← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٥٦٣- جابر بن زيد، أبو الشعثاء [١] : كان مفتي البصرة، وكان ابن عباس يقول: لو نزل أهل البصرة عند قول جابر بن زيد لأوسعهم عما في كتاب الله علما. وقال جابر في مرضه: أشتهي نظرة من الحسن، فجاء إليه في الليل وكان مختفيا. [وتوفي في هذه السنة] . ٥٦٤- خالد بن معدان، أبو عبد الله الكلاعي [٢] : أسند عن أبي عبيدة، ومعاذ، وعبادة، وأبي ذر، وغيرهم. وتوفي في رمضان هذه السنة. عن أبي المغيرة، عن صفوان بن عمر، قال: كان خالد بن معدان إذا عظمت حلقته قام فانصرف، قيل [٣] لصفوان: ولم كان يقوم؟ قال: كان يكره الشهرة. ٥٦٥- عامر بن عبد الله بن قيس، أبو بردة ابن أبي موسى [٤] : روى عن أبيه، وكان على بيت المال، وولي قضاء الكوفة بعد شريح، وبها توفي في هذه السنة. ٥٦٦- عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: وقد مضى ذكره.

стр. 2312

٥٦٧- عطاء بن يسار، أخو سليمان بن يسار [١] : روى عن أبي بن كعب، وابن مسعود، وأبي أيوب في خلق كثير من الصحابة. وكان يصوم يوما ويفطر يوما. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا علي بن أحمد الملطي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين بْن صفوان، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر القرشي، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن الحسين، قال: حدثني عبد العزيز بن يحيى الأويسي، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن زيد بْن أسلم، قال: خرج عطاء بن يسار وسليمان بن يسار حاجين من المدينة ومعهما أصحاب لهما حتى إذا كانوا بالأبواء نزلوا منزلا، فانطلق سليمان وأصحابه لبعض حاجتهم وبقي عطاء قائما في المنزل يصلي. قال: فدخلت عليه امرأة من الأعراب جميلة، فلما رآها عطاء ظن أن لها حاجة، فأوجز في صلاته ثم قال: ألك حاجة؟ قالت: نعم، قال: ما هي؟ قالت: قم فأصب مني فإني قد ودقت ولا بعل لي، قال: إليك عني [لا تحرقيني ونفسك بالنار. ونظر إلى امرأة جميلة فجعلت تراوده عن نفسه ويأبى إلا ما يريد. قال: فجعل عطاء يبكي ويقول: ويحك إليك عني] [٢] . قال: واشتد بكاؤه، فلما نظرت المرأة إليه وما دخله من البكاء والجزع بكت المرأة لبكائه. قال: فجعل يبكي والمرأة تبكي بين يديه. فبينا هو كذلك إذ جاء سليمان من حاجته، فلما نظر إلى عطاء يبكي والمرأة بين يديه [٣] تبكي جلس في ناحية البيت يبكي لبكائهما ولا يدري ما أبكاهما، وجعل أصحابهما يأتون رجلا رجلا كلما أتى رجل فرآهم يبكون جلس فبكى لبكائهم لا يسألهم عن أمرهم حتى كثر البكاء وعلا الصوت، فلما رأت المرأة الأعرابية ذلك قامت فخرجت. قال: فقام القوم فدخلوا، فلبث سليمان بعد ذلك وهو لا يسأل أخاه عن قصة المرأة إجلالا له وهيبة. قال: وكان أسن منه، ثم أنهما قدما مضر لبعض حاجتهما فلبثا بها ما شاء الله، فبينا عطاء ذات ليلة نائم إذ استيقظ وهو يبكي، فقال سليمان: ما يبكيك

стр. 2313

يا أخي؟ قال: رؤيا رأيتها الليلة، قال: وما هي؟ قال: لا تخبر بها أحدا ما دمت حيّا، رأيت يوسف [١] النبي ﷺ في النوم، فجئت أنظر إليه فيمن ينظر، فلما نظرت حسنه بكيت، فنظر إلي فقال: ما يبكيك أيها الرجل؟ قلت: بأبي أنت وأمي يا نبي الله [٢] ، ذكرتك وامرأة العزيز وما ابتليت به من أمرها، وما لقيت من السجن وفرقة يعقوب، فبكيت من ذلك وجعلت أتعجب منه، قال: فهلا تعجبت من صاحب المرأة البدوية بالأبواء، فعرفت الذي أراد، فبكيت فاستيقظت باكيا قال: سليمان: يا أخي وما حال تلك المرأة؟ فقص عليه عطاء القصة، فما أخبر بها سليمان أحدا حتى مات عطاء، فحدث بها بعده امرأة من أهله، وشاع الحديث بالمدينة بعد موت عطاء بن يسار. وقد رويت لنا هذه القصة عن سليمان أنها جرت له، والله أعلم. وتوفي عطاء في هذه السنة، وقيل: سنة أربع [وتسعين] [٣] . ٥٦٨- يزيد بن الأصم، واسمه عبد عمرو بن عدس [٤] : وأمه برزة بنت الحارث بن حزن، أخت ميمونة زوج النبي ﷺ . روى عن أبي هريرة، وابن عباس، وكان ينزل الرقة. وتوفي في هذه السنة.

стр. 2314

ثم دخلت سنة أربع ومائة فمن الحوادث فيها أن سعيدا الحرشي غزا فقطع النهر [١] ، فقتل أهل الصغد [٢] واصطفى أموالهم وذراريهم، وكتب إلى يزيد بن عبد الملك ولم يكتب إلى عمر بن هبيرة، وكان هذا فيما وجد عليه ابن هبيرة فيه [٣] ، وكان على الأقباض علباء بن أحمر فاشترى رجل منه جونة بدرهمين، فوجد فيها سبائك ذهب، فرجع وهو واضع يده على عينه كأنه رمد فرد الجونة وأخذ الدرهمين، وطلب فلم يوجد [٤] . وفي هذه السنة: عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس عن مكة والمدينة، وذلك للنصف من ربيع الأول، وكان عامله على المدينة ثلاث سنين، وولي المدينة عبد الواحد النضري [٥] . وكان سبب عزل ابن الضحاك أنه خطب فاطمة بنت الحسين، فقالت: ما أريد النكاح، فألح عليها وتوعدها بأن يؤذي [٦] ولدها، وكان على ديوان المدينة ابن هرمز الشامي، فدخل على فاطمة، فقال: هل من حاجة؟ فقالت: تخبر أمير المؤمنين ما ألقى

стр. 2315

من ابن الضحاك، وبعثت رسولا بكتاب إلى يزيد تخبره بذلك، وتذكر قرابتها وما يتواعدها به، فقدم ابن هرمز على يزيد فاستخبره عن المدينة وقال: هل من مغربة خبر [١] ؟ فلم يذكر له شأن فاطمة، فقال الحاجب: بالباب رسول فاطمة، فقال ابن هرمز: يا أمير المؤمنين، إن فاطمة يوم خرجت حملتني رسالة إليك، وأخبره الخبر. قال: فنزل من أعلى فراشه وقال: لا أم لك، أسألك عن مغربة [٢] خبر، وهذا عندك ولا تخبرنيه؟ فاعتذر بالنسيان، فأذن للرسول فدخل وأخذ الكتاب فقرأه وجعل يضرب بخيزران في يده ويقول: لقد اجترأ ابن الضحاك، [هل] [٣] من رجل يسمعني صوته في العذاب وأنا على فراشي؟ قيل له: عبد الواحد بن عبد الله النضري [٤] ، فدعا بقرطاس وكتب بيده إلى عبد الواحد وهو بالطائف: سلام عليك، أما بعد. فقد وليتك المدينة، فإذا جاءك كتابي فاهبط إليها واعزل ابن الضحاك وأغرمه أربعين ألف دينار وعد به حتى أسمع صوته وأنا على فراشي. فقدم البريد المدينة فلم يدخل على ابن الضحاك، فأحس بالشر، فأرسل إلى البريد فكشف له عن طرف المفرش فقال: هذه ألف دينار ولك العهد والميثاق، إن أخبرتني خبر وجهك هذا دفعتها إليك. فاستنظر البريد ثلاثا حتى يسير، وخرج ابن الضحاك، فأغذ السير حتى نزل على مسلمة بن عبد الملك، فقال: أنا في جوارك، فغدا مسلمة على يزيد فرققه وقال: لي حاجة إليك، فقال: كل حاجة فهي لك ما لم يكن ابن الضحاك، فقال: هو ابن الضحاك، فقال: والله لا أعفيه أبدا وقد فعل ما فعل، فرده إلى النضري [٥] ، وكان قد قدم المدينة للنصف من شوال. وعذب ابن الضحاك وافتقر حتى رأيت عليه جبة صوف وهو يسأل الناس. وكان قد عادى الأنصار في ولايته، وضرب أبا بكر بن حزم ظلما في باطل، فما بقي بالمدينة صالح إلا عابه، ولا شاعر إلا هجاه، وكان ذلك آخر أمره.

