسلم بن يسار، أبو عبد الله مولى طلحة بن عبيد الله التيمي [١] : لقي جماعة من الصحابة، وكان من العلماء المتعبدين، وكان حسن الخشوع في الصلاة، فوقع مرة إلى جانبه حريق فما شعر به حتى طفئ. وكان أرفع عند الناس من الحسن حتى خرج مع ابن الأشعث فوضعه ذلك. وكان يقول: ما ضربت بسيف ولا طعنت برمح، فقال له قائل: فكيف بمن رآك واقفا في الصف؟ قال: هذا مسلم بن يسار، ما وقف هذا الموقف إلا وهو على الحق فقاتل فقتل. فبكى بكاء شديدا. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا علي بن محمد الأنباري، قال: [أخبرنا] [٢] أحمد بن محمد بن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر [القرشي] [٣] ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم، قال: حدثنا علي بن إسحاق، قال: حدثنا عبد الله، قال: أخبرنا جعفر بن حيان، قال: ذكر لمسلم بن يسار قلة التفاته في الصلاة، قال: وما يدريكم أين قلبي [٤] . قال أحمد بن إبراهيم: وحدثنا هارون بن معروف، قال: حدثنا ضمرة، عن ابن شوذب قال: كان مسلم بن يسار يقول لأهله إذا دخل في صلاته: تحدثوا فلست أسمع حديثكم [٥] . قال: أخبرنا سعد الخير بن محمد، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن أيوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسين بن مُحَمَّد الخلال، قال: حدثنا علي بن عمر بن علي التمار، قال: حدثنا جعفر بن محمد الخالدي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، قال: حدّثنا

стр. 2290

البرجلاني، قال: حدثنا غياث بن زياد، قال: حدثنا ابن المبارك، قال: قال مسلم بن يسار لأصحابه يوم التروية: هل لكم في الحج؟ قالوا: خرف الشيخ على ذلك فلنطيعنه، قال: من أراد ذلك فليخرج، فخرجوا إلى الحسان برواحلهم، فقال: خلوا أزمتها، فأصبحوا وهم ينظرون إلى جبال تهامة [١] .

стр. 2291

ثم دخلت سنة إحدى ومائة فمن الحوادث فيها هرب يزيد بن المهلب [من حبس عمر] [١] وذلك أنه خاف من يزيد بن عبد الملك لأنه كان قد عذب أصهاره آل أبي عقيل، وذلك أن أم الحجاج بنت محمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف كانت عند يزيد بن عبد الملك فولدت له الوليد بن يزيد، وكان يزيد قد عاهد الله لئن أمكنه من يزيد بن المهلب ليقطعن منه طابقا [٢] فكان يخشى ذلك، فبعث يزيد بن المهلب إلى مواليه فأعدوا له إبلا، ومرض عمر فأمر يزيد بإبله فأتي بها، فخرج من محبسه فذهب وكتب إلى عمر: إني والله لو علمت أنك تبقى ما خرجت من محبسي، ولكني لم آمن يزيد بن عبد الملك، فقال عمر: اللَّهمّ إن كان يريد بهذه الأمة شرا فاكفهم شره، واردد كيده في نحره. ومضى يزيد بن المهلب. وقال الواقدي: إنما هرب من سجن عمر بعد موته ﵁. وفي هذه السنة توفي عمر بن عبد العزيز واستخلف يزيد بن عبد الملك.

стр. 2292

باب ذكر خلافة يزيد بن عبد الملك ويكنى أبا خالد، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، استخلف بعد وفاة عمر، وكان يومئذ ابن تسع وعشرين سنة. أنبأنا محمد بن ناصر الحافظ، قَالَ: أنبأنا [١] المبارك بن عبد الجبار، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد العتيقي، قَالَ: أخبرنا أبو بكر أحمد بن منصور النوشري، قال: أخبرنا أحمد بن سليمان بن داود الطوسي، قال: أخبرنا الزبير بن بكار، قال: حدثني هارون بن عبد الله الزهري، عن عبيد الله بن عمرو الفهري، قال: لما توفي عمر بن عبد العزيز، قال يزيد بن عبد الملك: ما جعل عمر بن عبد العزيز لربه أرجى مني، فتنسك وأقام أربعين يوما لا تفوته صلاة في جماعة، فقدم الأحوص فأرسلت له حبابة أنه ليس لي ولا لك عنده شيء ما دام على هذه الحال فقل أبياتا أغنيها له عسى أن يترك ما هو عليه من النسك، فقال الأحوص: ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا ... فقد غلب المحزون أن يتجلدا [٢] إذا كنت عزيفا عن اللهو والصبا ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا فما العيش إلا ما يلذ ويشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنان وفندا فلما خرج يزيد للجمعة عرضت له حبابة على طريقه فحركت العود وغنت البيت الأول فسبح، فلما غنت البيت الثاني قال: مه مه ويحك لا تفعلي [٣] ، فلما غنت الثالث

стр. 2293

نفض عمامته، وقال: مروا صاحب الشرطة أن يصلي بالناس، وجلس معها، ودعى بالشراب وسألها عن قائل الشعر، فقالت: الأحوص، فأمر به فأدخل فأجازه وأحسن إليه وأنشده مديحه. فصل ولما استخلف يزيد نزع أبا بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عن المدينة وولاها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري، وبايع لأخيه هشام بالعهد من بعده، ثم لابنه الوليد، ولم يكن ابنه بلغ، فلما بلغ ندم وقال: الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك، يعني مسلمة. وفي هذه السنة قتل شوذب الخارجي [١] وقد ذكرنا أنه بعث رجلين يناظران عمر بن عبد العزيز، فلما مات عمر أراد عبد الحميد أن يحظى عند يزيد بن عبد الملك، فكتب إلى محمد بن جرير يأمره بمحاربة شوذب وأصحابه، ولم يرجع رسولا شوذب، ولم يعلم بموت عمر، فلما رأى محمد بن جرير مستعدا للحرب أرسل إليه شوذب: ما أعجلكم [٢] قبل انقضاء المدة فيما بيننا وبينكم، أليس قد تواعدنا إلى أن يرجع [٣] رسولانا [٤] ، فقيل له: لا يسعنا غير هذا، فبرز له شوذب فاقتتلوا وأصيب من الخوارج نفر، وأكثروا في أهل الكوفة القتل، فولوا منهزمين والخوارج في أكتافهم حتى بلغوا أخصاص الكوفة، فأقر يزيد عبد الحميد على الكوفة، ووجه من قبله تميم بن الحباب في ألفين فراسل الخوارج وأخبرهم أنه لا يفارقهم على ما فارقهم عليه عمر، فلعنوه ولعنوا يزيدا، فحاربهم فقتلوه وهزموا أصحابه، فوجه إليهم نجدة بن الحكم الأزدي في جمع، فقتلوه وهزموا أصحابه [٥] ، فبعث آخر في ألفين فقتلوه، فأنفذ يزيد مسلمة بن عبد الملك، فنزل الكوفة، ودعا سعيد بن عمرو الحرشي، فعقد له على عشرة آلاف ووجهه، فقال لأصحابه: من كان يريد

