← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

أقدمه المنصور العراق وولاه القضاء بالهاشمية، وذلك قبل أن تبْنى بغداد. أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا التنوخي قَالَ: أخبرنا طلحة بْن محمد بن جعفر قال: حدثني/ علي بن محمد بن عبيد ٢٠/ أقال: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن زهير قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن المنذر قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن مُحَمَّد بْن طلحة قَالَ: حَدَّثَنِي سليمان بْن بلال قَالَ: كَانَ يحيى بْن سعيد قَدْ ساءت [١] حاله، وأصابه ضيق شديد، وركبه الدين، فبينا هو على ذلك إذ أتاه [٢] كتاب أبي الْعَبَّاس يستقضيه. قَالَ سليمان: فوكلني يحيى بأهله وَقَالَ لي: والله مَا خرجت وأنا أجهل شيئا، فلما قدم العراق كتب إلي: إني كنت [٣] قلت لك حين خرجت: قَدْ خرجت وما أجهل شيئا، وإنه والله لأول خصمين جلسا بين يدي، فاقتضيا بشيء والله مَا سمعته قط، فإذا جاءك كتابي هَذَا فسل ربيعة واكتب إلي بما يَقُول، ولا يعلم أنني كتبت إليك بذلك [٤] . حَدَّثَنَا [٥] القزاز قال: حدثنا أحمد بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ مهدي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ قال: حدثني جدي قال: حدثني أبو بكر بن أبي الأسود قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ، عَنْ وهيب قَالَ: قدمت المدينة فما رأيت أحدا إلا يعرف وينكر إلا يحيى بْن سعيد، ومالك بْن أنس [٦] . تُوُفِّيَ يحيى بالهاشمية من الأنبار في هذه السنة. وقيل: سنة أربع. وقيل: سنة ست.

стр. 2627

ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائة فمن الحوادث فِيهَا: غزو الديلم [١] . وَفِيهَا: انصرف المهدي عَنْ خراسان إِلَى العراق، وشخص أَبُو جعفر إلى قنسرين، فلقيه بها ابنه مُحَمَّد، فانصرفا جميعا إِلَى الحيرة [٢] . وَفِيهَا: بْنى المهدي عند مقدمه من خراسان بابْنة عمه ريطة بْنت أبي الْعَبَّاس [٣] . وَفِيهَا: ولى أَبُو جعفر رياح بْن عثمان المري المدينة، وعزل مُحَمَّد بْن خالد القسري عنها. وَكَانَ السبب فِي ذلك أن أبا جعفر أهمه أمر مُحَمَّد وإبراهيم ابْني عَبْد اللَّه بْن حسن بْن حسن وتخلفهما عَنْ حضوره، مَعَ من شهده من بْني هاشم عام حج فِي حياة ٢٠/ ب أخيه أبي الْعَبَّاس/، ومعه أَبُو مسلم. وقد ذكر أن محمدا كَانَ يذكر أن أبا جعفر ممن بايع لَهُ ليلة تشاور بْنو هاشم بمكة فيمن يعقدون لَهُ الخلافة حين اضطرب مروان. فسأل [٤] أَبُو جعفر عَنْ مُحَمَّد وإبراهيم حين حج ولم يرهما، فقال له زياد بن عبد الله: ما يهمك من أمرهما! أنا آتيك بهما. فضمنه إياهما، وأقره على المدينة [٥] . ولما ولي أَبُو جعفر لم يكن لَهُ هم إلا طلب مُحَمَّد، والسؤال عنه، فدعا بني هاشم

стр. 2628

رجلا رجلا يخلو به، فيسألهم عنه فيقولون: هو يخافك على نفسه، وما يريد بذلك [١] خلافا إلّا حسن بْن يزيد، فإنه أخبره خبره، وَقَالَ: والله مَا آمن وثوبه عَلَيْك، وإنه مَا ينام عنك. فنظر المنصور إِلَى رجل لَهُ فطنة يقال لَهُ: عقبة بْن سالم، فَقَالَ لَهُ: أخف شخصك، واستر أمرك، وآتني لأمر إن كفيتنيه رفعتك. فأتاه فَقَالَ لَهُ: إن بْني عمنا هؤلاء قَدْ أبوا إلا كيدا لملكنا، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا، يكاتبونهم ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف من بلادهم، فأخرج بكسا وألطاف وعين حَتَّى تأتيهم متنكرا بكتاب تكتبه أَهْل [٢] هَذِهِ القرية، ثُمَّ تسبر ناحيتهم، فإن كانوا نزعوا عَنْ رأيهم فأحبب والله بهم وأقرب، وإن كانوا على رأيهم علمت ذلك، فأشخص حَتَّى تلقى عَبْد اللَّه بْن حسن، فإن جبهك- وَهُوَ فاعل- فاصبر وعاوده حتى يأنس بك، فإذا أظهر لك مَا قبله فاعجل علي. فشخص حَتَّى قدم على عَبْد اللَّه، فلقيه بالكتاب فأنكره ونهره وَقَالَ: مَا أعرف هؤلاء القوم، فلم يزل ينصرف ويعود إِلَيْهِ حَتَّى قبل كتابه وألطافه وآنس به، فسأله الجواب، فَقَالَ: إني لا أكتب إِلَى أحد، ولكن أنت كتابي إليهم، فأقرئهم السلام وأخبرهم أن ابْني خارجان لوقت كذا وكذا. فقدم على أبي جعفر فأخبره الخبر، فأنشأ/ حينئذ الحج وَقَالَ لعقبة: إني إذا ٢١/ أصرت بمكان كذا وكذا لقيني بْنو حسن، فيهم عَبْد اللَّه، فأنا مبجله ورافع مجلسه وداع [٣] بالغداء، فإذا فرغنا من طعامنا فلحظتك فامثل بين يديه قائما، فإنه سيصرف بصره، فعد حَتَّى تغمز ظهره بإبهام رجلك حَتَّى يملأ عينه منك، ثُمَّ حسبك، وإياك أن يراك مَا دام يأكل. فخرج حَتَّى إذا تدفع فِي البلاد لقيه بْنو حسن، فأجلس عَبْد الله إلى جانبه، ثم دعا

стр. 2629

بالغداء، فأصابوا منه، ثُمَّ أمر به فرفع، فأقبل على عَبْد اللَّه فَقَالَ: يا مُحَمَّد، قَدْ علمت مَا أعطيتني من المواثيق والعهود ألا تبغيني سوءا، ولا تكيد لي سلطانا. قال: فأنا على ذاك يا أمير المؤمنين. فلحظ أَبُو جعفر عقبة، فاستدار حَتَّى قام بين يدي عَبْد اللَّه، فأعرض عنه، فاستدار حَتَّى قام من وراء ظهره، فغمزه بأصبعه، فرفع رأسه، فملأ عينه منه، فوثب حَتَّى جثا بين يدي أبي جعفر، فَقَالَ: أقلني يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أقالك اللَّه. قَالَ: لا أقالني اللَّه إن أقلتك. ثُمَّ أمر بحبسه [١] . وفي رواية: أن المنصور أتاه عَبْد اللَّه بْن حسن، فجلس عنده، إذ تكلم المهدي فلحن، فَقَالَ عَبْد اللَّه: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ألا تأمر لهذا من يعدل لسانه، فأحفظ المنصور من هَذَا وَقَالَ: أين ابْنك؟ قَالَ: لا أدري. قَالَ: لتأتيني به. قَالَ: لو كَانَ تحت قدمي مَا رفعتها عنه. قَالَ: يا ربيع، قم به إِلَى الحبس [٢] . وقيل: إن حبسه كَانَ فِي سنة أربعين، فأقام فِي الحبس ثلاث سنين. ولما حبسه جد فِي طلب ابْنيه وبعث عينا لَهُ، وكتب معه كتبا على ألسن الشيعة إِلَى مُحَمَّد يذكرون طاعتهم، وبعث معه بمال وألطاف، فقدم الرجل المدينة، فسأل عَنْ مُحَمَّد، فذكر لَهُ أنه فِي جبل جهينة، فمضى إِلَيْهِ، فعلم حاله، ثُمَّ عاد إِلَى أبي جعفر، فكتب أَبُو جعفر إِلَى زياد بْن عُبَيْد اللَّه يتنجزه مَا ضمن لَهُ من أمر مُحَمَّد، فأعان زياد ٢١/ ب محمدا وَقَالَ لَهُ: اذهب/ حيث شئت، فما ينالك مني مكروه. فبعث أَبُو جعفر من شد زيادا فِي الحديد، وأخذ جميع ماله، ووجد فِي بيت المال خمسة وثمانين ألف دينار، وأخذ عماله، وشخص بالكل إِلَى أبي جعفر، فَقَالَ لَهُ زياد: إن دماء بْني فاطمة علي عزيزة [٣] . واستعمل أَبُو جعفر مُحَمَّد بن خالد بعد زياد، أمره بالجد فِي طلب مُحَمَّد، ثُمَّ استبطأه فعزله، وولى رياح بْن عثمان بْن حيان المدينة، وأمره بالجد في طلبهما، فخرج مسرعا، فقدمها يوم الجمعة لسبع ليال بقين من رَمَضَان سنة أربع وأربعين ومائة [٤] .

стр. 2630

وَكَانَ عند أبي جعفر مرآة يرى بها مَا فِي الأرض جميعا، يقال إنها نزلت على آدم، وصارت إِلَى سليمان بْن داود، ثُمَّ ذهبت بها الشياطين وبقيت منها بقية صارت إلى بني إسرائيل، فأخذها رأس الجالوت، فأتى بها مروان بْن مُحَمَّد، فكان يحكها ثُمَّ يجعلها على مرآه أخرى فيرى [فِيهَا [١] مَا يكره، فرمى بها وضرب عنق رأس الجالوت، فلما استخلف أَبُو جعفر طلبها، فأتي بها، فكان يرى] [٢] فِيهَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن حسن، فيكتب إِلَى رياح: إن محمدا ببلاد فِيهَا الأترج والأعناب، فاطلبه بها، فيطلبه فلا يجده، فيكتب إِلَيْهِ أنه ببلاد فِيهَا الجبال فلا يجده. وَكَانَ السبب: أن محمدا كَانَ لا يقيم بمكان إلا يسيرا، فأخبر رياح أنه فِي شعب من شعاب رضوى، فاستعمل عَمْرو بْن عثمان بْن مالك، وأمره بطلبه، فخرج إِلَيْهِ بالخيل والرجال، ففزع منهم مُحَمَّد، فأحضر شدا، فأفلت، وَكَانَ معه جارية وله منها ولد [٣] ، فهربت الجارية، فسقط الصبي منها فتقطع، فَقَالَ مُحَمَّد: منخرق السربال يشكو الوجى ... تبكيه أطراف مرو حداد شرده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حر الجلاد قَدْ كَانَ فِي الموت لَهُ راحة ... والموت حتم فِي رقاب العباد [٤] وخرج رياح فِي طلبه، فرآه مُحَمَّد قَدْ جاء فِي الخيل، فعدل إلى بئر فوقف بين/ ٢٢/ أقرنيها ليستقي الماء، فنظر إِلَيْهِ رياح فَقَالَ: قاتله اللَّه أعرابيا مَا أحسن ذراعه! ولقيه مرة أخرى، فجلس مُحَمَّد وجعل ظهره مما يلي الطريق، وسدل هدب ردائه على وجهه، فَقَالَ: رياح: امرأة رأتنا فاستحيت. وَكَانَ مُحَمَّد جسيما عظيما آدم شديد الأدمة. وطال على المنصور أمره ولم يقدر عليه، وقيل لَهُ: أتطمع أن تخرج مُحَمَّد وإبراهيم، وبْنو حسن مخلون!؟ وكانوا ثلاثة عشر رجلا. وحبس معهم مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه العثماني وولدين لَهُ، فلم يزالوا محبوسين حَتَّى حج أَبُو جعفر سنة أربع وأربعين ومائة، فتلقاه رياح بالربذة فرده إِلَى المدينة، وأمر

