← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

حوثرة ومن معه مدينة ابن هبيرة، وأنه تهيأ للمسير إلى محمد فتفرق الناس عن محمد، فأرسل إليه أبو سلمة الخلال يأمره بالخروج من القصر واللحوق بأسفل الفرات، فإنه يخاف عليه لقلة من معه، فأبى محمد وجاء أصحاب حوثرة، فصاروا مع محمد، فارتحل الحسن بن قحطبة نحو الكوفة، فدخلها واستخرجوا أبا سلمة بالنخيلة يومين، ثم ارتحل إلى حمام أعين، ووجه الحسن بن [قحطبة إلى] [١] ، واسط [٢] لقتال ابن هبيرة، وخطب أبو سلمة حين بايعه أهل خراسان، فدعا إلى طاعة بني العباس، وفرق العمال في البلدان، ووجه بسام بن إبراهيم إلى عبد الواحد بن عمر بن هبيرة وهو بالأهواز، فقاتله بسام حتى فضه، فلحق بسلم بن قتيبة [٣] الباهلي وهو بالبصرة وهو يومئذ عامل ليزيد بن عمر بن هبيرة، وكتب إلى سفيان بن معاوية بعهده إلى البصرة، وأمره أن يظهر بها دعوة بني العباس وينفي سلم بن قتيبة [٣] . فكتب سفيان إلى سلم يأمره بالتحول عن دار الإمارة ويخبره بما أتاه من رأي أبي سلمة، فأبى سلم ذلك، وامتنع منه. وحشد مع سفيان جميع اليمانية وغيرهم، وحلفاءهم، وجنح إليه قائد من قواد ابن هبيرة كان بعثه مددا لسلم في ألفي رجل من كلب، فأجمع السير إلى سلم [٤] فاستعد له سلم. فقدم سفيان يوم الخميس في صفر، فالتقوا فانكسر سفيان وقتل ابنه وانهزم ومن معه، ولم يزل سلم [٤] مقيما بالبصرة حتى بلغه قتل ابن هبيرة فشخص عنها. واجتمع من بالبصرة من ولد الحارث بن عبد المطلب إلى محمد بن جعفر، فولوه أمرهم، فوليهم أياما حتى قدم عبد الله بن أسد الخزاعي من قبل أبي مسلم. وفي هذه السنة: بويع لأبي العباس عبد الله بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس بن عبد المطلب.

стр. 2522

باب ذكر خلافة أبي العباس السفاح [١] قد روي في الحديث أن رسول الله ﷺ أعلم العباس أن الخلافة تؤول إلى ولده، فلم يزل ولده يتوقعونها ويتحدثون بذلك بينهم. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: أخبرنا أبو بكر بن ثابت، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي الوراق، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ [٢] : «يَخْرُجُ [مِنَّا] [٣] رَجُلٌ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الزَّمَنِ وَظُهُورٍ مِنَ الْفِتَنِ يُسَمَّى السَّفَّاحَ، يَكُونُ عطاؤه المال حثيا» . أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر بْن ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الرَّزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الأَزْدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَلامٌ مَوْلَى الْعَبَّاسَةِ بِنْتِ المهدي، قال: حدثني محمد بن كعب

стр. 2523

مَوْلَى الْمَهْدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَهْدِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ [١] : وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَبْقَ إِلا يَوْمٌ لأَدَالَ [اللَّهُ] [٢] مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ لَيَكُونَنَّ مِنَّا السَّفَّاحُ وَالْمَنْصُورُ وَالْمَهْدِيُّ. أنبأنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا أبو عبد الله الحميدي، قال: قال لنا أَبُو مُحَمَّد عَلِيّ بْن أَحْمَد بْن سعيد بن حزم الحافظ: إن أول الأسماء التي وقعت على الخلفاء: الصديق، والفاروق، وذو النورين. ثم لم يسم أحد من الخلفاء حتى ولي أبو العباس، فسمي السفاح. ثم المنصور، وهو أول من تسمى بهذا الاسم، وتسمى [به بعده] [٣] إسماعيل بن أبي القاسم عبد الله الشيعي، ثم محمد بن أبي عامر، ثم ذاوي، وسابور والي بطليوس في آخرين. والمهدي، وكان تسمى به قبل ذلك كله محمد بن الحنفية، ثم رجل من بني علي قام باليمن، ثم عبيد الله الشيعي بالقيروان، أول قائم قام بالقيروان، ثم محمد بن هشام بن عبد الجبار، ثم عبد العزيز بن الأصبع، ثم محمد بن إدريس الحسيني بمالقة. والهادي ابن المهدي، ثم تسمى [به] [٤] رجل من بني علي قام بصعدة [٥] ، في اليمن. والرشيد، ثم تسمى به صالح حاجب المعتضد. والمأمون، ثم تسمى به عبد الرحمن بن أبي عامر، ثم القاسم بن محمود، ثم يحيى بن إسماعيل بن ذي النون. والمعتصم، ثم تسمى به محمد بن المظفر بن أبي عامر، ثم محمد بن عبد العزيز من أولاد أبي عامر. والمعتضد، وتسمى به عباد بن محمد بن عباد اللخمي صاحب إشبيليّة.

стр. 2524

والمستكفي، ثم تسمى به محمد بن عبد الرحمن. وقد حكيت ألقاب لبني أمية ولا يصح ذلك. وقال الإمام مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس [١] : لنا ثلاثة أوقات: موت يزيد بن معاوية، ورأس المائة، وفتق إفريقية. فعند ذلك يدعو لنا دعاة، ثم تقبل أنصارنا من المشرق حتى ترد خيولهم إلى المغرب ويستخرجوا ما كنز الجبارون فيها. فلما قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية ونقضت البربر بعث محمد بن علي رجلا إلى خراسان وأمره أن يدعو إلى الرضا، ولا يسمي [٢] أحدا. وكان بنو أمية يحسون بولاية بني العباس، فروى خليد بن عجلان، قال: لما خالف ابن الأشعث أرسل عبد الملك إلى خالد بن يزيد، فأخبره، فقال: أما إذا كان الفتق من سجستان فليس عليك [بأس] [٣] ، وإنما كنا نتخوف لو كان من خراسان. وقد ذكرنا أنه لما مات محمد بن علي جعل وصيته بعده لابنه إبراهيم، فبعث إبراهيم أبا سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع إلى خراسان، وكتب معه إلى النقباء بها، ثم رجع إليه فرده، ومعه أبو مسلم. وبلغ الخبر مروان، فبعث إلى إبراهيم، فأخذه وقد كان عرف صفة الرجل الذي يقتلهم، فلما رأى إبراهيم قال: ليس هذه صفته، فردهم في طلبه. وفي رواية أن مروان وصف له صفة فجاء فرأى تلك الصفة في أبي العباس، فأخذه فقيل للرسول: إنما أمرت بأخذ إبراهيم، فترك أبا العباس وأخذ إبراهيم، فانطلق به، فأوصى إبراهيم إلى أخيه أبي العباس، وجعله الخليفة من بعده، وأمر أهله بالمسير إلى الكوفة مع أخيه. ثم [إن] [٤] مروان قتله، فشخص أبو العباس ومن معه من أهل بيته: عبد الله بن

стр. 2525

محمد، وداود بن علي، وعيسى، وصالح، وإسماعيل، وعبد الله [١] ، وعبد الصمد [٢] بنو علي، ويحيى بن محمد، وعيسى بن موسى بن محمد بن علي، وعبد الوهاب، ومحمد ابنا إبراهيم الإمام، وموسى بن داود، وعيسى بن جعفر بن تمام حتى قدموا الكوفة في صفر، فأفرد لهم أبو سلمة دار الوليد بن سعد [٣] مولى بني هاشم، وكتم أمرهم نحوا من أربعين ليلة من جميع القواد والشيعة. ونقل أنه أراد بذلك تحويل الأمر إلى آل أبي طالب لما بلغه الخبر عن موت إبراهيم بن محمد. وذهب قوم من الشيعة فدخلوا إلى أبي العباس، وجاء أبو سلمة فمنعوه أن يدخل معه أحد، فدخل وحده [٤] فسلم بالخلافة، فقال أبو حميد: على رغم أنفك. وبويع أبو العباس السفاح بالكوفة في يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وانتقل إلى الأنبار فسكنها حتى مات. وأمه رائطة [٥] بنت عبيد الله الحارثي من بني عبد المدان [٦] ، وكان مولده بالشراة سنة خمس ومائة، واستخلف وهو ابن سبع وعشرين سنة، وهو أول خلفاء بني العباس، وكان أصغر سنا من أخيه المنصور. وكان أشعر جعدا طويلا أبيض، أقنى الأنف، حسن الوجه واللحية جعدها، وكان يقال له: السفاح، والمرتضى، والقائم، وهو أول من تلقب من بني العباس. وقيل: إنما لقب بالسفاح لما سفح من دماء المبطلين. ورفعت إليه سعاية مكتوب [٧] عليها بنصيحة فوقع عليها: «تقربت إلينا بما باعدك

стр. 2526

من الله تعالى، ولا ثواب عندنا لمن آثرنا عليه» . وظفر ببردة رسول الله ﷺ ، فابتاعها بأربعة آلاف دينار، ولم يرو إلا حديثا واحدا، وكان نقش خاتمه: «الله ثقة عبد الله» . وكان وزيره أبو الجهم عطية بن حبيب. وقال أبو بكر الصولي: أول من وزر لبني العباس أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال، ثم خالد بن برمك. فصل: ولما ولي الخلافة [١] خرج يوم الجمعة فصلى بالناس ثم قال في خطبته: الحمد للَّه الّذي اصطفى الإسلام لنفسه، وكرمه، وشرفه، وعظمه، واختاره لنا وأيّده، وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوام به، والذابين عنه، والناصرين له، وخصنا برحم رسول الله ﷺ ، وأنبتنا من شجرته، واشتقنا من نبعته، وأنزل بذلك كتابا، فقال فيه: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ في الْقُرْبى) ٤٢: ٢٣ [٢] . فلما قبض الله رسوله قام بذلك الأمر أصحابه، وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، فعدلوا وخرجوا خماصا، ثم وثب بنو حرب ومروان، فابتزوها وتداولوها، فاستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حينا فلما أسفوه انتقم الله منهم بأيدينا، ورد علينا حقنا، وأنا السفاح المبيح، والثائر المبير [٣] . وكان موعوكا فاشتد عليه الوعك، فجلس على المنبر وتكلم فقال: إنا والله ما خرجنا لنكثر لجينا ولا عقيانا، ولا نحفر نهرا، وإنما أخرجتنا [٤] الأنفة من ابتزازهم لحقنا. ولقد كانت أموركم ترمضنا، لكم ذمة الله ، وذمة رسوله ﷺ ، وذمة العباس أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل بكتاب الله، ونسير فيكم بسيرة رسول الله ﷺ ، واعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا حتى نسلمه إلى عيسى ابن مريم. ثم نزل أبو العباس وداود أمامه حتى دخل القصر، فأجلس أبا جعفر وأخذ البيعة على الناس في المسجد، وأعظم التدبير أبو سلمة حفص بن سليمان، ولقب بالوزارة، وهو أول من سمي بها، وكتب إليه أبو مسلم: للأمير أبي سلمة، وزير آل محمد من عبد الرحمن أبي مسلم أمير آل محمد.