стр. 2294

الله فقد جاءته الشهادة، ومن كان إنما خرج للدنيا [١] فقد ذهبت الدنيا منه. فكسروا أغماد سيوفهم وحملوا فكشفوا سعيدا وأصحابه مرارا حتى خافوا الفضيحة، ثم حملوا على الخوارج فطحنوهم وقتلوا شوذب. وفي هذه السنة لحق يزيد بن المهلب بالبصرة فغلب عليها وخلع يزيد بن عبد الملك وأخذ عامله عدي بن أرطأة فحبسه [٢] قد ذكرنا أن يزيد بن المهلب هرب من حبس عمر، فلما بويع يزيد كتب إلى عبد الحميد يأمره بطلب يزيد بن المهلب، وكتب إلى عدي بن أرطأة يأمره أن يأخذ من كان في البصرة من أهل بيته، فأخذهم وفيهم المفضل [٣] ، وحبيب، ومروان، والمهلب، وبعث عبد الحميد هشام بن مساحق في طلب يزيد، فقال له: أجيئك به أسيرا أم آتيك برأسه؟ فقال: أي [٤] ذلك شئت، فنزل هشام بالعذيب، فمر بهم يزيد فاتقوا الإقدام عليه، فمضى نحو البصرة، فنزل داره واختلف الناس إليه، وبعث إلى عدي بن أرطأة: ادفع إلي إخوتي وأنا أخليك والبصرة حتى آخذ لنفسي ما أحب من يزيد بن عبد الملك. فلم يقبل [منه] [٥] ، وكان يزيد بن المهلب يعطي الناس المال، فمالوا إليه، وخرج حميد بن عبد الملك بن المهلب إلى يزيد بن عبد الملك، فبعث معه خالد بن عبد الله القسري وعمر بن يزيد [٦] الحكمي بأمان يزيد بن المهلب وأهل بيته، وخرج يزيد بن المهلب حين اجتمع إليه الناس حتى نزل جبانة بني يشكر، فخرج إليه عدي فاقتتلوا فهزم أصحاب يزيد، وجاء يزيد فنزل دار سلم [٧] بن زياد وأخذ عديا فحبسه، وهرب رءوس أهل البصرة، فمنهم من لحق عبد الحميد بالكوفة، ومنهم من لحق بالشام.

стр. 2295

وجاء خالد القسري وعمر بن يزيد [١] ومعهما حميد بن عبد الملك بالأمان ليزيد بن المهلب من يزيد بن عبد الملك، فوصلوا وقد فات الأمر، وغلب يزيد بن المهلب على البصرة، وخلع يزيد بن عبد الملك، واستوثقت له البصرة، وبعث عماله إلى الأهواز وفارس وكرمان، وبعث أخاه مدرك [٢] بن المهلب إلى خراسان، وخطب يزيد بن المهلب الناس وأخبرهم أنه يدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ويحث على الجهاد، ويزعم أن جهاد أهل الشام أعظم ثوابا [٣] من جهاد الترك والديلم. فدخل الحسن البصري إلى المسجد فقال لصاحبه: انظر هل ترى وجه رجل تعرفه؟ فقال: لا والله، فقال: فو الله هؤلاء [٤] الغثاء، فدنا من المنبر وإذا هو يدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فقال الحسن: يزيد يدعو إلى كتاب الله، والله لقد رأيناك واليا وموليا عليه، فجعل أصحابه يأخذون على فيه لئلا يتكلم، فقال الحسن: إنما كان يزيد بالأمس يضرب رقاب هؤلاء ويسرح بها إلى بني مروان يريد رضاهم، فلما غضب نصب [٥] هؤلاء وقال: أدعوكم إلى كتاب الله وسنة العمرين، وإن من سنة العمرين أن يوضع قيد في رجله ثم يرد إلى محبس عمر. فقال رجل: يا أبا سعيد، كأنك راض عن أهل الشام، فقال: أنا راض عن أهل الشام، قبحهم الله وبرحهم، أليسوا الذين أحلوا حرم رسول الله ﷺ وقتلوا أهله ثم خرجوا إلى بيت الله الحرام فهدموا الكعبة وأوقدوا النار بين أحجارها وأستارها، عليهم لعنة الله. ثم إن يزيدا [٦] خرج من البصرة واستخلف عليهم مروان، فأقبل حتى نزل واسط، واستشار أصحابه فقال: ما الرأي؟ فاختلفوا عليه، فأقام أياما بواسط ثم خرج. وفي هذه السنة حج بالناس [٧] عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري، وهو عامل يزيد على