стр. 2631

بإشخاص بْني حسن إِلَيْهِ، وبإشخاص مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن عثمان- وَهُوَ أخو بْني حسن لأمهم فاطمة بْنت حسين بْن عَلِيّ- فحملهم إِلَيْهِ، وَكَانَ مُحَمَّد وإبراهيم يأتيان معتمين كهيئة الأعراب، فيسايران أباهما ويسألانه ويستأذنانه فِي الخروج فيقول: لا تعجلا حَتَّى يمكنكما ذلك، ويقول: إن منعكما أَبُو جعفر أن تعيشا كريمين فلا يمنعكما أن تموتا كريمين [١] . وأمر أَبُو جعفر لمحمد بْن عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن عثمان فضرب خمسين ومائة، وَقَالَ للجلاد: اضرب رأسه، فضربه نحوا من ثلاثين سوطا، وَكَانَ يخاف منه لميل أَهْل الشام إِلَى عثمان، ثُمَّ قتله. وأمر أَبُو جعفر مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه ففرقت أسطوانة مبْنية ثُمَّ أدخل فِيهَا، فبْنى عليه وَهُوَ حي. وَكَانَ أول من مات من المحبوسين من بْني حسن: إِبْرَاهِيم بْن حسن ثُمَّ عَبْد اللَّه بْن حسن. [وقد ذكرنا أن الَّذِي حج بالناس في هذه السنة المنصور، وَكَانَ الوالي على مكة السري بْن عَبْد اللَّه] [٢] ، والوالي على المدينة رياح بْن عثمان، وعلى الكوفة عيسى بْن موسى، وعلى البصرة سفيان بْن معاوية، وعلى قضائها سوار، وعلى مصر يزيد بْن حاتم. وجرت للمنصور فِي حجه قصة مَعَ بعض الصالحين: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن ناصر قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال: أخبرنا محمد بن ٢٢/ ب عَلِيّ بْن الفتح قَالَ: حَدَّثَنَا/ أَبُو نصر مُحَمَّد بْن مُحَمَّد النَّيْسَابُورِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن أَحْمَد الخشاب المقرئ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو علي الحسن بْن عَبْد اللَّه الرازي قَالَ: حَدَّثَنَا المثنى قال: حدّثنا سلمة بْن سلمة القرشي قاضي اليمن قَالَ: سمعت أبا المهاجر المكي يَقُول: قدم المنصور مكة، فكان يخرج من دار الندوة إِلَى الطواف فِي آخر الليل ويطوف ويصلي، ولا يعلم به، فإذا طلع الفجر رجع إِلَى دار الندوة، وجاء المؤذنون فسلموا عليه، أقيمت الصلاة، فيصلي بالناس، فخرج ذات ليلة حين أسحر، فبينا هو يطوف إذ

стр. 2632

سمع رجلا عند الملتزم وَهُوَ يَقُول: اللَّهمّ إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد فِي الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع. فأسرع المنصور فِي مشيه حَتَّى ملأ مسامعه من قوله، ثُمَّ خرج فجلس ناحية من المسجد، ثُمَّ أرسل إِلَيْهِ فدعاه، فصلى ركعتين، واستلم الركن، وأقبل مَعَ الرسول، فسلم عليه، فَقَالَ لَهُ المنصور: مَا هَذَا الّذي سمعتك تقوله من ظهور البغي والفساد فِي الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع؟ فو الله لقد حشوت مسامعي ما أمرضني فأقلقني، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصلها، وإلا احتجبت منك وأقتصر على نفسي، ففيها لي شغل شاغل. فَقَالَ: أنت آمن على نفسك. فقال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إن الَّذِي دخله الطمع حَتَّى حال بينه وبين الحق وإصلاح مَا ظهر من البغي والفساد فِي الأرض لأنت. قَالَ: ويحك، كيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء بيدي، والحلو والحامض فِي قبضتي. قَالَ: وهل دخل أحد من الطمع ما دخلك يا أمير المؤمنين؟ إن اللَّه استرعاك أمور المسلمين بأموالهم، فأغفلت أمورهم، واهتممت بجمع أموالهم، وجعلت بينك وبينهم حجابا من الآجر والجص، وأبوابا من الحديد، وحجبة معهم السلاح، واتخذت وزراء وأعوانا فجرة، إن نسيت لم يذكروك، وإن أحسنت لم يعينوك، وقويتهم على ظلم الناس بالرجال والأموال والسلاح/، وأمرت ٢٣/ أأن لا يدخل عَلَيْك من الناس إلا فلان وفلان، ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف والجائع والعاري، وما أحد إلا وله فِي المال حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك، وأمرت أن لا يحجبوا عنك، تجبي المال ولا تقسمه، قالوا: هَذَا قَدْ خان اللَّه، فما لنا لا نخونه، وقد سخر لنا، وائتمروا على أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس إلا مَا أرادوا، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا أقصوه [١] عنك حَتَّى تسقط منزلته عندك، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم النّاس وهابوهم، وَكَانَ أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليتقووا بها على ظلم رعيتك، [ثُمَّ فعل ذلك الثروة والقوة من رعيتك] [٢] لينالوا ظلم من دونهم من الرعية، وامتلأت بلاد اللَّه بالطمع بغيا وفسادا، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك، وأنت غافل، وإن جاء متظلم حيل بينه وبين الدخول إِلَى مدينتك، وإن أراد رفع قصة إليك عند ظهورك،

стр. 2633

وجدك قَدْ نهيت عَنْ ذلك، ووقفت للناس رجلا ينظر فِي مظالمهم، فإن جاء ذلك الرجل يبلغ بطانتك سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته إليك، فإن صرخ بين يديك ضرب ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره، وأنت تنظر فلا تنكر ولا تغير، فما بقاء الإسلام وأهله على هَذَا، وقد كانت بْنو أمية وكانت العرب لا ينتهي إليهم مظلوم إلا رفعت مظلمته، ولقد كَانَ الرجل يأتي من أقصى الأرض حَتَّى يبلغ سلطانهم فينادي: يا أَهْل الإسلام. فيبتدرونه: مالك مالك. فيرفعون مظلمته إِلَى سلطانهم فينتصف لَهُ. وقد كنت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أسافر إِلَى أرض الصين وبها ملك، فقدمتها مرة وقد ذهب سمع ملكهم، فجعل يبكي، فقال له وزراؤه: مالك تبكي لا بكت عيناك؟ فَقَالَ: أما إني لست ٢٣/ ب أبكي على المصيبة إذ نزلت بي، ولكن المظلوم بالباب/ يصرخ فلا أسمع صوته، وَقَالَ: أما إن كَانَ ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب، نادوا في الناس أن لا يلبس ثوبا أحمر إلا مظلوم. فكان يركب الفيل فِي طرفي النهار، هل يرى مظلوما فينصفه. هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مشرك باللَّه قَدْ غلبت رأفته بالمشركين ورقته على شح نفسه في ملكه، وأنت مؤمن باللَّه ، وابْن عم نبيه ﷺ ، ألا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك!؟ فإنك لا تجمع الأموال إلا لواحد من ثلاث: إن قلت أجمعها لولدي فقد أراك اللَّه عبرا فِي الطفل الصغير يسقط من بطن أمه وماله على الأرض مال، وما من مال إلا ومن دونه يد شحيحة تحويه، فلا يزال اللَّه يلطف بذلك الطفل الصغير حَتَّى تعظم رغبة الناس إِلَيْهِ، ولست بالذي تعطي، بل اللَّه يعطي من يشاء مَا يشاء. وإن قلت أجمع المال ليشتد سلطاني فقد أراك اللَّه عبرا فيمن كَانَ قبلك مَا أغنى عنهم مَا جمعوا من الذهب والفضة، وما أعدوا من السلاح والكراع مَا ضرك، وولد أبيك مَا كنت فيه من الضعف حين أراد اللَّه بكم مَا أراد، وإن قلت أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها، فو الله مَا فوق مَا أنت فِيهِ إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح. يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل؟ قَالَ: لا. قَالَ: فكيف تصنع بالملك الَّذِي خولك مَا أنت فِيهِ من ملك الدنيا، وَهُوَ لا يعاقب من عصاه بالقتل، ولكن يعاقب من عصاه بالخلود فِي العذاب الأليم، وَهُوَ الَّذِي يرى منك مَا عقد عليه قلبك [١] ، وأضمرته جوارحك، فما تقول إذا انتزع ملك الدنيا من يدك، ودعاك إِلَى الحساب؟ هل يفي عنك مَا كنت فيه شيئا؟

стр. 2634

فبكى المنصور بكاء شديدا حَتَّى ارتفع صوته/، ثُمَّ قَالَ: يا ليتني لم أخلق ولم ٢٤/ أأك شيئا. ثُمَّ قَالَ: كيف احتيالي فيما خولت ولم أر من الناس إلا خائنا. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عَلَيْك بالأئمة الأعلام المرشدين. قَالَ: ومن هم؟ قَالَ: العلماء. قَالَ: قَدْ فرّوا مني. قال: هربوا منك مخافة أن تحملهم على ظهر مَا من طريقتك، ولكن افتح الأبواب، وسهل الحجاب، وانتصر للمظلوم، وامنع الظالم، وخذ الشيء مما حل وطاب واقسمه بالعدل، وأنا ضامن لك عَنْ من هرب منك أن يأتيك فيعاونك على صلاح أمرك ورعيتك. فَقَالَ المنصور: اللَّهمّ وفقني أن أعمل بما قَالَ [١] هَذَا الرجل. وجاء المؤذنون فسلموا عليه، وأقيمت الصلاة، فخرج فصلى بهم ثُمّ قَالَ للحارس: عَلَيْك [٢] بالرجل، فلئن لم تأتني به لأضربْن عنقك. واغتاظ عليه غيظا عظيما، فخرج الحرسي يطلب الرجل، فبينا هو يطوف إذا هو بالرجل قائم يصلي، فقعد حَتَّى صلى، ثُمَّ قَالَ: يا ذا الرجل، أما تتقي اللَّه؟ قَالَ: بلى. قَالَ: مَا تعرفه؟ قَالَ: بلى. قَالَ: فانطلق معي فقد إِلَى أن يقتلني إن لم آته بك. قَالَ: ليس إِلَى ذلك سبيل. قَالَ: يقتلني. قَالَ: ولا يقتلك. قَالَ: كيف؟ قَالَ: تحسن تقرأ؟ قَالَ: لا. قَالَ: فأخرج من مزود كَانَ معه رقاع فِيهِ شيء مكتوب، فَقَالَ: خذه فاجعله فِي جيبك، فإن فِيهِ دعاء الفرج. قَالَ: وما دعاء الفرج؟ قَالَ: لا يرزقه إلا السعداء. قَالَ: رحمك اللَّه فقد أحسنت إلي، فإن رأيت أن تخبرني مَا هَذَا الدعاء وما فضله؟ قَالَ: من دعا به صباحا ومساء هدمت ذنوبه، ودام سروره، ومحيت خطاياه، واستجيب دعاؤه، وبسط لَهُ فِي رزقه، وأعطي أمله، وأعين على عدوه، وكتب عند اللَّه صديقا، ولا يموت إلا شهيدا، تقول: اللَّهمّ كما لطفت فِي بعظمتك دون اللطفاء، وعلوت بعظمتك على العظماء، وعلمت مَا تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك، وكانت/ وساوس الصدور كالعلانية عندك، وعلانية القول ٢٤/ ب كالسر فِي علمك، فانقاد كل شيء لعظمتك، وخضع كل ذي سلطان لسلطانك، وصار أمر الدنيا والآخرة كله بيدك، اجعل لي من كل هم أمسيت فِيهِ فرجا ومخرجا. اللَّهمّ إن عفوك عَنْ ذنوبي، وتجاوزك عَنْ خطيئتي، وسترك على قبيح عملي، أطمعني أن أسألك ما لا أستوجبه منك، فصرت أدعوك آمنا، وأسألك مستأنسا، وإنك المحسن إليّ وإني

