← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

٧٢٩- عَبْد اللَّه بن السائب المخزومي المديني [١] : كان يقول: كان جدي في الجاهلية يكنى أبا السائب، وبه اكتنيت، وكان خليطا لرسول الله ﷺ ، إذا ذكره في الإسلام، قال: نعم الخليط، وكان لا يساري ولا يماري. كان عبد الله أديبا فاضلا خيرا عفيفا، لكنه مشتهر بحب الغزل، يهش عند سماع الشعر ويطرب له، قدم على السفاح الأنبار. أخبرنا عبد الرحمن القزاز، بإسناد له عن أبي عبد الله الزبيري، قال: كان أبو السائب المخزومي مع حسن [٢] بن زيد بالأنبار، وكان له مكرما وذلك في ولاية أبي العباس، فأنشده ليلة الحسن بن زيد أبياتا لمجنون بني عامر: وخبر تماني أن تيماء منزل ... لليلى إذا ما الضيف ألقى المراسيا فجعل أبو السائب يحفظها، فلما انصرف إلى منزله، فذكرها شذ عليه بعضها، فرجع إلى الحسن بن زيد، فلما وقف على الباب صاح بأعلى صوته: أبا فلان، فسمع ذلك الحسن [٣] ، فقال: افتحوا الباب لأبي السائب فقد دعاه أمر، فلما دخل عليه قال: أجاء خبر؟ قال: أعظم من ذلك، قال: ما هو؟ قال: تعيد عليّ: وخبر تماني أن تيماء منزل ... لليلى إذا ما الضيف ألقى المراسيا فأعادها عليه حتى حفظها. أخبرنا عبد الرحمن القزاز بإسناده عن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم التيمي، قال: حدثني أبي، قال: بينا أبو السائب في داره إذ سمع رجلا يتغنى بهذه الأبيات: أبكي الذين أذاقوني مودتهم ... حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا حسبي بأن تعلمي أن قد يحبكم ... قلبي فإن تجدي بعض الّذي أجد

стр. 2557

ألفيت بيني وبين الحب معرفة ... فليس ينفذ حتى ينفذ الأبد وليس لي مسعد فامنن علي به ... فقد بليت وقد أضناني الكمد قال: فخرج أبو السائب خلفه وقال: قف يا حبيب فقد أجبت دعوتك، [أنا مسعدك] [١] ، أين تريد؟ قال: خيام السعف من وادي العرج، فأصابتهما سماء شديدة، فجعل أبو السائب يقرأ: (فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) ٣: ١٤٦ [٢] فرجع إلى منزله وقد كادت نفسه تتلف، فدخل عليه أصحابه، فقالوا له: يا أبا السائب، ما الذي تصنع بنفسك؟ قال: إليكم عني، فإني مشيت في مكرمة، وأحببت مسلما، والمحسن معان. قال مؤلف الكتاب [٣] : والأخبار عنه في هذا المعنى كثيرة حتى أن ابنه أنشده بيتين وقد اجتمع أهل الدار على المائدة، فقال له: أمك طالق إن تعشينا ولا تسحرنا إلا بهذين البيتين [فرفعوا الطعام وجعلوا يرددون البيتين] [٤] ، ثم أيقظهم سحرا فأنشدوه. وجاز على حداد [٥] ، وهو ينشد، فحلف لينفخن له بمنفاخه، فجلس ينفخ وذلك ينشده إلى المغرب. وروى عبد الرحمن [٦] المدائني قال: حدثنا أبو عثمان المازني، قال: صام أبو السائب المخزومي يوما، فلما صلى المغرب وقدمت مائدته خطر بقلبه بيت لجرير: إن الذين غدوا بقلبك غادروا ... وشلا بعينك ما يزال معينا غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا فقال: كل امرأة له طالق وكل مملوك له حر إن أفطر الليلة إلا على هذين البيتين. أخبرنا المبارك بن علي بإسناد له عن عبد الملك بن عبد العزيز، قال: قال لي أبو

стр. 2558

السائب: يا ابن أخي، أنشدني للأحوص، فأنشدته قوله: قالت وقلت تحرجي وصلي ... حبل امرئ يوصي لكم صب صاحت إذا بعلي فقلت لها ... العذر شيء ليس من شعبي ثنتان لا أوثر لوصلهما ... عرس الخليل وجاره الجنب أما الخليل فلست فاجعه ... والجار أوصاني به ربي فقال: هذا يا ابن أخي المحب غبنا. ٧٣٠- عطاء بن أبي مسلم الخراساني: وفي اسم أبيه قولان: أحدهما ميسرة، والثاني عبد الله، وفي كنية عطاء قولان: أحدهما أبو عثمان، والثاني أبو أيوب. وأصله من بلخ، أسند عن ابن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبي هريرة، وغيرهم من العلماء الصالحين. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَيْلانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إبراهيم بن محمد المزكي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بن زهير الطوسي، قال: حدثنا يوسف بن عيسى، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: كنا مقاربي عطاء الخراساني، وكان يحيى الليل صلاة، وكان إذا ذهب من الليل ثلثه أو نصفه نادانا وهو في فسطاطه يا إسماعيل، يا عبد الرحمن بن يزيد، يا فلان بن فلان، قوموا فتوضئوا وصلوا، فإن صلاة هذا الليل وصيام هذا النهار أيسر من شراب الصديد، ومقطعات الحديد، الوحا الوحا. ٧٣١- محب بن حازم مولى ثابت بن يزيد بن رعين، يكنى أبا جبرة: يروي عن موسى بن وردان حديثا واحدا بسنده، لا يروي غيره، روى عنه سعيد بن أيوب، وضمام بن إسماعيل، والليث بن عاصم. وكان فاضلا توفي في هذه السنة.

стр. 2559

ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائة فمن الحوادث فيها قدوم أبي مسلم العراق [١] على أبي العباس أمير المؤمنين، وذلك أنه كتب إليه يستأذنه في القدوم، فأذن له، فقدم في جماعة عظيمة، فأمر أبو العباس الناس بالتلقي له [٢] ، فلما دخل عليه أعظمه وأكرمه، فاستأذنه في الحج، فقال: لولا أن أبا جعفر يحج لاستعملناك على الحج والموسم، وأنزله قريبا منه، وكان يأتيه في كل يوم يسلم عليه، وكان بين أبي جعفر، وبين أبي مسلم تباعد. وكان السبب في ذلك أن أبا العباس بعث أبا جعفر إلى أبي مسلم وهو بنيسابور وقد صفت له الأمور بعهده على خراسان، وبالبيعة لأبي العباس ولأبي جعفر من بعد موته، فبايع له، وكان في مدة مقامه عنده يهون أمره، ويستخف بشأنه، فلما قدم أبو جعفر أخبر أبا العباس باستخفافه به، وقال له: أطعني واقتل أبا مسلم، فو الله إن في رأسه لغدرة، فقال: يا أخي قد عرفت بلاءه وما كان منه، فقال: إنما كان بدولتنا، والله لو بعثت سنورا لقام مقامه، فقال: وكيف نقتله؟ قال: إذا دخل عليك وحادثته دخلت إليه فتغفلته وضربته ضربة أتيت بها على نفسه، قال: وكيف بأصحابه الذين يؤثرونه على دينهم ودنياهم؟ قال: يؤول ذلك كله إلى ما تريد، ولو علموا أنه قتل تفرقوا وذلوا، قال: عزمت عليك ألا كففت عن هذا، قال: والله أخاف إن لم تتغده اليوم أن يتعشاك غدا،

стр. 2560

قال: فدونكه، أنت أعلم. فخرج أبو جعفر عازما على ذلك، وندم أبو العباس فأرسل إلى أبي جعفر لا تفعل ذلك الأمر. وفي هذه السنة: عقد أبو العباس لأخيه أبي جعفر بالخلافة من بعده، وجعله ولي عهده، ومن بعد أبي جعفر عيسى بن موسى بن محمد بن علي، وكتب العهد بذلك، وصيره في ثوب وختم عليه بخاتمه وخواتيم أهل بيته، ودفعه إلى عيسى بن موسى. وفي هذه السنة: حج بالناس أبو جعفر، وحج معه أبو مسلم. وقد ذكرنا أن أبا مسلم استأذن أبا العباس في القدوم، فأذن له وكتب إليه: أقدم في خمسمائة من الجند، فكتب إليه أبو مسلم: إني قد وترت الناس ولست آمن على نفسي. فكتب إليه: أن أقبل في ألف، وطريق مكة لا يحتمل العسكر، فشخص في ثمانية آلاف فرقهم فيما بين نيسابور والري، وقدم بالأموال والخزائن، فخلفها بالري، فلما قدم استأذن في الحج، فأذن له، وخرج أبو مسلم وأبو جعفر، فلما كان قريبا من ذات عرق أتى أبا جعفر كتاب بموت أبي العباس، وكان أبو جعفر قد تقدم أبا مسلم بمرحلة، فكتب إلى أبي مسلم: إنه قد حدث أمر، فالعجل العجل. فلحق أبا جعفر أبو مسلم ثم أنهما حجا وأقبلا إلى الكوفة وأقر المنصور أبا مسلم على عمله وصرفه. وفي هذه السنة: توفي السفاح وبويع لأبي جعفر المنصور.

стр. 2561

باب ذكر خلافة المنصور [١] وهو عبد الله بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس، ويكنى أبا جعفر، ولد بالسراة في ذي الحجة سنة خمس وتسعين، وأمه بربرية يقال لها سلامة، وحكى الصولي أنه ولد يوم مات الحجاج. أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الخطيب، قال: أخبرنا أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عَبْد الواحد البزاز، قال: أخبرنا محمد بن المظفر الحافظ، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، قَالَ: حَدَّثَنَا الحارث بن مُحَمَّد، قَالَ: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، قال: حدثني [أبو] [٢] سهل الحاسب، قال: حدثني طيفور مولى أمير المؤمنين، قال: حدثتني سلامة أم أمير المؤمنين، قالت: لما حملت بأبي جعفر رأيت كأنه خرج [٣] من فرجي أسد فزأر، ثم أقعى، فاجتمعت حوله الأسد، فكلما انتهى إليه أسد سجد له. أَخْبَرَنَا القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ [بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] [٤] بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ الأَزْرَقُ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ غيلان، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن

стр. 2562

الأَعْمَشِ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مِنَّا السَّفَّاحُ وَالْمَنْصُورُ وَالْمَهْدِيُّ» . ولي المنصور الخلافة وهو ابن اثنتين وأربعين سنة. بويع بالأنبار يوم مات السفاح. وولى ذلك والإرسال به في الوحدة عيسى بن علي عمه، ولقيت أبا جعفر بيعته في الطريق عند منصرفه من الحج، ومضى أبو جعفر حتى قدم الكوفة وصلى بالناس. ذكر صفته أخبرنا أبو منصور بن عَبْدُ الرَّحْمَنِ [١] بْنُ مُحَمَّدِ [الْقَزَّازِ] [٢] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر المقري، قال: أخبرنا علي بن أحمد بن أبي قيس، قال: أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، قال: حدثني حمدون بن سعد المؤذن، قال [٣] : رأيت أبا جعفر يخطب على المنبر متعرق [٤] الوجه، يخضب بالسواد، وكان أسمر طويلا نحيفا خفيف العارضين، وأمه أم ولد يقال لها: سلامة. أخبرنا عبد [الرحمن] [٥] بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا عَبْد العزيز بْن عَلِيّ الوراق، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد [بن] المفيد [٦] ، قال: حدثنا أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الأنصاري، قال: أخبرنا طاهر بن يحيى بن حسن الطالبي، عن علي بن حبيش المديني، عن علي بن ميسرة الرازي [٧] ، قال: رأيت أبا جعفر بمكة فتى أسمر اللون، رقيق السمرة، موفر الجمة [٨] ، خفيف اللحية، رحب الجبهة، أقنى الأنف بين القنى، أعين، كأن عينيه لسانان ناطقان

