← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

الْمُذْهَبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أحمد، قال: حدثني العباس بن محمد مولى بني هاشم، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن شقيق، عن عبد الله بن المبارك، عن عثمان بن أبي دهرش: أنه كان إذا رأى الفجر أقبل عليه تنبه وقال: أسير الآن مع الناس ولا أدري ما أجني على نفسي. وقال عثمان: ما صليت صلاة قط إلا استغفرت الله من تقصيري فيها. ٦٦٤- مسلمة بن عبد الملك بن مروان، كنيته أبو سعيد [١] : كان شجاعا جوادا ذا رأي وحزم وفضل، وغزا غزوات، وكان حسن التدبير. قال: ما لمت نفسي على خطأ افتتحته بحزم، ولا حمدتها على صواب افتتحته بعجز. وإنما زوت عنه بنو أمية لأن أمه أم ولد. [توفي في هذه السنة] [٢] .

стр. 2452

ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائة فمن الحوادث فيها ما جرى بين الصغد ونصر بن سيار من الصلح [١] . وفيها [٢] : غزا نصر فرغانة غزوته الثانية [٣] . وفيها [٤] : أوفد يوسف بن عمر الحكم بن أبي الصلت إلى هشام بن عبد الملك يسأله ضم خراسان إليه، وعزل نصر بن سيار. وذلك أن ولاية نصر طالت، ودانت له خراسان، فحسده يوسف وأمر من قدح فيه عند هشام بالكبر فلم يلتفت هشام إلى ذلك. وفيها: حج بالناس يزيد بن هشام بن عبد الملك، وكان عمال الأمصار في هذه السنة العمال الذين كانوا في السنة قبلها. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٦٦٥- سماك بن حرب السدوسي: كان قد ذهب بصره فرأى في منامه إبراهيم الخليل ﵇ فأصبح يبصر.

стр. 2453

٦٦٦- وسماك بن حرب بن أوس بن خالد بن نزار، أبو المغيرة الذهلي [١] : رأى المغيرة بن شعبة، وسمع من النعمان بن بشير، وجابر بن سمرة، وسويد بن قيس، وأنس بن مالك، ومحمد بن حاطب، وثعلبة بن الحكم. وقال سماك: أدركت ثمانين من أصحاب رسول الله ﷺ . روى عنه إسماعيل بن أبي خالد، والثوري، وشعبة، وزائدة، وحماد بن سلمة. وكان ثقة، وبعثه ابن هبيرة إلى بغداد فقدمها قبل أن تمصر [٢] . وتوفي في هذه السنة. ٦٦٧- سعيد بن أبي سعيد المقبري، مولى بني ليث [٣] : روى عن سعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وأبي سعيد وغيرهم، وكان ثقة. قال محمد بن سعد: لكنه بقي حتى اختلط قبل موته بأربع سنين. ومات في هذه السنة. ٦٦٨- عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي [٤] : سمع من ابن عمر، وابن عباس، وجمهور رواياته عن أبيه. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الباقي بإسناد لَهُ عن ابن عيينة، عن مسعر، قال: قال عون بن عبد الله: كفى بك من الكبر أن ترى لك فضلا على من هو دونك. قال عبد الله: وحدثني أبو معمر، قال: حدثنا سفيان، عن أبي هارون، قال:

стр. 2454

كان عون يحدثنا ولحيته ترش بالدموع. ٦٦٩- عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التيمي [١] : أمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق. روت عن عائشة أم المؤمنين خالتها. وكانت فائقة الحسن، تزوجها عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بكر، فولدت له عمران، وعبد الرحمن، وأبا بكر، وطلحة، ونفيسة، ثم فارقت [٢] زوجها ثم عادت إليه ثم توفي عنها، فما فتحت فاها عليه. ثم تزوجها بعده مصعب بن الزبير وأمهرها خمسمائة ألف درهم وأهدى لها مثل ذلك. وكانت تكثر مخاصمته، ودخل عليها وهي نائمة بثماني لؤلؤات قيمتها عشرون ألف دينار فأيقظها ونثر اللؤلؤ في حجرها، فقالت له: نومتي كانت أحب إلي من هذا اللؤلؤ. ثم قتل عنها مصعب. فخطبها بشر بن مروان. وقدم عُمَر بْن عبيد اللَّه بْن معمر التيمي من الشام، فنزل الكوفة، فبلغه أن بشرا خطبها، فأرسل إليها جارية لها، وقال لها: قولي لها ابن عمك يقرئك السلام ويقول لك أنا خير لك من هذا الميسور والمطحول، وإن تزوجت بك ملأت بيتك خيرا. فتزوجته فبنى بها بالحيرة. وفي رواية أن بشرا بعث إليها عمر بن عبيد الله يخطبها، فقالت له: أما وجد بشر رسولا إلى ابنة عمك غيرك، فأين بك عن نفسك؟ قال: أو تفعلين؟ قالت: نعم، فتزوجها وحمل إليها ألف ألف درهم، خمسمائة ألف مهرا وخمسمائة ألف هدية، وقال لمولاتها: لك علي ألف دينار إن دخلت بها الليلة، فحمل المال فألقي في الدار وغطي بالثياب، وخرجت عائشة فقالت لمولاتها: ما هذا أفرش أم ثياب؟ قالت: انظري، فنظرت فإذا مال، فتبسمت فقالت لها: أجزاء [من حمل] [٣] هذا أن يبيت عندنا، قالت: لا والله ولكن لا يجوز دخوله إلا بعد أن أتزين له وأستعد، قالت: وبماذا فو الله لوجهك أحسن من كل زينة، وما تمدين يديك إلى طيب أو ثوب أو فرش إلا وهو عندك، وقد

стр. 2455

عزمت عليك أن تأذني له، قالت: افعلي، فذهبت إليه فقالت: بت ببيتنا الليلة، فجاءهم عند العشاء الآخرة، ومكثت معه ثماني سنين، وكانت تصف له مصعبا فيكاد يموت من الغيظ، فلما مات ندبته قائمة وقالت: كان أكرمهم علي وأمسهم رحما بي، فلا أتزوج بعده، وكانت المرأة إذا ندبت زوجها قائمة علم أنها لا تتزوج بعده، ودخلت على الوليد بن عبد الملك وهو بمكة، فقالت: يا أمير المؤمنين، مر لي بأعوان يكونون معي، فضم إليها جماعة يكونون معها، فحجت ومعها ستون بغلا وعليها الهوادج والرحال [١] .. وحجت سكينة بنت الحسين، فكانت عائشة أحسن منها آلة وثقلا، فقال حادي عائشة يترنم: عائش يا ذات البغال الستين ... لا زلت ما عشت غدا تحجين فشق على سكينة، فنزل حاديها فقال: عائش هذه ضرة تشكوك ... لولا أبوها ما اهتدى أبوك فأمرت عائشة حاديها أن يكف، وكانت عائشة لما تأيمت تقيم بمكة سنة، وبالمدينة سنة، وتخرج إلى مال لها بالطائف وقصر لها فتتنزه. وقدمت على هشام بن عبد الملك، فقال: ما أقدمك؟ فقالت: حبست السماء قطرها، ومنع السلطان الحق، فأمر لها بمائة ألف درهم وردها إلى المدينة.

стр. 2456

ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائة فمن الحوادث فيها أن جماعة [١] من شيعة بني العباس اجتمعوا بالكوفة، فغمز بهم، فأخذوا وحبسوا، [وفيهم] [٢] بكير بن ماهان، فرأى بكير أبا مسلم صاحب دعوة بني العباس مع عيسى بن معقل العجلي، فقال: ما هذا الغلام؟ فقال: مملوك، فقال: بعنيه، فأعطاه أربعمائة [ألف] [٣] درهم، وبعث به إلى إبراهيم فدفعه إبراهيم إلى موسى السراج، فسمع منه وحفظ واختلف إلى خراسان. وفي هذه السنة: غزا سليمان بن هشام الصائفة، فلقي أليون ملك الروم فسلم وغنم. وفيها: حج بالناس [٤] محمد بن هشام بن إسماعيل، وَكَانَ عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنين التي قبلها ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٦٧٠- عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام [٥] : روى عن أبيه وغيره من الصحابة، وعن جماعة من التابعين، وكان رجلا صالحا لا

стр. 2457

يعرف الشر. أتي يوما بعطائه، فوضعه في المسجد ثم قام فنسيه [١] ، فذكر، فقال لخادمه: ادخل المسجد وائتني بعطائي، قال: وأين أجده؟ قال: سبحان الله أو يأخذ أحد ما ليس له؟ أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بْن أَحْمَد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عمر بن أحمد بن عثمان، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن شيبان الرملي [٢] ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عمران بن أبي عمران، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: اشترى عامر بن عبد الله نفسه من الله بتسع ديات. أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قَالَ: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بْن علي بن الخياط [٣] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن محمد القرشي، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا قدامة، قال: سمعت أبا مودود يقول: كان عامر بن عبد الله بن الزبير يتحين العباد وهم سجود: أبا حازم، وصفوان بن سليم، وسليمان بن سحيم وأشباههم، فيأتيهم بالصرة فيها الدنانير والدراهم، فيضعها عند نعالهم بحيث يحسون بها ولا يشعرون بمكانه، فيقال له: ما يمنعك أن ترسل بها إليهم؟ فيقول: [إني] [٤] أكره أن يتمعر وجه أحدهم إذا نظر إلى رسولي وإذا لقيني. أخبرنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب، قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة، قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن سُلَيْمَانَ بْنُ دَاوُدَ الطُّوسِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الزُّبْيَرُ بن بكار، قال: حدثني عياش بن المغيرة، قال: كان عامر بن عبد الله بن الزبير إذا شهد جنازة وقف على القبر، فقال: ألا أراك

