وفي هذه السنة: بويع لمروان بن محمد بن مروان بالخلافة بدمشق.
وذلك أنه لما قيل [١] : قد دخلت خيل مروان دمشق هرب إبراهيم بن الوليد ونهب بيت المال، وثار موالي الوليد بن يزيد، فقتلوا عبد العزيز بن الحجاج، ونبشوا قبر يزيد بن الوليد وصلبوه على باب الجابية، ودخل مروان دمشق، فبايعوه واستوت له الشام وانصرف، فنزل حران وطلب الأمان منه إبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام فأمنهما، وخلع إبراهيم في ربيع الآخر من هذه السنة، وكان مكثه أربعة أشهر، وقيل: أربعين ليلة.
стр. 2487
باب ذكر خلافة مروان بن محمد بن مروان
وهو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، ويكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا عبد الملك، وقيل: أبا الوليد، أمه أم ولد كردية، وقيل: رومية، اسمها مارية البرما، بويع له وهو ابن إحدى وخمسين سنة، ويلقب بالجعدي، لأن الجعد بن إبراهيم كان مؤدبه، وكان الجعد متهما بالزندقة، فقتله خالد بن عبد الله القسري، وخص مروان في ملكه بأشياء لم تكن لمن بعده، منها البقرة التي يضرب بها المثل، كان يقف تحته في الحرب يومه وليلته لا يبول ولا يروث.
قال الأصمعي: خطباء بني أمية خمسة: معاوية، وعبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، وهشام، ومروان بن محمد.
وفي هذه السنة [١] : انتقض على مروان أهل حمص، وسائر أهل الشام فحاربهم.
وذلك أنه أقام بحران بعد أن بويع له أربعة أشهر، وقيل: ثلاثة أشهر وهو الأصح- ثم خالفه أهل الشام، وكان الذي دعاهم إلى ذلك ثابت بن نعيم، راسلهم وكاتبهم، فبلغ مروان خبرهم، فسار إليهم بنفسه ومعه إبراهيم بن يزيد المخلوع، وسليمان بن هشام يكرمهما ويجلسان معه على غدائه وعشائه، فانتهى إلى حمص، فأحدقت بها خيله فأشرفوا عليه، فناداهم مناديه: ما الذي دعاكم إلى النكث؟ فقالوا: لم ننكث، فاقتحم عمرو بن الوضاح في ثلاثة آلاف، فقاتلوهم داخل المدينة، فلما كثرتهم خيل
стр. 2488
مروان انتهوا إلى باب من أبواب المدينة يقال له: باب تدمر، فخرجوا منه والروابط عليهم، فقاتلوهم، فقتل عامتهم وأسر منهم قوم، فأني بهم مروان فقتلهم، وأمر بالقتلى وهم نحو من ستمائة، فصلبوا حول المدينة، وهدم من حائط المدينة نحو من غلوة، وثار أهل الغوطة إلى دمشق فحاصروا أميرهم زامل بن عمرو، وولوا عليهم يزيد بن خالد القسري، وقتل مروان خلقا كثيرا، وأقام بدير أيوب حتى بايع لابنيه: عبيد الله، وعبد الله، وزوجهما ابنتي هشام بن عبد الملك، وهما: أم هشام، وعائشة. وقطع على جند أهل الشام بعثا، وأمرهم باللحاق بيزيد بن عمر بن هبيرة، وكان قبل مسيره إلى الشام قد وجهه في عشرة آلاف من أهل قنسرين والجزيرة، وصيره مقدمه له وانصرف مروان إلى قرقيسياء وابن هبيرة بها ليقدمه إلى العراق لمحاربة الضحاك بن قيس الشيباني الحروري.
وأقبل نحو من عشرة آلاف ممن كان مروان [١] قطع عليه البعث بدير أيوب لغزو العراق [مع قوادهم] [٢] ، فزادهم [٣] حتى جاءوا الرصافة فدعوا سليمان إلى خلع مروان ومحاربته.
وفي هذه السنة: خرج الضحاك بن قيس الشيباني، فدخل الكوفة. وسبب ذلك أنه لما قتل الوليد خرج بالجزيرة حروري يقال له سعيد بن بهدلة [٤] الشيباني في مائتين من أهل الجزيرة وفيهم الضحاك، فاغتنم قتل الوليد واشتغال مروان بالشام، وخرج بسطام البيهقي وهو مفارق لرأيه في مثل عدتهم من ربيعة، فسار كل واحد منهما إلى صاحبه، فلما تقارب العسكران قتل بسطام وجميع من معه إلا أربعة عشر لحقوا بمروان، فكانوا معه. ثم مضى سعيد بن بهدلة نحو العراق لما بلغه من تشتت الأمر بها واختلاف أهل الشام، فمات سعيد بن بهدلة من طاعون أصابه، واستخلف الضحاك بن قيس، فاجتمع مع الضحاك نحو من ألف، فتوجه إلى الكوفة ومر بأرض الموصل فأتبعه منها ومن السواد نحو من ثلاثة آلاف، فبرز له أهل الكوفة فهزمهم واستولى على الكوفة
стр. 2489
ومضى إلى واسط فحاصرها وخرجوا يقاتلونه، فلم يزالوا على ذلك شعبان ورمضان وشوال، ثم خرج والي واسط إلى الخارجي فبايعه.
وفيها [١] : خلع سليمان بن هشام بن عبد الملك مروان بن محمد ونصب له الحرب. وذلك أنه لما شخص مروان إلى الرقة لتوجه ابن هبيرة إلى العراق لمحاربة الضحاك بن قيس استأذنه سليمان بن هشام أن يقيم [أياما] [٢] لإصلاح أمره، فأذن له فقيل له: أنت أرضى عند أهل الشام من مروان وأولى بالخلافة، فأجابهم وعسكر بهم وسار بهم إلى قنسرين، وكاتب أهل الشام فانفضوا إليه من كل جانب فأقبل إلى مروان وكتب إلى ابن هبيرة يأمره بالثبوت في عسكره، واجتمع إلى سليمان بن هشام نحو من سبعين ألفا من أهل الشام وغيرهم، فلما دنا منه مروان قدم إليه السكسكي في نحو من سبعة آلاف، ووجه مروان عيسى بن مسلم في نحو من عدتهم، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزمت مقدمة مروان، فانهزم سليمان، واتبعته خيول مروان تقتلهم وتأسرهم، واستباحوا عسكرهم، وقتل منهم أكثر من ثلاثين ألفا، ومضى سليمان مفلولا حتى انتهى إلى حمص، فانضم إليه من أفلت من أصحابه، فعسكر بهم وبنى ما كان مروان هدمه من حيطانها، وجاءهم مروان فخرجوا إليه فاقتتلوا، وعلم سليمان أنه لا طاقة له بهم، فذهب إلى تدمر. ونزل مروان بحمص فحاصرهم عشرة أشهر، ونصب عليهم نيفا وثمانين منجنيقا وهم في ذلك يخرجون إليه فيقاتلونه، ثم استأمنوه على أن يدفعوا إليه جماعة ممن كان يسبه ويؤذيه، فقبل ذلك منهم، ثم أقبل متوجها إلى الضحاك، فارتحل الضحاك حتى لقي مروان بكفرتوثا من أرض الجزيرة.
وفي هذه السنة: توجه سليمان بن كثير ولاهز بن قريظة [٣] ، وقحطبة بن شبيب إلى مكة، فلقوا إبراهيم بن محمد الإمام بها، وأعلموه أن معهم عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم ومسكا ومتاعا كثيرا، فأمرهم بدفع ذلك إلى عروة مولى محمد بن علي، وكانوا قدموا معهم بأبي مسلم في ذلك العام، فقال سليمان بن كثير لإبراهيم:
هذا مولاك.
стр. 2490
وفي هذه السنة: حج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو عامل مروان على مكة والمدينة والطائف، وكان العامل على العراق النضر بن الحرشي، وكان بخراسان نصر بن سيار.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٦٨٦- سعد بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أبو إسحاق [١] :
أسند عن عبد الله بن جعفر، وأنس، وغيرهما. وولي قضاء المدينة.
أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر البزاز، قَالَ: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال:
أخبرنا أبو عمرو بن حيوية، قَالَ: أخبرنا أبو أيوب الجلاب، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا الحجاج، عن شيبة، قال:
كان سعد بن إبراهيم يصوم الدهر ويقرأ القرآن في كل يوم وليلة.
توفي سعد بالمدينة في هذه السنة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.
٦٨٧- عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، أبو خالد الفهمي [٢] :
أمير مصر لهشام بن عبد الملك، روى عنه الليث بن سعد، ويحيى بن أيوب.
وكان ثبتا في الحديث، توفي في هذه السنة.