стр. 2563

تخالطه أبهة الملوك، بزي النساك، تقبله القلوب، وتتبعه العيون، يعرف الشرف في تواضعه [والعتق في صورته] [١] واللب في مشيته. ذكر أولاده [كان له] [٢] المهدي واسمه محمد، وجعفر، أمهما أروى بنت منصور بن عبد الله بن يزيد بن شمر الحميرية، وكانت تكنى أم موسى، وكان المنصور قد شرط لها ألا يتزوج عليها، ولا يتسرى، وكتبت عليه بذلك كتابا وأشهدت عليه شهودا، فبقي عليه عشر سنين من سلطانه كذلك، وكان يكتب إلى الفقيه بعد الفقيه ليفتيه برخصة، فإذا علمت أم موسى أرسلت إلى ذلك الفقيه بمال فلا يفتيه، فلما ماتت أتته وفاتها وهو بحلوان، فأهديت إليه تلك الليلة مائة بكر. ومن أولاد المنصور صالح، أمه أمة، ويقال: بنت ملك الصغد. وسليمان، وعيسى، ويعقوب، أمهم فاطمة بنت محمد من ولد طلحة بن عبيد الله. والغالية أمها من ولد خالد بن أسيد. وجعفر، والقاسم، وعبد العزيز، والعباس، فأما جعفر بن أبي جعفر فولي الموصل لأبي جعفر ومات ببغداد، فولد لجعفر إبراهيم، وزبيدة وهي أم جعفر، أمهما سلسل أم ولد جعفر بن جعفر، وعبيد الله بن جعفر، وصالح بن جعفر، ولبابة بنت جعفر. فأما إبراهيم فلا عقب له. وأما زبيدة فتزوجها هارون الرشيد، وأما لبابة فكانت عند موسى بن المهدي، وأما عيسى بن جعفر فولي البصرة وكورها وفارس والأهواز واليمامة والسند. أخبرنا [أبو] [٣] منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت، قال: أَخْبَرَنَا القاضي أَبُو العلاء مُحَمَّد بْن عَلي بن يعقوب الواسطي، قال: أخبرنا أبو الحسين علي بن عمر الحافظ، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى الهاشمي، قال: حدثني عبد الصمد، قال: حدثني أبي موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، عن أبيه محمد بن إبراهيم، قال [٤] :

стр. 2564

قال المنصور يوما ونحن جلوس عنده: أتذكرون رؤيا كنت رأيتها ونحن بالشراة؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين ما نذكرها، فغضب من ذلك، وقال: كان ينبغي لكم أن تثبتوها في ألواح الذهب وتعلقوها في أعناق الصبيان، فقال عيسى بن علي: إن كنا قصرنا في ذلك فنستغفر الله يا أمير المؤمنين، فليحدثنا أمير المؤمنين بها، قال: نعم، رأيت كأني في المسجد الحرام، وكأن رسول الله ﷺ في الكعبة وبابها مفتوح والدرجة موضوعة، وما أفقد أحدا من الهاشميين ولا من القرشيين، إذا مناد ينادي: أين عبد الله؟ فقام أخي أبو العباس فتخطى الناس حتى صار على الدرجة، فأخذ بيده فأدخل البيت، فما لبث أن خرج علينا ومعه قناة عليها لواء قدر أربعة أذرع وأرجح، فرجع حتى خرج من باب المسجد، ثم نودي: أين عبد الله؟ فقمت أنا وعبد الله بن علي نستبق حتى صرنا إلى الدرجة، فجلس فأخذ بيدي فأصعدت فأدخلت الكعبة، وإذا رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر وبلال. فعقد لي وأوصاني بأمته وعممني، وكان كورها ثلاثة وعشرين كورا، وقال: خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة. أخبرنا ابن ناصر الحافظ، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قَالَ: أخبرنا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عبد الرحيم المازني، قَالَ: حدثنا أَبُو علي الحسين بْن القَاسِم الكوكبي، قَالَ: حدثنا أبو سهل [بن] [١] علي بن نوبخت قال: كان جدنا نوبخت على دين المجوسية، وكان في علم النجوم نهاية وكان محبوسا بسجن الأهواز، فقال [٢] : رأيت أبا جعفر المنصور وقد أدخل السجن، فرأيت من هيبته وحالته وسيماه وحسن وجهه وثيابه ما لم أره لأحد قط. قال: فصرت من موضعي إليه فقلت: يا سيدي ليس وجهك من وجوه هذه البلاد، فقال: أجل يا مجوسي قلت: فمن أي البلاد أنت؟ فقال: من المدينة، فقلت: أي مدينة؟ فقال: مدينة النبي ﷺ ، فقلت: وحق الشمس والقمر إنك لمن ولد صاحب المدينة، قال: لا ولكنني من عرب المدينة. قال: فلم أزل أتقرب إليه وأخدمه حتى سألته عن كنيته، فقال: كنيتي أبو جعفر، قلت: أبشر فو حقّ المجوسية لتملكن جميع ما في هذه البلدة حتى تملك

стр. 2565

فارس وخراسان والجبال، فقال لي: وما يدريك يا مجوسي؟ قلت: هو كما أقول فاذكر لي هذه البشرى، قال: إن قضي شيء فسوف يكون، قال: فقلت: قد قضاه الله من السماء فطب نفسا، فطلبت دواة فوجدتها فكتب لي: بسم الله الرحمن الرحيم، يا نوبخت إذا فتح الله على المسلمين، وكفاهم مئونة الظالمين، ورد الحق إلى أهله لم نغفل عما يجب من حق خدمتك إيانا. وكتب: أبو جعفر. قال نوبخت: فلما ولي الخلافة صرت إليه وأخرجت الكتاب، فقال: أنا له ذاكر ولك متوقع، والحمد للَّه الذي صدق وعده وحقق الظن ورد الأمر إلى أهله. وأسلم نوبخت وكان منجما لأبي جعفر ومولى. ذكر بيعة المنصور لما حضرت السفاح الوفاة أمر الناس بالبيعة لأخيه المنصور، فبويع له يوم توفي أخوه والمنصور يومئذ بمكة،. وكان الذي أخذ له البيعة بالعراق، وقام بأمر الناس عمه عيسى بن علي، وكتب إليه يعلمه بموت أخيه وبالبيعة له، فلما وصل الكتاب إليه دعا الناس فبايعوه وبايعه أبو مسلم. [وقيل: بل عرف الخبر أبو مسلم] [١] ، قبله، فأنفذ الكتاب إليه وتأخر عن بيعته يومين ليرهبه. وفي رواية: أنه ورد عليه الخبر بعد ما صدر من الحج في منزل يقال له: صفية، فتفاءل باسمه، وقال: صفي أمرنا إن شاء الله. وجعل يجزع، فقال له أبو مسلم: ما هذا الجزع؟ قال: أتخوف من شر عبد الله بن علي وسعيد بن علي، قال: لا تخف وأنا أكفيك أمره إن شاء الله، إنما عامة جنده أهل خراسان وهم لا يعصوني، فسري عن أبي جعفر، وكان عبد الله بن علي قد قدم في هذه السنة على أبي العباس الأنبار، فعقد له على الصائفة في أهل خراسان وأهل الشام، وأهل الجزيرة والموصل، فسار فأتته وفاة أبي العباس، وبعث إليه عيسى بن علي، وأبو الجهم بن يزيد بن زياد ببيعة المنصور، فانصرف بمن معه إلى حرّان وبايع لنفسه.

стр. 2566

ذكر طرف من أخبار المنصور وسيرته كان المنصور قبل الخلافة يطلب العلم. أنبأنا زاهر بن طاهر، قَالَ: أخبرنا أبو عُثْمَانَ الصَّابُونِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، قَالا: أَخْبَرَنَا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن الحسين، قال: حدثنا محمد بن سعد الجلاب، قال: حدثنا الجارود بن يزيد، قال: حدثنا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ الأَفْرِيقِيِّ، قال: كنت أطلب العلم مع أبي جعفر أمير المؤمنين قبل الخلافة، فأدخلني يوما إلى منزله ثم قدم طعاما ومريقة من حبوب ليس فيها لحم، ثم قدم إلي زبيبا ثم قال: يا جارية عندك حلواء؟ قالت: لا، قال: ولا التمر؟ قالت: ولا التمر، فاستلقى ثم تلى هذه الآية: (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ في الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) ٧: ١٢٩ [١] . فلما ولي الخلافة دخلت عليه، فقال: يا عبد الرحمن، بلغني أنك كنت تفد لبني أمية، قال: قلت: أجل كنت أفد لهم وأفد إليهم. قال: فكيف رأيت سلطاني من سلطانهم؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، والله ما رأيت من سلطانهم من الجور والظلم إلا رأيته في سلطانك، تحفظ يوم أدخلتني منزلك فقدمت إلي طعاما ومريقة من حبوب لم يكن فيها لحم، ثم قدمت إلي زبيبا ثم قلت: يا جارية عندك حلواء؟ قالت: لا، قلت: ولا التمر، قالت: ولا التمر. فاستلقيت ثم تلوت هذه الآية: (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ في الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) ٧: ١٢٩ فقد والله أهلك الله عدوك، واستخلفك في الأرض، فانظر ماذا تعمل، قال: يا عبد الرحمن، إنا لا نجد الأعوان، قلت: يا أمير المؤمنين، السلطان سوق نافق لو نفق عليك الصالحون لجلبوا إليك. قال: فكأني ألقمته حجرا، فلم يرد علي شيئا. أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: أخبرنا عبد المحسن بن محمد المالكي، قَالَ: أَخْبَرَنَا [أَبُو] [٢] الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا المعافى بن زكريا، قال: حدّثنا

стр. 2567

الحسين بن القَاسِم الكوكبي، قال: حدثنا أبو الفضل الربعي، قال: حدثني أبي، قال: بينا المنصور ذات يوم يخطب وقد علا بكاؤه إذ قام رجل، فقال: يا وصاف تأمرنا بما تجتنبه، وتنهى عما ترتكبه، بنفسك فابدأ ثم بالناس. فنظر إليه المنصور ثم تأمله مليا ثم قطع الخطبة وقال: يا عبد الجبار خذه إليك، فأخذه عبد الجبار وعاد إلى خطبته فأتمها [١] ، وقضى الصلاة ثم دخل، ودعى بعبد الجبار فقال: ما فعل الرجل؟ فقال: محبوس عندنا يا أمير المؤمنين، قال: أمل له [ثم اعرض له] [٢] بالدنيا فإن عزف عنها فلعمري إنه لمريد [للآخرة] [٢] ، وإن كان كلامه ليقع موقعا حسنا، وإن مال إلى الدنيا ورغب فيها إن لي فيه أدبا يزعه عن الوثوب على الخلفاء وطلب الدنيا بعمل الآخرة. فخرج عبد الجبار فدعا بالرجل ودعا بغذائه، فقال [له] [٢] : ما حملك على ما صنعت؟ قال: حق للَّه كان في عنقي فأديته إلى خليفته، قال: إذا، فكل، قال: لا حاجة لي فيه، قال: وما عليك من أكل الطعام إن كانت نيتك حسنة، فدنا فأكل، فلما أكل طمع فيه، فتركه أياما ثم دعاه فقال: لهى عنك أمير المؤمنين وأنت محبوس، فهل لك في جارية تؤنسك وتسكن إليها؟ قال: ما أكره ذلك. فأعطاه جارية، ثم أرسل إليه: هذا الطعام قد أكلت، والجارية قد قبلت، فهل لك في ثياب تكتسيها وتكسو عيالك إن كان لك عيال، ونفقة تستعين بها على أمرك إلى أن يدعو بك أمير المؤمنين إن أردت الوسيلة عنده إذا ذكرك، قال: وما هي؟ قال: أوليك الحسبة والمظالم، فتكون أحد عماله، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر [٣] ، قال: ما أكره ذلك. فولاه الحسبة والمظالم، فلما أتى عليه شهر قال عبد الجبار للمنصور: الرجل الذي تكلم بما تكلم به فأمرت بحبسه قد أكل من طعام أمير المؤمنين ولبس من ثيابه، وعاش في نعمته، وصار أحد ولاته، فإن أحب أمير المؤمنين أن أدخله عليه [٤] في زي الشيعة فعلت. قال: فأدخله.