стр. 2458

ضيقا، ألا أراك رقعا، ألا أراك مظلما، لئن سلمت لأتأهبن لك أهبتك، فأول شيء يراه من ماله يتقرب به إلى ربه، فإن كان [رقيقه] [١] ليتعرضون له عند انصرافه من الجنازة ليعتقهم. قَالَ الزُّبَيْرُ: وَحَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ الله، قال: سمع عامر بن عبد الله المؤذن وهو يجود بنفسه ومنزله قريب من المسجد، فقال: خذوا بيدي، فقيل له: إنك عليل، فقال: أسمع داعي الله فلا أجيب، فأخذوا بيده فدخل في صلاة المغرب فركع مع الإمام ركعة ثم مات. ٦٧١- محمد بن مسلم بن عبيد الله [٢] بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، أبو بكر الزهري [٣] : ولد سنة ثمان وخمسين، وهي السنة التي توفيت فيها عائشة ﵂. وسمع جماعة من الصحابة، وأخذ عن ابن المسيب سنين وعن غيره. وجمع الفقه والحديث. أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، قال: أخبرنا أبو عمرو بن حيوية، قال: أخبرنا أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ الْخَلالُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ [أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا] [٤] مُحَمَّدُ بن عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: نَشَأْتُ وَأَنَا غُلامٌ لا مَالَ لِي مِنَ الدِّيوَانِ، وَكُنْتُ أَتَعَلَّمُ نَسَبَ قَوْمِي مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ [٥] ، وَكَانَ عَالِمًا بِنَسَبِ قَوْمِي، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِنَ الطَّلاقِ

стр. 2459

فَعَيِيَ بِهَا وَأَشَارَ [لَهُ] [١] إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أَلا أَرَانِي مَعَ هَذَا الرَّجُلِ الْمُسِنِّ [يَعْقِلُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ] [٢] وَهُوَ لا يَدْرِي مَا هَذَا، فَانْطَلَقْتُ مَعَ السَّائِلِ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ، فَجَلَسْتُ إِلَى سَعِيدٍ وَتَرَكْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَعْلَبَةَ وَجَالَسْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ [٣] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ حَتَّى فَهِمْتُ [٤] ، فَرَحَلْتُ إِلَى الشَّامِ فَدَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقَ فَأَتَيْتُ حَلَقَةً وِجَاهَ الْمَقْصُورَةِ فَجَلَسْتُ فِيهَا، فَنَسَبَنِي الْقَوْمُ، فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ، قَالُوا: أَهَلْ لَكَ [عِلْمٌ] [٥] بِالْحُكْمِ فِي أُمَّهَاتِ الأَوْلادِ؟ فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِيهِمْ [٦] ، فَقَالَ لِي الْقَوْمُ: هَذَا مَجْلِسُ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ وَهُوَ جَائيكَ، وَقَدْ سَأَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ هَذَا فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ عِلْمًا، فَجَاءَ قَبِيصَةُ فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَنَسَبَنِي فَانْتَسَبْتُ، وَسَأَلَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَنُظَرَائِهِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: أَنَا أُدْخِلُكَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فصلى الصُّبْحَ ثُمَّ انْصَرَفَ فَتَبِعْتُهُ، فَدَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَجَلَسْتُ عَلَى الْبَابِ سَاعَةً حَتَّى ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ خَرَجَ الآذَانَ فَقَالَ: أَيْنَ هَذَا الْمَدِينِيُّ الْقُرَشِيُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: هَا أَنَا ذَا، قَالَ: فَقُمْتُ فَدَخَلْتُ مَعَهُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَجِدُ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمُصْحَفَ قَدْ أَطْبَقَهُ وَأَمَرَ بِهِ فَرُفِعَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ غَيْرُ قَبِيصَةَ جَالِس، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ، فَقَالَ: أوه قَوْم يَغَارُونَ فِي الفتن. قال: وَكَانَ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْدِ [اللَّهِ] [٧] مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ قَالَ: مَا عِنْدَكَ فِي أُمَّهَاتِ الأَوْلادِ؟ فَأَخْبَرْتُهُ فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ- فقال:

стр. 2460

كَيْفَ سَعِيدُ بْنُ [الْمُسَيِّبِ] [١] ، وَكَيْفَ حَالِهِ؟ ثُمَّ قُلْتُ: - وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، وَحَدَّثَنِي عُرْوَةُ، وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ حَدَّثْتُهُ الْحَدِيثَ فِي أُمَّهَاتِ الأَوْلادِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁. قَالَ: فَالْتَفَتُّ إِلَى قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، فَقَالَ: هَذَا يُكْتَبُ بِهِ إِلَى الآفَاقِ، فَقُلْتُ: لا أَجِدُهُ أَخْلَى مِنْهُ السَّاعَةَ، وَلَعَلِّي لا أَدْخُلُ عَلَيْهِ بَعْدَ هَذِهِ الْمَرَّةِ، فَقُلْتُ: إِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَصِلَ رَحِمِي وَأَنْ يَفْرِضَ لِي فَرَائِضَ أَهْلِ بَيْتِي، - فَإِنِّي رَجُلٌ لا دِيوَانَ لِي-، فَعَلْ، فَقَالَ: إِيهَا [٢] الآنَ امْضِ لِشَأْنِكَ، فَخَرَجْتُ مُوئِسًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَرَجْتُ لَهُ، وَأَنَا حِينَئِذٍ مُقِلٌّ مُرْمِلٌ، فَجَلَسْتُ حَتَّى خَرَجَ قَبِيصَةُ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ لائِمًا لِي، فَقَالَ لِي: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ مِنْ غَيْرِ أَمْرِي، أَلا اسْتَشَرْتَنِي؟ قُلْتُ: ظَنَنْتُ وَاللَّهِ أَنِّي لا أَعُودُ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَقَامِ، قَالَ: وَلِمَ [ظَنَنْتَ ذَلِكَ؟ تَعُودُ إِلَيْهِ] [٣] ، فَالْحَقْ بِي. فَمَشَيْتُ خَلْفَ دَابَّتِهِ حَتَّى دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَقَلَّ مَا لَبِثَ حَتَّى خَرَجَ إِلَيَّ خَادِمُهُ [٤] ، بِرُقْعَةٍ فِيهَا: هَذِهِ مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِهَا، وَبَغْلَةٌ تَرْكَبُهَا، وَغُلامٌ يَكُونُ مَعَكَ يَخْدِمُكَ، وَعَشَرَةُ أَثْوَابٍ كِسْوَة، فَقُلْتُ للرَّسُولِ: مِمَّنْ أَطْلُبُ هَذَا؟ فَقَالَ: أَلا تَرَى فِي الرُّقْعَةِ اسْمَ الَّذِي أَمَرَكَ أَنْ تَأْتِيَهُ؟ فَنَظَرْتُ فِي طَرَفِ الرُّقْعَةِ، فَإِذَا فِيهَا. تَأْتِي فُلانًا فَتَأْخُذُ مِنْهُ ذَلِكَ. قَالَ: فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ: قَهْرَمَانُهُ، فَأَتَيْتُهُ بِالرُّقْعَةِ فَأَمَرَ لِي بذلك من ساعته، فانصرفت وقد ريشني، فَغَدَوْتُ إِلَيْهِ مِنَ الْغَدِ وَأَنَا عَلَى بَغْلَتِهِ فَسِرْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: احْضُرْ بَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى أُوَصِّلَكَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَحَضَرْتُ فَأَوْصَلَنِي إِلَيْهِ، وَقَالَ: إِيَّاكَ أَنْ تُكَلِّمَهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَبْتَدِئَكَ وَأَنَا أَكْفِيكَ أَمْرَهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ فَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنِ اجْلِسْ، فَلَمَّا جَلَسْتُ ابْتَدَأَ عَبْدُ الْمَلِكِ الْكَلامَ، فَجَعَلَ يُسَائِلُنِي عَنْ أَنْسَابِ قُرَيْشٍ، فَلَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ بِهَا مِنِّي. قَالَ: وَجَعَلْتُ أَتَمَنَّى أَنْ يَقْطَعَ ذَاكَ لِتَقَدُمِّهِ عَلَيَّ فِي الْعِلْمِ بِالنَّسَبِ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ فَرَضْتُ لَكَ فَرَائِضَ أَهْلِ بَيْتِكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى قَبِيصَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُثْبِتَ ذَلِكَ فِي الدَّوَاوِينِ.

