← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

أخبرنا أبو منصور القزاز قال [١] : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو الطيب الطبري قال: حدثنا المعافى بن زكريا قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يحيى الصولي قَالَ: حَدَّثَنَا المغيرة بْن مُحَمَّد قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الوهاب قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن المعافى [٢] قَالَ: كتب أَبُو مسلم إِلَى المنصور حين استوحش منه: أما بعد، فقد كنت اتخذت أخاك إماما وجعلته على الدين دليلا وللوصية التي زعم أنها صارت إِلَيْهِ، فأوطأني عشوة الضلالة، وأوثقني موثقة الفتنة [٣] ، وأمرني أن آخذ بالظنة، وأقتل على التهمة، ولا أقبل المعذرة، فهتكت بأمره حرمات حتم اللَّه صونها، وسفكت دماء فرض اللَّه حقنها، وزويت الأمر عَنْ أهله، ووضعته منه فِي غير محله، فإن يعف اللَّه عني فبفضل منه، وإن يعاقب فبما كسبت يداي، وما اللَّه بظلام للعبيد. ثُمَّ أنساه اللَّه هَذَا- يعني أبا مُسْلِم- حَتَّى جاءه فقتله. وفي رواية: أن أبا مسلم خرج يريد خراسان، مراغما مشاقا [٤] ، فلما دخل أرض العراق وارتحل المَنْصُور من الأنبار، فأقبل حَتَّى نزل المدائن، وأخذ أَبُو مسلم طريق حلوان، فقيل لأبي جَعْفَر أخذ طريق حلوان، فَقَالَ: رب أمر للَّه دون حلوان [٥] . وَقَالَ أَبُو جعفر لعيسى بْن عَلِيّ وعيسى بْن موسى ومن حضره من بْني هاشم [٦] : اكتبوا إِلَى أبي مسلم. فكتبوا إِلَيْهِ يعظمون أمره ويشكرونه على مَا كَانَ منه من الطاعة، ويحذرونه عاقبة الأمر، ويأمرونه بالرجوع إِلَى أمير المؤمنين، وأن يلتمس رضاه، / ٥/ أوبعث أَبُو جعفر بذلك مَعَ أبي حميد المروزي وَقَالَ لَهُ: كلم أبا مسلم بألين مَا يكلم به أحد، ومنه، وأعلمه إني رافعه وصانع به مَا لم يصنعه به أحد إن هو صلح [٧] وراجع ما

стр. 2592

أحب، فإن أبى أن يرجع فقل لَهُ: يَقُول لك أمير المؤمنين لست للعباس، وأنا بريء من مُحَمَّد، إن مضيت مشاقا ولم تأتني، إن وكلت أمرك إِلَى أحد سواي، وإن لم أل طلبك وقتالك بْنفسي، ولو خضت البحر لخضته، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حَتَّى أقتلك أو أموت قبل ذلك، ولا تقولن لَهُ هَذَا الكلام حَتَّى تيأس من رجوعه، ولا تطمع منه فِي خير. فسار أَبُو حميد فِي مأمن من أصحابه ممن يثق بهم، حَتَّى قدموا على أبي مسلم بحلوان، فدخل عليه أَبُو حميد، فدفع إِلَيْهِ الكتاب وَقَالَ لَهُ: إن الناس يبلغونك عَنْ أمير المؤمنين مَا لم يقله، وخلاف مَا عليه رأيه فيك، حسدا وبغيا، يريدون إزالة هَذِهِ النعمة وتغييرها، فلا تفسد مَا كَانَ منك، وإنك لم تزل أمين آل مُحَمَّد، يعرفك بذلك الناس، وما ذخر اللَّه لك من الأجر عنده أعظم مما أنت فِيهِ من دنياك، فلا تحبط أجرك، ولا يستهوينك الشيطان. فَقَالَ لَهُ أَبُو مسلم: متى كنت تكلمني بهذا؟ فَقَالَ: لأنك دعوتنا إِلَى هَذَا وإلى طاعة أَهْل بيت النبي ﷺ ، وأمرتنا بقتال من خالف ذلك، وقلت: إن خالفتكم فاقتلوني. فعند ذلك أقبل [١] أَبُو مسلم على أبي نصر فَقَالَ: يا مالك، أما تسمع مَا يَقُول لي هَذَا، مَا هَذَا بكلامه. فَقَالَ: لا تسمع قوله، فما هَذَا بكلامه، وما بعد هَذَا أشد منه، فامض لأمرك ولا ترجع، فو الله لئن أتيته ليقتلنك، ولقد وقع فِي نفسه منك شيء لا يأمنك [٢] أبدا. فَقَالَ أَبُو مسلم: قوموا. وأرسل إِلَى نيزك فَقَالَ: مَا ترى؟ فَقَالَ: مَا أرى أن تأتيه، وأرى أن تأتي الري، فتقيم بها، فيصير مَا بين خراسان والري لك، وهم جندك لا يخالفك أحد، فإن استقام لك استقمت لَهُ، وإن/ أبي كنت في جندك، وكانت ٥/ ب خراسان من ورائك، فرأيت رأيك. فدعا أبا حميد فَقَالَ: ارجع إِلَى صاحبك، فليس من رأي أن آتيه. فَقَالَ: قَدِ اعتزمت على خلافه. قَالَ: لا تفعل. قَالَ: مَا أريد أن ألقاه. فلما آيسه من الرجوع قَالَ لَهُ: مَا أمره أَبُو جعفر أن يقوله. فوجم طويلا ثُمَّ قَالَ: قم. فكسره ذلك القول وأرعبه. وَكَانَ أَبُو جعفر قَدْ كتب إِلَى أبي داود وَهُوَ خليفة أبي مسلم بخراسان حين اتهم أبا مُسْلِم: إن لك إمرة خراسان مَا بقيت. فكتب أَبُو داود إلى أبي مسلم: إنا لم نخرج

стр. 2593

بمعصية خلفاء اللَّه وأهل بيت نبينا ﷺ ، فلا تخالفن إمامك ولا ترجعن إلا بإذنه. فوافاه كتابه على تلك الحال فزاده رعبا وهما، فأرسل إِلَى أبي حميد وإلى مالك فَقَالَ لهما: إني قد كنت عازما على المضي إِلَى خراسان، ثُمَّ رأيت أن أوجه أبا إسحاق إِلَى أمير المؤمنين، فيأتيني برأيه، فإنه ممن أثق به، وَكَانَ صاحب حرس أبي مسلم، فوجهه، فلما قدم تلقاه بنو هاشم بكل مَا يحب، وَقَالَ لَهُ أَبُو جعفر: اصرفه عَنْ وجهه، ولك ولاية خراسان، وأجازه. فرجع أَبُو إسحاق إِلَى أبي مسلم فَقَالَ لَهُ: مَا أنكرت شيئا، رأيتهم معظمين لحقك، يرون لك مَا يرون لأنفسهم، وأشار عليه أن يرجع إِلَى أمير المؤمنين فيعتذر إِلَيْهِ مما كَانَ منه، فاجمع على ذلك، فَقَالَ لَهُ نيزك: قَدْ أجمعت على الرجوع؟ قَالَ: نعم. وتمثل: مَا للرجال مَعَ القضاء محالة ... ذهب القضاء بحيلة الأقوام فَقَالَ: أما إذا اعتزمت على هَذَا فخار اللَّه لك، احفظ عني واحدة: إذا دخلت عليه فأقتله ثم بايع لمن شئت، فإن الناس لا يخالفونك. فكتب أَبُو مسلم إِلَى أبي جعفر يخبره أنه منصرف إِلَيْهِ، فبينا كتاب أبي مسلم بين ٦/ أيدي أبي جعفر إذ دخل عليه أَبُو أيوب، فرمى أَبُو جعفر إِلَيْهِ بالكتاب، فقرأه فَقَالَ/ والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنه. فاغتم أَبُو أيوب وَقَالَ فِي نفسه: لئن قتله لا يترك أصحابه أحدا ممن يتعلق بأبي جعفر حيا. وَقَالَ إسحاق الموصلي: لما عزم المنصور على الفتك بأبي مسلم هاب ذلك عمه عيسى بْن عَلِيّ، فكتب إِلَيْهِ يَقُول: إذا كنت ذا رأي فكن ذا تدبر ... فإن فساد الرأي أن تتعجلا فوقع المنصور فِي كتابه: إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأي أن تترددا ولا تهمل الأعداء يوما بقدرة ... وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا قَالَ أَبُو إسحاق: والشعر للمنصور. ثُمَّ سار أَبُو مسلم، فلما دنا من المدائن أمر أمير المؤمنين الناس فتلقوه، فدخل أَبُو

стр. 2594

أيوب على أبي جعفر فَقَالَ: هَذَا الرجل يدخل العشية، فما تريد أن تصنع؟ قَالَ: أريد أن أقتله حين أنظر إِلَيْهِ. فَقَالَ: إن دخل عَلَيْك ولم تخرج [١] لم آمن البلاء، ولكن إذا دخل عليك فأذن له أن ينصرف، فإذا غدا عَلَيْك رأيت رأيك. فلما دخل عليه سلم وقام قائما على قدميه بين يديه. فَقَالَ: انصرف يا عَبْد الرَّحْمَنِ فأرح نفسك، وادخل الحمام، فإن للسفر قشفا، ثُمَّ أغد علي. فانصرف، ثُمَّ ندم أَبُو جعفر، وافترى على أبي أيوب وَقَالَ: متى أقدر على هَذِهِ الحال ولا أدري مَا يحدث فِي ليلتي!. فلما أصبحوا جاء أَبُو أيوب فَقَالَ لَهُ أَبُو جعفر: يا ابْن اللخناء، لا مرحبا بك، أنت منعتني منه أمس، والله مَا غمضت عيني الليلة. ثُمَّ شتمه حَتَّى خاف أن يأمر بقتله. ثُمَّ قَالَ: ادع لي عثمان بْن نهيك. فدعاه فَقَالَ: يا عثمان، كيف بلاء أمير المؤمنين عندك؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنما أنا عبدك، والله لو أمرتني أن أتّكىء على سيفي حَتَّى يخرج من ظهري لفعلت. قَالَ: كيف أنت إن أمرتك بقتل/ أبي مسلم- فوجم ساعة لا ٦/ ب يتكلم. فقال له أبو أيوب: مالك لا تتكلم؟ فَقَالَ بصوت ضعيف: أقتله. قَالَ: انطلق فجيء بأربعة من وجوه الحرس أقوياء، فمضى، فلما كَانَ عند الرواق ناداه: يا عثمان يا عثمان، ارجع واجلس وأرسل من تثق به من الحرس فليحضر منهم أربعة. فلما حضروا قَالَ لهم أَبُو جعفر نحوا مما قَالَ لعثمان، فقالوا: نقتله. قَالَ: كونوا خلف الرواق. فإذا صفقت فاخرجوا فاقتلوه [٢] . فأرسل إِلَى أبي مسلم رسلا بعضهم على أثر بعض، فقالوا: قَدْ ركب إلى عيسى بن موسى. فدعا له عيسى بالغداء، ثُمَّ خرج إِلَى أبي جعفر وأبو نصر حاجبه بين يديه وحربته معه، فلما قربا من الباب خرج سلام الحاجب فَقَالَ: انزل. فنزل فدخل الدهليز وأغلق الباب دونه، فَقَالَ أَبُو مُسْلم: يدخل خاصة أصحابي، فَقَالَ لَهُ الربيع: لم نؤمر بذلك. فنزع سيفه من وسطه وَقَالَ: الآن عرف الرامي موضع سهمه- وَهُوَ مثل يضرب لمن أمكن عدوه من نفسه- فلما بصر بالمنصور انحرف إِلَى القبلة، فخر ساجدا، ثُمَّ دنا ليقبل أطرافه، فَقَالَ لَهُ: وراءك يا ابْن اللخناء. فنصب لَهُ كرسي فقعد فَقَالَ لَهُ أَبُو