٦٨٨- عمرو بن عبد الله بن علي بن أحمد الهمداني، أبو إسحاق السبيعي [٣] :
ولد لثلاث سنين بقين من خلافة عثمان، وأجاز شريح شهادته وحده في وصية، وكان يقول: يا معشر الشباب اغتنموا شبابكم وقوتكم، فقلما مر بي في شبابي ليلة لا أقرأ
стр. 2491
فيها ألف آية، ولقي من الصحابة: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومعاوية بن أبي سفيان، وعدي بن حاتم، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وجابر بن سمرة، وحارثة بن وهب، وحبيش بن جنادة، وأبو جحيفة، والنعمان بن بشير، وسليمان بن صرد، وعبد الله بن يزيد، وجرير بن عبد الله، وذا الجوشن، وعمارة بن رويبة، والأشعث بن قيس، والمغيرة بن شعبة، وأسامة بن زيد، وعمرو بن الحارث بن المصطلق، ورافع بن خديج، وعمرو بن حريث، والمسور بن مخرمة، وسلمة بن قيس الأشجعي، وسراقة بن مالك، وعبد الرحمن بن أبزي.
وانفرد أبو إسحاق بالرواية عن ثلاثة من الصحابة لم يرو عنهم غيره، أحدهم:
عبدة بن جري، ويقال: عبيدة. والثاني كديد الضبي، والثالث مطر بن عكامس. فهؤلاء الثلاثة عدهم جماعة من العلماء في الصحابة، وأبى قوم أن تكون لهم صحبة.
توفي أبو إسحاق يوم دخول الضحاك بن قيس الكوفة سنة سبع وعشرين ومائة، وهو ابن خمس وتسعين سنة. وتغير أبو إسحاق بآخرة، والذي سمع من حديثه فهو الجيد.
стр. 2492
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائة
فمن الحوادث فيها قتل الحارث بن شريح بخراسان [١] . وقد ذكرنا أن يزيد بن الوليد كتب إليه يؤمنه، وأن الحارث خرج من بلاد الترك إلى خراسان، وأتى إلى نصر بن سيار، فلما ولي ابن هبيرة العراق كتب إلى نصر بعهده، فبايع لمروان، فقال الحارث: إنما آمنني يزيد بن الوليد، ومروان لا يجيز أمان يزيد، فلا آمنه. فدعي إلى البيعة، وأرسل إلى نصر فقال:
اجعل الأمر شورى، فأبى نصر، فخرج الحارث وأمر جهم بن صفوان [٢] مولى بني راسب، فقرأ كتابا، فيه سيرة الحارث على الناس، فانصرفوا يكبرون، وأرسل الحارث إلى نصر: اعزل فلانا واستعمل فلانا، فاختاروا قوما يسمون لهم من يعمل بكتاب الله، فاختار نصر مقاتل بن سليمان، ومقاتل بن حبان، واختار الحارث المغيرة الجهضمي، ومعاذ بن جبلة، وأمر نصر كاتبه أن يكتب [٣] من يرضون من السنن، وما يختارون من العمال [٤] ، وعرض نصر على الحارث أن يوليه ما وراء النهر، ويعطيه ثلاثمائة ألف، فلم يقبل، ثم تناظر نصر والحارث [٥] فتراضيا أن يحكم بينهما مقاتل بن حيان، وجهم بن صفوان، فحكما أن يعتزل نصر ويكون الأمر شورى، فلم يقبل نصر، وكان جهم يقص
стр. 2493
في عسكر الحارث فاتهم نصر قوما من أصحابه أنهم كاتبوا الحارث، فأمر نصر مناديا ينادي: إن الحارث عدو الله قد نابذ وحارب، فاقتتلوا فانهزم الحارث وأسر يومئذ جهم بن صفوان صاحب الجهمية وقتل. وكان يكنى أبا محرز، وآل الأمر إلى قتل الحارث، وصلب قبله رجل يقال له: الكرماني.
وفي هذه السنة: وجه إبراهيم بن محمد أبا مسلم إلى خراسان [١] ، وكتب إلى أصحابه: إني قد أمرته بأمري، فاسمعوا منه واقبلوا قوله، فإني قد أمرته على خراسان، وما غلب عليه بعد ذلك، فأتاهم فلم يقبلوا قوله وخرجوا من قابل فالتقوا بمكة عند إبراهيم، فأعلمه أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه وأمره وذلك أنه كان حدثا، فقال إبراهيم:
إني كنت عرضت هذا الأمر على غير واحد فأبوا علي، وقد أجمع رأيي على أبي مسلم، فاسمعوا له وأطيعوا.
وفي هذه السنة: قتل الضحاك بن قيس الخارجي [٢] ، وكان معه عشرون ومائة ألف، فخرج إلى نصيبين فحاصرها وأقام [بها] [٣] ، وأقبل إليه مروان فالتقيا فاقتتلوا، فقتل الضحاك في المعركة، فبعث مروان برأسه إلى الجزيرة، فطيف به فيها [٤] .
وقيل: إن هذا كان في سنة تسع وعشرين.
وفي هذه السنة: قتل الخيبري الخارجي [٥] . وذلك أنه لما قتل الضحاك أصبح أصحابه فبايعوا الخيبري، فحمل الخيبري على مروان فانهزم، ودخل أصحاب الخيبري إلى عسكره وقطعوا أطناب خيمته، وجلس الخيبري على فرشه، ثم ثار إليه عبيد من عسكر مروان فقتلوا الخيبري وأصحابه، ورجع مروان وانصرف أصحاب الخيبري فولوا عليهم شيبان، فقاتلهم مروان بعد ذلك.
وفي هذه السنة: وجه مروان يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق لحرب من بها من الخوارج.
стр. 2494
وفيها: حج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وكان هو العامل على مكة والمدينة والطائف، وكان بالعراق عمال الضحاك، وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وكان بخراسان نصر بن سيار، وعلى قضاء البصرة ثمامة بن عبد الله بن أنس.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٦٨٩- بكر بن سوادة بن ثمامة الجذامي [١] :
حدث عن سهل بن سعد، وسفيان بن وهب الخولاني، وأبي ثور الفهمي، وكلهم صحابي. وروى عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة. وتوفي بإفريقية في هذه السنة.
٦٩٠- جهم بن صفوان، أبو محرز، الذي ينسب إليه الجهمية:
كان في عسكر الحارث بن شريح الخارجي يقص ويعظ، فحاربهم نصر بن سيار فأسر في الحرب وقتل.
٦٩١- جابر بن يزيد الجعفي [٢] :
كان رافضيا غاليا، يقول بالرجعة، وروى عنه سفيان، وشعبة.
وتوفي في هذه السنة.
٦٩٢- حيي بن هانئ، أبو قبيل المعافري [٣] :
قدم مصر في أيام معاوية، وغزا رودس مع جنادة بن أبي أمية، والمغرب مع حسان بن النعمان. روى عنه الليث، وابن لهيعة.
سئل عن القدر، فقال: أنا في الإسلام أقدم منه، ودين أنا أقدم منه، لا خير فيه.
стр. 2495
وكان يلي شراء الشيء بنفسه من السوق، وكان يصوم الاثنين والخميس.
وتوفي بالراس في هذه السنة.
٦٩٣- عبد الواحد بن زيد:
كان متعبدا كثير البكاء، يقص على أصحابه فيموت في المجلس جماعة، وصلى الغداة بوضوء العشاء أربعين سنة.
أخبرنا محمد [١] بن أبي القاسم بإسناده عن أحمد بن أبي الحواري، قال: قال لي أبو سليمان الداراني:
أصاب عبد الواحد بن زيد الفالج، فسأل الله أن يطلقه في وقت الوضوء، فإذا أراد أن يتوضأ انطلق، وإذا رجع إلى سريره عاد إليه الفالج.
٦٩٤- يزيد بن أبي حبيب، واسم حبيب سويد مولى شريك بن الطفيل العامري يكنى أبا رجاء [٢]
ولد سنة ثلاث وخمسين، وكان نوبيا وكان يقول: كان أبي نوبيا من أهل دملقة [٣] فابتاعه شريك بن الطفيل فأعتقه، فولاؤنا له.
يروي عن أبي الطفيل، وعبد الله بن الحارث بن جزء. روى عنه سليمان التيمي. وكان يزيد مفتي أهل مصر في أيامه، وهو أول من أظهر العلم بمصر والكلام في الحلال والحرام ومسائل الفقه، وإنما كانوا يتحدثون قبل ذلك بالفتن والملاحم، والترغيب في الخير، وكان أحد الثلاثة الذين جعل إليهم عمر بن عبد العزيز الفتيا بمصر، وكان حليما عاقلا. ولما كثرت مسائل الناس على يزيد لزم منزله.
وكان الليث بن سعد يقول: كان يزيد بن أبي حبيب سيدنا وعالمنا
٦٩٥- يزيد بن القعقاع، أبو جعفر المخزومي القاري المديني، مولى عبد الله بن عباس: [٤]
سمع من عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس. روى عنه مالك بن أنس. وكان إمام أهل المدينة في القرآن. وكان تقيا خيرا، توفي في أيام مروان بن محمد بن مروان.
