← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

٦٣٨- حيّ بن يؤمن بن حجيل، أبو عشانة [١] المعافري [٢] : حدث عنه أبو قبيل [٣] ، والليث، وابن لهيعة. وكان من العباد. [توفي في هذه السنة] [٤] . ٦٣٩- الحجاج بن فرافصة [٥] : روى عن أنس، وكان من العباد المشتغلين. أخبرنا علي بن عبيد [الله، قال] أخبرنا أبو محمد الصريفي، قال: أخبرنا أبو حفص الكتاني، قال: حدثنا أبو بكر النيسابوري، [قال] [٦] : حدثنا يوسف، قال: حدثنا محمد بن كثير، عن سفيان، قال: بت عند الحجاج بن فرافصة اثنتي عشرة ليلة، ما رأيته أكل ولا شرب ولا نام. ٦٤٠- عبد الله بن عامر، أبو عبد الرحمن اليحصبي [٧] : إمام أهل الشام في القراءة، قرأ على المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وقرأ المغيرة على عثمان. وروى ابن عامر عن واثلة، والنعمان بن بشير. وولي القضاء، وتوفي في هذه السنة.

стр. 2417

٦٤١- عبادة بن نسي [١] : قاضي الأردن وسيد أهلها، رأى عقبة بن عامر الجهني، وأبا عبد الله الصنابحي. [توفي في هذه السنة] [٢] . أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن هبة الله الطبري، قال: حدثنا محمد بن الحسين بْن الفضل، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن محمد بْن درستويه، قَالَ: حَدَّثَنَا يعقوب بْن سفيان، قال: حدثني سعيد بن أسد، قال: حدثنا ضمرة، عن رجاء، قال: كان بين رجل وبين عبادة بن نسي منازعة، فأسرع إليه الرجل فلقي رجاء بن حيوة، فقال: بلغني أن فلانا كان منه إليك فأخبرني، فقال: لولا أن تكون غيبة مني لأخبرتك بما كان منه. ٦٤٢- عروة بن أذينة، أبو عمر [٣] : من بني ليث، وكان شريفا أديبا [ثبتا] [٤] يحمل عنه الحديث. وفد على هشام بن عبد الملك، فقال له: ألست القائل: لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف [٥] يأتيني أسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنيني قال: بلى، قال: فما أقدمك علينا؟ قال: سأنظر في ذلك، وخرج فارتحل من ساعته. وبلغ ذلك هشاما فأتبعه بجائزته. ووقفت عليه امرأة، فقالت: أنت الذي يقال عنك الرجل الصالح وأنت تقول: إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... عمدت نحو سقاء القوم أبترد [٦]

стр. 2418

هذا يؤدي ببرد الماء طاهره [١] ... فمن لنار على الأحشاء تتقد فو الله ما قال هذا صالح قط. أخبرنا ابن ناصر الحافظ بإسناد له عن عبد الجبار بن سعيد، قال: مرت سكينة ومعها جواريها ليلة بالعقيق، فإذا هي بعروة بن أذينة، فقالت لجواريها: من في قصر ابن عنبسة جالس، فقلن لها: عروة بن أذينة، فمالت إليه فقالت: أنت يا أبا عامر تزعم أنك بريء وأنت الذي تقول: قالت وقد أبثثتها وجدي فبحت به ... قد كنت ويحي تحت الستر فاستتر ألست تبصر من حولي فقلت لها ... غطي هواك وما ألقى على بصري هن أحرار إن كان خرج هذا من قلب سليم، فإن شئت أن تعتقهن فقل. ٦٤٣- أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني: كان كثير التعبد دائم البكاء، قد جعلت الدموع في خديه طريقين. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ أَحْمَدَ، قال: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الصمد بن سعيد، قال: سمعت أبا أيوب قال: سمعت يزيد بن عبد ربه يقول: عدت أبا بكر بن أبي مريم وهو في النزع، فقلت له: رحمك الله، لو جرعت جرعة ماء، فقال بيده لا، ثم جاء الليل فقال: إذن، فقلت: نعم، فقطرنا في فمه قطرة ماء ثم مات.

стр. 2419

ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائة فمن الحوادث فيها غزوة الوليد بن القعقاع العبسي [أرض الروم] [١] . وفيها: غزا أسد بن عبد الله فملأ يديه من السبي، ولقي خاقان ملك الترك فقتله، وقتل بشرا كثيرا من أصحابه وانصرف بغنائم كثيرة. وكان الحارث بن شريح قد انضم إلى خاقان، فتبارزوا، فانهزم الحارث والترك وخاقان وتركوا قدورهم تغلي، وتبعهم الناس ثلاثة فراسخ يقتلون من قدروا عليه، واستاقوا من أغنامهم أكثر من خمسين ومائة ألف شاة ودواب كثيرة، ولحقهم أسد عند الظهر ووجل بخاقان برذونه، فحماه الحارث بن شريح، وبعث أسد بجواري الترك إلى دهاقين خراسان، واستنقذ من كان في أيديهم من المسلمين، ومضى خاقان إلى الجوزجان فارتحل أسد فنزل بها، فهرب خاقان ورجع أسد إلى بلخ، فلقوا خيل الترك التي كانت بمروالروذ منصرفة لتغير على بلخ، فقتلوا من قدروا عليه منهم، ثم رجع خاقان إلى بلاده وأخذ في الاستعداد للحرب ومحاصرة سمرقند، وحمل الحارث وأصحابه على خمسة آلاف برذون. وأن خاقان لعب مع بعض الملوك بالنرد، فتنازعا فضرب ذلك الملك يد خاقان فكسرها، فحلف خاقان ليكسرن يده، فبيت خاقان فقتله، وبعث أسد إلى خالد بن

стр. 2420

عبد الله يخبره، فبعث إلى هشام يبشره بالفتح، فنزل هشام عن سريره فسجد سجدة الشكر. وقد روي لنا في حديث طويل من أخبار هشام أنه جاءه الخبر أن خاقان قد خرج فاستباح أرمينية، فلما سمع ذلك ضرب مضربا وآلى ألا يكنه سقف بيت وأن لا يغتسل من جنابة حتى يفتح الله عليه. فأمر مسلمة فعسكر، فلما أصبح أذن للناس إذنا عاما فأخبرهم بما ورد من الخبر. وبعث إلى سعيد بن عمرو الحرشي [١] فأنفذه، فجعل لكل من معه علما في رمحه، فوصلوا ومع خاقان ثمانية عشر ألف أسير من المسلمين، فكبر المسلمون تكبيرة واحدة، فرأت الأسراء [٢] الأعلام، فعلموا أنها للمسلمين، فقطعوا أكتاف أنفسهم، وتناولوا خشبا كان الكفار قد جمعوه، فثار الكفار إلى خيلهم، فهذا بسرج، وهذا يركب. فلحقتهم خيول المسلمين، وأدرك خاقان فقتل واستبيح عسكرهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة وانهزم الباقون، وقتل ابن خاقان. وفي هذه السنة [قتل المغيرة بن سعيد ومن معه] [٣] خرج المغيرة بن سعيد [٤] وسار بظاهر الكوفة في نفر، فأخذهم خالد فقتلهم، وأما المغيرة فذكر أنه كان ساحرا. قال الأعمش [٥] : سمعت المغيرة يقول: لو أراد علي ﵁ [٦] أن يحيي عادا وثمودا وقرونا بين ذلك كثيرا لأحياهم [٧] . قال أبو نعيم [٨] : كان المغيرة قد نظر في السحر فأخذه خالد القسري فقتله.

стр. 2421

قال سعيد بن مرادابند [١] : رأيت خالدا حين أتى بالمغيرة وبيان في ستة نفر أو سبعة، أمر بسريره فأخرج إلى المسجد الجامع، وأمر بأطنان [٢] قصب ونفط، فأحضرا ثم أمر المغيرة أن يتناول طنا فتأنى [٣] ، فصبت السياط على رأسه، فتناول طنا فاحتضنه، فشد عليه، ثم صب عليه وعلى الطن نفط ثم ألهبت [٤] فيهما النار فاحترقا، ثم أمر الرهط ففعلوا كذلك. ثم أمر بيانا آخرهم فتقدم إلى الطن مبادرا فاحتضنه فقال خالد: ويلكم في كل أمركم تحمقون، هلا رأستم هذا لا المغيرة، ثم أحرقه. وفي هذه السنة خرج بهلول بن بشر [٥] الملقب كثارة فقتل [٦] وكان منزله بدابق، وكان يتأله [٧] ، فخرج يريد الحج، فأمر غلامه أن يبتاع له بدرهم خلا فجاءه بخمر، فأمره بردها وأخذ الدرهم، فلم يجب إلى ذلك، فجاء بهلول إلى عامل القرية فكلمه، فقال العامل: الخمر خير منك ومن قومك، فمضى في حجه، وعزم على الخروج على السلطان، فلقي بمكة من كان على مثل رأيه، فاتعدوا قرية من قرى الموصل، فاجتمعوا أربعين [٨] ، وأمروا البهلول، فجعلوا لا يمرون [٩] على أحد إلا أخبروه أنهم أقبلوا من عند هشام إلى خالد [١٠] لينفذهم في أعمالهم، فأخذوا دوابا من دواب البريد، فلما انتهوا إلى القرية التي كان ابتاع الغلام منها الخل، فقال بهلول: نبدأ بهذا العامل الذي قال ما قال، فقال له أصحابه: نحن نريد قتل خالد، فإن بدأنا بهذا شهرنا وحذرنا [١١] خالد وغيره، فننشدك الله أن تقتل هذا فيفلت منا خالد، فقال: لا أدع [١٢]