стр. 2296

المدينة، وكان عامله على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن [١] ، وعلى قضائها عامر الشعبي، وعلى خراسان عبد الرحمن بن نعيم. وكان يزيد بن المهلب قد غلب على البصرة. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٥٥٧- أيوب بن شرحبيل: أحد أمراء مصر، وليها لعمر بن عبد العزيز. روى عنه أبو قبيل. توفي في رمضان هذه السنة. ٥٥٨- ذكوان، أبو صالح السمان [٢] سمع من كعب الأحبار، وتوفي بالمدينة [في هذه السنة] [٣] . ٥٥٩- عمر بن عبد العزيز: قد ذكرنا أنه لما تولى قام بالعدل فكانت بنو أمية قد ألفوا التخليط وخافوا أن يعهد إلى غيرهم، فسموه فمرض عشرين يوما. أخبرنا الحسن بْن محبوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا طراد بْن مُحَمَّد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو الحسين بن بشران إذنا، أن الحسين بن [٤] صفوان [٥] حدثهم قال: حدثنا أبو عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد القرشي، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بن الحسين [٦] ، قال: هشام بن عبد الله الرازي، قال: حدثنا أبو زيد الدمشقي، قال: لما ثقل عمر بن عبد العزيز دعي له بطبيب، فلما نظر إليه قال: أرى الرجل قد

стр. 2297

سقي السم فلا آمن عليه الموت، فرفع عمر [١] بصره وقال: ولا تأمن الموت أيضا على من لم يسق [٢] السم؟ قال: فتعالج يا أمير المؤمنين فإني أخاف أن تذهب نفسك، قال: ربي خير مذهوب إليه، والله لو علمت أن شفائي عند شحمة أذني ما رفعت يدي إلى أذني فتناولته، اللَّهمّ خر لعمر في لقائك [٣] . فلم يلبث إلا أياما حتى مات. أنبأنا زاهر بن طاهر، قَالَ [٤] : أخبرنا أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الحاكم، قال: أخبرني محمد بن الحسن بن الحسين بن منصور، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الوهاب، قال: سمعت علي بن هشام يقول: لما سم عمر بن عبد العزيز قال للخادم الذي سمه: لم سممتني؟ قال: أعطاني فلان ألف دينار على أن أسمك، قال: أين الدنانير؟ قال: هي هاهنا، فأتى بها فوضعها في بيت مال المسلمين، وقال للخادم: اذهب، ولم يعاقبه. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ أَحْمَدَ، قال: أخبرنا حمد بْنُ [٥] أحمد الحداد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أبو محمد بن حيان، قال: حدثنا أحمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثني أبو إسحاق، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال: [٦] حدثنا هاشم، قال: لما كانت الصرعة التي هلك فيها عمر بن عبد العزيز دخل عليه مسلمة بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أفقرت أفواه ولدك من هذا المال فتركتهم عيلة لا شيء لهم، فلو أوصيت بهم إلي وإلى نظرائي من أهل بيتك. فقال: أسندوني، ثم قال: ما منعتهم حقا هو لهم، ولم أعطهم ما ليس لهم، وإن وصيتي فيهم و (وَلِيِّيَ الله الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ، وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) ٧: ١٩٦ [٧] بني أحد رجلين: إما رجل يتقي الله فيجعل الله له مخرجا، وإما رجل مكب على المعاصي فلم أكن أقويه على معصية الله .

стр. 2298

ثم بعث إليهم وهم بضعة عشر ذكرا، فنظر إليهم فذرفت عيناه فبكى، ثم قال: بنفسي الفتية الذين تركتهم عيلة لا شيء لهم، وإني بحمد الله قد تركتهم بخير، أي بني إن أباكم مثل بين أمرين: أن تستغنوا ويدخل [أبوكم] [١] النار، أو تفتقروا ويدخل الجنة، فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أحب إليه، قوموا عصمكم [الله] . قال أبو نعيم: حدثنا أبو حامد بن جبلة، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إسحاق، قَالَ: حَدَّثَنَا عباس بن أبي طالب، قال: حدثنا الحارث بن بهرام، قال: حدثنا النضر، قال: حدثني ليث أن عمر قال في مرضه: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه وأحد النظر وقال: إني أرى حضرة ما هم بإنس ولا جن. ثم قبض ﵁. ورثاه جماعة، فقال كثير يرثيه: عمت صنائعه وعم هلاكه ... فالناس فيه كلهم مأجور والناس مأتمهم عليه واحد ... في كل دار رنّة وزفير يثني عليك لسان من لم توله ... خيرا لأنك بالثناء جدير ردت صنائعه عليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور توفي عمر لعشر ليال بقين من رجب هذه السنة- وقيل لخمس بقين- وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر. ومات بدير سمعان، واشترى موضع قبره هناك فدفن فيه. أَخْبَرَنَا عَبْد الوهاب بْن المبارك الحافظ، قَالَ: أخبرنا أبو الحسين [٢] بن عبد الجبار، قال: أخبرنا مُحَمَّد بْن عَلِيّ الخياط، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن صفوان، قال: أخبرنا أبو بكر القرشي، قال: حدثنا مُحَمَّد بْن الحُسَيْن، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أيوب، قال: حدثني يزيد بن محمد بن مسلمة، قال: حدثني مولى لنا، قال:

стр. 2299

بكت فاطمة بنت عبد الملك حتى عشي بصرها، فدخل عليها أخواها مسلمة وهشام، فقالا: ما هذا الأمر الذي دمت عليه؟ أجزعك على بعلك فأحق من جزع على مثله، أم على شيء فاتك من الدنيا فها نحن بين يديك وأموالنا وأهلونا، فقالت: ما من كل جزعت، ولا على واحد منهما أسفت، ولكني والله رأيت منه ليلة منظرا، فعلمت أن الذي أخرجه إلى الذي رأيت منه، رأيت منه هولا عظيما قد أسكن في قلبه معرفته، قالا: وما رأيت منه؟ قالت: رأيته ذات ليلة قائما يصلي، فأتى على هذه الآية: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) ١٠١: ٤- ٥ [١] . فصاح: وا سوء صباحاه، ثم [وثب] فسقط، فجعل يخور حتى ظننت أن نفسه ستخرج، ثم هدأ فظننت أنه قد قضى، ثم أفاق إفاقة فنادى: وا سوء صباحاه، ثم وثب وجعل يجول في الدار ويقول: ويلي من يوم يكون الناس فيه كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش. ٥٦٠- غيلان بن عقبة بن بهيس بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن ساعدة بن كعب بن عوف، من بني صعب بن ملكان بن عدي، ويقال لغيلان: ذو الرمة، ويكنى أبا الحارث [٢] : سمع بشعره الفرزدق فقال: ما أحسن ما تقول، فقال: فما لي لا أذكر في الفحول؟ قال: بصونك عن غاياتهم بكاؤك في الدين، وصفتك الإبصار والفطن [٣] . وكان يتشبب بمي [٤] بنت طلحة بن عاصم المنقري، وكانت تسمع شعره ولا تراه، فجعلت للَّه أن تنحر بدنة إذا رأته، فلما رأته رأت رجلا أسود دميما، فقالت: وا سوءتاه، كأنها لم ترضه. قال أبو سوار الغنوي: رأيت ميا، وكانت مسنونة الوجه، طويلة الخدين، شماء الأنف، عليها وسم جمال.