стр. 2595

جَعْفَر: أَخْبَرَنِي عَنْ نصلين أصبتهما فِي متاع عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ. فَقَالَ: هَذَا أحدهما الَّذِي علي. قَالَ: أرنيه. فانتضاه وناوله إياه، فهزه أَبُو جعفر ثُمَّ وضعه تحت فراشه وأقبل عليه يعاتبه. فَقَالَ لَهُ: اخترناك وأنت لا تدري أية بيضة انفقأت عَنْ رأسك، ولا من أي وكر نهضت، خامل ابْن خامل، فل ابْن فل، ذل ابْن ذل، عشت أيام حداثتك، وخير يوميك، يوم تشتري فيه لعاصم بن يونس إزار قدره. ومكشحة داره، فرقأنا بك المنابر، ووطئنا أعناق العرب والعجم عقبيك، أَخْبَرَنِي عَنْ كتابك إلى أبي العباس تنهاه عن ٧/ أالموات، أردت أن تعلمنا الدين. قَالَ: ظننت أخذه/ لا يحل، فكتب إلي، فلما أتاني كتابه علمت أن أمير المؤمنين وأهل بيته معدن العلم. قَالَ: فأخبرني عَنْ تقدمك إياي فِي الطريق؟ قَالَ: كرهت اجتماعنا على الماء، فيضر ذلك بالناس، فتقدمت التماس الرفق. قَالَ: فقولك حين أتاك الخبر بموت أبي الْعَبَّاس لمن أشار عَلَيْك أن تنصرف إلي: نقدم فنرى رأينا، ومضيت، فلا أنت أقمت حَتَّى ألحقك ولا أنت رجعت إلي؟ قَالَ: منعني مَا أخبرتك من طلب الرفق بالناس، وقلت: نقدم الكوفة. قَالَ: فجارية عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ، أردت أن تتخذها؟ قَالَ: لا، ولكن خفت أن تضيع فحملتها فِي قبة ووكلت بها من يحفظها. قَالَ: فمراغمتك وخروجك إِلَى خراسان؟ قَالَ: خفت أن يكون قَدْ دخلك مني [شيء] [١] ، فقلت: آتي خراسان، فأكتب إليك بعذري، ولو رأينا ذهب مَا فِي نفسك علي؟ قَالَ: تاللَّه مَا رأيت كاليوم قط، والله ما زدتني إلا غضبا. قَالَ: ليس يقال لي هَذَا بعد بلائي، وما كَانَ مني؟ قَالَ: يا ابْن الخبيثة، والله لو كانت أمة مكانك لأجزأت، إنما عملت مَا عملت فِي دولتنا وبريحنا، ولو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا، ألست الكاتب إلي تبدأ بْنفسك!؟ ألست تخطب أمينة بْنت علي، وتزعم أنك ابْن سليط بْن عَبْد اللَّه بْن عباس، لقد ارتقيت- لا أم لك- مرتقى صعبا. وأخذ يعتذر وأبو جعفر يعاتبه، إِلَى أن قَالَ أَبُو مسلم: دع هَذَا، فما أصبحت أخاف أحدا إلا اللَّه. فغضب وشتمه وضربه بعمود، وصفق بيديه، فخرجوا عليه، فضربه عثمان فلم يصنع شيئا، لم يزد على قطع حمائل سيفه، وضربه آخر فقطع رجله، فصاح المنصور: اضربوا قطع اللَّه أيديكم. فَقَالَ أَبُو مسلم فِي أول ضربة: استبقني لعدوك. ٧/ ب فَقَالَ: وأي عدو أعدى إلي منك!؟ فصاح: العفو. / فقال المنصور: يا ابن اللخناء،

стр. 2596

العفو والسيوف قَدِ اعتورتك [١] ؟! ثُمَّ قَالَ: اذبحوه، فذبحوه، وجاء عيسى بْن موسى فَقَالَ: أين أَبُو مسلم؟ فَقَالَ: مدرج فِي الكساء. فَقَالَ: إنا للَّه، وجعل يلطم ويقول: أحنثتني فِي أيماني، وأهلكتني. فَقَالَ لَهُ: علي لكل شيء تخرجه ضعفاه، ويحك اسكت، فما تم سلطانك ولا أمرك إلّا اليوم. ثُمَّ رمى به فِي دجلة. وذلك لخمس بقين من شعبان سنة سبع وثلاثين ومائة [٢] . وَقَالَ المنصور: زعمت أن الَّذِي لا يقتضي ... فاستوف بالكيل أبا مجرم سقيت كأسا كنت تسقي بها ... أمر فِي الحلق من العلقم وَكَانَ أَبُو مسلم قَدْ قتل في دولته ستمائة ألف صبرا. أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قَالَ: أخبرنا أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أخبرنا أبو الطيب الطبري قال: حَدَّثَنَا المعافى قَالَ: حَدَّثَنَا الصولي قَالَ: حَدَّثَنَا الغلابي قال: حدّثنا يعقوب، عَنْ أبيه قَالَ [٣] : خطب المنصور بالناس بعد قتل أبي مسلم فَقَالَ: أيها الناس، لا تنفروا أطراف النعم بقلة الشكر فتحل بكم النقم، ولا تسروا غش الأئمة، فإن أحدا لا يسر منكرا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه، [وطوالع نظره] [٤] وإنا لن نجهل حقوقكم مَا عرفتم حقنا، ولا ننسى الإحسان إليكم مَا ذكرتم فضلنا، ومن نازعنا هذا القميص [٥] أوطأنا أمّ رأسه خبئ هَذَا الغمد، وإن أبا مسلم بايع لنا على أنه من نكث بيعتنا، أو أضمر غشا لنا فقد أبحنا دمه [٦] ، ومكث وغدر وفجر، فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه على غيره لنا. قَالَ علماء السير: ثُمَّ إن أبا جعفر هم بقتل أبي إسحاق صاحب حرس أبي مسلم، وبقتل نصر بن مالك- وَكَانَ على شرط أبي مسلم [٧]- فكلمه أبو الجهم وقال: يا أمير

стр. 2597

٨/ أالمؤمنين، جنده جندك، أمرتهم بطاعته/ فأطاعوه. فدعا أبا إسحاق وقال: أنت المبايع لعدو الله أبي مسلم على مَا كَانَ يفعل. فجعل يلتفت يمينا وشمالا تخوفا من أبي مسلم. فَقَالَ لَهُ المنصور: تكلم بما أردت، فقد قتل اللَّه الفاسق. وأمر بإخراجه إِلَيْهِ مقطعا، فخر أَبُو إسحاق ساجدا، فأطال السجود وَقَالَ: الحمد للَّه، والله [١] مَا أمنته يوما واحدا، وما جئته يوما إلا وقد أوصيت وتكفنت وتحنطت. فَقَالَ: استقبل طاعة خليفتك، وأحمد اللَّه الَّذِي أراحك من الفاسق، ثُمَّ دعا مالك بْن الهيثم فكلمه بمثل ذلك، فاعتذر إِلَيْهِ بأنه أمره بطاعته، ثُمَّ أمرهم بتفريق جند أبي مسلم. وبعث إِلَى عدة من قواد أبي مسلم بجوائز سنية، وأعطى جميع جنوده حَتَّى رضوا [٢] . وَكَانَ أَبُو مسلم قَدْ خلف أصحابه بحلوان وقدم المدائن فِي ثلاثة آلاف، وخلف أبا نصر على ثقله وَقَالَ: أقم حَتَّى يأتيك كتابي، قَالَ: فاجعل بيني وبينك آية أعرف بها كتابك. قال: إن أتاك كتابي مختوما بْنصف خاتم فأنا كتبته، وإن أتاك بخاتم كله فلم أكتبه. فلما قتل أَبُو مسلم كتب أَبُو جعفر إِلَى أبي نصر كتابا عَنْ لسان أبي مسلم يأمره بحمل ثقله وما خلف عنده، وأن يقدم. وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم، فلما رأى أَبُو نصر نقش الخاتم تاما علم أن أبا مسلم لم يكتبه، فَقَالَ: أفعلتموها، وانحدر إلى همدان وهو يريد خراسان، فكتب أَبُو جعفر إِلَى أبي نصر بعهده على شهرزور، فلما مضى العهد جاءه الخبر أنه قد توجه إِلَى خراسان، فكتب أَبُو جعفر إِلَى عامله بهمدان: إن مر بك أَبُو نصر فاحبسه. فأخذه فحبسه، فقدم صاحب [الكتاب] [٣] بالعهد لأبي نصر فخلى سبيله، ثُمَّ قدم كتاب آخر بعده بيومين يقول فِيهِ: إن كنت أخذت أبا نصر فاقتله. فَقَالَ: جاءني كتاب عهده فخليت سبيله [٤] . وقدم أَبُو نصر على أبي جعفر فَقَالَ لَهُ: أشرت على أبي مسلم بالمضي إلى

стр. 2598

خراسان فَقَالَ: نعم يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كانت لَهُ عندي أياد وصنائع، فاستشارني/ ٨/ ب فنصحته، وأنت يا أمير المؤمنين إن اصطنعتني نصحت لك [١] وشكرت. فعفا عنه [٢] . وفي رواية: أن المنصور كتب إِلَى عامل أصبهان: للَّه دمك إن فاتك- يعني أبا نصر فأخذه وأوثقه وبعثه إِلَيْهِ فصفح عنه [٣] . وقد كَانَ أَبُو الجهم بْن عطية أحد النقباء، وَكَانَ عينا لأبي مسلم على المنصور، فلما اتهمه المنصور طاوله يوما بالحديث حَتَّى عطش، فاستسقى ماء فدعي لَهُ بسويق لوز ممزوج بالسكر، وفيه سم، فشربه، فلما استقر فِي جوفه أحس بالموت، فوثب مسرعا فَقَالَ لَهُ: إِلَى أين؟ قَالَ: إِلَى حيث أرسلتني. فرجع إِلَى رحله فمات. فَقَالَ الشاعر: تجنب سويق اللوز لا تقربْنه ... فشرب سويق اللوز أودى أبا الجهم وذهبت «شربة أبي الجهم» مثلا للشيء الطيب الطعم الخبيث العاقبة. قَالَ أَبُو مُحَمَّد عَلِيّ بْن أَحْمَد بْن سعيد الحافظ: إن المنصور كَانَ يَقُول: ثلاث كن فِي صدري شفى اللَّه منها: كتاب أبي مسلم إلي وأنا خليفة: عافانا اللَّه وإياك من السوء، ودخول رسوله علينا وقوله: أيكم ابْن الحارثية؟ وضرب سليمان بْن حبيب ظهري بالسياط. قَالَ أَبُو مُحَمَّد: كَانَ سليمان قَدِ استعمل المنصور على بعض كور فارس قبل أن تصير الخلافة إِلَى بْني الْعَبَّاس، فاحتجز المال لنفسه، فضربه سليمان بالسياط ضربا شديدا وأغرمه المال، فلما ولي الخلافة ضرب عنقه. وفي هذه السنة: خرج ملبد بْن حرملة الشيباني بناحية الجزيرة: فسارت إليه روابط الجزيرة وهم ألف، فقاتلهم ملبد فهزمهم، وقتل من قتل منهم، ثُمَّ سارت إِلَيْهِ روابط الموصل فهزمهم، ثُمَّ سار إِلَيْهِ يزيد بْن حاتم المهلبي، فهزمه أيضا بعد قتال شديد، ثُمَّ وجّه إليه أبو جعفر مولاه المهلهل فِي ألفين من نخبة الجند، فهزمهم ملبّد

