← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

بهم العدو، فجاءوا فأخذوا بثلمة الحائط، فنزل الأسود عن فرسه فضربها حتى غذت، فخرج ثم أتى الماء فتوضأ وصلى، قال: يقول العجم: هكذا استسلام العرب إذا استسلموا، ثم تقدم فقاتل حتى قتل. قال: فمر عظيم الجيش بعد ذلك بذلك الحائط فقيل لأخيه: لو دخلت فنظرت ما بقي من عظام أخيك [ولحمه] [١] ، قال: لا، دعا أخي بدعاء فاستجيب له، فلست أعرض في شيء من ذلك. ٥٨٨- بكير بن عبد الله بن الأشج، مولى لبني زهرة، مديني [٢] : روى عنه الليث بن سعد وغيره. توفي في هذه السنة. ٥٨٩- حميد بن هلال، أبو نصر العدوي [٣] : أسند عن عبد الله بن مغفل، وأنس وغيرهما، وكان من الفقهاء. كان قتادة يقول: ما بالمصريين أعلى من حميد. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ [٤] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثنا الدورقي، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بن هلال، قال: ذكر لنا أن الرجل إذا دخل الجنة فصور صورة أهل الجنة وألبس لباسهم وحلي حلاهم ورأى أزواجه وخدمه ومساكنه في الجنة يأخذه سوار فرح، فلو كان ينبغي أن يموت مات فرحا، فيقال له: أرأيت سوار فرحتك هذه فإنها قائمة لك أبدا. ٥٩٠- حسان بن حريث، أبو السوار العدوي [٥] : ويقال اسمه منقذ . روى عن علي وعمران بن حصين. روى عنه قتادة وهو من بني عدي بن زيد بن

стр. 2347

مناة [بن أد بن طابخة، وكذلك حميد بن هلال الذي ذكرناه قبله من بني عدي بن زيد] [١] ، وكذلك عمر بن حبيب القاضي العدوي. ولي القضاء للرشيد، وكذلك محمد بن عمرو، وأبو غسان العدوي، ويلقب زينجا أخرج عنه البخاري ومسلم. وثم من يقال له العدوي ينسب إلى عدي الأنصار، منهم حارثة بن سراقة وحسان بن ثابت. وهما من عدي بن النجار. وقد يقال العدوي وينسب إلى عدي بن كعب بن لؤي، وهم رهط عمر بن الخطاب وقبيلته. ويقال العدوي، وينسب إلى العدوية وهي أمهم من بني عدي بن الرباب، منهم زيد بن مرة أبو المعلى البصري، روى عن الحسن. ويقال: العدوي منسوبا إلى عدي خزاعة، منهم حبشية العدوية زوجة سفيان بن معمر البياضي من مهاجرة الحبشة. كان أبو السواد من العلماء الحلماء الحكماء الزهاد الثقات، سبه رجل وهو يمشي ساكتا، فلما دخل منزله قال للرجل: حسبك إن شئت. وقال هشام: كان أبو السوار يعرض له الرجل فيشتمه فيقول: إن كنت كما قلت إني إذا لرجل سوء. ٥٩١- سليمان بن يسار [أبو أيوب] مولى ميمونة بنت الحارث زوجة رَسُولَ اللَّهِ ﷺ [٢] : تُوُفِّيَ في هذه السنة، وقيل: سنة ثلاثمائة وله ثلاث وسبعون سنة.

стр. 2348

ثم دخلت سنة ثمان ومائة فمن الحوادث فيها غزوة مسلمة بن عبد الملك حتى بلغ قيسارية ففتحها الله على يديه. وفيها: غزا إبراهيم بن هشام ففتح حصنا من حصون الروم. وفيها: وقع حريق بدابق حتى احترق الرجال والدواب. وفيها: حج بالناس إبراهيم بن هشام وهو الأمير على مكة والمدينة والطائف. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٥٩٢- بكر بن عبد الله المزني [١] : أسند عن ابن عمر، وجابر، وأنس وغيرهم. وكان فقيها ثقة حجة عابدا شديد الخوف من الله . وقف [بعرفة] [٢] فرق فقال: لولا أني فيهم لقلت قد غفر لهم. وكان يلبس الثياب الحسان، وكانت قيمة كسوته أربعة آلاف درهم، فاشترى طيلسانا بأربعمائة درهم. وكان يقال: الحسن شيخ البصرة، وبكر فتاها.

стр. 2349

أخبرنا أبو المعمر الأنصاري بإسناد له عن غالب القطان، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: أحوج الناس إلى لطمة من دعي إلى وليمة فذهب معه بآخر، وأحوج الناس إلى لطمتين [رجل] دخل إلى دار قوم فقيل له اجلس هاهنا فقال لا بل هاهنا، وأحوج الناس إلى ثلاث لطمات رجل قدم إليه طعام، فقال: لا آكل حتى يجلس معي رب البيت. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا محمد بن هبة الله الطبري، قال: أخبرنا محمد بن بشران، قَالَ: أَخْبَرَنَا صفوان قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر القرشي، قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني يحيى بن بسطام، قال: حدثني مسمع بن عاصم، قال: حدثني رجل من آل عاصم الجحدري، قال: رأيت عاصما الجحدري بعد موته بسنتين فقلت: أليس قد مت؟ قال: بلى، قلت: فأين أنت؟ قال: أنا والله في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي نجتمع في كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزني فنتلاقى. قال: قلت: أرواحكم وأجسامكم؟ قال: هيهات بليت الأجسام وإنما تتلاقى الأرواح. توفي بكر في هذه السنة بالبصرة. ٥٩٣- عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان ﵁ [١] : روى عن أبيه. أنبأنا أبو بكر بن أبي طاهر، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيويه، قال: أخبرنا أبو أيوب الجلاب، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ: حدثنا محمد بن سعد، قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَب بْن عَبْد اللَّه الزبيري، عن مصعب بن عثمان، قال: كان عبد الرحمن بن أبان يشتري أهل البيت ثم يأمر بهم فيكسون ويذهبون، ثم يعرضون عليه فيقول: أنتم أحرار لوجه الله أستعين بكم على غمرات الموت. قال: فمات وهو قائم في مسجده، يعني في السبخة.

стр. 2350

٥٩٤- القاسم بْن مُحَمَّد بْن أبي بكر الصديق، أبو محمد [١] : كان دينا، أمه أم ولد، روى عن أبي هريرة، وابن عباس، وعائشة. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سنان، قال: أخبرنا أبو العباس السراج، قال: حدثنا حاتم بن الليث، قال: حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: جاء أعرابي إلى القاسم بن محمد، فقال: أنت أعلم أو سالم؟ قال: ذاك منزل سالم، فلم يزد عليها حتى قام الأعرابي. قال ابن إسحاق: كره أن يقول: هو أعلم مني فيكذب، أو يقول: أنا أعلم منه فيزكي نفسه. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا محمد بن هبة الله الطبري، قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن درستويه، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا وهيب، عن أيوب، قال: ما رأيت رجلا أفضل من القاسم، ولقد ترك مائة ألف وهي له حلال. قال يعقوب: وحدثنا محمد بن أبي زكريا بن وهب، قال: حدثني مالك أن عمر بن عبد العزيز قال: لو كان إلي من الأمر شيء لوليت القاسم الخلافة. عن محمد، قال: حدثنا الحميدي [٢] ، عن سفيان قال: اجتمعوا إلى القاسم بن محمد في صدقة قسمها. قال: وهو يصلي، فجعلوا يتكلمون، فقال ابنه: إنكم اجتمعتم إلى رجل والله ما نال منها درهما ولا دانقا، قال: فأوجز القاسم ثم قال: يا بني قل فيما علمت. قال سفيان: صدق ابنه ولكنه أراد تأديبه في النطق وحفظه. أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن سُلَيْمَان، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال:

стр. 2351

أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن مالك، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الوليد بن شجاع، قال: حدثنا ضمرة، عن رجاء بن أبي سلمة، قال: مات القاسم بن محمد بين مكة والمدينة حاجا أو معتمرا، فقال لابنه: شن علي التراب شنا، وسو على قبري والحق بأهلك، وإياك أن تقول كان وكان. توفي القاسم في هذه السنة بعد أن كف بصره بنحو ثلاث سنين، وقد عبر السبعين. ٥٩٥- محمد بن كعب، أبو حمزة القرظي [١] : أخبرنا علي بن إبراهيم، قَالَ: أَخْبَرَنَا رزق الله بْن عبد الوهاب، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: حدثنا ابن صفوان، قال: أخبرنا أبو بكر القرشي، قال: حدثني سلمة بن شبيب، عن زهير بن عباد، قال: حدثني أبو كثير البصري، قال: قالت أم محمد بن كعب القرظي لمحمد: يا بني لولا أني أعرفك صغيرا طيبا وكبيرا طيبا لظننت أنك أحدثت ذنبا موبقا لما أراك تصنع بنفسك في الليل والنهار، فقال: يا أمتاه وما يؤمنني أن يكون الله قد اطلع علي وأنا في بعض ذنوبي فمقتني فقال: اذهب لا أغفر لك، مع أن عجائب القرآن تردني على أمور حتى أنه لينقضي الليل ولم أفرغ من حاجتي. كان محمد بن كعب يقص بالمدينة فسقط عليه مسجده وعلى جميع من كان معه فقتلهم، وذلك في هذه السنة. ٥٩٦- موسى بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس: ولد بالسراة سنة إحدى وثمانين، وتوفي ببلاد الروم غازيا في هذه السنة عن سبع وعشرين سنة. ٥٩٧- مورق بن المشمرج، أبو بكر العجلي البصري [٢] : عابد زاهد، روى عن ابن عمر، وأنس، وغيرهما. وكان يقول: أمر أنا في طلبه