стр. 2635

المسيء إِلَى نفسي فيما بيني وبينك توددا لي وأ تبغض إليك، ولكن الثقة بك حملتني على الجرأة عَلَيْك، فعد بفضلك علي، إنك أنت التواب الرحيم. قَالَ: فأخذته فصيرته فِي جيبي، ثُمَّ لم يكن لي هم غير أمير المؤمنين، فدخلت فسلمت عليه، فرفع رأسه ينظر إلي ويبتسم، ثُمَّ قَالَ لي: ويلك، تحسن السحر. فقلت: لا والله يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ قصصت عليه أمري مَعَ الشيخ، فَقَالَ: هات الرق. ثُمَّ جعل يبكي، ثُمَّ قَالَ: به نجوت، وأمر بْنسخه [١] ، وأعطاني عشرة آلاف درهم، ثُمَّ قَالَ: أتعرفه؟ قلت: لا. قَالَ: ذاك الخضر. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٧٥٧- خالد بْن أبي يزيد- وقيل: [ابْن] [٢] يزيد- أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ الحراني [٣] . قدم بغداد، فسمع بها من حجاج بْن مُحَمَّد الأعور. قَالَ يحيى بن معين: هو ثقة. توفي في هذه السنة. ٧٥٨- سعيد بْن أبي إياس، أَبُو مسعود الجريري [٤] . منسوب إِلَى جرير- بضم الجيم- وَهُوَ جرير بْن عباد، قبيلة معروفة، يروي عن أبي العلاء، وأبي نضرة. سمع منه الثوري، وشعبة. وَكَانَ ثقة، لكنه اختلط فِي آخر عمره. تُوُفِّيَ فِي هذه السنة. ٧٥٩- عَبْد اللَّهِ بْن المقفع [٥] . كَانَ فصيح العبارة، جيد الكلام، وله: «اليتيمة» كتاب فيه آداب حسان.

стр. 2636

فمن ذلك/ أنه قَالَ [فِيهِ] [١] : يا طالب العلم والأدب اعرف الأصول والفصول، ٢٥/ أفإن من الناس من يطلب الفصول مَعَ إضاعة الأصول، فلا تكون دركهم دركا، ومن أحرز الأصول اكتفى بها من الفصول، فإن أصاب الفصل بعد إحراز الأصل فهو أفضل، وأفضل الأمر أن تعقد على الإيمان، وتجتنب الكبائر، وتؤدي الفريضة، فإن قدرت أن تجاوز إِلَى الفقه والعبادة، فهو أفضل، وأصل الأمر فِي إصلاح البدن أن لا يحمل عليه من المآكل والمشارب والباءة إلا خفا، ثُمَّ إن قدرت أن تعلم عَنْ جميع منافع الجسد ومضاره فهو أفضل. وأصل الأمر فِي المعيشة أن لا تني عَنْ طلب الحلال، وتحسن التقدير لما تفيد وتنفق، ولا تغرنك سعة تكون فِيهَا، فإن أعظم الناس خطرا أحوجهم إِلَى التقدير، والملوك أحوج الناس إِلَيْهِ من السوقة، فإن السوقة قَدْ يعيشون بغير مال، والملوك لا قوام لهم إلا بالمال. وإن ابتليت بالسلطان فتغوث بالعلماء، واعلم أن قائل المدح كمادح نفسه، والراد لَهُ ممدوح، والقائل لَهُ معيب، إنك إن تلتمس رضا الناس تلتمس مَا لا يدرك، فعليك بالتماس رضا الأخيار ذوي العقول، احرص الحرص كله على أن تكون خابرا بأمور عمالك، فإن المسيء يفرق من خبرتك قبل أن يصيبه وقعك، وإن المحسن يستبشر بعلمك قبل أن يأتيه معروفك، تعرف الناس فيما يعرفون من أخلاقك، إنك لا تعاجل بالثواب ولا بالعقاب، فإن ذلك أدوم لخوف الخائف ورجاء الراجي. واعلم أن رأيك لا يتسع لكل شيء، فدعه للمهم، فإن مالك لا يغني الناس كلهم، فاخصص به أهل الحق، وكرامتك لا تطيق العامة، فتوخ بها أَهْل الفضل. واعلم [٢] إنما شغلت من رأيك فِي غير [٣] المهم أزرى بك فِي المهم، ليس للملك أن يغضب، لأن القدرة من وراء حاجته، ولا/ أن يكذب، لأنه لا يقدر أحد عَلَى استكراهه ٢٥/ ب على مَا لا يريد، ولا أن يبخل، لأنه أول النّاس عذرا فِي خوف الفقر، ولا أن يكون حقودا، لأن خطره قَدْ جل عَنِ المجازاة، وليتفقد الوالي حاجة الأحرار فيسد بها طغيان السفلة فيقمعه [٤] وليتق حرم الكريم الجائع، واللئيم الشبعان، فإنما يصول الكريم إذا

стр. 2637

جاع، واللئيم إذا شبع [١] . وأحوج الناس إِلَى التثبيت الملوك، واللئام [٢] أصبر أجسادا والكرام أصبر قلوبا. اعلم أن من أوقع الأمور فِي الدين، وأنهكها للجسم، وأتلفها للمال، وأفسدها للعقل، وأذهبها للوقار الإغلام بالنساء. ومن البلاء على الحر الغرم بهن، إنه لا ينفك يسأم مَا عنده، وتطمح عيناه إِلَى مَا ليس عنده [٣] ، ومجهولاتهن خدع، وربما هجم على مَا يظنه حسنا، وهو قبيح حَتَّى لو لم يبق فِي الأرض إلا امرأة ظن أن لها شأنا غير شأن مَا ذاق، وهذا من الحمق. ومن أتخم نفسه الطعام والشراب والنساء كَانَ مما يصيبه انقطاع تلك اللذات عنه لخمود نار شهوته، فإن استطعت أن تضع نفسك دون غايتك بربوة فافعل، لا تجالس أميرا بغير طريقته، فإنك إن لاقيت الجاهل بالعلم، والغني بالبيان، ضيعت عقلك، وآذيت جليسك بحملك [٤] عليه مَا لا يعرف، كمخاطبة الأعجمي [٥] بما لا يفقه، إذا نزل بك مهم، فإن كَانَ مما له حيلة فلا يعجز، وإن كَانَ مما [٦] لا حيلة لَهُ فلا يجزع. وقيل لَهُ: من أدبك؟ قَالَ: نفسي، إذا رأيت شيئا أذمه من غيري اجتنبته. وَكَانَ ابْن المقفع مَعَ هَذِهِ الفصاحة والأدب كريما. أَخْبَرَنَا إسماعيل بْن أَحْمَد السمرقندي قَالَ: أَخْبَرَنَا إسماعيل بْن مسعدة الإسماعيلي قَالَ: حَدَّثَنَا حمزة بْن يوسف السهمي [٧] قَالَ: أخبرنا عبد الله بن عدي الحافظ قال: أَخْبَرَنَا ابْن مكرم قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ قَالَ: / سمعت أبا عاصم يَقُول: حَدَّثَنَا محمد بن عمارة قال: لما ولي ابن شبرمة القضاء كتب إِلَيْهِ إسماعيل بْن مسلم المكي: إنه قَدْ أصابتني حاجة. فكتب إِلَيْهِ: الحق بنا نواسك. فخرج

стр. 2638

إسماعيل [١] ، [فلما قدم تلقاه ابْن المقفع. فَقَالَ: ما جاء بك بعد هذا السن؟] [٢] قَالَ: أصابتني حاجة فكتبت إِلَى ابْن شبرمة، فكتب إلي: الحق بْنا نواسك. قَالَ: استخف والله بك، لأنك من العجم، ولو كنت من العرب لبعث إليك فِي مصرك تملك على نفسك ثلاثة أيام لا تأتيه. قال: فانطلق بي إِلَى منزله، فلما كَانَ فِي اليوم الثالث أتاني بسبعة آلاف درهم تنقص دريهمات، وأتمهما بخلخال، وَقَالَ: خذها الآن إن شئت، فأقم عندي، وإن شئت فأته، وإن شئت فارجع إِلَى مصرك. قلت: لا والله، لا آتيه ولا أقيم عندك. ورجعت إِلَى بلدي. وروى شبيب بْن شيبة قَالَ: كنا وقوفا بالمربد- وَكَانَ مواقف الأشراف- إذ أقبل ابْن المقفع فتشبثنا به، وبادأناه بالسلام، فرد علينا، وَقَالَ: لو ملتم إِلَى داري، فودعتم أبدانكم، وأرحتم دوابكم. فملنا، فلما استقر بْنا المكان قَالَ لنا: أي الأمم أعقل؟ فنظر بعضنا إِلَى بعض وقلنا: لعله أراد أصله من فارس [٣] . فقلنا: فارس. فَقَالَ: ليسوا كذلك، إنهم ملكوا كثيرا من الأرض، وحووا عظيما من الملك، وغلبوا على كثير من الخلق، ولبث فيهم عقد الأمر، فما استنبطوا شيئا بعقولهم، ولا ابتدعوا حكما فِي أنفسهم. قلنا: فالروم. قَالَ: أصحاب صبغة [٤] . قُلْنَا: فالصين. قَالَ: أصحاب طرفة [٥] . قلنا: فالهند. قَالَ: أصحاب فلسفة. قلنا: السودان. قَالَ: شر خلق الله. قلنا: الترك. قَالَ: كلاب مختلسة. قلنا: الخزر. قَالَ: بقر سائمة. قلنا: فقل. قَالَ: العرب. فضحكنا. قَالَ: إني مَا أردت موافقتكم، ولكني إذ فاتني حظي من النسبة [٦] فلا يفوتني حظي من المعرفة، إن العرب حكمت على غير مثال مثل لها، [ولا آثار] [٧] أثرت/، أصحاب إبل وغنم، وسكان شعر وأدم، يجود أحدهم بقوته، ويتفضل ٢٦/ ب بمجهوده، ويشارك فِي ميسوره ومعسوره، ويصف الشيء بعقله فيكون قدوة، ويفعله

стр. 2639

فيصير حجة، ويحسن مَا يشاء فيحسن، ويقبح مَا يشاء فيقبح، أدبتهم أنفسهم، ورفعتهم هممهم، وأعلمتهم قلوبهم وألسنتهم، فرفع اللَّه لهم أكرم الفخر، وبلغ بهم أشرف الذكر، وختم لهم بملك الدنيا على الدهر، وافتتح دينه وخلافته منهم إِلَى الحشر، فمن دفع حقهم [١] خسر، ومن أنكر فضلهم خصم، ودفع الحق باللسان أكبت للجنان. واجتمع ابْن المقفع بالخليل بْن أَحْمَد فَقَالَ الخليل: علمه أكثر من عقله. وَكَانَ ابْن المقفع مَعَ هَذَا يتهم فِي دينه، فروي عَنِ المهدي أنه قَالَ: مَا وجدت كتاب زندقة قط إلا وأصله ابْن المقفع. وقد حكى المرتضى عَنِ الجاحظ أنه قَالَ: كَانَ ابْن المقفع ومطيع بْن إياس ومنقذ بْن زياد يتهمون فِي دينهم. قَالَ المرتضى: ومر ابْن المقفع ببيت نار للمجوس بعد أن أسلم، فتلمحه [٢] ثُمَّ قَالَ: يا بيت عاتكة الَّذِي أتعزل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل إني لأمنحك الصدود وإنني قسما ... إليك مَعَ الصدود لأميل وَكَانَ ابْن المقفع قَدْ كتب كتاب أمير المؤمنين لعَبْد اللَّه بْن عَلِيّ، وكتب فِيهِ: ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه عَبْد اللَّه فنساؤه طوالق، ودوابه حبس، وعبيده أحرار، والمسلمون في حلّ من بيعته. فاشتد ذلك على المنصور، فكتب إِلَى سفيان بْن معاوية- وَهُوَ أمير البصرة- فقتله. وروى أَبُو بكر الصولي: أن الربيع الحاجب قَالَ: لما قرأ المنصور الأيمان الَّذِي كتبه ابن المقفع قَالَ: من كتب هَذَا؟ فقيل: رجل يقال لَهُ عَبْد اللَّه بْن المقفع يكتب ٢٧/ ألعمّيك سليمان/ وعيسى ابْني علي بالبصرة، فكتب إِلَى عامله بالبصرة: لا يفلتنك ابْن المقفع حَتَّى تقتله. فاستأذن يوما عليه مَعَ وجوه أَهْل البصرة، فأخر سفيان إذنه وأذن لمن كَانَ معه قبله، ثُمَّ أذن لَهُ، فلما صار فِي الدهليز عدل به [٣] إِلَى حجرة، فقتل فيها،