стр. 2568

فخرج عبد الجبار فقال: قد دعا بك أمير المؤمنين وقد أعلمته أنك أحد عماله على المظالم والحسبة، فأدخل عليه في الزي الذي يحب. فألبسه قباء، وعلق خنجرا في وسطه وسيفا بمعاليق، وأسبل جمته، ودخل فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: وعليك، ألست القائم بنا والواعظ لنا ومذكرنا بأيام الله على رءوس الملأ؟ قال: نعم، قال: فكيف تخليت [١] عن مذهبك؟ قال: يا أمير المؤمنين، فكرت في أمري فإذا أنا [قد] [٢] أخطأت فيما تكلمت به، ورأيت أني مصيب في مشاركة أمير المؤمنين في أمانته، قال: هيهات أخطأت استك الحفرة هناك يوم أعلنت الكلام وظننا أنك أردت الله به فكففنا عنك، فلما تبين لنا أنك أردت الدنيا جعلناك عظة لغيرك حتى لا يجترئ بعدك مجترئ على الخلافة، أخرجه يا عبد الجبار فاضرب عنقه، فأخرجه فقتله. أخبرنا عبد الرحمن القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت، قال: أخبرني أَبُو الفضل مُحَمَّد بْن عبد العزيز بْن المهدي [الخطيب] [٣] قال: حدثنا الحسن بن محمد بن القاسم المخزومي، قال: حدثنا أحمد بن موسى بن مجاهد، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا الأصمعي، قال: [٤] صعد أبو جعفر المنبر فقال: الحمد للَّه، أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريك له. فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، أذكرك من أنت في ذكره، فقال أبو جعفر: مرحبا مرحبا، لقد ذكرت جليلا، وخوفت عظيما، وأعوذ باللَّه ممن إذا قيل له: اتق الله، أخذته العزة بالإثم، والموعظة منا بدت، ومن عندنا خرجت، وأنت يا قائلها فاحلف باللَّه ما الله أردت بها، إنما أردت أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر، وأهون بها من قائلها، وإياكم معشر الناس وأمثالها. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فعاد إلى خطبته كأنما يقرأها من قرطاس. وكان [٥] المنصور يشتغل في صدر نهاره بالأمر والنهي والولايات، وسجن

стр. 2569

الثغور والأطراف، والنظر في الخراج والنفقات ومصالح الرعية. فإذا صلى العصر جلس لأهل بيته، فإذا صلى العشاء نظر فيما ورد عليه من كتب الثغور والأطراف، وشاور سماره، وكانت ولاه البريد يكتبون إليه كل يوم بسعر القمح، والحبوب والإدام، وكل ما يقضي به القاضي في نواحيهم، وما يرد بيت المال وكل حدث، فإذا صلى المغرب يكتبون إليه بما كان ذلك اليوم، وإذا نظر في كتبهم، فإن رأى الأسعار على حالها أمسك، وإن تغير شيء منها كتب إلى العامل هناك وسأله عن العلة، فإذا ورد الجواب تلطف حتى يعود سعر ذلك البلد إلى حاله، وإن شك في شيء مما قضى به القاضي كتب إليه في ذلك وسأل [١] من بحضرته عن علمه، فإن أنكر شيئا كتب إليه يوبخه ويلومه. فإذا مضى ثلث الليل قام إلى فراشه وانصرف سماره، فإذا مضى الثلث الباقي قام من فراشه، فأسبغ الوضوء [٢] ووقف في محرابه حتى يطلع الفجر. وأول من اتخذ الخيش المنصور، وإنما كانت الأكاسرة تطين لها في الصيف سقف بيت في كل يوم، فتكون قائلة الملك فيه، وكان يؤتى بأطنان الخلاف طوالا غلاظا فيوضع حوالي السرير، ويؤتى بقطع الثلج العظام ما بين أضعافها، وكانت بنو أمية تفعل ذلك، فاتخذ المنصور الخيش. وشكى إليه رجل من بعض عماله في قصة فوقع عليها: أكفني أمره وإلا كفيته أمرك. ووقع إلى عامل آخر: قد كثر شاكوك وقل شاكروك [٣] فإما اعتدلت وإما اعتزلت. قال أبو بكر الصولي: أول من وزر لبني العباس أبو سلمة الخلال، ثم خالد بن برمك، فلما توفي السفاح أقره المنصور مديدة، ثم استوزر أبا أيوب سليمان بن أبي سليمان المورياني [٤] ، ثم ولى الفضل [٥] بن الربيع بن يونس بعد أبي أيوب.

стр. 2570

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا الحسين بن محمد أخو الخلال، قال: أخبرني إبراهيم بن عبد الله الشطي، قال: حدثنا أبو إسحاق الهجيمي، قال: حدثنا محمد بن القاسم أبو العيناء، قال: قال لي إسماعيل بن بريهة عن بعض أهله، عن الربيع الحاجب، قال [١] : لما مات المنصور قال لي المهدي: يا ربيع، قم بنا حتى ندور في خزائن أمير المؤمنين، قال: فدرنا فوقعنا على بيت فيه أربعمائة جب مطينة الرءوس. قال: قلنا: ما هذه؟ قيل: هذه فيها أكباد مملحة أعدها المنصور للحصار. أنبأنا محمد بن عبد الباقي، عن [أحمد بن ثابت بن علي الخطيب] [٢] عن أبي القاسم بن علي البصري، عن إبراهيم بن محمد الطبري، قال: أخبرنا إبراهيم بن علي الهجيمي، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: دخل المنصور في باب الذهب، فإذا ثلاثة قناديل مصطفة، فقال: ما هذا، أما واحد من هذا كان كافيا؟ يقتصر من هذا على واحد. قال: فلما أصبح أشرف على الناس وهم يتغدون، فرأى الطعام قد خف من بين أيديهم قبل أن يشبعوا، فقال: [يا غلام، عليّ بالقهرمان، قال: ما لي رأيت الطعام قد خف من بين أيديهم قبل أن يشبعوا] [٣] قال: يا أمير المؤمنين، رأيتك قد قدرت الزيت فقدرت الطعام، فقال: ويلك، أنت لا تفرق بين زيت يحترق في غير ذات الله، وبين طعام إذا فضل وجدت له آكلا، أبطحوه، فبطحوه فضربه سبع درر. أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي، قال: أنبأنا أَبُو غالب مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سهل بن بشران، قال: أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن دينار الكاتب، قال: أخبرنا أَبُو الْفَرَجِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأصفهاني، قال: أخبرنا حبيب بن نصر المهلبي، قال: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بن أبي سعد، قَالَ: حدثني عبد الله بن الحسن الحراني، قال: حدثني أبو قدامة، قال: حدثني المؤمل بن أميل، قال: قدمت على المهدي وهو بالري وهو إذ ذاك ولي عهد فامتدحته بأبيات فأمر لي

стр. 2571

بعشرين ألف درهم، فكتب بذلك صاحب البريد إلى المنصور وهو بمدينة السلام يخبره أن الأمير المهدي أمر لشاعر بعشرين ألف درهم، فكتب إلى كاتب المهدي أن يوجه [إليه] [١] بالشاعر، فطلب فلم يجدوه، فكتب إلى أبي جعفر: إنه قد توجه إلى مدينة السلام، فأجلس المنصور قائدا من قواده عند جسر النهروان، وأمر أن يتصفح وجوه الناس رجلا رجلا، فجعل لا تمر به قافلة إلا تصفح من فيها حتى مرت به القافلة التي فيها المؤمل، فتصفحه، فلما سأله: من أنت؟ قال: أنا المؤمل بن أميل المحاربي الشاعر أحد زوار الأمير المهدي، قال: إياك طلبت. قال المؤمل: فكاد قلبي ينصدع خوفا من أبي جعفر، فقبض علي وسلمني إلى الربيع، فدخل بي إلى أبي جعفر، وقال: هذا الشاعر الذي أخذ من الأمير المهدي عشرين ألف درهم قد ظفرنا به، قال: أدخلوه إلي. فأدخلت فسلمت عليه تسليم مروع، فرد عليّ السلام، وقال: ليس هاهنا إلا خير، أنت المؤمل بن أميل؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين أنا المؤمل بن أميل، قال: أتيت غلاما غرا فخدعته، قلت: نعم، أصلح الله أمير المؤمنين، أتيت غلاما غرا كريما فخدعته فانخدع، قال: فكان ذلك أعجبه، فقال: أنشدني ما قلت فيه، فأنشدته ما قلت، وهي: هو المهدي إلا أن فيه ... مشابه صورة القمر المنير تشابه ذا وذا فهما إذا ما ... أنارا يشعلان على البصير فهذا في الظلام سراج ليل ... وهذا في النهار ضياء نور ولكن فضل الرحمن هذا ... على ذا بالمنابر والسرير وبالملك العزيز فذا أمير ... وماذا بالأمير ولا الوزير ونقص الشهر ينقص ذا وهذا ... منير عند نقصان الشهور فيا ابن خليفة الله المصفى ... به تعلو مفاخرة الفخور لئن فت الملوك وقد توافوا ... إليك من السهولة والوعور لقد سبق الملوك أبوك حتى ... بقوا من بين كاب أو حسير وجئت مصليا تجزي حثيثا ... وما بك حين تجزي من فتور فقال الناس ما هذان إلا ... كما بين الفتيل إلى النصير

стр. 2572

فإن سبق الكبير فأهل سبق ... له فضل الكبير على الصغير وإن بلغ الصغير مدى الكبير ... فقد خلق الصغير من الكبير فقال له المنصور: قد والله أحسنت ولكن هذا لا يساوي عشرين ألف درهم، فأين المال؟ قال: ها هو ذا، قال: يا ربيع امض معه فأعطه أربعة آلاف درهم وخذ منه الباقي، ففعل الربيع ما أمره به المنصور. ثم إن المهدي ولي الخلافة بعد ذلك فولى ابن ثوبان المظالم، فكان يجلس للناس بالرصافة، [فإذا ملأ كساءه رقاعا رفعها إلى المهدي] [١] فرفعت إليه لي قصة، فلما دخل [بها] [١] ابن ثوبان جعل المهدي ينظر في الرقاع حتى وصل إلى رقعتي، فلما قرأها ضحك، فقال له ابن ثوبان: أصلح الله أمير المؤمنين، ما رأيتك ضحكت من شيء من هذه الرقاع إلا من هذه الرقعة، فقال: نعم، هذه رقعة أعرف قصتها، ردوا إليه عشرين ألف درهم، فردها إلي وانصرفت. وقد رويت لنا هذه القصة من طريق آخر، وفيها: وكتبت [قصة] [٢] أشرح فيها ما جرى علي، فرفعها ابن ثوبان إلى المهدي، فلما قرأها ضحك حتى استلقى، ثم قال: هذه مظلمة أنا بها عارف، ردوا عليه ماله الأول، وضموا إليه عشرين ألفا. أخبرنا عبد الرحمن، قَالَ أخبرنا أحمد بن علي، قال: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عمر بْن روح، قَالَ: أَخْبَرَنَا المعافى بْن زكريا [قَالَ: حَدَّثَنَا ابن دريد] [٢] ، قال: حدثنا الحسن بن خضر، عن أبيه، قال [٣] : دخل رجل على المنصور، فقال: أقول له حين واجهته ... عليك السلام أبا جعفر فقال المنصور: وعليك السلام، فقال: فأنت المهذب من هاشم ... وفي الفرع منها الذي يذكر فقال له المنصور: ذاك رسول الله ﷺ ، فقال: فهذي ثيابي قد أخلقت ... وقد عضني زمن منكر.