стр. 2461

فَلَمَّا خَرَجَ قَبِيصَةُ قَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَمَرَ أَنْ تُثْبَتَ فِي صَحَابَتِهِ وَأَنْ يَجْرِيَ عَلَيْكَ رِزْقُ الصَّحَابَةِ، وَأَنْ تُرْفَعَ فَرِيضَتُكَ إِلَى أَرْفَع مِنْهَا، فَالْزَمْ بَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: وَكَانَ عَلَى عرضِ الصَّحَابَةِ رَجُلٌ فَظٌّ غَلِيظٌ، فَتَخَلَّفْتُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَجَبَهَنِي جَبْهًا شَدِيدًا، فَلَمْ أَعُدْ لِذَلِكَ التَّخَلُّفِ. وَجَعَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَقُولُ: مَنْ لَقِيتَ؟ فَجَعَلْتُ أُسَمِّي لَهُ وَأُخْبِرُهُ بِمَنْ لَقِيتُ مِنْ قُرَيْشٍ لا أَعْدُوهُمْ، قَالَ: فَأَيْنَ أَنْتَ عَنِ الأَنْصَارِ فَإِنَّكَ وَاجِدٌ عِنْدَهُمْ عِلْمًا؟ أَيْنَ أَنْتَ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ [بْنِ ثَابِتٍ] [١] ؟ أَيْنَ أَنْتَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ؟ فَسَمَّى رِجَالا، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْتُهُمْ وَسَمِعْتُ مِنْهُمْ. وتوفي عبد الملك فلزمت الوليد حتى توفي، ثم سليمان، ثم عمر، ثم يزيد.. واستقضى يزيد الزهري وسليمان بن حبيب. قال: وحج هشام سنة ست ومائة، وحج معه الزهري، فصيره هشام مع ولده يعلمهم ويفقههم ويحدثهم، فلم يفارقهم حتى مات [٢] . قال ابن سعد: وأخبرنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن أبيه، قال: ما أرى أحدا أجمع بعد رسول الله ﷺ ما جمع ابن شهاب [٣] . قال: وأخبرنا مطرف بن عبد الله اليساري، قال: سمعت [مالك] [٤] بن أنس يقول: ما أدركت بالمدينة فقيها محدثا غير واحد، فقلت: من هو؟ قال: ابن شهاب الزهري. وفي رواية عن مالك قال: أول من دون العلم ابن شهاب. وقال أيوب: ما رأيت أحدا أعلم من الزهري.

стр. 2462

وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدا أهون عليه الدينار [١] والدرهم من الزهري. توفي ابن شهاب في رمضان هذه السنة بأدامى وهي من أعمال فلسطين وهو ابن خمس وسبعين، وأوصى أن يدفن على قارعة الطريق. ٦٧٢- نصر بن عمران، أبو جمرة الضبعي [٢] : قال: كنت أدفع الزحام عن ابن عباس فحممت أياما فتأخرت، فلما حضرته سألني عن تأخري فأخبرته بالحمى، فَقَالَ: أن رسول الله ﷺ قال: «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء» . توفي في هذه السنة.

стр. 2463

ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائة فمن الحوادث فيها غزوة النعمان بن يزيد بن عبد الملك الصائفة. وفيها: مات هشام بن عبد الملك، وولي الوليد بن يزيد بن عبد الملك. باب ذكر خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك عقد يزيد بن عبد الملك الخلافة [١] لولده الوليد بعد أخيه هشام بن عبد الملك، وكان يومئذ ابن إحدى عشرة سنة، فلم يمت يزيد حتى بلغ ابنه خمس عشرة سنة، فندم على استخلافه هشاما، وولي هشام وهو للوليد مكرم معظم، فظهر من الوليد لعب وشرب للشراب [٢] ، واتخذ ندماء، فولاه هشام الحج سنة ست عشرة ومائة، فحمل معه كلابا في صناديق، وعمل قبة على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة وحمل معه خمرا وأراد أن ينصب القبة على الكعبة ويجلس فيها، فخوفه أصحابه، فجمع المغنين بمكة، وتشاغل باللهو.

стр. 2464

أنبأنا علي بن عبيد الله بن نصر، قال: أنبأنا أبو جعفر بن المسلمة، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين ابْن أخي ميمي، قال: أخبرنا أبو مسلم بن مهدي، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن قارن، قال: حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني [١] ، قال: حدثنا أصبغ بن الفرج، قال: سمعت ابن عيينة يحدث: أن الوليد بن يزيد كان أمر بقبة من حديد أن تعمل وتركب على أركان الكعبة ويخرج لها أجنحة لتظلله [٢] إذا حج وطاف، فعملت ولم يبق إلا أن تركب، فقام الناس في ذلك- الفقهاء والعباد-، وغضبوا في ذلك [٣] وتكلموا وقالوا: لا يكون هكذا قط [٤] ، وكان من أشدهم في ذلك كلاما وقياما سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، وكتب إلى الوليد بذلك، فكتب: أن اتركوها، فقال سعد بن إبراهيم عند ذلك: ليس إلا هذا لاها الله حتى يصنع بها كما صنع بالعجل لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا، النار النار، فدعي بالنار حتى أحرقت. أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا علي بن أحمد بْن البسري، عن أبي عبد الله بْن بطة العكبري، قال: حدثني أبو صالح محمد بن أحمد، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ: حدثنا الواقدي، قال: حدثنا موسى بن أبي بكر، عن صالح بن كيسان: أن الوليد ولى سعد بن إبراهيم على قضاء المدينة، وأراد الوليد الحج، فاتخذ قبة من ساج ليجعلها حول الكعبة ليطوف هو ومن أحب من أهله ونسائه فيها، وكان فظا متجبرا، فأراد بزعمه أن يطوف فيها حول الكعبة، ويطوف الناس من وراء القبة، فحملها على الإبل من الشام، ووجه معها قائدا من قواد أهل الشام في ألف فارس، وأرسل معه مالا يقسمه في أهل المدينة، فقدم بها فنصبت في مصلى رسول الله ﷺ ، ففزع لذلك أهل المدينة ثم اجتمعوا فقالوا: إلى من نفزع في هذا الأمر، فقالوا: إلى سعد بن إبراهيم، فأتاه الناس فأخبروه الخبر، فأمرهم أن يضرموها بالنار [٥] ، فقالوا: لا

стр. 2465

نطيق ذلك، معها قائد في ألف فارس من أهل الشام، فدعى مولى له فقال: هلم الجراب، فأتاه بجراب فيه درع عبد الرحمن التي شهد فيها بدرا، فصبها عليه وقال لغلامه: هلم بغلتي، فأتاه ببغلته فركبها، فما تخلف عنه يومئذ قرشي ولا أنصاري حتى إذا أتاه قال: علي بالنار، فأتي بنار فأضرمها فيها، فغضب القائد وهم بالخصومة، فقيل له: هذا قاضي أمير المؤمنين ومعه الناس ولا طاقة لك به، فانصرف راجعا إلى الشام، وشبع عبيد أهل المدينة من الناطق مما استلبوه من حديدها. فلما بلغ ذلك الوليد كتب إليه: ول القضاء رجلا وأقدم علينا، فولى القضاء رجلا وركب حتى أتى الشام، فأقام ببابه أشهرا لا يؤذن له حتى نفذت نفقته، وأضر به طول المقام، فبينا هو ذا عشية في المسجد إذا هو بفتى في جبة صفراء سكران، فقال [١] : ما هذا؟ قالوا: هذا خال أمير المؤمنين سكران يطوف في المسجد، فقال لمولى له: هلم بالسوط، فأتاه بسوطه، فقال [٢] : علي به، فأتي به فضربه في المسجد ثمانين سوطا، وركب بغلته ومضى راجعا إلى المدينة، فأدخل الفتى على الوليد مجلودا، فقال: من فعل هذا به؟ قالوا: مديني كان في المسجد، فقال: علي به، فلحق على مرحلة، فدخل عليه، فقال أبا إسحاق: ماذا فعلت يا ابن أخيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنك وليتنا أمرا من أمورك، وإني رأيت حد الله ضائعا، سكران يطوف في المسجد وفيه الوفود ووجوه الناس، وكرهت أن يرجع الناس عنك بتعطيل الحدود، فأقمت عليه حده، فقال: جزاك الله خيرا، وأمر له بمال وصرفه إلى المدينة ولم يذاكره شيئا من أمر القبة ولا عن فعله فيها. ولما ظهر من الوليد تهاون بالدين طمع [٣] فيه هشام وأراد خلعه والبيعة لابنه [مسلمة بن هشام فأبى فتنكر له هشام وعمل سرا في البيعة لابنه] [٤] وتمادى الوليد في الشراب فأفرط، فقال له هشام: ويحك يا وليد، ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا، ما تدع شيئا من المنكر إلا أتيته غير متحاش، فكتب إليه الوليد يقول:

стр. 2466

يا أيها السائل عن ديننا ... ديني على دين أبي شاكر نشربها صرفا وممزوجة ... بالسخن أحيانا وبالفاتر [١] فغضب هشام على ابنه مسلمة، وكان يكنى أبا شاكر، وقال له: يعيرني بك الوليد وأنا أرشحك للخلافة فالزم الأدب واحضر الجماعة، وولاه الموسم سنة تسع عشرة ومائة، فأظهر النسك والوقار، وقسم بمكة والمدينة أموالا، فلما رأى الوليد تقصير هشام في حقه خرج في ناس من خاصته ومواليه، فنزل بالأزرق من أرض بلقين وفزارة على ماء يقال له الأغدق [٢] ، وخلف كاتبه عياض بن مسلم وقال له: اكتب إلي ما يحدث قبلكم، فقطع هشام ما كان يجري على الوليد، وضرب عياضا ضربا مبرحا، فلم يزل الوليد مقيما بتلك البرية حتى مات هشام، ووصلت إليه الخلافة، فسأل عن كاتبه عياض، فقيل: يا أمير المؤمنين لم يزل محبوسا، حتى نزل أمر الله بهشام، فلما صار في حد لا ترجى الحياة لمثله أرسل عياض إلى الخزان احتفظوا بما في أيديكم، ولا يصلن أحد منه إلى شيء، فأفاق هشام إفاقة، فطلب شيئا فمنعوه، فقال: أرانا كنا خزانا للوليد، ثم مات من ساعته. فخرج عياض من السجن، فختم أبواب الخزائن، وأمر بهشام فأنزل عن فرشه، فما وجدوا قمقما يسخن له فيه الماء حتى استعاروه، ولا وجدوا كفنا من الخزائن، وكفنه غالب مولى هشام. فولي الوليد الخلافة يوم السبت في شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة. هذا قول هشام بن محمد. وقال الواقدي: استخلف يوم الأربعاء لست خلون من ربيع الآخر، ولما ولي الوليد ويكنى أبا العباس وكانت أمه يقال لها أم الحجاج بنت محمد بن يوسف بن الحكم أخي الحجاج بن يوسف- وكان أبيض أحمر أعين جميلا، قد شاب، طويل أصابع الرجلين يوتر له سكة حديد فيها خيط، ويشد الخيط في رجله ثم يثب على الدابة