стр. 2352

منذ عشرين سنة لم أقدر عليه، ولست بتارك طلبه أبدا، قيل: وما هو؟ قال: الصمت عما لا يعنيني، وما قلت في الغضب شيئا قط فندمت عليه في الرضى. وكان يدخل على بعض إخوانه فيضع عندهم الدراهم فيقول: امسكوها حتى أعود إليكم، فإذا خرج قال: أنتم في حل منها. ٥٩٨- نصيب بن رباح، وقيل أبو محجن الشاعر، مولى عبد العزيز بن مروان [١] : وكان أسود شديد السواد، جيد الشعر، عفيف الفرج، كريما يفضل بماله وطعامه. وكان أهل البادية يدعونه النصيب تفخما لما يرون من جودة شعره، ولم يهج أحدا تدينا، وكان في أول أمره عبدا لبني كعب راعيا لهم، فباعوه من قلاص بن محرز الكناني وكان يرعى [٢] إبله. وزعم ابن الكلبي أن نصيبا من بني الحاف بن قضاعة، وكانت أمه أمة فوثب عليها سيدها فجاءت بنصيب، فوثب عليه عمه فباعه من رجل، فاشتراه عبد العزيز بن مروان من الرجل. وقال غيره: إنما كان يتولع بالشعر، فلما جاء قوله استأذن مولاه في إتيان بني مروان فلم يأذن له، فهرب على ناقة بالليل ودخل على عبد العزيز بن مروان فمدحه، فقال: حاجتك، قال: أنا مملوك، فقال للحاجب: اخرج فأبلغ في قيمته، فجمع له المقومين فقال: قوموا غلاما أسود ليس به عيب، قالوا: مائة دينار، قال: إنه راعي إبل يبصرها ويحسن القيام عليها، قالوا [٣] : مائتا دينار، قال: إنه يبري النبل ويريشها ويبري القسي [٤] ، قالوا: أربعمائة دينار، قالوا: إنه راوية للشرع، قالوا: ستمائة دينار، قال: إنه شاعر، قالوا: ألف دينار، فقال نصيب: أصلح الله الأمير جائزتي عن مدحتي، قال: أعطوه ألف دينار، فعاد فاشترى أمه وأخته وأهله وأعتقهم. وقد مدح عبد العزيز بن مروان وأخاه عبد الملك بن مروان وأولاده وعمر بن عبد العزيز، وحصل منهم مالا كثيرا.

стр. 2353

وقال أيوب بن عباية [١] : بلغني أن النصيب كان إذا قدم على هشام بن عبد الملك أخلى له مجلسه واستنشده مراثي بني أمية، فإذا أنشده بكى وبكى معه، فأنشده يوما قصيدة مدحه [بها يقول] [٢] فيها: إذا استبق الناس العلا سبقتهم ... يمينك عفوا ثم ضلت شمالها فقال له هشام: يا أسود بلغت غاية المدح فسلني، فقال: يدك بالعطية أجود وأبسط من لساني بمسألتك، فقال: [هذا] [٣] والله أحسن من الشعر. وأحسن جائزته. ومن شعر نصيب يمدح نفسه [٤] : ليس السواد بناقصي ما دام لي ... هذا اللسان إلى فؤاد ثابت من كان ترفعه منابت أصله ... فبيوت أشعاري جعلن منابتي كم بين أسود ناطق ببيانه ... ماضي الجنان وبين أبيض صامت إني ليحسدني الرفيع بناؤه ... من فضل ذاك وليس بي من شامت وكان نصيب تشبب بزينب، والمشهور عنها أنها كانت بيضاء مستحسنة. وقد روي أيضا أنها كانت سوداء. أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بْن عَبْد الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن عمر البرمكي، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الحسين الزينبي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خلف، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن عمرو، وأحمد بن حرب، قالا: حَدَّثَنَا الزُّبَير بْن بكار، قَالَ: حدثني محمد بن المؤمل بن طالوت، قال: حدثني أبي، عن الضحاك بن عثمان الحزامي، قال: خرجت في آخر الحج فنزلت بالأبواء على امرأة فأعجبني ما رأيت من حسنها وأطربني، فتمثلت قول نصيب: بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب ... وقل إن تملينا فما ملك القلب

стр. 2354

خليلي من كعب إلى ما هديتما ... بزينب لا يقعد كما أبدا كعب وقولا لها ما في البعاد لذي الهوى ... بعاد وما فيه لصدع النوى شعب فمن شاء رام الصرم أو قال ظالما ... لصاحبه ذنب وليس له ذنب فلما سمعتني أتمثل بهذه الأبيات قالت لي: يا فتى العرب، أتعرف قائل هذا الشعر [١] ؟ قلت: نعم ذاك نصيب، قالت: نعم هو ذاك، فتعرف زينب؟ قلت: لا، قالت: أنا والله زينب، قلت: فحياك الله، قالت: أما إن اليوم موعده من عند أمير المؤمنين، خرج إليه عام أول ووعدني هذا اليوم، ولعلك لا تبرح حتى تراه. قال: فما برحت من مجلسي حتى إذا أنا بركب يزول مع السراب، فقالت: ترى خبب ذلك الفارس- أو ذاك الراكب- إني لأحسبه إياه، قال: وأقبل الراكب فأمنا حتى أناخ قريبا من الخيمة، فإذا هو نصيب، ثم ثنى رجله عن راحلته فنزل ثم أقبل فسلم علي وجلس منها ناحية وسلم عليها وساءلها وساءلته فأخفيا ثم أنها سألته أن ينشدها ما أحدث من الشعر بعدها، فجعل ينشدها، فقلت في نفسي: عاشقان أطالا التنائي لا بد أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة، فقمت إلى راحلتي أشد عليها، فقال لي: على رسلك أنا معك، فجلست حتى نهض ونهضت معه، فتسايرنا ساعة ثم التفت فقال: قلت [في نفسك] [٢] : محبان التقيا بعد طول تناء لا بد أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة؟ قلت: نعم قد كان ذلك، قال: فلا ورب هذه البنية التي إليها نعمد، ما جلست منها مجلسا قط أقرب من مجلسي الذي رأيت ولا كان شيء مكروه قط. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قَالَ: أخبرنا ابن حيوية، قَالَ: حدثنا محمد بن خلف، قال: حدثنا محمد بن معاذ، عن إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثني رجل من قريش عمن حدثه قال: كنت حاجا ومعي رجل من القافلة لا أعرفه ولم أره قبل ذلك ومعه هوادج وأثقال وصبية وعبيد ومتاع، فنزلنا منزلا، فإذا فرش ممهدة وبسط قد بسطت، فخرج من أعظمها

стр. 2355

هودجا امرأة زنجية فجلست على تلك الفرش الممهدة، ثم جاء زنجي فجلس إلى جنبها على الفراش فبقيت متعجبا منهما، فبينا أنا أنظر إليهما إذ مر بنا مار وهو يقود إبلا، فجعل يتغنى ويقول: بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب ... وقل إن تملينا فما ملك القلب قال: فوثبت الزنجية إلى الزنجي فخبطته وضربته وهي تقول: شهرتني في الناس شهرك الله، فقلت: من هذا؟ قالوا: نصيب الشاعر وهذه زينب. قال محمد بن خلف: وحدثني أبو بكر بن شداد، قَالَ: حدثني أَبُو عبد الله بْن أبي بكر، قال: حدثني إبراهيم بن زيد بن عبد الله السعدي، قال: حدثتني جدتي، عن أبيها، عن جدها، قال [١] : رأيت رجلا أسود ومعه امرأة بيضاء، فجعلت أتعجب من سواده وبياضها، فدنوت منه، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا الذي أقول: ألا ليت شعري ما الذي تحدثين لي ... إذا ما غدا النأي المفرق [٢] والبعد أتصرمني عند الألى فهم العدا [٣] ... فتشمتهم بي أم تدوم على العهد قال: فصاحت: بلى والله تدوم على العهد، فسألت عنها فقيل: هذا نصيب وهذه أم بكر. قال ابن خلف: وأخبرني جعفر بن اليشكري، قال: حدثني الرياشي، قال: أخبرني العتبي، قال: دخل نصيب على عبد العزيز بن مروان فقال له: هل عشقت يا نصيب؟ قال: نعم جعلني الله فداك، قال: من؟ قال: جارية لبني مدلج فأحدق بها الواشون فكنت لا أقدر على كلامها إلا بعين أو إشارة، وأجلس لها على الطريق حتى تمر بي فأراها، وفي ذلك أقول [٤] : جلست [٥] لها كيما تمر لعلني ... أخالسها التسليم إن لم تسلّم