стр. 2573

فألقى إليه المنصور ثيابه وقال: هذه بدلها. وذكر الصولي عن الهيثم بن عدي، قال: كان المنصور يبخل إلا في الطيب، فإنه كان يأمر أهله به، فكان يشتري في رأس كل سنة اثني عشر ألف مثقال من سائره، فيتطيب كل شهر بألف مثقال يخضب به رأسه ولحيته. وقال يحيى بن سليم كاتب الفضل بن الربيع: ولم ير في دار المنصور لهو قط ولا شيء يشبة اللعب والعبث. وقال حماد التركي: كنت واقفا على رأس المنصور فسمع جلبة في الدار، فقال: ما هذا يا حماد انظر؟ فذهبت فإذا خادم له قد حبس حوله الجواري وهو يضرب لهن الطنبور وهن يضحكن، فجئت فأخبرته، فقال: وأي شيء الطنبور؟ فقلت: خشبة من حالها وصفتها، فقال: فما يدريك أنت ما الطنبور، قلت: رأيته بخراسان، فقال: هات نعلي، فأتيته بها، فقام يمشي رويدا حتى أشرف عليهم، فلما بصروا به تفرقوا [١] ، فقال: خذه، فأخذته، فقال: اضرب به رأسه، فلم أزل أضرب به رأسه حتى كسرته، ثم قال: أخرجه من قصري واذهب به إلى حمران بالكرخ، وقل له يبيعه. وقال سالم الأبرش: كان المنصور من أحسن الناس، فإذا لبس ثيابه تغير لونه، وتربد وجهه فاحمرت عيناه ويكون منه ما يكون، فإذا قام من مجلسه رجع بمثل ذلك. وقال يوما: يا بني إذا رأيتموني قد لبست ثيابي ورجعت من مجلسي فلا يدنون أحد منكم مني لئلا أغره بشر. ذكر طرف من كلامه أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا محمد بن الحسين الجازري، قال: حدثنا المعافى بن زكريا، قال: حدثنا محمد بن أبي الأزهر، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مبارك الطبري، قال: سمعت أبا عبيد الله يقول: سمعت المنصور يقول: الخليفة لا يصلحه إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا

стр. 2574

يصلحها إلا العدل، وأولى [الناس] [١] بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: أَخْبَرَنَا إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال: أخبرنا أبو العباس المنصوري عن القثمي، عن مبارك الطبري قال: سمعت أبا عبيد الله يقول: سمعت المنصور يقول للمهدي: يا أبا عبد الله لا تجلس مجلسا إلا ومعك فيه رجل من أهل العلم يحدثك، فإن محمد بن مسلم بن شهاب قال: إن الحديث ذكر لا يحبه إلا الذكور من الرجال، ويكرهه مؤنثوهم، وصدق أخو بني زهرة. وكان المنصور يقول: ما أحوجني أن يكون على بابي أربعة نفر، لا يكون على بابي أعف منهم، قيل: يا أمير المؤمنين، من هم؟ قال: هم أركان الملك ولا يصلح الملك إلا بهم، كما إن السرير لا يصلح إلا بأربعة قوائم، إن نقصت قائمة واحدة فقد وهي [٢] ، أما احدهم: فقاض لا يأخذه في الله لومة لائم، والآخر: صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، والثالث: صاحب خراج يستقضي ولا يظلم الرعية فإني غني عن ظلمهم. ثم عض أصبعه السبابة ثلاث مرات يقول في كل مرة: آه آه على الرابع [٣] فقيل له: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: صاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء على الصحة. وكتب أبو جعفر إلى عامله بالمدينة: أن بع الثمار التي في الضياع، ولا تبعها إلا ممن نغلبه ولا يغلبنا، والذي يغلبنا المفلس الذي لا مال له ولا رأي لنا في عذابه ويذهب مالنا قبله، وبعها بدون من ذلك ممن ينصفك ويوفيك. قال المنصور: كانت العرب تقول: العري الفادح خير من الزي الفاضح. وقال أيضا: الملوك تحتمل كل شيء إلا ثلاثا: إفشاء السر، والتعرض للحرمة، والقدح في الملك [٤] .

стр. 2575

وقال: سرك من دمك فانظر من تملكه. وقال: من صنع مثل ما صنع إليه فقد كافى، ومن أضعف فقد شكر، ومن علم أنه إنما صنع إلى نفسه لم يستبطئ الناس في شكرهم، ولا تلتمس من غيرك شكر [١] ما أتيته إلى نفسك، ووقيت به عرضك، واعلم أن طالب الحاجة إليك لم يكرم وجهه عن قصدك [٢] فأكرم وجهك عن رده. أنبأنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن صرما، قال: أنبأنا أبو الحسين بن المهتدي، قال: حدثنا أبو حاتم محمد بن عبد الواحد بن محمد بن زكريا الخزاعي، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بكر أَحْمَد بن مُحَمَّد العنبري، قال: سمعت الفضل بن الحارث، يقول: سمعت محمد بن سلام الجمحي يقول: قيل للمنصور: هل بقي من ذات الدنيا شيء لم تنله؟ قال: بقيت خصلة، أن أقعد في مصطبة وحولي أصحاب الحديث، فيقول المستملي: من ذكرت رحمك الله؟ قال: فغدا عليه الندماء وأبناء الوزراء بالمحابر والدفاتر، فقال: لستم هم، إنما هم الدنسة ثيابهم، المشققة أرجلهم، الطويلة شعورهم، برد الآفاق ونقلة الحديث. وفي هذه السنة: حج بالناس أبو جعفر، وكان على الكوفة عيسى بن موسى، وعلى قضائها ابن أبي ليلى، وعلى البصرة وعملها سليمان بن علي، وعلى قضائها عباد بن منصور، وعلى مكة العباس بن عبد الله بن معبد، وعلى مصر صالح بن علي. ورخصت الأسعار. فأَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو الحسن بن رزقويه [٣] ، قال: أخبرنا جعفر الخلدي، قال: أخبرنا الفضل بن مخلد، قال: سمعت داود بن صغير يقول: رأيت زمن أبي جعفر كبشا بدرهم، وحملا بأربع دوانيق، والتمر ستين رطلا بدرهم، والزيت ستة عشر رطلا بدرهم، والسمن ثمان أرطال بدرهم.

стр. 2576

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٧٣٢- ربيعة بن أبي عبد الرحمن واسمه فروخ [١] ، مولى آل المنكدر التيمي، تيم قريش، الذي يقال له: ربيعة الرأي، ويكنى ربيعة أبا عثمان، ويقال: أبا عبد الرحمن، مديني [٢] : سمع من أنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وعامة التابعين من أهل المدينة. روى عنه مالك، وسفيان الثوري، وشعبة، والليث بن سعد، وغيرهم. وكان عالما فقيها ثقة، وأقدمه السفاح الأنبار ليوليه القضاء. وقال يونس بن يزيد: رأيت أبا حنيفة، عند ربيعة ومجهود أبي حنيفة أن يفهم ما يقول. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن إبراهيم بن شاذان، قال: أخبرنا أحمد بن مروان المالكي، قال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، قال: حدثني مشيخة أهل المدينة [٣] : أن فروخا أبا عبد الرحمن خرج في البعوث إلى خراسان أيام بني أمية غازيا، وربيعة حمل في بطن أمه، وخلف عند زوجته أم ربيعة ثلاثين ألف دينار، فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة، وهو راكب فرسا، وفي يده رمح، فنزل عن فرسه ثم دفع الباب برمحه، فخرج ربيعة، فقال له: يا عدو الله، أتهجم على منزلي؟ فقال: لا، وقال فروخ: يا عدو الله، أنت دخلت على حرمتي، فتواثبا وتلبب كل واحد منهما بصاحبه حتى اجتمع الجيران، فبلغ مالك بن أنس والمشيخة، فأتوا يعينون ربيعة، فجعل ربيعة يقول: والله لا فارقتك إلا عند السلطان، وجعل فروخ يقول: والله لا فارقتك إلا

стр. 2577

بالسلطان وأنت مع امرأتي، وكثر الضجيج، فلما بصروا بمالك سكت الناس كلهم، فقال: أيها الشيخ لك سعة في غير هذه الدار، فقال الشيخ: هي داري، وأنا فروخ مولى بني فلان، فسمعت امرأته كلامه فخرجت، فقالت: هذا زوجي، وهذا ابني الذي خلفه [١] وأنا حامل به، فاعتنقا جميعا وبكيا، فدخل فروخ المنزل وقال: هذا ابني؟ قالت: نعم، قال: فأخرجي المال الذي [لي] [٢] عندك، وهذه معي أربعة آلاف دينار، فقالت: المال قد دفنته وأنا أخرجه بعد أيام. ثم خرج ربيعة إلى المسجد وجلس في حلقته، وأتاه مالك بن أنس، والحسن بن زيد، وابن أبي علي اللهبي [٣] ، والمساحقي، وأشراف أهل المدينة، وأحدق الناس به، فقالت امرأته: اخرج فصل في مسجد الرسول ﷺ ، فخرج فنظر إلى حلقة وافرة، فأتاها فوقف بها وفرجوا له قليلا، ونكس ربيعة رأسه وأوهمه أنه لم يره، وعليه طرحة طويلة، فشك فيه أبو عبد الرحمن، فقال: من هذا الرجل؟ فقالوا له: هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فقال أبو عبد الرحمن: لقد رفع الله ابني، ثم رجع إلى منزله، فقال لوالدته: لقد رأيت ولدك في حالة ما رأيت أحدا من أهل العلم والفقه عليها، فقالت أمه: فأيما أحب إليك؟ ثلاثون ألف دينار، أو هذا الجاه الّذي هو فيه؟ فقال: لا والله إلا هذا، قالت: فإني أنفقت المال كله عليه، قال: فو الله ما ضيعتيه. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي [بن ثابت] [٤] الحافظ، قال: أَخْبَرَنَا القاضي أَبُو العلاء الواسطي، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن جعفر التميمي، قال: حدثنا أحمد بن محمد أبو سعيد النيسابوري، قال: حدثنا الحسن بن صاحب بن حميد، قال: سمعت أبا سلمة الصنعاني الفقيه، يقول: سمعت بكر بن عبد الله بن الشرود الصنعاني، يقول [٥] : أتينا مالك بن أنس، فجعل يحدثنا عن ربيعة الرأي، فكنا نستزيده من حديث ربيعة، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة؟ هو نائم في ذاك الطاق، فأتينا ربيعة

стр. 2578

فأنبهناه، فقلنا له: أنت ربيعة بن أبي عبد الرحمن؟ قال: نعم، قلنا: ربيعة بن فروخ؟ قال: بلى، قلنا: ربيعة الرأي؟ قال: نعم، قلنا: الذي يحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم، قلنا: كيف حظي بك مالك ولم تحظ أنت بنفسك؟ قال: أما علمتم أن مثقالا من دولة خير من حمل علم. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا ابن الفضل، قال: حدثنا عبد الله [١] بن جعفر، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثني محمد بن أبي بكر [٢] ، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال مالك [٣] : لما قدم ربيعة بن أبي عبد الرحمن على أمير المؤمنين أبي العباس أمر له بجائزة فأبى أن يقبلها، فأعطاه خمسة آلاف درهم ليشتري بها جارية، فأبى أن يقبلها. قال ابن وهب: وحدثني مالك، عن ربيعة، قال [٤] : قال لي حين أراد الخروج إلى العراق: إن سمعت أني حدثتهم شيئا أو أفتيتهم فلا تعدني شيئا، قال: فكان كما قال، لما قدمها لزم بيته فلم يخرج إليهم ولم يحدثهم بشيء حتى رجع. أخبرنا عبد الرحمن، [قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال] [٥] : أخبرنا الأزهري، والجوهري، قالا: حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثنا سليمان بن إسحاق الجلاب، قال: حدثنا الحارث بن محمد بن مطرف، قال: أخبرنا مطرف بن عبد الله، قال: سمعت مالك بن أنس يقول [٦] : ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة الرأي. توفي ربيعة بالمدينة، وقيل: بالأنبار في هذه السنة.