стр. 2599

واستباح عسكرهم، ثُمَّ وجه إِلَيْهِ بعد ذلك مرارا [١] ، فهزم الكل إِلَى أن [٢] قدم حميد بن ٩/ أقحطبة فهزمه/ أيضا، وتحصن منه حميد، وأعطاه مائة ألف درهم حَتَّى كف عنه [٣] . وزعم الواقدي أن ظهور ملبد كَانَ فِي سنة ثمان وثلاثين. وفِي هذه السنة: حج بالناس إسماعيل بْن علي بن عَبْد اللَّهِ بن عباس، وكان على مكة العباس بن عبد الله بن معبد، وعلى المدينة زياد بْن عبيد اللَّه، ومات الْعَبَّاس عند انقضاء الموسم، فضم إسماعيل عمله إِلَى زياد، فأقره أَبُو جعفر [٤] . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْن أيوب قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيِّ بْنِ شَاذَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو علي الطوماري قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن يحيى قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار قَالَ: حَدَّثَنِي عمي مُصْعَب بْن عثمان قَالَ: دخل أَبُو حمزة الربعي من ولد ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب على زياد بْن عبيد اللَّه الحارثي وَهُوَ وال على المدينة فَقَالَ: أصلح اللَّه الأمير، بلغني أن أمير المؤمنين المنصور وجه إليك بمال يقسمه على القواعد والعميان والأيتام. قَالَ: [نعم] [٥] قَدْ كَانَ ذلك، فتقول ماذا؟ قَالَ: اكتبْني فِي القواعد. قَالَ: أي رحمك اللَّه، إنما القواعد النساء الَّتِي قعدن عَنِ الأزواج! وأنت رجل! قَالَ: فاكتبْني فِي العميان. قَالَ: أما هَذِهِ فنعم، اكتبه يا غلام، فقد قَالَ اللَّه تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ ٢٢: ٤٦ [٦] وأنا أشهد أن أبا حمزة أعمى. قَالَ: واكتب بْني فِي الأيتام. قَالَ: وذاك، اكتبهم يا غلام، فمن كَانَ أَبُو حمزة أباه فهو يتيم. قَالَ: فأخذ واللَّهِ فِي العميان، وأخذ بْنوه فِي الأيتام. وَكَانَ على الكوفة عيسى بْن موسى. وعلى البصرة وأعمالها سليمان بن علي. وعلى قضائها عمرو بْن عامر السلمي، وعلى خراسان أَبُو داود خالد بْن إِبْرَاهِيم. وعلى الجزيرة حميد بْن قحطبة. وعلى مصر صالح بن علي [٧] .

стр. 2600

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٧٣٧- خير بْن نعيم بْن مرة بْن كريب، أَبُو نعيم الحضرمي [١] . ولي القضاء والقصص فِي آخر خلافة بْني أمية وأول خلافة بْني الْعَبَّاس، وَكَانَ فقيها. روى عَنْ/ عطاء بْن أبي رباح. وروى عنه: يزيد بْن أبي حبيب، وحيوة بن ٩/ ب شريح، والليث، وابْن لهيعة. قَالَ سهيل بْن عَلِيّ: كنت أجالس خير بْن نعيم، فرأيته يتجر فِي الزيت، فقلت لَهُ: وأنت أيضا تتجر [٢] ؟ فضرب بيده على كتفي، ثُمَّ قَالَ: انتظر حَتَّى تجوع ببطن غيرك. فقلت فِي نفسي: كيف يجوع الإنسان ببطن غيره. فلما بليت بالعيال إذا أنا أجوع ببطونهم. تُوُفِّيَ خير بْن نعيم في هذه السنة. ٧٣٨- عَبْد الرَّحْمَنِ، أَبُو مسلم المروزي. صاحب الدولة العباسية [٣] . روى عَنْ أبي الزُّبَيْر، وثابت البناني، وغيرهما. ولد بأصبهان، وكان أبوه أوصى به إلى عيسى بن موسى السراج، فحمل إلى الكوفة وهو ابن سبع سنين، فقال له إبراهيم بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العباس لما عزم على توجيهه إلى خراسان أن غير اسمك. فَقَالَ: قَدْ سميت نفسي عَبْد الرَّحْمَنِ. ومضى وله ذؤابة، فركب حمارا بإكاف وَهُوَ ابْن سبع عشرة سنة فَقَالَ لَهُ: خذ نفقة من مالي، لا أريد أن تمضي بْنفقة من مالك ولا من مال عيسى. وَكَانَ شجاعا ذا رأي وعقل وحزم، إلا أنه كَانَ فاتكا. أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّهِ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَبِيبِيُّ قَالَ: أخبرنا محمد بن عبدك قال: أخبرنا

стр. 2601

مُصْعَبُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَامَ رَجْلٌ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ وَهُوَ يَخْطُبُ فقال له: ما هذا السواد الَّذِي أَرَى عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، وَهَذِهِ ثِيَابُ الهيبة وثياب الدولة، يا غلام، اضرب عنقه [١] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرني الأزهري قال: حدّثنا محمد بن جعفر النجار قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَد الجلوذي قَالَ: حدّثنا ١٠/ أمحمد بن زكويه قال: روي لنا أن أبا مسلم قَالَ: ارتديت الصبر/، وآثرت الكتمان، وحالفت الأحزان والأشجان، وسامحت المقادير والأحكام حَتَّى بلغت غاية همتي، وأدركت نهاية بغيتي، ثُمَّ أنشأ يَقُول: قَدْ نلت بالحزم والكتمان مَا عجزت ... عنه ملوك بْني مروان إذ حشدوا مَا زلت أضربهم بالسيف فانتبهوا ... من رقدة لم ينمها [٢] قبلهم أحد طفقت أسعى عليهم فِي ديارهم ... والقوم فِي ملكهم بالشام قَدْ رقدوا ومن رعى غنما فِي أرض مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد [قَالَ علماء السير] [٣] : ظهر أَبُو مسلم لخمس بقين من رَمَضَان سنة تسع وعشرين ومائة، ثُمَّ سار إلى أبي الْعَبَّاس أمير المؤمنين سنة ست وثلاثين وقيل [٤] فِي سنة سبع وثلاثين بالمدائن. فبقي أَبُو مسلم فيما كَانَ فِيهِ ثمانية وسبعين شهرا غير ثلاثة عشر يوما. وقد ذكرنا كيفية قتله فِي حوادث هَذِهِ السنة. قَالَ مؤلف الكتاب: نقلت من خط أبي الوفا بْن عقيل قَالَ: وجدت فِي تعاليق محقق من أَهْل العلم: أن سبعة مات كل واحد منهم وله ست وَثَلاثُونَ سنة، فعجبت من قصر أعمارهم مع بلوغ كل منهم الغاية فيما كَانَ فِيهِ، وانتهى إِلَيْهِ، فمنهم: الإسكندر ذو القرنين، وأبو مسلم صاحب الدولة العباسية، وابْن المقفع صاحب الخطابة والفصاحة، وسيبويه صاحب التصانيف والمتقدم فِي علم العربية، وأبو تمام الطائي وما بلغ من الشعر

стр. 2602

وعلومه، وإبراهيم النظام المعمق فِي علم الكلام، وابن الريوندي وما انتهى إليه من التوغيل فِي المخازي. فهؤلاء السبعة لم يجاوز أحد منهم ستا وثلاثين سنة، بل اتفقوا على هَذَا القدر من العمر. ٧٣٩- عثمان بْن عروة بْن الزُّبَيْر بْن العوام [١] . سمع أباه، وروى عنه أخوه هشام، وابْن عيينة. وَكَانَ قليل الحديث، وَكَانَ من وجوه قريش وساداتهم، وَكَانَ/ جميل الوجه، ١٠/ ب حسن الثوب والمركب، عطرا، حتى كان أبوه يَقُول لَهُ وَهُوَ يغلف لحيته بالغالية: إني لأراها ستقطر. أَنْبَأَنَا الحسين بْن مُحَمَّد بْن عبد الوهاب قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طاهر المخلص قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن سليمان بْن داود والطوسي قَالَ: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني مصعب بْن عثمان قَالَ: وفد عثمان بْن عروة على مروان بْن مُحَمَّد فأخبر به، فَقَالَ: أنا راكب غدا، فلا ترونيه حَتَّى أتوسمه فِي الناس، فركب، فتصفح وجوه الناس، ثُمَّ أقبل على بعض من معه فَقَالَ: ينبغي أن يكون ها ذاك عثمان بْن عروة، وأشار إِلَيْهِ. فقالوا: هو هو يا أمير المؤمنين. وَكَانَ وسيما جسيما فأعطاه مروان مائة ألف درهم، ثُمَّ قدم من عند مروان فأغلي كراء الحمر من كثرة من تلقاه. فقلت لَهُ: ولم ذاك؟ فَقَالَ: يرجون والله جوائزه. ٧٤٠- واهب بْن عَبْد اللَّه، أَبُو عَبْد اللَّه المعافري الكعبي [٢] . يروي عَنْ: ابْن عُمَر، وابْن عَمْرو، وعقبة بْن عامر. روى عنه: ابْن لهيعة وغيره. تُوُفِّيَ في هذه السنة ببرقة، وكان قد عمّر.

стр. 2603

ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائة فمن الحوادث فِيهَا: دخول قسطنطين طاغية الروم ملطية عنوة، وقهره لأهلها، وهدمه سورها، إلا أنه عفا عمن فِيهَا من المقاتلة والذرية [١] . وَفِيهَا: غزا الْعَبَّاس بْن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاس الصائفة مَعَ صالح بْن عَلِيّ، فوصله صالح بأربعين ألف دينار، وخرج معهم عيسى بْن عَلِيّ، فوصله أيضا بأربعين ألف دينار، وبْنى صالح مَا كَانَ صاحب الروم هدمه من ملطية. وقد قيل: إن خروج صالح والعباس إِلَى ملطية للغزو كَانَ فِي سنة تسع وثلاثين ومائة [٢] . وَفِيهَا: بايع عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ لأبي جعفر وَهُوَ/ مقيم بالبصرة مَعَ أخيه سليمان بْن علي. وفيها: خلع جمهور بْن مرار العجلي المنصور: وَكَانَ السبب أن جهور هزم سنباذ، وحوى مَا فِي عسكره، وكان فيه خزائن أبي مسلم التي خلفها بالري، فلم يوجهها إِلَى أبي جعفر، فخاف فخلعه، فوجه إِلَيْهِ أَبُو جعفر مُحَمَّد بْن الأشعث الخزاعي فِي جيش عظيم، فلقيه مُحَمَّد فاقتتلوا قتالا شديدا، وهرب جهور، فلحق بأذربيجان، ثم أخذ بعد ذلك وقتل [٣] .

