قيل: فاكتب إليه فليأتك في أهل سمرقند، فإن الترك إن بلغهم أنه متوجه إليك انصرفوا فقاتلوه. فكتب يأمره بالقدوم. فخرج في اثني عشر ألفا، فتلقاه خاقان، فحمل سورة فوقع فاندقت فخذه وقتل أكثر من معه، ومضى الجنيد إلى سمرقند، وحمل عيال من كان مع سورة إلى مرو، وأقام بالصغد أربعة أشهر.
وفي هذه السنة: حج بالناس إِبْرَاهِيم بْن هشام المخزومي، وقيل: سليمان بن هشام. وأما عمال الأمصار فهم الذين كانوا في سنة إحدى عشرة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٦٠٧- طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب، أبو عبد الله [١] :
سمع من أنس بن مالك، وابن أبي أوفى، وابن الزبير. وكان قارئ أهل الكوفة يقرءون عليه القرآن، فلما رأى كثرتهم عليه كره ذلك لنفسه، فمشى إلى الأعمش فقرأ عليه، فمال الناس إلى الأعمش وتركوا طلحة. وكان ثقة صالحا عابدا.
أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد، [٢] قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن جعفر بن حمدان، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قال: حدّثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا ابن أبي غنية، قال: حدثني شيخ، عن جدته قالت:
أرسل إلي طلحة بن مصرف: إني أريد أن أوتد في حائطك وتدا، فأرسلت إليه:
نعم، قالت: ودخلت خادمتنا منزل طلحة تقتبس نارا وطلحة يصلي، فقالت لها امرأته:
مكانك يا فلانة حتى نشوي لأبي محمد هذا القديد على قضيبك يفطر عليه. فلما قضى الصلاة قال: ما صنعت لا أذوقه حتى ترسلي إلى سيدتها، لحبسك إياها وشواك على قضيبها.
стр. 2382
قال أبو نعيم: وحدثنا محمد، قال: حدثنا أبو يعلى وهو الموصلي، قال: حدثنا عبد الصمد بن يزيد، قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول:
بلغني عن طلحة أنه ضحك يوما فوثب على نفسه، فقال: فيم الضحك، إنما يضحك من قطع الأهوال، وجاز الصراط. ثم قال: آليت ألا أفتر ضاحكا حتى أعلم بم تقع الواقعة، فما رئي ضاحكا حتى صار إلى الله [١] .
أخبرنا محمد بن [أبي] [٢] القاسم بإسناد له، قال عبد الملك بن هانئ: خطب زيد إلى طلحة ابنته، فقال: إنها قبيحة، قال: قد رضيت بها، قال: إن بعقبها أثرا، قال: قد رضيت.
قال أبو نعيم: وحدثنا أَبُو بكر بْن مالك، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الله بن أحمد، قال:
حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، قال:
دخلنا [٣] على طلحة بن مصرف نعوده، فقال له أبو كعب: شفاك الله، قال:
أستجير الله.
قال أبو سعيد: وحدثنا ابن إدريس، عن ليث، قال: حدثت طلحة في مرضه الّذي مات فيه أن طاووسا كان يكره الأنين، قال: فما سمع طلحة يئن حتى مات.
٦٠٨- المغيرة بن حكيم الصنعاني:
من الأنبار، روى عن ابن عمر، وأبي هريرة.
أنبأنا يحيى بن علي المدير، قال: أخبرنا المبارك بن الحسين الأنصاري، قال: أخبرنا ابن بشران، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بكر القرشي، قال:
حدثني الحسين بن علي البزاز، أنه حدث عن عبد الله بن إبراهيم، قال: أخبرني أبي، قال:
سافر المغيرة بن حكيم إلى مكة أكثر من خمسين سفرة حافيا محرما صائما، لا
стр. 2383
يترك صلاة السحر في سفره، إذا كان السحر نزل فصلى ويمضي أصحابه، فإذا صلى الصبح لحق متى ما لحق.
قال عبد الله بن إبراهيم: وأخبرني هشام بن يوسف، قال: سمعت إبراهيم بن عمر يقول:
كان جزء المغيرة بن حكيم في يومه وليلته القرآن كله، يقرأ في صلاة الصبح من البقرة إلى هود، ويقرأ قبل الزوال إلى أن يصلي العصر من هود إلى الحج، ثم يختم.
стр. 2384
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائة
فمن الحوادث فيها هلاك عبد الوهاب بن بخت وهو مع البطال بن عبيد الله بأرض الروم، وذلك أن عبد الوهاب غزا مع البطال، فانكشفوا فألقى بيضته عن رأسه وصاح: أنا عبد الوهاب بن بخت، أمن الجنة تفرون؟ ثم تقدم في نحور العدو، فمر برجل يقول:
وا عطشاه، فقال له: تقدم فالري أمامك فخالط القوم فقتل [١] .
ومن ذلك: أن مسلمة بن عبد الملك فرق الجيوش في بلاد خاقان، ففتحت مدائن وحصون على يديه، وقتل وأسر وسبى، فحرق خلق كثير من الترك أنفسهم بالنار، ودان لمسلمة من كان من وراء جبال بلنجر، وقتل ابن خاقان.
ومن ذلك: غزوة معاوية بن هشام أرض الروم، فرابط ثم رجع.
وفي هذه السنة: صار جماعة من دعاة بني العباس إلى خراسان، فأخذ الجنيد رجلا منهم فقتله، وقال: من أصيب منهم فدمه هدر.
وفي هذه السنة: حج بالناس سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقيل: بل إبراهيم بن هشام المخزومي. وأما عمال البلاد فالذين كانوا في السنة التي قبل هذه.
стр. 2385
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٦٠٩- عبد الله بن عبيد بن عمير [١] :
كان عالما فصيحا صالحا. توفي بمكة في هذه السنة.
أخبرنا محمد بن [أبي] [٢] القاسم، قَالَ: حَدَّثَنَا حمد بْن أَحْمَد، قَالَ: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا أحمد بن جعفر الغساني، قال: حدثنا محمد بن جرير، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا زافر بن سليمان، عن الوصافي، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال:
لا ينبغي لمن أخذ بالتقوى وزن الورع إن يذل لصاحب الدنيا.
стр. 2386
ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائة
فمن الحوادث فيها غزوة معاوية بن هشام الصائفة اليسرى [١] ، وسليمان بن هشام [الصائفة] [٢] اليمنى، والتقى عبد الله البطال هو قسطنطين في جمع فهزمهم، وأسر قسطنطين، وبلغ سليمان بن هشام قيسارية.
وفي هذه السنة: عزل هشام بن عبد الملك إبراهيم بن هشام بن المدينة، وأمّر عليها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم، فقدم خالد المدينة للنصف من ربيع الأول. وكانت إمرة إبراهيم على المدينة ثماني سنين.
وفيها: ولي محمد بن هشام [المخزومي] [٣] على مكة.
وفيها: وقع الطاعون بواسط.
وفيها: قفل مسلمة بن عبد الملك عن الباب بعد ما هزم خاقان، وبنى الباب فأحكم ما هناك.
وفيها: ولى هشام بن عبد الملك مروان [٤] بن محمد أرمينية وأذربيجان.
وفيها: حج بالناس خالد بن عبد الملك وهو على المدينة، وقيل: بل حج بهم
стр. 2387
محمد بن هشام وهو أمير مكة، وقيل: بل حج بهم خالد بن الملك [١] ، وهو الأثبت عند الواقدي. وكان العمال في الأمصار هم العمال فِي السنة الَّتِي قبلها، غير أن عامل المدينة خالد بن عبد الملك، وعامل مكة [٢] والطائف محمد بن هشام، وعامل أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد بن مروان.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٦١٠- جعيل بن ماعان بن عمير، أبو سعيد الرعيني ثم القياني [٣] :
كان أحد القراء الفقهاء، أخرجه عمر بن عبد العزيز من مصر إلى المغرب ليقرئهم القرآن، واستعمله على القضاء بإفريقية هشام بن عبد الملك، وله عليه وفادة.
وقد روى عن أبي تميم عبد الله بن مالك الجيشاني. وحدث عنه بكر بن سوادة.