стр. 2467

فينتزع السكة ويركب، ما يمس الدابة بيده. وكان عالما باللغة والشعر، فمن شعره. قوله: شاع شعري في سليمى وظهر ... ورواه كل بدو وحضر فتهاداه العذارى بينها ... وتغنين به حتى اشتهر قلت قولا في سليمى معجبا ... مثلما قال جميل وعمر لو رأينا لسليمى أثرا ... لسجدنا ألف ألف للأثر واتخذناها إماما مرتضى ... ولكانت حجنا والمعتمر إنما بنت سعيد قمر ... هل خرجنا إن سجدنا للقمر وسلمى هذه بنت سعيد بن خالد بن عثمان بن عفان، وكانت أخت امرأته، ولم يكن لجمالها نظير، وأحبها وطلق أختها حتى تزوجها في الخلافة، وله فيها أيضا: إن القرابة والمودة ألفا ... بين الوليد وبين بنت سعيد سلمى هواي ولست أذكر غيرها ... دون الطريف ودون كل تليد ومن شعره: أنا الوليد أبو العباس قد علمت ... عليا معد مدى [١] كري وإقدامي إني لفي الذروة العليا إذا انتسبوا [٢] ... مقابل بين أخوالي وأعمامي [٣] حللت من جوهر الأغراض قد علموا ... في باذخ مشمخر العز قمقام [٤] وكان مقبلا على اللهو والشراب والأغاني حتى إنه أحضر معبدا المغني من المدينة، فحضر وهو على بركة مملوءة خمرا، فغناه فقذف نفسه في البركة فنهل منها ثم خرج فتلقي في الثياب والمجامر [٥] ، فأعطاه خمسة عشر ألف دينار، وقال: انصرف بها إلى أهلك واكتم ما رأيت. [وقد روى أبو عبيدة المرزباني، قال: حدثنا أحمد بن كامل، قال: كان الوليد بن

стр. 2468

يزيد زنديقا، وأنه فتح المصحف يوما فرأى فيه (وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) ١٤: ١٥ [١] فألقاه ورماه بالسهام، وقال: تهددني بجبار عنيد ... فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر ... فقل يا رب حرقني الوليد] [٢] وَقَدْ أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ [بْنِ] [٣] الْمُذْهِبِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الأَوْزَاعِيُّ، وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: وُلِدَ لأَخِي أُمِّ سلمة زوج النبي ﷺ غُلامٌ فَسَمَّوْهُ الْوَلِيدَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «سَمَّيْتُمُوهُ اسْمَ فَرَاعِينِكُمْ لَيَكُونَنَّ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْوَلِيدُ هُوَ شَرٌّ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ فِرْعَوْنَ لِقَوْمِهِ» . وفي رواية عن الأوزاعي، قال: سألت عن هذا الحديث الزهري، فقال: إن استخلف الوليد بن يزيد وإلا فهو الوليد بن عبد الملك. قال مؤلف الكتاب ﵀ [٤] : والوليد بن يزيد أحق من الوليد بن عبد الملك، وكان الوليد بن يزيد مشهورا بالإلحاد، مبارزا بالعناد، مطرحا للدين، وإنما قال ﵇: «سميتموه بأسماء فراعينكم» لأن اسم فرعون موسى الوليد. فلما ولي الوليد زاد ما كان يفعله من اللهو، وكتب إلى العباس بن عبد الملك بن مروان أن يأتي الرصافة فيحصي ما فيها من أموال هشام وولده، ويأخذ عماله وحشمه إلا مسلمة بن هشام فإنه كتب إليه [٥] : لا يعرض له ولا يدخل منزله، فإنه كان يكثر أن

стр. 2469

يكلم أباه في الرفق ويكفه. فقدم العباس الرصافة فأحكم ما كتب به الوليد إليه. واستعمل الوليد العمال، وجاءت بيعته من الآفاق، وأقبلت إليه الوفود وأجرى على زمنى أهل الشام وعميانهم، وكساهم، وأمر لكل إنسان منهم بخادم، وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة وزادهم على ما كان يخرج لهم هشام، وزاد الناس جميعا في العطاء عشرات ثم زاد أهل الشام بعد زيادة العشرات عشرة عشرة لأهل الشام خاصة، وزاد من وفد إليه من أهل بيته في جوائزهم الضعف. وفي جمادى الآخرة من هذه السنة، وذلك بعد شهرين من ولايته عقد البيعة لابنيه الحكم وعثمان بعده، وجعلهما وليي عهده أحدهما بعد الآخر، [وجعل الحكم مقدما على عثمان] [١] ، وقلد الحكم الشام [٢] ، وعثمان حمص، وكتب بذلك إلى الأمصار، وكان ممن كتب إليه بذلك يوسف بن عمر، وهو عامل الوليد يومئذ على العراق، وكتب بذلك يوسف إلى نصر بن سيار ليبايع الناس لهما. وفي هذه السنة [٣] : ولى الوليد بن يزيد نصر بن سيار خراسان كلها وأفرده بها ثم وفد يوسف بن عمر على الوليد فاشترى نصرا وعماله منه، فرد إليه ولاية خراسان، فكتب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار يأمره بالقدوم عليه، ويحمل ما قدر عليه من الهدايا والأموال، وأن يقدم عليه بعماله أجمعين، فلما أتى نصرا كتابه قسم على أهل خراسان الهدايا وعلى عماله، فلم يدع بخراسان جارية ولا عبدا ولا برذونا فارها إلا أعده، واشترى ألف مملوك وأعطاهم السلاح وحملهم على الخيل، وأعد خمسمائة وصيفة، وأمر بصياغة الأباريق [٤] من الذهب والفضة، وتماثيل الظباء [٥] ، ورءوس السباع، والأيايل وغير ذلك. فلما فرغ من ذلك كله كتب إليه الوليد يستحثه، فسرح الهدايا حتى بلغ أوائلها بيهق، وكتب إليه الوليد يأمره أن يبعث إليه ببرابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة، وأن يجمع كل صناجة [٦] بخراسان [وكل بازي وبرذون فاره، ثم يسير بذلك كله

стр. 2470

بنفسه ووجوه خراسان] [١] فلم يزل يتوقف [٢] حتى وقعت الفتنة، فتحول نصر إلى قصره بما حاز [٣] ، وكان قد أتاه آت وأخبره أن الوليد قد قتل، ووقعت الفتنة بالشام. وفي هذه السنة: وجه الوليد بن يزيد خاله يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي واليا على المدينة ومكة والطائف، ودفع إليه إبراهيم ومحمد ابني هشام بن إسماعيل المخزومي موثقين [٤] في عباءتين وأقامهما للناس في المدينة، ثم كتب الوليد إليه يأمره أن يبعث بهما إلى يوسف بن عمر وهو يومئذ عامله على العراق، فلما قدما عليه عذبهما حتى قتلهما، وقد كان رفع عليهما عند الوليد أنهما أخذا مالا كثيرا [٥] . وفي هذه السنة: عزل يوسف بن محمد سعد بن إبراهيم عن قضاء المدينة، وولاها يحيى بن سعيد الأنصاري. وفيها: قدم سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وقحطبة بن شبيب فلقوا محمد بن علي- في بعض قول أهل السير- فأخبروه بقصة أبي مسلم وما رأوا منه، فقال لهم: أحر هو أم عبد؟ فقالوا: أما عيسى فيزعم أنه عبد، وأما هو فيزعم أنه حر، فاشتروه وأعتقوه وأعطوا محمد بن علي مائتي ألف درهم، وكسى بثلاثين ألف درهم، فقال لهم: ما أظنكم تلقوني بعد عامكم هذا، فإن حدث بي حدث فصاحبكم إبراهيم بن محمد فإني أثق به لكم، وأوصيكم به خيرا، وقد أوصيته بكم فصدروا من عنده. وفيها: قتل يحيى بن زيد بن علي بخراسان، وقد ذكرنا أنه مضى بعد موت أبيه إليها، وأقام ببلخ عند الحريش بن عمر وحتى هلك هشام وولي الوليد، فكتب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار ليأخذ الحريش [بن عمرو] [٦] ، فبعث نصر إلى عقيل بن معقل العجلي يأمره بأخذ الحريش، فأخذه فسأله عن يحيى، فقال: لا علم لي به، فجلده ستمائة سوط، فقال ابنه: لا تقتل أبي وأنا أدلك عليه، فدله، فإذا هو في

стр. 2471

جوف بيت، فأخذه فجاء كتاب الوليد بتخليته، فدعاه نصر فأمره بتقوى الله وحذره الفتنة وأمره أن يلحق بالوليد، وأمر له بألفي درهم وبغلين، فمضى حتى انتهى إلى سرخس، فأقام بها، فأخرجه واليها وبعث نصر بن سيار سلم بن أحوز في طلب يحيى بن زيد، فبعث سلم سورة بن محمد الكندي فلقيه فقاتله فقتله وقتل أصحابه وأخذ رأسه. وفيها: حج بالناس [١] يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي، وكانت عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٦٧٣- صالح بن أبي صالح، مولى التوأمة، يكنى أبا عبد الله [٢] : واسم أبي صالح نبهان، والتوأمة بنت أمية بن خلف الجمحي، ولدت مع أخت لها توأمين، وهي أعتقت أبا صالح. روى عن أبي هريرة، وحديثه قليل ضعيف. توفي في هذه السنة. ٦٧٤- مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس بن عبد المطلب [٣] : أمه العالية بنت عبيد الله بن العباس، وكان بينه وبين أبيه في السن أربعة عشر سنة، وكان أشبه الناس به، لا يفرق بينهما إلى أن خضب علي، فعرف بخضابه، وكان له من الولد اثنا عشر ذكرا وخمس بنات فمن الذكور: إبراهيم الإمام، وإليه أوصى، فقام بالإمامة من بعده. وعبد الله السفاح، وعبد الله المنصور، وعبد الله الأصغر، وإسماعيل، وموسى، وداود، وعبيد الله، والعباس، ويعقوب، ويحيى ومن الإناث: بريهة، وريطة، والعالية، ولبابة، وأم حبيب. ومحمد بن علي أول من نطق بالدولة العباسية، وأول من دعي إليه من بني