стр. 2316

وفي هذه السنة: غزا [١] الحجاج بن عبد الله الحكمي أرض الترك، ففتح على يديه بلنجر، وفتحوا الحصون التي تليها، وجلا عنها عامة أهلها وسبوا ما شاءوا [٢] . وفيها: ولد أبو العباس عبد الله بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس في ربيع الآخر. وفيها: عزل ابن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشي عن خراسان، وولى مسلم بن سعيد الكلابي. وسبب عزله الحرشي أن الحرشي كان يستخف بأمر ابن هبيرة، وكتب إليه يأمره بتخلية رجل فقتله، فدعى ابن هبيرة رجلا فقال له: اخرج إلى خراسان وأظهر أنك قد قدمت تنظر في [أمر] [٣] الدواوين واعلم لي علمه، فمضى فجعل ينظر في الدواوين، فقيل للحرشي أنه لم يقدم إلا ليعلم علمك، فسم بطيخة [٤] ، وبعث بها إليه فأكلها فمرض وتساقط شعره، ورجع إلى ابن هبيرة، فغضب ابن هبيرة، وعزل سعيدا وعذبه، وولى مسلم بن سعيد بن أسلم. وفي هذه السنة: حج بالناس عبد الواحد بن عبد الله النضري [٥] ، وكان هو العامل على مكة [والمدينة] [٦] والطائف، وكان على العراق والمشرق عمر بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة حسين بن الحسن [٧] الكندي، وعلى قضاء البصرة عبد الله بن يعلى. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٥٦٩- حيان بن شريح: كان صاحب خراج مصر لعمر بن عبد العزيز، حدث عنه يزيد بن أبي حبيب، وعبد الملك بن جنادة، توفي في هذه السنة.

стр. 2317

٥٧٠- ربعي بن حراش بن جحش بن عمرو بن عبد الله بن بجاد العبسي الكوفي [١] : روى عن عمر، وعلي، وحذيفة، وأبي بكرة، وعمران بن حصين. حدث عنه الشعبي، ومنصور بن المعتمر، وحصين بن عبد الرحمن وغيرهم. وكان ثقة صدوقا. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ، قَالَ: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، قَالَ: أخبرنا حمزة بن محمد بن طاهر، قَالَ: حَدَّثَنَا الوليد بْن بكر الأندلسي، قَالَ: حدثنا علي بن أحمد بن زكريا الهاشمي، قَالَ: حدثنا صالح بن أحمد بن عبد الله العجلي، قال: حدثني أبي، قال: ربعي بن خراش كوفي ثقة. ويقال أنه لم يكذب كذبة قط. كان له ابنان عاصيان في زمن الحجاج، فقيل للحجاج: إن أباهما لم يكذب كذبة قط [٢] ، لو أرسلت إليه فسألته عنهما، فأرسل إليه فقال: أين ابناك؟ قال: هما في البيت [٣] ، فقال: قد عفونا عنهما بصدقك. أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن أحمد المعدل، قال: أخبرنا ابن صفوان، قال: أخبرنا ابن أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ حَدَّثَنَا محمد بن جعفر بن عون قال: أخبرني بكر بن أحمد العابد، عن الحارث الغنوي، قال [٤] : آلى ربعي بن حراش ألا تفتر [٥] أسنانه ضاحكا حتى يعلم أين مصيره، فما ضحك إلا عند موتة، [٦] وآلى أخوه ربعي بن حراش بعده ألا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أم في النار.

стр. 2318

قال الحارث الغنوي: فلقد أخبرني غاسله أنه لم يزل متبسما على سريره ونحن نغسله حتى فرغنا منه [١] . توفي ربعي بن حراش في هذه السنة، وقيل فِي سنة إحدى. ٥٧١- زياد بن أبي زياد، مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة القرشي، واسم أبي زياد ميسرة. [٢] وكان زياد عبدا، وكان عمر بن عبد العزيز يستزيده ويكرمه، وبعث إلى مولاه ليبيعه إياه، فأبى وأعتقه. وروي عن أنس بن مالك، قال مالك بن أنس: كان زياد عابدا معتزلا لا يزال يذكر الله ويلبس الصوف. أخبرنا ابن ناصر، قَالَ: أَخْبَرَنَا رِزْقُ اللَّهِ وَطِرَادٌ، قَالا: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن مُحَمَّدً بْن بشران [٣] ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بْنُ صَفْوَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن محمد الْقُرَشِيّ، قَالَ: حدثنا علي بن محمد، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صالح، قَالَ: حدثني يعقوب بن عبد الرحمن القاري، قال: قال محمد بن المنكدر: إني خلفت زياد بن أبي زياد وهو يخاصم نفسه في المسجد يقول: اجلسي، أين تريدين أن تخرجي إلى أحسن من هذا المسجد؟ انظري إلى ما فيه، تريدين أن تنظري إلى دار فلان وفلان. قال: وكان يقول لنفسه: مالك من الطعام يا نفس إلا هذا الخبز والزيت، ومالك من الثياب إلا هذين الثوبين، ومالك من النساء إلا هذه العجوز، أتحبين أن تموتي؟ فقالت: أنا أصبر على هذا العيش. ٥٧٢- عبد الله بن يزيد [٤] ، أبو قلابة الجرمي [٥] : كان فقيها عالما بالفقه، بصيرا بالقضاء، فلما طلب للقضاء هرب ومرض، فدخل

стр. 2319

عليه عمر بن عبد العزيز يعوده، فقال له: يا أبا قلابة، تشدد ولا تشمت بنا المنافقين [١] . ومات بالشام في هذه السنة. أخبرنا علي بن عبيد الله الفقيه، وإسماعيل بن أحمد المنقري، قالا: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النَّقُّورِ، قَالَ: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مردك، قال: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بن أبي حاتم، قَالَ: حدثنا عمار بن خالد الواسطي، قال: حدثنا الحكم بن سيار، قال: حدثنا أيوب السختياني، قال: قال لي أبو قلابة: احفظ عني ثلاث خصال: إياك وأبواب السلطان، ومجالسة أهل الأهواء، والزم سوقك فإن الغنى من العافية. أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قَالَ: أخبرنا عبد العزيز بْن الحسن بْن إِسْمَاعِيل الضراب، قَالَ: أَخْبَرَنِي أبي، قَالَ: حدّثنا أحمد ابن مروان، قال: حدثنا يوسف بن عبد الله الحلواني، قال: حدثنا عثمان بن الهيثم، قال: كان رجل بالبصرة من بني سعيد [٢] ، وكان قائدا من قواد عبيد الله بن زياد، فسقط من السطح فانكسرت رجلاه، فدخل عليه أبو قلابة يعوده، فقال له: أرجو أن يكون لك خيرة، فقال: يا أبا قلابة، وأي خيرة في كسر رجلي جميعا، قال: ما ستر الله عنك أكثر، فلما كان بعد ثلاث ورد عليه كتاب عبيد الله بن زياد أن يخرج فيقاتل الحسين بن علي ﵄ فقال للرسول: قد أصابني ما ترى، فما كان إلا سبعا حتى وافى الخبر بقتل الحسين، فقال الرجل: رحم الله أبا قلابة، لقد صدق أنه كان خيرة لي. ٥٧٣- عامر بن شراحيل [٣]- وقيل: عامر بن عبد الله بن شراحيل- أبو عمرو الشعبي: [٤] من شعب همدان، كوفي، وأمه من سبي جلولاء، ولد لست سنين خلت من

стр. 2320

خلافة عمر بن الخطاب هو وأخ له توأما. وسمع علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر، وابن عباس، وابن عمر [١] ، وابن عمرو، وابن الزبير، وأسامة، وجابر، والبراء، وأنس، وأبا هريرة، وعدي بن حاتم، وسمرة، وعمرو بن حريث، والمغيرة، وزيد بن أرقم، وغيرهم. وكان مفتيا [٢] في العلوم وحافظا ثقة، وقال: ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث قط إلا حفظته، وما أحببت أن يعيده علي، وما أروي شيئا أقل من الشعر، ولو شئت لأنشدتكم شهرا لا أعيد. ولقد نسيت من العلم ما لو حفظه رجل لكان به عالما، وليتني أفلت من ذلك كفافا لا علي ولا لي. وسمعه عمر يحدث بالمغازي، فقال: لكأن هذا الفتى شهد معنا. وقال أبو مخلد: ما رأيت أفقه من الشعبي، ولما بلغ عبد العزيز بن مروان عقل الشعبي وعلمه وطيب مجالسته كتب إلى أخيه عبد الملك أن يؤثره بالشعبي، ففعل وكتب إليه: إني أوثرك به على نفسي، لا يلبث عندك إلا شهرا. وكان عبد العزيز بمصر فأقام عنده نحوا من أربعين يوما ثم رده. أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد بن علي البزاز، قال: أخبرنا القاضي أبو سعيد الحسن بْن مُحَمَّد بْن عبد الله بْن المرزبان السيرافي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريد، قال: حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه، قال: [٣] وجه عبد الملك بن مروان عامرا الشعبي إلى ملك الروم في بعض الأمر