٦١١- عبد خير بن يزيد، أبو عمارة [٤] :
أدرك النبي ﷺ إلا أنه لم يلقه، وسكن الكوفة وحدث بها عن علي بن أبي طالب، وشهد معه حرب الخوارج بالنهروان. روى عنه أبو إسحاق السبيعي، وحبيب بن أبي ثابت، وإسماعيل السدي، وكان ثقة.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال:
أخبرنا ابن الفضل، قال: حدثنا علي بن إبراهيم المستملي، قال: حدثنا أبو أحمد بن فارس، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: قال لي يحيى بن موسى:
حدثنا مسهر بن عبد الملك، قال: حدثني أبي قال [٥] :
قلت لعبد خير: كم أتى عليك؟ قال: عشرون ومائة سنة، كنت غلاما ببلادنا باليمن، فجاء كتاب النبي ﷺ فنودي في الناس فخرجوا إلى حيز واسع، فكان أبي فيمن
стр. 2388
خرج، فلما ارتفع النهار جاء أبي فقالت له أمي: ما حبسك وهذه القدر قد بلغت وهؤلاء عيالك يتضورون يريدون الغذاء؟ فقال: يا أم فلان، أسلمنا فأسلمي، ومري بهذا القدر فلتهرق للكلاب وكانت ميته. فهذا ما أذكر من أمر الجاهلية.
٦١٢- محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، أبو جعفر الباقر [١] :
باقر العلم، أمه أم عبد الله بنت [٢] الحسن بن علي بن أبي طالب، وولد له جعفر، وعبد الله من أم فروة بْنت القاسم بْن مُحَمَّد بْن أبي بكر الصديق. وروى أبو جعفر عن جابر، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عباس، وأنس.
قال أبو حنيفة: لقيت أبا جعفر محمد بن علي، فقلت: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فقال: رحم الله أبا بكر وعمر، فقلت: إنه يقال عندنا بالعراق إنك لتبرأ منهما، فقال: معاذ الله كذب من قال هذا عني، أو ما علمت أن علي بن أبي طالب زوج ابنته أم كلثوم التي من فاطمة بْنت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله سلّم عمر بن الخطاب وجدتها خديجة وجدها رسول الله صلى الله عليه وآله سلّم. أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن سُلَيْمَان، قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن حبيش، قال: حدثنا إبراهيم بن شريك الأسدي، قال: حدثنا عقبة بن مكرم، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن أبي عبد الله الجعفي، عن عروة بن عبد الله،. قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن حلية السيوف، قال: لا بأس به قد حلى أبو بكر الصديق سيفه، قال: قلت: وتقول الصديق، فوثب وثبة واستقبل القبلة ثم قال:
نعم الصديق، نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله له قولا في الدنيا ولا في الآخرة. قال ابن حبيش: وحدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا أحمد بن
стр. 2389
يونس، عن عمر بن شمر، عن جابر، قال: قال لي محمد بن علي: يا جابر، بلغني أن قوما بالعراق يزعمون أنهم يحبونا وينالون أبا بكر وعمر، ويزعمون أني أمرتهم بذلك، فأبلغهم أني إلى الله منهم بريء، والذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت إلى الله بدمائهم لا نالتني شفاعة محمد إن لم [أكن] [١] أستغفر لهما وأترحم عليهما. أخبرنا عبد الوهاب الأنماطي، قَالَ: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ [بْنِ عَلِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن يوسف، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد القرشي، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الحسين، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيد بن سليمان، عن] [٢] إسحاق بن كثير، عن عبد الله بن الوليد، قال:
قال لنا أبو جعفر محمد بن علي: يدخل أحدكم يده في كم صاحبه فيأخذ ما يريد؟ قلنا: لا، قال: فلستم إخوانا كما تزعمون. توفي محمد في هذه السنة، وقيل: سنة ثمان عشرة، وقيل: سبع عشر وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وأوصى أن يكفن في قميصه الذي كان يصلي فيه.
٦١٣- المفضل بن قدامة بن عبيد الله بن عبد الله بن عبيدة بن الحارث بن إياس بن عوف بن ربيعة، من ولد ربيعة بن نزار، كذلك سماه أبو عمر والشيبانيّ، ويكنى أبا النجم [٣] :
وقال ابن الأعرابي: اسمه الفضل، وهو من رجاز الإسلام الفحول المتقدمين، في الطبقة الأولى منهم.
قال أبو عبيدة [٤] : ما زالت الشعراء تقصر بالرجاز حتى قال أبو النجم:
الحمد للَّه الوهوب المجزل
стр. 2390
وقال العجاج:
قد جبر الدين الإله فجبر [١]
وقال رؤبة:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق [٢]
فانتصفوا منهم.
قال المدائني [٣] : دخل أبو النجم على هشام بن عبد الملك وقد أتت له سبعون سنة [٤] ، فقال له هشام: ما رأيك في النساء؟ قال: إني لأنظر إليهن شزرا وينظرن إلي شزرا [٥] ، فوهب له جارية وقال: أغد علي فأعلمني ما كان منك، فلما غدا عليه فقال:
ما صنعت شيئا ولا قدرت عليها، وقلت في ذلك أبياتا وهي:
نظرت فأعجبها الذي في درعها ... من حسنه ونظرت في سرباليا
فرأت لها كفلا يميل بخصرها [٦] ... وعثا روادفه وأجثم رابيا [٧]
ورأيت منتشر العجان [٨] مقلصا ... رخوا مفاصله وجلدا باليا
أدني له الركب الحليق كأنما ... أدني إليه عقاربا وأفاعيا
فضحك هشام وأمر له بجائزة.
وقال له هشام [٩] : حدثني عنك، قال: عرض لي البول فقمت بالليل أبول، فخرج مني صوت [فتشددت، ثم عدت فخرج مني صوت] [١٠] آخر فآويت إلى فراشي وقلت: يا أم الخيار، هل سمعت شيئا؟ قالت: لا والله ولا واحدة منهما، فضحك. وأم الخيار التي يقول فيها:
قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي دينا كله لم أصنع
стр. 2391
ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائة
فمن الحوادث فيها غزوة معاوية بن هشام الروم.
وفيها: وقع الطاعون بالشام.
وفيها: أصاب الناس بخراسان قحط شديد ومجاعة، فأعطى الجنيد رجلا درهما فاشترى به رغيفا، فقال: تشكون الجوع ورغيف بدرهم، لقد رأيتني بالهند وإن الحب من الحبوب لتباع عددا بالدراهم [١] .
وفيها: حج بالناس معاوية بن هشام بن إسماعيل وهو أمير مكة والطائف، وكان عمال الأمصار عمال السنة التي قبلها، غير أنه اختلف في عامل خراسان، فقال المدائني: الجنيد بن عبد الرحمن، وقال غيره: عمارة بن خريم المري، وإن الجنيد مات في هذه السنة فاستخلف عمارة. وأما المدائني فقال: مات الجنيد بن عبد الرحمن في سنة ست عشرة [ومائة] [٢] ، وهي السنة التي بعد هذه السنة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٦١٤- خيار بن خالد بن عبد الله بن معاذ، أبو نضلة المدلجي:
قاضي مصر لهشام بن عبد الملك، كان رجلا صالحا.
стр. 2392
٦١٥- عطاء بن أبي رباح، أبو محمد، واسم أبي رباح: أسلم المكي، وهو مولى الجنيد [١] :
ولد لسنتين مضتا من خلافة عثمان، وكان أسود شديد السواد، أعور أفطس أعرج، ثم عمي في آخر عمره، إلا أنه كان فصيحا عالما فقيها، أدرك أبا جحيفة وشهد جنازة زيد بن أرقم.
وروى عن ابن عمر، وابن عمرو، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وزيد بن خالد، وابن عباس، وابن الزبير.
روى عنه: عمرو بن دينار، والزهري، وقتادة، وأيوب.
وحج سبعين حجة، وكان ينادي في زمن بني أمية بمكة: لا يفت الناس إلا عطاء بن أبي رباح، فإن لم يكن فعبد الله بن أبي نجيح.
أَخْبَرَنَا محمد بْن أبي طاهر قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو محمد الجوهري قال: حدثنا أبو عمرو بن حيوية قال: حدثنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحسين بن الفهم قال:
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سلمة بن كهيل قال [٢] :
ما رأيت أحدا يريد بهذا العلم وجه الله غير هؤلاء الثلاثة: عطاء، وطاووس، ومجاهد.
عن معاذ بن سعيد [٣] قال: كنا عند عطاء بن أبي رباح فتحدث رجل بحديث فاعترض له آخر في حديثه، فقال عطاء: سبحان الله، ما هذه الأخلاق!؟ إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به، فأريه إني لا أحسن منه شيئا.