стр. 2300

قال محمد بن سلام [١] : كانت مولدة لابن قيس بن عاصم تسمى كثيرة قالت بيتين: نحلتهما ذا الرمة، وهما: على وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب الخزي لو كان باديا ألم تر أن الماء يخبث طعمه ... ولو كان لون الماء في العين صافيا فامتعض من ذلك ذو الرمة، وحلف جهد يمينه أنه ما قالهما، وقال: كيف أقوله وقد أفنيت شبابي أشبب بها وأمدحها. وكانت مية عند ابن عم لها يقال له عاصم، فقال ذو الرمة فيها: ألا ليت شعري هل يموتن عاصم ... ولم يشتعبني للمنايا شعوبها رمى الله من حتف المنية عاصما ... بقاصمة يدعى لها فيجيبها وقد كان ذو الرمة يشبب أيضا بخرقاء إحدى نساء بني عامر بن ربيعة. وقال أبو زياد الكلابي: خرقاء من بني عامر بن صعصعة. قال الأصمعي: كان سبب تشبيبه بخرقاء أنه مر في بعض أسفاره فإذا خرقاء خارجة من خباء، فنظر إليها فوقعت في قلبه فخرق أداوته ليستطعم كلامها، ثم قال لها: إني رجل على ظهر سفر وقد تخرقت أدواتي فأصلحيها، فقالت: لا والله لا أحسن العمل، وإني لخرقاء، والخرقاء لا تحسن العمل لكرامتها على أهلها. وروى عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، عن منهال السدوسي قال: حدثني رجل من قريش: أنه سلك طريق مكة للحج فعدل عن الطريق فرأى امرأة، فقال لها: من أنت؟ فقالت: أو ما تعرفني وأنا أحد مناسكك؟ قال: ومن أنت؟ قالت: خرقاء صاحبة ذي الرمة الذي يقول فيها: تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللثام إلا أن جمهور شعره في ميّ، وحب خرقاء حدث بعدميّ، وفي هذا دليل على سلو، ويدل عليه قوله: أخرقاء للبين استقلت حمولها ... نعم غربة فالغث تجري مسيلها

стр. 2301

معنى غربة: أي استقلت لأرض بعيدة. كأن لم يرعك الدهر بالبين قبلها ... لمي ولم يشهد فراقا نزيلها أي قد راعك الدهر غير مرة. أنبأنا علي بن عبيد الله بن نصر، عن أبي جعفر بن المسلمة، عَنْ أبي عبيد اللَّه مُحَمَّد بْن عمران المرزباني، قال: حدثني أبو صالح الفزاري، قال: [١] ذكر ذو الرمة في مجلس فيه عدة من الأعراب، فقال عصمة بن مالك الفزاري شيخ منهم بلغ مائة وعشرين سنة: إياي فاسألوا عنه، كان حلو العينين، حسن المضحك، براق الثنايا، خفيف العارضين، إذا نازعك الكلام لا تسأم حديثه، باد بزته، [إذا أنشد بربر] [٢] وحسن صوته، جمعني وإياه مربع مرة، فأتاني فقال: يا عصمة إن ميا منقرية، ومنقر أخبث حي، وأقفاه [٣] لأثر وأثبته في نظر، وأعلمه بشر [٤] ، وقد عرفوا آثار إبلي، فهل من ناقة نزدار عليها [٥] ميا، قلت: أي والله [عندي] الجؤذر [٦] ، قال: فعلينا بها، فجئت بها فركب وردفته ثم انطلقنا حتى نهبط حي مي، فإذا الحي خلوف، فلما رآنا النسوة عرفن ذا الرمة، فتقوضن من بيوتهن حتى اجتمعن إلى مي، وأنخنا قريبا وجئناهن فجلسنا، فقالت ظريفة منهن: أنشدنا يا ذا الرمة، فقال لي: أنشدهن، فأنشدت قوله: وقفت على ربع لمية ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه فلما انتهيت إلى قوله: نظرت إلى أظعان مي كأنها ... ذرا النخل أو أثل تميل ذوائبه فأسبلت العينان والقلب كاتم ... بمغرورق نمت عليه سواكبه