стр. 2321

فاستكثره [١] ، فقال له: من أهل بيت الملك أنت؟ قال: لا، فلما أراد الرجوع إلى عبد الملك حمله رقعة لطيفة وقال: إذا رجعت إلى صاحبك فأبلغه جميع ما يحتاج إلى معرفة من ناحيتنا، وادفع إليه هذه الرقعة، فلما صار الشعبي إلى عبد الملك ذكر له ما احتاج إلى ذكره، ونهض من عنده، فلما خرج ذكر الرقعة فرجع، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه حملني إليك رقعة نسيتها حين خرجت، وكانت في آخر ما حملني، فدفعها إليه ونهض فقرأها عبد الملك فأمر برده، فقال: أعلمت ما في هذه الرقعة؟ قال: لا، قال: فيها: عجبت من العرب كيف ملكت غير هذا، أفتدري لم كتب إلي بهذا؟ فقال: لا، قال: حسدني بك فأراد أن يغريني بقتلك، فقال الشعبي: لو كان ذاك يا أمير المؤمنين ما استكثرني. فبلغ ملك الروم ذلك، فذكر عبد الملك [٢] فقال: للَّه أبوه، والله ما أردت إلا ذلك. كان الشعبي قد خرج مع القراء على الحجاج ثم دخل عليه فاعتذر فقبل عذره، وولي القضاء. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عبد الجبار، قال: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن أخي ميمي، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد الخواص، قَالَ: حدثنا ابن مسروق، قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا زكريا بن يحيى، قال: دخلت على الشعبي وهو يشتكي فقال له: كيف تجدك؟ قال: أجدني وجعا مجهودا، اللَّهمّ إني أحتسب نفسي عندك فإنها أعز الأنفس عندي. توفي في هذه السنة. قاله الأكثرون. وقيل: في سنة سبع. وفي مقدار عمره قولان، أحدهما: سبع وتسعون، والثاني: اثنتان وثمانون. ٥٧٤- مجاهد بن جبر، يكنى أبا الحجاج، مولى قيس بن السائب المخزومي: [٣] كان فقيها دينا ثقة. روى عن ابن عمر، وابن عمرو، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عباس في آخرين.

стр. 2322

قال بعض الرواة: كنت إذا رأيت [١] مجاهدا ظننت أنه خربندج [٢] ضل حماره فهو مهتم. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الدَّقَّاق، قَالَ: أخبرنا [المبارك بن عبد الجبار قال: أخبرنا ابْن] [٣] صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن عبيد، قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا محمد بن كناسة، قال: حدثنا عمر بن ذر، عن مجاهد، قال: إذا أراد أحدكم أن ينام فليستقبل القبلة ولينم على يمينه وليذكر الله، وليكن آخر كلامه عند منامه لا إله إلا الله، فإنها وفاة لا يدرى لعلها تكون منيته. ثم قرأ: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) ٦: ٦٠ [٤] . توفي مجاهد وهو ساجد في هذه السنة. وقيل: في سنة اثنتين، وقيل: في سنة ثلاث. وقد بلغ ثلاثا وثمانين سنة.

стр. 2323

ثم دخلت سنة خمس ومائة فمن الحوادث فيها غزوة الجراح بن عبد الله اللان حتى جاز إلى مدائن وحصن وراء بلنجر وأصاب غنائم كثيرة. وغزوة سعيد بن عبد الملك أرض الروم، فبعث سرية في نحو من ألف مقاتل فأصيبوا جميعا. وغزوة مسلم بن سعيد الترك، فلم يفتح شيئا. وغزوة مسلم أفشين [١] ، فصالح ملكها على ستة آلاف رأس، ودفع إليه القلعة. وفيها: توفي يزيد بن عبد الملك وولي هشام.

стр. 2324

باب ذكر خلافة هشام بن عبد الملك [١] كان عبد الملك قد تزوج عائشة بنت هشام بن إسماعيل المخزومية، وكانت حمقاء، فولدت له هشاما في العام الذي قتل فيه مصعب بن الزبير، فسماه منصورا، وسمته أمه هشاما فلم ينكر ذلك، وكان عبد الملك قد رأى في منامه أم هشام قد فلقت رأسه فلطعت فيه عشرين لطعة، فعبرها له سعيد بن المسيب، فقال: تلد غلاما يملك عشرين سنة، فولدت له هشاما، ورأى هشام في منامه أن طبقا فيه تفاح قد قدم إليه، فأكل تسع عشرة تفاحة وبعض الأخرى، فسأل عن ذلك فقيل له: تملك تسع عشرة سنة وكسرا، فكان لا يقدم إليه التفاح في خلافته ولا يراه. وكان يكنى أبا الوليد، وكان أبيض حسن الجسم، أحول، يخضب بالسواد، ولد له عشرة من الذكور. وكان لهاجا بعمارة الأرض وبالآلات والكسى والفرش، [٢] فجمع من ذلك ما حمله على سبعمائة بعير، ووجد له اثنا عشر ألف قميص، وسبعمائة تكة [٣] . ذكر طرف من أخباره وسيرته أخبرنا ابن ناصر، قَالَ: أخبرنا أبو عبد الله الحُمَيْدِي، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي، قال: أخبرنا أبو مسلم محمد بن أحمد الكاتب، قال: أخبرنا

стр. 2325

ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبي عبيد، عن يونس، قال: اشترى هشام بن عبد الملك جارية، وخلا بها، فقالت له: يا أمير المؤمنين، ما من منزلة أطمع فيها فوق منزلتي إذ صرت للخليفة، ولكن النار ليس لها خطر، إن ابنك فلانا اشتراني، فكنت عنده- لا أدري ذكر ليلة أو نحو ذلك- لا يحل لك مسي، قال: فحسن هذا القول [منها] [١] عنده وحظيت عنده وتركها وولاها أمره. قال علماء السير: وكان هشام إذا صلى الغداة كان أول من يدخل عليه صاحب حرسه [٢] ، فيخبره بما حدث في الليل. ثم يدخل عليه موليان له، مع كل واحد منهما مصحف، فيقعد أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره حتى يقرأ عليهما جزأه، ويدخل الحاجب فيقول: فلان بالباب، وفلان، وفلان، فيقول: ائذن. فلا يزال الناس يدخلون عليه، فإذا انتصف النهار وضع طعامه ورفعت الستور، ودخل الناس وأصحاب الحوائج وكاتبه قاعد خلف ظهره، فيقول: أصحاب الحوائج، فيسألون حوائجهم، فيقول: لا ونعم، والكاتب خلفه يوقع بما يقول، حتى إذا فرغ من طعامه وانصرف الناس صار إلى قائلته، فإذا صلى الظهر دعى بكتابه فناظرهم فيما ورد من أمور الناس حتى يصلي العصر، ثم يأذن للناس، فإذا صلى العشاء الآخرة حضر سماره، الزهري وغيره. فجاء الخبر من أرمينية أن خاقان قد خرج، فنهض في الحال وحلف أن لا يؤويه سقف بيت حتى يفتح الله عليه، وسيأتي ذكر هذه القصة فيما بعد إن شاء الله تعالى. وقال بشر مولى هشام: تفقد هشام بعض ولده لم يحضر الجمعة، فقال له: ما منعك؟ فقال: نفقت دابتي، قال: وعجزت عن المشي فتركت الجمعة، فمنعه الدابة سنة. وظهر في أيام هشام غيلان بن مروان أبو مروان الدمشقي فأظهر الاعتزال فقتله وصلبه بباب دمشق. أَخْبَرَنَا أَبُو الحصين، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طالب مُحَمَّد بْن عبد الله الشافعي، قال:

стр. 2326

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حدثنا إسماعيل بن الحارث بن كثير بن هشام، عن عبد الله بن زياد، قال: قال غيلان لربيعة بن أبي عبد الرحمن: أنشدك الله، أترى الله يحب أن يعصى؟ قال ربيعة: أنشدك الله، أترى الله يعصى قسرا، فكأن ربيعة ألقم حجرا. أنبأنا عبد الوهاب الأنماطي، ومحمد بن ناصر الحافظان، قالا: أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَبْد الجبار، قَالَ: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن قشيش، قال: أخبرنا أبو محمد عبيد الله بن محمد بن علي الجوادي، قال: حدثنا أبو بكر بن الأنباري، قال: قال أبي، حدثنا [١] أحمد بن عبيد المدائني، قال: حكي لنا أن أبا جعفر المنصور وجه إلى شيخ من أهل الشام كان بطانة هشام بن عبد الملك فسأله عن تدبير هشام في بعض حروبه الخوارج، فوصف له الشيخ ما دبر، فقال: فعل ﵀ كذا، وصنع ﵀ كذا وكذا، فقال له المنصور: قم عليك وعليه لعنة الله، تطأ بساطي وتترحم على عدوي، فقام الرجل وهو يقول وهو مول: إن نعم عدوك لقلادة في عنقي لا ينزعها إلا غاسلي، فقال له المنصور: ارجع يا شيخ، فرجع فقال: أشهد أنك نهيض حر وغراس شريف، عد إلى حديثك، فعاد الشيخ إلى حديثه حتى إذا فرغ دعى له بمال فأخذه وقال: والله يا أمير المؤمنين ما بي إليه من حاجة، ولقد مات عني من كنت في ذكره آنفا، فما أحوجني إلى وقوف بباب [٢] أحد، ولولا جلالة عز أمير المؤمنين وإيثار طاعته ما لبست لأحد بعده نعمة، فقال له المنصور: مت إذا شئت للَّه أبوك، فلو لم يكن لقومك غيرك كنت قد أبقيت لهم مجدا مخلدا. وكان هشام لا يلتفت إلى أولاد عمر بن عبد العزيز ولا يعطيهم شيئا ويقول: أرضى لهم ما رضي لهم أبوهم. وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف عبد الواحد النّضري،

стр. 2327

وعلى قضاء الكوفة حسين بن حسن الكوفي [١] ، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس. وكان خالد القسري على العراق وخراسان. وقيل: إنما استعمل في سنة ست. وكان العامل في هذه السنة عمر بن هبيرة، فعزله هشام في أول ولايته وولى خالدا. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٥٧٥- أبان بن عثمان بن عفان، يكنى أبا سعيد [٢] ولي المدينة لعبد الملك سبع سنين وأشهر، وهو أحد سبعة من فصحاء الإسلام، سعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن عمير الليثي، وأبو الأسود الدؤلي، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، والحسن البصري، وقبيصة بن جابر الأسدي. وولد [له] [٣] ستة ذكور منهم عبد الرحمن بن أبان. وكان من أزهد الناس، وعقب أبان كثير بناحية الأندلس. توفي بالمدينة في هذه السنة بعد أن فلج سنه أعظم فالج حتى ضرب به المثل. وكان به وضح عظيم، وصمم شديد، وحول قبيح. وهو وأخواه عمرو وعمر لأم واحدة. ٥٧٦- شفي بن ماتع، أبو عبيد الأصبحي [٤] : يروي عن عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة. وكان عالما حكيما. روى عنه أبو قبيل المعافري وغيره. وكان شفي إذا أقبل يقول عبد الله بن عمرو: جاءكم أعلم من عليها. ٥٧٧- الضحاك بن مزاحم، أبو القاسم الهلالي: [٥] أصله من الكوفة، حملت به أمه سنتين، وكان عالما بالتفسير، لقي سعيد بن جبير

стр. 2328

فأخذ عنه، ولم ير ابن عباس، وكان يعلم ولا يأخذ أجرا، ثم أقام ببلخ. قال قبيصة بن قيس العنبري [١] : كان الضحاك بن مزاحم إذا أمسى بكى، فيقال له: ما يبكيك؟ فيقول: لا أدري ما صعد اليوم من عملي. توفي الضحاك في هذه السنة، وقيل: في سنة اثنتين ومائة. ٥٧٨- عبد الله بن حبيب بن ربيعة، أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي: سمع عثمان، وعليا، وابن مسعود، وحذيفة، وغيرهم. روى عنه سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي. وأقرأ القرآن الناس [٢] أربعين سنة، وصام ثمانين رمضانا. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ الصَّيَّادُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خلاد، قَالَ: حَدَّثَنَا الحارث بن مُحَمَّد، قَالَ: حدثنا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ [٣] : دَخَلْنَا عَلَى عبد الله بن حبيب وَهُو يَقْضِي فِي مَسْجِدِهِ، فَقُلْنَا: يَرْحَمُكَ اللَّهُ لَوْ تَحَوَّلْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول: «لا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلاةٍ مَا كَانَ فِي مُصَلاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ، تَقُولُ الْمَلائِكَةُ: اللَّهمّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهمّ ارْحَمْهُ» . فَأُرِيدُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا فِي مَسْجِدِي. [٤] توفي في هذه السنة وله تسعون سنة.

стр. 2329

٥٧٩- عكرمة مولى عبد الله بن عباس، يكنى أبا عبد الله: [١] توفي ابن عباس وهو عبد، فاشتراه خالد بن يزيد بن معاوية من علي بن عبد الله بن عباس بأربعة آلاف دينار، فبلغ ذلك عكرمة فأتى عليا فقال: بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار، فراح علي إلى خالد فاستقاله فأقاله فأعتقه. وكان يروي عن ابن عباس، وأبي هريرة، والحسين بن علي، وعائشة. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حمد بْن أَحْمَد، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو نعيم الأَصْفَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عثمان بن أبي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْحُرَيْثِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَجْعَلُ فِي رِجْلِي الْكَبْلَ يُعَلِّمُنِي الْقُرْآنَ، وَالسُّنَنَ. وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْ عِكْرِمَةَ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: عِكْرِمَةُ أَعْلَمُ النَّاسِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَعْلَمُهُمْ بِالتَّفْسِيرِ عِكْرِمَةُ. تُوُفِّيَ عِكْرِمَةُ بِالْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سَبْعٍ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سِتٍّ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً. ٥٨٠- غزوان بن غزوان الرقاشي، وقيل: غزوان بن زيد [٢] : كان من كبار الصالحين. أنبأنا أبو بكر بن أبي طاهر، عن أبي محمد الجوهري، عن أبي عَمْرُو بْنُ حَيْوَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن سعد،

стр. 2330

قال: حدثنا يحيى بن راشد، قال: حدثنا عثمان بن عبد الحميد الرقاشي، قال: سمعت مشيختنا يذكرون: أن غزوان لم يضحك منذ أربعين سنة. وكان غزوان يغزو، فإذا أقبلت الرفاق راجعين تستقبلهم أمه فتقول لهم: أما تعرفون غزوان، فيقولون: ويحك يا عجوز، ذاك سيد القوم [١] . ٥٨١- كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر بن عويمر [٢] بن مخلد، أبو صخر الخزاعي الشاعر [٣] : واسم أمه جمعة بنت الأشيم بن خالد، وقيل: جمعة بنت كعب بن عمرو. وقيل: كانت كنية جده أبي أمه أبا جمعة، فلذلك قيل: ابن أبي جمعة. وكان شاعرا مجيدا إلا أنه كان رافضيا يقول بإمامة محمد بن الحنفية، وأنه أحق من الحسن والحسين بالإمامة ومن سائر الناس. وأنه حي مقيم بجبل رضوى لا يموت. ومدح عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، وكان يقول بالتناسخ والرجعة. وكان يقول: أنا يونس بن متى، يعني أن روحه نسخت في. وقال يوما: ما يقول الناس في؟ قيل: يقولون أنك الدجال، فقال: إني لأجد في عيني ضعفا منذ أيام. وكان بمكة وقد ورد على الأمراء الأمر بلعن علي ﵁، فرقي المنبر وأخذ بأستار الكعبة وقال: لعن الله من يسب عليا ... وبنيه من سوقة وإمام أيسب المطهرون أصولا ... والكرام الأخوال والأعمام يأمن الطير والحمام ولا ... يأمن آل الرسول عند المقام فأنزلوه عن المنبر وأثخنوه ضربا بالنعال وغيرها فقال: إن امرأ كانت مساوئه ... حب النبي بغير ذي عتب

стр. 2331

وبني أبي حسن ووالدهم ... من طاب في الأرحام والصلب أترون ذنبا أن أحبهم ... بل حبهم كفارة الذنب وكان كثير دميم الخلقة فاستزاره عبد الملك، فازدراه لدمامته، فقال: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه [١] ، فقال كثير: ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد مزير فقال له: إن كنا أسأنا اللقاء فلسنا نسيء الثواء، حاجتك، قال: تزوجني عزة، فأراد أهلها على ذلك، فقالوا: هي بالغ وأحق بنفسها، فقيل لها، فقالت: أبعد ما تشبب بي وشهرني في العرب ما لي إلى ذلك سبيل. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا الحسين بْن عَبْد الجبار، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الطيب الطبري، قال: حدثنا المعافى بن زكريا، قال: حدثنا الحسن بن علي بْن المرزبان، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن هارون النحوي، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أبي يعقوب الدينَوَريّ، قال: حدثني نصر بن ميمون، عن العتبي، قال: كان عبد الملك بن مروان يحب النظر إلى كثير إذ دخل عليه آذنه يوما، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا كثير بالباب، فاستبشر عبد الملك وقال: أدخله يا غلام، فأدخل كثير- وكان دميما حقيرا تزدريه العين- فسلم بالخلافة، فقال عبد الملك: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال كثير: مهلا يا أمير المؤمنين، فإنما الرجل بأصغريه: لسانه وقلبه، فإن نطق نطق ببيان، وإن قاتل قاتل بجنان، وأنا الذي أقول: وجربت الأمور وجربتني ... فقد أبدت عريكتي الأمور وما تخفى الرجال علي إني ... بهم لأخو مثابته خبير ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد مزير ويعجبك الطرير فتبتليه ... فيخلف ظنك الرجل الطرير وما عظم الرجال لهم بزين ... ولكن زينها كرم وخير بغاث الطير أطولها جسوما ... ولم تطل البزاة ولا الصقور