стр. 2356

فلما رأتني والوشاة تحدرت ... مدامعها خوفا ولم تتكلم مساكين أهل العشق ما كنت مشتر ... [جميع] [١] حياة العاشقين بدرهم فقال عبد العزيز: ويحك، وما فعلت المدلجية؟ قال: اشتريت وأولدت، قال: فهل في قلبك منها شيء؟ قال: نعم، عقابيل أوجاع [٢] . قال ابن خلف: وأخبرني [نوفل] [٣] بن محمد المهلبي، عن محمد بن سلام، قال: دخل نصيب على يزيد بن عبد الملك، فقال: حدثني ببعض ما مر عليك، فقال: يا أمير المؤمنين علقت جارية حمراء- يعني بيضاء- فمكثت زمانا تمنيني بالأباطيل، فأرسلت إليها بهذه الأبيات: فإن أك حالكا فالمسك أحوى ... وما لسواد جلدي من دواء ولي كرم عن الفحشاء ناء ... كبعد الأرض من جو السماء ومثلي في رجالكم قليل ... ومثلك ليس يعدم في النساء فإن ترضي فردي قول راض ... وإن تنأي فنحن على السواء فلما قرأت الكتاب قالت: المال والعقل [٤] يعفيان على غيرهما فزوجتني نفسها. أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: أخبرنا محفوظ بن أحمد الفقيه، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن الجازري، قَالَ: أَخْبَرَنَا المعافى بن زكريا، قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بْن مُحَمَّد بْن عرفة، قَالَ: حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنا الزبير، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن عبد الله، عن معاذ صاحب الهروي، قال: دخلت مسجد الكوفة فرأيت رجلا لم أر قط أنقى ثيابا منه [٥] ، ولا أشد سوادا، فقلت له: من أنت؟ قال: نصيب، فقلت: أخبرني عنك وعن أصحابك، فقال: جميل إمامنا، وعمر أوصفنا لربات الحجال، وكثير أبكانا على الأطلال والدمن، وقد قلت ما سمعت، قلت: فإن الناس يزعمون أنك لا تحسن أن تهجو، فقال: فأقروا لي أني أحسن [أن] [٦] أمدح؟ قلت: نعم، قال: فترى ألا أحسن أن أجعل مكان عافاك الله أخزاك

стр. 2357

الله؟ قلت: بلى، قال: ولكني رأيت الناس رجلين، رجلا لم أسأله فلا ينبغي أن أهجوه فأظلمه، ورجلا سألته فمنعني فكانت نفسي أحق بالهجاء إذ سولت لي أن أطلب منه. أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر، قال: أنبأنا إِبْرَاهِيم بْن عُمَر البرمكي، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَمْرو بْن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن محمد بن إسحاق المكي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أيوب بن عباية، قال: حدثني خلف بن نوفل بن عبد مناف، قال: لما أصاب نصيب من المال ما أصاب، وكانت عنده أم محجن [- وكانت سوداء- تزوج امرأة بيضاء، فغضبت أم محجن] [١] وغارت، فقال: يا أم محجن والله ما مثلي يغار عليه إني لشيخ كبير وما مثلك من يغار إنك لعجوز كبيرة، وما أجد أكرم علي منك ولا أوجب حقا فجوزي هذا الأمر ولا تكدريه علي، فرضيت وقرت، ثم قال لها بعد ذلك: هل لك أن أجمع إليك زوجتي الجديدة فهو أصلح لذات البين وألم للشعث وأبعد للشماتة، فقالت: افعل فأعطاها دينارا وقال لها: إني أكره أن ترى بك خصاصة وأن تفضل عليك، فاعملي لها إذا أصبحت عندك غدا نزلا بهذا الدينار ثم أتى زوجته الجديدة، فقال لها: إني قد أردت أن أجمعك إلى أم محجن غدا وهي مكرمتك وأكره أن تفضل عليك، فخذي هذا الدينار فاهدي لها به إذا أصبحت عندها غدا لئلا ترى بك خصاصة ولا تذكري الدينار لها، ثم أتى صاحبا له يستنصحه، فقال: إني أريد أن أجمع زوجتي الجديدة إلى أم محجن غدا فأتني مسلما فإني سأستجلسك للغداء فإذا تغديت فسلني عن أحبهما إلي فإني سأنفر وأعظم ذلك وآبى أن أخبرك، فإذا أبيت ذلك فاحلف علي، فلما كان الغد زارت زوجته الجديدة أم محجن، ومر به صديقه فاستجلسه، فلما تغديا أقبل الرجل عليه، فقال: يا أبا محجن، أحب أن تخبرني عن أحب زوجتيك إليك، قال: سبحان الله، تسألني [٢] عن هذا وهما يسمعان، ما سأل عن مثل هذا أحد، قال: فإنّي أقسم عليك لتخبرني فو الله إني لا أعذرك، ولا أقبل إلا ذاك، قال: أما إذ فعلت فأحبهما إلي صاحبة الدينار، والله لا أزيدك على هذا شيئا، فأعرضت كل واحدة منهما تضحك ونفسها مسرورة وهي تظن أنه عناها بذلك القول.

стр. 2358

ثم دخلت سنة تسع ومائة فمن الحوادث فيها غزوة عبيد الله بن عقبة في البحر. وغزوة معاوية بن هشام أرض الروم ففتح حصنا بها [١] . وفي هذه السنة: عزل هشام بن عبد الملك خالد القسري عن خراسان، وصرف أخاه أسدا عنها [٢] . وكان سبب ذلك أن أسدا أخا خالد تعصب على نصر بن سيار ونفر معه زعم أنه بلغه عنهم ما لا يصلح، فضربهم بالسياط وحلقهم، وبعثهم إلى خالد وكتب إليه أنهم أرادوا الوثوب عليه، وخطب يوم جمعة [٣] ، فقال: قبح الله هذه الوجوه، وجوه أهل الشقاق والنفاق والفساد، اللَّهمّ فرق بيني وبينهم، وأخرجني إلى مهاجري ووطني. وقال: من يروم ما قبلي وأمير المؤمنين خالي وخال أخي، ومعي اثنا عشر ألف سيف يماني، فكتب هشام إلى خالد: اعزل أخاك، فعزل فقفل أسد إلى العراق في رمضان، واستخلف على خراسان الحكم بن عوانة. وفيها: استعمل هشام [٤] على خراسان أشرس بن عبد الله السلمي، وأمر أن يكاتب خالد القسري، وكان أول من اتخذ الرابطة بخراسان، واستعمل عليهم

стр. 2359

عبد الملك بن دثار الباهلي، وتولى أشرس صغير الأمور وكبيرها بنفسه. وفي هذه السنة: حج بالناس إِبْرَاهِيم بْن هشام، فخطب بمنى من غد يوم النحر بعد الظهر وقال: سلوني فما تسألون أحدا أعلم مني، فقام [إليه] [١] رجل من أهل العراق فسأله عن الأضحية أواجبة هي؟ فما علم ما يقول، فنزل. وكان العامل على المدينة ومكة والطائف. وكان على البصرة والكوفة خالد بن عبد الله، وعلى الصلاة بالبصرة أبان بن ضبارة، وعلى شرطتها بلال بن أبي بردة، وعلى قضائها ثمامة بن عبد الله الأنصاري من قبل خالد بن عبد الله، وعلى خراسان أشرس بن عبد الله السلمي. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٥٩٩- عبد الرحمن بن أبي عمار العابد نزيل مكة: أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَلي الصيرفي، قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بن محمد العلاف، قال: أخبرنا عبد الملك بن بشران، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن جعفر الخرائطي، قال: حدثنا أبو يوسف الزهري، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: كان عبد الرحمن بن أبي عمار من بني جشم ينزل بمكة، وكان من عباد أهلها، فسمي القس من عبادته، فمر ذات يوم بسلامة وهي تغني، فوقف فسمع غناها فرآه مولاها، فدعاه إلى أن يدخله عليها، فأبى ذلك فقال له: فاقعد في مكان تسمع غناها ولا تراها، ففعل فغنت فأعجبته، فقال له مولاها: هل لك أن أحولها إليك، فامتنع بعض الامتناع ثم أجابه إلى ذلك، فنظر إليها فأعجبته فشغف بها وشغفت به، وكان طريفا فقال فيها: أم سلام لو وجدت من الوجد ... غير الذي بكم أنا لاقي أم سلام أنت همي وشغلي ... والعزيز المهيمن الخلاق أم سلام ما ذكرتك إلا ... شرقت بالدموع مني المآقي قال: وعلم بذلك أهل مكة فسموها سلام القس، فقالت له يوما: أنا والله أحبك،