أَخْبَرَنَا إسماعيل بْن أَحْمَد السمرقندي قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو محمد بن أبي عثمان قال:
أخبرنا أبو الحسن بن الصلت قال: أخبرنا أبو الحسين بن المنادي قال: حدثنا الصاغاني قال: أخبرنا معلى بن عبيد [٤] قال:
стр. 2393
دخلنا على محمد بن سوقة فقال: أحدثكم بحديث لعله ينفعكم، فإنه قد نفعني، ثم قال: قال لنا عطاء بن أبي رباح: يا بني أخي، إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام، أتنكرون أن عليكم حافظين، أما يستحي أحدكم أن لو نشرت عليه صحيفته التي أملى صدر نهاره، كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه.
أخبرنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ الأَنْمَاطِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا جعفر بن أحمد قال: أخبرنا عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل الغراب قَالَ: أخبرنا أَبِي قَالَ: أخبرنا أحمد بن مروان المالكي قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق الحربي قَالَ: حدثنا الرياشي قال:
سمعت الأصمعي يقول:
دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك بن مروان وهو جالس على سريره وحواليه الأشراف من كل بطن، وذلك بمكة في وقت حجه في خلافته، فلما نظر إليه قام إليه وأجلسه معه على السرير وقعد بين يديه وقال له: يا أبا محمد، حاجتك؟ قال: يا أمير المؤمنين، اتق الله في حرم الله وحرم رسوله، فتعاهده بالعمارة، واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار فأنت بهم أجلست [١] هذا المجلس، واتق الله في أهل الثغور، فإنهم حصن المسلمين، وتعهد أمور المسلمين فإنك وحدك المسئول عنهم، واتق الله فيمن على بابك، ولا تغفل عنهم، ولا تغلق دونهم بابك. فقال له: أفعل. ثم نهض فقبض عليه عبد الملك فقال: يا أبا محمد، إنما سألتنا حوائج غيرك، وقد قضيناها، فما حاجتك؟ فقال: ما لي إلى مخلوق حاجة. ثم خرج، فقال عبد الملك: هذا وأبيك الشرف، هذا وأبيك السؤدد.
أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق قال: حدثنا محمد بن مرزوق قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: حدثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْقُطَيْعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس الخراز قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أيوب سليمان بن إسحاق الجلاب قَالَ: قال إبراهيم الحربي:
كان عطاء عبدا أسود لامرأة من أهل مكة، وكان أنفه كأنه باقلاء.
قال: وجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه، فجلسوا إليه
стр. 2394
وهو يصلي، فلما صلى انفتل إليهما، فما زالوا [١] يسألونه عن مناسك الحج، وقد حول قفاه إليهم ثم قال سليمان لابنيه: قوما. فقاما، فقال: يا بني لا تنيا في طلب العلم، فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود.
أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الملك بْن خيرون قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ:
أخبرني أبو الحسن علي بن أيوب الكاتب قال: أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني قَالَ: حدثنا محمد بن أحمد الكاتب قَالَ: حدثنا عبد الله بن أبي سعيد الوراق قال: حدثنا عمرو بن شبة قال: حدثني سعيد بن منصور الرقي قال: حدثني عثمان بن عطاء الخراساني قال:
انطلقت مع أبي وهو يريد هشام بن عبد الملك، فلما قربنا إذا بشيخ أسود على حمار، عليه قميص دنس، وجبة دنسة، وقلنسوة لاطية دنسة، وركاباه من خشب.
فضحكت وقلت لأبي: من هذا الأعرابي؟ قال: اسكت، هذا سيد فقهاء أهل الحجاز، هذا عطاء بن أبي رباح. فلما قرب نزل أبي عن بغلته، ونزل هو عن حماره، فاعتنقا وتسالا، ثم عادا فركبا فانطلقا حتى وقفا بباب هشام، فلما رجع أبي سألته، فقلت:
حدثني ما كان منكما. قال: لما قيل لهشام عطاء بن أبي رباح [بالباب] [٢] أذن له، فو الله ما دخلت إلا بسببه. فلما رآه هشام قال: مرحبا مرحبا هاهنا هاهنا. فرفعه حتى مست ركبته ركبه، وعنده أشراف الناس يتحدثون، فسكتوا. فقال هشام: ما حاجتك يا أبا محمد؟ قال: يا أمير المؤمنين، أهل الحرمين، أهل الله، وجيران رسول الله ﷺ يقسم فيهم أعطياتهم وأرزاقهم، قال: نعم، يا غلام اكتب لأهل المدينة وأهل مكة بعطاءين وأرزاقهم لسنة، ثم قال: هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل الحجاز، وأهل نجد، أصل العرب، ترد فيهم [فضول] [٣] صدقاتهم قال: نعم، يا غلام أكتب بأن ترد فيهم صدقاتهم. قال: هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال:
نعم يا أمير المؤمنين، أهل الثغور يرمون من وراء بيضتكم، ويقاتلون عدوكم، قد أجريتم لهم أرزاقا تدرها عليهم، فإنهم إن هلكوا أغرتم. قال: نعم، اكتب بحمل
стр. 2395
أرزاقهم إليهم يا غلام، هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل ذمتكم يحيى صغارهم ولا يتعتع كبارهم، ولا يكلفون إلا ما يطيقون. قال:
نعم، اكتب لهم يا غلام [١] ، هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، اتق الله في نفسك، فإنك خلقت وحدك، وتموت وحدك، وتحشر وحدك، وتحاسب وحدك، ولا والله ما معك ممن ترى أحدا. قال: فأكب هشام وقام عطاء، فلما كان عند الباب إذا رجل قد تبعه بكيس ما أدري ما فيه، أدراهم أم دنانير. فقال: إن أمير المؤمنين أمر لك بهذا. فقال: لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على رب العالمين.
قال: ثم خرج عطاء، فلا والله ما شرب عنده حسوة من ماء فما فوقه.
توفي عطاء في هذه السنة. وقيل: سنة أربع عشرة. وهو ابن ثمان وثمانين سنة.
وقيل: بل عاش مائة سنة.
٦١٦- عمرو بن مروان بن الحكم، أبو حفص:
لم يكن في بني أمية بمصر في أيامه أفضل منه. كان خلفاء بني أمية يكتبون إلى أمراء مصر لا تعصوا له أمرا. وكان يأتي عجائز كنّ في خراب المعافر، فيدفع إليهن ما يكفيهن طوال السنة.
روى عنه: يزيد بن أبي حبيب وغيره.
стр. 2396
ثم دخلت سنة ست عشرة ومائة
فمن الحوادث فيها:
غزوة معاوية بن هشام أرض الروم الصائفة.
وفيها: وقع طاعون عظيم شديد بالعراق والشام، وكان أشده بواسط.
وفيها: ولى هشام على خراسان عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي، فلما قدم حبس عمارة بن خزيم الذي استخلفه الجنيد وجميع [١] عمال الجنيد وعذبهم.
وفيها: خرج الحارث بن شريح فقال: ادعوا إلى كتاب الله والسنة [٢] ، والبيعة البيضاء، فمضى إلى بلخ وعليها نصر، فلقيهم نصر في عشرة آلاف، والحارث في أربعة آلاف، فهزم أهل بلخ، ومضى نصر إلى مرو، فأقبل الحارث إليها وقد غلب على بلخ، والجوزجان، والفارياب [٣] ، والطالقان، ومروالروذ، وبلغ عاصم بن عبد الله أن أهل مرو يكاتبون الحارث، فأجمع على الخروج وقال: يا أهل خراسان، قد بايعتم الحارث بن شريح لا يقصد مدينة إلا خليتموها له، أنا لاحق بأرض قومي وكاتب منها إلى أمير المؤمنين حتى يمدني بعشرين ألفا من أهل الشام. فقال أصحابه: لا نخليك.
وحلفوا له بالطلاق أننا نقاتل معك. وأقبل الحارث إلى مرو في ستين ألفا، وعليه السواد ومعه فرسان الأزد وتميم والدهاقين، واقتتلوا قتالا شديدا، ثم هزم الله الحارث، وكان
стр. 2397
يرى رأي المرجئة، ثم عاد الحارث لمحاربة عاصم، فكتب عاصم بينه وبينه كتابا على أن ينزل الحارث أي كور خراسان شاء، وعلى أن يكتبوا جميعا إلى هشام يسألونه كتاب الله وسنة نبيه، فإن أبى أجمعوا أمرهم جميعا عليه، فأشار بعض الناس بمحو هذه الصحيفة، ثم عادوا إلى القتال.