стр. 2332

بغاث الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات نزور لقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعير فيركب ثم يضرب بالهراوي ... ولا عرف لديه ولا نكير ثم قال له: يا كثير أنشدني في إخوان ذكروك بهذا، فأنشده: خير إخوانك المنازل في المر ... وأين الشريك في المرّ أينا الذي إن حضرت سرك في الحي ... وإن غبت كان أذنا وعينا ذاك مثل الحسام أخلصه القين ... جلاه الجلاء فازداد زينا أنت في معشر إذا غبت عنهم ... بدلوا كل ما يزينك شيئا وإذا ما رأوك قالوا جميعا ... أنت [من] [١] أكرم الرجال علينا فقال له عبد الملك: يغفر الله لك يا كثير، فأين الإخوان غير أني أقول: صديقك حين تستغني كثير ... وما لك عند فقرك من صديق [فلا تنكر على أحد إذا ما ... طوى عنك الزيارة عند ضيق] [٢] وكنت إذا الصديق أراد غيظي ... على حنق وأشرقني بريقي غفرت ذنوبه وصفحت عنه ... مخافة أن أكون بلا صديق وكان كثير يعشق عزة بنت حميد [٣] بن وقاص، وهي من بني ضمرة، وتشبب بها، وكانت حلوة مليحة، وكان ابتداء عشقه لها ما روى الزبير بن بكار، عن عبد الله بن إبراهيم السعدي، قال: حدثني إبراهيم بن يعقوب بن جميع [٤] : أنه كان أمر كثير أنه مر بنسوة من بني ضمرة ومعه غنم، فأرسلن إليه عزة وهي صغيرة، فقالت: تقول لك النسوة: بعنا كبشا من هذه الغنم وأنسئنا بثمنه إلى أن ترجع، فأعطاها كبشا فأعجبته حينئذ، فلما رجع جاءته امرأة منهن بدراهمه، فقال: أين الصبية

стр. 2333

التي أخذت مني الكبش؟ قالت: وما تصنع بها، هذه دراهمك، قال: لا آخذ دراهمي إلا ممن دفعت إليه، وقال: قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها وفي رواية أنه أنشدهن: نظرت إليها نظرة وهي عاتق ... على حين أن شبت وبان نهودها نظرت إليها نظرة ما يسرني ... بها حمر أنعام البلاد وسودها وكنت إذا ما جئت سعدا بأرضها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها ثم أحبته عزة أشد من حبه إياها، ودخلت إليه يوما وهو يبري السهام فحدثته وهو يبري فبرى ذراعه وسال الدم وهو لا يعلم. وقد حكي عنه أنه لم يكن بالصادق في محبته. وروينا أن عزة تنكرت له فتبعها وقال: يا سيدتي قفي أكلمك، قالت وهل تركت عزة فيك بقية لأحد، فقال: لو أن عزة أمة لي لوهبتها لك، قالت: فكيف بما قلت في عزة؟ قال: أقلبه لك، فسفرت عن وجهها وقالت: أغدرا يا فاسق، ومضت، فقال: ألا ليتني قبل الذي قلت شيب لي ... من السم جدحات بماء الذرارح فمت ولم تعلم علي خيانة ... وكم طالب للربح ليس برابح أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، ومحمد بن ناصر، قالا: أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَبْد الجبار، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمرو بْن حيوية، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بكر بن الأنباري، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير بن بكار، قال: كتب إلي إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول: حدثني أبو المتيع قال: خرج كثير يلتمس عزة ومعه شنينة فيها ماء فأخذه العطش فتناول الشنينة فإذا هي غطم ما فيها شيء من الماء [١] ، فرفعت له نار فأمها، فإذا بقربها مظلة بفنائها عجوز، فقالت له: من أنت؟ قال: أنا كثير، قالت: قد كنت أتمنى ملاقاتك فالحمد للَّه الذي

стр. 2334

أرانيك، قال: وما الذي تلتمسينه عندي؟ قالت: ألست القائل: إذا ما أتينا خلة كي تزيلها ... أبينا وقلنا الحاجبية أول سنوليك عرفا إن أردت وصالنا ... ونحن لتلك الحاجبية أوصل قال: بلى، قالت: أفلا قلت كما قال سيدك جميل: يا رب عارضة علي وصالها [١] ... بالجد تخلطه بقول الهازل فأجبتها في القول بعد تأمل ... حبي بثينة عن وصالك شاغلي لو كان في قلبي كقدر قلامة ... فضلا وصلتك أو أتتك رسائلي قال: دعي هذا واسقيني ماء، قالت: والله لا سقيتك شيئا، قال: ويحك إن العطش قد أضر بي، قالت ثكلت بثينة إن طعمت عندي قطرة ماء، فكان جهده أن ركضت راحلته ومضى يطلب الماء، فما بلغه حتى أضحى النهار وقد أجهده العطش. قال أبو بكر بن الأنباري: وحدثني أبي، قال: حدثنا أبو عكرمة وأحمد بن عبيدة، قالا: لما أتى يزيد بن عبد الملك بأسارى بني المهلب أمر بضرب أعناقهم، فكان كثير حاضرا، فقام وأنشأ يقول: فعفو أمير المؤمنين وحسبة ... فما يحتسب من صالح لك يكتب أساءوا فإن تغفر فإنك قادر ... وأفضل حلم حسبة حلم مغضب فقال يزيد: يا كثير أطت بك الرحم قد وهبناهم لك، وأمر برفع القتل عنهم. قال أبو بكر: أطت: حنت. أخبرنا محمد بن ناصر، قَالَ: أَخْبَرَنَا جعفر بْن أحمد السراج، قَالَ: أخبرنا علي بن المحسن التنوخي، قَالَ: أخبرنا علي بن عيسى الرماني، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن دريد، قَالَ: أخبرنا عبد الأول بن مزيد، قال: أخبرني حماد بن إسحاق، عن أبيه، قال:

стр. 2335

خرج كثير يريد عبد العزيز بن مروان فأكرمه ورفع منزلته وأحسن جائزته وقال: سلني ما شئت من الحوائج، قال: نعم أحب أن تنظر لي من يعرف قبر عزة فيقفني عليه، فقال رجل من القوم: إني لعارف به، فانطلق به الرجل حتى انتهى إلى قبرها، فوضع يده عليه وعيناه تجريان وهو يقول: وقفت على ربع لعزة ناقتي ... وفي الترب رشاش من الدمع يسفح فيا عز أنت البدر قد حال دونه ... رجيع تراب والصفيح المصرح وقد كنت أبكي من فراقك خيفة ... فهذا لعمري اليوم إياي أنزح فهلا فداك الموت من أنت قربه ... ومن هو أسوأ منك حالا وأقبح ألا لا أرى بعد ابنة النضر لذة ... بشيء ولا ملحا لمن يتملح فلا زال وادي رمس عزة سائلا ... به نعمة من رحمة الله تسفح أرب لعيني البكا كل ليلة ... فقد كان مجرى دمع عيني يقرح إذا لم يكن ماء تجلتنا دما ... وشر البكاء المستعار الممنح ومن شعر كثير: خليلي هذا رسم عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا مرجفات الحزن [١] حتى تولت فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوما لها النفس ذلت أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها ... وحلت بلاغا لم تكن قبل حلت وو الله ما قاربت إلا تباعدت ... بصرم ولا أكثرت إلا أقلت أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مولية إن تقلت فلا يحسب الواشون أن صبابتي ... بعزة كانت غمرة فتجلت وكنا ارتقينا من صعود من الهوى ... فلما علوناه ثبت وزلت وكنا عقدنا عقدة الوصل بيننا ... فلما توافينا شددت وحلت وللعين أسراب إذا ما ذكرتها ... وللقلب أسرار إذا العين ملت توفي كثير عزة وعكرمة في هذه السنة في يوم واحد، فصلي عليهما في مكان واحد