стр. 2579

٧٣٣- عبد الله السفاح، أبو العباس [١] : كانت وفاته بالجدري. أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن [٢] بن محمد [الْقَزَّازُ] [٣] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ [٤] بْنُ عَلي بْن ثَابِت، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسين بْن محمد بن طاهر الدقاق، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بن المكتفي، قال: حدثنا جحظة، قال: قال جعفر بن يحيى: نظر أمير المؤمنين السفاح في المرآة وكان من أجمل الناس وجها، فقال: اللَّهمّ إني لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك: أنا الملك الشاب، ولكني أقول: اللَّهمّ عمرني طويلا في طاعتك ممتعا بالعافية. فما استتم كلامه حتى سمع غلاما يقول لغلام آخر: الأجل بيني وبينك شهران وخمسة أيام، فتطير من كلامه، وقال: حسبي الله، لا قوة إلا باللَّه، عليه توكلت، وبه أستعين، فما مضت إلا أيام حتى أخذته الحمى، فجعل يوم يتصل إلى يوم حتى مات بعد شهرين وخمسة أيام. أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرني الحسن بن محمد الخلال، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عمران، قال: حدثنا محمد بْنُ سَهْلِ بْنِ الْفَضْلِ الْكَاتِبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ [أَبِي] [٥] سَعْدٍ، قَالَ: ذكر مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ الْخُزَاعِيُّ [٦] : إِنَّ الرَّشِيدَ قَالَ لابْنِهِ: كَانَ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ رَاهِبَنَا وَعَالِمَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، وَلَمْ يَزَلْ فِي خِدْمَةِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِي بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، ثُمَّ خَدَمَ [أَبَا] [٧] عَبْدِ اللَّهِ إِلَى حِينِ وَفَاتِهِ، ثُمَّ إِبْرَاهِيمَ الإِمَامَ، وَأَبَا الْعَبَّاسِ، وَالْمَنْصُورَ، فَحَفِظَ جَمِيعَ أخبارهم وسيرهم

стр. 2580

وَأُمُورَهُمْ. وَكَانَ قُرَّةَ عَيْنِهِ فِي الدُّنْيَا ابْنُهُ إِسْحَاقُ، فَلَيْسَ فِينَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَعْلَمُ بِأَمْرِنَا مِنْ إِسْحَاقَ، فَاسْتَكْثِرْ مِنْهُ، وَاحْفَظْ جَمِيعَ مَا يُحَدِّثُكَ بِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَ أَبِيهِ فِي الْفَضْلِ وَإِيثَارِ الصِّدْقِ. قَالَ: فَأَعْلَمْتُهُ أَنِّي قَدْ سَمِعْتُ مِنْهُ شَيْئًا كَثِيرًا، فَقَالَ لِي: هَلْ سَمِعْتَ خَبَرَ وَفَاةِ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ؟ فَقُلْتُ: نعم، فقال: قد سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ، فَحَدِّثْنِي مَا حَدَّثَكَ بِهِ [إِسْحَاقُ لأَنْظُرَ أَيْنَ هُوَ مِمَّا حَدَّثَنِي بِهِ أَبُوهُ. فَقَالَ: حَدَّثَنِي] [١] إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ دَخَلَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ وَهُوَ فِي مَدِينَتِهِ بِالأَنْبَارِ [٢] ، قَالَ إِسْحَاقُ: قَالَ أَبِي: وَكُنْتُ قَدْ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ أَيَّامًا لَمْ أَرْكَبْ إِلَيْهِ فِيهَا، فعاتبني على تخلفي عنه، فأعلمته أَنِّي كُنْتُ أَصُومُ مُنْذُ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ [٣] ، فَقَبِلَ عُذْرِي وَقَالَ لِي: أَنَا في يومي هذا صَائِمٌ، فَأَقِمْ عِنْدِي لِتُقْضِيَنِي فِيهِ بِمُحَادَثَتِكَ [إِيَّايَ مَا فَاتَنِي مِنْ مُحَادَثَتِكَ] [٤] فِي الأَيَّامِ الَّتِي تَخَلَّفْتَ عَنِّي فِيهَا، ثُمَّ نَخْتِمُ ذَلِكَ بِإِفْطَارِكَ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ إِلَى أَنْ تَبَيّنْتُ النُّعَاسَ فِي عينه [قد غلب عَلَيْهِ] [٥] ، فَنَهَضْتُ [٦] عَنْهُ وَاسْتَمَرَّ بِهِ النَّوْمُ فَمِلْتُ [٧] بَيْنَ الْقَائِلَةِ فِي دَارِهِ، وَبَيْنَ الْقَائِلَةِ فِي داري، فمالت نَفْسِي إِلَى الانْصِرَافِ إِلَى مَنْزِلِي وَقِلْتُ إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ ثُمَّ رَكِبْتُ إِلَى دَارِهِ [٨] ، فَوَافَيْتُ إِلَى بَابِ الرَّحْبَةِ الْخَارِجِ، فَإِذَا بِرَجُلٍ دَحْدَاحٍ حَسَنِ الْوَجْهِ مُؤْتَزِرٍ بِإِزَارٍ، مُتَرَدٍّ بِآخَرَ [٩] . فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَقَالَ: هَنَّأَ اللَّهُ الأَميرَ هَذِهِ النّعْمَة وَكُلّ نِعْمَة، الْبُشْرَى، أَنَا وَافِدُ أَهْلِ السِّنْدِ، أَتَيْت أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِسَمْعِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ وَبَيْعَتِهِمْ، فَمَا تَمَالَكْتُ سُرُورًا أَنْ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى تَوْفِيقِهِ إِيَّايَ للانْصِرَافِ فِي أْنَ أُبَشِّرَهُ بِهَذِهِ الْبُشْرَى. فَمَا تَوَسَّطْتُ الرَّحْبَةَ حَتَّى وَافَى رَجُلٌ فِي مثل لونه وهيئته وقريب

стр. 2581

الصُّورَةِ مِنْ صُورَتِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَهَنَّأَنِي بِمِثْلِ مَا هَنَّأَنِي بِهِ ذَلِكَ، وَذكر أَنَّهُ وَافِدُ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِسَمْعِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ، فَتَضَاعَفَ سُرُورِي، وَأَكْثَرْتُ مِنْ حَمْدِ اللَّهِ عَلَى مَا وَفَّقَنِي لَهُ مِنَ الانْصِرَافِ، ثُمَّ دَخَلْتُ الدَّارَ فَسَأَلْتُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ كَانَ يَتَهَيَّأُ فِيهِ للصَّلاةِ، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ، فَابْتَدَأْتُ بِتَهْنِئَتِهِ وَأَعْلَمْتُهُ أَنِّي رَأَيْتُ بِبَابِهِ رَجُلَيْنِ أَحَدَهُمَا وَافِدَ أَهْلِ السِّنْدِ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ زَمَعٌ، وَقَالَ: الآخَرُ وَافِدُ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ بِسَمْعِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَسَقَطَ الْمِشْطُ مِنْ يَدِهِ ثَمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ كُلُّ [شَيْءٍ] [١] بَائِدٌ سِوَاهُ، نَعَيْتُ وَاللَّهِ نَفْسِي، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ الإِمَامُ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيَّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فِي مدينتي وافدان: أَحَدُهُمَا وَافِدُ السِّنْدِ، وَالآخَرُ وَافِدُ إِفْرِيقِيَّةَ بِسَمْعِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ وَبَيْعَتِهِمْ، فَلا يَمْضِي بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ حَتَّى أَمُوتَ. وَقَدْ أَتَانِي الْوَافِدَانِ، فَأَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ يَا عَمِّ فِي ابْنِ أَخِيكَ، فَقُلْتُ: كَلا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَالَ: بَلَى أَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَئِنْ كَانَتِ الدُّنْيَا حَبِيبَةً [٢] إِلَيَّ، فَصِحَّةُ الرِّوَايَةِ عن رسول الله ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهَا، وَاللَّهِ مَا كَذَبَتْ وَلا كَذَبْتُ. ثُمَّ نَهَضَ وَقَالَ لِي: لا تَبْرَحْ مِنْ مَكَانِكَ حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ، فَمَا غَابَ كثيرا حتى أذنت المؤذنون بِصَلاةِ الظُّهْرِ، فَخَرَجَ إِلَيَّ خَادِمٌ لَهُ، فَأَمَرَنِي بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِدِ وَالصَّلاةِ بِالنَّاسِ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، ورجعت إلى موضعي حتى أذنت الْمُؤَذِّنُونَ بِصَلاةِ الْمَغْرِبِ، فَخَرَجَ إِلَيَّ الْخَادِمُ فَأَمَرَنِي بِمِثْلِ ذَلِكَ. فَفَعَلْتُ وَعُدْتُ إِلَى مَكَانِي، ثُمَّ أذنت الْمُؤَذِّنُونَ بِصَلاةِ الْعِشَاءِ، فَخَرَجَ إِلَيَّ الْخَادِمُ بِمِثْلِ مَا كَانَ يَأْمُرُنِي بِهِ، فَفَعَلْتُ وَلَمْ أَزَلْ مُقِيمًا فِي مَكَانِي إِلَى أَنْ مَرَّ اللَّيْلُ، فَتَنَفَّلْتُ حَتَّى فَرَغْتُ مِنْ صَلاةِ اللَّيْلِ وَالْوَتْرِ إِلا بَقِيَّةً بَقِيَتْ مِنَ الْقُنُوتِ، فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ وَمَعَهُ كِتَابٌ، فَدَفَعَهُ إِلَيِّ حِينَ سَلَّمْتُ، فَإِذَا هُوَ [مُعْنَوَنٌ] [٣] مَخْتُومٌ [مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الرَّسُولِ وَالأَوْلِيَاءِ وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ] [٣] وَقَالَ: يَا عَمِّ، ارْكَبْ فِي غَدٍ، فصل بِالنَّاسِ [٤] فِي الْمُصَلَّى، وَانْحَرْ وَأَخْبِرْ بِعِلَّةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَكْثِرْ لُزُومَكَ دَارِي، فَإِذَا قَضَيْتُ نَحْبِي فَاكُتْم وَفَاتِي حَتَّى تَقْرَأَ هَذَا الْكِتَابَ عَلَى النَّاسِ، وَتَأْخُذَ عَلَيْهِمُ الْبَيْعَةَ لِلْمُسَمَّى فِي هَذَا

стр. 2582

الْكِتَابِ، وَإِذَا أَخَذْتَهَا وَاسْتَحْلَفْتَ النَّاسَ عَلَيْهَا بِمُؤَكِّدَاتِ الأَيْمَانِ فَانْعِ إِلَيْهِمْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَجَهِّزْهُ، وَتَوَلّ الصَّلاةَ عَلَيْهِ وَانْصَرِفْ فِي حِفْظِ اللَّهِ وَتَأَهَّبْ لِرُكُوبِكَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ وَجَدْتَ عِلَّةً، فَقَالَ: يَا عَمِّ، وَأَيُّ عِلَّةٍ هِيَ أَقْوَى وَأَصْدَقُ مِنَ الْخَبَرِ الصَّادِقِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذْتُ الْكِتَابَ وَنَهَضْتُ، فَمَا مَشَيْتُ إِلا خُطًا حَتَّى هَتَفَ بِي [هَاتِفٌ] [١] يَأْمُرُنِي بِالرُّجُوعِ، فَرَجَعْتُ، فَقَالَ لِي: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَلْبَسَكَ كَمَالا وَأَكْرَهُ أَنْ يَحُطَّكَ النَّاسُ فِيهِ، وَكِتَابِي الَّذِي فِي يَدِكَ مَخْتُومٌ، وَسَيَقُولُ لَكَ مَنْ يَحْسُدُكَ عَلَى مَا جَرَى عَلَى يَدَيْكَ مِنْ هَذَا الأَمْرِ الْجَلِيلِ انك إنما وفيت للمسمى في هَذَا الْكِتَابَ، لأَنَّ الْكِتَابَ كَانَ مَخْتُومًا وَقَدْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْكَ خَاتِمَهُ لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ أَلْسِنَةَ الْحَسَدَةِ عَنْكَ، فَخُذِ الْخَاتمَ، فو الله ما كذبت ولا كذبت، فانصرفت وتأهبت للركوب، وَرَكِبْتُ وَرَكِبَ مَعِي النَّاسُ حَتَّى صَلَّيْتُ بِأَهْلِ الْعَسْكَرِ وَنَحَرْتُ وَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ خَبَرِهِ فَقَالَ: خَبَرُ مَنْ يَمُوتُ لا مَحَالَةَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَدْتَ شَيْئًا؟ فَأَنْكَرَ عَلَيَّ قولي وكشر فِي وَجْهِي وَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ، أَقُولُ لَكَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّهُ يَمُوتُ، وَتَسْأَلُنِي عَمَّا أَجِدُ، لا تَعُدْ لِمِثْلِ هَذَا ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ عَشِيَّةَ يَوْمِ الْعِيدِ، وَكَانَ أَحْسَنَ مَنْ عَايَنَتْهُ عَيْنَايَ وَجْهًا، فَرَأَيْتُهُ وَقَدْ حَدَثَتْ فِي وَجْهِهِ وَرْدِيَّةٌ لَمْ أَكُنْ أَعْهَدُهَا فَزَادَتْ وَجْهَهُ جَمَالا، ثم بصرت بإحدى وجنتيه حَبَّةً مِثْلَ حَبَّةِ الْخَرْدَلِ، بَيْضَاءَ، فَارْتَبْتُ بِهَا، ثُمَّ صَوَّبْتُ نَظَرِي إِلَى الْوَجْنَةِ الأُخْرَى فَوَجَدْتُ فِيهَا حَبَّةً أُخْرَى، ثُمَّ أَعَدْتُ نَظَرِي إِلَى الوجنة التي عاينتها بدئا فرأيت الحبة قد صارت اثنتين، ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أَرَى الْحَبَّ يَزْدَادُ حَتَّى رَأَيْتُ فِي كُلِّ جَانِبٍ مِنْ وَجْنَتَيْهِ مِثْلَ الدِّينَارِ مِقْدَارًا حَبًّا أَبْيَضَ صِغَارًا، فَانْصَرَفْتُ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَغَلَسْتُ غَدَاةَ الْيَوْمِ الثَّانِي من أيام التَّشْرِيقِ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ هَجَرَ وَذَهَبَتْ عَنْهُ مَعْرِفَتِي وَمَعْرِفَةُ غَيْرِي، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ بِالْعَشِيِّ فَوَجَدْتُهُ قَدْ صَارَ مِثْلَ الزِّقِّ الْمَنْفُوخِ، وَتُوُفِّيَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَسَجَيْتُهُ كَمَا أَمَرَنِي، وَخَرَجْتُ إِلَى النَّاسِ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ، وَكَانَ فِيهِ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الرَّسُولِ وَالأَوْلِيَاءِ وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ قَلَّدَ الْخِلافَةَ بَعْدَهُ عَلَيْكُمْ أَخَاهُ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، وَقَدْ قَلَّدَ الْخِلافَةَ مِنْ بَعْدِ عَبْدِ اللَّهِ عِيسَى بْنِ مُوسَى إِنْ كَانَ. ثُمَّ أَخَذْتُ الْبَيْعَةَ عَلَى النَّاسِ وَجَهَّزْتُهُ وَصَلَّيْتُ عَلَيْهِ وَدَفَنْتُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلاثِينَ ومائة.