стр. 2640

وخرج القوم فرأوا غلمانه فسألوهم عنه، فقيل: دخل بعدكم، فخاصم سليمان وعيسى ابْنا عَلِيّ سفيان بْن معاوية المهلبي وأشخصاه إِلَى المنصور، وقامت البينة العادلة بأن ابْن المقفع دخل دار سفيان سليما ولم يخرج منها. فَقَالَ المنصور: أنا أنظر فِي هَذَا، وأقيده به. ووعدهم الغد، فجاء سفيان ليلا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اتق اللَّه فِي صنيعك ومتبع أمرك أن تجري [١] قتله علي. قَالَ: لا ترع واحضر. فحضر [٢] وقامت [٣] البينة. فَقَالَ المنصور: أرأيتم إن قتلت سفيان بن معاوية بابْن المقفع، ثُمَّ خرج ابْن المقفع عليكم من هَذَا الباب- وأومأ إِلَى باب خلفه- من ينصب لي نفسه حَتَّى أقتله مكان سفيان؟ فرجعوا كلهم عَنِ الشهادة واندفع الأمر. وروى أَبُو الحسن المدائني: أن ابْن المقفع [٤] كَانَ يعبث بسفيان بْن معاوية بْن يزيد بْن المهلب [٥] بالحيرة، ويضحك منه، فغضب سفيان يوما وافترى عليه، فَقَالَ لَهُ ابْن المقفع: يا ابْن المغتلمة، والله مَا اكتفت أمك برجال العراق حَتَّى نكحها رجال أَهْل الشام؟ وكانت أم سُفْيَان: ميسون بْنت المغيرة بْن المهلب. فاضطغن عليه سفيان، فقدم سليمان بْن عَلِيّ، وعيسى بْن عَلِيّ ليكتبوا لعَبْد اللَّه بْن عَلِيّ أمانا. وَكَانَ ابْن المقفع يكتب لعيسى بْن عَلِيّ، وَكَانَ يتنوق فِي الشرط، فكتب فيما اشترط: إن قتله أمير المؤمنين فلا بيعة [٦] لَهُ. فَقَالَ المنصور: من يتوثق لهم؟ قالوا: ابْن المقفع. قَالَ: فما أحد يكفيني ابْن المقفع. فكتب أَبُو الخصيب إِلَى سفيان بْن معاوية يحكي لَهُ هَذَا الكلام عَنْ أمير المؤمنين، / فاعتزم على قتله إن أمكنه ذلك فاستدعاه فقال: أتذكر ما ٢٧/ ب كنت تقول؟ قَالَ: أنشدك اللَّه أيها الأمير. فَقَالَ: أمي مغتلمة كما قلت إن لم أقتلك قتلة لم يقتل بها أحد. فأمر بتنور فسجر حَتَّى إذا حمي أمر أن تقطع أعضاؤه، فكلما قطعوا عضوا قَالَ: ألقوه فِي النار. فيلقونه وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ، حَتَّى أتى على جميع جسده، ثُمَّ أطبق التنور وَقَالَ: ليس علي فِي المثلة بك حرج، لأنك زنديق قد أفسدت الناس،

стр. 2641

واختفى أثره، فَقَالَ عيسى لغلامه: قل لسفيان: إن لم تكن قتلته فخله، وإن كنت قتلته فو الله لأطالبْنك بدية. قَالَ سفيان: مَا أدري أين هو. فمضى عيسى إِلَى المنصور وَقَالَ: قتله سُفْيَان فجيء بسفيان مقيدا، وجعل عيسى يطلب الشهود ويخاطب المنصور، ودخل الشهود فشهدوا، فَقَالَ لهم المنصور: قَدْ شهدتم، فإن أتيتكم بابْن المقفع حَتَّى يخاطبكم، مَا تروني صانعا بكم؟ فقام الشهود، وضرب عيسى بْن عَلِيّ عَنْ ذلك الحديث. ٧٦٠- العلاء بْن بِشْر الإسكندراني، مولى قريش . سمع من القاسم بْن مُحَمَّد، وأبي عَبْد الرَّحْمَنِ الحبلي. روى عنه حيوة بْن شريح، وابْن لهيعة. وَكَانَ مستجاب الدعوة. تُوُفِّيَ بالإسكندرية في هذه السنة. ٧٦١- عَمْرو بْن عبيد بْن باب، أَبُو عثمان [١] . وباب من سبي فارس، كَانَ عَمْرو يسكن البصرة، وجالس الحسن الْبَصْرِيّ، ثُمَّ أزاله واصل بْن عطاء عَنْ مذهب أَهْل السنة، فَقَالَ بالقدر، ودعا إِلَيْهِ، واعتزل أصحاب الحسن، وَكَانَ لَهُ سمت وإظهار زهد، ودخل على المنصور فوعظه. أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قال: أخبرنا أحمد بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا القاضي أبو عبد الله الحسن بن علي الصيمري قال: حدثنا محمد بْن عمران بْن موسى الكاتب قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن هارون قَالَ: أَخْبَرَنَا عبيد اللَّه بْن أَحْمَد بْن أبي طاهر، عَنْ أبيه، عَنْ عقبة بْن هارون قَالَ: دخل عَمْرو بْن عبيد على المنصور/ وعنده المهدي بعد أن بايع لَهُ ببغداد، فَقَالَ: يا أبا عثمان، عظني. فَقَالَ: إن هَذَا الأمر الَّذِي أصبح فِي يدك لو بقي فِي يد غيرك ممن كَانَ قبلك لم يصل إليك، فأحذرك ليلة تمخض بيوم لا ليلة بعده، ثُمَّ أنشده: يا أيهذا الَّذِي قَدْ غره الأمل ... ودون مَا يأمل التنغيص والأجل ألا ترى أنما الدنيا وزينتها ... كمنزل الركب حلوا ثمّت ارتحلوا

стр. 2642

حتوفها رصد، وعيشها نكد ... وصفوها كدر، وملكها دول تظل تفزع بالروعات ساكنها ... فما يسوغ لَهُ لين ولا جذل كأنه للمنايا والردى غرض ... تظل فِيهِ بْنات الدهر تنتضل تديره- مَا أدارته- دوائرها ... منها المصيب ومنها المخطئ الزلل والنفس هاربة والموت يرصدها ... فكل عثرة رجل عندها جلل والمرء يسعى بما يسعى لوارثه ... والقبر وارث مَا يسعى لَهُ الرجل قَالَ: فبكى المنصور [١] . أَخْبَرَنَا القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا الصيمري قال: حدثنا أبو عبيد الله المرزباني قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الحسين عَبْد الواحد بْن محمد الحصيني قال: حَدَّثَنَا أبو العيناء مُحَمَّد بْن القاسم قَالَ: حَدَّثَنَا الفضل بْن يعقوب قَالَ: حَدَّثَنِي عمي إسحاق بْن الفضل قَالَ: بينا أنا على باب المنصور وإلى جنبي عمارة بْن حمزة إذ طلع عَمْرو بْن عبيد على حمار، فنزل عَنْ حماره، ونحى البساط [٢] برجله، وجلس دونه، فالتفت إلي عمارة فقال: لا تزال بصرتكم ترمينا بأحمق. فما فصل كلامه من فِيهِ، حَتَّى خرج الربيع وَهُوَ يَقُول: أجب أمير المؤمنين، جعلني اللَّه فداك. فمر متوكئا عليه، فالتفت إِلَى عمارة فقلت: إن الرجل الّذي استحمقت قَدْ دعي وتركنا. قَالَ: كثيرا مَا يكون مثل هَذَا. فأطال اللبث، ثُمَّ خرج الربيع وعمرو متكئ عليه، وهو يقول: / يا ٢٨/ ب غلام، حمار أبي عثمان. فما برح حَتَّى علا سرجه، وضم إِلَيْهِ نشر ثوبه [٣] ، واستودعه اللَّه. فأقبل عمارة على الربيع فَقَالَ: لقد فعلتم اليوم بهذا الرجل فعلا لو فعلتموه بولي عهدكم لكنتم قَدْ قضيتم حقه. قَالَ: فما غاب عنك والله مما فعله أمير المؤمنين أكثر وأعجب. قَالَ: فإن اتسع لك الحديث فحدثنا. فَقَالَ: مَا هو إلا أن سمع أمير المؤمنين بمكانه، فما أمهل حَتَّى أمر بمجلس ففرش لبودا، ثُمَّ انتقل هو والمهدي، وَكَانَ على المهدي سواده وسيفه، ثُمَّ أذن لَهُ [٤] ، فلما دخل سلم عليه بالخلافة فردّ عليه، وما زال

стр. 2643

يدنيه حَتَّى أتكأه على فخذه، وتحفى به، ثُمَّ سأله عَنْ نفسه وعن عياله يسميهم رجلا رجلا وامرأة امرأة، ثُمَّ قَالَ: يا أبا عثمان، عظني. فَقَالَ: أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ، هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ٨٩: ٠- ١٣ [١] إن ربك يا أبا جعفر لبالمرصاد. قَالَ: فبكى بكاء شديدا كأنه لم يسمع تلك الآيات إلا فِي تلك الساعة، وَقَالَ: زدني. فقال: إن الله قَدْ أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها، واعلم، أن هَذَا الأمر الَّذِي صار إليك إنما كَانَ فِي يد من قبلك، ثُمَّ أفضى إليك، وكذلك يخرج منك إِلَى من هو بعدك، وإني أحذرك ليلة تمخض صبيحتها عَنْ يوم القيامة. قَالَ: فبكى والله أشد من بكائه الأول حَتَّى جف جفناه. فَقَالَ له سليمان بن خالد: رفقا بأمير ٢٩/ أالمؤمنين، قَدْ أتعبته اليوم فَقَالَ لَهُ عَمْرو: بمثلك ضاع/ الأمر وانتشر، لا أبا لك، وماذا خفت على أمير المؤمنين أن بكى من خشية اللَّه؟ ؟ فَقَالَ لَهُ أمير المؤمنين: يا أبا عثمان، أعني بأصحابك أستعن بهم. قال: أظهر الحق يتبعك أهله. قَالَ: بلغني أن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن حسن كتب إليك كتابا. قَالَ: قد جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه. قَالَ: فيم أجبته؟ قَالَ: أو ليس قَدْ عرفت رأيي فِي السيف أيام كنت تختلف إلينا، إني لا أراه، قَالَ: أجل، ولكن تحلف لي ليطمئن قلبي. قَالَ: لئن كذبتك تقية لأحلفن لك بقية. قَالَ: أنت والله الصادق البر. ثم قَالَ: قَدْ أمرت لك بعشرة آلاف درهم تستعين بها على سفرك وزمانك. قَالَ: لا حاجة لي فِيهَا. قَالَ: والله لتأخذنها. قَالَ: والله لا آخذها. فَقَالَ لَهُ المهدي: يحلف أمير المؤمنين وتحلف؟! فترك المهدي وأقبل على المنصور وَقَالَ: من هَذَا الفتى؟ قَالَ: هَذَا ابْني مُحَمَّد، هو المهدي وولي العهد. قَالَ: والله لقد أسميته اسما مَا استحقه عمله، وألبسته لباسا مَا هو من لبس الأبرار، ولقد مهدت لَهُ أمرا أمتع مَا يكون به، أشغل مَا يكون عنه. ثُمَّ التفت إِلَى المهدي وَقَالَ لَهُ: يا ابْن أخي، إذا حلف أبوك حلف عمك، لأن أباك أقدر على الكفارة من عمك. ثم قَالَ: يا أبا عثمان، هل من حاجة؟ قَالَ: نعم. قَالَ: وما هي؟ قَالَ: لا تبعث إليّ حتى آتيك. قال: إذا لا تأتيني.