стр. 2472

العباس وسمي بالإمام، وكوتب وأطيع. وكان ذلك في سنة تسع وثمانين في خلافة الوليد بن عبد الملك. وكان عبد الله بن محمد بن الحنفية قد أوصى إليه ورفع إليه كتبه وقال: إنما الأمر في ولدك. فتوفي محمد بن علي قبل تمام الدعوة في ذي القعدة من هذه السنة، وكان بين وفاته ووفاة أبيه سبع سنين، وبلغ من العمر ستين، وقيل: ثلاثا وستين، وأوصى إلى ابنه إبراهيم، فسمى الإمام. ٦٧٥- محمد بْن عَبْد الرحمن بْن عَبْد اللَّه بْن حارثة بن النعمان [١] : أمه عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة. ويكنى أبا الرجال، وإنما كني بذلك لأجل ولده، وكان له عشرة ذكور، وروى عن أنس وأمه، وكان ثقة، روى عنه مالك الفقيه. وثم آخر اسمه سالم ويكنى أبا الرجال [٢] ، روى عن عطاء، وروى عنه الفضل بن غزوان، لا يعلم من يكنى أبا الرجال سوى هذين. فأما من يكنى أبا الرحال- بالحاء المهملة المشددة [٣] فثلاثة: أبو الرحال عقبة بن غزوان، لا يعلم من يكنى أبا الرجال سوى هذين. فأما من يكنى أبا الرحال- بالحاء المهملة المشددة [٣] فثلاثة: أبو الرحال عقبة بن عبيد الطائي، كوفي رأى أنس بن مالك. وأبو الرحال خالد بن محمد الأنصاري، يروي عن النضر بن أنس الخزرجي، قال البخاري: هو منكر الحديث. وأبو الرحال سمع [الحسن] [٤] ، حديثه مرسل، روى عنه أبو نعيم. ٦٧٦- معبد بن وهب بن قطن، أبو عباد المغني: [٥] الذي كان يضرب به المثل في الغناء، وكان من أحسن الناس غناء وأجودهم صناعة، مولى العاص بن وابصة المخزومي. وقيل: هو مولى معاوية بن أبي سفيان

стр. 2473

رضي الله عنه. خلاسيا [١] مديد القامة أحول، وكان أبوه أسود. عاش معبد حتى كبر وانقطع صوته، توفي في عسكر الوليد بن يزيد عن خمس وثمانين سنة، فمشى الوليد بين يدي جنازته. ٦٧٧- هشام بن عبد الملك بن مروان: مرض بالذبحة، قال سالم أبو العلاء: خرج علينا هشام يوما وهو كئيب، فسألته عن حاله، فقال: لا أغتم وقد زعم أهل العلم أني ميت إلى ثلاث وثلاثين يوما. قال: فلما استكمل الأيام إذا خادم يدق الباب يقول: أجب أمير المؤمنين واحمل معك دواء الذبحة، وقد كان أخذه مرة فعولج به فأفاق، فخرجت ومعي الدواء فتغرغر به فازداد الوجع شدة ثم سكن، فانصرفت إلى أهلي فما كان إلا ساعة حتى سمعت الصراخ، فقالوا: مات. فأغلق الخزان الأبواب، فطلبوا له قمقما يسخن فيه الماء فما وجدوه حتى استعاروه من بعض الخزان. قال علماء السير: لما رأى هشام أولاده حوله يبكون في مرضه، قال: جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما جمع وتركتم عليه ما اكتسب، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له. وكان قد خلف سبعمائة ضيعة وكان له الهني والمري [٢] بالرقة، وكانا يرفعان عشرة آلاف ألف، وهو الذي احتفر الهني. ووحد له اثنا عشر ألف قميص ولم يوجد له إلا أربعة أرؤس من الدواب، ونعلان [٣] وبضعة عشر خادما. قال أبو معشر: كانت وفاته لست ليال خلون من ربيع الآخر. وكانت خلافته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر ونصف. وقال المدائني وابن [الكلبي] [٤] : وسبعة أشهر وأحد عشر يوما. واختلفوا في مبلغ سنه، فقال هشام بن محمد: كان له خمس وخمسون سنة. وقال الواقدي: أربع وخمسون، وقال غيره: اثنتان وخمسون. وكانت وفاته بالرصافة وبها قبره، وصلى [عليه] [٤] ابنه مسلمة.

стр. 2474

ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة فمن الحوادث فيها قتل خالد بن عبد الله القسري [١] ، وكان قد عمل لهشام خمس عشرة سنة إلا [ستة] [٢] أشهر على العراق، وخراسان، فلما ولي يوسف بن عمر أخذه وحبسه وعذبه لأجل انكسار الخراج، فكتب هشام بتخلية سبيله فخلي سبيله في شوال سنة إحدى وعشرين فخرج إلى ناحية هشام فلم يأذن له في القدوم عليه، وخرج زيد بن علي فقتل. وكتب يوسف إلى هشام: إن أهل هذا البيت من بني هاشم قد كانوا هلكوا جوعا حتى كانت لقمة أحدهم قوت عياله. فلما ولي خالد العراق أعطاهم الأموال، فقووا بها، فتاقت نفوسهم إلى طلب الخلافة، وما خرج زيد إلا عن رأى خالد، فقال لرسوله: كذبت وكذب من أرسلك، لسنا نتهم خالدا في طاعة، وأقام خالد بدمشق حتى هلك هشام. وقام الوليد فكتب إلى خالد أن أمير المؤمنين قد علم حال الخمسين ألف ألف، فأقدم على أمير المؤمنين، فقدم فقال له: أين ابنك؟ قال: كنا نراه عند أمير المؤمنين، قال: لا ولكنك خلفته للفتنة، فقال: قد علم أمير المؤمنين أنا أهل بيت طاعة، فقال: لتأتين به أو لأزهقن نفسك، فقال له: هذا الذي أردت وعليه عولت، والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها، فأمر الوليد صاحب حرسه بتعذيبه، فعذبه فصبر [فحبسه] [٣] ، فقدم يوسف بن عمر فقال: أنا أشتريه بخمسين ألف ألف، فأرسل الوليد إلى خالد يخبره ويقول: إن كنت تضمنها وإلا دفعتك إليه [٤] ، فقال: ما عهدت العرب تباع.

стр. 2475

فدفعه إلى يوسف فعذبه مرارا، ثم أتى بعود فوضعه على قدميه، وقامت عليه الرجال حتى كسرت قدماه، فو الله، ما تكلم ولا عبس، ثم على ساقيه حتى كسرتا، ثم على فخذيه، ثم على حقويه، ثم على صدره حتى مات. ودفن بناحية الحيرة، وذلك في المحرم سنة ست وعشرين ومائة. وفيها: قتل الوليد بن يزيد [١] ، قد ذكرنا أن الوليد كان مشتغلا باللعب واللهو، معرضا عن الدين قبل الخلافة، فلما وليها زاد ذلك فثقل أمره على رعيته وكرهوه، ثم ضم إلى ذلك أنه فسد أمره مع بني عمه ومع اليمانية وهي أعظم جند الشام، فضرب سليمان بن هشام مائه سوط، وحلق رأسه ولحيته وغربه إلى عمان فحبسه بها، فلم يزل بها حتى قتل الوليد، وغضب الوليد على خالد بن عبد الله، وكان يسميه يوسف الفاسق، ورماه بنو هاشم بالكفر والزندقة وغشيان أمهات [أولاد] [٢] أبيه. وقالوا إنه اتخذ مائة جامعة، وكتب على كل جامعة اسم رجل من بني أمية ليقتله بها، وكان أشدهم فيه قولا ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وكان الناس إلى قوله أميل، لأنه كان يظهر النسك ويقول: ما يسعنا الرضى بالوليد، حتى حمل الناس على الفتك به، وأجمع على قتله قوم من قضاعة واليمانية من أهل دمشق خاصة، فأتى قوم منهم خالد بن عبد الله، فدعوه إلى أمرهم فلم يجبهم، قالوا: فاكتم علينا، قال: لا أسمي أحدا منكم. ثم إن الوليد أراد الحج، فخاف خالد أن يفتكوا به في الطريق، فقال: يا أمير المؤمنين أخر الحج العام. قال: ولم؟ فلم يخبره، فأمر بحبسه وأن يستأدي ما عليه من أموال العراق، وبايع الناس يزيد بن الوليد سرا، واجتمع عليه أكثر أهل دمشق، وأجمع يزيد على الظهور، فقيل للعامل: إن يزيد خارج، فلم يصدق، فأرسل يزيد أصحابه بين المغرب والعشاء ليلة الجمعة سنة ست وعشرين ومائة، فمكثوا عند باب الفراديس حتى أذنوا العتمة، فدخلوا فصلوا وللمسجد حرس، وقد وكلوا بإخراج الناس من المسجد بالليل، فلما صلى الناس صاح بهم الحرس، وتبطأ أصحاب يزيد، فجعلوا يخرجون من باب ويدخلون من آخر حتى لم يبق في المسجد غير الحرس وأصحاب يزيد، فقبض أصحاب يزيد على الحرس جميعهم، ومضى يزيد بن عنبسة إلى يزيد بن الوليد فأعلمه وأخذ بيده وقال: قم يا أمير المؤمنين وأبشر بنصر الله وعونه، فقام وقال:

стр. 2476

اللَّهمّ إن كان هذا لك رضا فأعني عليه وسددني، فإن كان غير رضا فاصرفه عني بموت، وأقبل في اثني عشر رجلا، ثم اجتمع أصحابهم وأخذ خزان بيت المال وصاحب البريد وكل من يحذره، وقبضوا سلاحا كثيرا من المسجد كان فيه. وخرج الوليد إلى حصن للعرب، وقصده أصحاب يزيد فقاتلهم في جماعة معه، وقال لأصحابه: من جاء برأس فله خمسمائة، فجاء قوم بأرؤس، فقال: اكتبوا أسماءهم، فقال رجل: ما هذا يوم يعمل فيه بنسيئة، فتفرق عنه أصحابه فدخل الحصن وأغلق الباب وقال: أما فيكم رجل له حسب وحياء أكلمه كلمة؟ فقال له يزيد بن عنبسة: كلمني، قال: ألم أزد في أعطياتكم، ألم أعط فقراءكم، ألم أخدم زمناكم، فقال: ما ننقم عليك في أنفسنا ولكن ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر الله، فرجع إلى الدار فجلس وأخذ مصحفا وقال: يوم كيوم عثمان. ثم إن أصحاب يزيد علوا حائط [١] الدار، وكان أول من علاه يزيد بن عنبسة، فنزل إلى الوليد وسيف الوليد إلى جنبه، فقال له ابن عنبسة: نح سيفك، فقال له الوليد: لو أردت السيف لكان لي ولك حال غير هذه، فأخذ بيد الوليد وهو يريد أن يحبسه ويؤامر فيه، فنزل من الحائط عشرة [٢] ، فضربه أحدهم [٣] على رأسه، وضربه آخر على وجهه [٤] ، واحتز آخر رأسه [٥] ، وقدم بالرأس على يزيد فسجد، وكانوا قد قطعوا كفه، فبعثوا بها إلى يزيد قبل الرأس، فأمر يزيد بالرأس فطيف به في دمشق ثم نصب [٦] . وكان يزيد قد جعل في رأس الوليد مائة ألف، وانتهب الناس عسكره وخزانته.

стр. 2477

باب ذكر خلافة يزيد بن الوليد بن عبد الملك كان يكنى أبا خالد، وأمه أم ولد، وهي بنت فيروز بن يزدجرد. وكان أسمر طويلا، صغير الرأس، بوجهه خال، وكان جماعة قد بايعوه قبل قتل الوليد، فلما قتل اجتمعوا عليه فنقص من أعطيات الناس ما كان زادهم الوليد، وردهم إلى أعطيات هشام، فسموه الناقص. وأول من سماه بهذا الاسم مروان بن محمد. وقيل: بل سمي بذلك لنقصان كان في أصابع رجليه، وهو أول خليفة كانت أمه أمة، وكانت بنو أمية تتجنب ذلك توطيدا للخلافة [١] ، ولأنهم سقط إليهم أن ملكهم يزول على يد خليفة منهم أمه أمة، فكان ذلك مروان بن محمد، وسيأتي ذكره بعد خلافة يزيد هذا. ثم أن يزيدا خطب الناس بعد قتل الوليد، وقال: إني والله ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا حرصا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، ولكن خرجت غضبا للَّه ولرسوله ولدينه، وداعيا إلى كتابه وسنة نبيه، لما هدم الوليد معالم الهدى، وأطفأ نور أهل التقى، وكان جبارا مستحلا للحرم مع أنه ما كان يصدق [٢] بالكتاب، ولا يؤمن بيوم الحساب، فسألت الله تعالى فأراح منه العباد والبلاد، أيها الناس إن لكم علي ألا أضع حجرا على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا أكري نهرا [٣] ، ولا أكثر مالا، ولا أعطيه زوجة ولا ولدا، ولا أثقله من بلد إلى بلد حتى أسد ثغرة ذلك البلد وخصاصة أهله بما يغنيهم، ولا أغلق بابي

стр. 2478

دونكم، وإن لكم أعطياتكم في كل سنة، وأرزاقكم في كل شهر، فإن أنا وفيت لكم بمالكم [١] وبما قلت فعليكم بالسمع والطاعة، وإن أنا لم أف لكم فلكم أن تخلعوني، وإن علمتم أحدا ممن يعرف بالصلاح [٢] ، يعطيكم من نفسه مثلما أعطيتكم وأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يبايعه. أيها الناس، إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق [٣] . ثم دعا الناس إلى تجديد البيعة له، وأظهر النسك وقراءة القرآن وأخلاق عمر بن عبد العزيز وأحسن السيرة، فلما علم أهل البلاد بقتل الوليد ثارت الفتن، ووثب سليمان بن هشام بن عبد الملك بعمان [٤] ، وكان محبوسا بها، حبسه ابن عمه الوليد، فأخذ ما فيها من الأموال، وأقبل إلى دمشق. ووثب أهل حمص، وغلقوا أبوابها، وأقاموا النوائح على الوليد، وهدموا دار العباس بن الوليد بن عبد الملك لأنه أعان على الوليد، فكتبوا بينهم كتابا ألا يدخلوا في طاعة يزيد، وخرجوا عليه، فبعث إليهم جيشا فانهزموا وقتل منهم ثلاثمائة. ووثب أهل فلسطين والأردن على عاملهم فأخرجوه. ولما تم الأمر [٥] ليزيد بن الوليد [٦] عزل يوسف بن عمر عن العراق وولاها منصور بن جمهور، فسار إلى العراق، فبلغ خبره يوسف بن عمر فهرب إلى البلقاء فقدم منصور الحيرة في أيام خلت من رجب فأخذ بيوت الأموال، وأخرج العطاء وولى العمال، وبايع ليزيد [بن الوليد] [٧] بالعراق وكورها، وكتب بذلك، وأطلق من في سجون يوسف، وبلغ خبر يوسف إلى يزيد بن الوليد، فبعث من يأتيه به، فجيء به في وثاق، فأقام في الحبس ولاية يزيد كلها وشهرين وعشرة أيام في ولاية إبراهيم، فلما قدم مروان الشام وقرب من دمشق ولى قتله يزيد بن خالد، فبعث مولى له فضرب عنق يوسف.

стр. 2479

وفيها: امتنع نصر بن سيار [١] بخراسان من تسليم عمله لعامل يزيد منصور بن جمهور، وكان يزيد قد ولاها منصور مع العراق. وقد ذكرنا أن يوسف بن عمر كتب إلى نصر بالمصير إليه مع الهدايا للوليد بن يزيد، فشخص نصر من خراسان إلى العراق، وتباطأ في سفره حتى قتل الوليد، فجاءه من أخبره بأن منصور بن جمهور قد أقبل أميرا على العراق، وأن يوسف بن عمر قد هرب، فرد نصر تلك الهدايا، وأعتق الرقيق، وقسم تلك الآنية، ووجه العمال، وأمرهم بحسن السيرة ودعى الناس إلى البيعة فبايعوه. وفيها: عزل يزيد بن الوليد [٢] منصور بن جمهور عن العراق، وولاها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مروان. وفيها: كتب يزيد إلى [٣] عامله عبد الله بن عمر بن عبد العزيز أن يرد على الحارث بن شريح ما كان أخذ من ماله وولده لأنه خاف منه أن يقدم عليه بالترك، وطمع أن يناصحه، وأرسل إليه من يرده من بلاد الترك. وفيها: وجه إبراهيم [٤] بن محمد الإمام بكير بن ماهان إلى خراسان، وبعث معه بالسيرة والوصية، فقدم مرو، وجمع النقباء ومن بها من الدعاة، فنعى إليهم الإمام محمد بن علي ودعاهم إلى إبراهيم، ودفع إليهم كتاب إبراهيم فقبلوه ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة، فقدم بها بكير على إبراهيم بن محمد. وفيها: أخذ يزيد بن الوليد [٥] البيعة لأخيه إبراهيم بن الوليد على الناس، وجعله ولي عهده، ولعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك من بعد إبراهيم. وكان سبب ذلك أن يزيد مرض في ذي الحجة من سنة ست وعشرين، فقيل له: بايع لأخيك إبراهيم ولعبد العزيز من بعده، ففعل. وفيها: عزل يزيد بن الوليد يوسف بن محمد بن يوسف عن المدينة، وولاها

стр. 2480

عَبْد العزيز بْن عَبْد اللَّه بْن عمرو بن عثمان ﵁. وفيها: أظهر مروان [١] بن محمد بن مروان الخلاف ليزيد، وانصرف من أرمينية إلى الجزيرة مظهرا أنه طالب بدم الوليد بن يزيد، فلما صار بحران [٢] وجمع جمعا كثيرا وتهيأ للمسير إلى يزيد، كاتبه يزيد على أن يبايعه ويوليه ما كان عبد الملك بن مروان ولى إياه من الجزيرة وأرمينية والموصل وأذربيجان فبايع له بحران. وفي هذه السنة: حج بالناس عمر بن عبد الله بن عبد الملك، بعثه يزيد بن الوليد، وخرج معه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وهو على المدينة ومكة والطائف والعراق. وكان على قضاء الكوفة ابن أبي ليلى، وعلى قضاء البصرة عامر بن عبيدة، وكان على خراسان نصر بن سيار. وفيها: مات يزيد، وكان إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، يكنى أبا [٣] إسحاق، وأمه أم ولد بربرية اسمها خشف، وكان يزيد بن الوليد قد جدد البيعة لإبراهيم قبل موته بثلاثة أيام غير أنه لم يتم له أمره، فكان يسلم عليه جمعة بالخلافة وجمعة بالإمارة وجمعة لا يسلم عليه لا بالإمارة، ولا بالخلافة، فكان على ذلك حتى قدم مروان بن محمد فخلصه، وقتل عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان الذي كان يزيد عقد له البيعة من بعد إبراهيم بن الوليد. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٦٧٨- خالد بن عبد الله القسري البجلي اليماني [٤] : كان بواسط، وقيل: بالكوفة، وقد ذكرنا كيفية هلاكه في الحوادث.