стр. 2604

وَفِيهَا: قتل الملبد الخارجي: وقد ذكرنا شأنه فِي السنة الَّتِي قبلها، وما جرى لَهُ إِلَى أن تحصن منه حميد. ثُمَّ وجه أَبُو جعفر إِلَيْهِ عَبْد العزيز بْن عَبْد الرَّحْمَنِ أخا عَبْد الجبار، وضم إِلَيْهِ زياد بْن مشكان، فأكمن لَهُ الملبد مائة فارس، فلما لقيه عَبْد العزيز خرج عليه الكمين فهزموه وقتلوا عامة أصحابه، فوجه إِلَيْهِ أَبُو جعفر خازم بْن خزيمة فِي نحو من ثمانية آلاف، فالتقوا فتسايروا من منزل إِلَى منزل، فقتل الملبد فِي أكثر من ألف من أصحابه، وهرب الباقون فتبعوهم فقتلوا منهم مائة وخمسين [١] . وفى هذه السنة: حج بالناس الفضل بْن صالح بْن عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عباس. وذكر أنه خرج من الشام حاجا، فأدركته ولايته على الموسم والحج بالناس فِي الطريق، فمر بالمدينة، فأحرم منها [٢] . وَكَانَ زياد بْن عبيد اللَّه على مكة والمدينة والطائف. وعلى الكوفة وسوادها عيسى بْن موسى. وعلى البصرة وأعمالها سليمان بْن عَلِيّ. وعلى قضائها سوار بْن عَبْد اللَّه. وعلى خراسان أَبُو داود خالد بْن إِبْرَاهِيم. وعلى مصر صالح بْن عَلِيّ [٣] . ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٧٤١- سليمان بْن أبي سليمان- وَهُوَ ابْن فيروز- أَبُو إسحاق الشيباني [٤] . سمع ابْن أبي أوفى، والشعبي [٥] ، وعكرمة. روى عنه: سليمان التيمي، والدوري، وشعبة/. [تُوُفِّيَ في هذه السنة] [٦] .

стр. 2605

ثُمَّ دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة فمن الحوادث فِيهَا: إقامة صالح بْن عَلِيّ والعباس بْن مُحَمَّد بملطية حَتَّى استتما بْناء ملطية، ثُمَّ غزوا الصائفة، فوغلا فِي أرض الروم [١] . وفي هذه السنة: كَانَ الفداء الَّذِي جرى بين المنصور وصاحب الروم، واستنقذ المنصور منهم أسرى المسلمين [٢] . وَفِيهَا: سار عَبْد الرَّحْمَنِ بْن معاوية بْن هشام بْن عَبْد الملك بْن مروان إِلَى الأندلس، فملكه أهلها أمرهم، فولده ولاتها [٣] . وَفِيهَا: وسع أَبُو جعفر المسجد الحرام [٤] . وَفِيهَا: عزل سليمان بْن عَلِيّ عَنْ ولاية البصرة وأعمالها، وولي مَا كَانَ إِلَيْهِ سفيان بْن معاوية وذلك فِي رَمَضَان. وقيل: إنما كَانَ عزل ذلك وتولية هَذَا فِي سنة أربعين، ولما عزل سليمان توارى عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ وأصحابه خوفا على أنفسهم. فإنا قد ذكرنا أن عَبْد اللَّه لما انهزم مضى إِلَى سليمان، فكان عنده، وكتب أبو

стр. 2606

جعفر إِلَى سليمان وعيسى بْن عَلِيّ فِي إشخاص عَبْد اللَّه وأعطاهما الأمان مَا رضيا به، فلما خرجا به أتى به وبأصحابه إلى أبا جعفر يوم الخميس لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. ولما دخل سليمان وعيسى على أبي جعفر أعلماه حضور عَبْد اللَّه، وسألاه الإذن لَهُ، فأنعم لهما بذلك، وشغلهما بالحديث، وقد كَانَ هيأ لعَبْد اللَّه محبسا فِي قصره، وأمر به أن يصرف إِلَيْهِ بعد دخول سليمان وعيسى عليه، ففعل ذلك به، ثُمَّ قَالَ لسليمان وعيسى: سارعا بعبد الله. فخرجا، فلم يرياه في المكان الذي خلفاه فيه، فعلما أنه قَدْ حبس، فرجعا إِلَى أبي جعفر، فحيل بينهما وبينه. وقتل جماعة من أصحاب عَبْد اللَّه وحبسوا [١] . وفي هذه السنة: حج بالناس الْعَبَّاس بْن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ/ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ١٢/ أعباس [٢] . وَكَانَ على مكة والمدينة والطائف زياد بْن عبيد اللَّه الطائي. وعلى الكوفة وأرضها عيسى بْن موسى. وعلى البصرة وأعمالها سفيان بْن معاوية المهلبي، وعلى قضائها سوار بْن عَبْد اللَّه. وعلى خراسان أَبُو داود خالد بْن إِبْرَاهِيم [٣] . وسميت هَذِهِ السنة بسنة الخصب، لاتصال الخصب فِيهَا. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٧٤٢- جميل بْن كريب المعافري . من أَهْل إفريقية. حدث عَنْ أبي عَبْد الرحمن الجيلي، وكان من أهل العلم

стр. 2607

والدين. وسأله الأمير عَبْد الرَّحْمَنِ بْن حبيب الفهري تولية القضاء فامتنع، وتمارض وشرب ماء التبْن حَتَّى اصفر لونه، فبعث [إِلَيْهِ] [١] عَبْد الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَهُ: إنما أردت أن تكون عونا على الأمر، وأقلدك أمر المسلمين فتحكم علي وعلى من دوني بما تراه من الحق، فاتق اللَّه فِي الناس. فَقَالَ لَهُ جميل: آللَّه إنك لتفعل؟ فقال: آللَّه، فقبل، فما مر إلا أيام حَتَّى أتاه رجل يدعي على عَبْد الرَّحْمَنِ بْن حبيب دعوى، فمضى معه إِلَى باب دار الإمارة، فَقَالَ للحاجب: أعلم الأمير بمكاني، وأن هَذَا يدعي عليه بدعوى. فدخل فأعلمه. وَكَانَ عَبْد الرَّحْمَنِ من أغنى من ولي أفريقية، فلبس رداء ونعلين وخرج إِلَيْهِ، فأقعده جميل مقعد الخصم مَعَ صاحبه، ثُمَّ نظر بينهما، فأنصفه عَبْد الرَّحْمَنِ. وَكَانَ جميل يركب حمارا ورسنه ليف، فمر يوما فعرض لَهُ خصمان [٢] فِي موضع، فنزل عَنْ حماره، وقعد فأراد أحدهما أن يمسك رأس الحمار، فمنعه وأمسكه هو، ثُمَّ ركب. وَكَانَ البربر قَدْ رحلوا إِلَى القيروان، فخرج إليهم الناس ومعهم ابْن كريب، فاقتتلوا فقتل ابْن كريب في هذه السنة. ٧٤٣- خالد بْن يزيد، مولى عمير [٣] بْن وهب الجهني، يكنى أبا عَبْد الرحيم [٤] . كَانَ فقيها مفتيا، وآخر من حدث عنه بمصر المفضل بْن فضالة. تُوُفِّيَ في هذه السنة. ١٢/ ب ٧٤٤- داود/ بْن أبي هند، أَبُو بكر- واسم أبي هند: دينار- مولى لآل الأعلم القشريين [٥] . ولد بسرخس، وروى عَنْ أنس، وسعيد بْن المسيب، وأبي عثمان النهدي، وأبي العالية، والحسن. وكان يفتي في زمن الحسن.

стр. 2608

أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِيُّ قَالَ: أَنْبَأَنَا الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قال: أخبرنا ابْن معروف قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن الفهم قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْن عَبْد اللَّه قَالَ: حَدَّثَنَا سفيان قَالَ: سمعت داود بْن أبي هند يَقُول: أصابْني- يعني الطاعون- فأغمي عليّ، وكأن اثنان أتياني، فغمز أحدهما عكوة لساني، وغمز الآخر أخمص قدمي، فَقَالَ: أي شيء تجد؟ فَقَالَ: تسبيحا وتكبيرا، وشيئا من خطو إِلَى المساجد وشيئا من قراءة القرآن. قَالَ: ولم أكن أخذت القرآن حينئذ، فعوفيت وأقبلت على القرآن فتعلمته. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ أَحْمَدَ قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد قال: حدثني الفضل بْن جعفر عَنْ عَمْرو بْن عَلِيّ قَالَ: سمعت ابْن أبي عدي يَقُول: صام داود أربعين سنة لا يعلم به أهله. كَانَ خزازا يحمل معه غداءه من عندهم فيتصدق به فِي الطريق ويرجع عشيا فيفطر معهم. تُوُفِّيَ داود في هذه السنة. ٧٤٥- يونس بْن عبيد، أَبُو عَبْد اللَّه، مولى لعبد القيس [١] . أسند عَنْ أنس، والحسن، وابْن سيرين، وعطاء، وعكرمة. وَكَانَ عالما ثقة زاهدا. أَخْبَرَنَا ابن ناصر قال: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني قال: حدثنا عُمَر بْن أَحْمَد بْن عَمْرو قَالَ: حَدَّثَنَا رستة قَالَ: سمعت زهيرا يَقُول: كَانَ يونس بْن عُبَيْد خزازًا، فجاء رجل يطلب ثوبا، فَقَالَ لغلامه: انشر الرزمة. وضرب بيده على الرزمة وَقَالَ: صلى اللَّه على مُحَمَّد. فَقَالَ: ارفعه. وأبى أن يبيعه مخافة أن يكون [قَدْ] [٢] مدحه. قَالَ أَبُو نعيم: وحدثنا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن المثنى قال: حدّثنا

стр. 2609

هدبة بْن خالد [قَالَ] : حَدَّثَنَا أمية بْن بسطام قَالَ: كَانَ يونس بْن عبيد يشتري الأبريسم/ ١٣/ أمن البصرة فيبعث به إِلَى وكيله بالسوس، وَكَانَ وكيله كتب إِلَيْهِ أن المتاع عندهم زائد. قَالَ أَبُو نعيم: وحدثنا أَبُو مُحَمَّد بْن حباب [قَالَ] : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن معدان [قَالَ] : حَدَّثَنَا ابْن وارة [قَالَ] : حَدَّثَنَا الأصمعي [قَالَ] : حَدَّثَنَا مؤمل بْن إسماعيل قَالَ: جاء رجل من أَهْل الشام إِلَى سوق الخزازين، فقال: أريد مطرفا بأربعمائة [١] . قَالَ يونس بْن عبيد عندنا بمائتي [درهم] ، فنادى مناد بالصلاة [٢] . فانطلق يونس إِلَى بْني بشير ليصلي بهم، فجاء وقد باع ابْن أخيه المطرف من الشامي بأربعمائة، وَقَالَ يونس: مَا هَذِهِ الدراهم؟ قَالَ: ذاك المطرف بعناه من هَذَا الرجل. قَالَ يونس: يا عَبْد اللَّه، هَذَا الَّذِي عرضت عَلَيْك بمائتي درهم، فإن شئت فخذه وخذ مائتين، وإن شئت فدعه. قَالَ: من أنت؟ قَالَ: رجل من المسلمين. قَالَ: بل أسألك باللَّه من أنت؟ وما اسمك؟ قَالَ: يونس بْن عبيد. قال: فو الله إنا لنكون فِي نحر العدو، فإذا اشتد الأمر علينا قلنا اللَّهمّ رب يونس بْن عبيد فرج عنا. أو شبيه هَذَا. فَقَالَ يونس: سبحان اللَّه سبحان اللَّه. تُوُفِّيَ يونس في هذه السنة. وقيل: فِي سنة أربع وثلاثين ومائة.