стр. 2422

ما يلزمني لما بعده، وأنا أرجو أن أقتل هذا وأدرك خالدا، وقد قال الله : (قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) ٩: ١٢٣ [١] فأتاه فقتله فنذر بهم الناس وعلموا أنهم خوارج فابتدروا هرابا. وخرجت البرد إلى خالد، فأعلموه أن خارجة قد خرجت، فبعث إليهم جندا فالتقوا على الفرات فهزمهم البهلول، وارتحل إلى الموصل فخافه عامل الموصل [٢] ، فتوجه يريد هشاما، فخرجت إليه الأجناد فكانوا عشرين ألفا وهو في سبعين، فقاتلهم فقتل منهم جماعة، ثم عقد أصحابه [٣] دوابهم وترجلوا، فأوجعوا في الناس، ثم طعنه رجل فوقع، فقال أصحابه: ول أمرنا من يقوم به، قال: إن هلكت فأمير المؤمنين دعامة الشيباني فإن هلك فعمرو اليشكري [٤] ، ثم مات من ليلته، فلما أصبحوا هرب دعامة وخلاهم، فخرج عمرو اليشكري فلم يلبث أن قتل، ثم خرج العميري، فخرج إليه السمط بن مسلم، فانهزمت الحرورية، فتلقاهم عبيد أهل الكوفة وسفلتهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم. ثم خرج وزير السجستاني [٥] ، وكان مخرجه بالحيرة، فجعل لا يمر بقرية إلا أحرقها ولا أحد إلا قتله، وغلب على بيت المال، فوجه إليه خالد قائدا من أصحابه فقتل عامة أصحابه وارتث، فحمل إلى خالد، فقرأ عليه آيات من القرآن ووعظه، فأعجب خالد من كلامه فحبسه [٦] ، وكان يبعث إليه في الليالي فيؤتى به فيحادثه [٧] ، فبلغ ذلك هشاما وقيل: أخذ حروريا واتخذه سميرا، فغضب هشام وكتب إلى خالد يشتمه ويأمره بقتله وإحراقه. فشده وأصحابه بأطنان القصب، فصب عليهم النفط وأحرقهم بالنار، فما منهم إلا من اضطرب إلا هذا الرجل، فإنه لم يتحرك، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات.

стр. 2423

وفي هذه السنة خرج الصحاري [١] بن شبيب على خالد، ووافقه جماعة، فبعث إليهم خالد جندا فاقتتلوا فقتلوهم بأجمعهم. وفي هذه السنة حج بالناس [٢] مسلمة بن هشام بن عبد الملك، وحج [معه] [٣] ابن شهاب الزهري، وكان العامل في هذه السنة على مكة والمدينة والطائف محمد بن هشام، وعلى العراق والمشرق خالد بن عبد الله، وعامل خالد على خراسان أخوه أسد. وقد قيل: إن أسد هلك في هذه السنة واستخلف جعفر بن حنظلة البهراني [٤] ، وقيل: إنما هلك أسد في سنة عشرين، وكان على أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد بن مروان. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٦٤٤- حبيب بن أبي ثابت الأسدي، مولى لبني كاهل [٥] : روي عن عمر وابن عباس [وجابر وحكيم بن حرام، وأنس بن مالك] [٦] وابن أبي أوفى. وكان كثير التعبد. قال أبو بكر بن عياش: لو رأيت حبيب بن أبي ثابت ساجدا لقلت: ميت من طول سجوده، وكان كريما، أنفق على القراء مائة ألف، وكان يقول: ما استقرضت شيئا من أحد أحب إلي من نفسي، أقول لها: أمهلي حتى يجيء من حيث أحب. [وتوفي في هذه السنة] .

стр. 2424

٦٤٥- حبيب، أبو محمد الفارسي: حضر مجلس الحسن البصري فتأثر بموعظته، فخرج مما كان يملكه وتعبد. وكان له زوجة يقال لها عمرة تنبهه في السحر وتقول: قم يا رجل فقد ذهب الليل وجاء النهار، وبين يديك طريق بعيد والزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا وبقينا. أَخْبَرَنَا أبو بكر العامري، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو سعيد الحيري، قال: أخبرنا ابن باكويه الشيرازي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد العزيز بْن الفضل، قَالَ: حدثنا محمد بن العباس الآملي، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الشيروزي، قال: حدثنا عبد الصمد بن محمد العباداني، قال: حدثنا خلف بن الوليد، قال: اشترى حبيب الفارسي نفسه من ربه أربع مرات بأربعين ألف درهم، أخرج بدرة فقال: يا رب اشتريت منك نفسي بهذه، وأخرج بدرة أخرى، فقال: إلهي إن كنت قبلت تلك فهذه شكرانها، ثم أخرج الثالثة فقال: إلهي إن كنت لم تقبل [الأولى] [١] والثانية فاقبل هذه، ثم أخرج الرابعة فقال: إلهي إن كنت قبلت الثالثة فهذه شكر لها. قال أبو بكر بن أبي الدنيا بإسناد له عن إسماعيل بن زكريا وكان جارا لحبيب، [قال] [٢] : كنت إذا أمسيت سمعت بكاءه [٣] ، وإذا أصبحت سمعت بكاءه، فأتيت أهله فقلت: ما شأنه يبكي إذا أمسى ويبكي إذا أصبح؟ قال: فقالت لي: يخاف والله إذا أمسى أن لا يصبح وإذا أصبح أن لا يمسى. أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَلي [٤] الصيرفي، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الواحد بن محمد الصباغ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد العزيز بْن الحسن الضراب، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مروان، قَالَ: حَدَّثَنَا الحسن بْن عَلي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ عبد الواحد بن زيد: أن حبيبا أبا محمد جزع جزعا شديدا عند الموت، فجعل يقول بالفارسية: أريد أن أسافر سفرا ما سافرته قط، أريد أن أسلك طريقا ما سلكته قط، أريد أن أدخل تحت

стр. 2425

التراب فأبقى تحته إلى يوم القيامة ثم أوقف بين يدي الله فأخاف أن يقول لي: حبيب، هات تسبيحة واحدة سبحتني في ستين سنة لم يظفر بك الشيطان فيها، فماذا أقول وليس لي حيلة، أقول: يا رب هو ذا قد أتيتك مقبوض اليدين إلى عنقي. قال عبد الواحد: هذا عبد الله، ستين سنة مشتغلا به ولم يشتغل من الدنيا بشيء قط، فأي شيء حالنا؟ وا غوثاه باللَّه. ٦٤٦- مجمع بن سمعان، أبو حمزة [١] : كان سفيان الثوري يرى له أمرا عظيما حتى قال: ليس شيء من عملي أرجو ألا يشوبه شيء كحبي لمجمع التيمي. وقال سفيان: يروى عن أبي حيان [٢] التيمي أنه قال وحلف: ما من عمله شيء أوثق في نفسه من حبه من مجمع التيمي. وكان أبو بكر بن عياش يقول: ومن كان أورع من مجمع. ورأى مجمع في إزار سفيان خرقا فأعطاه أربعة آلاف درهم [٣] ، قال سفيان: لا أحتاج إليها، قال: صدقت، أنت [٤] لا تحتاج إليها ولكني أحتاج. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن هبة الله الطبري، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن الفضل، قال: حدثنا ابن درستويه، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا سفيان، قال: قال مسعر: جاء مجمع إلى السوق بشاة يبيعها [٥] ، فقال: يخيل إلي أن في لبنها ملوحة. قال أبو حاتم الرازي: دعا مجمع ربه أن يميته قبل الفتنة فمات من ليلته، وخرج زيد بن علي من الغد.

стр. 2426

ثم دخلت سنة عشرين ومائة فمن الحوادث فيها غزوة سليمان بن هشام الصائفة وافتتاحه سندرة وغزوة إسحاق بن مسلم العقيلي فافتتح قلاعا [١] . وغزوة مروان بن محمد أرض الترك. وكان قد ولاه هشام أرمينية، فكتب إليه يستأذنه في الدخول إلى بلادهم، فكتب إليه هشام: كيف أفعل ما لم يفعله أحد قبلي. فكتب إليه: إن الناس يشتهون ذلك وأرجو أن يكون فيه خير. فأذن له، فدخل والقوم غارون فهربوا إلى الآجام، فأضرمها نارا واقتتلوا قتالا شديدا، وظفر المسلمون، وبعثوا [٢] إليه بالخبر. وفي هذه السنة [٣] توفي أسد بن عبد الله، فاستخلف جعفر بن حنظلة البهراني [٤] ، فعمل أربعة أشهر، وجاء عهد نصر بن سيار في رجب.