стр. 2481

٦٧٩- دراج بن سمعان، أبو السمح، مولى عبد الله بن عمرو بن العاص [١] : سمع من عبد الله بن الحارث بن جزء. روى عنه الليث وابن لهيعة. وكان يقص بمصر ويقول: أدركت زمانا إذا سمعنا بالرجل أنه قد جمع القرآن حججنا إليه لننظر إليه. ٦٨٠- شميط بن عجلان، أبو عبيد الله [٢] : كان عابدا واعظا. أخبرنا إسماعيل بن أَحْمَد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن علي بن أبي عثمان، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بن الصلت، قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن المنادي، قال: حدثنا هارون بن الحكم، قال: حدثنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا عبد الله بن عيسى المقابري، قال: حدثنا عبد الله بن شميط، عن أبيه أنه كان يقول في مواعظه: إن المؤمن يقول لنفسه: إنما هي ثلاثة أيام، فقد مضى أمس بما فيه، وغدا أملك لعلك لا تدركه، إنما هو يومك هذا فإن كنت من أهل غد فسيجيء رب غد برزق غد، إن دون غد يوما وليلة تخترم فيه أنفس كثيرة، فلعلك المخترم فيه، كفى كل يوم همه، ثم قد حملت على قلبك الضعيف هم السنين والدهور، وهم الغلاء والرخص، وهم الشتاء قبل أن يجيء، وهم الصيف قبل أن يجيء، فماذا أبقيت من قلبك الضعيف للآخرة، العجب لمن صدق بدار الحيوان كيف يسعى لدار الغرور. ٦٨١- عبد الله بن غالب الحراني [٣] : أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: أخبرنا حمد بْنُ أحمد الحداد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم أحمد بن عبد الله، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن محمد بن عبيد، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الحُسَيْن، قَالَ: حَدَّثَنِي

стр. 2482

صدقة بن بكر السعدي، قال: حدثني مرجي بن وداع الراسبي، قال: حدثني المغيرة بن حبيب، قال: قال عبد الله بن غالب الحراني: لما برز العدو على ما أساء من الدنيا، فو الله ما فيها للبيب جدل، وو الله لولا محبتي لمباشرة السهر بصفحة وجهي وافتراش الجبهة لك يا سيدي، والمراوحة بين الأعضاء في ظلم الليل، رجاء ثوابك وحلول رضوانك، لقد كنت متمنيا لفراق الدنيا وأهلها. قال: ثم كسر جفن سيفه ثم تقدم فقاتل حتى قتل. قال: فحمل من المعركة وإنه لرمق، فمات، دون العسكر، فلما أن دفن أصابوا من قبره رائحة المسك. قال: فرآه رجل من إخوانه في منامه، فقال: يا أبا فراس، ما صنعت؟ قال: خير الصنع، قال: إلى ما صرت؟ قال: إلى الجنة، قال: بم؟ قال: بحسن اليقين وطول التهجد وظمأ الهواجر، قال: فما هذه الرائحة الطيبة التي توجد من قبرك؟ قال: تلك رائحة التلاوة والظمأ، قال: قلت: أوصني، قال: اكسب لنفسك خيرا، لا تخرج عنك الليالي والأيام عطلا. ٦٨٢- عبد الله [١] بن سريج، أبو يحيى مولى بني نوفل بن عبد مناف: وقيل: مولى بني الحارث بن عبد المطلب، وقيل: مولى لبني مخزوم، وقيل: مولى لبني ليث. ولد في خلافة عمر بن الخطاب، وكان نائحا، ثم صار من مشاهير المغنين وكبارهم، وكان آدم أحمر ظاهر الدم سفاطا، في عينه فتل، وفي رأسه صلع، وكان منقطعا إلى عبد الله بن جعفر. وذكر الكلبي عن أبيه، قال: كان ابن سريج مخنثا أحول أعمش، وكان أحسن الناس غناء، وغنى في زمن عثمان. وقال غيره: كان مغني أهل مكة ابن سريج، ومغني أهل المدينة معبد. ٦٨٣- الكميت بن زيد بن خنيس بن مجالد [٢] : ولد سنة ستين. شاعر متقدم مقدم، عالم باللغة، كان في أيام بني أمية، ولم يدرك

стр. 2483

الدولة العباسية، تكلم مع حماد الراوية فأفحم حمادا، وأنشد هشام بن عبد الملك فأعطاه مالا كثيرا. وأنشد خالدا القسري فأعطاه مائة ألف درهم. وقال معاذ الهزاء: الكميت أشعر الأولين والآخرين. وبلغ شعره خمسة آلاف ومائتين وتسعا وثمانين بيتا. ٦٨٤- الوليد بن يزيد بن عبد الملك: قتل يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة من هذه السنة. وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر في قول أبي معشر. وقال هشام: سنة وشهرين واثني عشر يوما. وفي مقدار عمره خمسة أقوال، أحدها: ثمانية وثلاثون سنة، قاله هشام. والثاني: ست وثلاثون، قاله الواقدي. والثالث: إحدى وأربعون سنة، والرابع خمس وأربعون، والخامس: ست وأربعون. ٦٨٥- يزيد بن الوليد بن عبد الملك: ولي ستة أشهر وليلتين. وقال هشام: ستة أشهر وأياما. وقال المدائني: خمسة أشهر واثني عشر يوما. وتوفي لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، وهو ابن ست وأربعين سنة، وقيل: ابن ثلاثين سنة، وقيل: سبع وثلاثين سنة.

стр. 2484

ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائة فمن الحوادث فيها مسير مروان بن محمد إلى الشام [١] . وقد ذكرنا أنه خرج بعد مقتل الوليد بن يزيد مظهرا أنه ثائر بالوليد منكر لقتله، ثم لما كاتبه يزيد عاد فبايع له، وبعث بذلك جماعة من وجوه الجزيرة منهم محمد بن علاثة، فأتاه موت يزيد، فأرسل إلى ابن علاثة فردهم من منبج، وشخص إلى إبراهيم بن الوليد، فلما انتهى إلى قنسرين دعا الناس إلى مبايعته، ثم توجه إلى حمص، وكانوا قد امتنعوا حين مات يزيد أن يبايعوا إبراهيم، فوجه إبراهيم لهم عبد العزيز في جند أهل دمشق، فحاصرهم في مدينتهم، وأغذ مروان السير، فلما دنا من مدينة حمص رحل عبد العزيز عنهم، وخرجوا إلى مروان فبايعوه وساروا معه. ووجه إبراهيم بن الوليد مع سليمان بن هشام عشرين ومائة ألف، فلقيهم مروان في نحو من ثمانين ألفا، فاقتتلوا. وبعث مروان أقواما فقطعوا الشجر وعقدوا على نهر هناك جسورا، فعبروا إلى عسكر سليمان من ورائهم، فلم يشعروا إلا بالخيل فانهزموا وقتل منهم نحوا من ثمانية عشر ألفا. وفي هذه السنة: دعا عبد الله بن [٢] معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب إلى نفسه بالكوفة، وحارب بها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فهزمه عبد الله [بن

стр. 2485

عمر] [١] ، فلحق بالجبال فغلب عليها. وكان خروجه في محرم سنة سبع وعشرين. وكان سبب خروجه أنه قدم إلى الكوفة زائرا لعبد الله بن عمر يلتمس صلته ولا يريد خروجا فتزوج ابنة حاتم بن الشرقي، فلما وقعت العصبية، وكان سببها أن عبد الله أعطى قوما ومنع قوما فاختصموا، فقال أهل الكوفة لعبد الله: ادع إلى نفسك، فبنو هاشم أولى بالأمر من بني مروان [٢] ، فدعا سرا بالكوفة وبايعه ابن ضمرة الخزاعي، فدس إليه ابن عمر فأرضاه، فأرسل إليه: إذا التقينا انهزمت بالناس، فقيل لابن عمر: قد جاء ابن معاوية، فأخرج مالا وخرج فأمر مناديا ينادي: من جاء برأس فله خمسمائة، فأتى رجل برأس فأعطي خمسمائة، فلما رأى أصحابه الوفاء ثاروا بالقوم فإذا خمسمائة رأس، فانكشف أمر ابن معاوية، وانهزم ابن ضمرة فلم يبق مع ابن معاوية أحد، فخرج إلى المدائن فبايعوه، وأتاه قوم من أهل الكوفة، ثم خرج [إلى المدائن] [٣] فغلب على حلوان والجبال وهمدان وقومس وأصبهان والري. وفي هذه السنة: وافى الحارث بن شريح مرو [٤] ، وجاء إليها من بلاد الترك بالأمان الذي كتب له يزيد بن الوليد، فصار إلى نصر ثم حالفه وبايعه على ذلك جمع كبير، وكان قدم مرو لثلاث بقين من جمادى الآخرة، سنة سبع وعشرين، فتلقاه نصر وأجرى عليه نزلا كل يوم خمسين درهما، وأطلق نصر من كان عنده من أهله، وبعث إليه بفرس وفرش، فباع ذلك وقسمه في أصحابه، وكان يجلس على برذعة [٥] ، وتثنى له وسادة غليظة، وعرض عليه نصر أن يوليه ويعطيه مائه ألف فلم يقبل، وقال: لست من أهل اللذات، إنما أسألك كتاب الله والعمل بالسنة فإن فعلت ساعدتك، وإني خرجت من هذا البلد منذ ثلاث عشرة [٦] سنة إنكارا للجور، وأنت تريدني عليه، فانضم إلى الحارث ثلاثة آلاف.