стр. 2360

فقال: وأنا والله أحبك، فقالت له: أنا والله أحب أن تضع فمك على فمي، قال: وأنا والله أحب ذلك، قالت: فما يمنعك فو الله إن الموضع لخال، فقال لها: ويحك إني سمعت الله تعالى يقول: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) ٤٣: ٦٧ [١] وأنا والله أكره أن تكون خلة ما بيني وبينك في الدنيا عداوة يوم القيامة، ثم نهض وعيناه تذرفان من حبها، وعاد إلى الطريقة التي كان [٢] عليها من النسك والعبادة، فكان يمر بين الأيام ببابها فيرسل السلام، فيقال له: ادخل فيأبى. ومما قال فيها: إن سلامة التي أفقدتني تجلدي ... لو تراها والعود في حجرها حين تنشد الشريحبي والغريض وللقوم معبد ... خلتهم تحت عودها حين تدعره باليد وفي رواية أخرى أنه لما قال لها: أكره أن تكون خلة ما بيني وبينك عداوة يوم القيامة، قالت: أتحسب أن ربنا لا يقبلنا إن نحن تبنا إليه؟ قال: بلى ولكن لا آمن أن أفاجأ، ثم نهض يبكي فلم يرجع بعد، وعاد إلى ما كان فيه من النسك. وروى مصعب الزبيري، عن محمد بن عبد الله بن أبي مليكة، عن أبيه، عن جده، قال: دخل عبد الرحمن بن أبي عمار وهو يومئذ فقيه أهل الحجاز على نخاس فعلق فتاة فاشتهر بذكرها حتى مشى إليه عطاء وطاووس ومجاهد يعذلونه، فكان جوابه: يلومني فيك أقوام أجالسهم ... فما أبالي أطار اللوم أو وقعا [٣] فانتهى الخبر إلى عبد الله بن جعفر، فلم تكن له همة غيره، فحج فبعث إلى مولى الجارية فاشتراها منه بأربعين ألفا، وأمر قيمة جواريه أن تزينها وتحليها، ففعلت، وبلغ الناس قدومه فدخلوا عليه، فقال: ما لي لا أرى ابن أبي عمار زارنا، فأخبر الشيخ فأتاه، فلما أراد أن ينهض استجلسه فقعد، فقال له ابن جعفر: ما فعل حب فلانة،

стр. 2361

فقال: سيط به لحمي ودمي وعصبي ومخي وعظامي، قال: تعرفها إن رأيتها؟ قال: وأعرف غيرها، قال: فإنّي قد اشتريتها، وو الله ما نظرت إليها، وأمر بها فأخرجت فزفت بالحلي والحلل، فقال: أهذه هي؟ فقال: نعم بأبي وأمي، قال: فخذ بيدها فقد جعلها الله لك، أرضيت؟ قال: أي والله بأبي وأمي وفوق الرضا، فقال له ابن جعفر: ولكني والله لا أرضى أن أعطيكها صفرا، احمل معه يا غلام مائة ألف درهم كيلا يهتم بمئونتها، قال: فراح بها وبالمال.

стр. 2362

ثم دخلت سنة عشر ومائة فمن الحوادث فيها غزوة مسلمة بن عبد الملك الترك، وسار إليهم نحو باب اللان حتى لقي خاقان في جموعه، فاقتتلوا قريبا من شهر وأصابهم مطر شديد فهزم الله خاقان. وفيها: غزا معاوية أرض الروم ففتح بلدة، وهو معاوية بن هشام. وغزا الصائفة عبيد الله بن عقبة الفهري، وكان على جيش البحر عبد الرحمن بن معاوية بن خديج. وفيها: دعا الأشرس أهل الذمة من أهل سمرقند من وراء النهر إلى الإسلام على أن توضع عنهم الجزية، فأجابوا وأسلموا، فكتب غوزك [١] إلى أشرس: أن الخراج قد انكسر، فقال أشرس: إن الخراج قوة المسلمين وقد بلغني أن [أهل] [٢] الصغد وأشباههم لم يسلموا رغبة، إنما دخلوا في الإسلام تعوذا من الجزية، فانظروا من أحسن وأقام الفرائض وحسن إسلامه وقرأ سورة من القرآن فارفعوا عنه الخراج، فأعادوا الجزية فامتنع الناس من أهل الصغد سبعة آلاف، فنزلوا على سبعة فراسخ من سمرقند. وفيها: ارتد أهل كردر [٣] ، فقاتلهم المسلمون فظفروا بهم. وفيها: جعل خالد بن عبد الله الصلاة بالبصرة مع الشرطة مع القضاء إلى بلال بن أبي بردة.

стр. 2363

وفي هذه السنة: حج بالناس إِبْرَاهِيم بْن إسماعيل بن هشام المخزومي، وكان هو العامل على مكة والمدينة والطائف، وعلى الكوفة والبصرة والعراق خالد بن عبد الله، وعلى خراسان أشرس من قبل خالد بْن عَبْد اللَّه. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٦٠٠- الحسن بن أبي الحسن البصري، يكنى أبا سعيد [١] : كان أبوه من أهل بيسان، فسبي، فهو مولى الأنصار. ولد في خلافة عمر، وحنكه عمر بيده، وكانت أمه تخدم أم سلمة فربما غابت فتعطيه أم سلمة ثديها فتعلله به إلى أن تجيء أمه فيدر عليه ثديها فيشربه، فكانوا يقولون: فصاحته من بركة ذلك. أخبرنا هبة الله بن أحمد الجريري، قال: أنبأنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر البرقاني، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَكِّي، قَالَ: حدثنا محمد بن إسحاق السراج، قال: حدثنا فضل بن سهل، قال: حدثنا علي بن حفص، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن يونس، قال: كان الحسن يقول: نضحك ولعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا، فقال: لا أقبل منكم شيئا. قال السراج: حدثني عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن الحسين، قال: حدثني حكيم بن جعفر، قال: قال لي [مسمع] [٢] : لو رأيت الحسن لقلت قد بث عليه حزن الخلائق من طول تلك الدمعة وكثرة ذلك التشنج. [٣] أخبرنا عبد الوهاب الأنماطي، قَالَ: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال:

стр. 2364

أخبرنا الحسين بْن عَليّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن عثمان، قَالَ: حدثنا علي بن محمد الْمَصْريّ، قَالَ: حدثنا أحمد بن واضح، قال: حدثنا سعيد بن أسد، قال: حدثنا ضمرة، عن حفص بن عمر، قال: بكى الحسن، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أخاف أن يطرحني غدا في النار ولا يبالي. أخبرنا عَبْد اللَّه بْن علي المقري، قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بن محمد العلاف، قال: أخبرنا عبد الملك بن بشران، قال: أخبرنا أبو بكر الآجري، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الحميد، قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: حدّثنا أبو عبيد الباجي، أنه سمع الحسن بن أبي الحسين يقول: حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور، وأقذعوا هذه الأنفس فإنها طلعة، وإنها تنزع إلى شر غاية، وإنكم إن تقاربوها لم يبق لكم من أعمالكم شيء، فتصبروا وتشددوا فإنما هي ليال تعدو، وإنما أنتم ركب وقوف، يوشك أن يدعى أحدكم فيجيب فلا يلتفت فانقلبوا بصالح ما بحضرتكم، إن هذا الحق أجهد الناس وحال بينهم وبين شهواتهم، وإنما صبر على هذا الحق من عرف فضله ورجا عاقبته. أخبرنا علي بن عبيد اللَّه، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النَّقُّورِ، قال: أخبرنا عيسى بن علي، قال: حدثنا البغوي، قال: حدثنا نعيم بن الهيضم، قال: حدثنا خلف بن تميم، عن أبي همام الكلاعي، عن الحسن: أنه مر ببعض القراء على أبواب بعض السلاطين، فقال: أفرختم حمائمكم، وفرطحتم بغالكم، وجئتم بالعلم تحملونه على رقابكم إلى أبوابهم فزهدوا فيكم، أما أنكم لو جلستم في بيوتكم حتى يكونوا هم الذين يتوسلون [١] إليكم لكان أعظم لكم في أعينهم، تفرقوا فرق الله بين أعضائكم. عاصر الحسن خلقا كثيرا من الصحابة، فأرسل الحديث عن بعضهم، وسمع من بعضهم، وقد جمعنا مسانيده وأخباره في كتاب كبير، فلم أر التطويل هاهنا.