стр. 2527

ثم استعمل السفاح على الكوفة عمه داود بن علي، وعلى واسط أخاه جعفر وحضره جماعة من أهل بيته، فذكروا جمع المال، فقال عبد الله بن حسن: سمعت بألف ألف درهم وما رأيتها مجتمعة، فقال أبو العباس: فأنا أصلك بها حتى تراها مجتمعة، فلما قبض المال استأذنه في الخروج إلى المدينة، فأذن له ودفع إليه مالا ليقسمه على بني هاشم بالمدينة، فلما قسمه أخذوا يشكرون أبا العباس، فقال عبد الله: هؤلاء أحمق الناس، يشكرون من أعطاهم بعض حقهم. فبلغه ذلك فأخبر أهله، فقالوا: أدبه، فقال: من شدد أنفر، ومن تراخى ألف، والعفو أقرب للتقوى، والتغافل من فعل الكرام [١] . أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن عَلِي الخطيب، قال: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عمر بْن روح، قَالَ: أَخْبَرَنَا المعافى بْن زكريا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا القاسم بْن إسماعيل، قَالَ: حدثنا أحمد بن سعيد بن سلم الباهلي، عن أبيه، قال [٢] : حدثني من حضر مجلس السفاح وهو أحشد ما كان ببني هاشم والشيعة ووجوه الناس، فدخل عبد الله بن حسن بن حسن ومعه مصحف، فقال: يا أمير المؤمنين: أعطنا حقنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف، قال: فأشفق الناس [من] [٣] أن يعجل السفاح بشيء إليه، ولا يريدون ذلك في شيخ بني هاشم في وقته أو يعي بجوابه فيكون ذلك عارا عليه. قال: فأقبل عليه غير مغضب ولا مزعج، فقال: إن جدك عليا- وكان خيرا مني وأعدل- ولي هذا الأمر فما أعطى جديك الحسن والحسين- وكانا خيرا منك- شيئا، وكان الواجب أن أعطيك مثله، فإن كنت فعلت فقد أنصفتك، وإن كنت زدتك فما هذا جزائي منك، قال: فما رد عبد الله جوابا، وانصرف الناس يعجبون من جوابه له. وكتب أبو العباس إلى خاله زياد بن عبد الله، وكان عامله على المدينة: قربني من رسول الله ﷺ بحفظ جيرانه، وإكرام أهل بيته، ولا تسلط هواك فيما وجب

стр. 2528

إسخاطي، فإن الله شاهدي وأنت المأخوذ بالتقصير. وكتب إلى داود بن علي وهو عامله على مكة: أما بعد، فهذه سنة طمس فيها عيون الجور، وأخمد نيران الظلم، وأباد الشجرة الملعونة، فهن زوار بيت الله بنصر أوليائه، وخذلان أعدائه ليحمدوه على ذلك. وفي هذه السنة: هزم مروان بالزاب [١] ، وذلك أن قحطبة كان قد وجه أبا عون عبد الله بن يزيد الأزدي، فقتل عثمان بن سفيان، وأقام بناحية الموصل، فلما بلغ مروان قتل عثمان أقبل من حران حتى أتى الموصل، فنزل على الزاب وحفر خندقا، فسار إليه أبو عون، فوجه أبو سلمة إلى أبي عون عيينة بن موسى، والمنهال بن حبان، وإسحاق بن طلحة كل واحد في ثلاثة آلاف، فلما ظهر أبو العباس بعث سلمة بن محمد في ألفين، وعبد الله الطائي في ألف وخمسمائة، وعبد الحميد بن ربعي الطائي في ألفين، وداس [٢] بن نضلة في خمسمائة إلى أبي عون. ثم قال: من يسير إلى مروان من أهل بيتي؟ فقال عبد الله بن علي: أنا، فقال: سر على بركة الله. فسار فقدم على أبي عون، فتحول له أبو عون عن سرادقه، وخلاه له وما فيه. فلما كان لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة ثنتين [٣] وثلاثين ومائة سأل عبد الله بن علي عن مخاضة، فدل عليها بالزاب، فأمر عيينة بن موسى، فعبر في خمسة آلاف وانتهى إلى عسكر مروان فقاتلهم حتى أمسوا وتحاجزوا، ورجع عيينة فعبر المخاضة إلى عسكر عبد الله، فأصبح مروان فعقد الجسر وسرح ابنه عبد الله بن مروان فحفر خندقا أسفل من عسكر ابن علي، فبعث عبد الله بن علي المخارق في أربعة آلاف، فنزل على خمسة أميال من عسكر عبد الله بن علي، فسرح عبد الله بن مروان إليه الوليد [٤] بن معاوية، فلقي المخارق، فانهزم أصحابه، وأسر المخارق، وقتل منهم يومئذ عدة، فبعث بهم إلى عبد الله وبعثه عبد الله إلى مروان مع الرءوس، فقال مروان: أدخلوا علي رجلا من الأسارى، فأتوه بالمخارق، فقال: أنت المخارق [٥] ؟ فقال: أنا عبد من

стр. 2529

عبيد أهل العسكر، قال: فتعرف المخارق؟ قال: نعم، قال: فانظر في هذه الرءوس هل تراه؟ فنظر إلى رأس منها فقال: هو هذا، فخلى سبيله. وبلغ عبد الله انهزام المخارق، فقال له موسى بن كعب: اخرج إلى مروان قبل أن يصل الفل إلى العسكر، فيظهر ما لقي المخارق [١] . فدعا عبد الله بن علي محمد بن صول، فاستخلفه على العسكر وسار على ميمنته ابن عون وعلى ميسرته الوليد بن معاوية ومع مروان ثلاثة آلاف، فقال مروان لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إن زالت الشمس اليوم ولم يقاتلونا كنا الذين ندفعها إلى عيسى ابن مريم، وإن قاتلونا قبل الزوال فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. وأرسل مروان إلى عبد الله بن علي يسأله الموادعة، فقال: كذب، لا تزول الشمس حتى أوطئهم الخيل، إن شاء [الله] [٢] ، فقال مروان لأهل الشام: قفوا لا تبدءوهم بقتال، فحمل الوليد بن معاوية فقاتل أهل الميمنة فغضب مروان وشتمه، فانحاز أبو عون إلى عبد الله بن علي، فقال موسى بن كعب لعبد الله: مر الناس أن ينزلوا، فنودي: الأرض، فنزل الناس وشرعوا الرماح، وجثوا على الركب واشتد القتال، فقال مروان لقضاعة: انزلوا، فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا، فأرسل إلى السكاسك: احملوا، فقالوا: قل لبني عامر فليحملوا، فأرسل إلى السكون أن احملوا، فقالوا: قل لغطفان فليحملوا، فقال لصاحب شرطته: انزل، فقال: لا والله ما كنت لأجعل نفسي غرضا، قال: أما والله لأسوءنك، قال: وددت والله أنك قدرت على ذلك، فانهزم أهل الشام وانهزم مروان، وقطع الجسر، فكان من غرق يومئذ أكثر ممن قتل. وكان ممن غرق يومئذ إبراهيم بن الوليد المخلوع، فأمر عبد الله بن علي فعقد الجسر على الزاب واستخرج الغرقى، فأخرجوا ثلاثمائة. وأقام عبد الله في عسكره سبعة أيام، وحوى عسكر مروان بما فيه، فوجدوا فيه سلاحا كثيرا، وأموالا. وكتب عبد الله بن علي بالفتح إلى أمير المؤمنين أبي العباس السفاح، فلما أتاه الخبر صلى ركعتين وأمر لمن شهد الوقعة بخمسمائة خمسمائة، ورفع أرزاقهم إلى ثمانين. وكان مروان منذ لقيه أهل خراسان لا يدبر شيئا إلا وقع فيه خلل، ولقد وقف يوم انهزم والناس يقتتلون فأمر بأموال فأخرجت وقال للناس: اصبروا وقاتلوا، هذه الأموال

стр. 2530

لكم، فجعل ناس يصيبون من ذلك المال، فأرسلوا إليه: إن الناس قد مالوا على هذا المال، ولا تأمنهم أن يذهبوا، فأرسل إلى ابنه عبد الله: أن سر في أصحابك فاقتل من أخذ من ذلك المال وامنعهم، فمال عبد الله برايته وأصحابه، فقال الناس: الهزيمة، فانهزموا. وذلك صبيحة [يوم] [١] السبت لإحدى عشرة خلت من جمادى الآخرة. أخبرنا أبو القاسم بن الحصين، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن عيسى [بن] [٢] المقتدر، قال: أخبرنا أحمد بن منصور اليشكري، قال: قرئ على الصولي وأنا حاضر، قال: حدثنا الغلابي، قال: حدثنا عبد الله بن عائشة، قال: لما استقام الأمر لأبي العباس السفاح خطب يوما فأحسن الخطبة، فلما نزل عن المنبر قام إليه السيد فأنشده: دونكموها يا بني هاشم ... فجددت أمراءها الطامسا دونكموها ما على كعب ... من أمسى عليكم ملكها نافسا دونكموها فالبسوا تاجها ... لا تعدموا منكم لها لابسا خلافة الله وسلطانه ... وعنصرا كان لكم دارسا لو خير المنبر فرسانه [٣] ... ما اختار إلا منكم فارسا والملك لو شوور في ساسة ... ما اختار إلا منكم سائسا لم يبق عبد الله بالشام من ... آل أبي العاص أمرأ عاطسا فقال له أبو العباس السفاح: سل حاجتك، قال: ترضى عن سليمان بن حبيب بن المهلب وتولية الأهواز، قال: قد فعلت، ثم أمر أن يكتب عهد سليمان على الأهواز، وتدفع إلى السيد [٤] ، فكتب ثم أخذه السيد وقدم على سليمان بالبصرة، فلما وقعت عليه عينه أنشده يقول: أتيناك يا قرم أهل العراق ... بخير كتاب من القائم أتيناك من عند خير الأنام ... وذاك ابن عم أبي القاسم