стр. 2486

وفي هذه السنة: بويع لمروان بن محمد بن مروان بالخلافة بدمشق. وذلك أنه لما قيل [١] : قد دخلت خيل مروان دمشق هرب إبراهيم بن الوليد ونهب بيت المال، وثار موالي الوليد بن يزيد، فقتلوا عبد العزيز بن الحجاج، ونبشوا قبر يزيد بن الوليد وصلبوه على باب الجابية، ودخل مروان دمشق، فبايعوه واستوت له الشام وانصرف، فنزل حران وطلب الأمان منه إبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام فأمنهما، وخلع إبراهيم في ربيع الآخر من هذه السنة، وكان مكثه أربعة أشهر، وقيل: أربعين ليلة.

стр. 2487

باب ذكر خلافة مروان بن محمد بن مروان وهو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، ويكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا عبد الملك، وقيل: أبا الوليد، أمه أم ولد كردية، وقيل: رومية، اسمها مارية البرما، بويع له وهو ابن إحدى وخمسين سنة، ويلقب بالجعدي، لأن الجعد بن إبراهيم كان مؤدبه، وكان الجعد متهما بالزندقة، فقتله خالد بن عبد الله القسري، وخص مروان في ملكه بأشياء لم تكن لمن بعده، منها البقرة التي يضرب بها المثل، كان يقف تحته في الحرب يومه وليلته لا يبول ولا يروث. قال الأصمعي: خطباء بني أمية خمسة: معاوية، وعبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، وهشام، ومروان بن محمد. وفي هذه السنة [١] : انتقض على مروان أهل حمص، وسائر أهل الشام فحاربهم. وذلك أنه أقام بحران بعد أن بويع له أربعة أشهر، وقيل: ثلاثة أشهر وهو الأصح- ثم خالفه أهل الشام، وكان الذي دعاهم إلى ذلك ثابت بن نعيم، راسلهم وكاتبهم، فبلغ مروان خبرهم، فسار إليهم بنفسه ومعه إبراهيم بن يزيد المخلوع، وسليمان بن هشام يكرمهما ويجلسان معه على غدائه وعشائه، فانتهى إلى حمص، فأحدقت بها خيله فأشرفوا عليه، فناداهم مناديه: ما الذي دعاكم إلى النكث؟ فقالوا: لم ننكث، فاقتحم عمرو بن الوضاح في ثلاثة آلاف، فقاتلوهم داخل المدينة، فلما كثرتهم خيل

стр. 2488

مروان انتهوا إلى باب من أبواب المدينة يقال له: باب تدمر، فخرجوا منه والروابط عليهم، فقاتلوهم، فقتل عامتهم وأسر منهم قوم، فأني بهم مروان فقتلهم، وأمر بالقتلى وهم نحو من ستمائة، فصلبوا حول المدينة، وهدم من حائط المدينة نحو من غلوة، وثار أهل الغوطة إلى دمشق فحاصروا أميرهم زامل بن عمرو، وولوا عليهم يزيد بن خالد القسري، وقتل مروان خلقا كثيرا، وأقام بدير أيوب حتى بايع لابنيه: عبيد الله، وعبد الله، وزوجهما ابنتي هشام بن عبد الملك، وهما: أم هشام، وعائشة. وقطع على جند أهل الشام بعثا، وأمرهم باللحاق بيزيد بن عمر بن هبيرة، وكان قبل مسيره إلى الشام قد وجهه في عشرة آلاف من أهل قنسرين والجزيرة، وصيره مقدمه له وانصرف مروان إلى قرقيسياء وابن هبيرة بها ليقدمه إلى العراق لمحاربة الضحاك بن قيس الشيباني الحروري. وأقبل نحو من عشرة آلاف ممن كان مروان [١] قطع عليه البعث بدير أيوب لغزو العراق [مع قوادهم] [٢] ، فزادهم [٣] حتى جاءوا الرصافة فدعوا سليمان إلى خلع مروان ومحاربته. وفي هذه السنة: خرج الضحاك بن قيس الشيباني، فدخل الكوفة. وسبب ذلك أنه لما قتل الوليد خرج بالجزيرة حروري يقال له سعيد بن بهدلة [٤] الشيباني في مائتين من أهل الجزيرة وفيهم الضحاك، فاغتنم قتل الوليد واشتغال مروان بالشام، وخرج بسطام البيهقي وهو مفارق لرأيه في مثل عدتهم من ربيعة، فسار كل واحد منهما إلى صاحبه، فلما تقارب العسكران قتل بسطام وجميع من معه إلا أربعة عشر لحقوا بمروان، فكانوا معه. ثم مضى سعيد بن بهدلة نحو العراق لما بلغه من تشتت الأمر بها واختلاف أهل الشام، فمات سعيد بن بهدلة من طاعون أصابه، واستخلف الضحاك بن قيس، فاجتمع مع الضحاك نحو من ألف، فتوجه إلى الكوفة ومر بأرض الموصل فأتبعه منها ومن السواد نحو من ثلاثة آلاف، فبرز له أهل الكوفة فهزمهم واستولى على الكوفة

стр. 2489

ومضى إلى واسط فحاصرها وخرجوا يقاتلونه، فلم يزالوا على ذلك شعبان ورمضان وشوال، ثم خرج والي واسط إلى الخارجي فبايعه. وفيها [١] : خلع سليمان بن هشام بن عبد الملك مروان بن محمد ونصب له الحرب. وذلك أنه لما شخص مروان إلى الرقة لتوجه ابن هبيرة إلى العراق لمحاربة الضحاك بن قيس استأذنه سليمان بن هشام أن يقيم [أياما] [٢] لإصلاح أمره، فأذن له فقيل له: أنت أرضى عند أهل الشام من مروان وأولى بالخلافة، فأجابهم وعسكر بهم وسار بهم إلى قنسرين، وكاتب أهل الشام فانفضوا إليه من كل جانب فأقبل إلى مروان وكتب إلى ابن هبيرة يأمره بالثبوت في عسكره، واجتمع إلى سليمان بن هشام نحو من سبعين ألفا من أهل الشام وغيرهم، فلما دنا منه مروان قدم إليه السكسكي في نحو من سبعة آلاف، ووجه مروان عيسى بن مسلم في نحو من عدتهم، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزمت مقدمة مروان، فانهزم سليمان، واتبعته خيول مروان تقتلهم وتأسرهم، واستباحوا عسكرهم، وقتل منهم أكثر من ثلاثين ألفا، ومضى سليمان مفلولا حتى انتهى إلى حمص، فانضم إليه من أفلت من أصحابه، فعسكر بهم وبنى ما كان مروان هدمه من حيطانها، وجاءهم مروان فخرجوا إليه فاقتتلوا، وعلم سليمان أنه لا طاقة له بهم، فذهب إلى تدمر. ونزل مروان بحمص فحاصرهم عشرة أشهر، ونصب عليهم نيفا وثمانين منجنيقا وهم في ذلك يخرجون إليه فيقاتلونه، ثم استأمنوه على أن يدفعوا إليه جماعة ممن كان يسبه ويؤذيه، فقبل ذلك منهم، ثم أقبل متوجها إلى الضحاك، فارتحل الضحاك حتى لقي مروان بكفرتوثا من أرض الجزيرة. وفي هذه السنة: توجه سليمان بن كثير ولاهز بن قريظة [٣] ، وقحطبة بن شبيب إلى مكة، فلقوا إبراهيم بن محمد الإمام بها، وأعلموه أن معهم عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم ومسكا ومتاعا كثيرا، فأمرهم بدفع ذلك إلى عروة مولى محمد بن علي، وكانوا قدموا معهم بأبي مسلم في ذلك العام، فقال سليمان بن كثير لإبراهيم: هذا مولاك.

стр. 2490

وفي هذه السنة: حج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو عامل مروان على مكة والمدينة والطائف، وكان العامل على العراق النضر بن الحرشي، وكان بخراسان نصر بن سيار. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٦٨٦- سعد بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أبو إسحاق [١] : أسند عن عبد الله بن جعفر، وأنس، وغيرهما. وولي قضاء المدينة. أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر البزاز، قَالَ: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمرو بن حيوية، قَالَ: أخبرنا أبو أيوب الجلاب، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا الحجاج، عن شيبة، قال: كان سعد بن إبراهيم يصوم الدهر ويقرأ القرآن في كل يوم وليلة. توفي سعد بالمدينة في هذه السنة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. ٦٨٧- عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، أبو خالد الفهمي [٢] : أمير مصر لهشام بن عبد الملك، روى عنه الليث بن سعد، ويحيى بن أيوب. وكان ثبتا في الحديث، توفي في هذه السنة. ٦٨٨- عمرو بن عبد الله بن علي بن أحمد الهمداني، أبو إسحاق السبيعي [٣] : ولد لثلاث سنين بقين من خلافة عثمان، وأجاز شريح شهادته وحده في وصية، وكان يقول: يا معشر الشباب اغتنموا شبابكم وقوتكم، فقلما مر بي في شبابي ليلة لا أقرأ
следующие страницы →