стр. 2496
ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائة
فمن الحوادث فيها هلاك شيبان بن عبد العزيز اليشكري [١] . وكان السبب في ذلك أن الخوارج لما قتل الضحاك والخيبري بعده ولوا عليهم شيبان وبايعوه، فقاتلهم مروان تسعة أشهر، فلجئوا إلى الموصل واتبعهم مروان وخندق بإزائهم. فكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره بالمسير من قرقيسياء بجميع من معه إلى عبيدة بن سوار خليفة الضحاك بالعراق، فلقي خيوله بعين التمر، فقاتلهم عبيدة فهزمهم، ثم تجمعوا لهم بالكوفة بالنخيلة فهزمهم، ثم اجتمعوا بالصراة ومعهم عبيدة، فقاتلهم [فقتل عبيدة] [٢] وهزم أصحابه، [واستباح عسكرهم فلم يكن لهم بقية بالعراق، وخرج شيبان وأصحابه] [٣] ، من الموصل فتبعهم مروان فمضوا إلى الأهواز، فوجه مروان إلى عامر بن ضبارة ثلاثة نفر من قواده في ثلاثة آلاف، وأمره باتباعهم إلى أن يستأصلهم، فتبعهم فوردوا فارس فمضى شيبان إلى ناحية البحرين فقتل بها.
وكان مع شيبان سليمان بن هشام، فركب مع مواليه وأهل بيته السفن إلى السند.
وقيل: كان ذلك في سنة ثلاثين.
стр. 2497
[إظهار الدعوة العباسية بخراسان] [١] .
وفي هذه السنة- أعني سنة تسع وعشرين، ومائة [٢] أمر إبراهيم بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس أبا مسلم بالانصراف إلى شيعته بخراسان، وأمرهم بإظهار الدعوة العباسية، والتسويد. فقدم أبو مسلم مرو في أول شعبان. وقيل: في أول يوم من رمضان.
فدفع كتاب الإمام إلى سليمان بن كثير، وكان فيه: أن أظهر دعوتك ولا تربص [٣] . فنصبوا أبا مسلم وقالوا: رجل من أهل البيت، ودعوا إلى طاعة بني العباس، وأرسلوا إلى كل من أجابهم قريب وبعيد، فأمروه بإظهار أمرهم والدعاء [إليهم] [٤] .
ونزل أبو مسلم قرية من قرى خزاعة [٥] ، فبث دعاته في الناس، فوجه النضر التميمي إلى مروالروذ [٦] ، ووجه أبا عاصم عبد الرحمن بن سليمان [٧] إلى الطالقان، ووجه أبا الجهم بن عطية إلى خوارزم.
فلما كانت [٨] ليلة الخميس لخمس بقين من رمضان عقد اللواء الذي بعث به للإمام على رمح طوله أربعة عشر ذراعا، وعقد الراية التي بعث بها للإمام على لواء طوله ثلاثة عشر ذراعا. وكان اللواء يدعى الظل، والراية تدعى السحاب- وكان تأويل الاسمين عندهم أن السحاب يطبق الأرض، وكذلك دعوة بني العباس تطبق الأرض. وتأويل الظل أن الأرض لا تخلو من الظل أبدا، كذلك لا تخلو الأرض من خليفة عباسي- ولبس السواد هو وسليمان بن كثير وأخوه [سليمان] [٩] ومواليه ومن أجاب
стр. 2498
الدعوة، وأوقد النيران [١] ، فتجمع أصحابه مغذين، وقدم عليه من الأماكن من أجاب.
فلما كان يوم الفطر أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلي به وبالشيعة، ونصب له منبرا في العسكر، وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة [بغير] [٢] أذان ولا إقامة- وكانت بنو أمية تبدأ بالخطبة بأذان [٣] ، ثم الصلاة بإقامة على صلاة يوم الجمعة، ويخطبون على المنابر جلوسا في الأعياد والجمع- وأمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يكبر في الركعة الأولى ست تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات- وكانت بنو أمية تكبر في الركعة الأولى أربع تكبيرات يوم العيد، وفي الثانية ثلاث تكبيرات- فلما قضى سليمان بن كثير الصلاة والخطبة انصرف أبو مسلم [والشيعة إلى طعام قد أعده لهم أبو مسلم] [٤] ، فطعموا مستبشرين.
وكان أبو مسلم في أول الأمر يكتب إلى نصر بن سيار: الأمير نصر. فلما قوي أبو مسلم بمن معه بدأ بنفسه فكتب إلى نصر، وأمر أن يقطع مادة نصر بن سيار من مروالروذ ومن بلخ، فوجه نصر خيلا لمحاربة أبي مسلم وذلك بعد ثمانية عشر شهرا من ظهوره، فوجه إليه أبو مسلم مالك بن الهيثم الخزاعي، فالتقوا بقرية فانهزم أصحاب نصر وقتل منهم جماعة وجيء برءوسهم، فأمر أبو مسلم بنصب تلك الرءوس، فهي أول حرب كانت بين الشيعة العباسية [٥] وشيعة بني مروان.
وفي هذه السنة: غلب خازم بن خزيمة [٦] على مروالروذ، وقتل عامل نصر بن سيار الذي كان عليها، وكتب بالفتح إلى أبي مسلم [٧] .
وفيها تحالف عامة من كان بخراسان من قبائل العرب على قتال أبي مسلم [٨] .
وذلك حين قوي أمره، فبعث أبو مسلم النضر بن نعيم الضبي إلى هراة وعليها
стр. 2499
عيسى بن عقيل الليثي فطرده من هراة، وضاق المنزل بأبي مسلم لكثرة عسكره، فارتاد منزلا فسيحا وحفر به خندقا، وذلك لتسع خلون من ذي القعدة. واستعمل على الشرطة مالك بن الهيثم وعلى الحرس خالد بن عثمان، وعلى ديوان الجند كامل بن مظفر، وعلى الرسائل مسلم بن صبيح [١] . وكان القاسم بن مجاشع يصلي بأبي مسلم الصلوات، ويقص بعد العصر، فيذكر فضل بني هاشم ومعايب بني أمية، وكان أبو مسلم كرجل من الشيعة في هيئته حتى أتاه عبيد الله بن مسلم بالأروقة، والفساطيط والمطابخ وحياض الأدم للماء.
وبلغت عدة أصحاب أبي مسلم سبعة آلاف، فأعطى لكل رجل ثلاثة دراهم، ثم أعطاهم أربعة أربعة، وكتب نصر بن سيار إلى مروان يعلمه حال أبي مسلم وخروجه وكثرة من معه، وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد، وكتب بأبيات شعر.
أرى بين الرماد وميض جمر [٢] ... فأحج بأن يكون له ضرام [٣]
فإن النار [٤] بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها [٥] الكلام
فقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام
فكتب إليه مروان: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم الثؤلول قبلك [٦] ، فقال نصر: أما صاحبكم فقد أعلمكم أن لا نصر عنده. وجاء كتاب إبراهيم الإمام يلوم أبا مسلم أن لا يكون واثب نصرا، وأمره ألا يدع بخراسان متكلما بالعربية إلا قتله.
وكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك وهو على دمشق أن يكتب إلى عامل البلقاء فليأخذ إبراهيم بن محمد، ويشده وثاقا، ويبعث به إليه في خيل، فأخذه فحمله الوليد إلى مروان.
стр. 2500
وفي هذه السنة: وافى [الموسم] [١] أبو حمزة الخارجي من قبل عبد الله بن يحيى مخالفا مروان بن محمد [٢] ، فلم يشعر الناس بعرفة إلا وقد طلعت أعلام سود، فسألهم الناس: ما حالكم؟ فأخبروهم بخلافهم مروان وآل مروان والتبرؤ منهم.
فراسلهم عبد الواحد بن سليمان في الهدنة، فقالوا: نحن بحجنا أضن [٣] ، فصالحهم على أنهم جميعا آمنون حتى ينفر الناس النفر الأخير، ويصبحوا من الغد، فوقفوا على حدة بعرفة. ودفع بالناس عبد الواحد، ثم مضى إلى المدينة فضرب على الناس البعث.
وفيها [٤] : حج بالناس عبد الواحد، وكان هو العامل على مكة والمدينة، والطائف. وكان على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربي، وعلى قضاء البصرة عباد بن منصور، وعلى خراسان نصر بن سيار.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٦٩٦- خالد بن أبي عمران التجيبي، يكنى أبا عمر [٥] :
سمع من ابن جزء، وكان فقيه أهل المغرب ومصر يفتيهم، وكان مستجاب الدعوة. توفي في هذه السنة بإفريقية. وقيل: في سنة خمس وعشرين.