стр. 2531

أتينا بعهدك من عنده ... على من يليك من العالم يوليك فيه جسام الأمور ... فأنت صنيع بني هاشم فقال له سليمان: شريف وشافع، ووافد وشاعر، ونسيب، سل حاجتك، قال: جارية فارهة جميلة ومن يخدمها، وبدرة ومن يحملها، وفرس راتع وسائسه، وتخت من صنوف الثياب وحامله. قال: قد أمرت لك بجميع ما سألت ولك عندي في كل سنة مثله. قال الصولي: وحدثنا جبلة بن محمد، قال: حدثنا أبي هذا الخبر وزاد فيه: أن سليمان قال للسيد: احتكم قال: سأحكم إذ حكمتني غير مسرف ... ولا مقصر يا ابن الكماة الأكارم ثلاثة آلاف وعبد وبغلة ... وجارية حسناء ذات مآكم وسرج وبرذون صليع وكسوة ... وما ذاك بالإكثار من حكم حاكم على ذي ندى يعطيك حتى كأنما ... يرى بالذي يعطيك أحلام نائم أرحني بها من مجلسي ذا فإنني ... وحقك إن لم أعطها غير رايم وفي هذه السنة: قتل مروان بن محمد [١] : وذلك أنه لما هرب من الزاب مر بقنسرين وعبد الله بن علي يتبعه، ثم مضى إلى حمص، فتلقاه أهلها بالسمع والطاعة، فأقام بها يومين أو ثلاثة، ثم شخص منها، فلما رأوا قلة عدده طمعوا فيه وقالوا: مرعوب منهزم، فاتبعوه بعد ما رحل، فلحقوه على أميال، فلما رأى غبره خيولهم كمن لهم كمينين، ثم صافهم وناشدهم فأبوا إلا قتاله، فنشب القتال بينهم، وثار الكمينان من خلفهم فهزموا أصحاب مروان، ومر مروان إلى دمشق، ثم مر بالأردن وفلسطين، واتبعه عبد الله بن علي. فأنفذ أبو العباس السفاح عمه صالح بن علي في جموع كثيرة إلى الشام على طريق السماوة حتى لحق بأخيه عبد الله بن علي وسار إلى دمشق وبها الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم خليفة مروان بن محمد، فحصرها وفتحها عنوة، وقتل الوليد وأنهب البلد ثلاثة أيام، وقلع سورها حجرا حجرا، وبعث بيزيد بن معاوية بن

стр. 2532

مروان، وعبد الله بن عبد الجبار بن يزيد بن عبد الملك مروان إلى أبي العباس، فقتلهما وصلبهما. وهرب مروان إلى مصر فدخلها في رمضان وبها عبيد الله [١] ابنه قد سبقه، ونزل عبد الله بن علي نهر أبي فرطس، وجمع بني أمية وأظهر أنه يريد [أن] [٢] يفرض لهم العطاء، فلما اجتمعوا وهم نيف وثمانون إنسانا خرجوا عليهم فقتلوهم، وجاء كتاب أبي العباس بأن ينفذ صالح بن علي لطلب مروان، ويجعل على مقدمته أبا عون عبد الملك بن يزيد فمضى معه أبو عون والحسين بن قحطبة، وعامر بن إسماعيل التميمي، ومنهال بن قنان، فبلغوا إلى العريش، وبلغ مروان الخبر، فأحرق ما حوله من علف وطعام وهرب، ومضى صالح ومن معه في طلبه إلى الصعيد، وقدم أبا عون أمامه وعامر بن إسماعيل، وسعيد بن عثمان المازني، فلقوا خيلا لمروان، فهزموهم وأسروهم وسألوهم عن مروان على أن يؤمنوهم، فعرفوهم خبره ومكانه، وساروا حتى أدركوه بقرية من قرى الصعيد تسمى بوصير من آخر الليل، وقد نزل الكنيسة ومعه حرمه وولده وثقله. قال عامر [٣] : لما وصلنا كنا في جمع يسير، فلو علم قلتنا شد علينا، فلجأنا إلى شجر [٤] ونخل، فقلت لأصحابي: إن أصبحنا ورأوا قلتنا أهلكونا، وخرج مروان فقاتل وهو يقول: كانت للَّه علينا حقوق ضيعناها ولم نقم بما يلزمنا فيها، فحلم عنا ثم انتقم منا. قال علماء السير [٥] : كان مروان قد عرض جيشه بالرقة فمر به ثمانون ألف عربي على ثمانين ألف فرس عربي، ففكر ساعة ثم قال: إذا انقضت المدة لم تنفع العداة، إلا أنه في ذلك الوقت بالغ في القتال، فقتل ثلاثمائة رجل، وأثخنته الجراح وحمل عليه رجل فقتله واحتز رأسه رجل من أهل البصرة كان يبيع الرمان. فقال الحسن بن قحطبة:

стр. 2533

أخرجوا إلي أكبر بنات مروان، فأخرجوها وهي ترعد، فقال لها: لا بأس عليك، فقالت: أي بأس أعظم من إخراجك إياي حاسرة من حيث لم أر رجلا قط، فأجلسها ووضع الرأس في حجرها، فصرخت واضطربت، فقيل له: ما حملك على هذا؟ فقال: كفعلهم بزيد بن علي حين قتلوه، فإنهم جعلوا رأسه في حجر زينب بنت علي. وبعث برأس مروان إلى صالح بن علي، فنصب على باب مسجد دمشق، وبعث به إلى السفاح فخر ساجدا وتصدق بعشرة آلاف دينار. وأوغل أولاد مروان إلى بلاد النوبة، فقاتلهم الحبشة، فقتل بعضهم وأفلت بعضهم، وكان فيهم بكر بن معاوية الباهلي فسلم حتى كان في خلافة المهدي، فأخذه نصر بن محمد بن الأشعث عامل فلسطين، فبعث به إلى المهدي. أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: أخبرنا محفوظ بن أحمد الكلوذاني، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلي مُحَمَّد بْن الحسين الجازري، قال: حدثنا المعافى بْن زكريا، قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بْن القاسم الكوكبي، قال: حدثنا الفضل بن العباس الربعي، قال: حدثني إبراهيم بن عيسى بن أبي جعفر المنصور، قال: سمعت عمي سليمان بن أبي جعفر يقول: كنت واقفا على رأس المنصور ليلة وعنده إسماعيل بن علي وصالح بن علي وعيسى بن علي، فتذاكروا زوال ملك بني أمية وما صنع بهم عبد الله وقتل من قتل منهم بنهر أبي فرطس، فقال المنصور: ألا من عليهم ليروا من دولتنا ما رأينا من دولتهم، ويرغبوا إلينا كما رغبنا إليهم، فلقد لعمري عاشوا سعداء، وماتوا فقداء. فقال له إسماعيل بن علي: يا أمير المؤمنين، إن في حبسك عبيد الله بن مروان بن محمد بن مروان بن الحكم وقد كانت له قصة عجيبة مع ملك النوبة فابعث إليه فاسأله عنها، فقال: يا مسيب، علي به، فأخرج فتى مقيد بقيد ثقيل وغل ثقيل، فمثل بين يديه، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: يا عبيد الله، رد السلام أمن ولم تسمح لك نفسي بذلك بعد، ولكن أقعدوه، فجاءوا بوسادة فثنيت فقعد عليها، فقال له: قد بلغني أنه كان لك مع ملك النوبة قصة عجيبة، فما هي؟ قال: يا أمير المؤمنين، لا والذي أكرمك بالخلافة ما أقدر على النفس من ثقل الحديد، ولقد صدئ قيدي مما

стр. 2534

أرشق عليه من البول وأصب عليه من الماء في أوقات الصلوات، فقال: يا مسيب أطلق عنه حديدة. ثم قال: نعم يا أمير المؤمنين، لما قصد عبد الله بن علي إلينا كنت [١] المطلوب من بين الجماعة لأني كنت ولي عهد أبي من بعده، فدخلت إلى خزانة فاستخرجت منها عشرة آلاف دينار، ثم دعوت عشرة من غلماني، كل واحد على دابة، ودفعت إلى كل غلام ألف دينار، وأوقرت خمسة أبغل فرشا، وشددت في وسطي جوهرا له قيمة مع ألف دينار، وخرجت هاربا إلى بلد النوبة، فسرت فيها ثلاثا فوقعت إلى مدينة خراب، فأمرت الغلمان فعدلوا إليها فكسحوا منها ما كان قذرا، ثم فرشوا بعض تلك الفرش، ودعوت غلاما لي كنت أثق بعقله، فقلت: انطلق إلى الملك، فأقرئه مني السلام، وخذ منه الأمان وابتع لي ميرة. قال: فمضى ثم أنه أبطأ علي [حتى] [٢] سؤت ظنا، ثم أقبل ومعه رجل آخر، فلما دخل كفر لي ثم قعد بين يدي، فقال لي: الملك يقرأ عليك السلام ويقول لك: من أنت وما جاء بك إلى بلادي؟ أمحارب لي؟ أم راغب إلي؟ أم مستجير بي؟ قلت له: رد على الملك السلام وقل له: أما محارب لك فمعاذ الله، أما راغب في دينك فما كنت لأبغي بديني بدلا، وأما مستجير بك فلعمري. قال: فذهب ثم رجع إلي فقال: إن الملك يقرأ عليك السلام ويقول لك: أنا صائر إليك غدا، فلا تحدثن في نفسك حدثا ولا تتخذ شيئا من ميرة فإنها تأتيك وما تحتاج إليه، فأقبلت الميرة فأمرت غلماني ففرشوا ذلك الفرش كله، وأمرت بفرش لي، فنصب لي وله مثله، وارتقبت في غد مجيئه [٣] ، فبينا أنا كذلك أقبل غلماني يخطرون [٤] ، وقالوا: إن الملك قد أقبل، فقمت بين شرفتين من شرف القصر أنظر إليه، فإذا أنا برجل قد لبس بردتين ائتزر بإحداهما وارتدى بالأخرى، حاف راجل، وإذا عشرة معهم الحراب ثلاثة يقدمونه، وسبعة خلفه، وإذا الرجل الموجه إلى جنبه [٥] ،