стр. 2427

وفي هذه السنة وجهت شيعة بني العباس بخراسان إلى محمد بن علي سليمان بن كثير ليعلمه أمرهم وما هم عليه [١] وسبب ذلك موجدة كانت من محمد بن علي [على] [٢] شيعته بخراسان من أجل طاعتهم لخداش الّذي كان يكذب على محمد بن علي، فترك مكاتبتهم، فبعثوا سليمان بن كثير، فقدم عليه، فعنف أهل خراسان [فيما فعلوا. ثم وجه محمد بن علي بن بكير بن ماهان إلى خراسان] [٣] بعد منصرف سليمان يعلمهم أن خداشا حمل شيعته على غير منهاجه فتابوا من ذلك. وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله عن أعماله التي ولاه كلها [٤] وكان لذلك أسباب منها: أنه اتخذ أموالا وحفرا، فبلغت عشرين ألف ألف، وكانوا يشيرون عليه أن يعرض بعضها [٥] على هشام فلا يفعل. فبلغ ذلك هشاما، ثم بلغه أن خالدا استخف برجل من قريش، وكان يقول لابنه: ما أنت بدون مسلمة بن هشام؟ وكان خالد يذكر هشاما فيقول: ابن الحمقاء، وكانت أم هشام تستحمق. فكتب إليه هشام كتابا فيه غلظة، وقبح له استخفافه بقريش، وسبه في الكتاب. وعزم على عزله، وأخفى ذلك، فلما أحس طارق خليفة خالد بالأمر [٦] ركب إلى خالد، فقال له: اركب إلى أمير المؤمنين فاعتذر إليه من شيء بلغه عنك، فقال: كيف أركب [٧] إليه بغير إذنه؟ قال: فسر في عملك وأتقدمك، فأستأذنه لك، قال: ولا هذا، قال: فأذهب فأضمن لأمير المؤمنين جميع ما انكسر في هذه السنين، قال: وما مبلغه؟ قال: مائة ألف ألف، قال: ومن أين أجد هذا [٨] ؟ والله ما أجد عشرة آلاف درهم، قال: نتحمل عنك ونفرق الباقي على العمال، قال: إني للئيم إن كنت سوغت قوما شيئا ثم أرجع فيه.

стр. 2428

فخرج طارق يبكي، وقال: هذا آخر ما نلتقي في الدنيا، وجاء كتاب هشام إلى يوسف [بن عمر] [١] : سر إلى العراق فقد وليتكها، وإياك أن تعلم بذلك أحدا، وخذ ابن النصرانية وعماله فأشفني منهم، فقدم يوسف العراق في جمادى فأخذ صالح، فحبسه فصولح على تسعة آلاف ألف درهم، وقيل أخذ مائة ألف ألف فكانت ولاية خالد في شوال سنة عشر ثم عزل في جمادى الآخر سنة عشرين. وفي هذه السنة ولي يوسف بن عمر العراق فقدم واليا عليها [٢] على ما ذكرنا، فولى خراسان جديع بن علي الكرماني، وعزل جعفر بن حنظلة. واستشار هشام فيمن يولي العراق، فذكروا له رجالا، فاختار نصر بن سيار فولاه، وكتب إليه أن يكاتب يوسف بن عمر، فكتب يوسف عهد نصر بن سيار مع عبد الكريم الحنفي فأعطاه نصر عشرة آلاف درهم، وأحسن الولاية والجباية، وبث العمال وعمرت خراسان عمارة لم تعمر قبلها مثلها. وفي هذه السنة حج بالناس [٣] محمد بن هشام بن إسماعيل، وكان هو العامل على المدينة ومكة والطائف. وقيل: بل حج بهم سليمان بن هشام [٤] بن عبد الملك. وقيل: يزيد بن هشام. وكان على المشرق والعراق يوسف بن عمر، وعلى خراسان نصر بن سيار، وقيل: جعفر بن حنظلة، وعلى البصرة كثير بن عبد الله السلمي من قبل يوسف بن عمر، وعلى قضائها عامر بن عبيدة الباهلي، وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد، وعلى قضاء الكوفة ابن شبرمة. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٦٤٧- أسد بن عبد الله، أخو خالد بن عبد الله القسري [٥] : وقد ذكرنا ما كان إليه من خراسان وغيرها. وكانت به دبيلة في جوفه، فحضر

стр. 2429

المهرجان وهو ببلخ، فقدم عليه الأمراء والدهاقين بالهدايا، وكان فيمن قدم عليه عامله على هراة ودهقانها، فقدما بهدية قومت ألف ألف، كان فيها قصر من ذهب،. وقصر من فضة، وأباريق من ذهب وفضة، وصحاف من ذهب وفضة، فأقبلا وأسد جالس على سرير وأشراف الناس من خراسان على الكراسي، فوضعا القصرين، ثم وضعا خلفهما الأباريق والصحاف والديباج والقوهي، وغير ذلك. ففرق ذلك ثم مرض فأفاق، فقدم إليه كمثرى، فأخذ واحدة فرمى بها إلى عامل له فانقطعت الدبيلة فهلك. ٦٤٨- سلم بن قيس العلوي [١] : يروي عن أنس. روى عنه جرير بن حازم. وثقه يحيى وأبو بكر بن أبي داود. وقال يحيى في رواية: هو ضعيف. وقال حماد: ذكرته لشعبة، فقال: الذي يرى الهلال قبل الناس بيومين. قال له الحسن: خل بين الناس وهلالهم حتى يروه. قال ابن قتيبة: يقال إن أشفار عينيه ابيضت، وكان إذا أبصر رأى أشفار عينيه فيظنها الهلال. وليس هو من أولاد علي بن أبي طالب، إنما هو من ولد علي بن [يونان، قيل: كانوا بالبصرة، وثم آخر يقال له: خالد بن يزيد العلوي من ولد علي بن] [٢] الأسود، يروي عن الحسن البصري، وثم آخر يقال له جندب بن سرحان العلوي من بني مدلج، حدث عن بليغ، روى عنه ابن لهيعة، ومدلج من بني عبد مناة بن كنانة، وإنما قيل لولده بنو علي لأن أمهم الدفراء واسمها فكيهة تزوجها بعد أبيهم علي بن مسعود الغساني، فنسبوا إليه. وإياهم عنى أمية بن أبي الصلت بقوله: للَّه در بني علي ... أيم منهم وناكح وما عدا من ذكرنا ممن يقال له العلوي فمنسوب إلى علي بن أبي طالب ﵁ [٣] .

стр. 2430

٦٤٩- عبد الله بن كثير، أبو معبد المقري، مولى عمر بن علقمة الكناني، ويقال: الداري [١] : والدار بطن من لخم، وهو من أبناء فارس الذين كانوا بصنعاء، بعثهم كسرى إلى اليمن لما طرد الحبشية عنها، وهو أحد القراء السبعة. أخذ عن مجاهد، وقرأ عليه أبو عمرو بن العلاء. وكان ذا دين وورع، وكان عطارا، وتوفي بمكة في هذه السنة. ٦٥٠- عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان، أبو عمر الظفري الأنصاري [٢] : كان له علم بالسير والمغازي. روى عن ابن إسحاق وغيره، وكان ثقة، ووفد على عمر بن عبد العزيز في خلافته في دين لزمه، فقضاه عنه، وأمر له بمعونة، وأمره أن يجلس في مسجد دمشق [٣] فيحدث الناس بمغازي رسول الله ﷺ ومناقب أصحابه ﵃، وقال: إن بني أمية كانوا يكرهون هذا وينهون عنه، فأجلس فحدث، ففعل. ثم رجع إلى المدينة فتوفي بها في هذه السنة. ٦٥١- قيس بن مسلم الجدلي [٤] : روى عن طارق بن شهاب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وابن جبير. وكان من المتعبدين البكاءين، [وتوفي في هذه السنة] [٥] .

стр. 2431

أخبرنا عبد الوهاب [الحافظ] [١] بإسناده عن أبي بكر بن عبيد، قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: كان قيس بن مسلم يصلي حتى السحر، ثم يجلس فيمج البكاء ساعة بعد ساعة ويقول: لأمر ما خلقنا، لئن لم نأت الآخرة بخير لنهلكن. ٦٥٢- محمد بن واسع بن جابر، أبو عبد الله [٢] : أسند عن أنس وغيره، وكان عالما خيرا متواضعا، وكان الحسن يسميه سيد القراء، وكان يصوم الدهر ويخفي ذلك، وكان يبكي طول الليل حتى قالت جارية له: لو كان هذا قتل أهل الدنيا ما زاد على هذا. وكان يخرج فيغزو، فخرج مرة إلى الترك مع قتيبة بن مسلم، فقيل لقتيبة: محمد بن واسع يرفع إصبعه- يعني يدعو- فقال: تلك الإصبع أحب إلي من ثلاثة آلاف عنان. أنبأنا المبارك بن أحمد الكندي، قال: أخبرنا عاصم بن الحسن، قال: أخبرنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: حدثني أبو حفص الصيرفي، قال: حدثني علي بن بزيع الهلالي، قال: قال مطر الوراق، قال: ما اشتهيت أن أبكي قط حتى أشتفي إلا نظرت إلى وجه محمد بن واسع، وكنت إذا نظرت إلى وجهه كأنه قد ثكل عشرة من الحزن. أخبرنا محمد بن هبة الله الطبري بإسناد له عن ابن شوذب، قال: كان إذا قيل بالبصرة: من أفضل أهل البصرة؟ قالوا: محمد بن واسع، ولم يكن يرى له كثير عبادة، وكان يلبس قميصا بصريا وساجا، وكان له علية، فإذا كان الليل دخل ثم أغلقها عليه. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قَالَ: حَدَّثَنَا حمد بْن أَحْمَد قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن مالك، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ،