وفي هذه السنة: حج بالناس الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وهو ولي عهده، وكانت عمال الأمصار في هذه السنة الذين كانوا في الذي قبلها إلا ما كان من خراسان، فإن عاملها كان عاصم بن عبد الله الهلالي.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٦١٧- حمزة بن بيض الحنفي [١] :
شاعر مجيد. قال المأمون للنضر بن شميل: أي بيت أطيب؟ قال: قول حمزة بن بيض:
تقول لي والعيون هاجعة ... أقم علينا يوما فلم أقم
أي الوجوه انتجعت قلت لها ... وأي وجه إلا إلى الحكم
متى تقل حاجبا سرادقه ... هذا ابن بيض بالباب يبتسم
انقطع إلى المهلب بن أبي صفرة، ثم إلى ولده، ثم إلى أبان بن الوليد، ثم إلى بلال بن أبي برزة، واكتسب بالشعر مالا عظيما، مدح مخلد بن يزيد بن المهلب، وهو يخلف أباه على خراسان، فأعطاه مائة ألف درهم، ودخل على يزيد بن المهلب السجن، فأنشده:
أغلق دون السماح والجود والنجدة ... باب حديد مفتاحه أشب [٢]
يرون سبق الجواد في مهل ... وقصرت دون سعيك الرتب
فقال: يا حمزة، أسأت إذ نوهت باسمي في غير وقت تنويه، ثم رمى إليه بحزمة مصرورة وعليه صاحب خبر واقف. وقال: خذ هذا الدينار، فو الله ما أملك غيره. فأخذه
стр. 2398
حمزة وأراد أن يرده عليه. فقال له سرا: خذه ولا تخدع عنه، فإذا فص ياقوت أحمر، فخرج إلى خراسان فباعه بثلاثين ألفا، فلما قبضها قال له المشتري: والله لو أبيت إلا خمسين ألف درهم لأخذته منك. فضاق صدره فأعطاه مائة دينار أخرى.
٦١٨- حفصة بنت سيرين [١] :
قرأت القرآن وهي بنت اثنتي عشرة سنة، وكانت تختم كل يومين، وتصوم الدهر، وتقوم الليل.
أنبأنا علي بن عبيد الله قال: أنبأنا جعفر بن المسلمة قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين ابْن أخي ميمي قال: أخبرنا أبو مسلم بن مهدي قال: حدثنا أبو بكر محمد بن قارن قال:
حدّثنا علي بن الحسن الفسنجاني قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مخلد بن الحسين، عن هشام بن حسان قال:
ما رأيت أحدا بالبصرة أفضله على حفصة ختمت القرآن وهي بنت اثنتي عشرة سنة، وماتت وهي بنت اثنتين وتسعين سنة، وكانت تتوضأ ارتفاع النهار وتدخل مسجدها في بيتها، فلا تخرج منه إلى مثلها من الغد، وكان يأتيها أنس بن مالك، وأبو العالية مسلمون عليها.
أخبرنا ابن ناصر قال: أنبأنا جعفر بن أَحْمَد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ علي الثوري قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الدَّقَّاق قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن صفوان قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بن عبيد قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثني صالح قال: حدثنا ضراب بن عمرو، عن هشام قال:
كانت حفصة تسرج سراجها من الليل ثم تقوم في مصلاها، فربما طفئ السراج فيضيء لها البيت حتى تصبح.
قال الرياشي: حدثني ابن عائشة، عن سعيد بن عامر، عن هشام قال: قالت حفصة بنت سيرين:
بلغ من بر ابني الهذيل بي أنه كان يكسر القصب في الصيف فيوقد لي في الشتاء.
стр. 2399
قال: لئلا يكون له دخان. قالت: وكان يحلب ناقته بالغداة فيأتيني به فيقول: اشربي يا أم الهذيل، فإن أطيب اللبن ما بات في الضرع. ثم مات فرزقت عليه من الصبر ما شاء أن يرزقني، فكنت أجد مع ذلك حرارة في صدري لا تكاد تسكن. قالت: فأتيت ليلة من الليالي على هذه الآية: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) ١٦: ٩٦ [١] فذهب عني ما كنت أجد.
٦١٩- عمرو بن مرة الجملي [٢] :
[روي] [٣] عن سعيد بن سنان قال: قال عمرو بن مرة: ما أحب أني بصير أذكر أني نظرت نظرة وأنا شاب.
أسند عمرو عن عبد الله بن أبي أوفى.
وتوفي في هذه السنة. وقيل: سنة ثمان عشرة.
٦٢٠- مكحول الشامي، أبو عبد الله [٤] :
كان عبدا لعمرو بن سعيد بن أبي العاص، فوهبه لرجل من هذيل، وكان عالما فقيها، ورأى أنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وأبا أمامة، وعنبسة بن أبي سفيان.
وسمع من معاوية حديثا عن رسول الله ﷺ ، وتوفي في هذه السنة. وقيل: سنة ثلاث عشرة.
أَخْبَرَنَا مَوْهُوبُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بن أحمد بن البسري قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن المخلص قال: حدثنا أحمد بن نصر بن يحيى قال: حدثنا علي بن عثمان الحراني قال: حدثنا أبو مسهر قال: حدثنا سعيد قال:
لم يكن في زمان مكحول أبصر بالفتيا منه، وكان لا يفتي حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، ويقول: هو رأي والرأي يخطئ ويصيب. وما أدركنا أحسن
стр. 2400
سمتا في العبادة من مكحول وربيعة بن يزيد. وكان له خاتم لا يلبسه، وكان عليه مكتوب: أعذ مكحولا من النار [١] .
٦٢١- هشام بن الربيع بن زرارة بن كثير بن خباب، أبو حية النميري:
شاعر مجيد فصيح، كان أبو عمرو بن العلاء يقدمه، [أدرك الدولتين الأموية والعباسية] [٢] ، إلا أنه كان فيه هوج وجبن، وكان يصرع في أوقات.
قال ابن قتيبة: كان من أكذب الناس، يحدث أنه يخرج إلى الصحراء فيدعو الغربان فتقع حوله، فيأخذ منها ما شاء، فقيل له: يا أبا حية، أفرأيت إن أخرجناك إلى الصحراء تدعوها [٣] فلم تأتك، فماذا نصنع بك؟ قال: أبعدها الله إذن.
وكان له سيف يسميه لعاب المنية، ليس بينه وبين الخشبة شيء [٤] ، فحدث جارا له قال: دخل ليلة إلى بيته كلب فظنه لصا، فانتضا سيفه وقال: أيها المغتر بنا، المجترئ علينا، بئس والله ما اخترت لنفسك، سيف صقيل لعاب المنية الذي سمعت به، أخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك. فإذا الكلب قد خرج، فقال:
الحمد للَّه الذي مسخك كلبا، وكفانا حربا.
стр. 2401
ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائة
فمن الحوادث فيها:
غزوة ابن هشام الصائفة اليسرى، وسليمان بن هشام الصائفة اليمنى من نحو الجزيرة وفرق سراياه في أرض الروم.
وفيها: بعث مروان بن محمد وهو على أرمينية بعثين، فافتتح أحدهما حصونا ثلاثة، وصولح الآخر.
وفيها: عزل هشام بن عبد الملك عاصم بن عبد الله عن خراسان، وضمها إلى خالد بن عبد الله، فولاها أخاه أسد بن عبد الله. وقال المدائني: كان هذا في سنة ست عشرة.
وكان السبب: أن عاصما كتب إلى هشام: أما بعد، يا أمير المؤمنين، فإن الرائد لا يكذب أهله، وقد كان من أمر أمير المؤمنين إلي ما تحقق به علي نصيحته، وإن خراسان لا تصلح إلا أن تضم إلى صاحب العراق، فيكون موادها ومعونتها في الأحداث والنوائب من قرب لتباعد أمير المؤمنين عنها، فولى أسد بن عبد الله، فقدم فحبس عاصما، وأخذه بمائة ألف، ووجه عبد الرحمن بن نعيم العامري في أهل الكوفة وأهل الشام في طلب الحارث بن شريح، وسار أسد إلى آمد فحاصرهم، ونصب المجانيق عليهم.
وفيها: أخذ أسد بن عبد الله جماعة من دعاة بني العباس، فقتل بعضهم، ومثل ببعضهم، وحبس بعضهم، وكان فيهم موسى بن كعب، فأمر به فألجم بلجام حمار، ثم
стр. 2402
جذب اللجام فتحطمت أسنانه [١] ، ثم دق أنفه، ووجئ لحياه، وكان فيهم لاهز بن قريظ، فضربه ثلاثمائة سوط، ثم خلى سبيلهم.
وفيها: حج بالناس خالد بن عبد الملك، وكان العامل فيها على المدينة، وعلى مكة، وعلى الطائف: محمد بن هشام بن إسماعيل. وعلى العراق والمشرق: خالد بن عبد الله القسري، وعلى أرمينية وأذربيجان: مروان بن محمد بن مروان بن الحكم.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٦٢٢- بلال بن سعيد:
كان عند أهل الشام كالحسن عند أهل البصرة.