стр. 2644

قَالَ: عَنْ حاجتي سألتني. قَالَ: فاستحفظه اللَّه وودعه ونهض، فلما ولى أمده ببصره وَهُوَ يَقُول: كلكم يمشي رويد ... كلكم يطلب صيد غير عَمْرو بْن عبيد [١] قَالَ مؤلف الكتاب ﵀ [٢] : تكلم العلماء فِي عَمْرو بْن عبيد لأجل مذهبه فِي القدر، وكذبه جماعة منهم فِي حديثه، وَكَانَ يَقُول: إن كانت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ١١١: ١ [٣] فما على أبي لهب من لوم. أَخْبَرَنَا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الحافظ قَالَ: سمعت أبا عَمْرو عَبْد الوهاب/ بْن محمد بن أحمد بن إبراهيم العسال ٢٩/ ب يَقُول: سمعت أبي يَقُول: سمعت مسبح بْن حاتم الْبَصْرِيّ يَقُول: سمعت عبيد اللَّه بْن معاذ العنبري يقول: سمعت أبي يقول: سمعت عَمْرو بْن عبيد يَقُول- وذكر حديث الصادق والمصدوق- فَقَالَ: لو سمعت الأعمش يَقُول هذا لكذبته، ولو سمعت زيد بْن وهب يَقُول هَذَا مَا أجبته، ولو سمعت عَبْد اللَّه بن مسعود يقول هذا مَا قبلته، ولو سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول هَذَا لرددته، ولو سمعت اللَّه تعالى يَقُول هَذَا لقلت لَهُ: ليس على هَذَا أخذت ميثاقنا [٤] . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا عبد اللَّه بْن أَحْمَد الأصفهاني قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الشافعي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بشير بْن مطير قَالَ: حَدَّثَنَا سوار بْن عَبْد اللَّه قَالَ: حَدَّثَنَا الأصمعي قَالَ: جاء عَمْرو بْن عُبَيْد إِلَى أبي عَمْرو بْن العلاء، فَقَالَ: يا أبا عَمْرو، يخلف اللَّه وعده؟ قَالَ: لا. قَالَ: أفرأيت إن [وعد اللَّه على] [٥] عمل عقابا، يخلف وعده؟ فقال أبو عمرو: من العجمة أتيت يا أبا عثمان، إن الوعد غير الوعيد، إن العرب لا تعد خلفا ولا عارا، إن

стр. 2645

تعد شرا ثُمَّ لا تفعله، ترى ذاك كرما وفضلا، إنما الخلف أن تعد خيرا ثُمَّ لا تفعله قَالَ: أوجدني هَذَا فِي كلام العرب. قَالَ: أما سمعت إِلَى قول الأول: وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي [١] أَخْبَرَنَا القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن علي قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: أخبرنا ابن إسحاق البغوي قال: حدّثنا الحسن بن عليك قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ قَالَ: سمعت عَبْد اللَّه بْن سلمة الأفطس يَقُول: سمعت عَمْرو بْن عبيد يَقُول: والله لو شهد عندي علي وعثمان وطلحة والزبير على سواك مَا أجزته [٢] . تُوُفِّيَ عَمْرو في هذه السنة ودفن بمران على ليال من مكة. وقيل: توفي سنة ثمان وأربعين. ٣٠/ أ ٧٦٢-/ مجالد بْن سعيد الهمداني [٣] . روى عَنِ الشعبي، وقد طعن بعض المحدثين فِيهِ. ٧٦٣- هلال بْن خباب، أَبُو العلاء، مولى زيد بْن صوحان العبدي [٤] . وَهُوَ بصري سكن المدائن، وحدث بها عَنْ أبي جحيفة السوائي، وسعيد بْن جبير، وعكرمة. روى عنه: مسعر، والثوري. وكان ثقة مأمونا، وقد غلط بعض المحدثين فقال: ويونس بن خباب أخو هلال. وَقَالَ آخر: هلال ويونس وصالح بْنو خباب. وَكَانَ ذلك غلط ليس بينهم قرابة، إنما هو اتفاق فِي اسم الأب. وتوفي هلال بْن خباب بالمدائن في هذه السنة.

стр. 2646

ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائة فمن الحوادث فِيهَا: خروج مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن حسن بْن حسن بْن عَلِيّ بْن أبي طالب ﵁ بالمدينة، وخروج أخيه إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بعده بالبصرة ومقتلهما ﵄: فأما خبر مُحَمَّد: فإن أبا جعفر لما انحدر ببْني حسن رد رياحا إِلَى المدينة، فألح فِي الطلب وأحرج محمدا حَتَّى عزم على الظهور، فخرج قبل وقته الَّذِي فارق عليه أخاه إِبْرَاهِيم. وقيل: إن إِبْرَاهِيم هو الَّذِي تأخر عَنْ وقته لجدري أصابه. وخرج مُحَمَّد فِي مائتين وخمسين فارسا، فأتى السجن فأخرج من فِيهِ، وتناوش الناس. وذلك في أول يوم من رجب هَذِهِ السنة. وقيل: لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة. فأمر برياح وابْن مسلم فحبسا، وجعل يَقُول لأصحابه: لا تقتلوا. وصعد الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمّ قَالَ: أما بعد، أيها الناس، فإنه كَانَ من أمر هَذِهِ الطاغية عدو اللَّه أبي جعفر مَا لم يخف عليكم من بْناية القبة الخضراء الَّتِي بْناها معاندة للَّه فِي ملكه، وتصغيرا لكعبة اللَّه الحرام، وإنما أخذ اللَّه فرعون حين قَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ٧٩: ٢٤ [١] فإن أحق الناس/ بالقيام فِي هَذَا الدين أبْناء المهاجرين الأولين والأنصار، اللَّهمّ إنهم قَدْ ٣٠/ ب أحلوا حرامك، وحرموا حلالك، وأمنوا من خوفت وأخافوا من أمنت، اللَّهمّ فاحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ بين

стр. 2647

أظهركم وأنتم عندي أَهْل قوة ولا شدة، ولكني اخترتكم لنفسي، والله مَا جئت وفي الأرض مصر يعَبْد اللَّه فِيهِ إلا وقد أخذ لي. وَكَانَ المنصور يكتب على ألسن قواده يدعونه [١] إلى الظهور، ويخبرونه أنهم معه، فكان محمد يَقُول: لو التقينا مال إلي القواد كلهم. ولما أخذ مُحَمَّد المدينة استعمل عَلَيْهَا عثمان بْن مُحَمَّد بْن خالد بْن الزُّبَيْر، وعلى قضائها عَبْد العزيز بْن عَبْد المطلب بْن عَبْد اللَّه المخزومي، وعلى الشرط أبا القاسم عثمان بْن عبيد اللَّه، وعلى ديوان العطاء عَبْد اللَّه بْن جعفر بْن عَبْد الرَّحْمَنِ، واستعمل القاسم بْن إسحاق على اليمن، وموسى بْن عَبْد اللَّه على الشام يدعوان إِلَيْهِ، فقتلا قبل أن يصلا. واستفتي مالك بْن أنس فِي الخروج مَعَ مُحَمَّد، وقيل لَهُ: إن فِي أعناقنا لأبي جعفر بيعة. فَقَالَ: إنما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين، فأسرع الناس إِلَى مُحَمَّد، ولزم مالك بيته، وأرسل مُحَمَّد إِلَى إسماعيل بْن عَبْد اللَّه بْن جعفر، فدعاه فَقَالَ: يا ابْن أخي، أنت والله مقتول، فكيف أبايعك؟ فارتدع الناس عنه قليلا، وخرج مُحَمَّد وأبو جعفر قَدْ خط مدينة بغداد بالقصب. فلما خرج مضى رجل من بْني عامر، فسار من المدينة تسع ليال، فقدم على أبي جعفر، فَقَالَ الربيع: مَا حاجتك؟ فَقَالَ: لا بد لي من أمير المؤمنين فأعلمه. فَقَالَ: سله عَنْ حاجته وأعلمني. قَالَ: قَدْ أبى إلا مشافهتك. فأذن لَهُ، فدخل فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، خرج مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بالمدينة. فَقَالَ: قتلته والله، أَخْبَرَنِي من معه، فسمى لَهُ. فَقَالَ: أنت رأيته. قَالَ: أنا رأيته وكلمته ٣١/ أعلى/ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فأدخله أَبُو جعفر بيتا، فلما أصبح جاءه الخبر، فأمر للرجل بتسعة آلاف، لكل ليلة سارها ألفا. وكتب أَبُو جعفر إِلَى مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من عَبْد اللَّه أمير المؤمنين إِلَى مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ٥: ٣٣ إِلَى قوله: غَفُورٌ رَحِيمٌ ٥: ٣٤ [٢] ولك عهد الله

стр. 2648

وميثاقه وذمته وذمة رسوله إن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عَلَيْك أن أؤمنك وجميع إخوتك وأهل بيتك ومن اتبعكم على دمائكم وأموالكم، وأسوغك مَا أصبت من دم أو مال، وأعطيك ألف ألف درهم، وما سألت من الكراع، وأنزلك من البلاد حيث شئت، وأن أطلق من فِي حبسي من أَهْل بيتك، وأن أؤمن كل من جاءك أو بايعك أو دخل فِي شيء من أمرك، فإن أردت أن تتوثق لنفسك فوجّه إلي من أحببت يأخذ لك مني من الأمان والميثاق مَا تثق به. فكتب إِلَيْهِ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه: من عَبْد اللَّه [١] المهدي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه إِلَى مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه: طسم، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ ٢٨: ١- ٣ إِلَى قوله تعالى: مَا كانُوا يَحْذَرُونَ ٢٨: ٦ [٢] وأنا أعرض عَلَيْك من الأمان مثل مَا عرضت علي، فإن الحق حقنا، وإنما ادعيتم هَذَا الأمر بْنا، وخرجتم لَهُ بشيعتنا، وإن أبانا عليا كَانَ الْإِمَام، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء؟ فوالدنا من النبيين محمد ﷺ ومن السلف أولهم إسلاما: عَلِيّ بْن أبي طالب، ومن الأزواج أفضلهم خديجة، وأول من صلى للقبلة، ومن البنات خيرهن فاطمة، ومن المولودين حسن وحسين سيدا شباب أَهْل الجنة، وإن هاشما ولد عليا مرتين، وإن عَبْد المطلب ولد حسنا مرتين، وأن رسول الله ﷺ ولدني مرتين من قبل حسن وحسين، وإني أوسط/ بني هاشم نسبا، وأصرحهم ٣١/ ب أبا، إنما لم نعرف فِي العجم، ولم ننازع فِي أمهات الأولاد، ولك عهد اللَّه إن دخلت فِي طاعتي، أن أؤمنك على نفسك ومالك وعلى كل أمر أحدثته، إلا حدا من حدود اللَّه، أو حقا لمسلم أو معاهد، وأنا أولى بالأمر منك، وأوفى بالعهد، لأنك أعطيتني من العهد والأمان مَا أعطيته رجالا قبلي، فأي الأمانات تعطيني!؟ أمان ابن هبيرة، أم أمان عملك عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ، أم أمان أبي مسلم. فكتب إِلَيْهِ أَبُو جعفر: أما بعد، فإني قَدْ فهمت كتابك، فإذا جل فخرك بقرابة النساء لتضل به الغوغاء، ولم يجعل اللَّه النساء كالعمومة، ولا الآباء كالعصبة، والأولياء، ولقد بعث اللَّه تعالى محمدا ﷺ وله عمومة أربعة، فأجاب اثنان أحدهما أبي، وأبى اثنان أحدهما أبوك، فقطع اللَّه ولايتهما منه، وأما مَا فخرت به من علي، فقد