стр. 2583

فقال الرشيد: هكذا حدثني أبو العباس ما غادر إسحاق من حديث أبيه حرفا واحدا، فاستكثروا من الاستماع منه، فنعم حامل العلم هو. قال مؤلف الكتاب ﵀: واختلفوا في مقدار عمره على أربعة أقوال، أحدها: ثلاثون سنة، والثاني: إحدى وثلاثون، والثالث: ثمان وثلاثون، والرابع: ثمان وعشرون. فأما الصلاة، فإنه صلى عليه عيسى بن علي، دفن بالأنبار العتيقة في قصره، وكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر ويومين، وقيل: وتسعة أشهر، منها ثمانية أشهر مشتغلا بقتال مروان بن محمد، وخلف تسع جباب وأربعة أقمصة، وخمس سراويل، وأربع طيالسة، وثلاثة مطارف خز. ٧٣٤- عبيد الله بن أبي جعفر، مولى بني كنانة [١] : ولد سنة ستين، ورأى عبد الله بن الحارث بن جزء، وكان عالما زاهدا. روى عن محمد بن إسحاق وغيره من أهل المدينة، وكان سليمان بن داود يقول: ما رأيت عيناي عالما زاهدا إلا عبيد الله بن أبي جعفر. أنبأنا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ الْحَافِظُ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ، وأبي عمرو ابني عبد الله بن منده، عن أبيهما، قال: حدثنا أبو سعيد بن يونس الحافظ، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: حدثني ابن وهب، قال: حدثني أبو شريح عبد الرحمن بن شريح، عن عبيد الله بن أبي جعفر، قال: غزونا إلى قسطنطينية فانكسر مركبنا، فألقانا الموج على حشفة في البحر، وكنا خمسة أو ستة، فأنبت الله بعددنا ورقا، لكل رجل منا ورقة، فكنا نمصها فتشبعنا وتروينا، فإذا أمسينا أنبت الله لنا مكانها أخرى حتى مر بنا مركب، فحملنا. توفي عبيد الله بمصر في هذه السنة. ويقال: في سنة اثنتين وثلاثين، وصلى [عليه] [٢] أبو عون عبد الملك بن يزيد أمير مصر.

стр. 2584

٧٣٥- عبد الكريم بن الحارث بن يزيد، أبو الحارث الحضرمي [١] : روى عنه حيوة بن شريح، وابن لهيعة وغيرهما. وكان من العباد المجتهدين، فلو قيل إن الساعة تقوم غدا ما كان فيه فضل [لمزيد] [٢] ، وقيل له: ما أحسن عزاءك عند المصائب، فقال: إني أوطن نفسي عليها قبل نزولها. ٧٣٦- مليكة بنت المنكدر: كانت عابدة مجتهدة وكلمت في الرفق بنفسها، فقالت: دعوني أبادر طي صحيفتي. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصوفي، قال: أخبرنا ابن أبي صادق الحيري، قال: حدثنا ابن باكويه الشيرازي، قال: حدثني عيسى بن عمر بن عبد المؤمن، قال: حدثنا أحمد بن محمد القرشي، قال: حدثنا إبراهيم بن عيسى، قال: حدثني موسى بن عبد الملك، أبو عبد الرحمن المروزي، قال: قال مالك بن دينار: بينا أنا أطوف بالبيت إذا أنا بامرأة جهيرة في الحجر وهي تقول: أتيتك من شقة بعيدة مؤملة بمعروفك، فأنلني معروفا من معروفك تعينني به عن معروف من سواك يا معروفا بالمعروف. فعرفت أيوب السختياني وسألنا عن منزلها وقصدناها وسلمنا عليها، فقال لها أيوب السختياني: قولي خيرا يرحمك الله، قالت: وما أقول؟ أشكو إلى الله قلبي وهواي فقد أضراني وشغلاني عن عبادة ربي ، قوما فإني أبادر طي صحيفتي. قال أيوب السختياني: فما حدثت نفسي بامرأة قبلها، فقلت لها: لو تزوجت رجلا كان يعينك على ما أنت عليه، قالت: لو كان مالك بن دينار أو أيوب السختياني ما أردته، فقلت: أنا مالك بن دينار وهذا أيوب السختياني، فقالت: أف لقد ظننت أنه يشغلكما ذكر الله عن محادثة النساء، وأقبلت على صلاتها، فسألت عنها، فقالوا: هذه مليكة بنت المنكدر. توفيت مليكة ﵂ في هذه السنة، وهي سنة ست وثلاثين ومائة، ودفنت بالمدينة، وقيل بمكة، والله عز [وجل أعلم] [٣] .

стр. 2585

الخاتمة تم الجزء السابع من كتاب المنتظم في تاريخ الملوك والأمم تأليف الشيخ الإمام العالم الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد ابن علي بن الجوزي، غفر الله له، يتلوه في الجزء الثامن. ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة، فمن الحوادث فِيهَا: قدوم المنصور من مكة، ونزوله الحيرة، فوجد عيسى بْن موسى قَدْ شخص إِلَى الأنبار، واستخلف....

стр. 2586

[المجلد الثامن] بسم الله الرّحمن الرّحيم وهو حسبي ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة فمن الحوادث فِيهَا: قدوم المنصور من مكة، ونزوله الحيرة، فوجد عيسى بْن موسى قَدْ شخص إِلَى الأنبار، واستخلف على الكوفة طلحة بْن إسحاق بْن مُحَمَّد بْن الأشعث، فدخل أَبُو جعفر الكوفة، فصلى الجمعة بأهلها، وخطبهم وأعلمهم أنه راحل عنهم، ثُمَّ وافاه أَبُو مسلم بالحيرة، ثُمَّ شخص أَبُو جعفر إِلَى الأنبار، فأقام بها، وجمع إِلَيْهِ أطرافه، وقد كَانَ عيسى بْن موسى قَدْ أحرز بيوت الأموال والخزائن والدواوين حَتَّى قدم عليه أَبُو جعفر، فبايع الناس لَهُ بالخلافة، ثُمَّ لعيسى بْن موسى من بعده، وسلم الأمر إِلَى أبي جعفر، وبعث يزيد بْن زياد وَهُوَ حاجب أبي الْعَبَّاس إِلَى عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ ببيعة أبي جعفر، وذلك بأمر أبي الْعَبَّاس قبل أن يموت حين أمر الناس بالبيعة، فلما قدم عليه دعا الناس إِلَى نفسه وَقَالَ: إن أبا العباس حين أراد أن يوجه الجنود إِلَى مروان بْن مُحَمَّد دعا بْني أمية [١] فأرادهم على المسير إِلَى مروان وَقَالَ: من انتدب منكم فسار إِلَيْهِ فهو ولي عهدي، فلم ينتدب لَهُ غيري، فعلى هذا خرجت من عنده، وقبلت من قبلت، فقام أَبُو غانم الطائي، وخفاف المروزي فِي عدة من قواد أَهْل خراسان، فشهدوا لَهُ بذلك، فبايعه أَبُو غانم، وخفاف، وأبو الإصبع، وجميع من كَانَ معه من أولئك القواد منهم حميد بْن قحطبة وغيره، فلما فرغ من البيعة ارتحل فنزل حران وبها مقاتل العكي، وَكَانَ أَبُو جعفر استخلفه لما قدم على أبي الْعَبَّاس، فأراد مقاتلا على البيعة فلم يجبه وتحصن

стр. 2587

منه، فأقام عليه وحصره، وسرح أَبُو جعفر لقتال عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ أبا مسلم، فسار إليه ٢/ ب وقد جمع الجنود/ والسلاح وخندق، وجمع الطعام والأعلاف، فسار أَبُو مسلم ومعه القواد كلهم، وبعث مقدمته مالك بْن الهيثم الخزاعي، وَكَانَ معه الحسن وحميد ابْنا قحطبة، وَكَانَ حميد قَدْ فارق عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ، وَكَانَ عَبْد اللَّه أراد قتله، فإنه كتب إِلَى زفر بْن عاصم إِلَى حلب: إذا قدم عَلَيْك فاقتله. ففتح حميد الكتاب وعلم مَا فِيهِ، فلم يذهب. ولما بلغ عَبْد اللَّه مسير أبي مسلم إِلَيْهِ أعطى العكي أمانا، فخرج إِلَيْهِ فيمن كَانَ معه، ثُمَّ وجهه إِلَى عثمان بْن عَبْد الأعلى إِلَى الرقة ومعه ابْناه، وكتب إِلَيْهِ كتابا، فلما قدموا على عثمان قتل العكي وحبس ابْنيه، فلما بلغته هزيمة عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ أخرجهما فقتلهما وَكَانَ عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ قَدْ خشي أن لا تناصحه أَهْل خراسان فقتل منهم نحوا من سبعة عشر ألفا، ثُمَّ اقتتلوا خمسة أشهر أو ستة، وعمل لأبي مسلم عريشا، فكان يجلس عليه إذا التقى النّاس فينظر إِلَى القتال، فإن رأى خللا فِي أصحابه أصلحه، ثُمَّ إن أصحاب عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ انهزموا وتركوا عسكرهم، فاحتواه أَبُو مسلم، وكتب بذلك إِلَى أبي جعفر، ومضى عَبْد اللَّه وعَبْد الصَّمَدِ بْن عَلِيّ، وكانا مَعَ عَبْد اللَّه. فأما عَبْد الصمد فقدم الكوفة، فاستأمن لَهُ عيسى بْن موسى، فأمنه أَبُو جعفر. وأما عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ فأتى سليمان بْن عَلِيّ بالبصرة، فأقام عنده، وأمن أَبُو مسلم الناس، فلم يقتل أحدا. وفي هذه السنة: قتل أَبُو مسلم . وَكَانَ سبب ذلك أن أبا مسلم كَانَ قَدْ كتب إِلَى أبي الْعَبَّاس يستأذنه فِي الحج فِي سنة ست وثلاثين، وإنما أراد أن يصلي بالناس فأذن لَهُ، وكتب أَبُو الْعَبَّاس إِلَى أبي جعفر وَهُوَ على الجزيرة: أن أبا مسلم سألني الحج فاكتب إلي تستأذنني فِي ذلك، فإنك إذا كنت بمكة لم يطمع أن يتقدمك، فكتب إِلَيْهِ، فأذن لَهُ. فَقَالَ أَبُو مسلم: أما وجد أَبُو ٣/ أجعفر عاما يحج فِيهِ/ غير هَذَا!! واضطغنها عليه، فخرجا فكان أَبُو مسلم يصلح العقاب، ويكسو الأعراب فِي كل منزل، ويصل كل من سأله، وحفر الآبار، وسهل الطريق، وَكَانَ الصيت له.