стр. 2535

فاستصغرت أمره وهان علي لما رأيته في تلك الحال، وسولت لي نفسي قتله، فلما قرب من الدار إذا بسواد عظيم، فقلت: ما هذا السواد؟ فقيل: الخيل فوافى يا أمير المؤمنين زهاء عشرة آلاف عنان، فكانت موافاة الخيل إلى الدار وقت دخوله، فأحدقوا بها، ثم دخل إلي فلما نظر إلي [١] قال لترجمانه: أين الرجل؟ فأومأ الترجمان إلي، فلما نظر إلي وثبت إليه، فأعظم ذلك وأخذ بيدي فقبلها ووضعها على صدره، وجعل يدفع ما على الفسطاط برجله فشوش الفرش، فظننت أن ذلك شيء يجلونه أن يطأ على مثله، حتى انتهى إلى الأرض، فقلت لترجمانه: سبحان الله، لم لا يصعد على الموضع الذي وطئ له؟ فقال: قل له إني ملك وكل ملك حقه أن يكون متواضعا لعظمة الله سبحانه إذ رفعه الله، ثم أقبل ينكث بإصبعه الأرض طويلا، ثم رفع رأسه فقال لي: كيف سلبتم هذا الملك وأخذ منكم وأنتم أقرب إلى نبيكم؟ فقلت: جاء من كان أقرب قرابة إلى نبينا ﷺ ، فسلبنا وطردنا، فخرجت إليك مستجيرا باللَّه ثم بك، قال: فلم كنتم تشربون الخمر وهي محرمة عليكم في كتابكم؟ فقلت: فعل ذلك عبيد وأتباع دخلوا في ملكنا من غير رأينا، قال: فلم كنتم تركبون وعلى دوابكم الذهب والفضة، وتلبسون الديباج وقد حرم ذلك عليكم؟ قلت: عبيد وأتباع وأعاجم دخلوا في مملكتنا [من غير رأينا] [٢] قال: فلم كنتم أنتم إذا خرجتم إلى صيدكم عبرتم [٣] على القرى وكلفتم أهلها ما لا طاقة لهم بالضرب الوجيع ثم لا يقنعكم ذلك حتى تموشوا زروعهم فتفسدوها في طلب دراج قيمته درهم أو في عصفور قيمته لا شيء، والفساد محرم عليكم في دينكم؟ قلت: عبيد وأتباع، قال: لا ولكنكم استحللتم ما حرم الله عليكم، وأتيتم ما نهاكم عنه، فسلبكم الله العز، وألبسكم الذل، وللَّه فيكم نقمة لم تبلغ غايتها بعد، وإني أتخوف أن تنزل بك النقمة من الظلمة فتشملني معك، وإن النقمة إذا نزلت عمت وشملت، فاخرج بعد ثلاث فإنني إن أخذتك بعدها أخذت جميع ما معك وقتلتك وقتلت جميع من معك، ثم وثب فخرج. فأقمت ثلاثا وخرجت إلى مصر فأخذني وليك فبعث بي إليك، وها أنا ذا والموت

стр. 2536

أحب إلي من الحياة. فهم أبو جعفر بإطلاقه، فقال له إسماعيل بن علي: في عنقي بيعة له، قال: فماذا ترى؟ قال: يترك في دار من دورنا ويجري عليه ما يجري على مثله، قال: ففعل ذلك به، فو الله ما أدري أمات في حبسه أم أطلقه المهدي. وروى الحسن بن جعفر عن أبيه، قال: لما أفضت الخلافة إلى بني العباس اختفى رجال من بني أمية، وكان فيمن اختفى إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك، حتى أخذ له داود بن علي بن عبد الله أمانا من أبي العباس، فقال له أبو العباس يوما: حدثني عما مر بك في اختفائك فقال: كنت يا أمير المؤمنين مختفيا بالحيرة في منزل شارع على الصحراء [١] . فبينا أنا ذات يوم على ظهر بيت نظرت إلى أعلام سود قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة، فوقع في روعي أنها تريدني، فخرجت من الدار متنكرا حتى دخلت الكوفة ولا أعرف بها أحدا أختفي عنده، فدخلت متلددا، فإذا أنا بباب كبير ورحبة واسعة، فدخلت الرحبة، فجلست فيها، فإذا رجل وسيم حسن الهيئة على فرس قد دخل الرحبة مع جماعة من غلمانه وأتباعه، فقال: من أنت وما حاجتك؟ فقلت: رجل مختف يخاف على دمه واستجار بمنزلك، قال: فأدخلني منزله ثم سيرني في حجرة تلي حرمه، فمكثت عنده حولا في كل ما أحب من مطعم ومشرب وملبس، لا يسألني عن شيء من حالي، ويركب في كل يوم ركبة، فقلت له يوما: أراك تدمن الركوب، ففيم ذاك؟ قال: إن إبراهيم بن سليمان قتل أبي صبرا، وقد بلغني أنه مختف، فأنا أطلبه لأدرك ثأري فكثر تعجبي من إدبارنا إذ ساقني القدر إلى الاختفاء في منزل من يطلب دمي وكرهت الحياة، وسألت الرجل عن اسمه واسم أبيه، فأخبرني بهما، فعلمت أني قتلت أباه، فقلت: يا هذا، قد وجب علي حقك، ومن حقك أن أقرب عليك الخطوة، قال: وما ذاك؟ فقلت: أنا إبراهيم بن سليمان قاتل أبيك فخذ بثأرك، فقال: أحسب أنك رجل قد مضه الاختفاء فأحب الموت، فقلت: بل الحق، قلت: قتلته يوم كذا وكذا بسبب كذا وكذا، فلما عرف أني صادق تربد وجهه واحمرت عيناه، وأطرق مليا ثم قال: أما أنت فستلقى أبي فيأخذ حقه منك، وأما أنا فغير مخفر ذمتي فاخرج عني فلست آمن نفسي عليك، وأعطاني ألف دينار، فلم أقبلها وخرجت من عنده، فهذا أكرم رجل رأيته.

стр. 2537

وقد روينا أن مرية [١] زوجة مروان بن محمد استأذنت على الخيزران، وعندها زينب [بنت] [٢] سليمان بن علي الهاشمي، فلما دخلت قالت زينب: الحمد للَّه الذي أزال نعمتك وصيرك عبرة، تذكرين يا عدوة الله حين أتاك أهل بيتي يسألونك أن تكلمي أصحابك في أموال إبراهيم بن محمد فلقيتيهن ذلك اللقاء، وأخرجتيهن ذلك المخرج، فضحكت، وقالت: أي بنت عم، أي شيء أعجبك من حسن صنيع الله بي على ذلك حتى أردت أن تتأسي بي فيه، ثم ولت خارجة. وفي هذه السنة [٣] : خلع أبو الورد، واسمه مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابي، وهو من أصحاب مروان وفرسانه وقواده، خلعه أبو العباس السفاح. وذلك أنه لما هزموا بقنسرين جاء إلى عبد الله بن علي فبايعه، ودخل فيما دخل فيه جنده من الطاعة، فجاء قائد من قواد عبد الله بن علي، فعبث بولد مسلمة بن عبد الملك ونسائهم، وكانوا مجاورين لأبي الورد، فخرج حتى هجم على ذلك القائد فقتله ومن معه، وأظهر الخلع وبيض، ودعا أهل قنسرين إلى ذلك فأجابوه وأبو العباس يومئذ بالحيرة، فلما بلغ عبد الله بن علي ذلك خرج متوجها إلى قنسرين للقاء أبي الورد، فلما قدم حمص إذا أهل قنسرين قد بيضوا ونهضوا مع عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة، وانتهبوا ما كان عبد الله بن علي خلفه من ثقل ومتاع، واجتمع مع أبي الورد جماعة من أهل قنسرين، وكاتبوا من يليهم من أهل حمص وتدمر، فقدم منهم ألوف وعليهم أبو محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وقالوا [٤] : هو السفياني الذي كان يذكر وهم في نحو من أربعين ألفا- فلما دنا منهم عبد الله بن علي، وأبو محمد معسكر في جماعتهم، وأبو الورد المتولي لأمر العسكر والمدبر له، وهو صاحب الحرب- وجه عبد الله بن علي عبد الصمد في عشرة آلاف، فناهضهم أبو الورد واستحر القتل في الفريقين، وثبت القوم وانكشف عبد الصمد ومن معه، وقتل منهم يومئذ ألوف، وجاء عبد الصمد إلى عبد الله بن علي، فنهض إليهم عبد الله ومعه حميد بن قحطبة وجماعة