٦٩٧- عاصم بن أبي النجود، أبو بكر الأسدي الخياط، مولى لبني [٦] خزيمة بن مالك بن نضر بن قعص، واسم أبي النجود: بهدلة:
أدرك عاصم ثلاثة عشر صحابيا، وكان كثير الرواية، وقرأ على أبي عبد الرحمن السلمي.
стр. 2501
٦٩٨- يحيى بن أبي كثير، مولى طيِّئ، يكنى أبا نصر:
أخبرنا محمد بن أبي القاسم بإسناد له عن أبي عمرو، عن يحيى بن أبي كثير، قال:
ما صلح منطق رجل إلا عرفت ذلك في سائر عمله، ولا فسد منطقه إلا عرفت ذلك في سائر عمله.
أسند يحيى بن أبي كثير عن أنس، وابن أبي أوفى وغيرهما من الصحابة.
وتوفي في هذه السنة. وقيل: في سنة اثنتين وثلاثين.
стр. 2502
ثم دخلت سنة ثلاثين ومائة
فمن الحوادث فيها دخول أبي مسلم مرو ونزوله دار الإمارة بها، ومطابقة علي بن جديع الكرماني إياه على حرب نصر بن سيار، ودخلها لتسع خلون من جمادى الأولى يوم الخميس.
وكان سبب موافقة علي أبا مسلم [١] ، أن أبا مسلم وبخه وقال: أما تستحي من مصالحة نصر وقد قتل أباك بالأمس وصلبه، فرجع عنه فانتقض صلح العرب الذين اصطلحوا على قتال أبي مسلم، فتمكن لذلك أبو مسلم من دخول دار الإمارة بمرو، وعبأ جنوده لقتال نصر، فأرسل إلى جماعة بالقتال، ففهم لاهز، فقرأ لاهز (إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ) ٢٨: ٢٠ [٢] ففطن فهرب وذلك يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الأول هذه السنة، وهو اليوم الثاني من دخول أبي مسلم دار الإمارة.
وصفت مرو لأبي مسلم، وأمر أبا منصور طلحة بن رزيق أن يأخذ البيعة على الجند، وكان طلحة أحد النقباء الاثني عشر الذين اختارهم محمد بن علي من السبعين الذين استجابوا له حين بعث رسوله إلى خراسان سنة ثلاث ومائة، أو أربع ومائة، وأمره أن يدعو إلى الرضا ولا يسمي أحدا.
стр. 2503
- تسمية الاثني عشر:
سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، وزياد بن صالح، وطلحة بن رزيق [١] ، وعمرو بن أعين، وقحطبة بن شبيب واسم قحطبة زياد، وموسى بن كعب أبو عيينة، ولاهز بن قرظ [٢] ، والقاسم بن مجاشع، وأسلم بن سلام، وأبو داود خالد بن إبراهيم، وأبو علي الهروي.
وقد جعل بعض الرواة شبل بن طهمان مكان عمرو بن أعين، وعيسى بن كعب مكان موسى، وأبا النجم إسماعيل بن عمران مكان أبي علي الهروي.
ولما هرب نصر بن سيار سار أبو مسلم إلى معسكره، وأخذ ثقات أصحابه وصناديد مضر الذين كانوا في عسكره، فكتفهم وحبسهم ثم أمر بقتلهم جميعا. ومضى نصر بن سيار حتى نزل سرخس فيمن اتبعه، وكانوا ثلاثة آلاف، ومضى أبو مسلم وعلي بن جديع في طلبه، فطلباه ليلتهما ثم رجعا إلى مرو، وقيل: إن لاهزا قرأ: (إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ) ٢٨: ٢٠ [٣] فقال: يا لاهز أتدغل في الدين [٤] ، فقدمه فضرب عنقه.
وفي هذه السنة: قتل شيبان بن سلمة الحروري، وسبب [قتله] [٥] ، أنه كان هو وعلي بن جديع مجتمعين على قتال نصر، فلما صالح علي بن الكرماني أبا مسلم، وفارق شيبان، تنحى شيبان عن مرو إذ علم أنه لا طاقة له بحرب أبي مسلم وعلي بن جديع مع اجتماعهما على خلافة وقد هرب نصر من مرو، فأرسل إليه أبو مسلم يدعوه إلى بيعته، فأرسل شيبان: بل أنا أدعوك، فقال أبو مسلم: إن لم تدخل في أمرنا فارتحل، فسار إلى سرخس، فاجتمع إليه جمع من بكر بن وائل، فأرسل إليه أبو مسلم يدعوه ويسأله أن يكف، فأخذ الرسل فحبسهم، فكتب أبو مسلم إلى بسام بن إبراهيم يأمره أن يسير إلى شيبان فيقاتله، ففعل فهزمه [٦] بسام، فقتل شيبان وعده من بكر بن
стр. 2504
وائل، فلما قتل شيبان مر رجل من بكر بن وائل برسل أبي مسلم وهم في بيت، فأخرجهم وقتلهم [١] . ثم قتل أبو مسلم علي بن جديع.
وفي هذه السنة: قدم قحطبة بن شبيب على أبي مسلم خراسان منصرفا من عند إبراهيم بن محمد ومعه لواؤه الذي عقده له إبراهيم، فوجهه أبو مسلم حين قدم عليه على مقدمته، وضم إليه الجيوش، وجعل إليه العزل والاستعمال، وكتب إلى الجنود بالسمع والطاعة.
فوجه قحطبة إلى نيسابور للقاء نصر، وذلك أن شيبان الحروري لما قتل لحق أصحابه بنصر وهو بنيسابور، فبلغه فارتحل حتى نزل قومس وتفرق عنه أصحابه.
وفيها: قتل نباتة بن حنظلة عامل يزيد بن هبيرة على جرجان، وذلك أن يزيد بن عمر بن هبيرة بعث نباتة بن حنظلة إلى نصر، فأتى فارس وأصبهان ثم سار إلى الري وأتى إلى جرجان، فأرسل أبو مسلم إلى قحطبة، فلقيه فقتل نباتة وانهزم أهل الشام وقتل منهم عشرة آلاف.
وفيها: كانت الوقعة بقديد بين أبي حمزة الخارجي وأهل المدينة. وذلك أنه خرج فلقي قريشا بقديد، فأصاب منهم عددا كثيرا، ثم ورد فلال الناس المدينة، ثم دخل أبو حمزة المدينة، ومضى عبد الواحد بن سليمان والي المدينة إلى الشام فرقي أبو حمزة المنبر وقال: يا أهل المدينة، سألناكم عن ولاتكم فأسأتم القول فيهم، وسألناكم: هل يقتلون بالظن؟ فقلتم: نعم، سألناكم: هل يستحلون المال الحرام والفرج الحرام؟
فقلتم: نعم، فقلنا لكم: تعالوا نناشدهم إلا تنحوا عنا وعنكم، فقلتم: لا تفعلوا ذلك، فقلنا: تعالوا نقاتلهم فإن نظهر نأت بمن يقيم فينا وفيكم كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، فقلتم: لا نقوى، فقلنا لكم: فخلوا بيننا وبينهم، فإن نظفر نعدل في أحكامكم.
ونحملكم على سنة نبيكم ﷺ ، ونقسم فيئكم بينكم فأبيتم، وقاتلتمونا دونهم، فقاتلناكم فأبعدكم الله وأسحقكم.
وسبب ذلك أن الخوارج لقوا رجال المدينة بقديد، فقالوا: دعونا نمضي على حكم القرآن، فدعوهم إلى حكم بني مروان، فقالوا لهم: ما لنا حاجة بقتالكم، فأبى أهل المدينة فالتقوا يوم الخميس لسبع خلون من صفر سنة ثلاثين، فقتل أهل المدينة
стр. 2505
حتى لم يفلت منهم إلا الشريد، وقدمت الحرورية المدينة لسبع عشرة خلون من صفر، وأقاموا بها ثلاثة أشهر.
وكان أبو حمزة يقول على قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : من زنى فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر، ومن سرق فهو كافر [١] .
وبعث مروان أربعة آلاف من عسكره ليقاتلهم [٢] ، واستعمل عليهم ابن عطية، فإن ظفر مضى إلى اليمن، فقاتل عبد الله بن يحيى بن زيد ومن تبعه. فلما التقى أبو حمزة وابن عطية بوادي القرى قال أبو حمزة: لا تقاتلوهم حتى تختبروهم [٣] ، فصاحوا: ما تقولون في القرآن؟ فصاح ابن عطية: نضعه في جوف الجوالق، قالوا: فما تقولون في اليتيم؟ قالوا: نأكل ماله ونفجر بأمه، فقاتلوهم. فلما جاء الليل قالوا:
ويحك يا ابن عطية إن الله قد جعل الليل سكنا، فاسكن نسكن، فأبى فقاتلهم حتى قتلهم وفر منهم قوم إلى المدينة، فقتلهم أهل المدينة.