стр. 2365

توفي عشية الخميس، ودفن يوم الجمعة أول يوم من رجب هذه السنة، وغسله أيوب السختياني وحميد الطويل، وصلى عليه النضر بن عمرو أمير البصرة، ومشى هو وبلال بن أبي بردة أمام الجنازة، وكان له تسع وثمانون سنة. ٦٠١- سعد بن مسعود، أبو مسعود التجيبي [١] : من تجيب، وفد على سليمان بن عبد الملك، وكان رجلا صالحا، وأسند حديثا واحدا، وبعثه عمر بن عبد العزيز إلى أهل إفريقية يفقه أهلها في الدين. ٦٠٢- محمد بن سيرين، أبو بكر البصري، مولى أنس بن مالك [٢] : سمع أبا هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعمران بن حصين، وأنس بن مالك. وهو أروى الناس عن شريح وعبيدة. روى عنه قتادة وخالد الحذاء، وأيوب السختياني، وغيرهم. وكان فقيها ورعا. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن العباس الخزاز، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عيسى المكي، قال: حدثنا محمد بن القاسم أبو العيناء، قال: حدثنا ابن عائشة، قال [٣] : كان أبو محمد بن سيرين من أهل جرجرايا، وكان يعمل قدور النحاس، فجاء إلى عين التمر يعمل بها فسباه خالد بن الوليد. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا [٤] أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بن سفيان، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدّثنا

стр. 2366

حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: هَذِهِ مُكَاتَبَةُ سِيرِينَ عِنْدَنَا: هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَتَاهُ سِيرِينَ عَلَى كَذَا وَكَذَا أَلْفًا، وَعَلَى غُلامَيْنِ يَعْمَلانِ عَمَلَهُ. قال علماء السير: كان خالد بن الوليد قد بعث بسيرين إلى عمر عند مصيره إلى العراق، فوهبه لأبي طلحة الأنصاري فوهبه أبو طلحة لأنس بن مالك، فكاتبه أنس على أربعين ألفا أداها. وولد له محمد، وأنس، ومعبد، ويحيى، وحفصة، وأم محمد صفية مولاة أبي بكر الصديق، حضر أملاكها ثمانية عشر بدريا منهم أبي بن كعب، فكان يدعو وهم يؤمنون. وولد محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان بن عفان. وولد له ثلاثون ولدا من امرأة واحدة. وقد لقي محمد بن عمر، وعمران بن حصين، وأبا هريرة. وكان ورعا في الفقه فقيها في الورع. وركبه دين فحبس لأجله، واختلفوا في سبب ذلك الدين، فقال ابن سعد: سألت محمد بن عبد الله الأنصاري عن سبب الدين، فقال: اشترى طعاما بأربعين ألف درهم فأخبر عن أصل الطعام بشيء كرهه، فتركه وتصدق به وبقي المال عليه فحبس. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أَحْمَد بْن عَلِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِي بْن أبي علي المعدل، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن العباس الخزاز، قَالَ: حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، قال: حدثنا أحمد بن عبيد، قال: أخبرنا المدائني، قال [١] : كان حبس ابن سيرين في الدين أنه اشترى زيتا بأربعة آلاف درهم، فوجد في زق منه فأرة، فقال: الفأرة كانت في المعصرة، فصب الزيت كله. وكان يقول: عيرت رجلا بشيء منذ ثلاثين سنة أحسبني عوقبت به. وكانوا يرون أنه عير رجلا بالفقر فابتلي به. عن بشر بن عمر، قال: حدثتنا أم عباد امرأة هشام بن حسان، قالت: قال ابن سيرين [٢] : إني لم أر امرأة في المنام فأعرف أنها لا تحل لي فأصرف بصري عنها.

стр. 2367

وأخبرنا عبد الرحمن القزاز بإسناده عن أبي عوانة، قالت: رأيت محمد بن سيرين مر في السوق فجعل لا يمر بقوم إلا سبحوا وذكروا الله تعالى [١] . أخبرنا محمد بن ناصر بإسناده عن عبد الله ابن أخت ابن سيرين: أنه كان مع محمد بن سيرين لما وفد إلى ابن هبيرة، فلما قدم عليه قال: السلام عليكم، قال: وكان متكئا فجلس فقال: كيف خلفت من وراءك؟ قال: خلفت الظلم فيهم فاشيا، قال: فهم به فقال له أبو الزناد: أصلح الله الأمير إنه شيخ، فما زال به حتى سكن، فلما أجازهم [٢] أتاه إياس بن معاوية بجائزة، فأبى أن يقبلها، فقال: أترد عطية الأمير، قال: أتتصدق علي فقد أغناني الله، أو تعطيني على العلم أجرا، فلا آخذ على العلم أجرا. قال علماء السير: رأى محمد بن سيرين كأن الجوزاء تقدمت الثريا، فأخذ في وصيته وقال: يموت الحسن وأموت بعده، وهو أشرف مني. فتوفي الحسن، ومات بعده محمد بمائة يوم. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد،. قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا أبو سعيد الصيرفي، قال: أخبرنا أبو العباس الأصم، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثني أبي، قال: حدثنا خالد بن خداش، قال: قال حماد بن زيد: مات محمد لتسع مضين من شوال سنة عشر ومائة. ٦٠٣- وهب بن منبه [٣] : من الأبناء، أبناء الفرس الذين أبعدهم كسرى إلى اليمن. أسند عن جابر، والنعمان بن بشير، وابن عباس. وأرسل الرواية عن معاذ، وأبي هريرة. وكان عالما عابدا. وقال: قرأت من كتب الله اثنين وتسعين كتابا. ومكث يصلي الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة.

стр. 2368

أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق، قال: حدثنا محمد بن مرزوق، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن محمد المعدل، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الله بن محمد القرشي، قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة، قال: حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن وهب بن منبه، قال: الإيمان عريان ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله الفقه. أَخْبَرَنَا إسماعيل بْن أحمد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو محمد بن أبي عثمان، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ، قال: أخبرنا أبو الحسين بن المنادي، قال: حدثني الحسن بن الحباب، قال: أخبرنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنا عبد الصمد بن معقل، قال: إن وهب بن منبه قال في موعظة له: يا ابن آدم، إنه لا أقوى من خالق ولا أضعف من مخلوق، ولا أقدر مِمَّن طلبته فِي يده، ولا أضعف ممن هو في يد طالبه. يا ابن آدم، إنه قد ذهب منك ما لا يرجع إليك، وأقام معك ما سيذهب عنك، يا ابن آدم، أقصر عن تناول ما لا ينال، وعن طلب ما لا يدرك، وعن ابتغاء ما لا يوجد، واقطع الرجاء منك عما فقدت من الأشياء. واعلم أنه رب مطلوب هو شر لطالبه. يا ابن آدم إنما الصبر عند المصيبة، وأعظم من المصيبة سوء الخلف منها، أمس شاهد مقبول، وأمين مؤد، وحكيم وارد، قد فجعك بنفسه وخلف في يديك حكمته، واليوم صديق مودع، وكان طويل الغيبة وهو سريع الظعن، وقد مضى قبله شاهد عدل. يا ابن آدم، قد مضت لنا أصول نحن فروعها، فما بقي الفرع بعد أصله. يا ابن آدم، إنما أهل هذه الدار سفر ولا يحلون عقد الرجال إلا في غيرها، وإنما يتبلغون بالعواري، فما أحسن الشكر للمنعم، والتسليم للمغير. إنما البقاء بعد الفناء وقد خلقنا ولم نكن، وسنبلى ثم نعود، ألا وإنما العواري اليوم والهبات غدا، ألا وإنه قد تقارب منا سلب فاحش أو عطاء جزيل، فأصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه، إنما أنتم في هذه الدار عرض فيكم المنايا تنتضل، وإن الذي فيه أنتم نهب للمصائب، لا تتناولون نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يستقبل معمر منكم يوما من عمره إلا بهدم آخر من آجله، ولا يحيى له أثر إلا مات له أثر.

стр. 2369

أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن علي، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن قتيبة، قال: حدثنا نوح بن حبيب قال: حدثنا منير مولى الفضل بن أبي عياش [١] ، قال: كنت جالسا مع ابن منبه، فأتاه رجل، فقال: إني مررت بفلان وهو يشتمك فغضب وقال: ما وجد الشيطان رسولا غيرك، فما برحت من عنده حتى جاءه ذلك الشاتم فسلم على وهب فرد عليه ومد يده وصافحه وأجلسه إلى جنبه. توفي بصنعاء في هذه السنة. وقيل: سنة أربع عشرة.