стр. 2610

ثم دخلت سنة أربعين ومائة فمن الحوادث فِيهَا: أن ناسا من الجند وثبوا على أبي داود بْن إِبْرَاهِيم عامل خراسان، فأشرف عليهم من حائط المنزل الَّذِي هو فِيهِ، فوقع فانكسر ظهره فمات، فولى أَبُو جعفر عَبْد الْجَبَّارِ بْن عَبْد الرَّحْمَنِ خراسان، فقدمها فأخذ بها ناسا من القواعد ذكر أنه [١] اتهمهم بالدعاء إِلَى ولد عَلِيّ بْن أبي طالب فقتلهم [٢] . وفي هذه السنة: خرج أَبُو جعفر المنصور حاجا، فأحرم من الحيرة، ثم رجع بعد ما قضى الحج [٣] إِلَى المدينة، فتوجه منها إِلَى بيت المقدس، فصلى فِي مسجدها، ثُمَّ سلك إلى الشام منصرفا حتى انتهى إِلَى/ الرقة فنزلها، وكتب إِلَى صالح بن علي ١٣/ ب يأمره ببناء المصيصة، ثم خرج منها إلى ناحية الكوفة، فنزل المدينة الهاشمية بالكوفة، ثُمَّ انتقل عنها، فاختط مدينة السلام [٤] . أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَارِعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جعفر بْن المسلمة قال: أخبرنا المخلص قال: أخبرنا أحمد بن سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بكار قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن مُحَمَّد قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو منصور عَبْد الرَّحْمَنِ بْن صالح بْن دينار قَالَ: حج أَبُو جعفر المنصور فأعطى أشراف القرشيين ألف دينار لكل واحد منهم، فلم يترك أحدا من

стр. 2611

أهل المدينة إلا أعطاه، إلا أنه لم يبلغ واحد مَا بلغ بالأشراف، فكان ممن أعطاه الألف دينار سليم بْن عروة، ويعطي قواعد قريش صحاف الذهب والفضة وكساهن، وأعطى بالمدينة عطايا لم يعطها أحد. وَكَانَ عمال الأمصار في هذه السنة عمالها فِي السنة الَّتِي قبلها إلا خراسان، فإن عاملها كَانَ عَبْد الْجَبَّارِ. وحج المنصور بالناس [١] . وَمَا عرفنا أحدا من الأكابر تُوُفِّيَ فِي هذه السنة

стр. 2612

ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائة فمن الحوادث فِيهَا: قدوم المنصور من الحج إِلَى المدينة، ثُمَّ إِلَى بيت المقدس، فصلى فِيهِ، ثُمَّ انحدر إِلَى الرقة، وقتل بها منصور بْن جعونة، لأن المنصور قَالَ: احمدوا اللَّه يا أَهْل الشام، فقد رفع عنكم بولايتنا الطاعون. فَقَالَ منصور: اللَّه أكرم من أن يجمعك علينا والطاعون. ثُمَّ انحدر من الشام إِلَى شط الفرات حَتَّى نزل الهاشمية بالكوفة. وَفِيهَا: كَانَ خروج الراوندية [١] : وهم قوم من أَهْل خراسان كانوا على رأي أبي مسلم، إلا أنهم يقولون بتناسخ الأرواح، ويدعون أن روح آدم ﵇ فِي عثمان بْن نهيك، وأن ربهم الَّذِي يطعمهم ويسقيهم هو أبو جعفر المنصور، وأن الهيثم بْن معاوية جبرائيل. ١٤/ أوهؤلاء طائفة من/ الباطنية يسمون السبعية [٢] يقولون: الأرضون [٣] سبع، والسموات سبع، والأسبوع سبعة، يدل [٤] على أن دور الأئمة يتم بسبعة. فعدوا: الْعَبَّاس، ثم ابنه عبد الله، ثم ابنه علي، ثُمَّ مُحَمَّد بْن عَلِيّ، ثُمَّ إِبْرَاهِيم، ثم السفاح،

стр. 2613

ثُمَّ المنصور، فقالوا: هو السابع. وكانوا يطوفون حول قصر المنصور ويقولون: هَذَا قصر ربْنا. فأرسل المنصور فحبس منهم مائتين- وكانوا ستمائة- فغضب أصحابهم الباقون ودخلوا السجن، فأخرجوهم وقصدوا نحو المنصور، فتنادى الناس، وغلقت أبواب المدينة، وخرج المنصور ماشيا ولم يكن عنده دابة، فمن ذلك الوقت ارتبط فرسا، فسمى: فرس النوبة، يكون معه فِي قصره- فأتي بدابة فركبها، وجاء معن بْن زائدة فرمى بْنفسه وقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين إلا رجعت، فإني أخاف عَلَيْك. فلم يقبل وخرج، فاجتمع إِلَيْهِ الناس، وجاء عثمان بْن نهيك فكلمهم، فرموه بْنشابة وكانت سبب هلاكه، ثُمَّ حمل الناس عليهم فقتلوهم، وَكَانَ ذلك فِي المدينة الهاشمية بالكوفة فِي سنة إحدى وأربعين [١] . وقد زعم بعضهم أن ذلك كَانَ فِي سنة ست وأربعين أو سبع وأربعين ومائة. وفي هذه السنة: وجه أَبُو جعفر المنصور ابْنه محمدا- وَهُوَ ولي عهده يومئذ- إِلَى خراسان في الجنود، وأمره بْنزول الري، ففعل [٢] . وَفِيهَا: خلع عَبْد الجبار بْن عَبْد الرَّحْمَنِ عامل أبي جعفر على خراسان: وسبب ذلك: أن المنصور بلغه عَنْ عَبْد الجبار أنه يقتل رؤساء أَهْل خراسان، وأتاه من بعضهم كتاب فِيهِ: قَدْ نغل الأديم، فَقَالَ لأبي أيوب: إن عَبْد الجبار قَدْ أفنى شيعتنا، وما فعل هذا إلا وَهُوَ يريد أن يخلع. فَقَالَ: اكتب إليه: إنك تريد غزو الروم، ١٤/ ب فيوجّه إليك الجنود من خراسان، فإذا خرجوا منها فابعث إِلَيْهِ من شئت، فليس به/ امتناع. فكتب بذلك [إِلَيْهِ] [٣] ، فأجابه: أن الترك قَدْ جاشت، وإن فرقت الجنود ذهبت خراسان. فَقَالَ لأبي أيوب: مَا ترى؟ فَقَالَ: اكتب إليه: أن خراسان أهم إلي من غيرها، وأنا موجه إليك من قبلي. ثُمَّ وجه إِلَيْهِ الجنود ليكونوا بخراسان، فإن هم بخلع أخذوا بعنقه. فلما ورد على عَبْد الجبار الكتاب كتب إِلَيْهِ: إن خراسان لم تكن قط أسوأ حالا

стр. 2614

منها فِي هَذَا العام، وإن دخلها الجنود هلكوا لضيق مَا هم فِيهِ من غلاء السعر، فلما أتاه الكتاب ألقاه إِلَى أبي أيوب فَقَالَ لَهُ: [قَدْ] [١] أبدى صفحته وقد خلع فلا تناظره. فشخص المهدي، فلما بلغ ذلك أهل مروالرّوذ ساروا إِلَى عَبْد الجبار فناصبوه الحرب فهزم، فتبعه أحدهم فأخذه أسيرا وحمل إِلَى المنصور فِي مدرعة صوف على بعير، ووجهه من قبل عجزه، ومعه ولده وأصحابه، فبسط عليهم العذاب حَتَّى استخرج منهم الأموال، وأمر المسيب بقطع يدي عَبْد الجبار ورجليه، وضرب عنقه ففعل [٢] . وَقَالَ الواقدي: كَانَ هَذَا سنة اثنتين وأربعين. وَفِيهَا: فتحت طبرستان: وذلك أنه لما وجه المنصور المهدي إِلَى الري لقتال عَبْد الجبار، فكفى أمره، كره المنصور أن يضيع النفقات الَّتِي أنفقت على المهدي، فكتب إِلَيْهِ أن يغزو طبرستان، فذهب فطالت الحروب، فوجه أَبُو جعفر عُمَر بْن العلاء الَّذِي يَقُول فِيهِ بشار: فقل للخليفة إن جئته ... نصيحا ولا خير فِي المتهم إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمرا ثُمَّ نم فتى ينام على دمنة ... ولا يشرب الماء إلا بدم [٣] وفي هذه السنة: فرغ من بْناء المصيصة على يدي جبرئيل بْن يحيى الخراساني، ورابط محمد بن إِبْرَاهِيم الإمام بملطية [٤] . وَفِيهَا: / عزل زياد بْن عبيد عَنِ المدينة ومكة والطائف، واستعمل على المدينة ١٥/ أمحمد بْن خالد فقدمها فِي رجب، وعلى مكة والطائف الهيثم بْن معاوية العتكي [٥] . وفي هذه السنة: حج بالناس صالح بْن عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عباس، وَهُوَ على قنسرين وحمص ودمشق، وعلى المدينة: مُحَمَّد بْن خالد بن عبد الله القسري، وعلى

стр. 2615

مكة والطائف: الهيثم بن معاوية. وعلى الكوفة وأرضها عيسى بْن موسى، وعلى خراسان المهدي، وخليفته بها أسد بْن عَبْد اللَّه، وعلى مصر نوفل بْن الفرات. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٧٤٦- خالد بْن مهران، أَبُو المنازل الحذاء، مولى لقريش لآل عَبْد اللَّه بْن عامر بْن كرز [١] . سمع الحسن، وابْن سيرين، وأبا قلابة. وَكَانَ ثقة، ولم يكن حذاء وفي تلقيبه بالحذاء ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كَانَ يجلس إِلَى حذاء، فلقب بذلك، قاله يزيد بْن هارون. والثاني: أنه تزوج امرأة فنزل عَلَيْهَا فِي الحذائين. ذكره الخطابي. والثالث: أنه كَانَ إذا تكلم يَقُول: احذوا على هَذَا النحو، فلقب بالحذاء. قاله فهد بْن [٢] حبان القيسي. تُوُفِّيَ في هذه السنة. وقيل: فِي سنة اثنتين وأربعين. ٧٤٧- سلمة بْن دينار، أَبُو حازم، مولى بْني أشجع [٣] . كَانَ أعرج زاهدا عابدا، يقص بعد الفجر وبعد العصر فِي مسجد المدينة. وَكَانَ ثقة كثير الحديث. أسند عَنْ ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد، وأنس بْن مالك. قالت لَهُ امرأته: هَذَا الشتاء قَدْ هجم علينا ولا بد لنا مما يصلحنا فِيهِ، فذكرت الثياب، والطعام، والحطب، فَقَالَ: من أين هَذَا كله؟ ولكن خذي فيما لا بد منه: الموت، والبعث، ثُمَّ الوقوف بين يدي اللَّه، ثُمَّ الجنة والنار. كَانَ يَقُول: مَا مضى من الدنيا فحلم، وما بقي فأمانيّ.