وأقام ابن عطية بالمدينة شهرا، ثم مضى إلى عبد الله بن يحيى بصنعاء، فلما وصل التقيا، فقتل عبد الله وبعث برأسه إلى مروان، فكتب مروان إلى ابن عطية: أغذ السير لتحج بالناس، فأسرع وخلف عسكره وخيله، فلقيته خيل، فقالوا: أنتم لصوص، فأخرج ابن عطية كتابه وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين وعهده علي الحج، وأنا ابن عطية، قالوا: هذا باطل لكنكم لصوص. فقتلوه وقتلوا أصحابه.
وفي هذه السنة: قتل قحطبة بن شبيب من أهل خراسان زهاء ثلاثين ألفا. وذلك أنهم أجمعوا بعد قتل نباتة على الخروج على قحطبة، فقتل منهم هذا المقدار.
وكتب أبو مسلم إلى قحطبة أن يتبع نصرا، فكتب نصر إلى ابن هبيرة يستمده فأبطأ عليه المدد.
وفي هذه السنة: غزا الوليد بن هشام الصائفة.
وفيها: وقع طاعون بالبصرة.
стр. 2506
وفيها: حج بالناس [١] محمد بن عبد الملك بن مروان، وكان إليه مكة والمدينة والطائف. وكان على العراق يزيد بن هبيرة [٢] ، وعلى قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربي، وعلى قضاء البصرة عباد بن منصور، وعلى خراسان نصر بن سيار.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٦٩٩- بديل بن ميسرة العقيلي [٣] :
أسند عن أنس وغيره، وكان متعبدا طويل البكاء، ما زال يبكي حتى ذهب بصره.
أخبرنا محمد بن أبي القاسم [بإسناد له] [٤] ، عن سيار، قال: قال مهدي بن ميمون: رأيت ليلة مات بديل قائلا يقول: ألا إن بديلا أصبح من سكان الجنة.
٧٠٠- الخليل بن أحمد، أبو عبد الرحمن الفراهيدي الأزدي النحوي البصري [٥] :
ولا يعرف أحد سمي بأحمد بعد رسول الله ﷺ قبل أحمد والد الخليل.
سمع الخليل من جماعة، وبرع في علم اللغة وإنشاء العروض، وروى عنه حماد بن زيد، والنضر بن شميل. وكان الخليل بالبصرة، وهو أليق بالصحة [٦] ، وكان
стр. 2507
الخليل منفردا بعلم العربية متعبدا ذا زهادة في الدنيا.
كتب إليه سليمان بن علي الهاشمي يستدعيه لتعليم ولده بالنهار ومنادمته بالليل، وبعث إليه ألف دينار ليستعين بها على حاله، فأخرج إلى الرسول زنبيلا فيه كسر يابسة، فأراه إياها [١] وقال له: إني ما دمت أجد هذه الكسر فإني عنه غني وعن غيره، ورد الألف دينار وقال للرسول: اقرأ على الأمير السلام وقل له: إني قد ألفت قوما، وألفوني، أجالسهم طول نهاري وبعض ليلي، وقبيح لمثلي أن يقطع عادة تعودها [٢] إخوانه، وكتب إليه بهذه الأبيات:
أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال
وإن بين الغنى والفقر منزلة ... مقرونة بجديد ليس بالبالي
سخى بنفسي أني لا أرى أحدا ... يموت هزلا ولا يبقى على حال
والفقر في النفس لا في المال نعرفه ... ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
والرزق عن قدر لا العجز ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال
كل امرئ بحبال الموت مرتهن ... فاعمد لبالك إني عامد بالي
وقد روي لنا أن الذي بعث إليه سليمان بن حبيب المهلبي، بعث إليه من أرض السند. وكان الخليل بالبصرة، وهذا أليق بالصحة، وقيل: من أرض الأهواز، ثم آل الأمر إلى أن صار الخليل وكيلا ليزيد بن حاتم المهلبي، وكان يجري عليه في كل شهر مائتي درهم.
قال الثوري: اجتمعنا بمكة، أدباء كل أفق، فتذاكرنا أمر العلماء، فجعل أهل كل بلد يرفعون علماءهم ويصفونهم حتى جرى ذكر الخليل فلم يبق أحد منهم إلا قال:
الخليل أذكى العرب، وهو مفتاح العلوم ومصرفها.
وقال نصر بن علي الجهضمي، عن أبيه: كان الخليل من أزهد الناس وأعلاهم نفسا، وأشدهم [٣] تعففا، ولقد كان الملوك يقصدونه ويتعرضون [له] [٤] لينال منهم فلم
стр. 2508
يكن يفعل ذلك، وكان يعيش من بستان خلفه له أبوه.
وقال عبيد الله بن محمد بن عائشة: كان الخليل يحج سنة ويغزو سنة حتى مات.
وقال النضر بن شميل: ما رأينا أحدا أقبل الناس إلى علمه فطلبوا ما عنده أشد تواضعا من الخليل.
وقال محمد بن سلام: سمعت مشايخنا يقولون: لم يكن في العرب بعد الصحابة أذكى من الخليل ولا أجمع ولا كان في العجم أذكى من ابن المقفع ولا أجمع.
وقال النضر: سمعت الخليل يقول: الأيام ثلاثة، فمعهود وهو أمس، ومشهود وهو اليوم، وموعود وهو غد.
وقال الخليل: ثلاث تيسر المصائب: مر الليالي، والمرأة الحسناء، ومحادثة الرجال.
وأنشد لنفسه:
يكفيك من دهرك هذا القوت ... ما أكثر القوت لمن يموت
٧٠١- شيبة بن نصاح بن سرخس بن يعقوب القاري، مولى أم سلمة زوج النبي ﷺ [١] :
توفي في هذه السنة.
٧٠٢- محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير، أبو عبد الله [٢] :
وكان المنكدر دخل على عائشة فقالت: لك ولد؟ قال: لا، فقالت: لو كان عندي عشرة آلاف [درهم] [٣] لوهبتها لك، فما أمسيت حتى بعث إليها معاوية بمال، فقالت:
ما أسرع ما ابتليت، وبعثت إلى المنكدر بعشرة آلاف فاشترى منها جارية، فهي أم محمد وأبي بكر وعمر، وكانوا عباد المدينة.
стр. 2509
وسمع محمد من جابر بن عبد الله، وأميمة بنت رقية، والحسن، وعروة، وسعيد بن جبير في آخرين. وتوفي بالمدينة.
أخبرنا إسماعيل بن محمد، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن هبة اللَّه الطبري، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن درستويه، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثني زيد بن بشر، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن زيد، قال:
أتى صفوان بن سليم إلى محمد بن المنكدر وهو في الموت، فقال: يا أبا عبد الله، كأني أراك قد شق عليك الموت، قال: فما زال يهون عليه الأمر حتى كان في وجهه المصابيح، ثم قال محمد: لو ترى ما أنا فيه لقرت عينك، ثم قضى ﵀.
٧٠٣- محمد بن سوقة، أبو بكر البزاز، مولى بجيلة [١] :
وكان بزازا. [أدرك أنس بن مالك، وأبا الطفيل، وروى عن التابعين] [٢] ، وكان سفيان يقول: ما بقي أحد يدفع به عن أهل الكوفة إلا ابن سوقة. وكانت عنده عشرون ومائة ألف فقدمها، وكان يقول: أحب الأشياء إلي إدخال السرور على المؤمن.
أخبرنا أحمد بن محمد المذاري، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن البناء، قال:
أخبرنا ابن بشران، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بكر القرشي، قال: حدثنا محمد بن علي بن شقيق، قال: حدثنا إبراهيم بن الأشعث، قال: حدثنا فضل بن عياض، عن محمد بن سوقة، قال:
أمران لو لم نعذب إلا بهما لكنا مستحقين بهما عذاب الله: أحدنا يزاد الشيء من الدنيا فيفرح فرحا ما علم الله أنه فرحه بشيء زاده قط في دينه، وينقص الشيء من الدنيا فيحزن عليه حزنا ما علم الله أنه حزنه على شيء نقصه في دينه.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: أخبرنا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الحافظ بإسناد له عن مهدي بن سابق، قال:
طلب ابن أخي محمد بن سوقة منه شيئا فبكى، فقال له: يا عم، لو علمت أن
стр. 2510
مسألتي تبلغ منك هذا ما سألتك، قال: ما بكيت لسؤالك، إنما بكيت لأني لم أبتدئك قبل سؤالك.
٧٠٤- محمد بن جحادة الأودي، مولى لبني أود [١] :
روى عن أبي صالح، وروى عنه الثوري.
أنبأنا عَبْد الوهاب الأنماطي، قَالَ: أَخْبَرَنَا المبارك بْن عبد الجبار، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الله الدقاق، قال: أخبرنا أبو بكر القرشي، قال: حدثني مُحَمَّد بْن الحسين، قَالَ: حَدَّثَنَا الحميدي، عَنْ سفيان، قال:
كان محمد بن جحادة من العابدين، وكان يقال إنه لا ينام من الليل إلا أيسره.