стр. 2432

قال: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا ابن علية، عن يونس، قال: سمعت محمد بن واسع يقول: لو كان يوجد للذنوب ريح ما قدرتم أن تدنوا مني من نتن ريحي. قال عبد الله: وحدثني علي بن مسلم، قال: حدثنا سيار، قال: حدثنا الحارث بن نبهان، قال: سمعت محمد بن واسع يقول: وا أصحاباه، [ذهب أصحابي] [١] : قلت: رحمك الله، أليس قد نشأ شباب يصومون النهار، ويقومون الليل، ويجاهدون في سبيل الله؟ قال: بلى، ولكن يداخ وثفل أفسدهم العجب. قال عبد الله: وحدثنا هارون بن معروف، قال: حدثنا ضمرة، عن ابن شوذب، قال: قسم أمير البصرة على أهل البصرة، فبعث إلى مالك بن دينار فقبل، فقال له محمد بن واسع: يا مالك قبلت جوائز السلطان، قال: سل [٢] جلسائي، فقالوا: اشترى بها رقابا وأعتقهم، فقال له محمد بن واسع: أنشدك الله، أقلبك الساعة له على ما كان قبل أن يجيزك؟ قال: اللَّهمّ لا، قال: ترى أي شيء دخل عليك؟ فقال مالك لجلسائه: [إنما مالك حمار] [٣] ، إنما يعبد الله مثل محمد بن واسع. قال عبد الله: وحدثني عبيد الله القواريري [٤] ، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: دخلنا على محمد بن واسع نعوده في مرضه، فجاء يحيى البكاء يستأذن، فقالوا: يحيى البكاء، فقال: إن شر أيامكم يوم نسبتم إلى البكاء. وفي رواية أخرى أنه قال: إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته لا تعلم. وقال لرجل: هل أبكاك قط سابق علم الله فيك. أخبرنا علي بْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا رِزْقُ اللَّهِ، قال: أخبرنا أبو الحسين بن

стр. 2433

بِشْرَان، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن صفوان، قَالَ: حدثنا أبو بكر بن عبيد الله، قال: حدثنا عبد الله بن عيسى الطفاوي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الزراد، قال: رأى محمد بن واسع ابنا له وهو يخطر بيده، فقال: ويحك، تعال، تدري من أنت؟ أمك اشتريتها بمائتي درهم، وأبوك فلا أكثر الله في المسلمين مثله. قال ابن عبيد اللَّهِ [١] : وحدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم، عن سعيد بن عامر، عن حزم، قال: قال محمد بن واسع وهو في الموت: يا إخوتاه، تدرون أين يذهب بي؟ يذهب بي والله الذي لا إله إلا هو إلى النار أو يعفو عني. ٦٥٣- أبو بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الأنصاري [٢] : اسمه كنيته، وكان فاضلا، وكان إليه القضاء والحج. ولما ولي عمر بن عبد العزيز ولاه إمرة المدينة. أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي بإسناده عن عطاف بن خالد، عن أمه، عن امرأة أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حزم أنها قالت: ما اضطجع أبو بكر على فراشه منذ أربعين سنة بالليل. توفي بالمدينة وهو ابن أربع وثمانين سنة.

стр. 2434

ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائة فمن الحوادث فيها [١] غزوة مسلمة الروم، وافتتح بها مطامير [٢] . وغزوة مروان بن محمد بلاد صاحب سرير الذهب، ففتح قلاعه، وخرب أرضه، وأذعن له بالجزية في كل سنة ستة آلاف رأس [٣] يؤديها، وأخذ بذلك الرهن، وملكه مروان على أرضه. وفي هذه السنة قتل زيد بن علي [٤] في بعض الأقوال ، وفي قول: إنه قتل في سنة عشرين. وزعم هشام بن محمد أنه قتل سنة اثنتين وعشرين. واختلف في سبب خروجه، فقال عبد الله بن عياش [٥] : قدم زيد بن علي ومحمد بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃ وداود بن علي بن عبد الله بن عباس على خالد بن عبد الله وهو على العراق فأجازهم ورجعوا إلى المدينة، فلما ولي يوسف بن عمر كتب إلى هشام بأسمائهم وبما أجازهم به، وكتب يذكر أن خالدا ابتاع من زيد أرضا بالمدينة بعشرة آلاف دينار، ثم رد الأرض عليه. وكتب هشام إلى عامل المدينة أن

стр. 2435

يسرحهم إليه، ففعل، فسألهم هشام فأقروا بالجائزة، وأنكروا ما سوى ذلك، فسأل زيدا عن الأرض فأنكرها وحلفوا لهشام فصدقهم. وفي رواية [١] : أن يزيد بن خالد القسري ادعى مالا قبل زيد بن علي ومحمد بن عمر وداود بن علي [في آخرين] [٢] فأنكروا. وفي رواية [٣] أن خالدا القسري لما عذب ادعى أنه استودع هؤلاء مالا، فكتب فيهم يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك، فقال لهم هشام: فإنا باعثون بكم إليه يجمع بينكم وبينه، فقال له زيد بن علي: أنشدك الله والرحم أن تبعث بي إلى يوسف فإنّي أخاف أن يعتدي عليّ، قال: ليس ذلك له، ثم كتب إلى يوسف: أما بعد، فإذا قدم عليك فلان وفلان فاجمع بينهم وبين يزيد بن خالد، فإن هم أقروا بما ادعى عليهم فسرحهم إلي، وإن هم أنكروا فسله بينة، وإن لم يقم بينة فاستحلفهم بعد العصر باللَّه الذي لا إله إلا هو ما استودعكم يزيد وديعة ولا له قبلكم شيء، ثم خل سبيلهم، فلما قدموا سألهم عن المال فأنكروا جميعا وقالوا: لم يستودعنا مالا ولا له قبلنا حق، فقال له يوسف: هؤلاء الذين ادعيت عليهم ما ادعيت، فقال: ما لي قبلهم قليل ولا كثير، فقال له: أفبي تهزأ أم بأمير المؤمنين، فعذبه عذابا ظن أنه قتله، فاستحلفهم وخلى سبيلهم، فلحقوا بالمدينة. وقيل لخالد: لم ادعيت عليهم؟ فقال: اشتد علي العذاب فرجوت مجيء فرج قبل وصولهم. وأقام زيد بن علي بالكوفة. وقيل [٤] : إنما كانت الخشونة بين زيد وعبد الله بن حسن بن حسن، فقدم زيد على هشام لمخاصمه ابن عمه عبد الله، فقال له هشام: قد بلغني أنك تذكر الخلافة وتتمناها ولست هناك أنت ابن أمة، فقال: إن لك يا أمير المؤمنين جوابا، قال: فتكلم، قال: ليس أحد أولى باللَّه من نبي ابتعثه، وقد كان إسماعيل من خير الأنبياء، وكان ابن أمة.

стр. 2436

وخرج [١] فجعلت الشيعة تختلف إلى زيد وتأمره بالخروج، ويقولون: إنا لنرجو أن تكون المنصور، وأن يكون هذا الزمان الذي يهلك فيه بنو أمية، فأقام بالكوفة، وكتب هشام إلى يوسف [٢] : أشخص زيدا إلى بلده فإنه لا يقيم ببلد فيدعو أهله إلا أجابوه، فإنه جدل لسن حلو الكلام، فإن أعاره القوم أسماعهم فحشاها [٣] من لين لفظه مع ما يدلي به من قرابة رسول الله ﷺ مالوا إليه، فجعل يوسف بن عمر يسأل عنه، فيقال [٤] : هو هاهنا، فيبعث إليه: أن أشخص، فيقول: نعم، ويعتل بالوجع، ويبلغ يوسف أن الشيعة تختلف إلى زيد، فسأل عنه بعد مدة، فقيل: لم يبرح، وكان قد أقام نحو خمسة عشر شهرا، فبعث إليه يستحثه، وكان يوسف بالحيرة، وإنما كان يكتب إلى عامله بالكوفة، فتهيأ زيد وخرج، فلحقته الشيعة فقالوا: أين تذهب ومعك مائة ألف راجل من أهل الكوفة يضربون دونك بأسيافهم غدا، وليس قبلك من أهل الشام إلا عدة قليلة، لو أن قبيلة من قبائلنا نصبت لهم لكفتهم بإذن الله، فننشدك الله لما رجعت. فلم يزالوا به حتى ردوه إلى الكوفة. وفي رواية [٥] : أن جماعة من وجوه أهل الكوفة بايعوه حين كان بالكوفة منهم سلمة بن كهيل، ونصر بن خزيمة، وحجية بن الأجلح، ثم إن سلمة أشار على زيد ألا يخرج، فلما رأى ذلك داود بن علي قال له: يا ابن عم، لا يغرنك هؤلاء من نفسك ففي أهل بيتك لك عبرة، وفي خذلان هؤلاء إياهم، فقال: يا داود، إن بني أمية قد عتوا. فلم يزل به داود حتى شخص إلى القادسية، فتبعه أهل الكوفة فقالوا: نحن أربعون ألفا فإن رجعت إلى الكوفة لم يتخلف عنك أحد، وأعطوه المواثيق والأيمان المغلظة، فجعل يقول: إني أخاف أن تخذلوني وتسلموني كفعلكم بأبي وجدي، فيحلفون له فيقول داود بن علي: يا ابن عم، إن هؤلاء يغرونك، أليس قد خذلوا من كان أعز منك عليهم، جدك علي بن أبي طالب ﵁ حتى قتل، والحسن بعده بايعوه [٦] ثم وثبوا