стр. 2649

حضرت رسول الله ﷺ الوفاة، فأمر غيره فصلى بالناس، وَكَانَ فِي الستة فدفعوه، وقتل عثمان وَهُوَ لَهُ متهم، وقاتله طلحة والزبير، ثُمَّ كَانَ حسن فباعها من معاوية بخرق ودراهم، فإن كَانَ لكم فِيهَا شيء فقد بعتموه وأخذتم ثمنه، ثُمَّ خرجتم على بني أمية فقتلوكم وصلبوكم ونفوكم، فطلبْنا بثأركم، وأورثناكم أرضهم، ولقد علمت أن مكرمتنا فِي الجاهلية سقاية الحاج وزمزم، ولقد قحط أَهْل المدينة فلم يتوسل عُمَر إلا بأبينا. ولما ظهر مُحَمَّد شخص إِلَيْهِ الحسن بْن معاوية فرده إِلَى مكة، فغلب عَلَيْهَا ودخل مكة فخطب بالناس ونعى إليهم أبا جعفر، ودعا لمحمد بْن عبد الله فدعا أبو جعفر جعفر بْن حنظلة النهراني، وَكَانَ أعلم الناس بالحرب، وقد شهد مَعَ مروان حروبه، فَقَالَ لَهُ: يا جعفر، قَدْ ظهر مُحَمَّد، فما عندك؟ فَقَالَ: وأين ظهر؟ قَالَ: بالمدينة. قَالَ: فاحمد اللَّه، ظهر حيث لا مال ولا سلاح ولا كراع، ابعث مولى لك تثق به الآن ينزل ٣٢/ أبوادي/ القرى، فيمنعه ميرة الشام، فيموت مكانه جوعا. ففعل وندب أَبُو جعفر عيسى بْن موسى لقتال مُحَمَّد وَقَالَ: لا أبالي أيهما قتل صاحبه وضم إِلَيْهِ أربعة آلاف من الجند، وبعث معه مُحَمَّد بْن أبي الْعَبَّاس أمير المؤمنين، وقدم كثير بْن أبي حصين العبدي فعسكر بفيد، وخندق عليه خندقا حَتَّى قدم عليه عيسى بْن موسى، فخرج به إِلَى المدينة، وَقَالَ أَبُو جعفر لعيسى حين ودعه: يا عيسى، إني أبعثك إلى ما بين هذين- وأشار إِلَى جنبيه- فإن ظفرت بالرجل فشم سيفك وابذل الأمان، وإن تغيب فضمنهم إياه حَتَّى يأتوك به، فإنهم يعرفون مذهبه. ففعل ذلك. ولما وصل عيسى إِلَى فيد كتب إِلَى رجال من أَهْل المدينة، فتفرقوا عَنْ مُحَمَّد وخرجوا إِلَى عيسى، وقد كَانَ مَعَ مُحَمَّد نحو من مائة ألف، فلما دنا عيسى إِلَى المدينة قَالَ مُحَمَّد لأصحابه: أشيروا علي فِي الخروج والمقام. فاختلفوا، فَقَالَ بعضهم: إنك بأقل بلاد اللَّه فرسا وطعاما، وأضعفها رجلا وسلاحا، والرأي بأن تسير بمن معك حتى تأتي مصر، فو الله لا يردك راد، فتقابل الرجل بمثل سلاحه ورجاله. وَقَالَ بعضهم: أعوذ باللَّه أن تخرج من المدينة، فإن النبي ﷺ قَالَ: «رأيتني فِي درع حصينة فأولتها المدينة» فحفر خندق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي حفره يوم الأحزاب، وخطب الناس وَقَالَ: «إن هَذَا الرجل قرب منكم فِي عدد وعدة، وقد احللتكم من بيعتي، فمن أحب فليقم، ومن أحب فلينصرف. فتسللوا وخرج قوم منهم إِلَى الجبال حَتَّى بقي فِي شرذمة، حَتَّى قَالَ بعضهم: نحن اليوم في عدة أصحاب بدر ثلاثمائة وثلاثة

стр. 2650

عشر رجلا ونزل عيسى بالحرف صبيحة اثنتي عشرة من رَمَضَان من هَذِهِ السنة يوم السبت، فأقام يوم السبت ويوم الأحد وغداة الاثنين، حتى استولى على سلع، وشحن/ ٣٢/ ب وجوه المدينة بالخيل، وأقبل على دابته يمشي وحوله نحو من خمسمائة وبين يديه راية، فوقف على الثنية ثُمَّ نادى: يا أَهْل المدينة، إن اللَّه قَدْ حرم دماء بعضنا [١] على بعض، فهلم إِلَى الأمان، فمن قام تحت رايتنا فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن خرج من المدينة فهو آمن، خلوا بيننا وبين صاحبْنا، فإما لنا وإما لَهُ. فشتمه أَهْل المدينة، فانصرف يومه ذاك، وعاد من الغد، ففعل مثل ذلك فشتموه، فلما كان في اليوم الثالث أقبل بالخيل والرجال والسلاح، ونادى بْنفسه: يا مُحَمَّد، إن أمير المؤمنين أمرني أن لا أقاتل حَتَّى أعرض عَلَيْك الأمان، فلك الأمان على نفسك وأهلك وولدك وأصحابك، وتعطى من المال كذا وكذا، ويقضي عنك دينك. فصاح محمد إله عن هذا، فو الله لقد علمت إنه لا يثنيني عنكم فزع، ولا يقربْني منكم طمع، ولحج القتال وترجل، فقتل يومئذ نحوا من سبعين بيده، وكانت الهزيمة قَدْ بلغت الخندق، فأرسل عيسى بأبواب بقدر الخندق، فعبروا عَلَيْهَا حَتَّى كانوا من ورائه، ثُمَّ اقتتلوا أشد القتال من بكرة حَتَّى العصر. وفي رواية: أمرهم عيسى فطرحوا حقائب الإبل فِي الخندق، وأمر ببابي دار سعد بْن مسعود التي فِي الثنية، فطرحا على الخندق، فجازت الخيل، فالتقوا، فانصرف مُحَمَّد قبل الظهر، فاغتسل وتحنط، فقيل لَهُ: الحق بمكة. فَقَالَ: لو خرجت لقتل أَهْل المدينة، والله لا أرجع حَتَّى أقتل أو أقتل. فعرقب دابته، وعرقب أصحابه دوابهم، فلم يبق أحد إلا كسر غمد سيفه، فجاز رجل فضرب محمدا بالسيف دون شحمة أذنه اليمنى، فبرك لركبتيه، وتعاونوا عليه. وصاح حميد بْن قحطبة: لا تقتلوه، فكفوا، فجاء حميد فاجتز رأسه، وَكَانَ مَعَ مُحَمَّد سيف، فأعطاه- قبل أن يقتل- رجلا من التجار له عليه دين أربعمائة دينار. فَقَالَ خذ هَذَا السيف، فإنك لا تلقى أحدا من آل أبي/ طالب إلا أخذه وأعطاك حقك، فكان السيف عنده حَتَّى ولي جعفر بن سليمان ٣٣/ أالمدينة، فأخبر عنه، فدعا الرجل وأخذ السيف منه وأعطاه أربعمائة دينار وقتل محمد

стр. 2651

رضي اللَّه عنه بعد العصر يوم الاثنين لأربع عشرة خلت من رَمَضَان، فلما أصبحوا أرسلت أخته زينب وابْنته فاطمة إِلَى عيسى: إنكم قَدْ قتلتم هَذَا الرجل وقضيتم منه حاجتكم، فلو أذنتم لنا فواريناه. فأذن فِي ذلك، فدفنوه بالبقيع، وأمر عيسى بصلب أصحابه، وبعث عيسى بألوية فوضعها فِي أماكن ونادى مناديه: من دخل تحت لواء منها فهو آمن، أو دخل دارا من هذه الدور فهو آمن. وجعل عيسى يختلف إِلَى المسجد، فأقام بالمدينة أياما، ثُمَّ شخص [صبح] [١] تاسع عشر رَمَضَان يريد مكة، وحمل رأس مُحَمَّد إِلَى أبي جعفر وَهُوَ بالكوفة، فأمر به فطيف به فِي طبق أبيض، فلما أمسى بعث به فِي الآفاق، وتتبع من هرب من الخارجين معه [٢] فقتل أكثرهم. ولما خرج عيسى من المدينة استخلف عَلَيْهَا كثير بْن حصين، فمكث واليا عَلَيْهَا شهرا، ثُمَّ قدم عَبْد اللَّه بْن الربيع الحارثي واليا عَلَيْهَا من قبل أبي جعفر. وَفِيهَا: ثارت السودان بالمدينة وواليها عَبْد اللَّه بْن الربيع، فهرب منهم. وَكَانَ السبب الَّذِي هيج ذلك أن رياح بْن عثمان استعمل أبا بكر بْن عَبْد اللَّه بْن سبرة على صدقة أسد وطئ، فلما خرج مُحَمَّد أقبل إِلَيْهِ أَبُو بكر بما كَانَ جبى، وشمر معه، فلما استخلف عيسى كثير بْن حصين أخذ أبا بكر فضربه سبعين سوطا وحبسه، ثُمَّ قدم عَبْد اللَّه بْن الربيع واليا يوم السبت لخمس بقين من شوال سنة خمس وأربعين، فنازع بعض جنده بعض التجار فِي بعض مَا يشترون [٣] منهم، فخرجت طائفة منهم- يعني التجار- فشكوا [٤] ذلك إِلَى ابْن الربيع فنهرهم وشتمهم، فطمع فيهم الجند، فانتهبوا شيئا من طعام السوق، وعدوا على رجل من الصرافين فغالبوه على كيسه، ٣٣/ ب فاجتمع أَهْل المدينة فشكوا/ ذلك إِلَى ابْن الربيع فلم ينكر ذلك، وجاء رجل من الجند فاشترى من جزار لحما ولم يعطه ثمنه وشهر عليه السيف، فطعنه الجزار بشفرة فخر عَنْ دابته، واعتوره الجزارون فقتلوه، وتنادى السودان على الجند وهم يروحون إِلَى الجمعة فقتلوهم بالعمد فِي كل ناحية، حَتَّى أمسوا، فلما كَانَ الغد هرب ابن الربيع، ونفخ