стр. 2370

ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائة فمن الحوادث فيها غزوة معاوية بن هشام الصائفة اليسرى. وغزوة سعيد بن هشام الصائفة اليمنى حتى أتى قيسارية. وغزا على جيش البحر عبد الله بن أبي مريم. وأمر هشام على عامة الناس من أهل مصر والشام الحكم بن قيس بن مخرمة. وفيها: سارت الترك إلى أذربيجان، فلقيهم الحارث بن عمرو فهزمهم. وفيها: ولى هشام الجراح [١] بن عبد الله الجمحي أرمينية، وعزل هشام أشرس بن عبد الله عن خراسان وولاها الجنيد بن عبد الله المري. وذلك أن أشرس شكى إليه فعزله، وكان الجنيد قد أهدى لأم حكيم بنت يحيى بن الحكم امرأة هشام قلادة فيها جوهر، وأهدى إلى هشام أخرى، فاستعمله على خراسان فقدمها في خمسمائة وأشرس بن عبد الله يقاتل أهل بخارى والصغد، فعبر النهر إليه. وفي هذه السنة: حج بالناس إِبْرَاهِيم بْن هشام المخزومي، وكان إليه من العمل في هذه السنة ما كان في السنة التي قبلها، وكان على العراق خالد بن عبد الله، وعلى خراسان الجنيد.

стр. 2371

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٦٠٤- جرير بن عطية بن الخطفي، والخطفي لقب، واسمه حذيفة بن بدر بن سلمة بن كلب بن يربوع بن مالك بن حنظلة، أبو جزرة الشاعر [١] : ولد جرير لسبعة أشهر، وعمر نيفا وثمانين سنة، وكان له ثمانية ذكور وابنتان. وهو والفرزدق والأخطل مقدمون على شعراء الإسلام الذين لم يدركوا الجاهلية، والناس مختلفون [٢] أيهم المقدم، وكل من تعرض لمضاهاتهم من الشعراء افتضح وسقط، على أن الأخطل إنما دخل بين جرير والفرزدق في آخر أمرهما وقد أسن وليس من نجارهما [٣] . وكان أبو عمرو الشيباني يشبه جريرا بالأعشى، والفرزدق بزهير، والأخطل بالنابغة. قال أبو عبيدة [٤] : ويحتج من قدم جريرا بأنه كان أكثرهم [٥] فنون شعر، وأسهلهم ألفاظا، وأرقهم تشبيبا، وكان دينا عفيفا. وقال بعض العرب: الشعر أربعة أصناف: فخر، ومدح، ونسيب [٦] ، وهجاء. وفي كلها غلب جرير. قال في الفخر: إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا وقال في المديح: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح

стр. 2372

وقال في التشبيب: إن العيون التي في طرفها [١] مرض [٢] ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا وقال في الهجاء: فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا وقال العتبي: قال جرير [٣] : ما عشقت قط، ولو عشقت لتشببت تشببا [٤] تسمعه العجوز فتبكي على ما فاتها من شبابها. وكان جرير يهاجي الفرزدق، فلقيه في طريق الحج، فقال الفرزدق: والله لأفسدن عليه إحرامه، فقال له: فإنك لاق بالمشاعر من منى ... فخارا فخبرني بمن أنت فاخر فقال جرير: لبيك اللَّهمّ لبيك. أخبرنا ابن ناصر، قال [٥] : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ [أَبِي] [٦] مَنْصُورٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جعفر بن يحيى الحكاك، قال: أخبرنا القاضي أبو الحسن محمد بن علي بن صخر، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عدي بن جزء، قال: حدثنا سليمان بن إبراهيم الهاشمي، قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن الهادي، عن أبي يعقوب بن السكيت، عن أبيه، قال: ذكروا أن جرير بن الخطفي دخل على عبد الملك بن مروان فقال له: يا أمير المؤمنين إني قد مدحتك بثلاثة أبيات ما قالت العرب مثلها، ولست أنشدك كل بيت إلا بعشرة آلاف، قال: هاتها للَّه أبوك، فأنشأ جرير يقول: رأيتك أمس خير بني معد ... وأنت اليوم خير منك أمس

стр. 2373

ونبتك في المنابت خير نبت ... وغرسك في المغارس خير غرس وأنت غدا تزيد الضعف ضعفا ... كذاك تزيد سادة عبد شمس فأمر له بثلاثين ألف درهم، وخرج فلقيه يحيى بن معبد، فقال: يا أبا جزرة، ما لنا فيك نصيب، قال له: كل بيت بعشرة آلاف درهم، فقال له: قل، فأنشأ يقول: إذا قيل من للجود والفضل والندى ... فناد بأعلى الصوت يحيى بن معبد فقال له: زدنا يا أبا حزرة، فقال: دع ذا عنك، كل شيء وحسابه. وقد ذكرنا أن هذه الأبيات السينية للأعشى، وأنه أنشدها عبد الملك. ومن مستحسن شعر جرير [١] : إلى الله أشكو أن بالغور حاجة ... وأخرى إذا أبصرت نجدا بدا ليا إذا اكتحلت عيني بعينك لم تزل [٢] ... بخير وجلى غمرة عن فؤاديا فقولا لواديها الذي نزلت به [٣] ... أوادي ذي القيصوم أمرعت واديا [٤] فيا حسرات القلب في إثر من يرى ... قريبا ويلفي [خيره] منك قاصيا [٥] فأنت أبي ما لم تكن لي حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أباليا وإني لأستحيي أخي أن أرى له ... علي من الفضل الذي لا يرى ليا وله أيضا [٦] : بان الخليط ولو طوعت ما بانا ... وقطعوا من حبال الوصل أقرانا حي المنازل إذ لا نبتغي بدلا ... بالدار دارا ولا الجيران جيرانا يا أم عمرو جزاك الله مغفرة ... ردي علي فؤادي كالذي كانا قد خنت من لم يكن يخشى خيانتكم ... ما كنت أوّل موثوق به خانا

стр. 2374

أبدل الليل لا تسري كواكبه ... أم طال حتى حسبت النجم حيرانا إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لا يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به [١] ... وهن أضعف خلق الله أركانا أتبعتهم مقلة إنسانها غرق ... هل ما ترى تارك للعين إنسانا يا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا هل يرجعن وليس الدهر مرتجعا ... عيش لنا طالما [٢] احلولى وما لانا وله أيضا [٣] : ما للمنازل لا يجبن حزينا ... أصممن أم قدم المدى فبلينا إن الذين تحملوا لك هيجوا [٤] ... وشلا بعينك ما يزال معينا غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا ولقد تسقطني الوشاة فصادفوا ... حصرا بسرك يا أميم [٥] ضنينا أرعى كما يرعى بغيب سركم ... فإذا بخلت بنايل فعدينا قد هاج ذكرك والصبابة والهوى ... داء تمكن في الفؤاد مكينا وله أيضا [٦] : لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس فقلت للركب إذ جد الرحيل بنا ... ما بعد يبرين من باب الفراديس هل دعوة من جبال الثلج مسمعة ... أهل الإياد وحيا بالنباريس يخزى الوشيظ إذا قال الصميم لهم ... عدوا الحصى ثم قيسوا بالمقاييس وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس قد جربت عركي في كل معترك ... غلب الأسود فما بال الضّغابيس

стр. 2375

توفي جرير باليمامة بعد الفرزدق بأربعين يوما في هذه السنة. ٦٠٥- الحجاج العابد: أَخْبَرَنَا المحمدان ابْن عَبْد الملك وابْن ناصر، قالا: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ خَيْرُونَ، قَالَ: قرئ على أبي القاسم عبد الملك بن بشران وأنا أسمع، أخبركم محمد بن الحسين الأجري، قال: أخبرنا الفضل بن العباس بن يوسف الشكلي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّلَمِيُّ، قَالَ: حدثنا محمد بن صالح التميمي، قال: قال أبو عبد الله مؤذن مسجد بني جراد: جاورني شاب فكنت إذا أذنت للصلاة وافى كأنه نقرة في قفاي، فإذا صليت صلى ثم لبس نعليه ثم دخل إلى منزله، فكنت أتمنى أن يكلمني أو يسألني حاجة، فقال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله، عندك مصحف تعيرني أقرأ فيه، فأخرجت إليه مصحفا ورفعته إليه فضمه إلى صدره، ثم قال: ليكونن [اليوم] [١] لي ولك شأن، ففقدته ذلك اليوم، فلم أره يخرج، فأقمت للمغرب فلم يخرج، وأقمت لعشاء الآخرة فلم يخرج، فساء ظني، فلما صليت العشاء الآخرة جئت إلى الدار التي هو فيها، فإذا فيها دلو ومطهرة، وإذا على بابه ستر، فدفعت الباب فإذا به ميت والمصحف في حجره، فأخذت المصحف من حجره، واستعنت بقوم على حمله حتى وضعناه على سريره، وبقيت أفكر ليلتي من أكلم حتى يكفنه، فأذنت للفجر بوقت، ودخلت المسجد لأركع، فإذا بضوء في القبلة، فدنوت منه فإذا كفن ملفوف في القبلة، فأخذته وحمدت الله وأدخلته البيت وخرجت، فأقمت الصلاة، فلما سلمت إذا عن يميني ثابت البناني ومالك ابن دينار، وحبيب الفارسي، وصالح المري، فقلت: يا إخواني، ما غدا بكم؟ قالوا لي: مات في جوارك الليلة أحد، قلت: مات شاب كان يصلي معي الصلوات، فقالوا لي: أرناه، فلما دخلوا عليه كشف مالك بن دينار عن وجهه، ثم قبل موضع سجوده، ثم قال: بأبي أنت يا حجاج إذا عرفت في موضع تحولت منه إلى موضع غيره، ثم أخذوا في غسله وإذا مع كل واحد منهم كفن، فقال واحد منهم: أنا أكفنه، فلما طال ذلك منهم قلت لهم: إني فكرت في أمره الليلة فقلت: من أكلم حتى يكفنه، فأتيت المسجد فأذنت ثم دخلت لأركع فإذا كفن ملفوف لا أدري من وضعه، فقالوا: يكفن في ذلك