قال: فرأت امرأة من جيرانه كأن حللا فرقت على أهل مسجدهم، فلما انتهى الذي يفرقها إلى محمد بن جحادة دعى بسفط مختوم، وأخرج منه حلة صفراء. قالت: فلم يقم لها بصري، فكساه إياها وقال: هذه لك بطول السهر. قالت تلك المرأة: لقد كنت أراه بعد ذاك فأتخايلها عليه.
٧٠٥- مالك بن دينار، أبو يحيى، مولى امرأة من بني سامة بن لؤي [٢] :
وكان ثقة يكتب المصاحف، وكان زاهدا في الدنيا. وأسند الحديث عن أنس.
أخبرنا [٣] أحمد بن أحمد المتوكلي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر بْن ثابت، قَالَ: أخبرنا علي بن المظفر الأصفهاني، قال: حدثنا حبيب بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن محمد [الشطري] [٤] ، قال: حدثنا حسين بن جعفر بن سليمان الضبعي، قال: سمعت أبي يقول:
مر والي البصرة بمالك يرفل، فصاح به مالك: أقل من مشيتك هذه، فهم خدمه به، فقال: دعوه، ما أراك تعرفني، فقال له مالك: ومن أعرف بك مني، أما أولك فنطفة
стр. 2511
مذرة، وأما آخرك فجيفة قذرة، ثم أنت بين ذلك تحمل العذرة، فنكس الوالي رأسه ومشى.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْن أيوب [١] ، قَالَ: أخبرنا الحسن بن محمد الخلال، قال: أخبرنا ابن شاهين، قال: حدثنا ابن أبي داود، قال:
حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار:
أنه كان يرى يوم التروية بالبصرة، ويوم عرفة بعرفات.
أخبرنا محمد بن أبي حبيب، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن أبي صادق، قَالَ:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ باكويه، قال: حدثنا بكر بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن يعقوب بن إسحاق، قال: حدثنا أحمد بن الحسين النيسابوري، قَالَ:
سمعت مُحَمَّد بن عبد الله الطبري، يقول: سمعت الحسين بن علي الحلواني يقول:
دخل اللصوص إلى بيت مالك بن دينار فلم يجدوا في البيت شيئا فأرادوا الخروج من داره، فقال مالك: ما عليكم لو صليتم ركعتين.
٧٠٦- يزيد بن أبان الرقاشي [٢] :
أسند عن أنس. وكان عابدا كثير البكاء والسهر حتى قال فيه ثابت البناني: ما رأيت أصبر على طول القيام والسهر من يزيد بن أبان [الرقاشي] [٣] ، وكان بعد هذا يقول: وا لهفاه سبقني العابدون وقطع بي.
أَخْبَرَنَا عَبْد الوهاب الحافظ، قَالَ: أَخْبَرَنَا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا علي بن أحمد الملطي، قال: أخبرنا أحمد بْن يوسف، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن صفوان، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر القرشي، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن [٤] ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن محمد التيمي، قال: حدثني زهير السكونيّ، قال:
стр. 2512
كان يزيد الرقاشي قد بكى حتى تناثرت أشفاره وأحرقت الدموع مجاريها من وجهه.
٧٠٧- يزيد بن عبيد بن سعد بن بكر بن هوازن، أبو وجزة السعدي الشاعر [١] :
توفي بالمدينة في هذه السنة. قال ابن قتيبة: هو أول من شبب بعجوز [٢] .
стр. 2513
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائة
فمن الحوادث فيها توجيه قحطبة [١] ابنه الحسن، إلى نصر وهو بقومس. وذلك أنه لما قتل نباتة ارتحل نصر بن سيار فنزل الخوار ووجه قحطبة ابنه الحسن إلى قومس في محرم هذه السنة، ثم وجه إلى ابنه جماعة من الرءوس في سبعمائة، فدخلوا حائطا، فوجه إليهم نصر جندا فحصروهم، فنقبوا الحائط وخرجوا، وسار نصر حتى نزل الري، فأقام يومين ثم مرض حتى إذا كان بساوة [٢] قريبا من همذان، فمات بها.
وفيها: تحول أبو مسلم من مرو إلى نيسابور، فنزلها [٣] ، ولما نزل قحطبة الري كتب إلى أبي مسلم بخبره، فارتحل أبو مسلم من مرو، فنزل نيسابور وخندق بها، وبنى الجامع والمقصورة، وغصب أكثر الأرض التي بناها، إلا أن المسلمين سألوا من غصبت منه، فأباحهم الصلاة فيها. وقيل: بل استوهبها أبو مسلم ولم يأخذها غصبا.
وفيها: قتل قحطبة [٤] ، عامر بن ضبارة، [وسبب ذلك أن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر لما ابن ضبارة] [٥] مضى نحو خراسان وتبعه عامر، وكتب ابن هبيرة إلى عامر وإلى ابنه داود بن يزيد بن عمر أن يسير إلى قحطبة، فسار في خمسين ألفا حتى
стр. 2514
نزلوا أصفهان بمدينة يقال لها جي فاقتتلوا، فانهزم أهل الشام وقتلوا قتلا ذريعا، وقتل ابن ضبارة، وانهزم داود، وأصيب من عسكرهم ما لا يدري عدده من السلاح والمتاع والرقيق، ووجدوا عندهم ما لا يحصى من البرابط والطنابير والمزامير والخمر.
وفيها: كانت وقعة قحطبة بنهاوند بمن كان لجأ إليها من جنود مروان بن محمد.
وقيل: كانت هذه الوقعة بجابلق من أرض أصفهان يوم السبت لسبع بقين من رجب.
وذلك أن قحطبة أرسل إلى أهل خراسان الذين في مدينة نهاوند يدعوهم إلى الخروج إليه، فأعطاهم الأمان فأبوا، ثم أرسل إلى أهل الشام بمثل ذلك فقبلوا وبعثوا إليه: اشغل أهل المدينة حتى نفتح الباب وهم لا يشعرون. فشغل أهل المدينة بالقتال، ففتح أهل الشام الباب الذي كانوا عليه، فخرج أهل خراسان، فدفع قحطبة كل رجل منهم إلى رجل من قواد أهل خراسان، ثم أمر مناديه أن ينادي: من كان في يديه أسير ممن خرج إلينا من المدينة فليضرب عنقه وليأتنا برأسه، ففعلوا فلم يبق أحد من الذين كانوا هربوا من أبي مسلم وصاروا في ذلك الحصن إلا قتل، ما خلا أهل الشام فإنه أخلى سبيلهم، وأخذ عليهم الأيمان ألا يمالئوا عليه عدوا.
وفي هذه السنة: سار قحطبة نحو ابن هبيرة [١] ، وكان ابن هبيرة قد استمد مروان، وأقبل حتى نزلوا جلولاء، واحتفر الخندق الذي كانت العجم احتفرته أيام وقعة جلولاء، وأقام. وأقبل قحطبة حتى نزل قرماسين [٢] ، ثم سار إلى حلوان، ثم جاء إلى خانقين، ولم يزل حتى انتهى إلى الموضع الذي فيه ابن هبيرة.
وكان في هذه السنة: طاعون سلم [٣] بن قتيبة. قال الأصمعي: كان يمر في كل يوم بطريق المربد أحد عشر ألف نعش.
قال المدائني: كان هذا الطاعون في رجب واشتد في رمضان. وكان يحصى في سكة المربد كل يوم عشرة آلاف جنازة أياما، وخف في شوال.
وقال الأصمعي: مات في أول يوم سبعون ألفا، وفي الثاني نيف وسبعون ألفا،
стр. 2515
وأصبح الناس في اليوم الثالث موتى. وكان على البصرة سلم بن قتيبة [١] ، فلما قام على المنبر جعل ينظر يمنة ويسرة فلا يرى أحدا يعرفه، وكان يغلق على الموتى الباب مخافة أن تأكلهم الكلاب، وينادي المنادي: أدركوا آل فلان فقد أكلتهم الكلاب.
وفي هذه السنة [٢] : حج بالناس الوليد بن عروة بن محمد بن عطية السعدي، وهو كان عامل مكة والمدينة والطائف من قبل عمه عبد الملك بن محمد، وكان عامل العراق يزيد بن عمر بن هبيرة، وكان على قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربي، وعلى قضاء البصرة عباد بن منصور الناجي.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٧٠٨- أيوب بن أبي تميمة السختياني، يكنى أبا بكر، مولى لعنزة [٣] ، واسم أبي تميمة كيسان [٤] :
كان ثقة ثبتا ورعا يستر حاله، وكان النساك حينئذ يشمرون ثيابهم، وكان في ذيله بعض الطول، وحج أربعين حجة. وكان الحسن يقول: سيد شباب أهل البصرة أيوب، وكان سفيان بن عيينة قد لقي ستة وثمانين من التابعين، وكان يقول: ما رأيت مثل أيوب.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر [بإسناد لَهُ] [٥] ، عَنْ أبي بكر القرشي قال: حدثني أحمد بن عاصم العباداني، عن سعيد بن عامر، عن وهب بن جابر، قال: قال أيوب السختياني:
إذا ذكر الصالحون كنت منهم بمعزل.