стр. 2588

فلما صدر الناس عَنِ الموسم نفر أَبُو مسلم قبل [١] أبي جعفر فتقدمه، فأتاه كتاب بوفاة أبي الْعَبَّاس واستخلاف أبي جعفر، فكتب إِلَى أبي جعفر يعزيه ولم يهنئه بالخلافة، ولم يقم لَهُ حَتَّى يلحقه، فغضب أَبُو جعفر فَقَالَ لأبي أيوب: اكتب إِلَيْهِ كتابا غليظا. فلما أتاه كتاب أبي جعفر كتب إِلَيْهِ يهنئه بالخلافة. فَقَالَ يزيد بْن أبي أسيد السلمي لأبي جعفر: إني أكره أن تجامعه فِي الطريق والناس لَهُ أطوع، وليس معك أحد فأخذ برأيه، فكان يتأخر ويتقدم أَبُو مسلم، وما كَانَ فِي عسكر أبي جعفر غير ستة أدرع، فمضى أَبُو مسلم إِلَى الأنبار، ودعا عيسى بْن موسى أن يبايع لَهُ، فأبى عيسى، فقدم أَبُو جعفر فنزل الكوفة، فأتاه خروج عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ إِلَى الأنبار، وعقده لأبي مسلم وَقَالَ: سر إِلَيْهِ. فَقَالَ أَبُو مسلم: إن عَبْد الجبار بْن عَبْد الرَّحْمَنِ، وصالح بْن الهيثم يعيبانني فاحبسهما. فَقَالَ أَبُو جعفر: إن عَبْد الجبار على شرطي. وَكَانَ على شرط [٢] أبي الْعَبَّاس وصالح بْن الهيثم أخو أمير المؤمنين من الرضاعة، فلم أكن لأحبسهما لظنك بهما. فَقَالَ: أراهما آثر عندك مني. فغضب أَبُو جعفر. فَقَالَ أَبُو مسلم: لم أرد كل هَذَا. وَقَالَ رجل لأبي أيوب: إني قَدِ ارتبت بأبي مسلم، يأتيه الكتاب من أمير المؤمنين فيقرأه، ثُمَّ يلوي شدقه، ويرمي بالكتاب إِلَى أبي نصر مالك بْن الهيثم فيقرأه ويضحك [٣] استهزاء!؟ فَقَالَ أَبُو أيوب: نحن لأبي مسلم أشد تهمة منا لعَبْد الله بن علي، إلا أنا نعلم أن أَهْل خراسان لا يحبون عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ، وقد قتل منهم من قتل. وَكَانَ أَبُو مسلم قَدْ أصاب من عسكر عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ متاعا كثيرا وجوهرا كثيرا، فبعث أبو جعفر مولاه أبا الخصيب/ ليحصي ذلك، فغضب وافترى عليه، وهمّ بقتله، ٣/ ب فقيل لَهُ: إنما هو رَسُول. فلما قدم به أَبُو الخصيب على أبي جعفر أخبره [٤] . وقيل: إنما بعث إِلَيْهِ يقطين بْن موسى بذلك، فَقَالَ أَبُو مسلم: يا يقطين، أمين على الدماء جائر فِي الأموال. وشتم أبا جعفر، فأبلغه يقطين، فكتب إِلَى أبي مسلم مَعَ يقطين: إني قَدْ وليتك مصر والشام، وهي خير من خراسان، فوجّه إلى مصر من أحببت،

стр. 2589

وأقم بالشام فتكون بقرب أمير المؤمنين، فإن أحب لقاءك أتيته من قرب. فلما أتاه الكتاب غضب وَقَالَ: هو يوليني الشام ومصر، وخراسان لي! وعزم على المضي إِلَى خراسان مجمعا على ذلك، فكتب بذلك يقطين إِلَى أبي جعفر. وخرج أَبُو جعفر من الأنبار إِلَى المدائن، وكتب إِلَى أبي مسلم فِي المصير إِلَيْهِ، فكتب أَبُو مسلم، وقد نزل الزاب وَهُوَ على الرواح إِلَى طريق حلوان: قَدْ كنا نروي عَنْ ملك آل ساسان أن أخوف مَا يكون من الوزراء إذا سكنت الدهماء، فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء بعهدك، حريون بالسمع والطاعة، غير أنها من بعيد حيث تقارنها السلامة، فإن أرضاك ذلك فأنا كأحسن عَبْد لك، وإن أبيت إلا أن تعطي نفسك إرادتها نقضت مَا أبرمت من عهدك، ضنا بْنفسي. فلما وصل الكتاب إِلَى المنصور كتب [إِلَى أبي مسلم: قد فهمت كتابك وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغششة ملوكهم] [١] الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم، وإنما راحتهم فِي انتشار نظام الجماعة، فلم سويت نفسك بهم، وأنت [في] [٢] طاعتك ومنا صحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء [٣] هَذَا الأمر على مَا أنت به! وقد حمل إليك أمير المؤمنين عيسى بْن موسى رسالة لتسكن إليها إن أصغيت إليها، وأسأل اللَّه أن يحول بين السلطان ونزغاته وبينك، فإنه لم يجد بابا يفسد به نيتك أوكد عنده وأقرب من طبه [٤] من الباب الَّذِي فتحه عَلَيْك. ثُمَّ إن أبا جعفر وجه إِلَى أبي مسلم جرير بْن يزيد بْن جرير بن عبد الله البجلي، ٤/ أوكان واحد أَهْل زمانه/، فخدعه ورده. قَالَ جرير: نزلت معه جسر النهروان فتغدينا، فَقَالَ: أين أمير المؤمنين؟ قلت: بالمدائن. قَالَ: فِي أي المواضع؟ قلت: فِي صحراء. قَالَ: فما اسم الموضع؟ قلت: رومية. فأطرق طويلا ثُمَّ قَالَ: سر ولا حول [٥] ولا قوة إلا باللَّه.

стр. 2590

قَالَ جرير: وقد كَانَ قيل لَهُ إنك تقتل أو تموت برومية. فظنها بلاد الروم. ثُمَّ قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦ [١] ذهبت والله نفسي بيدي. ثُمَّ جعل يخاطب نفسه ويقول: يا أبا مُسْلِم، فتح لك من باب المكايد فِي عدوك وصديقك مَا لم يفتح لأحد حَتَّى إذا دان لك من بالمشرق والمغرب، خدعك عَنْ نفسك من كَانَ يهاب بالأمس من ينظر إليك إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦ [٢] . ثُمَّ تمثل: فهل من خالد إما هلكنا ... وهل بالموت عند الناس عار [٣] فأقبل وتلقاه الناس وأنزله وأكرمه، وَكَانَ فيمن بعث إِلَيْهِ عيسى بن موسى، فحلف له بعتق كل مملوك لَهُ، وصدقة كل مَا يملك، وطلاق نسائه، وَقَالَ: لو خير المنصور بين موت أبيه وموتك لاختار موت أبيه، فإنه لا يجد منك خلفا. فأقبل معه، فلما دخل أَبُو مسلم المدائن قَالَ لعيسى بْن موسى: تدري مَا مثلي ومثلك ومثل عمك؟ مثل ثلاثة نفر كانوا فِي سفر فأتوا على عظام نخرة، فَقَالَ أحدهم: عندي طب إذا رأيت عظاما متفرقة ألفتها. فَقَالَ الثاني: وأنا إذا رأيت عظاما موصولة كسوتها لحما. فَقَالَ الثالث: وأنا إذا رأيت عظاما مكسوة لحما أجريت فِيهَا الروح. ففعلوا ذلك، فإذا الَّذِي أحيوه أسد، فَقَالَ الأسد فِي نفسه: مَا أحياني هؤلاء إلا وهم على أن يميتوني أقدر. فوثب عليهم فأكلهم، والله ليقتلني وليقتلن عمك، وليخلعنك أو ليقتلنك. وفي رواية: أن أبا مسلم كتب إِلَى أبي جعفر: أما بعد، فإني اتخذت رجلا إماما، فحرف القرآن عَنْ مواضعه طمعا فِي قليل قَدْ بغاه اللَّه / إلى خلقه، فكان كالذي ٤/ ب ولي بغرور، فأمرني أن أجرد السيف، وأن أرفع الرحمة ولا أقيل العثرة، ففعلت توطئة لسلطانك حَتَّى عرفكم من كَانَ يجهلكم، ثُمَّ استنقذني اللَّه بالتوبة، فإن يعف عني فقديما عرف به ونسب إِلَيْهِ، وإن يعاقبْني فبما قدمت يداي، وما الله بظلام للعبيد.

стр. 2591

أخبرنا أبو منصور القزاز قال [١] : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو الطيب الطبري قال: حدثنا المعافى بن زكريا قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يحيى الصولي قَالَ: حَدَّثَنَا المغيرة بْن مُحَمَّد قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الوهاب قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن المعافى [٢] قَالَ: كتب أَبُو مسلم إِلَى المنصور حين استوحش منه: أما بعد، فقد كنت اتخذت أخاك إماما وجعلته على الدين دليلا وللوصية التي زعم أنها صارت إِلَيْهِ، فأوطأني عشوة الضلالة، وأوثقني موثقة الفتنة [٣] ، وأمرني أن آخذ بالظنة، وأقتل على التهمة، ولا أقبل المعذرة، فهتكت بأمره حرمات حتم اللَّه صونها، وسفكت دماء فرض اللَّه حقنها، وزويت الأمر عَنْ أهله، ووضعته منه فِي غير محله، فإن يعف اللَّه عني فبفضل منه، وإن يعاقب فبما كسبت يداي، وما اللَّه بظلام للعبيد. ثُمَّ أنساه اللَّه هَذَا- يعني أبا مُسْلِم- حَتَّى جاءه فقتله. وفي رواية: أن أبا مسلم خرج يريد خراسان، مراغما مشاقا [٤] ، فلما دخل أرض العراق وارتحل المَنْصُور من الأنبار، فأقبل حَتَّى نزل المدائن، وأخذ أَبُو مسلم طريق حلوان، فقيل لأبي جَعْفَر أخذ طريق حلوان، فَقَالَ: رب أمر للَّه دون حلوان [٥] . وَقَالَ أَبُو جعفر لعيسى بْن عَلِيّ وعيسى بْن موسى ومن حضره من بْني هاشم [٦] : اكتبوا إِلَى أبي مسلم. فكتبوا إِلَيْهِ يعظمون أمره ويشكرونه على مَا كَانَ منه من الطاعة، ويحذرونه عاقبة الأمر، ويأمرونه بالرجوع إِلَى أمير المؤمنين، وأن يلتمس رضاه، / ٥/ أوبعث أَبُو جعفر بذلك مَعَ أبي حميد المروزي وَقَالَ لَهُ: كلم أبا مسلم بألين مَا يكلم به أحد، ومنه، وأعلمه إني رافعه وصانع به مَا لم يصنعه به أحد إن هو صلح [٧] وراجع ما