стр. 2437

[عليه] [١] فانتهبوا فسطاطه وجرحوه، أو ليس قد أخرجوا جدك الحسين، وحلفوا له ثم خذلوه، ثم لم يرضوا بذلك حتى قتلوه، فلا تفعل ولا ترجع معهم، فقالوا له: إن هذا لا يريد أن تظهر، ويزعم أنه وأهل بيته أحق بهذا الأمر. فمضى داود إلى المدينة، ورجع زيد إلى الكوفة فاستخفى فأقبلت الشيعة تختلف إليه وتبايعه حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل، فأرسل إلى السواد وأهل الموصل رجالا يدعون إليه. وتزوج بالكوفة، فكان ينزل تارة في دار امرأته وتارة في دار أصهاره، ومرة عند نصر بْن خزيمة، ثم تحول إلى دار معاوية بن إسحاق، وكانت بيعته التي بايع الناس: ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسم [٢] هذا الفيء بين أهله بالسواد، ورد المظالم، ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا. فإذا قال القائل: نعم، وضع يده على يده، وقال: عليك عهد الله وميثاقه وذمة الله وذمة رسوله لتفين بيعتي ولتقاتلن عدوي ولتنصحن لي في السر والعلانية؟ فإذا قال: نعم، مسح يده على يده ثم قال: اللَّهمّ اشهد. فمكث كذلك بضعة عشر شهرا، فلما دنا خروجه أمر أصحابه بالاستعداد والتهيؤ، فشاع أمره في الناس، فلما عزم على الخروج أمر أصحابه بالتأهب، فانطلق سليمان بن سراقة البارقي إلى يوسف بن عمر فأخبره خبره، فبعث يوسف في طلب زيد فلم يجده، فلما رأى الناس الذين بايعوه أن يوسف بن عمر يستبحث عن أمره اجتمع إليه جماعة من رؤسائهم، فقالوا له: رحمك الله، ما تقول في أبي بكر وعمر؟ قال: رحمهما الله ورضي عنهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي يتبرأ منهما ولا يقول فيهما إلا خيرا، قالوا: فلم تطلب إذا بدم أهل هذا البيت، إلا أنهما وثبا على سلطانكم فنزعاه من أيديكم، فقال زيد: لو قلنا إنهم استأثروا علينا لم يبلغ ذلك بهم كفرا [٣] ، قد [والله] [٤] ولوا فعدلوا، قالوا: فإذا كان أولئك لم يظلموكم فلم تدعونا إلى قتال هؤلاء، فقال: إن

стр. 2438

هؤلاء ظالمون لكم ولأنفسهم، وإنما ندعوكم [١] إلى كتاب الله وإلى السنن أن تحيى، وإلى البدع أن تطفأ. ففارقوه ونكثوا بيعته وقالوا: سبق الإمام- وكانوا يزعمون أن أبا جعفر محمد بن علي أخا زيد بن علي هو الإمام، وكان قد هلك يومئذ- وكان ابنه جعفر بن محمد حيا، فقالوا: جعفر إمامنا اليوم بعد أبيه وهو أحق بالأمر ولا نتبع زيدا وليس بإمام، فسماهم زيد الرافضة. ثم استتب لزيد خروجه، فواعد أصحابه ليلة الأربعاء أول ليلة من صفر سنة اثنتين وعشرين، وبلغ يوسف بن عمر، فبعث إلى الحكم بن الصلت وهو يومئذ على الكوفة، فأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم ويحصرهم فيه. فجمع الناس في المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد بيوم، وطلب زيد فخرج ليلا، ورفع أصحابه هرادي [٢] النار ونادوا: زيد يا منصور [٣] . وأمر الحكم بن الصلت بدروب السوق فغلقت وأغلقوا أبواب المسجد على أهل الكوفة، وكان جميع من وافى زيدا تلك الليلة مائتي رجل وثمانية عشر رجلا، فقال زيد: سبحان الله، أين الناس؟ فقيل له: هم في المسجد الأعظم محصورون. فذهب زيد إلى الكناسة، فإذا بها جمع من جموع أهل الشام فهزمهم، ثم خرج إلى الجبانة، وخرج يوسف بن عمر، فنزل على تل قريب من الحيرة ومعه أشراف الناس، ثم عاد زيد فدخل الكوفة فقصد المسجد، فجعل أصحابه يقولون: يا أهل المسجد اخرجوا. واقتتل هو وأهل الشام. فلما كانت غداة الخميس بعث يوسف بن عمر جندا فلقوا زيدا فاقتتلوا فهزمهم زيد، وقتل من أهل الشام نحوا من سبعين، فانصرفوا وهم بشر حال. ثم عبأهم يوسف بن عمر وسرحهم، فالتقوا بأصحاب زيد فحمل عليهم زيد وأصحابه، فكشفهم وقاتل معاوية بن إسحاق الأنصاري بين يدي زيد، فقتل وثبت زيد حتى إذا جاء الليل رمي

стр. 2439

بسهم فأصاب جبهته، فثبت [١] في الدماغ، فأدخل إلى بيت، وجيء بالطبيب فانتزع السهم فجعل يضج ثم مات. فقال القوم: أين ندفنه؟ فقال بعض أصحابه: نلبسه درعه ونطرحه في الماء، وقال آخر: بل نحتز رأسه ونطرحه بين القتلى، فقال ابنه: لا والله لا تأكل لحم أبي الكلاب. فجاءوا به إلى نهر فسكروا الماء وحفروا له فدفنوه وأجروا عليه الماء، وتصدع الناس، وتوارى ولده يحيى بن زيد. فلما سكن الطلب خرج في نفر من الزيدية إلى خراسان، ثم دل القوم على قبر زيد، فاستخرجوه وقطعوا رأسه وصلبوا جسده، وبعث برأسه إلى هشام، فأمر به فنصب على باب دمشق، ثم أرسل به إلى المدينة فصلب بها، ومكث البدن مصلوبا حتى مات هشام، فأمر به الوليد فأنزل وأحرق، فلما ظهر ولد العباس عمد عبد الله بن علي إلى هشام بن عبد الملك، فأخرجه من قبره وصلبه بما فعل بزيد. وذكر أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي في كتاب المقالات: أن زيد بن علي لما خرج قتل في المعركة ودفنه أصحابه، فعلم به يوسف بن عمر، فنبشه وصلبه ثم كتب هشام يأمر بحرقه فأحرق ونسف رماده في الفرات. ثم خرج يحيى بن زيد بالجوزجان على الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فبعث نصر بن سيار إليه سلم بن أجوز المازني فحاربه فقتل في المعركة ودفن في بعض الخانات. وخرج محمد بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن بْن الْحَسَن بالمدينة، وبويع له في الآفاق، فبعث إليه المنصور بعيسى بن موسى، وحميد بن قحطبة فقتلاه، وقتلا من أجله تحت الهدم أباه عبد الله، وعلي بن الحسن بن الحسن وجماعة، ودفن إبراهيم بن الحسن بن الحسن وهو حي بالكوفة، وكان محمد بن عبد الله وجه ولده واخوته إلى الآفاق يدعون إليه فوجه ابنه عليا إلى مصر، فأخذ هناك وقتل، ووجه ابنه عبد الله إلى خراسان فطلب فهرب إلى السند فأخذ بها وقتل، ووجه ابنه الحسن إلى اليمن فأخذ لنفسه أمانا ثم حبس فمات في السجن، ثم وجه أخاه موسى إلى الجزيرة، فأخذ لنفسه أمانا، ووجه أخاه إدريس إلى المغرب، ووجه أخاه يحيى إلى الري، وخرج بعده أخوه إبراهيم [بن عبد الله