стр. 2336

بعد الظهر، فقال الناس: مات أفقه الناس وأشعر الناس. وكان كثير يقول عند موته لأهله: لا تبكوا علي فإني بعد أربعين يوما أرجع. ٥٨٢- يزيد بن عبد الملك بن مروان: توفي بالبلقاء من أرض دمشق وهو ابن ثمان وثلاثين، وقيل: ثلاث وثلاثين، وكانت وفاته يوم الجمعة لخمس بقين من شعبان هذه السنة، وصلى عليه نساء الوليد، وكان هشام بن عبد الملك يومئذ بحمص، وكانت خلافته أربع سنين وشهرا. وكان سبب موته أنه كانت له جارية اسمها حبابة، وكان يحبها حبا شديدا، فماتت فتغير وبقي أياما لا يظهر للناس، ثم مات. وروى أبو بكر بن دريد، عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، عن عمه، قال: حج يزيد بن عبد الملك في خلافة أخيه سليمان بن عبد الملك، فعرضت عليه جارية مغنية جميلة، فأعجب بها غاية الإعجاب فاشتراها بأربعة آلاف دينار، وكان اسمها الغالية فسماها حبابة، وكان يهواها الحارث بن خالد المخزومي، فقال لما بلغه خروج يزيد بها: ظعن الأمير بأحسن الخلق ... وغدا بليل مطلع الشرق وبلغ سليمان خبرها فقال: لهممت أن أحجر على يزيد يبتاع جارية بأربعة آلاف دينار، وكان يزيد يهابه ويتقيه، فتأدى إليه قوله فردها على مولاها واسترجع منه المال، وباعها مولاها من رجل من أهل مصر بهذا الثمن، ومكث يزيد آسفا متحسرا عليها، فلم تمض إلا مديدة حتى تقلد يزيد الأمر. فبينا هو [في] [١] بعض الأيام مع امرأته سعدى بنت عمرو بن عثمان إذ قالت له: بقي في قلبك شيء [٢] من أمور الدنيا لم تنله؟ قال: نعم حبابة، فأمسكت حتى إذا كان من الغد أرسلت بعض ثقاتها إلى مصر، ودفعت إليه مالا وأمرته بابتياع حبابة، فمضى فما كان بأسرع من أن ورد وهي معه قد اشتراها، فأمرت سعدى قيمة جواريها أن تصنعها، وكستها من أحسن الثياب، وصاغت لها من أفخر الحليّ، ثم قالت

стр. 2337

لها: أمير المؤمنين متحسر عليك وله اشتريتك، فسرت ودعت لها، ولبثت أياما تصنعها تلك القيمة حتى إذا ذهب عنها وعث السفر قالت سعدى [١] ليزيد: إني أحب أن تمضي معي إلى بستانك بالغوطة لنتنزه فيه، قال: أفعل فتقدميني، فمضت وضربت، فيه قبة وشي ونجدتها بالفرش وجعلت داخلها كله قصب وأجلست فيها حبابة، وجاء يزيد فأكلوا وجلسوا على شرابهم، فأعادت سعدى عليه: هل بقي في قلبك من الدنيا شيء لم تبلغه؟ قال: نعم حبابة، قالت: فإني قد اشتريت جارية ذكرت أنها علمتها غناءها كله، فهي تغني مثلها فتنشط لاستماعها، قال: أي والله، فجاءت به إلى القبة وجلسا قدامها وقالت: غني يا جارية، فغنت الصوت الذي غنته ليزيد لما اشتراها وهو من شعر كثير: وبين التراقي والفؤاد حرارة ... مكان الشجى لا تستقل فتبرد قال يزيد: حبابة والله، فقالت: سعدى: حبابة، والله لك اشتريتها وقد أهديتها لك فسر سرورا عظيما وشكرها غاية الشكر وانصرفت وتركته مع حبابة، فلما كان بالعشي صعد معها إلى مستشرف في البستان وقال لها: غني وبين التراقي والفؤاد حرارة ... مكان الشجى لا تستقل فتبرد فغنته فأهوى ليرمي بنفسه وقال: أطير والله، فتعلقت به وقالت له: الله الله يا أمير المؤمنين، فأقام معها ثلاثة أيام ثم انصرفا، فأقامت أياما ثم مرضت وماتت فحزن عليها حزنا شديدا وامتنع من الطعام والشراب ومرض فمات. أخبرنا المبارك بن علي، قال: أخبرنا ابن العلاف، قال: أخبرنا عبد الملك بن بشران، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بن الأعرابي، قال: حدثنا علي بن عمروس: أن يزيد بن عبد الملك دخل يوما بعد موت حبابة إلى خزائنها ومقاصيرها، فطاف فيها ومعه جارية من جواريها فتمثلت الجارية بهذا البيت: كفى حزنا بالواله الصب أن يرى ... منازل من يهوى [٢] معطلة قفرا

стр. 2338

فصاح صيحة وخر مغشيا عليه فلم يفق إلى أن مضى من الليل [هوي] [١] فلم يزل بقية ليلته باكيا، فلما كان اليوم الثاني وقد انفرد في بيت يبكي عليها جاءوا إليه فوجدوه ميتا. أخبرتنا شهدة بنت أحمد الكاتبة، [قالت: أَخْبَرَنَا ابن السراج] [٢] بإسناده عن موسى بن جعفر: أن يزيد بن عبد الملك بينا هو مع حبابة أسر الناس بها حذفها بحبة رمان أو بعنبة وهي تضحك، فوقعت في فيها فشرقت فماتت، فأقامت عنده في البيت حتى جيفت أو كادت تجيف، ثم خرج فدفنها وأقام أياما ثم خرج حتى وقف على قبرها وقال: فإن تسل عنك النفس أو تدع الصبا ... فبالنفس أسلو عنك لا بالتجلد ثم رجع فما خرج من منزله حتى خرج نعشه. وقال يحيى بن أسقوط الكندي [٣] : ماتت حبابة فأحزنت يزيد بن عبد الملك، فخرج في جنازتها فلم تقله رجلاه، فأقام وأمر مسلمة فصلى عليها ثم لم يلبث بعدها إلا يسيرا حتى مات.

стр. 2339

ثم دخلت سنة ست ومائة فمن الحوادث فيها أن هشاما عزل عبد الواحد النضري [١] عن مكة والمدينة والطائف، وولى ذلك خاله إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي، فقدم المدينة يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة، وكانت ولاية النضري على المدينة سنة وثمانية أشهر. وفيها: غزا سعيد بن عبد الملك الصائفة، وغزا الحجاج بن عبد الملك اللان، فصالح أهلها وأدوا الجزية. وفيها: قدم خالد بن عبد الله القسري أميرا على العراق بعد خراسان، فاستعمل أخاه لبيد بن عبد الله على خراسان. وفيها: غزا مسلم بن سعيد الترك، فورد عليه عزله عن خراسان من خالد وقد قطع النهر لحربهم. وتولية أسد بن عبد الله أخي خالد عليها. وفيها: استقضى هشام إبراهيم بن هشام الجمحي، ثم عزله واستقضى الصلت الكندي. وفيها: ولد عبد الصمد بن علي في رجب. وفيها: حج بالناس [٢] هشام بن عبد الملك، وكتب إلى أبي الزناد قبل أن يدخل

стр. 2340

المدينة [١] : أكتب إلي بسنن الحج، فكتبها له وتلقاه، فلما صلى هشام في الحجر كلمه إبراهيم بن محمد بن طلحة، فقال له: أسألك باللَّه وبحرمة هذا البيت والبلد الذي خرجت معظما لحقه إلا رددت عليّ ضلامتي، قال: وأي ظلامة؟ قال: داري، قال: فأين كنت عن عبد الملك؟ قال: ظلمني والله، قال: فعن الوليد؟ قال: ظلمني والله، قال: فعن سليمان؟ قال: ظلمني والله، قال: فعن عمر؟ قال: يرحمه الله ردها والله علي، قال: فعن يزيد؟ قال: ظلمني والله، هو قبضها من بعد قبضي لها، وهي في يديك، قال: والله لو كان فيك ضرب لضربت، فقال: في والله ضرب بالسيف والسوط، فقال هشام: هذه قريش وألسنتها ولا يزال في الناس بقايا ما رأيت مثل هذا. ولما دخل هشام المدينة صلى على سالم بن عبد الله، فرأى كثرة الناس فضرب عليهم بعث أربعة آلاف، فسمي عام الأربعة آلاف [٢] . وكان العامل على مكة والمدينة والطائف إبراهيم بن هشام، وعلى العراق وخراسان خالد القسري، واستعمل على صلاة البصرة عقبة بن عبد الأعلى، وعلى الشرطة مالك بن المنذر بن الجارود، وعلى قضائها ثمامة بن عبد الله بن أنس، وعلى خراسان أخاه أسد بْن عَبْد اللَّه. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٥٨٣- سالم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن الخطاب، أبو عمر [٣] : روى عن أبيه، وأبي أيوب، وأبي هريرة. وكان فقيها عابدا جوادا صالحا، وكان أشبه أولاد أبيه به، وكان أبوه شديد المحبة له فإذا ليم على ذلك أنشد: يلومونني في سالم وألومهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم [٤]