стр. 2302

بكى وامق حال الفراق ولم تجل ... جوائلها أسراره ومعاتبه قالت الظريفة: لكن اليوم فلتجل. ثم مضيت إلى قوله: وقد حلفت باللَّه مية ما الذي ... أحادثها إلا الذي أنا كاذبه إذا فرماني الله من حيث لا أرى ... ولا زال في أرضي عدو أجاذبه قالت مية: ويحك [١] يا ذا الرمة، خف عواقب الله ، ثم مضيت حتى انتهيت إلى قوله: إذا سرحت من حب مي سوارح ... على القلب آبته جميعا عوازبه فقالت الظريفة: قتلتيه قتلك الله، فقالت: ما أصحه وهنيئا له، قال: فتنفس ذو الرمة تنفسة كاد حرها يطير بلحيته، ثم مضيت حتى انتهيت إلى قوله: إذا نازعتك القول مية أو بدا ... لك الوجه منها أو نضا الدرع سالبه فيا لك من خد أسيل ومنطق ... رخيم ومن خلق تعلل جادبه فقالت الظريفة: هذا الوجه قد بدا، وهذا القول قد تنوزع فيه، فمن لنا بأن ينضو الدرع سالبه، فالتفتت إليها مي فقالت: مالك قاتلك الله ماذا تجيئين به، فتضاحكن النسوة، فقالت الظريفة: إن لهذين شأنا، فقمت وقمن ثم صرت إلى بيت قريب منهما أراهما ولا أسمع كلامهما إلا الحرف بعد الحرف، فو الله ما رأيته برح مكانه ولا تحرك، وسمعتها تقول: كذبت والله، فو الله ما أدري ما الذي كذبته فيه، فتحدثا ساعة ثم جاءني معه قويريرة فيها دهن طيب، فقال: هذه دهنة أتحفتني بها مي فشأنك بها، وهذه قلائد در [زودتنا] [٢] للجؤذر، فلا والله لا قلدتهن بعيرا أبدا، ثم عقدهن في ذؤابة [٣] سيفه، قال: فانصرفنا، فلم يزل يختلف إليها مربعنا حتى انقضى، ثم جاءني يوما، فقال: يا عصمة قد ظعنت مي فلم يبق إلا الديار، [والنظر في الآثار، فانهض بنا إلى ديارها، فخرجنا حتى وقف على ديارها] [٤] فجعل ينظر ثم قال: ألا فاسلمي يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر

стр. 2303

وإن لم تكن في غير شام بقفرة ... تمر بها الأذيال صيفية كدر ثم انفضخت عيناه بالعبرة، فقلت: مه، فقال: إني لجلد وإن كان مني ما ترى، فما رأيت صبابة قط ولا تجلدا أحسن من تجلده وصبابته يومئذ، ثم انصرفنا فكان آخر العهد به. قوله: «غير شام» [الشام] [١] لون يخالف معظم لون الأرضين، وهو جمع شامة، أي: آثار، كأنها شام في جيد، وهي بقاع مختلفة الألوان مثل لون الشامة [٢] ، وإنما يريد أثر الرماد بأرض خالية. و «الصيفية» : الرياح الكدر فيها غبرة. أخبرتنا شهدة بنت أحمد الكاتبة، قالت: أَخْبَرَنَا أحمد بن جعفر السراج، قال: أخبرنا القاضيان أبو الحسن الثوري، وأبو القاسم التنوخي، قالا: أَخْبَرَنَا أبو عمرو بْن حيوية، قَالَ: أخبرنا محمد بن خلف، قال: أخبرنا محمد بن الفضل، [قال: أخبرني أبي] [٣] ، قال: أخبرنا القحذمي [٤] ، قال: دخل ذو الرمة الكوفة فبينا هو يسير في بعض شوارعها على نجيب له رأى جارية سوداء واقفة على باب دار فاستحسنها ووقعت بقلبه فأومأ إليها وقال: يا جارية اسقيني ماء، فأخرجت له كوزا فشرب وأراد أن يمازحها ويستدعي كلامها، فقال: يا جارية، ما أحر ماءك؟ فقالت: لو شئت لأقبلت على عيوب شعرك وترك حر مائي وبرده، فقال لها: وأي شعري له عيب؟ فقالت: ألست ذا الرمة؟ قال: بلى، قالت: فأنت الذي شبهت عنزا بقفرة ... لها ذنب فوق استها أم سالم جعلت لها قرنين فوق جبينها ... وطبين مسودين مثل المحاجم وساقين إن يستمكنا منك يتركا ... بجلدك يا غيلان مثل المناسم أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أأنت أم أم سالم فقال لها: نشدتك باللَّه إلا أخذت راحلتي هذه وما عليها ولم تظهري هذا، ونزل

стр. 2304

عن راحلته فدفعها إليها. وذهب ليمضي، فدعتها إليه وضمنت له ألا تذكر لأحد ما جرى. قال أبو معاوية: كان ذو الرمة حسن الصلاة، فقيل له: ما أحسن صلاتك، فقال: إن العبد إذا قام بين يدي الله لحقيق أن يتخشع. وقال عيسى بن عمر: كان ذو الرمة ينشد فإذا فرغ قال: والله لأسجنك بشيء ليس في حسابك، سبحان الله، والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر. روى الأصمعي، عن أبي الوجيه، قال: كان آخر ما قال ذو الرمة من الشعر: [١] يا رب قد أسرفت نفسي وقد علمت ... علما يقينا لقد أحصيت آثاري يا مخرج الروح من جسمي إذا احتضرت ... وفارج الكرب زحزحني عن النار وروى ابن دريد، عن أبي حاتم السجستاني، عَنْ أبي عبيدة معمر بْن المثنى، قَالَ: حدثني المنتجع بن نبهان، قال [٢] : كنت مع ذي الرمة حين حضرته الوفاة، فلما أحس بالموت قال لي: يا منتجع إن مثلي لا يدفن في غموض من الأرض ولا في بطون الأودية، فإذا أنا مت فادفني برأس فريدادين، فلما مات جئنا بماء [وسدر وتوقلنا الرملة فحفرنا له حفرة] [٣] ودفناه فهناك قبره إذا ظعنت في الدهناء برأس فريدادين. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْد الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن عُمَر، قال: أخبرنا أبو الحسن الزيني، قال: حدثنا ابن المرزبان، قال: حدّثني أحمد ابن زهير، قال: حدثني هرقل بن مسلم، قال: حدثني أبو هلال الأزدي، قال: حدثني عمارة قال: سمعت ذا الرمة لما حضرته الوفاة، [يقول: لقد مكثت مهيما بمي عشرين سنة في غير ريبة ولا فساد.