стр. 2440

إلى] [١] البصرة فغلب عليها وعلى الأهواز وفارس وأكثر السواد، وشخص عن البصرة يريد محاربة المنصور، فبعث إليه المنصور بعيسى بن موسى وسعيد بن سلم، فحارب حتى قتل ومضى أخوه إدريس بن عبد الله إلى المغرب فغلب على بلدان كثيرة [وبسط العدل فيها. وخرج الحسين بن علي بن حسن بن حسن فبايعه الناس] [٢] ، وعسكر بفخ على ستة أميال من مكة، فخرج إليه موسى بن عيسى في أربعة آلاف فقتل وأكثر من كان معه ولم يتجاسر أحد أن يدفنهم ثلاثة أيام، فأكلت أكثرهم السباع [٣] . وكان خروجه سنة سبع [٤] وستين ومائة في خلافة موسى، وأسر ممن كان معه [٥] سليمان بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن بْن الْحَسَن فضربت عنقه بمكة صبرا وقتل معه جماعة. وخرج يحيى بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن بْن الْحَسَن فقتل، وخرج محمد بن جعفر بن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن علي بتاهرت فغلب عليها. وخرج بالكوفة أيام المأمون محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن ثم مات بعد أربعة أشهر. فخرج من بعده محمد بن محمد بن زيد بن زيد بن علي فأخذ وأظهر موته. وخرج باليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين داعية لمحمد بن إبراهيم فأمنه المأمون. وخرج جعفر بن إبراهيم بن موسى بن جعفر باليمن، فقدم به على المأمون فأمنه. وخرج محمد بْن القاسم بْن علي بْن عمر بن علي بن الحسين بالطالقان في خلافة المعتصم، فوجه إليه عبد الله بن طاهر فانهزم محمد ثم وقعوا به فأنفذ إلى المعتصم، فحبسه في قصره فقيل إنه مات، وقال قوم من الشيعة إنه سيظهر. وخرج محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين داعية لمحمد بن إبراهيم، فلما مات محمد دعى إلى نفسه [فحمل إلى المأمون، وخرج الأفطس بالمدينة داعية

стр. 2441

لمحمد بن إبراهيم فلما مات محمد دعى إلى نفسه] [١] ، وهرب العباس بن محمد بن عبد الله بن علي من الرشيد، فدعا به فشتمه فرد عليه [ما قال] [٢] ، فضرب بين يديه بالعمد حتى مات. وخرج الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بطبرستان فما زالت بيده حتى مات، [وخلفه أخوه محمد فحاربه رافع بن هرثمة، ثم تابعه بالري محمد بن جعفر بن الحسن فأسروا وحمل إلى محمد بن طاهر فحبسه حتى مات] [٣] . وخرج الكوكبي واسمه الحسين بن أحمد بن محمد بن إسماعيل فهزمه موسى بن بغا، وخرج بالكوفة أيام المستعين يحيى بن عمر بْن يحيى بْن زيد بْن علي بْن الحسين بن علي فحارب فقتل. وخرج الحسين بن محمد بن حمزة فأخذ وحبس. وخرج ابن الأفطس [بالمدينة] [٤] ، وخرج بالمدينة إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عَبْد الله، فخلفه أخوه محمد فطلب فهرب ومات. وخرج ابن لموسى بن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فمضى إلى فارس فمات بها. وخرج صاحب البصرة وكان يدعي أنه علي بن محمد بْن علي بن عيسى بن زيد بن علي، وكان أنصاره الزنج، وكان يرى رأي الأزارقة وسيأتي. وستأتي أخبار هؤلاء في أماكنها [٥] إن شاء الله. وفي هذه السنة غزا نصر بن سيار ما وراء النهر مرتين [٦] وقتل أمير الترك، وذهب إلى فرغانة فسبى بها ثلاثين ألف رأس، وصالح ملكها. فجاءت أم الملك إلى نصر بن سيار فقالت له في مخاطبتها إياه: كل ملك لا يكون عنده ستة أشياء فليس بملك: وزير يباثه بنيات صدره [٧] ويشاوره ويثق بنصحه، وطباخ إذا لم يشته الطعام اتخذ له ما يشتهيه، وزوجة إذا دخل عليها مغتما فنظر إليها ذهب غمه،

стр. 2442

وحصن إذا فزع أو جهد فزع إليه [١] فأنجاه [٢]- تعني الفرس- وسيف إذا قارع الأقران لم يخش خيانته، وذخيرة إذا حملها عاش بها أينما وقع من الأرض. وكتب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار: سر إلى هذا الغارز ذنبه في الشاش [٣]- يعني الحارث بن شريح- فإن أظفرك الله به وبأهل الشاش فخرب ديارهم واسب ذراريهم. فسار فقتل المسلمون فارس الترك. وفي هذه السنة حج بالناس [٤] محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي وهو عامل مكة والمدينة والطائف. وكان العامل على أذربيجان وأرمينية مروان بن محمد، وعلى خراسان نصر بن سيار، وعلى قضاء البصرة عامر بن عبيدة، وعلى قضاء الكوفة ابن شبرمة. وكان على العراق كله يوسف بن عمر الثقفي. أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك وأحمد قالا: أخبرنا عبد الجبار الصيرفي وهو أبونا قال: أخبرنا القاضي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُهْتَدِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الفضل محمد بن الحسن بن المأمون، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن الأنباري، قال: حدثني أحمد بن بشار بن الحسن بن بيان، قال: حدثنا إسحاق بن بهلول بن حسان التنوخي، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا إسحاق بن زياد عن شبيب بن شبة، عن خالد بن صفوان بن الأهتم، قال: [٥] أوفدني يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك في وفد العراق، فقدمت عليه وقد خرج متبديا بقرابته وأهله وحشمه وغاشيته من جلسائه، فنزل في أرض قاع صحصح متنايف أفيح في عام قد بكر وسميه، وتتابع وليه، وأخذت الأرض زينتها من اختلاف نبتها من نور ربيع مونق، فهو أحسن منظر وأحسن مختبر وأحسن مستمطر، بصعيد كان

стр. 2443

ترابه قطع الكافور حتى لو أن بضعة ألقيت فيه لم تترب، وقد ضرب له سرادق من حبرة، وكان صنعه له يوسف بن عمر باليمن، فيه أربعة أفرشة من خز أحمر مثلها مرافقها، وعليه دراعه من خز أحمر مثلها عمامتها، وقد أخذ الناس مجالسهم، فأخرجت رأسي من ناحية السماط فنظر إلي مثل المستنطق لي [١] ، فقلت: أتم الله عليك يا أمير المؤمنين نعمة، وسوغكها بشكره، وجعل ما قلدك من هذه الأمور رشدا وعاقبة ما يؤول إليه حمدا أخلصه الله لك بالتقى، وكثره لك بالنماء، لا كدر عليك منه ما صفا، ولا خالط مسروره الردى، فقد أصبحت للمسلمين ثقة ومستراحا، إليك يفزعون في مظالمهم، وإليك يلجئون في أمورهم، وما أجد يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك [٢] شيئا هو أبلغ في قضاء حقك من أن أذكرك نعمة الله عليك فأنبهك على شكرها، وما أجد في ذلك شيئا هو أبلغ من حديث من يقدم قبلك من الملوك، فإن أذن لي أمير المؤمنين أخبرته. وكان متكئا فاستوى قاعدا وقال: هات يا ابن الأهتم، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن ملكا من الملوك قبلك خرج في عام مثل عامنا هذا إلى الخورنق والسدير في عام قد بكر وسميه، وتتابع وليه، وأخذت الأرض فيه زخرفها من اختلاف ألوان نبتها من نور ربيع مونق، فهو في أحسن منظر، وأطرف مختبر، وألذ مستمطر، بصعيد كأن ترابه قطع الكافور، حتى لو أن بضعة ألقيت فيه لم تترب، وكان قد أعطي فتاء السن مع الكثرة والغلبة والنماء فنظر فأبعد النظر فقال: لمن هذا الذي أنا فيه، هل رأيتم مثل ما أنا فيه؟ هل أعطي أحد مثل ما أعطيت؟ وعنده رجل من بقايا حملة الحجة والمضي على أدب الحق ومنهاجه، فقال [له] [٣] : أيها الملك، إنك قد سألت عن أمر أفتأذن في الجواب؟ قال: نعم، قال: أرأيتك هذا الذي قد أعجبت به، أهو شيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك ميراثا عن غيرك وهو زائل عنك، وصائر إلى غيرك كما صار إليك؟ قال: فكذلك هو، قال: أفلا أراك إنما أعجبت بشيء يسير تكون فيه قليلا وتغيب عنه طويلا، وتكون غدا لحسابه مرتهنا، قال: ويحك فأين المهرب وأين المطلب؟ قال: إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة ربك على ما ساءك وسرك ومضّك

стр. 2444

وأومضك، وإما أن تضع تاجك، وتلبس أمساحك، وتعبد ربك في هذا الجبل حتى يأتيك أجلك. قال: فإذا كان السحر فاقرع علي بابي، فإن اخترت ما أنا فيه كنت وزيرا لا تعصى [وجليسا لا يقصى] [١] ، وإن اخترت خلوات الأرض و [قعر] [١] البلاد كنت رفيقا لا يخالف. فلما كان السحر قرع عليه بابه، فإذا هو قد وضع تاجه ولبس أمساحه وتهيأ للسياحة، فلزما والله الجبل حتى أتتهما آجالهما، وذلك حيث يقول أخو بني تميم عدي بن زيد العبادي [٢] : أيها الشامت المعير بالدهر ... أأنت المبرأ الموفور أم لديك العهد الوثيق من الأيام ... بل أنت جاهل مغرور من رأيت المنون خلدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير أين كسرى كسرى الملوك أبو ... ساسان أم أين قبله سابور وبنو الأصفر الكرام ملوك ... الروم لم يبق منهم مذكور وأخو الحصن إذ بناه وإذ دجلة ... تجبى إليه والخابور شاده مرمرا وجلله كلسا ... فللطير [٣] فِي ذراه وكور لم تهبه ريب المنون فباد ... الملك عنه فبابه مهجور وتأمل رب الخورنق إذ أشرف ... يوما وللهدى تفكير سره ماله وكثرة ما يملك ... والبحر معرض والسدير فارعوى قلبه وقال وما غبطة ... حي إلى الممات يصير ثم بعد الإفلاح والملك و ... الأمة وارتهم هناك القبور ثم أضحوا كأنهم ورق جف ... فألوت به الصبا والدبور قال: فبكى هشام حتى اخضلت لحيته وبل عمامته وأمر بنزع أبنيته وبنقلان قرابته وأهله وحشمه وغاشيته من جلسائه، ولزم [٤] قصره. قال: فاجتمعت الموالي والحشم على خالد بن صفوان فقالوا: ما أردت بأمير المؤمنين، نغصت عليه لذته، وأخذت عليه