стр. 2341

أخبرنا المبارك بن علي، قَالَ: أَخْبَرَنَا شجاع بْن فارس، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن أخي ميمي، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن صفوان، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر القرشي، قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني يحيى بن أبي بكير، قال: حدثنا هودة بن عبد العزيز، قال: زحم سالم بن عبد الله رجل فقال له سالم: بعض هذا رحمك الله، فقال له الرجل: ما أراك إلا رجل سوء، فقال له سالم: ما أحسبك أبعدت. أخبرنا محمد بن القاسم، قَالَ: أَخْبَرَنَا حمد بْن أَحْمَد، [١] قَالَ: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن الحسين، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سَعِيد، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن وهب، قال: حدثني حنظلة، قال: رأيت سالم بن عبد الله بن عمر يخرج إلى السوق فيشتري حوائج نفسه. أخبرنا إسماعيل بن أحمد بإسناد له عن أشهب بن مالك، [٢] قال: لم يكن أحد في زمن سالم [٣] بن عبد الله أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والقصد في العيش [٤] منه، كان يلبس بدرهمين، وقال له سليمان بن عبد الملك ورآه حسن السجية: أي شيء تأكل؟ قال: الخبز والزيت وإذا وجدت اللحم أكلته، فقال له: أو تشتهيه، قال: إذا لم أشتهه تركته حتى أشتهيه. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر الحافظ، قَالَ: أنبأنا أبو طاهر بن أبي الصقر، قال: أخبرنا هبة الله بن إبراهيم الصواف، قال: أخبرنا الحسن بن إسماعيل الضراب، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مروان، قَالَ: أَخْبَرَنَا عمير بن مرداس، قال: حدثنا الحميدي، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: دخل هشام بن عبد الملك الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد الله، فقال له: يا سالم سلني حاجة، فقال له: إني لأستحي من الله أن أسأل في بيت الله غيره. فلما خرج خرج

стр. 2342

في أثره، فقال له: الآن قد خرجت فسلني حاجة، فقال له سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ فقال: من حوائج الدنيا، فقال له: ما سألت من يملكها فكيف أسأل من لا يملكها. توفي سالم بالمدينة فِي آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وصلى عليه هشام بن عبد الملك مقدمه المدينة ودفن بالبقيع. ٥٨٤- طاووس بن كيسان اليماني، ويكنى أبا عبد الرحمن، مولى لهمذان [١] : حج أربعين حجة، وجالس سبعين من أصحاب رسول الله ﷺ . أخبرنا أبو بكر العامري، قال: أخبرنا علي بن صادق، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عبد الله بْن باكويه، قال: حدثنا عبد الواحد بن بكر، قال: حدثنا عبد الله بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن روح، قَالَ: حدثنا أحمد بن حامد، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أبيه قال: صلى وهب بن منبه وطاووس اليماني الغداة بوضوء العتمة أربعين سنة. أخبرنا عبد الوهاب الأنماطي بإسناده عن أبي بكر بن عبيد، قال: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق بن داود بن إبراهيم: أن الأسد حبس الناس ليلة في طريق الحج، فدق الناس بعضهم بعضا، فلما كان السحر ذهب عنهم، فنزل الناس يمينا وشمالا فألقوا أنفسهم فناموا، وقام طاووس يصلي، فقال له ابنه: ألا تنام فقد نصبت الليلة؟ فقال طاووس: ومن ينام السحر. أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا أبو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، قال: قدم طاووس مكة فقدم أمير فقيل له: إن من فضله، ومن، ومن، فلو أتيته، قال: ما إليه من حاجة، قالوا: إنا نخافه عليك، قال: فما هو كما تقولون.

стр. 2343

٥٨٥- العابد اليمني: أخبرنا محمد بن ناصر الحافط، قال: أخبرنا أبو الحسن بن عبد الجبار، قال: قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الدَّقَّاق، قال: أخبرنا الحسين بن صوفان، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن عبيد، قَالَ: حدثني أبو حاتم الرازي، قال: حدثني أحمد بن عبد الله بن عياض القرشي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن كامل القرقساني، قال: حدثنا علوان بن داود، عن علي بن زيد، قال: قال طاووس: بينا أنا بمكة بعث إلي الحجاج فأجلسني إلي جنبه وأتكأني على وسادة إذ سمع ملبيا يلبي حول البيت رافعا صوته بالتلبية، فقال: علي بالرجل، فأتي به، فقال: ممن الرجل؟ قال: من المسلمين، قال: ليس عن الإسلام سألتك، قال: فعم سألت؟ قال: سألتك عن البلد، قال: من أهل اليمن، قال: كيف تركت محمد بن يوسف؟ - يريد أخاه- قال: تركته عظيما وسيما لباسا [١] ركابا خراجا ولاجا، قال: ليس عن هذا سألتك، قال: فعم سألت؟ قال: سألتك عن سيرته، قال: تركته ظلوما غشوما، مطيعا للمخلوق عاصيا للخالق، فقال له الحجاج: ما حملك على أن تتكلم بهذا الكلام وأنت تعلم مكانه مني؟ قال الرجل: أتراه بمكانه منك أعز مني بمكاني من الله وأنا وافد بيته ومصدق نبيه وقاضي دينه، قال: فسكت الحجاج فما أجاب جوابا، فقام الرجل من غير أن يؤذن له فانصرف. قال طاووس: فقمت في أثره وقلت: الرجل حكيم، فأتى البيت فتعلق بأستاره ثم قال: اللَّهمّ بك أعوذ وبك ألوذ، اللَّهمّ اجعل لي في اللهف إلى جودك، والرضا بضمانك مندوحة عن منع الباخلين وغنى عما في أيدي المستأثرين، اللَّهمّ فرجك القريب ومعروفك القديم وعادتك الحسنة. ثم ذهب الناس فرأيته عشية عرفة وهو يقول: اللَّهمّ إن كنت لم تقبل حجي وتعبي ونصبي فلا تحرمني الأجر على مصيبتي بتركك القبول. ثم ذهب في الناس فرأيته غداة جمع يقول: وا سوءتاه منك [والله] [٢] وإن عفوت. يردد ذلك.

стр. 2344

ثم دخلت سنة سبع ومائة فمن الحوادث فيها غزوة معاوية بن هشام الصائفة، [١] وكان على جيش الشام ميمون بن مهران، فقطعوا البحر حتى عبروا إلى قبرص وخرج معهم البعث الذي كان هشام أمر به في حجته. وغزا البر مسلمة بن عبد الملك. وفيها: خرج عباد الرعيني باليمن، فقتله يوسف بن عمر، وقتل أصحابه كلهم، وكانوا ثلاثمائة. وفيها: وقع طاعون شديد بالشام. وفيها: وجه بكير بن ماهان [٢] جماعة إلى خراسان يدعون إلى خلافة بني هاشم، وكانوا قد دعوا بكير بن ماهان إلى ذلك فرضي فأنفق عليهم مالا كثيرا، ودخل إلى محمد بن علي، فلما أنفذ دعاته إلى خراسان وشى بهم إلى أسد بن عبد الله فقطع أيدي من ظفر به منهم وأرجلهم، وصلبهم، فكتب بذلك بكير إلى محمد. وقيل: أول من قدم خراسان من دعاة بني العباس زياد أبو محمد مولى همدان في ولاية أسد بن عبد الله، بعثه مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس، فقال له: ادع الناس إلينا، وانزل في اليمن وألطف مضر، فقدم ودعا إلى بني العباس، وذكر سيرة بني مروان وظلمهم، وجعل يطعم الناس الطعام، وكان في جماعة فقتلهم أسد بن عبد الله.