стр. 2652

السودان فِي بوق لهم، فكان كل أسود يسمعه فيؤم الصوت [١] ، وذلك فِي يوم الجمعة لسبع بقين من ذي الحجة، وعدوا على ابْن الربيع والناس فِي الجمعة، فأعجلوه عَنِ الصلاة، وخرج حتى أتى السوق، فمر بمساكين خمسة وهم يسألون الناس، فحمل عليهم بمن معه فقتلوهم، وحمل عليه السودان، فهرب ابْن الربيع إِلَى البقيع فرهقوه [٢] ، فنثر لهم دراهم فأشغلوا بها، ومضى لوجهه حَتَّى نزل بطن نخلة، ووقع السودان فِي طعام لأبي جعفر من سويق ودقيق وزيت، فانتهبوه. فخرج ابْن أبي سبرة من السجن فِي حديده، فخطب الناس وصلى بهم، ودعاهم إِلَى الطاعة، وقال ابْن أبي سبرة لجماعة من سادات العبيد: والله لئن ثبتت علينا هَذِهِ الثلاثة [٣] عند أمير المؤمنين بعد الفعلة الأولى إنه لاصطلام البلد وأهله، فاذهبوا إِلَى العبيد فكلموهم. فذهبوا إليهم فقالوا: مرحبا بكم يا موالينا، والله مَا قمنا إلا إبقاء لكم. واقبلوا بهم إِلَى المسجد، فردوا مَا انتهبوه، فرجع ابْن الربيع، فقطع أيدي جماعة من السودان. وَفِيهَا: أسست مدينة بغداد: [٤] وَكَانَ سبب ذلك: أن أبا جعفر بْنى- حين أفضي الأمر إِلَيْهِ- الهاشمية قبالة مدينة ابْن هبيرة إِلَى جنب الكوفة، وبْنى أَبُو جعفر أيضا مدينة بظهر الكوفة سمّاها: الرصافة. فلما ثارت الروندية بأبي جعفر فِي مدينته الَّتِي يقال لها: الهاشمية كره سكناها لاضطراب من اضطرب عليه من الروندية، ولم يأمن على نفسه. فخرج يرتاد موضعا يتخذه مسكنا لنفسه وجنده، ويبْني به مدينة، فانحدر إِلَى جرجرايا، ثُمَّ صار إِلَى بغداد، ثم مضى إلى الموصل، ثم عاد إِلَى بغداد فَقَالَ: هَذَا موضع صالح، وَهَذِهِ دجلة ليس بيننا وبين ٣٤/ أالصين شيء، يأتينا فِيهَا كل مَا فِي البحر، وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وما حول ذلك، وَهَذِهِ الفرات يجيء فِيهَا كل شيء بالشام والرقة، وضرب عسكره على الصراة، وخط المدينة، ووكل بكلّ ربع قائدا.

стр. 2653

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن عَلِيّ الوراق وأحمد بْن عَلِيّ المحتسب قالا: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّد بْن جعفر بن هارون الكوفي قال: حدثنا الحسن بن محمد السكوني قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خلف قَالَ: زعم عَبْد الله بن أبي سعيد قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن حميد بْن جبلة قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عَنْ جدي جبلة قَالَ: كانت مدينة أبي جعفر قبل بْنائها مزرعة البغداديين يقال لها: المباركة، وكانت لستين نفسا من البغداديين، فعوضهم عنها عوضا أرضاهم فأخذ جدي جبلة قسمه فيهم. أَخْبَرَنَا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن علي قَالَ: ذكر علماء الأوائل أن أقاليم الأرض سبعة، وأن الهند رسمتها فجعلت صفة الأقاليم كأنها حلقة، فالإقليم الأول منها: إقليم بلاد الهند، والإقليم الثاني إقليم الحجاز، والإقليم الثالث إقليم مصر، والإقليم الرابع إقليم بابل، وَهُوَ أوسط الأقاليم وأعمرها، وفيه جزيرة العرب، وفيه العراق الّذي هو سرة الدنيا، وبغداد فِي وسط هَذَا الإقليم. والإقليم الخامس بلاد الروم، والإقليم السادس بلاد الترك، والإقليم السابع بلاد الصين. والإقليم الرابع الَّذِي فِيهِ العراق- وفي العراق بغداد- هو صفوة الأرض ووسطها لا يلحق من فِيهِ عيب سرف ولا تقصير، فكذلك اعتدلت ألوان أهله، وامتدت أجسامهم، وسلموا من شقرة الروم والصقالبة، ومن سواد الحبش وسائر أجناس السودان، ومن غلظ الترك، ومن جفاء أَهْل الجبال وخراسان، ومن دمامة أَهْل الصين ومن جانسهم، واجتمعت فِي أَهْل هَذَا القسم ٣٤/ ب من الأرض محاسن جميع أَهْل الأقطار، وكما اعتدلوا/ فِي الخلقة، كذلك لطفوا فِي الفطنة [١] والتمسك بالعلم والآداب، وهم أهل العراق ومن جاورهم [٢] . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِئُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَد الجلوذي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَائِشَةَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِلَى كَعْبِ الأَحْبَارِ اخْتَرْ لِي الْمَنَازِلَ. قَالَ [٣] : فكتب: يا أمير

стр. 2654

الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ الأَشْيَاءَ اجْتَمَعَتْ فَقَالَ السَّخَاءُ: أُرِيدُ الْيَمَنَ. فَقَالَ حُسْنُ الْخُلُقِ: أَنَا مَعَكَ. فَقَالَ الْجَفَاءُ: أُرِيدُ الْحِجَازَ فَقَالَ الْفَقْرُ: وَأَنَا مَعَكَ. فَقَالَ الْبَأْسُ: أُرِيدُ الشَّامَ. فَقَالَ السَّيْفُ: وَأَنَا مَعَكَ. فَقَالَ الْعِلْمُ: أُرِيدُ الْعِرَاقَ. فَقَالَ الْعَقْلُ: وَأَنَا مَعَكَ. فَقَالَ الْغِنَى: أُرِيدُ مِصْرَ. فَقَالَ الذُّلُّ: وَأَنَا مَعَكَ. فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ، فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى عُمَرَ قَالَ: فَالْعِرَاقُ إِذَنْ، فَالْعِرَاقُ إِذَنْ [١] . أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي قال: قرأت على أبي بكر أَحْمَد بْن مُحَمَّد اليزدي، عَنْ أبي شيخ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن حيان قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَن البغدادي قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه: جئت إِلَى الجاحظ فَقَالَ: الأمصار عشرة: الصناعة بالبصرة، والفصاحة بالكوفة، والخير ببغداد، والغدر بالري، والحسد بهراة، والجفاء بنيسابور، والبخل بمرو، والطرمذة بسمرقند، والمروءة ببلخ، والتجارة بمصر [٢] . وَقَالَ سليمان بْن مجالد: خرج المنصور يرتاد منزلا، فخرجنا على ساباط، فتخلف بعض أصحابي لرمد أصابه، وأقام يعالج عينيه، فسأله الطبيب أين يريد أمير المؤمنين؟ قَالَ: يرتاد منزلا قَالَ: فإنا نجد فِي كتاب عندنا أن رجلا يدعى مقلاصا يبْني مدينة بين دجلة والصراة تدعى: الزوراء، فإذا أسسها وبْنى عرقا منها أتاه فتق من الحجاز فقطع بْناءها وأقبل على إصلاح ذلك الفتق، فإذا كاد يلتئم أتاه فتق من البصرة هو أكبر منه، فلا يلبث الفتقان أن يلتئما ثُمَّ يعود إِلَى بْنائها فيتمه، ثُمَّ يعمر طويلا، ويبقى الملك فِي عقبه/. قَالَ سليمان: فإن أمير المؤمنين لبأطراف الجبال في ارتياد ٣٥/ أمنزل إذ قدم علي صاحبي فأخبرني الخبر، فأخبرت به أمير المؤمنين. فدعا الرجل فحدثه الحديث، فكرّ راجعا عوده على بدئه وَقَالَ: والله أنا ذلك لقد سميت مقلاصا وأنا صبي، ثُمَّ انقطعت عني، ثم شاور في ذلك، فاتفق رأي القوم على بغداد، وقالوا [٣] لَهُ: تجيئك الميرة من العرب فِي الفرات وطرائف مصر والشام، وتجيئك

стр. 2655

الميره فِي السفن من الصين والهند والبصرة وواسط فِي دجلة، وتجيئك الميرة من أرمينية وما اتصل بها فِي تامرا حَتَّى تصل إِلَى الزاب، وتجيئك الميرة من الروم وآمد والجزيرة والموصل فِي دجلة [١] ، وأنت بين أنهار لا يصل إليك [عدوك] [٢] إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطعت الجسر وأخربت القناطر لم يصل إليك عدو وأنت بين دجلة والفرات، لا يجيئك أحد من المشرق أو المغرب إلا احتاج إِلَى العبور بدجلة والفرات خنادق لمدينة أمير المؤمنين. فوجه فِي حشر الصناع والفعلة من الشام والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة فأحضروا، وأمر باختيار قوم من أَهْل الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة، وَكَانَ ممن أحضر الحجاج بْن أرطأة وأبو حنيفة والنعمان بْن ثَابِت. وأمر بخط المدينة، وحفر الأساسات، وضرب اللبْن، وحرق الآجر، وكان أول ما ابتدأ به في عملها سنة خمس وأربعين [ومائة] [٣] ، وأحب أن ينظر إليها، فأمر أن تخط بالرماد، وأقبل يدخل من كل باب، ويمر في فضلاتها وطاقتها ورحابها وهي مخطوطة بالرماد، وأمر أن يحفر أساس ذلك على ذلك الرسم. قَالَ ابْن عياش: فوضع أول لبْنة بيده وَقَالَ: بسم اللَّه وباللَّه، والْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ٧: ١٢٨ [٤] . ثُمَّ قَالَ: ابْنوا على بركة اللَّه وعونه. وَقَالَ حماد التركي: لما وقع اختيارهم على موضع بغداد، وَكَانَ فِي موضع الخلد/ دير وفي فرات الصراة قرية، وكانت القرية تسمى العتيقة، وهي التي افتتحها المثنى بن حارثة، وجاء المنصور فنزل الدير فِي موضع الخلد على الصراة، فوجده قليل البق، فَقَالَ: هَذَا موضع ارضاه، تأتيه الميرة من الفرات ودجلة. فبْناه، وَكَانَ موضع قرى ومزارع. ولما احتاج المنصور فِي بْنائه إِلَى الأنقاض قَالَ لخالد بْن برمك: ما ترى في نقض بناء كسرى بالمدائن وحمل نقضه إِلَى مدينتي هَذِهِ. فَقَالَ: لا أرى ذلك. قال:

стр. 2656

ولم؟ قَالَ: لأنه علم من [أعلام] [١] الإسلام يستدل به الناظر إِلَيْهِ على أنه لم يكن ليزال مثل أصحابه عنه بأمر دنيا، وإنما هو بأمر دين. فَقَالَ: أبيت إلا الميل إلى أصحابك العجم. وأمر أن ينقض القصر الأبيض، فنقضت ناحية منه، وحمل نقضه، فنظر فِي مقدار مَا يلزمهم للنقض والحمل فوجدوا ذلك أكثر من ثمن الجديد، فرفع ذلك إِلَى المنصور، فدعا خالدا فأخبره وَقَالَ: مَا ترى؟ قَالَ: قَدْ كنت أرى أن لا تفعل، فأما إذ فعلت فأرى أن تهدم الآن حَتَّى تلحق بقواعده لئلا يقال إنك عجزت عَنْ هدمه. فأعرض المنصور عَنْ ذلك وأمر أن لا يهدم. أَخْبَرَنَا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ علي بن ثابت قال: أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عُمَر المرزباني قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين عَبْد الواحد بْن مُحَمَّد الحصيني قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو علي أَحْمَد بْن إسماعيل قَالَ: لما صارت الخلافة إِلَى المنصور أمر بْنقض إيوان المدائن فاستشار جماعة من أصحابه، وكلهم أشار عليه بمثل مَا هم، وَكَانَ معه كاتب من الفرس فاستشاره [٢] فِي ذلك فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أنت تعلم أن رسول الله ﷺ خرج من تلك القرية- يعني المدينة- وكان له بها مثل ذلك المنزل، ولأصحابه مثل تلك الحجر، فخرج أصحاب ذلك الرسول ﷺ حَتَّى جاءوا مَعَ ضعفهم إِلَى صاحب هَذَا الإيوان مَعَ عزته وصعوبة أمره/، حَتَّى غلبوه وأخذوه من يديه قسرا ٣٦/ أوقهرا، ثُمَّ قتلوه، فيجيء الجائي من أقاصي الأراضي فينظر إِلَى تلك المدينة وإلى هَذَا الإيوان، ويعلم أن صاحبها قهر صاحب هَذَا الإيوان، فلا يشك أنه بأمر اللَّه ، وأنه هو الَّذِي أيده، وَكَانَ معه ومع أصحابه، وفي تركه فخر لكم، فاستغشه المنصور واتهمه لقرابته من القوم، ثُمَّ بعث فِي بعض الإيوان فنقض منه الشيء اليسير، ثُمَّ كتب إِلَيْهِ أنه يغرم [٣] فِي نقضه أكثر مما يسترجع، وأن هَذَا تلف للأموال وذهابها. فدعا الكاتب فاستشاره فيما كتب به إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ كنت أشرت بشيء لم يقبل مني، وأما الآن فإني آنف لكم أن يكونوا أولئك بنوا بناء تعجزون أنتم عن