стр. 2616

أَخْبَرَنَا عَبْد الملك الكروخي قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عبد/ الله بن محمد بن على بن عمير ١٥/ ب قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّد بْنُ مُحَمَّدِ القاضي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سعيد مُحَمَّد بْن حميد المرواني قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن المنذر قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن يوسف قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أبي الحواري قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إسحاق الموصلي قَالَ: قَالَ أَبُو حازم: إن بضاعة الآخرة كاسدة، فاستكثروا منها فِي أوان كسادها، فإنه لو قَدْ جاء يوم نفاقها لم نصل منها إلى قليل ولا كثير. أَخْبَرَنَا عَبْد الخالق بْن أَحْمَد قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن إسحاق قَالَ: أخبرنا عبد الرحمن بن أَحْمَد الراوي قَالَ: أَخْبَرَنَا جعفر بْن عبيد اللَّه بْن يعقوب قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن هارون الروياني قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن المغيرة قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الجبار بْن عَبْد العزيز بْن أبي حازم قَالَ: حَدَّثَنِي أبي قَالَ: بعث سليمان بْن عَبْد الملك إِلَى أبي حازم فجاءه فَقَالَ: يا أبا حازم، مَا لنا نكره الموت؟ قَالَ: لأنكم أخربتم أخراكم، وعمرتم دنياكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إِلَى الخراب. قَالَ: صدقت، فكيف القدوم على اللَّه ؟ قَالَ: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه. فبكى سليمان وَقَالَ: ليت شعري ما لنا عند اللَّه يا أبا حازم؟ فَقَالَ: اعرض نفسك على كتاب الله، فإنك تعلم ما لك عند اللَّه. قَالَ: يا أبا حازم، وأين أصيب ذلك؟ قَالَ: عند قوله: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ٨٢: ١٣- ١٤ [١] . فَقَالَ سليمان: فأين رحمة اللَّه؟ قَالَ: قَرِيبٌ من الْمُحْسِنِينَ ٧: ٥٦ [٢] قَالَ: مَا تقول فيما نحن فِيهِ؟ قَالَ: اعفني من هَذَا. قَالَ سليمان: نصيحة تلقيها. قَالَ أَبُو حازم: إن ناسا أخذوا هَذَا الأمر عنوة من غير مشاورة من المسلمين ولا اجتماع من رأيهم، فسفكوا فيه الدماء على طلب الدنيا، ثُمَّ ارتحلوا عنها، فليت شعري مَا قالوا وما قيل لهم. فَقَالَ بعض جلسائه: بئس مَا قلت يا شيخ. فَقَالَ أَبُو حازم: كذبت، إن اللَّه تعالى أخذ على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه. فَقَالَ سليمان: اصحبْنا يا أبا حازم تصب منا ونصب منك. قَالَ: أعوذ باللَّه من ذلك. قَالَ: ولم؟ قَالَ: أخاف/ أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني الله ١٦/ أضعف الحياة وضعف الممات. قَالَ: فأشر علي. قَالَ: اتق اللَّه أن يراك حيث نهاك، وأن يفقدك حيث أمرك. فَقَالَ: يا أبا حازم، ادع لنا بخير. فَقَالَ: اللَّهمّ إن كَانَ سليمان وليك فيسره للخير، وإن كَانَ عدوك فخذ إِلَى الخير بْناصيته. فَقَالَ: يا غلام، هات مائة

стр. 2617

دينار. ثُمَّ قَالَ: خذها يا أبا حازم. قَالَ: لا حاجة لي فِيهَا، إني أخاف أن يكون لما سمعت من كلامي. وَكَانَ سليمان أعجب بأبي حازم فَقَالَ الزهري: إنه لجاري منذ ثلاثين سنة مَا كلمته قط. فَقَالَ أَبُو حازم: إنك نسيت اللَّه فنسيتني، ولو أحببت اللَّه لأحببتني. قَالَ الزهري: أتشتمني؟ قَالَ سليمان: بل أنت شتمت نفسك، أما علمت أن للجار على جاره حقا؟ فَقَالَ أَبُو حازم: إن بْني إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت الأمراء تحتاج إِلَى العلماء، وكانت العلماء تفر بدينها من الأمراء، فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا ذلك العلم وأتوا به إلى الأمراء، فاستغنت به عَنِ الزهاد، واجتمع القوم على المعصية [١] ، فسقطوا وانتكسوا، ولو كان علماؤنا يصونون علمهم لم تزل الأمراء تهابهم. قَالَ الزهري: كأنك إياي تريد، وبي تعرض. قَالَ: هو مَا تسمع. أَخْبَرَنَا ظفر بْن عَلِيّ بْن الْعَبَّاس المهراني قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسن فيد بن عبد الرحمن بن شادي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسن عَلِيّ بْن سعيد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو زرعة أَحْمَد بْن الحسين الرازي قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَبَّاس بْن عَبْد اللَّه المزني قَالَ: حَدَّثَنَا المبرد، عَنِ الرياشي، عَنِ الأصمعي قَالَ: دخل أَبُو حازم الطواف، فإذا هو بامرأة سافرة عَنْ وجهها تطوف، وقد فتنت النّاس بحسن وجهها فَقَالَ: يا هَذِهِ، ألا تخمرين وجهك؟ فقالت: يا أبا حازم، إنا من اللواتي يقول فيهن الشاعر: ١٦/ ب/ أماطت قناع الخز عَنْ حر وجهها ... وأبدت من الخدين بردا مهلهلا من اللائي لم يحججن تبغين ريبة [٢] ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا وترمي بعينيها القلوب إذا بدت ... لها نظر لم يخط للحي مقتلا فأقبل أَبُو حازم على أَهْل الطواف فَقَالَ: يا أَهْل بيت الله، تعالوا ندع الله أن لا يعذب هَذَا الوجه بالنار، فذكر ذلك لسعيد بْن المسيب، فَقَالَ: لو كَانَ من بعض أَهْل العراق لقال: يا عدوة الله، ولكن ظرف أهل الحجاز.

стр. 2618

أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال: أخبرنا محمد بْن هبة اللَّه الطبري قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين بْن بشران قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن صفوان قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر القرشي قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسن بْن عَبْد العزيز قَالَ: حَدَّثَنَا الحارث بْن مسكين قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن وهب، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن زيد بْن أسلم، عَنْ سليمان العمري قَالَ: رأيت أبا جعفر الْقَارِئ فِي المنام فقلت لَهُ: أبا جعفر. فَقَالَ: نعم، أقرئ إخواني مني السلام وأخبرهم أن اللَّه تعالى جعلني من الشهداء الأحياء المرزوقين، وأقرئ أبا حازم السلام وقل لَهُ: يَقُول لك: الكيس الكيس، فإن اللَّه وملائكته يتراءون مجلسك بالعشيات. ٧٤٨- موسى بْن كعب . كَانَ على بسط المنصور وعلى مصر والهند، وَكَانَ خليفته على الهند ابْنه عيينة. تُوُفِّيَ موسى في هذه السنة.

стр. 2619

ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائة فمن الحوادث فِيهَا: خروج المنصور حَتَّى نزل بعسكره عند جسر البصرة الأكبر، وبْنى لهم قبلتهم التي ١٧/ أيصلّون [١] إليها فِي عيدهم بالحمان [٢] ، واستعمل عيسى/ بْن عَمْرو الكندي على البصرة، ومعن بْن زائدة على اليمن. ووجه عُمَر بْن حفص بْن أبي صفرة عاملا على السند والهند، ومحاربا لعيينة بْن موسى، فسار حَتَّى ورد السند، وغلب عَلَيْهَا. وفي هذه السنة: نقض إصبهبذ طبرستان العهد بينه وبين المسلمين وقتل من كَانَ ببلاده من المسلمين . وَكَانَ من حديثه أن أبا جعفر لما انتهى إِلَيْهِ خبر الإصبهبذ وما فعل بالمسلمين وجّه إليه جماعة منهم أَبُو الخصيب، فأقاموا على حصنه محاصرين لَهُ ولمن معه فِي حصنه، فطال عليهم المقام، فاحتال أَبُو الخصيب فَقَالَ لأصحابه: اضربوني واحلقوا رأسي ولحيتي. ففعلوا ذلك به، ولحق بالأصبهبذ صاحب الحصن، فَقَالَ لَهُ: إنه ركب مني أمر عظيم، وإنما فعلوا بي هذا تهمة لي أن يكون هواي معك، فأخبره أنه معه، وأنه دليل على عورة عسكرهم. فقبل ذلك الأصبهبذ وجعله فِي خاصته، وألطفه، وَكَانَ على باب مدينتهم من حجر يلقى إلقاء، تدفعه الرجال وتضعه عند فتحه وإغلاقه. وَكَانَ قَدْ وكل به الإصبهبذ ثقات أصحابه، وجعل ذلك نوبا بينهم، وجعل أَبُو الخصيب فيمن ينوب عَنْ

стр. 2620

ذلك، فكتب إِلَى أصحابه، وجعل الكتاب فِي نشابة ورماها إليهم، وأعلمهم أنه قَدْ ظفر بالحيلة، ووعدهم ليلة سماها فِي فتح الباب، فلما كانت الليلة فتح لهم، فقتلوا من فيها من المقاتلة، وسبوا الذراري، فظفروا بأم منصور بْن المهدي، وأم إِبْرَاهِيم بْن المهدي. فمص الإصبهبذ خاتما لَهُ كَانَ فِيهِ سم فقتل نفسه. وقيل: إن هَذَا كَانَ سنة ثلاث وأربعين [١] . وفي هذه السنة: عزل نوفل بْن الفرات عَنْ مصر ووليها مُحَمَّد بْن الأشعث، ثُمَّ عزل مُحَمَّد ووليها نوفل، ثُمَّ عزل نوفل ووليها حميد بْن قحطبة [٢] . وَفِيهَا: ولى أَبُو جعفر أخاه الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد الجزيرة والثغور، وضم إِلَيْهِ عدة من القواد [٣] . وَفِيهَا: اختط/ المنصور بغداد، ولم يشرع فِي البْناء [٤] . وَفِيهَا: حج بالناس إسماعيل بْن عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عباس. وَكَانَ العامل على المدينة مُحَمَّد بْن خالد بْن عَبْد اللَّه، وعلى مكة والطائف الهيثم بن معاوية، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بْن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية، وعلى قضائها سوار بْن عَبْد اللَّه، وعلى مصر حميد بْن قحطبة بْن شبيب [٥] . ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٧٤٩- حميد بْن هانئ، أَبُو هانئ الخولاني [٦] . روى عَنْ أبي قتيل، وشقي بْن ماتع وغيرهما.