стр. 2538

من القواد، فالتقوا ثانية فاقتتلوا قتالا شديدا، وانكشف جماعة ممن كان مع عبد الله، ثم ثابوا، وثبت لهم عبد الله وحميد بن قحطبة، فهزموهم وثبت أبو الورد في نحو من خمسمائة من أهل بيته وقومه، فقتلوا جميعا وذلك في ذي الحجة، وهرب أبو محمد ومن معه حتى لحقوا بتدمر، وأمن عبد الله أهل قنسرين، وسودوا وبايعوا، ودخلوا في طاعته، ثم مضى إلى أهل دمشق فهرب الناس وتفرقوا، فلم يكن [بينهم] [١] وقعة، وآمن أهلها فبايعوه، ولم يؤاخذهم بما كانوا فعلوا. فأما أبو محمد فلحق بأهل الحجاز، فوجه إليه زياد بن عبيد الحارثي عامل أبي جعفر على المدينة خيلا، فقاتلوه حتى قتل. وفي هذه السنة: خلع حبيب بن مرة، وبيض هو ومن معه من أهل الشام، وكان تبيض هذا قبل تبيض أبي الورد، وإنما بيض أبو الورد وعبد الله مشتغل بقتال حبيب، وإنما بيض حبيب خوفا على نفسه وقومه، فبايعته قيس وغيرهم من أهل ذلك الكور، البثنية وحوران. فلما بلغ عبد الله بن علي تبييض أهل قنسرين، دعا حبيبا إلى الصلح، فصالحه وآمنه، ثم خرج متوجها للقاء أبي الورد، وفعل به ما فعل. وفي هذه السنة: بيض أهل الجزيرة [٢] ، وخلعوا أبا العباس. وإنما فعلوا هذا حين بلغهم خروج أبي الورد ونقض أهل قنسرين، ثم استقام أهل الجزيرة وأهل الشام. وولى أبو العباس أبا جعفر [المنصور] [٣] الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، فلم يزل على ذلك حتى استخلف. أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أبي نصر الحميدي، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن سلامة القاضي القضاعي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد الكاتب، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن، عن أبيه، قال: أخبرني بعض الهاشميين قال: كنت جالسا عند المنصور بأرمينية وهو أميرها لأخيه أبي العباس وقد جلس

стр. 2539

للمظالم، فدخل عليه رجل فقال: إن لي مظلمة، وإني أسألك أن تسمع مني مثلا أضربه قبل أن أذكر مظلمتي، قال: قل، قال: إني وجدت الله ﵎ اسمه خلق الخلق على طبقات، فالصبي إذا خرج إلى الدنيا لا يعرف إلا أمه، ولا يطلب غيرها فإن فزع من شيء لجأ إليها، ثم يرتفع عن ذلك طبقة فيعرف أن أباه أعز من أمه، فإن أفزعه شيء لجأ إلى أبيه، ثم يبلغ فإن أفزعه شيء لجأ إلى سلطانه، فإن ظلمه ظالم انتصر به منه، فإذا ظلمه السلطان لجأ إلى ربه فاستنصره، وقد كنت في هذه الطبقات، وقد ظلمني ابن نهيك في ضيعة لي في ولايته، فإن نصرتني عليه وأخذت لي بمظلمتي وإلا استنصرت الله ولجأت إليه، فانظر لنفسك أيها الأمير أودع، فتضاءل أبو جعفر وقال: أعد علي الكلام، فأعادة، فقال: أما أول شيء فقد عزلت ابن نهيك من ناحيته، وأمر برد ضيعته. وفي هذه السنة [١] : شخص أبو جعفر المنصور إلى أبي مسلم بخراسان لاستطلاع رأيه في قتل أبي سلمة حفص بن سليمان. وذلك أن أبا سلمة ستر حال أبي العباس حين قدم الكوفة. وقد ذكرنا أن قوما يذكرون ويقولون: إنما أراد أن يجعل الأمر في آل أبي طالب، فصار عند القوم بهذا متهما، فتذاكروا بعد ظهور السفاح ما فعله أبو سلمة، فقال قائل منهم: فما يدريكم لعل ما صنع أبو سلمة كان عن رأي أبي مسلم، فقال أبو العباس: لئن كان هذا عن رأي أبي مسلم إنا بعرض بلاء، إلا أن يدفعه الله عنا. ثم تفرقوا، فأرسل أبو العباس إلى أبي جعفر فقال: ما ترى؟ فقال: الرأي رأيك، قال: فاخرج إلى أبي مسلم حتى تعلم ما رأيه، فليس يخفي عليك لو قد لقيته، فإن كان عن رأيه أخذنا [٢] لأنفسنا، وإن لم يكن عن رأيه طابت نفوسنا. قال أبو جعفر: فخرجت على وجل، فلما انتهيت إلى الري إذا صاحب الري قد أتاه كتاب أبي مسلم: أنه بلغني أن عبد الله بن محمد توجه إليك فإذا قدم فأشخصه ساعة يقدم عليك. فلما قدمت أتاني عامل الري، فأخبرني بكتاب أبي مسلم وأمرني بالرحيل، فازددت وجلا وخرجت وأنا خائف، فسرت فلما كنت بنيسابور إذا عاملها قد

стр. 2540

أتاني بكتاب أبي مسلم: إذا قدم عليك عبد الله بن محمد فأشخصه ولا تدعه يقيم فإن الأرض أرض خوارج ولا آمن عليه، فطابت نفسي وقلت: أراه يعني بأمري. فسرت فلما كنت من مرو على فرسخين تلقاني أبو مسلم في الناس، فلما دنا مني أقبل يمشي إلي حتى قبل يدي، فقلت: اركب، فركب. فدخلت مرو فنزلت دارا، فمكثت ثلاثة أيام لا يسألني عن شيء، ثم قال لي في اليوم الرابع: ما أقدمك؟ فأخبرته، فقال: فعلها أبو سلمة أنا أكفيكموه. ثم دعا مرار بن أنس الضبي، فقال له: انطلق إلى الكوفة فاقتل أبا سلمة حيث لقيته وانته في ذلك إلى رأي الإمام، فقدم مرار الكوفة، وكان أبو سلمة يسمر عند أبي العباس، فقعد له في طريقه فلما خرج قتله، وقالوا: قتلته الخوارج. وقال سليمان بن المهاجر [١] : إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك كان وزيرا وكان أبو مسلم إذا جاء إلى أبي جعفر وهو بالري ينزل على باب الدار ثم يجلس في الدهليز ويقول للحاجب: استأذن لي، فغضب أبو جعفر على حاجبه، وقال له: ويلك إذا رأيته فافتح له الباب وقل له يدخل على دابته. وانصرف أبو جعفر إلى أبي العباس، فقال له: لست خليفة ولا آمرك بشيء إن تركت أبا مسلم ولم تقتله، قال: وكيف؟ قال: والله ما يصنع إلا ما يريد، فقال أبو العباس: اسكت واكتمها. وفي هذه السنة: وجه أبو العباس أخاه أبا جعفر إلى واسط لحرب يزيد بن عمر بن هبيرة. وقد سبق ذكرنا حال يزيد بن عمر بن هبيرة مع الجيش الذين لقوه من [أهل] [٢] خراسان مع قحطبة، ثم ابنه الحسن إلى أن انهزم ولحق بواسط وتحصن بها. ولما انهزم تفرق عنه الناس، وخلف على الأثقال قوما، فذهبوا بتلك الأموال، فقيل له: لو لحقت بمروان فإنه ليس بعد الحصار إلا القتل، وكان يخاف من مروان لأنه كان يكتب إليه في الأمر فيخالفه، فخافه إن قدم عليه أن يقتله فسرح أبو سلمة الحسن بن قحطبة، فخندق

стр. 2541

وخرج ابن هبيرة للقتال واقتتلوا ثم تحاجزوا ثم اقتتلوا بعد أيام، فهزم أهل الشام هزيمة قبيحة، فدخلوا المدينة فمكثوا ما شاء الله لا يقتتلون إلا رميا من وراء الفصيل، ومكثوا على القتال أحد عشر شهرا، فلما طال عليهم وجاءهم قتل مروان طلبوا الصلح. وكان أصحاب ابن هبيرة قد تقاعدوا به حتى هم أن يدعو إلى محمد بن عبد الله بن الحسن، وكتب إليه فأبطأ جوابه، وجرت السفراء بين أبي جعفر وبين ابن هبيرة حتى جعل له أمانا، وكتب بذلك ابن هبيرة كتابا مكث يشاور فيه العلماء أربعين يوما حتى رضيه ابن هبيرة، ثم أرسله إلى أبي جعفر فأنفذه أبو جعفر إلى أبي العباس فأمره بإمضائه، وكان رأى أبي جعفر الوفاء له بما أعطاه. وكان أبو العباس لا يقطع أمرا دون أبي مسلم، وكان أبو الجهم عينا لأبي مسلم على أبي العباس [١] ، يكتب إليه بأخباره كلها، فكتب أبو مسلم إلى أبي العباس: إن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد، ولا والله لا يصلح [٢] طريق فيه ابن هبيرة. ولما تم الكتاب الذي كتبه ابن هبيرة لنفسه خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاثمائة، فأراد أن يدخل الحجرة على دابته، فقام إليه الحاجب سلام بن سليم، فقال: مرحبا بك أبا خالد، انزل راشدا، وقد طاف بالحجرة نحو من عشرة آلاف من أهل خراسان، فنزل، ودعا له بوسادة فجلس عليها، ثم دعا بالقواد فدخلوا ثم قال سلام: ادخل أبا خالد، فقال: أنا ومن معي؟ فقال: إنما استأذنت لك وحدك، فقام فدخل فحادثه ساعة ثم قام وأتبعه أبو جعفر بصره حتى غاب عنه، ثم مكث يقيم عنه يوما ويأتيه يوما في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل، فقال يزيد بن حاتم لأبي جعفر: أيها الأمير، إن ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر، وما نقص من سلطانه شيء، فقال أبو جعفر لسلام: قل لابن هبيرة يدع الجماعة ويأتينا في حاشيته، قال: فلما سمع ذلك تغير وجهه وجاء في حاشيته نحو من ثلاثين، ثم كان بعد ذلك يأتي في ثلاثة، ثم ألح أبو العباس

стр. 2542

على أبي جعفر [يأمره] [١] بقتله، وهو يراجعه، حتى كتب إليه: والله لتقتلنه أو لأرسلن إليه من يخرجه من حجرتك، ثم يتولى قتله. فأزمع على قتله، فأخذ جماعة من أصحابه فقتلهم، ثم بعث إليه من قتله. وفيها: بعث أبو مسلم [٢] محمد بن الأشعث على فارس، وأمره أن يأخذ عمال أبي سلمة فيضرب أعناقهم، ففعل ذلك. وفيها: عزل أبو العباس عمه داود بن علي عن الكوفة وسوادها، وولاه مكة، والمدينة، واليمن واليمامة، وولى ما كان إليه عيسى بن موسى، واستقضى عيسى على الكوفة ابن أبي ليلى. وفيها: وجه أبو العباس أخاه يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله واليا على الموصل. وفيها: حج بالناس داود بن علي، وكان العامل على مكة والمدينة واليمن، وعلى الجزيرة وأرمينية وأذربيجان أبو جعفر، وعلى الموصل يحيى بن محمد، وعلى كور الشام عبد الله بن علي، وعلى مصر أبو عون عبد الملك بن يزيد، وكان على البصرة سفيان بن معاوية المهلبي، وعلى قضائها الحجاج بن أرطأة، وعلى فارس محمد بن الأشعث، وعلى السند منصور بن جمهور، وعلى خراسان والجبال أبو مسلم وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٧١٥- حفص [٣] بن سليمان، أبو سلمة الخلال، وزير أبي العباس السفاح: وهو أول من وزر لهم، ولم يكن خلالا إنما كان منزله بالكوفة بقرب الخلالين، وكان يجلس عندهم فسمي خلالا. وقتل في هذه السنة على ما ذكرنا في حوادث السنة.