стр. 2592

أحب، فإن أبى أن يرجع فقل لَهُ: يَقُول لك أمير المؤمنين لست للعباس، وأنا بريء من مُحَمَّد، إن مضيت مشاقا ولم تأتني، إن وكلت أمرك إِلَى أحد سواي، وإن لم أل طلبك وقتالك بْنفسي، ولو خضت البحر لخضته، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حَتَّى أقتلك أو أموت قبل ذلك، ولا تقولن لَهُ هَذَا الكلام حَتَّى تيأس من رجوعه، ولا تطمع منه فِي خير. فسار أَبُو حميد فِي مأمن من أصحابه ممن يثق بهم، حَتَّى قدموا على أبي مسلم بحلوان، فدخل عليه أَبُو حميد، فدفع إِلَيْهِ الكتاب وَقَالَ لَهُ: إن الناس يبلغونك عَنْ أمير المؤمنين مَا لم يقله، وخلاف مَا عليه رأيه فيك، حسدا وبغيا، يريدون إزالة هَذِهِ النعمة وتغييرها، فلا تفسد مَا كَانَ منك، وإنك لم تزل أمين آل مُحَمَّد، يعرفك بذلك الناس، وما ذخر اللَّه لك من الأجر عنده أعظم مما أنت فِيهِ من دنياك، فلا تحبط أجرك، ولا يستهوينك الشيطان. فَقَالَ لَهُ أَبُو مسلم: متى كنت تكلمني بهذا؟ فَقَالَ: لأنك دعوتنا إِلَى هَذَا وإلى طاعة أَهْل بيت النبي ﷺ ، وأمرتنا بقتال من خالف ذلك، وقلت: إن خالفتكم فاقتلوني. فعند ذلك أقبل [١] أَبُو مسلم على أبي نصر فَقَالَ: يا مالك، أما تسمع مَا يَقُول لي هَذَا، مَا هَذَا بكلامه. فَقَالَ: لا تسمع قوله، فما هَذَا بكلامه، وما بعد هَذَا أشد منه، فامض لأمرك ولا ترجع، فو الله لئن أتيته ليقتلنك، ولقد وقع فِي نفسه منك شيء لا يأمنك [٢] أبدا. فَقَالَ أَبُو مسلم: قوموا. وأرسل إِلَى نيزك فَقَالَ: مَا ترى؟ فَقَالَ: مَا أرى أن تأتيه، وأرى أن تأتي الري، فتقيم بها، فيصير مَا بين خراسان والري لك، وهم جندك لا يخالفك أحد، فإن استقام لك استقمت لَهُ، وإن/ أبي كنت في جندك، وكانت ٥/ ب خراسان من ورائك، فرأيت رأيك. فدعا أبا حميد فَقَالَ: ارجع إِلَى صاحبك، فليس من رأي أن آتيه. فَقَالَ: قَدِ اعتزمت على خلافه. قَالَ: لا تفعل. قَالَ: مَا أريد أن ألقاه. فلما آيسه من الرجوع قَالَ لَهُ: مَا أمره أَبُو جعفر أن يقوله. فوجم طويلا ثُمَّ قَالَ: قم. فكسره ذلك القول وأرعبه. وَكَانَ أَبُو جعفر قَدْ كتب إِلَى أبي داود وَهُوَ خليفة أبي مسلم بخراسان حين اتهم أبا مُسْلِم: إن لك إمرة خراسان مَا بقيت. فكتب أَبُو داود إلى أبي مسلم: إنا لم نخرج

стр. 2593

بمعصية خلفاء اللَّه وأهل بيت نبينا ﷺ ، فلا تخالفن إمامك ولا ترجعن إلا بإذنه. فوافاه كتابه على تلك الحال فزاده رعبا وهما، فأرسل إِلَى أبي حميد وإلى مالك فَقَالَ لهما: إني قد كنت عازما على المضي إِلَى خراسان، ثُمَّ رأيت أن أوجه أبا إسحاق إِلَى أمير المؤمنين، فيأتيني برأيه، فإنه ممن أثق به، وَكَانَ صاحب حرس أبي مسلم، فوجهه، فلما قدم تلقاه بنو هاشم بكل مَا يحب، وَقَالَ لَهُ أَبُو جعفر: اصرفه عَنْ وجهه، ولك ولاية خراسان، وأجازه. فرجع أَبُو إسحاق إِلَى أبي مسلم فَقَالَ لَهُ: مَا أنكرت شيئا، رأيتهم معظمين لحقك، يرون لك مَا يرون لأنفسهم، وأشار عليه أن يرجع إِلَى أمير المؤمنين فيعتذر إِلَيْهِ مما كَانَ منه، فاجمع على ذلك، فَقَالَ لَهُ نيزك: قَدْ أجمعت على الرجوع؟ قَالَ: نعم. وتمثل: مَا للرجال مَعَ القضاء محالة ... ذهب القضاء بحيلة الأقوام فَقَالَ: أما إذا اعتزمت على هَذَا فخار اللَّه لك، احفظ عني واحدة: إذا دخلت عليه فأقتله ثم بايع لمن شئت، فإن الناس لا يخالفونك. فكتب أَبُو مسلم إِلَى أبي جعفر يخبره أنه منصرف إِلَيْهِ، فبينا كتاب أبي مسلم بين ٦/ أيدي أبي جعفر إذ دخل عليه أَبُو أيوب، فرمى أَبُو جعفر إِلَيْهِ بالكتاب، فقرأه فَقَالَ/ والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنه. فاغتم أَبُو أيوب وَقَالَ فِي نفسه: لئن قتله لا يترك أصحابه أحدا ممن يتعلق بأبي جعفر حيا. وَقَالَ إسحاق الموصلي: لما عزم المنصور على الفتك بأبي مسلم هاب ذلك عمه عيسى بْن عَلِيّ، فكتب إِلَيْهِ يَقُول: إذا كنت ذا رأي فكن ذا تدبر ... فإن فساد الرأي أن تتعجلا فوقع المنصور فِي كتابه: إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأي أن تترددا ولا تهمل الأعداء يوما بقدرة ... وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا قَالَ أَبُو إسحاق: والشعر للمنصور. ثُمَّ سار أَبُو مسلم، فلما دنا من المدائن أمر أمير المؤمنين الناس فتلقوه، فدخل أَبُو

стр. 2594

أيوب على أبي جعفر فَقَالَ: هَذَا الرجل يدخل العشية، فما تريد أن تصنع؟ قَالَ: أريد أن أقتله حين أنظر إِلَيْهِ. فَقَالَ: إن دخل عَلَيْك ولم تخرج [١] لم آمن البلاء، ولكن إذا دخل عليك فأذن له أن ينصرف، فإذا غدا عَلَيْك رأيت رأيك. فلما دخل عليه سلم وقام قائما على قدميه بين يديه. فَقَالَ: انصرف يا عَبْد الرَّحْمَنِ فأرح نفسك، وادخل الحمام، فإن للسفر قشفا، ثُمَّ أغد علي. فانصرف، ثُمَّ ندم أَبُو جعفر، وافترى على أبي أيوب وَقَالَ: متى أقدر على هَذِهِ الحال ولا أدري مَا يحدث فِي ليلتي!. فلما أصبحوا جاء أَبُو أيوب فَقَالَ لَهُ أَبُو جعفر: يا ابْن اللخناء، لا مرحبا بك، أنت منعتني منه أمس، والله مَا غمضت عيني الليلة. ثُمَّ شتمه حَتَّى خاف أن يأمر بقتله. ثُمَّ قَالَ: ادع لي عثمان بْن نهيك. فدعاه فَقَالَ: يا عثمان، كيف بلاء أمير المؤمنين عندك؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنما أنا عبدك، والله لو أمرتني أن أتّكىء على سيفي حَتَّى يخرج من ظهري لفعلت. قَالَ: كيف أنت إن أمرتك بقتل/ أبي مسلم- فوجم ساعة لا ٦/ ب يتكلم. فقال له أبو أيوب: مالك لا تتكلم؟ فَقَالَ بصوت ضعيف: أقتله. قَالَ: انطلق فجيء بأربعة من وجوه الحرس أقوياء، فمضى، فلما كَانَ عند الرواق ناداه: يا عثمان يا عثمان، ارجع واجلس وأرسل من تثق به من الحرس فليحضر منهم أربعة. فلما حضروا قَالَ لهم أَبُو جعفر نحوا مما قَالَ لعثمان، فقالوا: نقتله. قَالَ: كونوا خلف الرواق. فإذا صفقت فاخرجوا فاقتلوه [٢] . فأرسل إِلَى أبي مسلم رسلا بعضهم على أثر بعض، فقالوا: قَدْ ركب إلى عيسى بن موسى. فدعا له عيسى بالغداء، ثُمَّ خرج إِلَى أبي جعفر وأبو نصر حاجبه بين يديه وحربته معه، فلما قربا من الباب خرج سلام الحاجب فَقَالَ: انزل. فنزل فدخل الدهليز وأغلق الباب دونه، فَقَالَ أَبُو مُسْلم: يدخل خاصة أصحابي، فَقَالَ لَهُ الربيع: لم نؤمر بذلك. فنزع سيفه من وسطه وَقَالَ: الآن عرف الرامي موضع سهمه- وَهُوَ مثل يضرب لمن أمكن عدوه من نفسه- فلما بصر بالمنصور انحرف إِلَى القبلة، فخر ساجدا، ثُمَّ دنا ليقبل أطرافه، فَقَالَ لَهُ: وراءك يا ابْن اللخناء. فنصب لَهُ كرسي فقعد فَقَالَ لَهُ أَبُو

стр. 2595

جَعْفَر: أَخْبَرَنِي عَنْ نصلين أصبتهما فِي متاع عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ. فَقَالَ: هَذَا أحدهما الَّذِي علي. قَالَ: أرنيه. فانتضاه وناوله إياه، فهزه أَبُو جعفر ثُمَّ وضعه تحت فراشه وأقبل عليه يعاتبه. فَقَالَ لَهُ: اخترناك وأنت لا تدري أية بيضة انفقأت عَنْ رأسك، ولا من أي وكر نهضت، خامل ابْن خامل، فل ابْن فل، ذل ابْن ذل، عشت أيام حداثتك، وخير يوميك، يوم تشتري فيه لعاصم بن يونس إزار قدره. ومكشحة داره، فرقأنا بك المنابر، ووطئنا أعناق العرب والعجم عقبيك، أَخْبَرَنِي عَنْ كتابك إلى أبي العباس تنهاه عن ٧/ أالموات، أردت أن تعلمنا الدين. قَالَ: ظننت أخذه/ لا يحل، فكتب إلي، فلما أتاني كتابه علمت أن أمير المؤمنين وأهل بيته معدن العلم. قَالَ: فأخبرني عَنْ تقدمك إياي فِي الطريق؟ قَالَ: كرهت اجتماعنا على الماء، فيضر ذلك بالناس، فتقدمت التماس الرفق. قَالَ: فقولك حين أتاك الخبر بموت أبي الْعَبَّاس لمن أشار عَلَيْك أن تنصرف إلي: نقدم فنرى رأينا، ومضيت، فلا أنت أقمت حَتَّى ألحقك ولا أنت رجعت إلي؟ قَالَ: منعني مَا أخبرتك من طلب الرفق بالناس، وقلت: نقدم الكوفة. قَالَ: فجارية عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ، أردت أن تتخذها؟ قَالَ: لا، ولكن خفت أن تضيع فحملتها فِي قبة ووكلت بها من يحفظها. قَالَ: فمراغمتك وخروجك إِلَى خراسان؟ قَالَ: خفت أن يكون قَدْ دخلك مني [شيء] [١] ، فقلت: آتي خراسان، فأكتب إليك بعذري، ولو رأينا ذهب مَا فِي نفسك علي؟ قَالَ: تاللَّه مَا رأيت كاليوم قط، والله ما زدتني إلا غضبا. قَالَ: ليس يقال لي هَذَا بعد بلائي، وما كَانَ مني؟ قَالَ: يا ابْن الخبيثة، والله لو كانت أمة مكانك لأجزأت، إنما عملت مَا عملت فِي دولتنا وبريحنا، ولو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا، ألست الكاتب إلي تبدأ بْنفسك!؟ ألست تخطب أمينة بْنت علي، وتزعم أنك ابْن سليط بْن عَبْد اللَّه بْن عباس، لقد ارتقيت- لا أم لك- مرتقى صعبا. وأخذ يعتذر وأبو جعفر يعاتبه، إِلَى أن قَالَ أَبُو مسلم: دع هَذَا، فما أصبحت أخاف أحدا إلا اللَّه. فغضب وشتمه وضربه بعمود، وصفق بيديه، فخرجوا عليه، فضربه عثمان فلم يصنع شيئا، لم يزد على قطع حمائل سيفه، وضربه آخر فقطع رجله، فصاح المنصور: اضربوا قطع اللَّه أيديكم. فَقَالَ أَبُو مسلم فِي أول ضربة: استبقني لعدوك. ٧/ ب فَقَالَ: وأي عدو أعدى إلي منك!؟ فصاح: العفو. / فقال المنصور: يا ابن اللخناء،
следующие страницы →