стр. 2516
أخبرنا ابن ناصر، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو علي التميمي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن مالك، قَالَ: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال:
حدثني سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال:
كان أيوب ربما حدث بالحديث فيرق فيلتفت فيمتخط ويقول: ما أشد الزكام.
أخبرنا إسماعيل بن أبي بكر، قال: أخبرنا طاهر بْن أَحْمَد، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن بشران، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، قَالَ: حدثنا الحسن بن عمر، قال: سمعت بشر بن الحارث يقول:
دخل بديل على أيوب السختياني وقد مد على فراشه سبنية حمراء يدفع الرياء، فقال له بديل: ما هذا؟ فقال أيوب: هذا خير من هذا الصوف الذي عليك.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا الفضل بْنُ أَحْمَد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، قال: حدثنا عثمان بن محمد العثماني، قال: حدثنا خالد بن النضر القرشي، قال: حدثنا محمد بن موسى الجرشي، قال: حدثنا النضر بن كثير السعدي، قال: حدثنا عبد الواحد بن زيد، قال:
كنت مع أيوب على حراء فعطشت عطشا شديدا حتى رأى ذلك في وجهي، فقال: ما الذي أرى بك؟ قلت: العطش قد خفت على نفسي، قال: تستر علي؟ قلت:
نعم، فاستحلفني فحلفت له ألا أخبر أحدا عنه ما دام حيا، قال: فغمز برجله على حراء فنبع الماء حتى رويت وحملت معي من الماء قال: فما حدثت به حتى مات.
قال عبد الواحد: فأتيت موسى الأسواري فذكرت ذلك له فقال: ما بهذه البلدة أفضل من الحسن وأيوب. توفي في هذه السنة وهو ابن ثلاث وستين.
٧٠٩- إبراهيم بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس [١] :
أمه أم ولد، وهو الذي يقال له الإمام، أوصى إليه أبوه، وانتشرت دعوته في خراسان كلها.
وكان شيعته يختلفون إليه، ويكاتبونه من خراسان. ووجه بأبي مسلم إلى خراسان
стр. 2517
واليا على شيعته ودعاته، فتجرد [١] أبو مسلم لمحاربة عمال بني أمية، وقوي أمره، وأظهر لبس السواد، وغلب على البلاد يدعو إلى الإمام ويعمل بما يرد عليه من مكاتباته من غير أن يظهر للناس اسمه إلا لمن كان من الدعاة والشيعة إلى أن ظهر اسمه وانكشف، فعلم بالحالة مروان بن محمد، فأخذ إبراهيم فحبسه فمات في حبسه بأرض الشام وهو ابن ثمان وأربعين سنة. وقيل: إنه هدم عليه بيتا. وقيل: سقي لبنا فأصبح ميتا.
٧١٠- عبد الله بن ذكوان، أبو الزناد، مولى رملة بنت شيبة بن ربيعة [٢] :
وذكر أن أبوه [هو] [٣] أخو أبي لؤلؤة قاتل عمر بن الخطاب ﵁.
قال الشعبي: كفلتني وأبا الزناد فاطمة بنت عثمان، فلم يزل يعلو وأسفل حتى بلغنا ما ترى. مات أبو الزناد فجأة بالحجاز في مغتسله لثلاث عشرة ليلة بقيت من رمضان، وله ست وستون سنة.
٧١١- فرقد بن يعقوب السبخي، يكنى أبا يعقوب [٤] :
أسند عن أنس، وكان يضعف في الحديث لأنه كان زاهدا متعبدا.
أخبرنا أحمد بن محمد المذاري، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد [بن] [٥] البناء، قال: أخبرنا علي بن محمد بن بشران، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الله بن محمد، قال: حدثنا هارون بن عبد الله، قال: حدثنا سيار، قال: حدثنا جعفر، قال: سمعت السبخي يقول:
اتخذوا الدنيا ظئرا، واتخذوا الآخرة أما، ألم تروا إلى الصبي يلقي نفسه على
стр. 2518
الظئر فإذا ترعرع وعرف والدته ترك ظئره وألقى نفسه على والدته، وإن الآخرة توشك أن تجيركم.
٧١٢- منصور بن زاذان مولى عبد الله بن أبي عقيل الثقفي [١] :
روى عن الحسن، وابن سيرين، وأرسل الحديث عن الحسن [٢] ، وكان كثير التعبد والبكاء، يختم القرآن كل يوم وليلة ختمتين، ويبكي ويمسح عينيه بعمامته ويخلها كورا كورا فيمسح بها، فإذا ابتلت وضعها بين يديه.
وقيل له: ألا تخرج بنا إلى الصحراء، فقال: ينكسر الروزحاء.
أَخْبَرَنَا عَبْد الوهاب الحافظ، قَالَ: أَخْبَرَنَا المبارك بن عبد الجبار، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عبد الله الدقاق، قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بْن صفوان، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر القرشي، قَالَ: حدثني من سمع عمرو بن عَوْن يقول: سمعت هشيما يقول:
مكث منصور بن زاذان يصلي الفجر بوضوء العشاء عشرين سنة.
أَخْبَرَنَا المبارك بْن أَحْمَد الأنصاري، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد السمرقندي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن محمد المعدل، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا ابن البراء، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله الهروي، قال: قال هشيم:
لو قيل لمنصور بن زاذان إن ملك الموت على الباب ما كان عنده زيادة في العمل، وذلك أنه كان يخرج فيصلي الغداة في جماعة، ثم يجلس فيسبح حتى تطلع الشمس، ثم يصلي إلى الزوال، ثم يصلي الظهر، ثم يصلي العصر، ثم يجلس فيسبح إلى المغرب، ثم يصلي المغرب، ثم يصلي العشاء، ثم ينصرف إلى بيته فيكتب عنه في ذلك الوقت.
توفي في هذه السنة، وقيل: سنة ثمان وعشرين، وقيل: في سنة تسع وعشرين.
стр. 2519
٧١٣- نصر بن سيار، أمير خراسان:
ولي الولايات، وروى عنه عكرمة، وأسند الحديث، وتوفي لاثْنَتَيْ عَشَرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ من هذه السنة وَهُوَ ابْن خمس وثمانين سنة.
٧١٤- واصل بن عطاء، أبو حذيفة الغزالي، مولى بني ضبة، وقيل: مولى بني مخزوم، وقيل: مولي بني هاشم:
ولد سنة ثمانين، وكان يجالس الغزالين، فقيل له: الغزالي، كان من رؤساء المعتزلة، وكان لا يقيم الراء، وكان يجتنبها في كلامه.
وتوفي في هذه السنة.
стр. 2520
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائة
فمن الحوادث فيها هلاك قحطبة بن شبيب [١] ، وكان السبب في ذلك أن قحطبة لما نزل بخانقين، وابن هبيرة بجلولاء، وبينهما خمسة فراسخ وأمده مروان بعشرين ألفا من أهل الشام والتقيا، فحمل على ابن هبيرة، فولى أصحابه منهزمين، وفقدوا قحطبة فبايعوا حميد بن قحطبة، فسار حتى نزل كربلاء ثم اجتمعوا على الحسن بن قحطبة، ثم وجد قحطبة قتيلا في جدول فدفنوه.
وفي رواية: أن معن بن زائدة ضرب قحطبة على حبل عاتقه فسقط في الماء، فأخرجوه، فقال: إن مت فألقوني في الماء لا يعلم أحد بقتلي، فإذا قدمتم الكوفة فوزير الإمام أبو سلمة حفص بن سليمان [٢] ، فسلموا هذا الأمر إليه، ورجع ابن هبيرة إلى واسط.
وفي هذه السنة: خرج محمد بن خالد بالكوفة، وسود قبل أن يدخلها الحسن بن قحطبة وضبطها وأخرج عنها عامل ابن هبيرة، ثم دخلها الحسن.