стр. 2543

٧١٦- الربيع بن أبي راشد، أبو عبد الله: سمع من سعيد بن جبر، ومن الثوري. وكان كالغائب عن الخلق. قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن أبي يزيد الآدمي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن خلف بن حوشب، قال: كنت مع الربيع بن أبي راشد في الجبانة، فقرأ رجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ....) ٢٢: ٥ [١] الآية فقال الربيع: حال ذكر الموت بيني وبين كثير مما أريد من التجارة، ولو فارق ذكر الموت قلبي ساعة خشيت أن يفسد علي قلبي، ولولا أن أخالف من كان قبلي لكانت الجبانة مسكني إلى أن أموت. قال: وقال عمر بن ذر [٢] : كنت إذا رأيت الربيع بن أبي راشد كأنه مخمار من [غير] [٣] شراب. ٧١٧-[زبان] [٤] بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أبو إبراهيم: كان سيد بني عبد العزيز وفارسهم، حضر الوقعة مع مروان بن محمد ليلة بوصير فتقنطر به فرسه، فقتله المسور في هذه السنة، ولم يعرفوه. وقد روى عنه الأوزاعي. ٧١٨- صفوان بن سليم، أبو عبد الله الزهري، مولى حميد بن عبد الرحمن [٥] : روى عن ابن عمر، وجابر، وعبد الله بن جعفر، وسهل بن حنيف، وجماعة من كبار التابعين. كان ثقة كثير الحديث عابدا. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بْنُ أحمد الحداد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، قال: حدثنا ابن جعفر، قال: حدّثنا جعفر بن محمد الفريابي،

стр. 2544

قال: حدثنا أبو أمية، قال: حدثنا يعقوب بن محمد، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، قال: عادلني صفوان بن سليم إلى مكة، فما وضع جنبه في المحمل حتى رجع [١] . قال أبو نعيم: وأخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم في كتابه، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم، قال: حدثنا سعيد بن كثير بن يحيى، قال: حدثني أبي، قال: قدم سليمان بن عبد الملك المدينة وعمر بن عبد العزيز عامله عليها. قال: فصلى بالناس الظهر ثم فتح باب المقصورة، واستند إلى المحراب واستقبل الناس بوجهه، فنظر إلى صفوان بن سليم عن غير معرفة، فقال: يا عمر، من هذا الرجل؟ ما رأيت سمتا أحسن منه، قال: يا أمير المؤمنين، هذا صفوان بن سليم، قال: يا غلام، كيس فيه خمسمائة دينار، فأتى بكيس فيه خمسمائة دينار، فقال لخادمه: ترى هذا الرجل القائم يصلي، فوصفه للغلام حتى أثبته. قال: فخرج الغلام بالكيس حتى جلس إلى صفوان، فلما نظر إليه صفوان ركع وسجد ثم سلم وأقبل عليه، فقال: ما حاجتك؟ قال: أمرني أمير المؤمنين- وهو ذا ينظر إليك وإلي أن أدفع إليك هذا الكيس فيه خمسمائة دينار، وهو يقول لك استعن بهذه على زمانك وعلى عيالك، فقال صفوان: ليس أنا بالذي أرسلت إليه، فقال الغلام: ألست صفوان بن سليم؟ قال: بلى أنا صفوان بن سليم، قال: فإليك أرسلت- قال: اذهب فاستثبت، فإذا أثبت فهلم، فقال الغلام: فأمسك الكيس معك وأنا أذهب، قال: لا إذا أمسكت كنت قد أخذت، ولكن اذهب فاستثبت وأنا هاهنا جالس. فولى الغلام وأخذ صفوان نعليه وخرج، فلم يربها حتى خرج سليمان من المدينة. قال أحمد بن محمد بن عاصم: وحدثنا أبو مصعب، قال: قال لي ابن حازم: دخلت أنا وأبي نسأل عن صفوان بن سليم وهو في مصلاه، فما زال أبي حتى رده إلى فراشه، فأخبرتني مولاته أن ساعة خرجتم مات.

стр. 2545

٧١٩- عبد الحميد بن يحيى بن سعيد، مولى بني عامر بن لؤي، الكاتب، كاتب مروان بن محمد [١] : كان الأساس في البلاغة، رسم رسومها، وأصل أصولها، وفرع فروعها، وقد كان قبله سالم مولى سعيد بن عبد الملك مقدما في هذه الصناعة إلا أنه دون عبد الحميد، وكان متصلا في حداثته بعبد الله بن مالك الثقفي كاتب الوليد بن عبد الملك، فتأدب وبرع، ثم اتصل بمروان بن محمد قبل الخلافة فغلب عليه، فكان يخط بين يديه قبل الخلافة أحسن خط، ولا ينتحل شيئا من البلاغة، ثم قام في الخلافة مقام الوزير. أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر بْن ثَابِت، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلي بْن علي، قال: حدثنا محمد بن عمر المرزبان، قال: حدثنا علي بن سليمان الأخفش، قال: قال أحمد بن يوسف الكاتب: رآني عبد الحميد بن يحيى وأنا أكتب خطا رديئا، فقال: إن أردت أن تجود خطك فأطل جحفتك [٢] واشممها، وحرف قطتك وأيمنها. قال علماء السير: انقرض ملك بني أمية على أربعة لم يجتمع مثلهم في دولة: مروان بن محمد بن الحكم في شجاعته وسياسته، وعبد الحميد في كتابته وبلاغته، ويزيد بن عمر بن هبيرة في تدبيره وصحة رأيه، ونصر بن سيار في صولته وضبطه وبعد صوته. ٧٢٠- عمر بن المنكدر: كان من العباد المجتهدين، وقوام الليل. أخبرنا عبد الوهاب [الحافظ بإسناده] [٣] ، عن [بن] أبي بكر الرشي، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن الصباح، قَالَ: حَدَّثَنَا العلاء بن عبد الجبار، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قالت أم عمر بن المنكدر لعمر:

стр. 2546

إني لأشتهي أن أراك نائما، فقال: يا أماه، والله إن الليل ليرد علي فيهولني، فينقضي عني وما قضيت إربي. وفي رواية: أنهم قالوا له: فما هذا البكاء الكثير؟ فقال: آية من كتاب الله تعالى أبكتني: (وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) ٣٩: ٤٧ [١] . ٧٢١- منصور بن المعتمر، أبو عتاب، السلمي [٢] : أسند عن أنس وعن جماعة من كبار التابعين، وكان من العلماء المتعبدين الثقات. صام أربعين سنة وتمامها، وكان محروما كأنه قد أصيب بمصيبة، وبكى حتى عمش. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، ويحيى بن علي، قالا: أخبرنا عبد الله بن محمد الصريفيني، قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن عبدان، قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بْن إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن يحيى الأزدي، قال: حدثنا خلف بن تميم، عن زائدة بن قدامة، قال: صام منصور بن المعتمر أربعين سنة قام ليلها وصام نهارها، وكان يبكي الليل [٣] ، فتقول له أمه: يا بني، قتلت قتيلا؟ فيقول: أنا أعلم ما صنعت بنفسي، فإذا أصبح كحل عينيه ودهن رأسه وبرق شفتيه وخرج إلى الناس فأخذه ذات يوم يوسف بن عمر عامل الكوفة يريده على القضاء، فامتنع، قال: فدخلت عليه وقد جيء بالقيد ليقيد، قال: فجاءه خصمان، فقعدا بين يديه فلم يسألهما ولم يكلمهما، فقيل ليوسف بن عمر: إنك لو نثرت لحمه لم يل لك قضاء، فخلى عنه وتركه. أخبرنا ابن ناصر بإسناد له عن العلاء [٤] بن سالم العبدي، قال: كان منصور يصلي في سطحه [٥] ، فلما مات قال غلام لأمه: يا أماه الجذع الذي كان في آل فلان

стр. 2547

ليس أراه، قالت: يا بني ليس ذلك جذع، ذلك منصور، وقد مات. أخبرنا ابن منصور، قال: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني، قال: حدثنا أبو محمد بن حيان، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا أزهر بن جميل، قال: حدّثنا ابن عيينة، قال: رأيت منصور بن المعتمر في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: كدت أن ألقى الله بعمل نبي. قال سفيان: إن منصورا صام ستين سنة يقوم ليلها ويصوم نهارها. ٧٢٢- مروان بن محمد بن مروان بن الحكم: قتل في ذي الحجة من هذه السنة وهو ابن اثنتين وستين سنة، وقيل: تسع وستين. وقيل: ثمان وخمسين. وكانت ولايته خمس سنين وعشرة أشهر وستة عشر يوما.