стр. 2445

ناديته، فقال لهم: إليكم عني فإني عاهدت الله تعالى عهدا لن أخلو بملك إلا ذكرته الله . قال ابن الأنباري: الذي حفظناه عن مشايخنا متنايف أفيح. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: الصواب مسايف جمع مسافة. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٦٥٤- الربيع بن أبي راشد، أبو عبد الله [١] : أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن مالك، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قال: حدثني الفضل بن سهل، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثني من سمع عمر بن ذر يقول: كنت إذا رأيت الربيع بن أبي راشد كأنه مخمار من غير شراب [٢] . أخبرنا علي بْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا رِزْقُ اللَّهِ، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بكر القرشي، قال: حدثنا مالك بن إسماعيل، قال: حدثني عبد السلام بن حرب، عن خلف بن حوشب، قال: قال الربيع بن أبي راشد: اقرأ عليّ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ من الْبَعْثِ) ٢٢: ٥ [٣] فقرأتها [عليه] [٤] فبكى ثم قال: والله لولا أن تكون بدعة لسحت- أو قال: لهمت- في الجبال. ٦٥٥- زيد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب: دخل على هشام بن عبد الملك فرفع دينا وحوائج فلم يقضها له، وأسمعه كلاما شديدا، فخرج إلى الكوفة، وخرج بها ويوسف بن عمر الثقفي عامل هشام على العراق، فوجه إلى زيد من يقاتله، فاقتتلوا، فتفرق عن زيد من خرج معه، ثم قتل

стр. 2446

وصلب، فلما ظهر ولد العباس أخرج هشام من قبره فصلب. وكان قتل زيد في هذه السنة، وكان ابن اثنتين وأربعين سنة. ٦٥٦- عطاء السليمي: [١] كان شديد الخوف والحياء من الله، لم يرفع رأسه إلى السماء أربعين سنة. وكان يبكي حتى يبل ما حوله، فعوتب في بكائه، فقال: إذا ذكرت أهل النار وما ينزل بهم من العذاب تمثلت نفسي بينهم، فكيف لنفس تغل وتسحب في النار؟ ألا تبكي؟!. وكان يقول: ارحم في الدنيا غرتي، وفي القبر وحدتي وطول مقامي غدا بين يديك. وقال جعفر [بن سليمان] [٢] : التقى ثابت وعطاء السليمي ثم افترقا، فلما كان وقت الهاجرة جاء عطاء فخرجت الجارية إليه فقالت: أخوك عطاء، فخرج إليه فقال: يا أخي في هذا الحر، قال: ظللت صائما فاشتد علي الحر، فذكرت [حر] [٣] جهنم فأحببت أن تعينني على البكاء، فبكيا حتى سقطا. قال جعفر: ولما مات عطاء رأيته في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: رحمني ووبخني وقال لي: يا عطاء، ما استحييت مني، تخافني ذلك الخوف كله، أما علمت أني أرحم الراحمين. ٦٥٧- عطية بن قيس الكلابي [٤] من أهل القرآن والفضل، توفي في هذه السنة وهو ابن مائة سنة وأربع سنين. ٦٥٨- محمد بن يحيى بن حبان بن منقذ بن عمرو بن مالك، أبو عبد الله [٥] : كانت له حلقة في مسجد رسول الله ﷺ ، وكان يفتي، وكان كثير الحديث ثقة. توفي بالمدينة في هذه السنة.

стр. 2447

ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائة فمن الحوادث فيها قتل كلثوم [١] القشيري الذي كان بعثه هشام في خيول أهل الشام إلى إفريقية حين وقعت الفتنة بالبربر. وفيها: قتل عبد الله البطال في جماعة من المسلمين بأرض الروم. وفيها: ولد محمد بن إبراهيم بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس. وفيها: وجه يوسف بن عمر بن شبرمة على سجستان، واستقضى ابن أبي ليلى. [وفي هذه السنة [٢] حج بالناس محمد بن هشام المخزومي، وكانت عمال الأمصار في هذه السنة العمال فِي السنة التي قبلها، وقد ذكرناهم، إلا أن قاضي الكوفة فيما ذكر محمد بن عبد الرحمن بْن أَبِي ليلى. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٦٥٩- إياس بن معاوية بن قرة بن إياس المزني [٣] : سمع من أبيه، وأنس، وابن المسيب، وغيرهم. روى عنه حماد بن سلمة وغيره.

стр. 2448

ولي قضاء البصرة لعمر بن عبد العزيز، وكانت له فراسة وذكاء وفطنة. وتوفي في هذه السنة وكان له عقب. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا محمد بْنُ أحمد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا الحسين بن المتوكل، قال: حدثنا أبو الحسن المدائني، عن أبي إسحاق بن حفص، قال: قيل لإياس بن معاوية: فيك أربع خصال: دمامة، وكثرة كلام، وإعجاب بنفسك، وتعجيل في القضاء. قال: أما الدمامة فالأمر فيها إلى غيري، وأما كثرة الكلام فبصواب أم بخطأ؟ قالوا: بصواب، قال: فالإكثار من الصواب أمثل. وأما إعجابي بنفسي، أفيعجبكم ما ترون مني؟ قالوا: نعم، قال: فإني أحق أن أعجب بنفسي. وأما قولكم إني أعجل بالقضاء، فكم هذه- وأشار بيده خمسة؟ فقالوا: خمسة، فقال: عجلتم، ألا قلتم: واحد واثنان وثلاثة وأربعة وخمسة؟ قالوا: ما نعد شيئا قد عرفناه، قال: فما أحبس شيئا قد تبين لي فيه الحكم. أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، قال: أخبرنا أبو اليسر إبراهيم بن موسى الجزري، قال: حدّثنا القاضي المقدمي، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب، قال: حدثنا قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال: كنت جالسا عند إياس بن معاوية، فأتاه رجل فسأله عن مسألة فطول عليه، فأقبل عليه إياس فقال: إن كنت تريد الفتيا فعليك بالحسن فإنه معلمي ومعلم أبي، وإن كنت تريد القضاء فعليك بعبد الملك بن يعلى- وكان على قضاء البصرة يومئذ- وإن كنت تريد الصلح فعليك بحميد الطويل، وتدري ما يقول لك؟ يقول لك: حط عنه شيئا، ويقول لصاحبك زده شيئا حتى يصلح بينكما وإن كنت تريد الشغب فعليك بصالح السدوسي، وتدري ما يقول لك، اجحد ما عليك وادع ما ليس لك، وادع بينة غيبا. ٦٦٠- زبيد اليامي: [١] أدرك ابن عمر وأنسا، وكان عابدا ثقة دينا، كان يقول سعيد بن جبير: لو خيرت

стр. 2449

عبدا ألقى الله في صلاحه لاخترت زبيد اليامي. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَيْلانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَكِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن المسيب، قال: حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا جرير، عن ابن شبرمة، قال: كان زبيد اليامي يجزئ الليل ثلاثة أجزاء: جزءا عليه، وجزءا على عبد الرحمن ابنه، وجزءا على عبد الله ابنه، فكان زبيد يصلي ثلث الليل ثم يقول لأحدهما: قم، فإن تكاسل صلى جزأه، ثم يقول للآخر: قم، فإن تكاسل صلى جزأه فيصلي الليل كله. أخبرنا محمد بن أبي القاسم بإسناده عن سفيان، قال: كان زبيد إذا كانت ليلة مطيرة أخذ شعلة من النار فطاف على عجائز الحي فقال: أولف عليكم بيت، أتريدون نارا، فإذا أصبح طاف على عجائز الحي: ألكم في السوق حاجة أو تريدون شيئا؟. قال أحمد: حدثني أبو سعيد الأشج، حدثني المجازي، عن سفيان، قال: دخلنا على زبيد نعوده، فقلنا: شفاك الله، فقال: أستجير الله. توفي زبيد في هذه السنة، وكان طلحة أسن منه بعشر سنين، فاستوفى زبيد عشر سنين ثم مات. ٦٦١- سيار بن دينار- ويقال: ابن وردان- أبو الحكم القسري [١] : روى عن طارق] / بن شهاب، والشعبي، وأبي وائل، وأبي حازم، وكان شديد الحزن كثير البكاء. وقال: إن الفرح بالدنيا والحزن بالآخرة لا يجتمعان في قلب عبد، إذا سكن أحدهما القلب خرج الآخر. أنبأنا يحيى بن الحسين بن البناء، قال: أنبأنا أبو غالب محمد بن أحمد بن بشران، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن الحاجري، قال: أخبرنا محمد بن عثمان بن