стр. 2376

الكفن، فكفناه وأخرجناه، فما كدنا نرفع جنازته من كثرة من حضره من الجمع. ٦٠٦- همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، واسم دارم بحر بن مالك، أبو فراس، وهو الفرزدق الشاعر [١] : شبه وجهه بالخبزة، وهي فرزدقة، فقيل: الفرزدق، وكان جده صعصعة يستحيي الموءودات في الجاهلية فجاء الإسلام وقد استحيا ثلاثمائة. وقد سبق ذكره. وقال الفرزدق: وجدي الذي منع الوائدين ... وأحيا الوئيد فلم يوأد سمع الفرزدق من علي، وابن عمر، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وروى عنهم. وسئل عن سنه [٢] فقال: لا أدري لكن قذفت المحصنات في أيام عثمان. وروى أعين بن لبطة بن الفرزدق، عن أبيه، عن جده الفرزدق، قال: دخلت مع أبي على عَلي بْن أبي طالب ﵁ [٣] ،. فقال له: من أنت؟ فقال: غالب بن صعصعة المجاشعي، قال: ذو الإبل الكثيرة؟ قال: نعم، قال: ما فعلت إبلك؟ قال: نكبتها النوائب، ودعدتها الحقوق، قال: ذاك خير من سبلها، من هذا الفتى معك؟ قال: هذا ابني وهو شاعر، قال: علمه القرآن خير له من الشعر. قال لبطة: فما زال في نفس أبي حتى شد نفسه فحفظ القرآن. أنبأنا علي بن عبيد الله، قال: أنبأنا أحمد بن محمد بن النقور، قال: حدثنا عيسى بن علي، قال: قرئ على أبي عبد الله محمد بن مخلد قيل له: حدثكم أبو بكر محمد بن إسحاق الصاغاني، قال: حدثنا أبو حفص الفلاس، قال: حدثنا عبد الله بن سوار، قال: حدثنا معاوية بن عبد الكريم، عن أبيه، قال: دخلت على الفرزدق فتحرك فإذا في رجليه قيد، قلت: ما هذا يا أبا فراس؟ قال: حلفت ألا أخرجه من رجلي حتى أحفظ القرآن.

стр. 2377

أنبأنا علي بن عبيد الله، قَالَ: أنبأنا أبو الحسين بن المهدي، قال: أنبأنا ابن المأمون، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن الأنباري، قال: حدثنا الكديمي، قال: حدثنا عبد الله بن سوار، قال: أولاد الفرزدق لبطة وسبطة وحبطة والحنطبا قال أبو علي الحرمازي [١] : كانت النوار وهي بنت أعين بن ضبيعة [٢] المجاشعي، وكان قد وجهه علي بن أبي طالب إلى البصرة أيام الحكمين، فقتله الخوارج غيلة، فخطب ابنته النوار رجل من قريش، فبعثت إلى الفرزدق، وكانت بنت عمه، فقالت: أنت ابن عمي وأولى الناس بي وبتزويجي، فزوجني من هذا الرجل، قال: لا أفعل أو تشهدي أنك قد رضيت بمن زوجتك، ففعلت. فلما اجتمع الناس حمد الله وأثنى عليه ثم قال: قد علمتم أن النوار قد ولتني أمرها، وأشهدكم أني قد زوجتها من نفسي على مائة ناقة حمراء سود الحدق، فنفرت من ذلك واستعدت عليه ابن الزبير فقال له: وفها صداقها، ففعل ودفعها إليه، فجاء بها إلى البصرة وقد أحبلها، ومكثت عنده زمانا ترضى عنه أحيانا وتخاصمه أحيانا، ثم لم تزل به حتى طلقها وشرط ألا تبرح منزله ولا تتزوج بعده، وأشهد على طلاقها الحسن، ثم قال: يا أبا سعيد قد ندمت، فقال: إني والله لأظن [٣] أن دمك يترقرق، والله لئن رجعت لنرجمنك بأحجارك، فمضى وهو يقول: ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار فلو أني ملكت يدي وقلبي ... لكان علي للقدر الخيار وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار وكنت كفاقئ عينيه عمدا ... فأصبح ما يضيء له النهار وحكى الفرزدق قال [٤] : رأيت أثر دواب قد خرجت ناحية البرية، فظننت أن قوما خرجوا لنزهة فتبعتهم، فإذا نسوة مستنقعات في غدير، فقلت: لم أر كاليوم [٥] ، ولا يوم

стр. 2378

دارة جلجل، فانصرفت مستحييا منهن، فنادينني: باللَّه يا صاحب البغلة ارجع نسألك عن شيء، فانصرفت إليهن وهن في الماء إلى حلوقهن، فقلن: باللَّه حدثنا بحديث دارة جلجل، فقلت: إن امرأ القيس كان يهوى بنت عم له يقال لها: عنيزة، فطلبها زمانا فلم يصل إليها حتى كان يوم الغدير وهو يوم دارة جلجل، وذلك أن الحي احتملوا، فتقدم الرجال، وتخلف النساء والخدم والثقل، فلما رأى ذلك امرؤ القيس تخلف بعد ما سار الرجال غلوة [١] ، فكمن في غابة [٢] من الأرض حتى مر به النساء، فإذا فتيات وفيهن عنيزة، فلما وردن الغدير قلن: لو نزلنا، فذهب بعض كلالنا فنزلن إليه، ونحين العبيد عنهن [٣] ، ثم تجردن واغتمسن في الغدير كهيئتكن الساعة، فأتاهن امرؤ القيس محتالا كنحو ما أتيتكن وهن غوافل، فأخذ ثيابهن فجمعها ورمى الفرزذق نفسه عن بغلته، فأخذ بعض أثوابهن فجمعها- وقال لهن كما أقول لكن: والله لا أعطي جارية منكن ثوبها ولو أقامت في الغدير يومها حتى تخرج إلي مجردة [٤] . فقال الفرزدق: فقالت إحداهن: هذا امرؤ القيس، كان عاشقا لابنة عمه، أفعاشق أنت لبعضنا؟ فقلت: لا والله ولكني اشتهيتكن، قال: فتأبين أمري [٥] حتى تعالى النهار وخشين أن يقصرن دون المنزل، فخرجت إحداهن، فدفع إليها ثوبها ووضعه ناحية، فأخذته ولبسته، وتتابعن على ذلك حتى بقيت عنيزة وحدها، فناشدته الله أن يطرح لها ثوبها، فقال: دعينا منك، فأنا حرام إن أخذت ثوبك إلا بيدك. قال: فخرجت فنظر إليها مقبلة ومدبرة، فأخذت ثوبها، وأقبلن عليه يعذلنه ويلمنه ويقلن: عريتنا وحبستنا وجوعتنا، قال: فإن نحرت لكن ناقتي، أتأكلن منها؟ قلن: نعم، فاخترط سيفه فعقرها ونحرها وكشطها وصاح بخدمهن، فجمعوا له حطبا، فأجج نارا عظيمة، وجعل يقطع لهن من سنامها وأطائبها وكبدها، فيلقيه على الجمر فيأكل ويأكلن معه، فلما أراد الرحيل قالت إحداهن: أنا

стр. 2379

أحمل طنفسته [١] ، وقالت الأخرى: أنا أحمل رحله، وقالت الأخرى: أنا حشيته وأنساعه، فتقاسمن رحله بينهن، وبقيت عنيزة، فقال لها [امرؤ القيس] [٢] : يا ابنة الكرام، لا بد أن تحمليني معك فإني لا أطيق المشي وليس من عادتي، فحملته على غارب بعيرها، فكان يدخل رأسه في خدرها فيقبلها، فإذا امتنعت مال حدجها [٣] ، فتقول: يا امرأ القيس عقرت بعيري فانزل، فذلك قوله: تقول وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل فلما فرغ الفرزدق من حديثه قالت إحداهن: اصرف وجهك عنا ساعة، وهمست إلى صويحباتها [٤] بشيء لم أفهمه، فانغططن في الماء وخرجن ومع كل واحدة منهن ملء كفها طينا، قال: فجعلن يتعادين نحوي ويضربن بذلك الطين والحمأة [٥] وجهي وثيابي وملأن عيني، فوقعت على وجهي مشغولا بعيني وما فيها، فأخذن ثيابهن وركبن، وركبت تلك الماجنة بغلتي وتركتني ملقى بأقبح حال، فغسلت وجهي وثيابي وانصرفت عند مجيء الظلام إلى منزلي ماشيا وقد وجهن بغلتي إلى بيتي وقلن للرسول: قل له تقول لك أخواتك: طلبت منا ما لم يمكنا، وقد وجهنا إليك بزوجتك فافعل بها سائر ليلتك، وهذا كسر درهم يكون لحمامك إذا أصبحت. فكان يقول: ما منيت بمثلهن. قال علماء السير: لقي الفرزدق الحسن عند قبر، فقال له الحسن: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: أعددت له شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة. فتوفي الفرزدق في سنة إحدى عشرة ومائة، وقد قارب المائة. وكانت علته الدبيلة، فرآه ابنه لبطة في النوم، فقال له: يا بني نفعتني الكلمة التي راجعت بها الحسن عند القبر. وقال أبو عبيدة: مات الفرزدق سنة عشر وقد نيف على التسعين، كان منها خمس وسبعون يباري الشعراء فبذهم، وما ثبت له غير جرير.