وأسند عن ابن عمر، وجابر في آخرين.
عن الأوزاعي قال: سمعت بلال بن سعيد يقول: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى من عصيت.
٦٢٣- سكينة بْنت الحسين بْن عَلِيّ بْن أبي طالب [٢] :
واسمها: آمنة، وقيل: أميمة. وسكينة لقب عرفت به، وأمها الرباب بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس الكلبي. كان نصرانيا فجاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فأسلم، فدعا له برمح، فعقد له على من أسلم بالشام من قضاعة، فتولى قبل أن يصلي صلاة، وما أمسى المساء حتى خطب إليه الحسين بن علي ابنته الرباب، فزوجه إياها، فأولد عبد الله وسكينة، وكان الحسين ﵇ يقول:
لعمرك إنني لأحب دارا ... تكون بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل جل مالي ... وليس بعاتب عندي عتاب
ولست لهم وإن عابوا مطيعا ... حياتي أو يغيبني الركاب
وكانت سكينة من الجمال والأدب والفصاحة بمنزلة عظيمة، كان منزلها مألف الأدباء والشعراء، وتزوجت عبد الله بن الحسن بن علي فقتل بالطائف قبل أن يدخل
стр. 2403
بها، ثم تزوجها مصعب بن الزبير ومهرها ألف ألف درهم، وحملها إليه أخوها علي بن الحسين، فأعطاه أربعين ألف دينار، فولدت له الرباب، فكانت تلبسها اللؤلؤ وتقول: ما ألبسها إياه إلا لتفضحه. وخطبها عبد الملك بن مروان فقالت أمها: لا والله، لا تتزوجه أبدا، وقد قتل ابن أخي مصعبا، فتزوجها الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان، وكان يتولى مصر، فنفس بها عليه عبد الملك، وكتب إليه: اختر مصر أو سكينة. فطلقها قبل أن يدخل بها، ومتعها بعشرين ألف دينار، وخلف عليها بعد مصعب: عبد الله بن عثمان ابن عبد الله بن الحكم، فولدت له حكيما، وعثمان، وزبيحة، وكانت عنده قبلها فاطمة بنت عبد الله بن الزبير، فلما خطب سكينة أحلفته بطلاقها أن لا يؤثر عليها فاطمة. ثم اتهمته أن يكون آثرها، فاستعدت عليه هشام بن إسماعيل والي المدينة، فاستحلفه ثم أمر برد سكينة عليه، فبعث إليها: أمرك الآن بيدك. فبعثت إليه: إنا ما ظننا أنا قد هنا عليك هذا الهوان، إنما يلجلج في نفسي شيء، وخفت المأثم فأما إذ برئت من ذلك فما أوثر عليك شيئا.
ثم خلف على سكينة زيد بن عمر بن عثمان، ثم خلف عليها إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وكانت ولية نفسها، فلم تنفذ نكاحه.
وقيل: حملت إليه إلى مصر فوجدته قد مات.
وروى علي بن الحسين الأصبهاني أن المدائني قال: حدثني أبو يعقوب الثقفي، عن الشعبي [١] :
أن الفرزدق خرج حاجا، فلما قضى حجه عدل إلى المدينة، فدخل إلى سكينة بنت الحسين فسلم، فقالت: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا، قالت: كذبت، أشعر منك الذي يقول:
بنفسي من تجنبه عزيز ... علي ومن زيارته لمام
ومن أمسي وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النيام
فقال: والله لو أذنت لي لأسمعنك أحسن منه. قالت: أقيموه. فأخرج ثم عاد إليها
стр. 2404
من الغد فدخل عليها، فقالت: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: كذبت صاحبك جرير أشعر منك حيث يقول:
لولا الحياء لهاجني استعبار ... ولزرت قبرك والحبيب يزار
كانت إذا هجر الضجيع فراشها ... كتم الحديث وعفت الأسرار
لا يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل يكر عليهم ونهار
فقال: والله إن أذنت أسمعتك أحسن منه. فأمرت به فأخرج، ثم عاد إليها في اليوم الثالث وحولها مولدات لها كأنهن التماثيل، فنظر الفرزدق إلى واحدة منهن فأعجب بها وبهت ينظر إليها، فقالت له سكينة: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت:
كذبت، صاحبك أشعر منك حيث يقول:
إن العيون التي في لحظها [١] مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا
أتبعتم مقلة إنسانها غرق ... هل ما ترى تارك للعين إنسانا [٢]
فقال: والله لئن تركتيني لأسمعنك أحسن منه. فأمرت بإخراجه، فالتفت إليها وقال: يا بنت رسول الله إن لي عليك حقا عظيما، صرت من مكة إرادة التسليم عليك، فكان جزائي من ذلك تكذيبي وطردي وتفضيل جرير علي، ومنعك إياي أن أنشدك شيئا من شعري، وبي ما قد عيل منه صبري، وهذه المنايا تغدو وتروح، ولعلي لا أفارق المدينة حتى أموت، فإذا مت فمري بي أن أدرج في كفني وأدفن في حر [٣] هذه الجارية- يعني التي أعجبته- فضحكت سكينة وأمرت له بالجارية. فخرج بها، وأمرت بالجواري، فدفعن في أقفيتهما، ونادته: يا فرزدق، احتفظ بها وأحسن صحبتها، فإني آثرتك بها على نفسي.
قال علي بن الحسين: وأخبرني ابن أبي الأزهر، قَالَ: حدثنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، عن محمد بن سلام قال:
стр. 2405
اجتمع في ضيافة سكينة بنت الحسين: جرير، والفرزدق، وكثير، وجميل، ونصيب، فمكثوا أياما، ثم أذنت لهم فدخلوا عليها، فقعدت حيث تراهم ولا يرونها وتسمع كلامهم، ثم أخرجت وصيفة لها وضية قد روت الأشعار والأحاديث. فقالت:
أيكم الفرزدق؟ قال لها: ها أنا ذا. فقالت: أنت القائل:
هما دلتاني من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا ... أحي فيرجى أم قتيل نحاذره [١]
قال: نعم. قالت: فما دعاك إلى إفشاء سرها وسرك، هلا سترتها وسترت نفسك، خذ هذه الألف والحق بأهلك. ثم دخلت على مولاتها وخرجت، فقالت: أيكم جرير؟ فقال: ها أنا ذا. فقالت: أنت القائل:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزيارة فارجعي بسلام
قال: نعم. قالت: فهلا رحبت بها! خذ هذه الألف وانصرف. ثم دخلت وخرجت فقالت: أفيكم كثير؟ قال: ها أنا ذا. قالت: أنت القائل:
فأعجبني يا عز منك خلائق ... كرام إذا عد الخلائق أربع
دنوك حتى يطمع الطالب الصبا ... ورفعك أسباب الهوى حين يطمع
فو الله ما يدري لريم مماطل ... أينساك إذ باعدت أم يتضرع
قال: نعم. قالت: ملحت وشكلت، خذ هذه الألف والحق بأهلك. ثم دخلت وخرجت فقالت: أيكم نصيب؟. قال: ها أنا ذا. قالت: أنت القائل:
ولولا أن يقال صبا نصيب ... لقلت بنفسي النساء الصغار
بنفسي كل مهضوم حشاها ... إذا ظلمت فليس لها انتصار
قال: نعم. قالت: رثيتنا صغارا ومدحتنا كبارا، خذ هذه الأربعة آلاف والحق بأهلك. ثم دخلت وخرجت فقالت: يا جميل، مولاتي تقرئك السلام وتقول: والله ما زلت مشتاقة إلى رؤيتك منذ سمعت قولك:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادي القرى إني إذا لسعيد
لكل حديث بينهن بشاشة ... وكل قتيل بينهن شهيد
стр. 2406
جعلت حديثنا بشاشة، وقتلانا شهداء، خذ هذه ألف دينار والحق بأهلك.
وعن حماد، عن أبيه، عن أبي عبيد الله الزبيري قال:
اجتمع رواية جرير، ورواية كثير، وراوية جميل، ورواية الأحوص، وراوية نصيب، فافتخر كل واحد منهم بصاحبه وقال: صاحبي أشعر. فحكموا سكينة بنت الحسين لما يعرفون من عقلها وبصرها بالشعر، فاستأذنوا عليها فأذنت، فذكر لها الذي كان من أمرهم فقالت لراوية جرير: أليس صاحبك يقول:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزيارة فارجعي بسلام
فأي ساعة أحلى للزيارة من الطروق قبح الله صاحبك وقبح شعره، ألا قال:
فادخلي بسلام!؟
ثم قالت لراوية كثير: أليس صاحبك الذي يقول:
تقر بعيني ما تقر بعينها ... وأحسن شيء ما به العين قرت
وليس بعينها أقر من النكاح، أفيحب صاحبك أن ينكح، قبح الله صاحبك وقبح شعره.