стр. 2305

قال ابن قتيبة: لما حضرت ذا الرمة الوفاة] [١] قال: أنا ابن نصف الهرم، أنا ابن أربعين سنة. ٥٦١- همام بن منبه، أخو وهب بن منبه، يكنى أبا عقبة [٢] : توفي بصنعاء في هذه السنة

стр. 2306

ثم دخلت سنة اثنتين ومائة فمن الحوادث فيها أن يزيد بن عبد الملك بعث [١] العباس بن الوليد بن عبد الملك ومسلمة بن عبد الملك إلى حرب يزيد بن المهلب، فخرج يزيد من واسط للقائهما، واستخلف بها ابنه معاوية بن يزيد، وجعل عنده الخزائن وبيت المال وقدم بين يديه أخاه عبد الملك، فاستقبله العباس بسورا، فاقتتلوا فشد عليهم أهل البصرة فكشفوهم وسقط إلى يزيد ناس كثير من أهل الكوفة ومن الجبال والثغور، فقام فيهم [٢] فقال: قد ذكر لي أن هذه الجرادة الصفراء- يعني مسلمة بن عبد الملك- وعاقر ناقة صالح [٣]- يعني العباس بن الوليد، وكان العباس أزرق أحمر وكانت أمه رومية- والله لقد كان سليمان أراد أن ينفيه حتى كلمته فيه فأقره على نسبه، بلغني أنه ليس يهمهما إلا التماسي في الأرض، والله لو جاءوا بأهل الأرض جميعا وليس إلا أنا، ما برحت العرصة حتى تكون لي أولهم. وكان الحسن البصري يثبط الناس عن يزيد بن المهلب، فقام مروان بن المهلب خطيبا وأمر الناس بالجد والجهاد [٤] ، ثم قال: لقد بلغني أن هذا الشيخ الضال المرائي- ولم يسمه- يثبط الناس عنا، والله لو أن جاره [٥] نزع من خص داره [٦] قصبة لظل يرعف أنفه. ولم يدع الحسن كلامه ذلك.

стр. 2307

فلما اجتمع يزيد بن المهلب ومسلمة أقاما ثمانية أيام حتى إذا كان يوم الجمعة لأربع عشرة مضت من صفر عبأ مسلمة جنود الشام، ثم ازدلف بهم نحو يزيد، [وبعث مسلمة فأحرق الجسر فانهزم أصحاب يزيد] [١] وتسللوا وهو يزدلف، فكلما مر بخيل كشفها، فجاءه أبو رؤبة فقال له [٢] : هل لك أن تنصرف إلى واسط فإنها حصن فتنزلها ويأتيك مدد أهل البصرة وأهل عمان والبحرين في السفن، وتضرب خندقا، فقال: قبح الله رأيك، إلي تقول هذا؟ إن الموت أيسر علي من ذلك، وبرز فقتل وقتل أخوه [محمد] [٣] ، فبعث برأسه إلى يزيد بن عبد الملك، فلما بلغ خبر الهزيمة إلى واسط أخرج معاوية بن يزيد بن المهلب اثنين وثلاثين أسيرا كانوا عنده، فضرب أعناقهم، منهم عدي بن أرطأة. ثم أقبل حتى أتى البصرة [٤] ومعه المال والخزائن، وجاء المفضل بن المهلب، واجتمع جميع أهل المهلب بالبصرة، فحملوا عيالاتهم وأموالهم في السفن البحرية، ثم لججوا [٥] في البحر، ومضوا إلى قندابيل، ورجع قوم فطلبوا الأمان، وبعث مسلمة في آثارهم هلالا التميمي، فلحقهم بقندابيل، ومنعهم قندابيل الدخول، فالتقوا فقتلوا عن آخرهم سوى رجلين، ولما فرغ مسلمة من حرب يزيد بن المهلب جمع له يزيد بن عبد الملك ولاية الكوفة والبصرة وخراسان في هذه السنة. وفيها: [٦] غزا المسلمون الصغد [٧] والترك، وكانت الوقعة بينهم بقصر الباهلي [٨] . وفيها: عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق وخراسان، وانصرف إلى الشام. وكان سبب ذلك أنه لما ولي أرض العراق وخراسان لم يرفع شيئا من الخراج،

стр. 2308

فأراد يزيد عزله فاستحيا منه، فكتب إليه أن استخلف على عملك وأقبل، فشاور في ذلك عبد العزيز بن حاتم، فقال له: إنك لا تخرج من عملك حتى تلقى الوالي عليه. فشخص فلقيه عمر بن هبيرة على دواب البريد، فقال: إلى أين يا ابن هبيرة؟ فقال: وجهني أمير المؤمنين في حيازة أموال بني المهلب، وإنما أراد تغطية الحال عنه، فما لبث حتى جاءه الخبر بعزل ابن هبيرة عماله والغلظة عليهم. وفيها: غزا عمر بن هبيرة الروم بأرمينية، فهزمهم وأسر منهم سبعمائة أسير [١] . وفيها: قتل يزيد بن أبي مسلم بأفريقية وهو وال عليها. وسبب ذلك أنه كان قد عزم أن يسير فيهم بسيرة الحجاج فقتلوه، وأعادوا الوالي قبله، وهو محمد بن يزيد مولى الأنصار وكتبوا إلى يزيد: إنا لم نخلع أيدينا من الطاعة، ولكن يزيد بن أبي مسلم سامنا ما لا يرضاه الله تعالى فقتلناه وأعدنا عاملك، فكتب إليهم: إني لم أرض ما صنع يزيد، وأقر محمد بن يزيد على [عمله] [٢] بإفريقية. وفيها: [٣] حج بالناس عبد الرحمن بن الضحاك وهو العامل على المدينة، وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى الكوفة محمد بن عمرو، وعلى قضائها القاسم بْن عَبْد الرحمن بْن عَبْد اللَّه بْن مسعود، وعلى البصرة عبد الملك ابن بشر بن مروان، وعلى خراسان سعيد بن عبد العزيز [٤] بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، وعلى مصر أسامة بن زيد. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٥٦٢- يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، أبو خالد الأزدي [٥] : قد ذكرنا أحواله في الحوادث وخروجه على يزيد بن عبد الملك ومحاربته له، وأنه قتل في الحرب في هذه السنة، وكان جوادا.