стр. 2380

ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومائة فمن الحوادث فيها غزوة معاوية بن هشام الصائفة فافتتح خرشنة. وفيها: سار الترك، فلقيهم الجراح بن عبد الله فيمن معه من أهل الشام، وأهل أذربيجان، فاستشهد الجراح ومن كان معه بمرج أردبيل، وافتتحت الترك أردبيل، وبعث هشام سعيد بن عمرو الجرشي.، فأكثر القتل في الترك، ثم أنفذ أخاه مسلمة بن عبد الملك في أثر الترك. وفيها: قتل سورة بن الحر [١] ، وذلك أن الجنيد خرج غازيا يريد طخارستان، فنزل على نهر بلخ ووجه عمارة بن حريم إلى طخارستان في ثمانية عشر ألفا، وإبراهيم الليثي في عشرة آلاف في وجه آخر، فجاشت الترك، فأتوا سمرقند وعليها سورة بن الحر، [٢] فكتب سورة إلى الجنيد الغوث، فهم أن ينفر، فقيل له: جندك متفرقون وصاحب خراسان لا يعبر النهر في أقل من خمسين ألفا فلا تعجل، فقال: فكيف بسورة ومن معه من المسلمين، فعبر ومضى بالناس حتى دخل الشعب وبينه وبين سمرقند أربع فراسخ، فصبحه خاقان في جمع عظيم، وزحف، وزحف إليه أهل الصغد وشاش وفرغانه وطائفة من الترك، فجرت في المسلمين مقتلة عظيمة، وكلت سيوف الفريقين، فصارت لا تقطع، فقيل للجنيد: اختر أن تهلك أو تهلك سورة، فقال: هلاك سورة أهون عليّ.

стр. 2381

قيل: فاكتب إليه فليأتك في أهل سمرقند، فإن الترك إن بلغهم أنه متوجه إليك انصرفوا فقاتلوه. فكتب يأمره بالقدوم. فخرج في اثني عشر ألفا، فتلقاه خاقان، فحمل سورة فوقع فاندقت فخذه وقتل أكثر من معه، ومضى الجنيد إلى سمرقند، وحمل عيال من كان مع سورة إلى مرو، وأقام بالصغد أربعة أشهر. وفي هذه السنة: حج بالناس إِبْرَاهِيم بْن هشام المخزومي، وقيل: سليمان بن هشام. وأما عمال الأمصار فهم الذين كانوا في سنة إحدى عشرة. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٦٠٧- طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب، أبو عبد الله [١] : سمع من أنس بن مالك، وابن أبي أوفى، وابن الزبير. وكان قارئ أهل الكوفة يقرءون عليه القرآن، فلما رأى كثرتهم عليه كره ذلك لنفسه، فمشى إلى الأعمش فقرأ عليه، فمال الناس إلى الأعمش وتركوا طلحة. وكان ثقة صالحا عابدا. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد، [٢] قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن جعفر بن حمدان، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قال: حدّثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا ابن أبي غنية، قال: حدثني شيخ، عن جدته قالت: أرسل إلي طلحة بن مصرف: إني أريد أن أوتد في حائطك وتدا، فأرسلت إليه: نعم، قالت: ودخلت خادمتنا منزل طلحة تقتبس نارا وطلحة يصلي، فقالت لها امرأته: مكانك يا فلانة حتى نشوي لأبي محمد هذا القديد على قضيبك يفطر عليه. فلما قضى الصلاة قال: ما صنعت لا أذوقه حتى ترسلي إلى سيدتها، لحبسك إياها وشواك على قضيبها.

стр. 2382

قال أبو نعيم: وحدثنا محمد، قال: حدثنا أبو يعلى وهو الموصلي، قال: حدثنا عبد الصمد بن يزيد، قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: بلغني عن طلحة أنه ضحك يوما فوثب على نفسه، فقال: فيم الضحك، إنما يضحك من قطع الأهوال، وجاز الصراط. ثم قال: آليت ألا أفتر ضاحكا حتى أعلم بم تقع الواقعة، فما رئي ضاحكا حتى صار إلى الله [١] . أخبرنا محمد بن [أبي] [٢] القاسم بإسناد له، قال عبد الملك بن هانئ: خطب زيد إلى طلحة ابنته، فقال: إنها قبيحة، قال: قد رضيت بها، قال: إن بعقبها أثرا، قال: قد رضيت. قال أبو نعيم: وحدثنا أَبُو بكر بْن مالك، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الله بن أحمد، قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، قال: دخلنا [٣] على طلحة بن مصرف نعوده، فقال له أبو كعب: شفاك الله، قال: أستجير الله. قال أبو سعيد: وحدثنا ابن إدريس، عن ليث، قال: حدثت طلحة في مرضه الّذي مات فيه أن طاووسا كان يكره الأنين، قال: فما سمع طلحة يئن حتى مات. ٦٠٨- المغيرة بن حكيم الصنعاني: من الأنبار، روى عن ابن عمر، وأبي هريرة. أنبأنا يحيى بن علي المدير، قال: أخبرنا المبارك بن الحسين الأنصاري، قال: أخبرنا ابن بشران، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بكر القرشي، قال: حدثني الحسين بن علي البزاز، أنه حدث عن عبد الله بن إبراهيم، قال: أخبرني أبي، قال: سافر المغيرة بن حكيم إلى مكة أكثر من خمسين سفرة حافيا محرما صائما، لا

стр. 2383

يترك صلاة السحر في سفره، إذا كان السحر نزل فصلى ويمضي أصحابه، فإذا صلى الصبح لحق متى ما لحق. قال عبد الله بن إبراهيم: وأخبرني هشام بن يوسف، قال: سمعت إبراهيم بن عمر يقول: كان جزء المغيرة بن حكيم في يومه وليلته القرآن كله، يقرأ في صلاة الصبح من البقرة إلى هود، ويقرأ قبل الزوال إلى أن يصلي العصر من هود إلى الحج، ثم يختم.

стр. 2384

ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائة فمن الحوادث فيها هلاك عبد الوهاب بن بخت وهو مع البطال بن عبيد الله بأرض الروم، وذلك أن عبد الوهاب غزا مع البطال، فانكشفوا فألقى بيضته عن رأسه وصاح: أنا عبد الوهاب بن بخت، أمن الجنة تفرون؟ ثم تقدم في نحور العدو، فمر برجل يقول: وا عطشاه، فقال له: تقدم فالري أمامك فخالط القوم فقتل [١] . ومن ذلك: أن مسلمة بن عبد الملك فرق الجيوش في بلاد خاقان، ففتحت مدائن وحصون على يديه، وقتل وأسر وسبى، فحرق خلق كثير من الترك أنفسهم بالنار، ودان لمسلمة من كان من وراء جبال بلنجر، وقتل ابن خاقان. ومن ذلك: غزوة معاوية بن هشام أرض الروم، فرابط ثم رجع. وفي هذه السنة: صار جماعة من دعاة بني العباس إلى خراسان، فأخذ الجنيد رجلا منهم فقتله، وقال: من أصيب منهم فدمه هدر. وفي هذه السنة: حج بالناس سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقيل: بل إبراهيم بن هشام المخزومي. وأما عمال البلاد فالذين كانوا في السنة التي قبل هذه.

стр. 2385

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٦٠٩- عبد الله بن عبيد بن عمير [١] : كان عالما فصيحا صالحا. توفي بمكة في هذه السنة. أخبرنا محمد بن [أبي] [٢] القاسم، قَالَ: حَدَّثَنَا حمد بْن أَحْمَد، قَالَ: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا أحمد بن جعفر الغساني، قال: حدثنا محمد بن جرير، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا زافر بن سليمان، عن الوصافي، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: لا ينبغي لمن أخذ بالتقوى وزن الورع إن يذل لصاحب الدنيا.
следующие страницы →