стр. 2345

وفي هذه السنة: غزا أسد بن عبد الله جبال نمرون [١] فصالحه الملك وأسلم على يديه، وغزا أيضا جبال هراة. وولى بناء مدينة بلخ برمك أبا خالد بن برمك. وفيها: حج بالناس إبراهيم بن هشام. وكان عمال الأمصار الذين ذكرناهم في السنة التي قبلها. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٥٨٦- إسماعيل بن عبيد، مولى عمرو بن حزم الأنصاري [٢] : حدث عن عمر وابن عباس. كان يسكن إفريقية، وله عبادة وفضل، غرق في بحر الروم في هذه السنة. قال عبيد الله بن المغيرة: قلت لسعيد بن المسيب: إن عندنا رجلا يقال له إسماعيل بن عبيد من العباد، إذا سمعنا نذكر شعرا صاح علينا، فقال ابن المسيب: ذاك رجل نسك نسك العجم. ٥٨٧- أسود بن كلثوم: أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: أخبرنا حمد بْنُ أحمد الحداد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أَبُو بكر بْن مالك، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية، قال: أخبرنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، قال: كان رجل منا يقال له الأسود بن كلثوم، كان إذا مشى لا يجاوز بصره قدميه، وكان يمر بالنسوة وفي الخدر يومئذ قصر، ولعل إحداهن أن تكون واضعة ثوبها أو خمارها فإذا رأينه راعهن ثم يقلن: كلا إنه الأسود بن كلثوم، فلما قرب غازيا قال: اللَّهمّ نفسي هذه تزعم في الرخاء أنها تحب لقاءك فإن كانت صادقة فارزقها ذلك، وإن كانت كاذبة فاحملها عليه فإن كرهت فأطعم لحمي سباعا وطيرا، فانطلق في خيل فدخلوا حائطا فندر

стр. 2346

بهم العدو، فجاءوا فأخذوا بثلمة الحائط، فنزل الأسود عن فرسه فضربها حتى غذت، فخرج ثم أتى الماء فتوضأ وصلى، قال: يقول العجم: هكذا استسلام العرب إذا استسلموا، ثم تقدم فقاتل حتى قتل. قال: فمر عظيم الجيش بعد ذلك بذلك الحائط فقيل لأخيه: لو دخلت فنظرت ما بقي من عظام أخيك [ولحمه] [١] ، قال: لا، دعا أخي بدعاء فاستجيب له، فلست أعرض في شيء من ذلك. ٥٨٨- بكير بن عبد الله بن الأشج، مولى لبني زهرة، مديني [٢] : روى عنه الليث بن سعد وغيره. توفي في هذه السنة. ٥٨٩- حميد بن هلال، أبو نصر العدوي [٣] : أسند عن عبد الله بن مغفل، وأنس وغيرهما، وكان من الفقهاء. كان قتادة يقول: ما بالمصريين أعلى من حميد. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ [٤] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثنا الدورقي، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بن هلال، قال: ذكر لنا أن الرجل إذا دخل الجنة فصور صورة أهل الجنة وألبس لباسهم وحلي حلاهم ورأى أزواجه وخدمه ومساكنه في الجنة يأخذه سوار فرح، فلو كان ينبغي أن يموت مات فرحا، فيقال له: أرأيت سوار فرحتك هذه فإنها قائمة لك أبدا. ٥٩٠- حسان بن حريث، أبو السوار العدوي [٥] : ويقال اسمه منقذ . روى عن علي وعمران بن حصين. روى عنه قتادة وهو من بني عدي بن زيد بن

стр. 2347

مناة [بن أد بن طابخة، وكذلك حميد بن هلال الذي ذكرناه قبله من بني عدي بن زيد] [١] ، وكذلك عمر بن حبيب القاضي العدوي. ولي القضاء للرشيد، وكذلك محمد بن عمرو، وأبو غسان العدوي، ويلقب زينجا أخرج عنه البخاري ومسلم. وثم من يقال له العدوي ينسب إلى عدي الأنصار، منهم حارثة بن سراقة وحسان بن ثابت. وهما من عدي بن النجار. وقد يقال العدوي وينسب إلى عدي بن كعب بن لؤي، وهم رهط عمر بن الخطاب وقبيلته. ويقال العدوي، وينسب إلى العدوية وهي أمهم من بني عدي بن الرباب، منهم زيد بن مرة أبو المعلى البصري، روى عن الحسن. ويقال: العدوي منسوبا إلى عدي خزاعة، منهم حبشية العدوية زوجة سفيان بن معمر البياضي من مهاجرة الحبشة. كان أبو السواد من العلماء الحلماء الحكماء الزهاد الثقات، سبه رجل وهو يمشي ساكتا، فلما دخل منزله قال للرجل: حسبك إن شئت. وقال هشام: كان أبو السوار يعرض له الرجل فيشتمه فيقول: إن كنت كما قلت إني إذا لرجل سوء. ٥٩١- سليمان بن يسار [أبو أيوب] مولى ميمونة بنت الحارث زوجة رَسُولَ اللَّهِ ﷺ [٢] : تُوُفِّيَ في هذه السنة، وقيل: سنة ثلاثمائة وله ثلاث وسبعون سنة.

стр. 2348

ثم دخلت سنة ثمان ومائة فمن الحوادث فيها غزوة مسلمة بن عبد الملك حتى بلغ قيسارية ففتحها الله على يديه. وفيها: غزا إبراهيم بن هشام ففتح حصنا من حصون الروم. وفيها: وقع حريق بدابق حتى احترق الرجال والدواب. وفيها: حج بالناس إبراهيم بن هشام وهو الأمير على مكة والمدينة والطائف. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٥٩٢- بكر بن عبد الله المزني [١] : أسند عن ابن عمر، وجابر، وأنس وغيرهم. وكان فقيها ثقة حجة عابدا شديد الخوف من الله . وقف [بعرفة] [٢] فرق فقال: لولا أني فيهم لقلت قد غفر لهم. وكان يلبس الثياب الحسان، وكانت قيمة كسوته أربعة آلاف درهم، فاشترى طيلسانا بأربعمائة درهم. وكان يقال: الحسن شيخ البصرة، وبكر فتاها.

стр. 2349

أخبرنا أبو المعمر الأنصاري بإسناد له عن غالب القطان، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: أحوج الناس إلى لطمة من دعي إلى وليمة فذهب معه بآخر، وأحوج الناس إلى لطمتين [رجل] دخل إلى دار قوم فقيل له اجلس هاهنا فقال لا بل هاهنا، وأحوج الناس إلى ثلاث لطمات رجل قدم إليه طعام، فقال: لا آكل حتى يجلس معي رب البيت. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا محمد بن هبة الله الطبري، قال: أخبرنا محمد بن بشران، قَالَ: أَخْبَرَنَا صفوان قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر القرشي، قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني يحيى بن بسطام، قال: حدثني مسمع بن عاصم، قال: حدثني رجل من آل عاصم الجحدري، قال: رأيت عاصما الجحدري بعد موته بسنتين فقلت: أليس قد مت؟ قال: بلى، قلت: فأين أنت؟ قال: أنا والله في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي نجتمع في كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزني فنتلاقى. قال: قلت: أرواحكم وأجسامكم؟ قال: هيهات بليت الأجسام وإنما تتلاقى الأرواح. توفي بكر في هذه السنة بالبصرة. ٥٩٣- عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان ﵁ [١] : روى عن أبيه. أنبأنا أبو بكر بن أبي طاهر، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيويه، قال: أخبرنا أبو أيوب الجلاب، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ: حدثنا محمد بن سعد، قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَب بْن عَبْد اللَّه الزبيري، عن مصعب بن عثمان، قال: كان عبد الرحمن بن أبان يشتري أهل البيت ثم يأمر بهم فيكسون ويذهبون، ثم يعرضون عليه فيقول: أنتم أحرار لوجه الله أستعين بكم على غمرات الموت. قال: فمات وهو قائم في مسجده، يعني في السبخة.

стр. 2350

٥٩٤- القاسم بْن مُحَمَّد بْن أبي بكر الصديق، أبو محمد [١] : كان دينا، أمه أم ولد، روى عن أبي هريرة، وابن عباس، وعائشة. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سنان، قال: أخبرنا أبو العباس السراج، قال: حدثنا حاتم بن الليث، قال: حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: جاء أعرابي إلى القاسم بن محمد، فقال: أنت أعلم أو سالم؟ قال: ذاك منزل سالم، فلم يزد عليها حتى قام الأعرابي. قال ابن إسحاق: كره أن يقول: هو أعلم مني فيكذب، أو يقول: أنا أعلم منه فيزكي نفسه. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا محمد بن هبة الله الطبري، قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن درستويه، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا وهيب، عن أيوب، قال: ما رأيت رجلا أفضل من القاسم، ولقد ترك مائة ألف وهي له حلال. قال يعقوب: وحدثنا محمد بن أبي زكريا بن وهب، قال: حدثني مالك أن عمر بن عبد العزيز قال: لو كان إلي من الأمر شيء لوليت القاسم الخلافة. عن محمد، قال: حدثنا الحميدي [٢] ، عن سفيان قال: اجتمعوا إلى القاسم بن محمد في صدقة قسمها. قال: وهو يصلي، فجعلوا يتكلمون، فقال ابنه: إنكم اجتمعتم إلى رجل والله ما نال منها درهما ولا دانقا، قال: فأوجز القاسم ثم قال: يا بني قل فيما علمت. قال سفيان: صدق ابنه ولكنه أراد تأديبه في النطق وحفظه. أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن سُلَيْمَان، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال:
следующие страницы →