ثم قالت لراوية جميل: أليس صاحبك الذي يقول:
فلو تركت عقلي معي ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي
فما أرى صاحبك هوي، إنما يطلب عقله، قبح [الله] [١] صاحبك وقبح شعره.
ثم قالت لراوية نصيب: أليس صاحبك الذي يقول:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فوا حزنا من ذا يهيم بها بعدي
فما أرى له همة إلا من يتعشقها بعده، قبحه الله وقبح شعره، ألا قال:
أهيم بدعد ما حييت وإن أمت ... فلا صلحت دعد لذي حيلة بعدي
ثم قالت لراوية الأحوص: أليس صاحبك الذي يقول:
من عاشقين تواعدا وتراسلا ... حتى إذا نجم الثريا حلقا
стр. 2407
باتا بأنعم ليلة وألذها ... حتى إذا وضح الصباح تفرقا
قال: نعم. قالت: قبحه الله وقبح شعره، ألا قال: «تعانقا» .
فلم تثن على أحد يومئذ ولم تقدمه.
وفي رواية أخرى: قالت لراوية جميل: أليس صاحبك الذي يقول:
فيا ليتني أعمى أصم تقودني ... بثينة لا يخفى علي كلامها
قال: نعم. قالت: رحم الله صاحبك، فإنه كان صادقا في شعره، وكان كاسمه.
فحكمت له.
توفيت سكينة بمكة يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الأول من هذه السنة، وصلى عليها شيبة بن نصاح المقرئ.
٦٢٤- عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [١] بْنِ أَبِي مليكة بن عبد الله بن جدعان التيمي، من تيم قريش، واسم أبي مليكة زهير [٢] :
وكان ابن جدعان أحد الأجواد، وكان ماله عظيما، وكانت له جفنة مباحة، فلما أسن حجر عليه رهطه، فإذا أعطى رجعوا على المعطي فأخذوه منه، فكان إذا جاءه سائل قال له: كن مني قريبا حتى ألطمك ولا ترضى مني إلا أن تلطمني [٣] ، أو تفدى بلطمتك بفداء رغيب. فلما أعلم أهله بذلك خلوا بينه وبين ماله.
وكان ابن جدعان يقول:
إني وإن لم ينل مالي مدى خلقي ... وهاب ما ملكت كفاي من مال
لا أحبس المال إلا حيث أتلفه ... ولا يغيرني حال على حال
وكان ابن أبي مليكة فقيها، رأى ثلاثين صحابيا. وتوفي في هذه السنة.
стр. 2408
٦٢٥- عبدة بن أبي لبابة، أبو القاسم [١] :
سمع من عبد الله بن عمر. قال الأوزاعي: قال عبدة: إن أقرب الناس من الرياء منهم له.
٦٢٦- عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي [٢] :
عن علي ابن أبي جميلة قال: قال عبد الله بن أبي زكريا: عالجت الصمت عما لا يعنيني عشرين سنة قبل أن أقدر منه على ما أريد. قال: وكان لا يدع أحدا يغتاب في مجلسه أحدا، يقول: إن ذكرتم الله أعناكم، وإن ذكرتم الناس تركناكم.
أسند عبد الله عن عبادة، وأبي الدرداء. وتوفي في هذه السنة.
٦٢٧- علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أبو محمد [٣] :
أمه زرعة بنت مسرح، ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب ﵇ في رمضان سنة أربعين، فسمي باسمه، وكني بكنيته، فقال له عبد الملك [بن مروان] [٤] : لا أحتمل بك الاسم والكنية. فغير كنيته، فكني أبا محمد.
وكان أجمل قرشي على وجه الأرض، وأكثر صلاة، كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكان يصبغ بالسواد.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال: أخبرنا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أحمد بْن عَبْد اللَّه قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي قال: حدثني محمد بن زكريا قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن التيمي قال:
حدثني أبي عن هشام بن سليمان المخزومي:
أن علي بن عبد الله بن العباس كان إذا قدم مكة حاجا أو معتمرا عطلت قريش مجالسها في البيت الحرام، وهجرت مواضع حلقها، ولزمت مجلس علي بن عبد الله
стр. 2409
إعظاما وإجلالا وتبجيلا، فإن قعد قعدوا، وإن نهض نهضوا، وإن مشى مشوا جميعا حوله، وكان لا يرى لقرشي في المسجد الحرام مجلس ذكر يجتمع إليه فيه حتى يخرج علي بن عبد الله من الحرم.
توفي علي بالشام في هذه السنة. وقيل: في سنة ثماني عشرة.
٦٢٨- علي بن رباح بن قصير، أبو عبد الله اللخمي: [١]
ولد سنة خمس عشرة، عام اليرموك، وكان أعور، ذهبت عينه يوم ذي الصواري في البحر مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة أربع وثلاثين، وكان يفد لليمانية من أهل مصر على عبد الملك بن مروان، وكانت له منزلة من عبد العزيز بن مروان [٢] ، وهو الذي زف أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان إلى الوليد بن عبد الملك ثم عتب عليه عبد العزيز فأغزاه إفريقية، فلم يزل بها حتى توفي في هذه السنة. وقيل: سنة أربع عشرة ومائة.
٦٢٩-[عمران بن ملحان، أبو رجاء العطاردي [٣] :
تميمي مخضرم، ولد قبل الهجرة بإحدى عشرة سنة، توفي في هذه السنة وقد بلغ مائة وثماني وعشرين سنة] .
٦٣٠- فاطمة بْنت الحسين بْن عَلِيّ بْن أبي طالب ﵃ [٤] :
أمها أم إسحاق بْنت طلحة بْن عبيد اللَّه تزوجها الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فولدت له عبد الله، ثم مات عنها فتزوجها عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان.
أَنْبَأَنَا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قال:
стр. 2410
أَبُو طَاهِرٌ الْمُخَلِّصُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطوسي قال: حدثنا الزبير بن بكار قَالَ:
كَانَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃ قَدْ خَطَبَ إِلَى عَمِّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَقَالَ له الحسين: يا ابن أَخِي، قَدِ انْتَظَرْتُ هَذَا مِنْكَ، انْطَلِقْ مَعِي.
فَخَرَجَ حَتَّى أَدْخَلَهُ مَنْزِلَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ [إِلَيْهِ] [١] بنتيه: فَاطِمَةَ، وَسُكَيْنَةَ، فَقَالَ: اخْتَرْ.
فَاخْتَارَ فَاطِمَةَ، فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا، وَكَانَ يُقَالُ: إِنَّ أَمْرَ سُكَيْنَةَ مَرْدُودٌ إِلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَمُنْقَطِعَةٌ. وَلَمَّا حَضَرَتِ الْحَسَنَ بْنَ الْحَسَنِ الْوَفَاةُ قَالَ لِفَاطِمَةِ: إِنَّكِ امْرَأَةٌ مَرْغُوبٌ فِيكِ، وَكَأَنِّي بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عثمان إذا خرج بجنازتي قَدْ جَاءَ عَلَى فَرَسِهِ مُرَجِّلا جُمَّتَهُ، لابِسًا حُلَّتَهُ، يَسِيرُ فِي جَانِبِ النَّاسِ يَتَعَرَّضُ لَكِ، فَأَنْكِحِي مَنْ شِئْتِ سِوَاهُ، فَإِنِّي لا أَدَعُ مِنَ الدُّنْيَا وَرَائِي هَمًّا غَيْرَكِ. فَقَالَتْ لَهُ: أَنْتَ آمنُ مِنْ ذَلِكَ. وَأَثْلَجَتْهُ بِالأَيْمَانِ مِنَ الْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ أَنْ لا تَتَزَوَّجَهُ. وَمَاتَ الْحَسَنُ، وَخَرَجَ بِجِنَازَتِهِ، فَوَافَاهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ فِي الْحَالِ الَّتِي وَصَفَ الْحَسَنُ، وَكَانَ يُقَالُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ:
الْمُطَرّفُ- مِنْ حُسْنِهِ- فَنَظَرَ إِلَى فَاطِمَةَ حَاسِرَةً تَضْرِبُ وَجْهَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا: إِنَّ لَنَا فِي وَجْهِكِ حَاجَةً، فَارْفُقِي بِهِ. فَاسْتَرْخَتْ يَدَاهَا، وَعَرَفَ ذَلِكَ فِيهَا، وَخَمَّرَتْ وَجْهَهَا، فَلَمَّا حَلَّتْ أَرْسَلَ إِلَيْهَا يَخْطُبُهَا، فَقَالَتْ: كَيْفَ بِيَمِينِي الَّتِي حَلَفْتُ بِهَا؟ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا: لَكِ بِكُلِّ مَمْلُوكٍ مَمْلُوكَانِ، وَعَنْ كُلِّ شَيْءٍ شَيْئَانِ، فَعَوَّضَهَا مِنْ يَمِينِهَا، فَنَكَحَتْهُ، وَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا، وَالْقَاسِمَ، وَرُقَيَّةَ.