стр. 2309

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا جَعْفَر بْن أَحْمَد السراج، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد العزيز بن الحسن [بن] [١] الضراب، قال: أخبرنا أبي، قال: حدّثنا أحمد ابن مروان، قال: حدّثنا محمد بن موسى بن حماد، قال: حدثنا محمد بن الحارث، عن المدائني، قال: كان سعيد بن عمرو مؤاخيا ليزيد بن المهلب، فلما حبس عمر بن عبد العزيز يزيد ابن المهلب منع الناس من الدخول إليه، فأتاه سعيد فقال: يا أمير المؤمنين لي على يزيد خمسون ألف درهم وقد حلت بيني وبينه، فإن رأيت أن تأذن لي فاقتضيه، فأذن له فدخل عليه فسر به يزيد وقال: كيف وصلت إليّ؟ فأخبره، فقال: والله لا تخرج إلا وهي معك، فامتنع سعيد، فحلف يزيد ليقبضنها، فوجه إلى منزله حتى حمل إلى سعيد خمسون ألف درهم. وروى الصولي قال: دخل الكوثر بن زفر على يزيد بن المهلب حين ولاه سليمان العراق، فقال له: أنت والله أكبر قدرا من أن يستعان عليك إلا بك، ولست تصنع من المعروف إلا وهو أصغر منك، وليس العجب أن تفعل، ولكن العجب ألا تفعل. فقال يزيد: سل حاجتك، فقال: حملت عن قوم عشر ديات وقد نهضني ذلك، قال: قد أمرت لك بها وقد شفعتها بمثلها، فقال له الكوثر: أما ما سألتك بوجهي فأقبله منك، وأما الذي ابتدأتني به فلا حاجة لي فيه. قال: ولم وقد كفيتك فيه ذل المسألة؟ قال: إن الذي أخذته مني بمسألتي إياك وبذل وجهي لك أكبر من معروفك عندي فكرهت الفضل علي، قال يزيد: وأنا أسألك كما سألتني بحقك علي ما أهلتني له من إنزالك الحاجة بي إلا قبلتها، ففعل

стр. 2310

ثم دخلت سنة ثلاث ومائة فمن الحوادث فِيهَا غزوة الْعَبَّاس بْن الوليد الروم ففتح بها مدينة من مدائن الروم [١] . وفيها: ضمت مكة إلى عبد الرحمن بن الضحاك الفهري، فجمعت له [مع] [٢] المدينة. وعزل عبد العزيز عن مكة. وفيها: ولي عبد الواحد بن عبد الله البصري الطائف. وفيها: استعمل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشي على خراسان، فارتحل أهل الصغد عن بلادهم عند مقدمه، فلحقوا بفرغانة وسألوا ملكها إعانتهم على المسلمين، فبعث إليهم ابن هبيرة يسألهم أن يقيموا ويستعمل عليهم من يريدون، فأبوا وخرجوا إلى خجندة. وفي هذه السنة [٣] : حج بالناس عبد الرحمن بن الضحاك، وكان على مكة والمدينة، وكان على الطائف عبد الواحد البصري، وعلى العراق عمر بن هبيرة، وعلى خراسان من قبله سعيد بن عمرو الحرشي، وعلى قضاء الكوفة القاسم بْن عَبْد الرحمن بْن عَبْد اللَّه بْن مسعود، وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يعلى.

стр. 2311

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٥٦٣- جابر بن زيد، أبو الشعثاء [١] : كان مفتي البصرة، وكان ابن عباس يقول: لو نزل أهل البصرة عند قول جابر بن زيد لأوسعهم عما في كتاب الله علما. وقال جابر في مرضه: أشتهي نظرة من الحسن، فجاء إليه في الليل وكان مختفيا. [وتوفي في هذه السنة] . ٥٦٤- خالد بن معدان، أبو عبد الله الكلاعي [٢] : أسند عن أبي عبيدة، ومعاذ، وعبادة، وأبي ذر، وغيرهم. وتوفي في رمضان هذه السنة. عن أبي المغيرة، عن صفوان بن عمر، قال: كان خالد بن معدان إذا عظمت حلقته قام فانصرف، قيل [٣] لصفوان: ولم كان يقوم؟ قال: كان يكره الشهرة. ٥٦٥- عامر بن عبد الله بن قيس، أبو بردة ابن أبي موسى [٤] : روى عن أبيه، وكان على بيت المال، وولي قضاء الكوفة بعد شريح، وبها توفي في هذه السنة. ٥٦٦- عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: وقد مضى ذكره.

стр. 2312

٥٦٧- عطاء بن يسار، أخو سليمان بن يسار [١] : روى عن أبي بن كعب، وابن مسعود، وأبي أيوب في خلق كثير من الصحابة. وكان يصوم يوما ويفطر يوما. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا علي بن أحمد الملطي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين بْن صفوان، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر القرشي، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن الحسين، قال: حدثني عبد العزيز بن يحيى الأويسي، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن زيد بْن أسلم، قال: خرج عطاء بن يسار وسليمان بن يسار حاجين من المدينة ومعهما أصحاب لهما حتى إذا كانوا بالأبواء نزلوا منزلا، فانطلق سليمان وأصحابه لبعض حاجتهم وبقي عطاء قائما في المنزل يصلي. قال: فدخلت عليه امرأة من الأعراب جميلة، فلما رآها عطاء ظن أن لها حاجة، فأوجز في صلاته ثم قال: ألك حاجة؟ قالت: نعم، قال: ما هي؟ قالت: قم فأصب مني فإني قد ودقت ولا بعل لي، قال: إليك عني [لا تحرقيني ونفسك بالنار. ونظر إلى امرأة جميلة فجعلت تراوده عن نفسه ويأبى إلا ما يريد. قال: فجعل عطاء يبكي ويقول: ويحك إليك عني] [٢] . قال: واشتد بكاؤه، فلما نظرت المرأة إليه وما دخله من البكاء والجزع بكت المرأة لبكائه. قال: فجعل يبكي والمرأة تبكي بين يديه. فبينا هو كذلك إذ جاء سليمان من حاجته، فلما نظر إلى عطاء يبكي والمرأة بين يديه [٣] تبكي جلس في ناحية البيت يبكي لبكائهما ولا يدري ما أبكاهما، وجعل أصحابهما يأتون رجلا رجلا كلما أتى رجل فرآهم يبكون جلس فبكى لبكائهم لا يسألهم عن أمرهم حتى كثر البكاء وعلا الصوت، فلما رأت المرأة الأعرابية ذلك قامت فخرجت. قال: فقام القوم فدخلوا، فلبث سليمان بعد ذلك وهو لا يسأل أخاه عن قصة المرأة إجلالا له وهيبة. قال: وكان أسن منه، ثم أنهما قدما مضر لبعض حاجتهما فلبثا بها ما شاء الله، فبينا عطاء ذات ليلة نائم إذ استيقظ وهو يبكي، فقال سليمان: ما يبكيك