وكان قد خرج محمد بن خالد ليلة عاشوراء، وعلى الكوفة زياد بن صالح الحارثي، فسار إلى القصر، فارتحل زياد وأهل الشام وخلوا القصر فدخله محمد بن صالح، فلما أصبح يوم الجمعة وذلك صبيحة اليوم الثاني من مهلك قحطبة بلغه نزول
стр. 2521
حوثرة ومن معه مدينة ابن هبيرة، وأنه تهيأ للمسير إلى محمد فتفرق الناس عن محمد، فأرسل إليه أبو سلمة الخلال يأمره بالخروج من القصر واللحوق بأسفل الفرات، فإنه يخاف عليه لقلة من معه، فأبى محمد وجاء أصحاب حوثرة، فصاروا مع محمد، فارتحل الحسن بن قحطبة نحو الكوفة، فدخلها واستخرجوا أبا سلمة بالنخيلة يومين، ثم ارتحل إلى حمام أعين، ووجه الحسن بن [قحطبة إلى] [١] ، واسط [٢] لقتال ابن هبيرة، وخطب أبو سلمة حين بايعه أهل خراسان، فدعا إلى طاعة بني العباس، وفرق العمال في البلدان، ووجه بسام بن إبراهيم إلى عبد الواحد بن عمر بن هبيرة وهو بالأهواز، فقاتله بسام حتى فضه، فلحق بسلم بن قتيبة [٣] الباهلي وهو بالبصرة وهو يومئذ عامل ليزيد بن عمر بن هبيرة، وكتب إلى سفيان بن معاوية بعهده إلى البصرة، وأمره أن يظهر بها دعوة بني العباس وينفي سلم بن قتيبة [٣] .
فكتب سفيان إلى سلم يأمره بالتحول عن دار الإمارة ويخبره بما أتاه من رأي أبي سلمة، فأبى سلم ذلك، وامتنع منه. وحشد مع سفيان جميع اليمانية وغيرهم، وحلفاءهم، وجنح إليه قائد من قواد ابن هبيرة كان بعثه مددا لسلم في ألفي رجل من كلب، فأجمع السير إلى سلم [٤] فاستعد له سلم.
فقدم سفيان يوم الخميس في صفر، فالتقوا فانكسر سفيان وقتل ابنه وانهزم ومن معه، ولم يزل سلم [٤] مقيما بالبصرة حتى بلغه قتل ابن هبيرة فشخص عنها.
واجتمع من بالبصرة من ولد الحارث بن عبد المطلب إلى محمد بن جعفر، فولوه أمرهم، فوليهم أياما حتى قدم عبد الله بن أسد الخزاعي من قبل أبي مسلم.
وفي هذه السنة: بويع لأبي العباس عبد الله بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس بن عبد المطلب.
стр. 2522
باب ذكر خلافة أبي العباس السفاح [١]
قد روي في الحديث أن رسول الله ﷺ أعلم العباس أن الخلافة تؤول إلى ولده، فلم يزل ولده يتوقعونها ويتحدثون بذلك بينهم.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: أخبرنا أبو بكر بن ثابت، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي الوراق، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ [٢] : «يَخْرُجُ [مِنَّا] [٣] رَجُلٌ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الزَّمَنِ وَظُهُورٍ مِنَ الْفِتَنِ يُسَمَّى السَّفَّاحَ، يَكُونُ عطاؤه المال حثيا» . أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر بْن ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الرَّزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الأَزْدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَلامٌ مَوْلَى الْعَبَّاسَةِ بِنْتِ المهدي، قال: حدثني محمد بن كعب
стр. 2523
مَوْلَى الْمَهْدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَهْدِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ [١] :
وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَبْقَ إِلا يَوْمٌ لأَدَالَ [اللَّهُ] [٢] مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ لَيَكُونَنَّ مِنَّا السَّفَّاحُ وَالْمَنْصُورُ وَالْمَهْدِيُّ.
أنبأنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا أبو عبد الله الحميدي، قال: قال لنا أَبُو مُحَمَّد عَلِيّ بْن أَحْمَد بْن سعيد بن حزم الحافظ:
إن أول الأسماء التي وقعت على الخلفاء: الصديق، والفاروق، وذو النورين. ثم لم يسم أحد من الخلفاء حتى ولي أبو العباس، فسمي السفاح. ثم المنصور، وهو أول من تسمى بهذا الاسم، وتسمى [به بعده] [٣] إسماعيل بن أبي القاسم عبد الله الشيعي، ثم محمد بن أبي عامر، ثم ذاوي، وسابور والي بطليوس في آخرين.
والمهدي، وكان تسمى به قبل ذلك كله محمد بن الحنفية، ثم رجل من بني علي قام باليمن، ثم عبيد الله الشيعي بالقيروان، أول قائم قام بالقيروان، ثم محمد بن هشام بن عبد الجبار، ثم عبد العزيز بن الأصبع، ثم محمد بن إدريس الحسيني بمالقة.
والهادي ابن المهدي، ثم تسمى [به] [٤] رجل من بني علي قام بصعدة [٥] ، في اليمن.
والرشيد، ثم تسمى به صالح حاجب المعتضد.
والمأمون، ثم تسمى به عبد الرحمن بن أبي عامر، ثم القاسم بن محمود، ثم يحيى بن إسماعيل بن ذي النون.
والمعتصم، ثم تسمى به محمد بن المظفر بن أبي عامر، ثم محمد بن عبد العزيز من أولاد أبي عامر.
والمعتضد، وتسمى به عباد بن محمد بن عباد اللخمي صاحب إشبيليّة.
стр. 2524
والمستكفي، ثم تسمى به محمد بن عبد الرحمن.
وقد حكيت ألقاب لبني أمية ولا يصح ذلك.
وقال الإمام مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس [١] : لنا ثلاثة أوقات: موت يزيد بن معاوية، ورأس المائة، وفتق إفريقية. فعند ذلك يدعو لنا دعاة، ثم تقبل أنصارنا من المشرق حتى ترد خيولهم إلى المغرب ويستخرجوا ما كنز الجبارون فيها.
فلما قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية ونقضت البربر بعث محمد بن علي رجلا إلى خراسان وأمره أن يدعو إلى الرضا، ولا يسمي [٢] أحدا.
وكان بنو أمية يحسون بولاية بني العباس، فروى خليد بن عجلان، قال: لما خالف ابن الأشعث أرسل عبد الملك إلى خالد بن يزيد، فأخبره، فقال: أما إذا كان الفتق من سجستان فليس عليك [بأس] [٣] ، وإنما كنا نتخوف لو كان من خراسان.
وقد ذكرنا أنه لما مات محمد بن علي جعل وصيته بعده لابنه إبراهيم، فبعث إبراهيم أبا سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع إلى خراسان، وكتب معه إلى النقباء بها، ثم رجع إليه فرده، ومعه أبو مسلم.
وبلغ الخبر مروان، فبعث إلى إبراهيم، فأخذه وقد كان عرف صفة الرجل الذي يقتلهم، فلما رأى إبراهيم قال: ليس هذه صفته، فردهم في طلبه.
وفي رواية أن مروان وصف له صفة فجاء فرأى تلك الصفة في أبي العباس، فأخذه فقيل للرسول: إنما أمرت بأخذ إبراهيم، فترك أبا العباس وأخذ إبراهيم، فانطلق به، فأوصى إبراهيم إلى أخيه أبي العباس، وجعله الخليفة من بعده، وأمر أهله بالمسير إلى الكوفة مع أخيه.
ثم [إن] [٤] مروان قتله، فشخص أبو العباس ومن معه من أهل بيته: عبد الله بن
стр. 2525
محمد، وداود بن علي، وعيسى، وصالح، وإسماعيل، وعبد الله [١] ، وعبد الصمد [٢] بنو علي، ويحيى بن محمد، وعيسى بن موسى بن محمد بن علي، وعبد الوهاب، ومحمد ابنا إبراهيم الإمام، وموسى بن داود، وعيسى بن جعفر بن تمام حتى قدموا الكوفة في صفر، فأفرد لهم أبو سلمة دار الوليد بن سعد [٣] مولى بني هاشم، وكتم أمرهم نحوا من أربعين ليلة من جميع القواد والشيعة.
ونقل أنه أراد بذلك تحويل الأمر إلى آل أبي طالب لما بلغه الخبر عن موت إبراهيم بن محمد.
وذهب قوم من الشيعة فدخلوا إلى أبي العباس، وجاء أبو سلمة فمنعوه أن يدخل معه أحد، فدخل وحده [٤] فسلم بالخلافة، فقال أبو حميد: على رغم أنفك.
وبويع أبو العباس السفاح بالكوفة في يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وانتقل إلى الأنبار فسكنها حتى مات.
وأمه رائطة [٥] بنت عبيد الله الحارثي من بني عبد المدان [٦] ، وكان مولده بالشراة سنة خمس ومائة، واستخلف وهو ابن سبع وعشرين سنة، وهو أول خلفاء بني العباس، وكان أصغر سنا من أخيه المنصور. وكان أشعر جعدا طويلا أبيض، أقنى الأنف، حسن الوجه واللحية جعدها، وكان يقال له: السفاح، والمرتضى، والقائم، وهو أول من تلقب من بني العباس.
وقيل: إنما لقب بالسفاح لما سفح من دماء المبطلين.
ورفعت إليه سعاية مكتوب [٧] عليها بنصيحة فوقع عليها: «تقربت إلينا بما باعدك