وكان عبد الله بن الحسن يقول: ما أبغضت بغض عبد الله بن عمرو أحدا، ولا أحببت حب ابنه محمد أحدا.
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أخبرنا محمد بن الحسين القطان قال: أخبرنا محمد بن الحسن النقاش: أن الحسن بن سفيان أخبرهم قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: أخبرنا محمد بن معن الغفاري قال:
حدثني محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال:
جمعتنا أمنا فاطمة بنت الحسين بن علي، فقالت: يا بني، والله ما نال أحد من
стр. 2411
أهل السفه بسفههم شيئا، ولا أدركوه من لذاتهم إلا وقد نالوه أهل المروءات بمروءاتهم، فاستتروا بجميل ستر الله.
٦٣١- قتادة بن دعامة، أبو الخطاب السدوسي [١] :
أسند عن أنس، وعبد الله بن سرخس، وحنظلة الكاتب، وأبي الطفيل. وكان يرسل الحديث عن الشعبي ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي قلابة، ولم يسمع منهم.
وسأل سعيد بن المسيب وأكثر، فقال له: أكل ما سألتني عنه تحفظه؟ قال: نعم، سألتك عن كذا فقلت كذا، وعن كذا فقلت كذا. قال سعيد: ما ظننت أن الله خلق مثلك.
وكان يقول: ما سمعت أذناي شيئا إلا وعاه قلبي.
وروى شهاب بن [٢] خراش عن قتادة، قال: باب من العلم يحفظه الرجل يطلب به صلاح نفسه وصلاح الناس أفضل من عبادة حول كامل.
٦٣٢- ميمون بن مهران، أبو أيوب، مولى بني النضر بن معاوية:
كان مكاتبا لهم، وأدى كتابته وعتق، وكان بزازا، وتشاغل بالعلم، وسأل ابن المسيب عن دقائق العلوم، استعمله عمر بن عبد العزيز على خراج الجزيرة. ومولده سنة أربعين، [توفي في هذه السنة] [٣] . وأسند عن ابن عمر، وابن عباس وغيرهما، وكان ثقة.
أخبرنا علي بن محمد بن حسون بإسناد له عن عيسى بن كثير الأسدي، قال:
مشيت مع ميمون بن مهران حتى إذا أتى باب داره ومعه ابنه عمرو، فلما أردت أن أنصرف قال له عمرو: يا أبت، ألا تعرض عليه العشاء، قال: ليس ذاك من نيتي.
٦٣٣- موسى بن وردان، مولى عبد الله بن أبي سرح العامري يكنى أبا عمر:
سمع من سعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم من
стр. 2412
الصحابة. روى عنه الليث بن سعد وغيره، وكان يقص بمصر. توفي في هذه السنة.
٦٣٤- نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الله:
أصابه عبد الله في غزاته. وقد روى عنه وعن أبي هريرة، والربيع بنت مسعود وغيرهم. وكان ثقة. وبعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر يعلمهم السنن.
توفي في هذه السنة.
٦٣٥- أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان، أخت عمر [﵁] :
كانت من الأجواد الكرماء، و [كانت] [١] تقول: لكل قوم نهمة في شيء، ونهمتي في العطاء.
وكانت تعتق كل جمعة رقبة وتحمل على فرس في سبيل الله .
أخبرنا المحمدان ابن ناصر، وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا جعفر بن أَحْمَد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن علي التوزي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الدَّقَّاق، قال:
أخبرنا أبو علي بْن صفوان، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر القرشي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن علي بن عبد العزيز الجزري، عن ضمرة بن ربيعة، عن علي بن أبي جميلة، قال:
سمعت أم البنين بنت عبد العزيز تقول:
أف للبخل، لو كان قميصا ما لبسته، ولو كان طريقا ما سلكته.
قال القرشي: وحدثني محمد بن الحسن، قال: حدثني مروان بن محمد بن عبد الملك، قال: دخلت عزة على أم البنين، فقالت لها ما يقول كثير:
قضى كل ذي دين علمت غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها
ما كان هذا الدين يا عزة؟ فاستحيت فقالت: علي ذاك. قالت: كنت وعدته قبلة فحرجت منها، فقالت أم البنين: أنجزيها له وإثمها علي.
قال يوسف: وحدثني رجل من بني أمية يكنى أبا سعيد، قال: بلغني أن أم البنين أعتقت لكلمتها هذه أربعين رقبة، وكانت إذا ذكرتها بكت وقالت: يا ليتني خرست ولم أتكلم بها.
стр. 2413
ثم دخلت سنة ثماني عشرة ومائة
فمن الحوادث فيها غزوة معاوية وسليمان ابني هشام بن عبد الملك الروم.
وفيها: وجه بكير بن ماهان عمار بن يزيد إلى خراسان واليا على شيعة بني العباس [١] وغير اسمه وتسمى بخداش، ودعا إلى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ [بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس] [٢] فتسارع الناس إليه وسمعوا وأطاعوا، ثم غير ما دعاهم إليه وكذب [٣] وأظهر دين الخرمية [٤] ، ورخص لبعضهم في نساء بعض وأخبرهم أن ذلك عن أمر محمد بن علي، فبلغ خبره إلى أسد بن عبد الله، فوضع عليه العيون حتى ظفر به، فأمر به فقطعت يده، وقلع لسانه، وسملت عينه وقتله وصلبه بآمل.
وفيها: اتخذ أسد مدينة بلخ دارا، ونقل إليها الدواوين، واتخذ المصانع، ثم غزا طخارستان، ففتح وأصاب وسبى [٥] .
وفيها: عزل خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم عن المدينة، واستعمل عليها محمد بن هشام بن إسماعيل، وجاء كتاب إلى أبي بكر بن حزم يوم عزل خالد عن
стр. 2414
المدينة. بإمرته [١] فصعد المنبر وصلى بالناس ستة أيام، ثم قدم محمد بن هشام من مكة عاملا على المدينة.
وفيها: حج بالناس محمد بن هشام [٢] وهو أمير مكة والمدينة والطائف. قاله الواقدي.
وقال غيره: إنما كان عامل المدينة في هذه السنة خالد بن عبد الملك. وكان على العراق خالد بن عبد الله وإليه [٣] المشرق، وعامله على خراسان أخوه [٤] أسد بن عبد الله، وعامله على [٥] أرمينية وآذربيجان مروان بن محمد، وعلى البصرة وأحداثها وقضائها والصلاة بأهلها بلال بن أبي بردة.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بْن عَبْد الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر أحمد بن محمد المنكدري، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بن الصلت، قال: حدثنا أبو بكر بن الأنباري، قال: حَدَّثَني أبي، قال: حدثنا [٦] أحمد بن عبيد، قال:
أخبرنا المدائني، قال:
نظر مالك بن دينار إلى رجل قد اشترى سمكة بستة دراهم، وثيابه تساوي ثلاثة دراهم، فقال: يا هذا، اشتريت سمكة بستة دراهم وثيابك لعلها تساوي ثلاثة دراهم، فقال له: يا أبا يحيى لست أريدها لنفسي إنما اشتريتها للأمير الظالم الذي يطالبنا بما لا نطيق- وذكر له بلال بن أبي بردة- قال: فامض معي إليه، فمضى فاستأذن فأذن له، فقال له: يا ذا الرجل، أزل عن الناس ما تعتمده من الظلم، ولا تعرض لهذا البائس، قال: قد أزلت عنه المظلمة لمكانك يا أبا يحيى، ادع الله لي دعوة، قال: وما ينفعك أن أدعو لك وعلى بابك مائتان يدعون عليك.
стр. 2415
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٦٣٦- إياس بن سلمة بن الأكوع، أبو بكر الأسلمي [١] :
روى عن أبيه، توفي بالمدينة.
٦٣٧- ثابت بن أسلم، أبو محمد البناني البصري [٢] :
نسب إلى بنانة بنت القين بن حبشي تربى حاضنه، حضنت أولاد سعد بن لؤي، ونسب أولاده إليها.