стр. 2621

حدث عنه الليث، وابْن لهيعة، وآخر من حدث عنه بمصر إسحاق بْن الفرات. وتوفي في هذه السنة. ٧٥٠- سليمان بْن عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عباس [١] . أمه أم ولد، ولي الإمارة بالبصرة وغيرها، ولاه المنصور. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عُمَر الدموي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الغنائم عَبْد الصمد بْن المأمون قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الفضل مُحَمَّد بْن الحسن المأمون قَالَ: حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال: حدثنا مُحَمَّد بْن مجيب المازني قَالَ: حَدَّثَنِي أبي قَالَ: لما قدم سليمان بْن عَلِيّ البصرة واليا عَلَيْهَا قيل لَهُ: إن بالمربد رجلا من بْني سعد [مجنونا] [٢] سريع الجواب، لا يتكلم إلا بالشعر. فأرسل إليه سليمان بْن عَلِيّ قهرمانا لَهُ، فَقَالَ لَهُ: أجب الأمير. فامتنع عليه، فجره وزبره وخرق ثوبه، وَكَانَ المجنون يعمل على ناقة لَهُ، فاستاق القهرمان الناقة، وأتى بهما سليمان بْن عَلِيّ، فلما وقف بين يديه قَالَ لَهُ سليمان: حياك اللَّه يا أخا بْني سعد. فَقَالَ: حياك رب الناس من أمير ... يا فاضل الأصل عظيم الخير إني أتاني الفاسق الجلواز ... والقلب قَدْ طار به اهتزاز فَقَالَ سليمان: إنما بعثته إليك ليشتري ناقتك. فَقَالَ: مَا قَالَ شيئا فِي شراء الناقة ... وقد أتى بالجهل والحماقة ١٨/ أ/ فَقَالَ: مَا أتى؟ فَقَالَ: خرق سربالي وشق بردتي ... وَكَانَ وجهي فِي الملا وزينتي فَقَالَ: نخلف عَلَيْك، أفتعزم على بيع الناقة. فَقَالَ: أبيعها من بعد مال أوكس ... والبيع فِي بعض الأوان أكيس قَالَ: كم شراؤها عَلَيْك؟ فَقَالَ: شراؤها عشر ببطن مكة ... من الدنانير القيام السكة ولا أبيع الدهر أو أزاد ... إني لربح في الشرا معتاد

стр. 2622

قَالَ: فبكم تبيعها؟ فَقَالَ: خذها بعشر وبخمس وازنه ... فإنها ناقة صدق مازنة فَقَالَ: تحطنا وتحسن. فَقَالَ: تبارك اللَّه العلي العالي ... تسألني الحط وأنت الوالي قَالَ: فنأخذها ولا نعطيك شيئا. فَقَالَ: فأين ربي ذو الجلال الأفضل ... إن أنت لم تخش الإله فافعل فَقَالَ: كم نزن لك فِيهَا؟ فَقَالَ: والله مَا ينعشني مَا تعطي ... ولا يداني الفقر مني خطي خذها بما أحببت يا ابْن عباس ... يا ابْن الكرام من قريش والراس فأمر لَهُ سليمان بألف درهم وعشرة أثواب، فَقَالَ: إني رمتني نحوك العجاج ... ولي عيال معدم محتاج طاوي المطي ضيق المعيش ... فأنبت اللَّه لديك ريشي شرفتني [١] منك بألف فاخره ... شرفك اللَّه بها فِي الآخره وكسوة طاهرة حسان ... كساك ربي حلل الجنان فَقَالَ سليمان/ بْن علي: من يقول هَذَا مجنون!؟ مَا كلمت أعرابيا قط أعقل منه. ١٨/ ب تُوُفِّيَ سليمان بالبصرة في هذه السنة، وَهُوَ ابْن تسع وخمسين، وصلى عليه أخوه عَبْد الصمد بْن عَلِيّ. ٧٥١- عاصم بْن سليمان، أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ الأحول الْبَصْرِيّ [٢] . سمع أنسا، وعَبْد اللَّه بْن سرخس، والحسن. وولي القضاء بالمدائن في خلافة المنصور، وكان يحتسب على المكاييل والموازين، وهو معدود في كتاب الحفاظ الثقات. عَنْ مُحَمَّد بْن عبادة قَالَ: حَدَّثَنِي أبي قَالَ: ربما رئي عاصم الأحول وَهُوَ صائم فيفطر، فإذا صلى العشاء تنحى فصلى، فلا يزال يصلي حَتَّى يطلع الفجر، لا يضع جنبه. توفي في هذه السنة.

стр. 2623

ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة فمن الحوادث فِيهَا: أن الخبر جاء إِلَى المنصور بأن الديلم أوقعوا بالمسلمين، وقتلوا مقتلة عظيمة، فبعث أهل البصرة وأهل الكوفة لجهادهم [١] . وَفِيهَا: عزل الهيثم بْن معاوية عَنْ مكة والطائف، وولي مَا كَانَ إِلَيْهِ من ذلك السري بْن عَبْد اللَّه بْن الحارث بْن عباس بْن عَبْد المطلب، فأتى السري عهده على ذلك وَهُوَ باليمامة، فسار إِلَى مكة. ووجه المنصور إِلَى اليمامة مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس بْن عَبْد اللَّه بْن عباس [٢] . وفي هذه السنة: عزل حميد بْن قحطبة عَنْ مصر، ووليها نوفل، ثُمَّ عزل ووليها يزيد بْن حاتم [٣] . وفي هذه السنة: حج بالناس عيسى بْن موسى، وَكَانَ إِلَيْهِ ولاية الكوفة وسوادها، وَكَانَ عامل مكة والمدينة السري بْن عَبْد اللَّه، وعامل البصرة سفيان بْن معاوية، وَكَانَ على قضائها سوار، وعلى مصر يزيد بن حاتم [٤]

стр. 2624

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٧٥٢-/ حميد بْن مهران، أَبُو عبيدة الطويل . مولى لخزاعة، ولد سنة ثمان وستين. ٧٥٣- حيي بْن شريح، أَبُو عَبْد اللَّه المعافري، ثُمَّ الحبلي [١] . روى عنه: ابْن لهيعة وغيره، وآخر من حدث عنه بمصر ابْن وهب. تُوُفِّيَ في هذه السنة. ٧٥٤- سليمان بْن طرخان، أَبُو المعتمر التيمي [٢] . نزل فِي التيم فنسب إليهم وليس بتيمي. وَكَانَ ثقة من العباد يصلي الغداة بوضوء صلاة العشاء، وَكَانَ هو وابْنه المعتمر يدوران بالليل فِي المساجد فيصليان فِي هذا المسجد وفي هذا المسجد حَتَّى يصبحا. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن حبيب قَالَ: أخبرنا عَلي بْن عَبْد اللَّه بْن أبي صادق قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن باكويه قال: حدثنا عبد العزيز بن الفضل قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أبي القاسم قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْحُسَيْن الحذاء قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الزورقي قَالَ: حَدَّثَنَا الوليد بْن صالح قَالَ: سمعت حماد بْن سلمة يَقُول: مَا أبقى سليمان التيمي من ساعة يطاع اللَّه فِيهَا إلا وجدناه مطيعا، إن كَانَ فِي ساعة صلاة وجدناه مصليا، وإن لم يكن فِي ساعة صلاة وجدناه إما يتوضأ للصلاة أو عائدا لمريض أو مشيعا لجنازة أو قاعدا في المسجد يسبح، وكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي اللَّه . أَخْبَرَنَا ابْن ناصر قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جعفر قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الحسين بْن عَلِيّ بْن يحيى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الأعلى قَالَ: سمعت معتمر بْن سليمان يَقُول: لولا أنك بين أهلي ما حدثتك عن أبي بهذا، مكث أبي أربعين سنة يصوم يوما ويفطر يوما، ويصلي الصبح بوضوء العشاء، وربما أحدث الوضوء من غير نوم.

стр. 2625

قَالَ أَبُو نعيم: وحدثنا أَبُو حامد بْن جميل قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إسحاق قَالَ: حَدَّثَنَا يوسف بْن موسى قَالَ: سمعت جريرا، عَنْ رقبة قَالَ: رأيت رب العزة فِي المنام، ١٩/ ب فقال: وعزتي لأكرمنّ مثوى سليمان- يعني/ التيمي. وبلغنا من طريق آخر عَنْ رقبة قَالَ: رأيت رب العزة فِي النوم فَقَالَ لي: يا رقبة، وعزتي وجلالي لأكرمن مثوى سليمان التيمي، فإنه صلى لي أربعين سنة الغداة على ظهر العتمة. قَالَ: فجئت إِلَى سليمان فحدثته فَقَالَ: أنت رأيت هَذَا؟ قلت: نعم. قَالَ: لأحدثنك بمائة حديث عن رسول الله ﷺ بما جئتني من هَذِهِ البشارة. قَالَ: فلما كَانَ بعد مديدة مات فرأيته فِي المنام. فقلت: ما فعل الله بك. قال: غفر لي وأدناني وقربْني وغلفني [١] [بيده] [٢] . وَقَالَ: هكذا أفعل بأبْناء ثلاث وثمانين. أسند سليمان التيمي عَنْ أنس بْن مالك وعن جماعة من أكابر التابعين. وتوفي بالبصرة في هذه السنة. ٧٥٥- فاطمة بْنت مُحَمَّد بْن المنكدر أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر بإسناد لَهُ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مسلم القرشي قَالَ: كانت فاطمة بْنت مُحَمَّد بْن المنكدر تكون نهارها، فإذا جنها الليل تنادي بصوت حزين: هدأ الليل، واختلط الظلام، وأوى كل حبيب إِلَى حبيبه، وخلوتي بك أيها المحبوب أن تعتقني من النار. ٧٥٦- يحيى بْن سعيد بْن قيس بْن عَمْرو بْن سهيل بْن ثعلبة، أَبُو سعيد الأنصاري المديني [٣] . سمع من أنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وعَبْد اللَّه بْن عامر بْن ربيعة، وسعيد بْن المسيب، والقاسم، وغيرهم. ثُمَّ روى عنه هشام بْن عروة، ومالك، وابْن جريح، وشعبة، وغيرهم. وَكَانَ فقيها ثقة يتولى القضاء بمدينة الرسول ﷺ فِي أيام الوليد بن عبد الملك،

стр. 2626

أقدمه المنصور العراق وولاه القضاء بالهاشمية، وذلك قبل أن تبْنى بغداد. أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا التنوخي قَالَ: أخبرنا طلحة بْن محمد بن جعفر قال: حدثني/ علي بن محمد بن عبيد ٢٠/ أقال: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن زهير قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن المنذر قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن مُحَمَّد بْن طلحة قَالَ: حَدَّثَنِي سليمان بْن بلال قَالَ: كَانَ يحيى بْن سعيد قَدْ ساءت [١] حاله، وأصابه ضيق شديد، وركبه الدين، فبينا هو على ذلك إذ أتاه [٢] كتاب أبي الْعَبَّاس يستقضيه. قَالَ سليمان: فوكلني يحيى بأهله وَقَالَ لي: والله مَا خرجت وأنا أجهل شيئا، فلما قدم العراق كتب إلي: إني كنت [٣] قلت لك حين خرجت: قَدْ خرجت وما أجهل شيئا، وإنه والله لأول خصمين جلسا بين يدي، فاقتضيا بشيء والله مَا سمعته قط، فإذا جاءك كتابي هَذَا فسل ربيعة واكتب إلي بما يَقُول، ولا يعلم أنني كتبت إليك بذلك [٤] . حَدَّثَنَا [٥] القزاز قال: حدثنا أحمد بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ مهدي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ قال: حدثني جدي قال: حدثني أبو بكر بن أبي الأسود قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ، عَنْ وهيب قَالَ: قدمت المدينة فما رأيت أحدا إلا يعرف وينكر إلا يحيى بْن سعيد، ومالك بْن أنس [٦] . تُوُفِّيَ يحيى بالهاشمية من الأنبار في هذه السنة. وقيل: سنة أربع. وقيل: سنة ست.