стр. 2548

ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة فمن الحوادث فيها توجيه أبي العباس عمه سليمان بن علي واليا على البصرة وأعمالها وكور دجلة، والبحرين وعمان ومهرجان قذق. وتوجيه عمه إسماعيل بن علي [على] [١] كور الأهواز. وفي هذه السنة: قتل داود بن علي من كان أخذ من بني أمية بمكة والمدينة. وفيها: مات داود بن علي، فلما بلغت وفاته إلى أبي العباس وجه على مكة والطائف واليمامة خاله زياد [٢] بن عبيد الله بن عبد المدان الحارثي. ووجه محمد بن يزيد بن عبيد الله بن عبد المدان الحارثي. على اليمن فقدمها في جمادى الأولى، فأقام زياد بالمدينة ومضى محمد إلى اليمن. ثم وجه زياد بن عبيد الله من المدينة إبراهيم بن حسان السلمي إلى المثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة وهو باليمامة، فقتله وقتل أصحابه. وفيها: كتب أبو العباس إلى أبي عون بإقراره على مصر واليا عليها. وإلى عبد الله بن علي، وصالح بن علي على أجناد الشام. وفيها: خرج سويد بن شيخ [٣] المهري بخراسان على أبي مسلم ببخارى ونقم عليه وقال له: ما على هذا اتبعنا آل محمد، على أن نسفك الدماء، ونعمل بغير الحق،

стр. 2549

وتبعه على رأيه أكثر من ثلاثين ألفا، فوجه إليه أبو مسلم ابن صالح الخزاعي فقاتله فقتله. وفيها: قتل عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب بالموصل، قتله سليمان بن الأسود. وفيها: وجه صالح بن علي سعيد بن عبد الله لغزو الصائفة وراء الدرب [١] . وفيها: عزل يحيى بن محمد عن الموصل، واستعمل مكانه سليمان بن علي. وفيها: أقبل طاغية الروم، فنزل على ملطية، فقاتلوه قتالا شديدا ثم نزلوا على أمان، فهدم المدينة والمسجد الجامع ودار الإمارة، ووجه مع المسلمين خيلا حتى بلغتهم مأمنهم. وفيها: حج بالناس زياد بن عبيد الله الحارثي خال السفاح، وكان على الكوفة وأرضها عيسى بن موسى، وعلى قضائها ابن أبي ليلى، وعلى البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين وعمان ومهرجان قذق [٢] سليمان بن علي، وعلى قضائها عباد بن منصور، وعلى الأهواز إسماعيل بن علي، وعلى فارس محمد بن الأشعث، وعلى السند منصور بن جمهور، وعلى خراسان والجبال أبو مسلم، وعلى قنسرين وحمص وكور دمشق والأردن عبد الله بن علي، وعلى فلسطين صالح بن علي، وعلى مصر عبد الملك بن يزيد أبو عون، وعلى الجزيرة أبو جعفر، وعلى الموصل إسماعيل بن علي، وعلى أرمينية صالح بن صبيح، وعلى أذربيجان مجاشع بن يزيد، وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٧٢٣- داود بْن علي بْن عبد الله بْن العباس [٣] : روى عن أبيه، وكان داود لما ظهر ابن أخيه السفاح وصعد ليخطب الناس فحصر

стр. 2550

فلم يتكلم، فوثب داود من بين يدي المنبر، فخطب وذكر أمرهم وخروجهم، ومنى الناس ووعدهم العدل فتفرقوا عن خطبته، وولاه السفاح مكة والمدينة، وحج بالناس سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وهي أول حجة حجها بنو العباس، ثم صار داود إلى المدينة، فأقام بها أشهرا ثم مات بها في شهر ربيع الأول من هذه السنة. ٧٢٤- ضرار بن مرة أبو سنان الشيباني [١] : روى عن سعيد بن جبير، وكان من البكاءين، وكان قد حفر لنفسه قبرا قبل موته بخمس عشرة سنة، وكان يأتيه فيختم فيه القرآن. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا محمد بن هبة الله، قال: حدثنا مُحَمَّد بْن الحسين بْن الفضل، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن درستويه، قال: حدثنا يعقوب بن يوسف، قال: أخبرنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا المخارق، قال: كان ضرار بن مرة ومحمد بن سوقة إذا كان يوم الجمعة طلب كل واحد منهما صاحبه، فإذا اجتمعا جلسا يبكيان. روى أبو سعيد [٢] الأشج، قال: حدثنا عبد الله بن الأجلح، قال: كان ضرار بن مرة يقول لنا: لا تجيئوني جماعة، ولكن ليجيء الرجل وحده، فإنكم إذا اجتمعتم تحدثتم، وإذا كان الرجل وحده لم يخل من أن يدرس جزأه [من القرآن] [٣] أو يذكر ربه.

стр. 2551

ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائة فمن الحوادث فيها أن بسام بن إبراهيم- وكان من فرسان أهل خراسان خالف وخلع من عسكر أبي العباس مع جماعة بايعوه على ذلك مستبشرين [١] بخروجهم، فأقاموا بالمدائن، فبعث إليهم أبو العباس خازم بن خزيمة، فانهزم بسام وأصحابه، وقتل أكثرهم، واستبيح عسكره. وفيها: شخص خازم إلى عمان، فأوقع من فيها من الخوارج وغلب على ما قرب منها من البلدان، وقتل شيبان الخارجي، وكان أهل عمان ظفروا به، ثم نصب لهم الجلندى وأصحابه، وهم الأباضية، فاقتتلوا فقتل الجلندى فيمن قتل، وبلغ عدة القتلى عشرة آلاف. وفيها: غزا أبو داود خالد بن إبراهيم أهل كش [٢] ، فقتل الأخريد [٣] ، وهو ملكها، وأخذوا من السروج الصينية والأواني المذهبة، ومن طرائف الصين، فحمله أبو داود إلى أبي مسلم. وفيها: وجه أبو العباس موسى بن كعب إلى الهند لقتال منصور بن جمهور، فهزم منصور، فمات عطشا في الرمال.

стр. 2552

وفيها: تحول أبو العباس من الكوفة إلى الأنبار في ذي الحجة، وبنى مدينتها. وفيها: عزل صالح بن صبيح عن أرمينية وجعل مكانه يزيد بن أسيد. وفيها: عزل مجاشع بن يزيد عن أذربيجان، واستعمل عليها محمد بن صول. وفيها: ضرب المنار من الكوفة. وفيها: حج بالناس عيسى بن موسى وهو على الكوفة وأرضها. وكان على قضائها ابن أبي ليلى، وكان على مكة والمدينة والطائف واليمامة زياد بن عبيد الله، وعلى اليمن علي بن الربيع الحارثي، وعلى البصرة، وأعمالها وكور دجلة والبحرين وعمان والعواصم [١] ومهرجان قذق سليمان بن علي، وعلى قضائها عباد بن منصور، وعلى السند موسى بن كعب، وعلى خراسان والجبال أبو مسلم، وعلى فلسطين صالح بن علي، وعلى أرمينية يزيد بن أسيد، وعلى أذربيجان محمد بن صول. وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك، وعلى الجزيرة أبو جعفر، وعلى قنسرين وحمص وكور دمشق والأردن عبد الله بن علي. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٧٢٥- محمد بن يزيد بن عبيد الله: كان على اليمن من قبل السفاح، فتوفي. فكتب السفاح بولايتها لعلي بن الربيع بن عبيد الله الحارثي، ابن خال السفاح.

стр. 2553

ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائة فمن الحوادث فيها خروج زياد بن صالح وراء نهر بلخ، فشخص أبو مسلم من مرو مستعدا للقائه وسأل عمن أفسد زياد بن صالح، فقيل له: سباع بن النعمان، فأمر بقتله فقتل زيادا قواده، فلجأ إلى دهقان، فقتله الدهقان وجاء برأسه إلى أبي مسلم، ورجع أبو مسلم إلى مرو. وفيها: ولي سليمان بن علي البصرة، وعزل عنها محمد بن حفص، واستعمل على شرط السفاح. وفيها: حج بالناس سليمان بن علي وهو على البصرة وأعمالها، وكان على قضائها ابن منصور، وكان على مكة العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس، وعلى المدينة زياد بن عبيد الله الحارثي، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بْن موسى، وعلى قضائها ابن أبي ليلى، وعلى الجزيرة أبو جعفر، وعلى مصر أبو عون، وعلى قنسرين وحمص وبعلبك والغوطة وحوران والجولان والأردن عبد الله بن علي، وعلى أرمينية يزيد بن أسيد، وعلى أذربيجان محمد بن صول، وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٧٢٦- إسماعيل بن سالم، أبو يحيى الأسدي [١] : سمع من عامر الشعبي، وسعيد بن جبير وغيرهما. وروى عنه الثوري، وهشيم.

стр. 2554

نزل بغداد قبل تمصيرها. وسئل عنه أحمد بن حنبل فقال: ثقة ثقة. وقال يحيى: هو أوثق من أساطين الجامع. أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الأَزْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الْعَبَّاس، قَالَ: حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: قال إسماعيل بن سالم الأسدي: الذي روى عنه هشيم وأصحابه كان ثقة ثبتا وكان أصله من الكوفة، ثم تحول فسكن بغداد قبل أن تبنى وتسكن، وكانت ببغداد لهشام بن عبد الملك وغيره من الخلفاء خمسمائة فارس رابطة يغيرون على الخوارج إذا خرجوا في ناحيتهم قبل أن يضعف أمرهم. ٧٢٧- رابعة العدوية [١] : أخبرنا أبو القاسم الجريري، قال: أنبأنا أبو طالب العشاري، قال: أخبرنا أبو بكر البرقاني، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَكِّي، قَالَ: أخبرنا محمد بن إسحاق بن إسحاق السراج، قال: حدثنا حاتم بن الليث الجوهري، قال: حدثنا عبد الله بن عيسى، قال: دخلت على رابعة العدوية بيتها، فرأيت على وجهها النور، وكانت كثيرة البكاء، فقرأ رجل عندها آية فيها ذكر النار، فصاحت ثم سقطت. ودخلت عليها وهي جالسة على قطعة بوري خلق فتكلم رجل عندها بشيء، فجعلت أسمع وقع دموعها على البوري مثل الوكف، ثم اضطربت وصاحت فقمنا وخرجنا. قال محمد بن عمر [٢] : دخلت على رابعة. وكانت عجوزا كبيرة بنت ثمانين سنة،

стр. 2555

كأنها الشن، تكاد تسقط، ورأيت في بيتها كراحة بوري، ومحشب قصب فارسي طوله من الأرض قدر ذراعين، عليه أكفانها وستر البيت جله، وربما بوري وجب وكوز ولبد هو فراشها وهو مصلاها. وكانت إذا ذكرت الموت انتفضت وأصابتها رعدة، وإذا مرت بقوم عرفوا فيها العبادة. وقال لها رجل: ادعي لي، فالتصقت بالحائط وقالت: من أنا يرحمك الله، أطع ربك وادعه فإنه يجيب دعوة المضطر. قال مؤلف الكتاب [١] : كانت رابعة محققة [٢] فطنة، ومن كلامها الدال على قوة فهمها قولها: استغفر الله من قلة صدقي في قولي أستغفر الله. وكان سفيان الثوري يقول: مروا بنا إلى المؤدبة التي لا أجد من أستريح إليه إذا فارقتها. وقال يوما بين يديها: وا حزناه، فقالت: لا تكذب، قل: وا قلة حزناه، لو كنت محزونا ما هناك العيش. وقيل لها: هل عملت عملا ترين أنه يقبل منك؟ فقالت: إن كان فمخافتي أن يرد علي. وقد جمعت أخبارها في كتاب، فلهذا اقتصرت على هذا القدر ها هنا. دفنت بظاهر القدس على رأس جبل، وقبرها يزار. ٧٢٨- زهرة بن معبد بن عبد الله بن هشام، أبو عقيل التميمي [٣] : مديني سكن مصر، روى عن ابن عمر، وابن الزبير. روى عنه الليث، وابْن لهيعة وآخر من حدث عنه رشدين، وتوفي في هذه السنة.