أسند ثابت عن ابن عمر، وابن الزبير، وأنس وغيرهم. وكان متعبدا كثير الصلاة والصيام.
أخبرنا ابن ناصر، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ [أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو علي التميمي، قَالَ: أخبرنا أحمد بن جعفر بن] [٣] حمدان، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا [حَسَنُ بْنُ] [٤] موسى، قال: حدثنا أبو هلال، عن بكر ابن عبد [الله] [٥] ، قال:
من سره أن ينظر إلى أعبد رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى ثابت البناني، فما أدركنا الذي هو أعبد منه، تراه في يوم معمعاني [٦] بعيد ما بين الطرفين، يظل صائما، ويروح ما بين جبهته وقدمه.
قال أحمد: وحدثنا سيار، حدثنا جعفر، قال: سمعت ثابتا يقول:
ما تركت في المسجد الجامع سارية إلا وقد ختمت القرآن عندها وبكيت عندها.
стр. 2416
٦٣٨- حيّ بن يؤمن بن حجيل، أبو عشانة [١] المعافري [٢] :
حدث عنه أبو قبيل [٣] ، والليث، وابن لهيعة. وكان من العباد. [توفي في هذه السنة] [٤] .
٦٣٩- الحجاج بن فرافصة [٥] :
روى عن أنس، وكان من العباد المشتغلين.
أخبرنا علي بن عبيد [الله، قال] أخبرنا أبو محمد الصريفي، قال: أخبرنا أبو حفص الكتاني، قال: حدثنا أبو بكر النيسابوري، [قال] [٦] : حدثنا يوسف، قال: حدثنا محمد بن كثير، عن سفيان، قال:
بت عند الحجاج بن فرافصة اثنتي عشرة ليلة، ما رأيته أكل ولا شرب ولا نام.
٦٤٠- عبد الله بن عامر، أبو عبد الرحمن اليحصبي [٧] :
إمام أهل الشام في القراءة، قرأ على المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وقرأ المغيرة على عثمان. وروى ابن عامر عن واثلة، والنعمان بن بشير. وولي القضاء، وتوفي في هذه السنة.
стр. 2417
٦٤١- عبادة بن نسي [١] :
قاضي الأردن وسيد أهلها، رأى عقبة بن عامر الجهني، وأبا عبد الله الصنابحي.
[توفي في هذه السنة] [٢] .
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن هبة الله الطبري، قال: حدثنا محمد بن الحسين بْن الفضل، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن محمد بْن درستويه، قَالَ: حَدَّثَنَا يعقوب بْن سفيان، قال: حدثني سعيد بن أسد، قال: حدثنا ضمرة، عن رجاء، قال:
كان بين رجل وبين عبادة بن نسي منازعة، فأسرع إليه الرجل فلقي رجاء بن حيوة، فقال: بلغني أن فلانا كان منه إليك فأخبرني، فقال: لولا أن تكون غيبة مني لأخبرتك بما كان منه.
٦٤٢- عروة بن أذينة، أبو عمر [٣] :
من بني ليث، وكان شريفا أديبا [ثبتا] [٤] يحمل عنه الحديث. وفد على هشام بن عبد الملك، فقال له: ألست القائل:
لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف [٥] يأتيني
أسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنيني
قال: بلى، قال: فما أقدمك علينا؟ قال: سأنظر في ذلك، وخرج فارتحل من ساعته. وبلغ ذلك هشاما فأتبعه بجائزته.
ووقفت عليه امرأة، فقالت: أنت الذي يقال عنك الرجل الصالح وأنت تقول:
إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... عمدت نحو سقاء القوم أبترد [٦]
стр. 2418
هذا يؤدي ببرد الماء طاهره [١] ... فمن لنار على الأحشاء تتقد
فو الله ما قال هذا صالح قط.
أخبرنا ابن ناصر الحافظ بإسناد له عن عبد الجبار بن سعيد، قال: مرت سكينة ومعها جواريها ليلة بالعقيق، فإذا هي بعروة بن أذينة، فقالت لجواريها: من في قصر ابن عنبسة جالس، فقلن لها: عروة بن أذينة، فمالت إليه فقالت: أنت يا أبا عامر تزعم أنك بريء وأنت الذي تقول:
قالت وقد أبثثتها وجدي فبحت به ... قد كنت ويحي تحت الستر فاستتر
ألست تبصر من حولي فقلت لها ... غطي هواك وما ألقى على بصري
هن أحرار إن كان خرج هذا من قلب سليم، فإن شئت أن تعتقهن فقل.
٦٤٣- أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني:
كان كثير التعبد دائم البكاء، قد جعلت الدموع في خديه طريقين.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ أَحْمَدَ، قال: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الصمد بن سعيد، قال: سمعت أبا أيوب قال: سمعت يزيد بن عبد ربه يقول:
عدت أبا بكر بن أبي مريم وهو في النزع، فقلت له: رحمك الله، لو جرعت جرعة ماء، فقال بيده لا، ثم جاء الليل فقال: إذن، فقلت: نعم، فقطرنا في فمه قطرة ماء ثم مات.
стр. 2419
ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائة
فمن الحوادث فيها غزوة الوليد بن القعقاع العبسي [أرض الروم] [١] .
وفيها: غزا أسد بن عبد الله فملأ يديه من السبي، ولقي خاقان ملك الترك فقتله، وقتل بشرا كثيرا من أصحابه وانصرف بغنائم كثيرة.
وكان الحارث بن شريح قد انضم إلى خاقان، فتبارزوا، فانهزم الحارث والترك وخاقان وتركوا قدورهم تغلي، وتبعهم الناس ثلاثة فراسخ يقتلون من قدروا عليه، واستاقوا من أغنامهم أكثر من خمسين ومائة ألف شاة ودواب كثيرة، ولحقهم أسد عند الظهر ووجل بخاقان برذونه، فحماه الحارث بن شريح، وبعث أسد بجواري الترك إلى دهاقين خراسان، واستنقذ من كان في أيديهم من المسلمين، ومضى خاقان إلى الجوزجان فارتحل أسد فنزل بها، فهرب خاقان ورجع أسد إلى بلخ، فلقوا خيل الترك التي كانت بمروالروذ منصرفة لتغير على بلخ، فقتلوا من قدروا عليه منهم، ثم رجع خاقان إلى بلاده وأخذ في الاستعداد للحرب ومحاصرة سمرقند، وحمل الحارث وأصحابه على خمسة آلاف برذون.
وأن خاقان لعب مع بعض الملوك بالنرد، فتنازعا فضرب ذلك الملك يد خاقان فكسرها، فحلف خاقان ليكسرن يده، فبيت خاقان فقتله، وبعث أسد إلى خالد بن
стр. 2420
عبد الله يخبره، فبعث إلى هشام يبشره بالفتح، فنزل هشام عن سريره فسجد سجدة الشكر.
وقد روي لنا في حديث طويل من أخبار هشام أنه جاءه الخبر أن خاقان قد خرج فاستباح أرمينية، فلما سمع ذلك ضرب مضربا وآلى ألا يكنه سقف بيت وأن لا يغتسل من جنابة حتى يفتح الله عليه. فأمر مسلمة فعسكر، فلما أصبح أذن للناس إذنا عاما فأخبرهم بما ورد من الخبر. وبعث إلى سعيد بن عمرو الحرشي [١] فأنفذه، فجعل لكل من معه علما في رمحه، فوصلوا ومع خاقان ثمانية عشر ألف أسير من المسلمين، فكبر المسلمون تكبيرة واحدة، فرأت الأسراء [٢] الأعلام، فعلموا أنها للمسلمين، فقطعوا أكتاف أنفسهم، وتناولوا خشبا كان الكفار قد جمعوه، فثار الكفار إلى خيلهم، فهذا بسرج، وهذا يركب. فلحقتهم خيول المسلمين، وأدرك خاقان فقتل واستبيح عسكرهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة وانهزم الباقون، وقتل ابن خاقان.
وفي هذه السنة [قتل المغيرة بن سعيد ومن معه] [٣]
خرج المغيرة بن سعيد [٤] وسار بظاهر الكوفة في نفر، فأخذهم خالد فقتلهم، وأما المغيرة فذكر أنه كان ساحرا.
قال الأعمش [٥] : سمعت المغيرة يقول: لو أراد علي ﵁ [٦] أن يحيي عادا وثمودا وقرونا بين ذلك كثيرا لأحياهم [٧] .
قال أبو نعيم [٨] : كان المغيرة قد نظر في السحر فأخذه خالد القسري فقتله.