стр. 2627

ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائة فمن الحوادث فِيهَا: غزو الديلم [١] . وَفِيهَا: انصرف المهدي عَنْ خراسان إِلَى العراق، وشخص أَبُو جعفر إلى قنسرين، فلقيه بها ابنه مُحَمَّد، فانصرفا جميعا إِلَى الحيرة [٢] . وَفِيهَا: بْنى المهدي عند مقدمه من خراسان بابْنة عمه ريطة بْنت أبي الْعَبَّاس [٣] . وَفِيهَا: ولى أَبُو جعفر رياح بْن عثمان المري المدينة، وعزل مُحَمَّد بْن خالد القسري عنها. وَكَانَ السبب فِي ذلك أن أبا جعفر أهمه أمر مُحَمَّد وإبراهيم ابْني عَبْد اللَّه بْن حسن بْن حسن وتخلفهما عَنْ حضوره، مَعَ من شهده من بْني هاشم عام حج فِي حياة ٢٠/ ب أخيه أبي الْعَبَّاس/، ومعه أَبُو مسلم. وقد ذكر أن محمدا كَانَ يذكر أن أبا جعفر ممن بايع لَهُ ليلة تشاور بْنو هاشم بمكة فيمن يعقدون لَهُ الخلافة حين اضطرب مروان. فسأل [٤] أَبُو جعفر عَنْ مُحَمَّد وإبراهيم حين حج ولم يرهما، فقال له زياد بن عبد الله: ما يهمك من أمرهما! أنا آتيك بهما. فضمنه إياهما، وأقره على المدينة [٥] . ولما ولي أَبُو جعفر لم يكن لَهُ هم إلا طلب مُحَمَّد، والسؤال عنه، فدعا بني هاشم

стр. 2628

رجلا رجلا يخلو به، فيسألهم عنه فيقولون: هو يخافك على نفسه، وما يريد بذلك [١] خلافا إلّا حسن بْن يزيد، فإنه أخبره خبره، وَقَالَ: والله مَا آمن وثوبه عَلَيْك، وإنه مَا ينام عنك. فنظر المنصور إِلَى رجل لَهُ فطنة يقال لَهُ: عقبة بْن سالم، فَقَالَ لَهُ: أخف شخصك، واستر أمرك، وآتني لأمر إن كفيتنيه رفعتك. فأتاه فَقَالَ لَهُ: إن بْني عمنا هؤلاء قَدْ أبوا إلا كيدا لملكنا، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا، يكاتبونهم ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف من بلادهم، فأخرج بكسا وألطاف وعين حَتَّى تأتيهم متنكرا بكتاب تكتبه أَهْل [٢] هَذِهِ القرية، ثُمَّ تسبر ناحيتهم، فإن كانوا نزعوا عَنْ رأيهم فأحبب والله بهم وأقرب، وإن كانوا على رأيهم علمت ذلك، فأشخص حَتَّى تلقى عَبْد اللَّه بْن حسن، فإن جبهك- وَهُوَ فاعل- فاصبر وعاوده حتى يأنس بك، فإذا أظهر لك مَا قبله فاعجل علي. فشخص حَتَّى قدم على عَبْد اللَّه، فلقيه بالكتاب فأنكره ونهره وَقَالَ: مَا أعرف هؤلاء القوم، فلم يزل ينصرف ويعود إِلَيْهِ حَتَّى قبل كتابه وألطافه وآنس به، فسأله الجواب، فَقَالَ: إني لا أكتب إِلَى أحد، ولكن أنت كتابي إليهم، فأقرئهم السلام وأخبرهم أن ابْني خارجان لوقت كذا وكذا. فقدم على أبي جعفر فأخبره الخبر، فأنشأ/ حينئذ الحج وَقَالَ لعقبة: إني إذا ٢١/ أصرت بمكان كذا وكذا لقيني بْنو حسن، فيهم عَبْد اللَّه، فأنا مبجله ورافع مجلسه وداع [٣] بالغداء، فإذا فرغنا من طعامنا فلحظتك فامثل بين يديه قائما، فإنه سيصرف بصره، فعد حَتَّى تغمز ظهره بإبهام رجلك حَتَّى يملأ عينه منك، ثُمَّ حسبك، وإياك أن يراك مَا دام يأكل. فخرج حَتَّى إذا تدفع فِي البلاد لقيه بْنو حسن، فأجلس عَبْد الله إلى جانبه، ثم دعا

стр. 2629

بالغداء، فأصابوا منه، ثُمَّ أمر به فرفع، فأقبل على عَبْد اللَّه فَقَالَ: يا مُحَمَّد، قَدْ علمت مَا أعطيتني من المواثيق والعهود ألا تبغيني سوءا، ولا تكيد لي سلطانا. قال: فأنا على ذاك يا أمير المؤمنين. فلحظ أَبُو جعفر عقبة، فاستدار حَتَّى قام بين يدي عَبْد اللَّه، فأعرض عنه، فاستدار حَتَّى قام من وراء ظهره، فغمزه بأصبعه، فرفع رأسه، فملأ عينه منه، فوثب حَتَّى جثا بين يدي أبي جعفر، فَقَالَ: أقلني يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أقالك اللَّه. قَالَ: لا أقالني اللَّه إن أقلتك. ثُمَّ أمر بحبسه [١] . وفي رواية: أن المنصور أتاه عَبْد اللَّه بْن حسن، فجلس عنده، إذ تكلم المهدي فلحن، فَقَالَ عَبْد اللَّه: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ألا تأمر لهذا من يعدل لسانه، فأحفظ المنصور من هَذَا وَقَالَ: أين ابْنك؟ قَالَ: لا أدري. قَالَ: لتأتيني به. قَالَ: لو كَانَ تحت قدمي مَا رفعتها عنه. قَالَ: يا ربيع، قم به إِلَى الحبس [٢] . وقيل: إن حبسه كَانَ فِي سنة أربعين، فأقام فِي الحبس ثلاث سنين. ولما حبسه جد فِي طلب ابْنيه وبعث عينا لَهُ، وكتب معه كتبا على ألسن الشيعة إِلَى مُحَمَّد يذكرون طاعتهم، وبعث معه بمال وألطاف، فقدم الرجل المدينة، فسأل عَنْ مُحَمَّد، فذكر لَهُ أنه فِي جبل جهينة، فمضى إِلَيْهِ، فعلم حاله، ثُمَّ عاد إِلَى أبي جعفر، فكتب أَبُو جعفر إِلَى زياد بْن عُبَيْد اللَّه يتنجزه مَا ضمن لَهُ من أمر مُحَمَّد، فأعان زياد ٢١/ ب محمدا وَقَالَ لَهُ: اذهب/ حيث شئت، فما ينالك مني مكروه. فبعث أَبُو جعفر من شد زيادا فِي الحديد، وأخذ جميع ماله، ووجد فِي بيت المال خمسة وثمانين ألف دينار، وأخذ عماله، وشخص بالكل إِلَى أبي جعفر، فَقَالَ لَهُ زياد: إن دماء بْني فاطمة علي عزيزة [٣] . واستعمل أَبُو جعفر مُحَمَّد بن خالد بعد زياد، أمره بالجد فِي طلب مُحَمَّد، ثُمَّ استبطأه فعزله، وولى رياح بْن عثمان بْن حيان المدينة، وأمره بالجد في طلبهما، فخرج مسرعا، فقدمها يوم الجمعة لسبع ليال بقين من رَمَضَان سنة أربع وأربعين ومائة [٤] .

стр. 2630

وَكَانَ عند أبي جعفر مرآة يرى بها مَا فِي الأرض جميعا، يقال إنها نزلت على آدم، وصارت إِلَى سليمان بْن داود، ثُمَّ ذهبت بها الشياطين وبقيت منها بقية صارت إلى بني إسرائيل، فأخذها رأس الجالوت، فأتى بها مروان بْن مُحَمَّد، فكان يحكها ثُمَّ يجعلها على مرآه أخرى فيرى [فِيهَا [١] مَا يكره، فرمى بها وضرب عنق رأس الجالوت، فلما استخلف أَبُو جعفر طلبها، فأتي بها، فكان يرى] [٢] فِيهَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن حسن، فيكتب إِلَى رياح: إن محمدا ببلاد فِيهَا الأترج والأعناب، فاطلبه بها، فيطلبه فلا يجده، فيكتب إِلَيْهِ أنه ببلاد فِيهَا الجبال فلا يجده. وَكَانَ السبب: أن محمدا كَانَ لا يقيم بمكان إلا يسيرا، فأخبر رياح أنه فِي شعب من شعاب رضوى، فاستعمل عَمْرو بْن عثمان بْن مالك، وأمره بطلبه، فخرج إِلَيْهِ بالخيل والرجال، ففزع منهم مُحَمَّد، فأحضر شدا، فأفلت، وَكَانَ معه جارية وله منها ولد [٣] ، فهربت الجارية، فسقط الصبي منها فتقطع، فَقَالَ مُحَمَّد: منخرق السربال يشكو الوجى ... تبكيه أطراف مرو حداد شرده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حر الجلاد قَدْ كَانَ فِي الموت لَهُ راحة ... والموت حتم فِي رقاب العباد [٤] وخرج رياح فِي طلبه، فرآه مُحَمَّد قَدْ جاء فِي الخيل، فعدل إلى بئر فوقف بين/ ٢٢/ أقرنيها ليستقي الماء، فنظر إِلَيْهِ رياح فَقَالَ: قاتله اللَّه أعرابيا مَا أحسن ذراعه! ولقيه مرة أخرى، فجلس مُحَمَّد وجعل ظهره مما يلي الطريق، وسدل هدب ردائه على وجهه، فَقَالَ: رياح: امرأة رأتنا فاستحيت. وَكَانَ مُحَمَّد جسيما عظيما آدم شديد الأدمة. وطال على المنصور أمره ولم يقدر عليه، وقيل لَهُ: أتطمع أن تخرج مُحَمَّد وإبراهيم، وبْنو حسن مخلون!؟ وكانوا ثلاثة عشر رجلا. وحبس معهم مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه العثماني وولدين لَهُ، فلم يزالوا محبوسين حَتَّى حج أَبُو جعفر سنة أربع وأربعين ومائة، فتلقاه رياح بالربذة فرده إِلَى المدينة، وأمر
следующие страницы →