стр. 2450

سمعان، قال: أخبرنا أسلم بن سهل الرزاز، قال: حدثنا وهب بن بقية، قال: أخبرني حسين بن زياد، قال: بعث بعض القضاة إلى سيار بواسط، فأتاه فقال له: لم لا تجيء إلينا؟ فقال له: إن أدنيتني فتنتني، وإن باعدتني غممتني، وليس عندك ما أرجو، ولا عندي ما أخافك عليه. ثم قام. قال أسلم: وحدثني عبد الحميد بن بيان، قال: سمعت أبي يقول: خرج سيار بن يسار إلى البصرة، فقام يصلي إلى سارية في المسجد الجامع، وكان حسن الصلاة وعليه ثياب جياد، فرأه مالك بن دينار فجلس إليه، فسلم سيار فقال له مالك: هذه الصلاة وهذه الثياب؟ فقال له سيار: ثيابي هذه ترفعني عندك أو تضعني؟ قال: تضعك [١] ، قال: هذا أردت، ثم قال له: يا مالك، إني لأحسب ثوبيك هذين قد أنزلاك من نفسك ما لم ينزلك من الله، فبكى مالك وقال له: أنت سيار؟ قال: نعم، فعانقه. وفي رواية: جاء مالك فقعد بين يديه. ٦٦٢- عبد الملك بن حبيب، أبو عمران الجوني [٢] : أسند عن أنس، وجندب بن عبد الله، وعائذ بن عمرو، وأبي برزة، وكان عالما متعبدا. قال أبو بكر القرشي: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الحسين، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عمر الضرير، قال: حدثنا الحارث بن سعيد، قال: كان أبو عمران الجوني إذا سمع الأذان تغير لونه وفاضت عيناه. ٦٦٣- عثمان بن أبي دهرش المكي [٣] : يروي عن رجل من الصحابة، روى عنه ابن عيينة. أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا ابن

стр. 2451

الْمُذْهَبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أحمد، قال: حدثني العباس بن محمد مولى بني هاشم، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن شقيق، عن عبد الله بن المبارك، عن عثمان بن أبي دهرش: أنه كان إذا رأى الفجر أقبل عليه تنبه وقال: أسير الآن مع الناس ولا أدري ما أجني على نفسي. وقال عثمان: ما صليت صلاة قط إلا استغفرت الله من تقصيري فيها. ٦٦٤- مسلمة بن عبد الملك بن مروان، كنيته أبو سعيد [١] : كان شجاعا جوادا ذا رأي وحزم وفضل، وغزا غزوات، وكان حسن التدبير. قال: ما لمت نفسي على خطأ افتتحته بحزم، ولا حمدتها على صواب افتتحته بعجز. وإنما زوت عنه بنو أمية لأن أمه أم ولد. [توفي في هذه السنة] [٢] .

стр. 2452

ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائة فمن الحوادث فيها ما جرى بين الصغد ونصر بن سيار من الصلح [١] . وفيها [٢] : غزا نصر فرغانة غزوته الثانية [٣] . وفيها [٤] : أوفد يوسف بن عمر الحكم بن أبي الصلت إلى هشام بن عبد الملك يسأله ضم خراسان إليه، وعزل نصر بن سيار. وذلك أن ولاية نصر طالت، ودانت له خراسان، فحسده يوسف وأمر من قدح فيه عند هشام بالكبر فلم يلتفت هشام إلى ذلك. وفيها: حج بالناس يزيد بن هشام بن عبد الملك، وكان عمال الأمصار في هذه السنة العمال الذين كانوا في السنة قبلها. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٦٦٥- سماك بن حرب السدوسي: كان قد ذهب بصره فرأى في منامه إبراهيم الخليل ﵇ فأصبح يبصر.

стр. 2453

٦٦٦- وسماك بن حرب بن أوس بن خالد بن نزار، أبو المغيرة الذهلي [١] : رأى المغيرة بن شعبة، وسمع من النعمان بن بشير، وجابر بن سمرة، وسويد بن قيس، وأنس بن مالك، ومحمد بن حاطب، وثعلبة بن الحكم. وقال سماك: أدركت ثمانين من أصحاب رسول الله ﷺ . روى عنه إسماعيل بن أبي خالد، والثوري، وشعبة، وزائدة، وحماد بن سلمة. وكان ثقة، وبعثه ابن هبيرة إلى بغداد فقدمها قبل أن تمصر [٢] . وتوفي في هذه السنة. ٦٦٧- سعيد بن أبي سعيد المقبري، مولى بني ليث [٣] : روى عن سعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وأبي سعيد وغيرهم، وكان ثقة. قال محمد بن سعد: لكنه بقي حتى اختلط قبل موته بأربع سنين. ومات في هذه السنة. ٦٦٨- عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي [٤] : سمع من ابن عمر، وابن عباس، وجمهور رواياته عن أبيه. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الباقي بإسناد لَهُ عن ابن عيينة، عن مسعر، قال: قال عون بن عبد الله: كفى بك من الكبر أن ترى لك فضلا على من هو دونك. قال عبد الله: وحدثني أبو معمر، قال: حدثنا سفيان، عن أبي هارون، قال:

стр. 2454

كان عون يحدثنا ولحيته ترش بالدموع. ٦٦٩- عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التيمي [١] : أمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق. روت عن عائشة أم المؤمنين خالتها. وكانت فائقة الحسن، تزوجها عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بكر، فولدت له عمران، وعبد الرحمن، وأبا بكر، وطلحة، ونفيسة، ثم فارقت [٢] زوجها ثم عادت إليه ثم توفي عنها، فما فتحت فاها عليه. ثم تزوجها بعده مصعب بن الزبير وأمهرها خمسمائة ألف درهم وأهدى لها مثل ذلك. وكانت تكثر مخاصمته، ودخل عليها وهي نائمة بثماني لؤلؤات قيمتها عشرون ألف دينار فأيقظها ونثر اللؤلؤ في حجرها، فقالت له: نومتي كانت أحب إلي من هذا اللؤلؤ. ثم قتل عنها مصعب. فخطبها بشر بن مروان. وقدم عُمَر بْن عبيد اللَّه بْن معمر التيمي من الشام، فنزل الكوفة، فبلغه أن بشرا خطبها، فأرسل إليها جارية لها، وقال لها: قولي لها ابن عمك يقرئك السلام ويقول لك أنا خير لك من هذا الميسور والمطحول، وإن تزوجت بك ملأت بيتك خيرا. فتزوجته فبنى بها بالحيرة. وفي رواية أن بشرا بعث إليها عمر بن عبيد الله يخطبها، فقالت له: أما وجد بشر رسولا إلى ابنة عمك غيرك، فأين بك عن نفسك؟ قال: أو تفعلين؟ قالت: نعم، فتزوجها وحمل إليها ألف ألف درهم، خمسمائة ألف مهرا وخمسمائة ألف هدية، وقال لمولاتها: لك علي ألف دينار إن دخلت بها الليلة، فحمل المال فألقي في الدار وغطي بالثياب، وخرجت عائشة فقالت لمولاتها: ما هذا أفرش أم ثياب؟ قالت: انظري، فنظرت فإذا مال، فتبسمت فقالت لها: أجزاء [من حمل] [٣] هذا أن يبيت عندنا، قالت: لا والله ولكن لا يجوز دخوله إلا بعد أن أتزين له وأستعد، قالت: وبماذا فو الله لوجهك أحسن من كل زينة، وما تمدين يديك إلى طيب أو ثوب أو فرش إلا وهو عندك، وقد

стр. 2455

عزمت عليك أن تأذني له، قالت: افعلي، فذهبت إليه فقالت: بت ببيتنا الليلة، فجاءهم عند العشاء الآخرة، ومكثت معه ثماني سنين، وكانت تصف له مصعبا فيكاد يموت من الغيظ، فلما مات ندبته قائمة وقالت: كان أكرمهم علي وأمسهم رحما بي، فلا أتزوج بعده، وكانت المرأة إذا ندبت زوجها قائمة علم أنها لا تتزوج بعده، ودخلت على الوليد بن عبد الملك وهو بمكة، فقالت: يا أمير المؤمنين، مر لي بأعوان يكونون معي، فضم إليها جماعة يكونون معها، فحجت ومعها ستون بغلا وعليها الهوادج والرحال [١] .. وحجت سكينة بنت الحسين، فكانت عائشة أحسن منها آلة وثقلا، فقال حادي عائشة يترنم: عائش يا ذات البغال الستين ... لا زلت ما عشت غدا تحجين فشق على سكينة، فنزل حاديها فقال: عائش هذه ضرة تشكوك ... لولا أبوها ما اهتدى أبوك فأمرت عائشة حاديها أن يكف، وكانت عائشة لما تأيمت تقيم بمكة سنة، وبالمدينة سنة، وتخرج إلى مال لها بالطائف وقصر لها فتتنزه. وقدمت على هشام بن عبد الملك، فقال: ما أقدمك؟ فقالت: حبست السماء قطرها، ومنع السلطان الحق، فأمر لها بمائة ألف درهم وردها إلى المدينة.
следующие страницы →