стр. 2313

يا أخي؟ قال: رؤيا رأيتها الليلة، قال: وما هي؟ قال: لا تخبر بها أحدا ما دمت حيّا، رأيت يوسف [١] النبي ﷺ في النوم، فجئت أنظر إليه فيمن ينظر، فلما نظرت حسنه بكيت، فنظر إلي فقال: ما يبكيك أيها الرجل؟ قلت: بأبي أنت وأمي يا نبي الله [٢] ، ذكرتك وامرأة العزيز وما ابتليت به من أمرها، وما لقيت من السجن وفرقة يعقوب، فبكيت من ذلك وجعلت أتعجب منه، قال: فهلا تعجبت من صاحب المرأة البدوية بالأبواء، فعرفت الذي أراد، فبكيت فاستيقظت باكيا قال: سليمان: يا أخي وما حال تلك المرأة؟ فقص عليه عطاء القصة، فما أخبر بها سليمان أحدا حتى مات عطاء، فحدث بها بعده امرأة من أهله، وشاع الحديث بالمدينة بعد موت عطاء بن يسار. وقد رويت لنا هذه القصة عن سليمان أنها جرت له، والله أعلم. وتوفي عطاء في هذه السنة، وقيل: سنة أربع [وتسعين] [٣] . ٥٦٨- يزيد بن الأصم، واسمه عبد عمرو بن عدس [٤] : وأمه برزة بنت الحارث بن حزن، أخت ميمونة زوج النبي ﷺ . روى عن أبي هريرة، وابن عباس، وكان ينزل الرقة. وتوفي في هذه السنة.

стр. 2314

ثم دخلت سنة أربع ومائة فمن الحوادث فيها أن سعيدا الحرشي غزا فقطع النهر [١] ، فقتل أهل الصغد [٢] واصطفى أموالهم وذراريهم، وكتب إلى يزيد بن عبد الملك ولم يكتب إلى عمر بن هبيرة، وكان هذا فيما وجد عليه ابن هبيرة فيه [٣] ، وكان على الأقباض علباء بن أحمر فاشترى رجل منه جونة بدرهمين، فوجد فيها سبائك ذهب، فرجع وهو واضع يده على عينه كأنه رمد فرد الجونة وأخذ الدرهمين، وطلب فلم يوجد [٤] . وفي هذه السنة: عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس عن مكة والمدينة، وذلك للنصف من ربيع الأول، وكان عامله على المدينة ثلاث سنين، وولي المدينة عبد الواحد النضري [٥] . وكان سبب عزل ابن الضحاك أنه خطب فاطمة بنت الحسين، فقالت: ما أريد النكاح، فألح عليها وتوعدها بأن يؤذي [٦] ولدها، وكان على ديوان المدينة ابن هرمز الشامي، فدخل على فاطمة، فقال: هل من حاجة؟ فقالت: تخبر أمير المؤمنين ما ألقى

стр. 2315

من ابن الضحاك، وبعثت رسولا بكتاب إلى يزيد تخبره بذلك، وتذكر قرابتها وما يتواعدها به، فقدم ابن هرمز على يزيد فاستخبره عن المدينة وقال: هل من مغربة خبر [١] ؟ فلم يذكر له شأن فاطمة، فقال الحاجب: بالباب رسول فاطمة، فقال ابن هرمز: يا أمير المؤمنين، إن فاطمة يوم خرجت حملتني رسالة إليك، وأخبره الخبر. قال: فنزل من أعلى فراشه وقال: لا أم لك، أسألك عن مغربة [٢] خبر، وهذا عندك ولا تخبرنيه؟ فاعتذر بالنسيان، فأذن للرسول فدخل وأخذ الكتاب فقرأه وجعل يضرب بخيزران في يده ويقول: لقد اجترأ ابن الضحاك، [هل] [٣] من رجل يسمعني صوته في العذاب وأنا على فراشي؟ قيل له: عبد الواحد بن عبد الله النضري [٤] ، فدعا بقرطاس وكتب بيده إلى عبد الواحد وهو بالطائف: سلام عليك، أما بعد. فقد وليتك المدينة، فإذا جاءك كتابي فاهبط إليها واعزل ابن الضحاك وأغرمه أربعين ألف دينار وعد به حتى أسمع صوته وأنا على فراشي. فقدم البريد المدينة فلم يدخل على ابن الضحاك، فأحس بالشر، فأرسل إلى البريد فكشف له عن طرف المفرش فقال: هذه ألف دينار ولك العهد والميثاق، إن أخبرتني خبر وجهك هذا دفعتها إليك. فاستنظر البريد ثلاثا حتى يسير، وخرج ابن الضحاك، فأغذ السير حتى نزل على مسلمة بن عبد الملك، فقال: أنا في جوارك، فغدا مسلمة على يزيد فرققه وقال: لي حاجة إليك، فقال: كل حاجة فهي لك ما لم يكن ابن الضحاك، فقال: هو ابن الضحاك، فقال: والله لا أعفيه أبدا وقد فعل ما فعل، فرده إلى النضري [٥] ، وكان قد قدم المدينة للنصف من شوال. وعذب ابن الضحاك وافتقر حتى رأيت عليه جبة صوف وهو يسأل الناس. وكان قد عادى الأنصار في ولايته، وضرب أبا بكر بن حزم ظلما في باطل، فما بقي بالمدينة صالح إلا عابه، ولا شاعر إلا هجاه، وكان ذلك آخر أمره.
следующие страницы →