стр. 2556

٧٢٩- عَبْد اللَّه بن السائب المخزومي المديني [١] : كان يقول: كان جدي في الجاهلية يكنى أبا السائب، وبه اكتنيت، وكان خليطا لرسول الله ﷺ ، إذا ذكره في الإسلام، قال: نعم الخليط، وكان لا يساري ولا يماري. كان عبد الله أديبا فاضلا خيرا عفيفا، لكنه مشتهر بحب الغزل، يهش عند سماع الشعر ويطرب له، قدم على السفاح الأنبار. أخبرنا عبد الرحمن القزاز، بإسناد له عن أبي عبد الله الزبيري، قال: كان أبو السائب المخزومي مع حسن [٢] بن زيد بالأنبار، وكان له مكرما وذلك في ولاية أبي العباس، فأنشده ليلة الحسن بن زيد أبياتا لمجنون بني عامر: وخبر تماني أن تيماء منزل ... لليلى إذا ما الضيف ألقى المراسيا فجعل أبو السائب يحفظها، فلما انصرف إلى منزله، فذكرها شذ عليه بعضها، فرجع إلى الحسن بن زيد، فلما وقف على الباب صاح بأعلى صوته: أبا فلان، فسمع ذلك الحسن [٣] ، فقال: افتحوا الباب لأبي السائب فقد دعاه أمر، فلما دخل عليه قال: أجاء خبر؟ قال: أعظم من ذلك، قال: ما هو؟ قال: تعيد عليّ: وخبر تماني أن تيماء منزل ... لليلى إذا ما الضيف ألقى المراسيا فأعادها عليه حتى حفظها. أخبرنا عبد الرحمن القزاز بإسناده عن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم التيمي، قال: حدثني أبي، قال: بينا أبو السائب في داره إذ سمع رجلا يتغنى بهذه الأبيات: أبكي الذين أذاقوني مودتهم ... حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا حسبي بأن تعلمي أن قد يحبكم ... قلبي فإن تجدي بعض الّذي أجد

стр. 2557

ألفيت بيني وبين الحب معرفة ... فليس ينفذ حتى ينفذ الأبد وليس لي مسعد فامنن علي به ... فقد بليت وقد أضناني الكمد قال: فخرج أبو السائب خلفه وقال: قف يا حبيب فقد أجبت دعوتك، [أنا مسعدك] [١] ، أين تريد؟ قال: خيام السعف من وادي العرج، فأصابتهما سماء شديدة، فجعل أبو السائب يقرأ: (فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) ٣: ١٤٦ [٢] فرجع إلى منزله وقد كادت نفسه تتلف، فدخل عليه أصحابه، فقالوا له: يا أبا السائب، ما الذي تصنع بنفسك؟ قال: إليكم عني، فإني مشيت في مكرمة، وأحببت مسلما، والمحسن معان. قال مؤلف الكتاب [٣] : والأخبار عنه في هذا المعنى كثيرة حتى أن ابنه أنشده بيتين وقد اجتمع أهل الدار على المائدة، فقال له: أمك طالق إن تعشينا ولا تسحرنا إلا بهذين البيتين [فرفعوا الطعام وجعلوا يرددون البيتين] [٤] ، ثم أيقظهم سحرا فأنشدوه. وجاز على حداد [٥] ، وهو ينشد، فحلف لينفخن له بمنفاخه، فجلس ينفخ وذلك ينشده إلى المغرب. وروى عبد الرحمن [٦] المدائني قال: حدثنا أبو عثمان المازني، قال: صام أبو السائب المخزومي يوما، فلما صلى المغرب وقدمت مائدته خطر بقلبه بيت لجرير: إن الذين غدوا بقلبك غادروا ... وشلا بعينك ما يزال معينا غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا فقال: كل امرأة له طالق وكل مملوك له حر إن أفطر الليلة إلا على هذين البيتين. أخبرنا المبارك بن علي بإسناد له عن عبد الملك بن عبد العزيز، قال: قال لي أبو

стр. 2558

السائب: يا ابن أخي، أنشدني للأحوص، فأنشدته قوله: قالت وقلت تحرجي وصلي ... حبل امرئ يوصي لكم صب صاحت إذا بعلي فقلت لها ... العذر شيء ليس من شعبي ثنتان لا أوثر لوصلهما ... عرس الخليل وجاره الجنب أما الخليل فلست فاجعه ... والجار أوصاني به ربي فقال: هذا يا ابن أخي المحب غبنا. ٧٣٠- عطاء بن أبي مسلم الخراساني: وفي اسم أبيه قولان: أحدهما ميسرة، والثاني عبد الله، وفي كنية عطاء قولان: أحدهما أبو عثمان، والثاني أبو أيوب. وأصله من بلخ، أسند عن ابن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبي هريرة، وغيرهم من العلماء الصالحين. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَيْلانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إبراهيم بن محمد المزكي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بن زهير الطوسي، قال: حدثنا يوسف بن عيسى، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: كنا مقاربي عطاء الخراساني، وكان يحيى الليل صلاة، وكان إذا ذهب من الليل ثلثه أو نصفه نادانا وهو في فسطاطه يا إسماعيل، يا عبد الرحمن بن يزيد، يا فلان بن فلان، قوموا فتوضئوا وصلوا، فإن صلاة هذا الليل وصيام هذا النهار أيسر من شراب الصديد، ومقطعات الحديد، الوحا الوحا. ٧٣١- محب بن حازم مولى ثابت بن يزيد بن رعين، يكنى أبا جبرة: يروي عن موسى بن وردان حديثا واحدا بسنده، لا يروي غيره، روى عنه سعيد بن أيوب، وضمام بن إسماعيل، والليث بن عاصم. وكان فاضلا توفي في هذه السنة.

стр. 2559

ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائة فمن الحوادث فيها قدوم أبي مسلم العراق [١] على أبي العباس أمير المؤمنين، وذلك أنه كتب إليه يستأذنه في القدوم، فأذن له، فقدم في جماعة عظيمة، فأمر أبو العباس الناس بالتلقي له [٢] ، فلما دخل عليه أعظمه وأكرمه، فاستأذنه في الحج، فقال: لولا أن أبا جعفر يحج لاستعملناك على الحج والموسم، وأنزله قريبا منه، وكان يأتيه في كل يوم يسلم عليه، وكان بين أبي جعفر، وبين أبي مسلم تباعد. وكان السبب في ذلك أن أبا العباس بعث أبا جعفر إلى أبي مسلم وهو بنيسابور وقد صفت له الأمور بعهده على خراسان، وبالبيعة لأبي العباس ولأبي جعفر من بعد موته، فبايع له، وكان في مدة مقامه عنده يهون أمره، ويستخف بشأنه، فلما قدم أبو جعفر أخبر أبا العباس باستخفافه به، وقال له: أطعني واقتل أبا مسلم، فو الله إن في رأسه لغدرة، فقال: يا أخي قد عرفت بلاءه وما كان منه، فقال: إنما كان بدولتنا، والله لو بعثت سنورا لقام مقامه، فقال: وكيف نقتله؟ قال: إذا دخل عليك وحادثته دخلت إليه فتغفلته وضربته ضربة أتيت بها على نفسه، قال: وكيف بأصحابه الذين يؤثرونه على دينهم ودنياهم؟ قال: يؤول ذلك كله إلى ما تريد، ولو علموا أنه قتل تفرقوا وذلوا، قال: عزمت عليك ألا كففت عن هذا، قال: والله أخاف إن لم تتغده اليوم أن يتعشاك غدا،

стр. 2560

قال: فدونكه، أنت أعلم. فخرج أبو جعفر عازما على ذلك، وندم أبو العباس فأرسل إلى أبي جعفر لا تفعل ذلك الأمر. وفي هذه السنة: عقد أبو العباس لأخيه أبي جعفر بالخلافة من بعده، وجعله ولي عهده، ومن بعد أبي جعفر عيسى بن موسى بن محمد بن علي، وكتب العهد بذلك، وصيره في ثوب وختم عليه بخاتمه وخواتيم أهل بيته، ودفعه إلى عيسى بن موسى. وفي هذه السنة: حج بالناس أبو جعفر، وحج معه أبو مسلم. وقد ذكرنا أن أبا مسلم استأذن أبا العباس في القدوم، فأذن له وكتب إليه: أقدم في خمسمائة من الجند، فكتب إليه أبو مسلم: إني قد وترت الناس ولست آمن على نفسي. فكتب إليه: أن أقبل في ألف، وطريق مكة لا يحتمل العسكر، فشخص في ثمانية آلاف فرقهم فيما بين نيسابور والري، وقدم بالأموال والخزائن، فخلفها بالري، فلما قدم استأذن في الحج، فأذن له، وخرج أبو مسلم وأبو جعفر، فلما كان قريبا من ذات عرق أتى أبا جعفر كتاب بموت أبي العباس، وكان أبو جعفر قد تقدم أبا مسلم بمرحلة، فكتب إلى أبي مسلم: إنه قد حدث أمر، فالعجل العجل. فلحق أبا جعفر أبو مسلم ثم أنهما حجا وأقبلا إلى الكوفة وأقر المنصور أبا مسلم على عمله وصرفه. وفي هذه السنة: توفي السفاح وبويع لأبي جعفر المنصور.
следующие страницы →