стр. 2657

هدمه والصواب أن تبلغ به الماء. ففكر المنصور فعلم أنه قَدْ صدق، ثُمَّ نظر فإذا هدمه يتلف الأموال فأمر بالإمساك عنه. وقيل إن أبا جَعْفَر لما أمر بحفر الخنادق وأنشأ بْناء الأساس أمر أن يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعا، وقدر أعلاه عشرين ذراعا، فلما بلغ البْناء قامة أتاه خروج مُحَمَّد فقطع البْناء، وخرج إِلَى الكوفة، فلما فرغ من حرب مُحَمَّد رجع إِلَى بغداد. أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا الحسن بْن أبي طالب قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عروة قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر الصولي قال: قال رجل من ولد الربيع. لما أراد أَبُو جَعْفَر أن يبْني لنفسه كَانَ يؤتى من كل مدينة بتراب فيعفنه فيصير عقارب وهوام، حَتَّى أتى بتربة بغداد، فخرج صرارات، وأتى الخلد فنظر إِلَى دجلة والفرات فأعجبه، فرآه راهب كَانَ هُنَاكَ وَهُوَ يقدر بْناءها. فَقَالَ: لا يتم، فبلغه فأتاه. فقال: نعم!. نجد في كتبنا أن الَّذِي يبْنيها ملك يقال لَهُ: مقلاص. قَالَ أَبُو جَعْفَر: كانت والله أمي تلقبْني فِي صغري مقلاصا [١] . أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر الخطيب قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن أبي علي المعلى قَالَ: أَخْبَرَنَا طلحة بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْن جرير/ إجازة: أن أبا جَعْفَر ابتدأ أساس المدينة سنة خمس وأربعين ومائة، واستتم البْناء سنة ست وأربعين ومائة وسمّاها مدينة السلام [٢] . قَالَ الخطيب: وبلغني أنه لما عزم على بْنائها أحضر المهندسين وأهل المعرفة بالبْناء والعلم بالذرع والمساحة وقسمة الأرض، فمثل لهم صفتها الَّتِي فِي نفسه، ثُمَّ أحضر الفعلة والصناع من النجارين والحفارين والحدادين وغيرهم، وأجرى عليهم الأرزاق، وكتب إِلَى كل بلد فِي حمل من فِيهِ ممن يفهم شيئا من أمر البْناء، ولم يبتدئ فِي البْناء حَتَّى تكامل بحضرته من أَهْل الصناعات ألوف كثيرة، ثُمَّ اختطها وجعلها مدورة. ويقال: لا يعرف في أقطار الأرض كلها مدينة مدورة سواها، ووضع أساسها فِي وقت اختاره نوبخت المنجّم [٣] .

стр. 2658

أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو عمر الحسن بن عثمان بن الفلو قال: أخبرنا جعفر بن محمد بن أحمد بْن الحكم قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الفضل الْعَبَّاس بْن أَحْمَد الحداد قَالَ: سمعت أَحْمَد البربري [١] يَقُول: مدينة أبي جَعْفَر ثَلاثُونَ ومائة جريب، خنادقها وسورها ثَلاثُونَ جريبا، وأنفق عَلَيْهَا ثمانية عشر ألف ألف [٢] . قَالَ الخطيب: ورأيت فِي بعض الكتب أن المنصور أنفق على مدينته وجامعها وقصر الذهب فيها والأبواب والأسواق إِلَى أن فرغ من بْنائها أربعة آلاف وثلاثة وثمانين درهما، مبلغها من الفلوس مائة ألف فلس وثلاثة وعشرون ألف فلس، وذلك أن الأستاذ من الصناع كان يعمل يومه بقيراط إِلَى خمس حبات، والروزداري يعمل بحبتين إلى ثلاث حبات، وهذا خلاف مَا تقدم ذكره، وبين القولين تفاوت كثير [٣] . أخبرنا عبد الرحمن قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر بْنِ ثَابِتٍ الْخَطِيبُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيّ الوراق قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر النحوي قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد السكوني قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خلف قَالَ: قَالَ يحيى بْن الْحَسَن بْن عَبْد الخالق: خط المدينة ميل فِي ميل [٤] ، / ولبْنها ذراع في ذراع [٥] . قَالَ ابْن خلف: قَالَ أَحْمَد بْن مُحَمَّد الشروي: وهدمنا من السور الَّذِي على باب المحول قطعة، فوجدنا فِيهَا لبْنة مكتوب عَلَيْهَا بمغرة وزنها مائة وسبعة عشر رطلا، فوزناها فوجدناها كذلك [٦] قَالَ الخطيب: وبلغني عَنْ مُحَمَّد بْن خلف أن أبا حنيفة النعمان بن ثابت كان يتولى القيام بضرب لبْن المدينة وعدده حَتَّى فرغ من استتمام بْناء حائط المدينة مما يلي الخندق. وَكَانَ أَبُو حنيفة يعد اللبْن بالقصب، وَهُوَ أول من فعل ذلك، فاستفاده الناس منه [٧] .

стр. 2659

قَالَ مؤلف الكتاب ﵀ [١] : وقد روي فِي حديث آخر أن المنصور أراد أبا حنيفة على القضاء فامتنع، فحلف لا بد أن يتولى لَهُ، فولاه القيام ببْناء المدينة وضرب اللبن ليخرج من يمينه. فتولى ذلك. قَالَ الخطيب: وذكر مُحَمَّد بْن إسحاق البغوي أن رياحا البْناء حدثه- وكان ممن كان يتولى بناء سور مدينة المنصور- قَالَ: كَانَ بين كل باب من أبواب المدينة إِلَى الباب الآخر ميل في كل ساف من أسواف البْناء مائة ألف لبْنة واثنتان وستون [٢] ألف لبْنة، فلما بْنينا الثلث من السور [٣] لقطناه، فصيرنا فِي الساف مائة ألف لبنة وخمسين ألف لبنة، فلما جاوزنا الثلثين لقطناه فصيرنا فِي البْناء مائة ألف [لبْنة] [٤] وأربعين ألفا إِلَى أعلاه [٥] وذكر أَبُو بكر بْن ثَابِت أن ارتفاع هَذَا السور خمسة وَثَلاثُونَ ذراعا، وعرضه من أرضه [٦] نحو من عشرين ذراعا، وجعل لها أربعة أبواب، فإذا جاء أحد من الحجاز دخل من باب الكوفة، وإذا جاء أحد من المغرب [٧] دخل من باب الشام، فإذا جاء أحد من الأهواز وواسط والبصرة واليمامة والبحرين دخل من باب البصرة، وإذا جاء من المشرق دخل من باب خراسان، فمن باب خراسان إِلَى باب الكوفة ألفا ذراع ومائتا ذراع، ومن باب البصرة إِلَى باب الشام ألفا ذراع ومائتا ذراع، وعلى كل أزج من أزاج هَذِهِ الأبواب مجلس ودرجة، وعليه قبة عظيمة، وعليها تمثال تديره الريح. وكان ٣٧/ ب المنصور يجلس إذا أحب أن/ ينظر إِلَى [من يقبل من باب خراسان فِي القبة الَّتِي تليه، وإذا أحب أن ينظر إِلَى] [٨] الأرباض [٩] وما والاها جلس فِي قبة باب الشام،

стр. 2660

وَإِذَا أحب النظر إِلَى الكرخ جلس فِي قبة باب البصرة، وإذا أحب النظر إِلَى البساتين [١] جلس فِي القبة الَّتِي على باب الكوفة، وعلى كل باب من أبواب المدينة باب حديد [٢] ، نقل تلك الأبواب من واسط وهي أبواب الحجاج، وأن الحجاج نقلها من مدينة بْناها سليمان بْن داود ﵉، وَكَانَ على أبواب المدينة مما يلي الرحاب سور وحجاب، وعلى كل باب قائد، فكان على باب الشام سليمان بْن مجالد فِي ألف، وعلى باب البصرة أَبُو الأزهر التَّمِيمِيّ فِي ألف، وعلى باب الكوفة خالد العكي فِي ألف، وعلى باب خراسان مسلمة بْن صهيب الغساني، وجعل بين كل ثمانية وعشرين برجا، إلا بين باب البصرة وباب الكوفة، فإنه يزيد واحدا وعمل عَلَيْهَا الخنادق، وجعل لها سورين وفيصلين، وَكَانَ لا يدخل أحد من عمومة المنصور ولا غيرهم من هَذِهِ الأبواب إلا راجلا، إلا عمه داود، فإنه كَانَ منقرسا، وَكَانَ يحمل فِي محفة. ومحمد المهدي ابْنه، وكانت تكنس الرحاب فِي كل يوم يكنسها الفراشون، ويحمل التراب إِلَى خارج المدينة. وَقَالَ لَهُ عمه عَبْد الصمد: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أنا شيخ كبير، فلو أذنت لي أن أنزل داخل الأبواب، فلم يأذن لَهُ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عدني بعض بغال الرّوايا التي تصل إِلَى الرحاب. فَقَالَ: يا ربيع، بغال الروايا تصل إِلَى رحابي، فَقَالَ: نعم. فَقَالَ: تتخذ الساعة قنى بالساج من باب خراسان حَتَّى تجيء إِلَى قصري. وكانت الأبْنية متصلة بالمدينة من شاطئ دجلة إِلَى الكبش والأسد [٣] ، وهما موضعان قريب من قبر إِبْرَاهِيم الحربي. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [بْنُ محمد قال: أخبرنا أحمد بن] [٤] علي قال: قال لي هلال بن المحسن: حَدَّثَنِي بِشْر بْن عَلِيّ بْن عبيد الكاتب قَالَ: كنت أجتاز بالكبش والأسد فلا أتخلص في أسواقها من كثرة الزحمة [٥] ، ثُمَّ بْنى القصر والجامع، وكانت مساحة قصره أربعمائة ذراع في أربعمائة ذراع، ومساحة المسجد الأول/ مائتين في ٣٨/ أ

стр. 2661

مائتين، وأساطين الخشب فِي المسجد كل أسطوانة قطعتين معقبة بالعقب والغراء وضباب الحديد إلا خمسا أو ستا عند المنارة [، فإن كل أسطوانة قطع ملفقة] [١] ، وَكَانَ فِي صدر قصره القبة الخضراء، من الأرض إِلَى رأس القبة الخضراء ثمانون ذراعا، وعلى رأس القبة تمثال فرس عليه فارس. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الباقي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو القاسم التنوخي [٢] قَالَ: سمعت جماعة من مشايخنا يذكرون أن القبة الخضراء كَانَ على رأسها صنم على صورة فارس فِي يده رمح، فكان السلطان إذا رأى ذلك الصنم قَدِ استقبل بعض الجهات ومد الرمح نحوها علم أن بعض الخوارج يظهر من تلك الجهة، فلا يطول الوقت حَتَّى ترد عليه الأخبار بأن خارجيا قَدْ نجم من تلك الجهة [٣] . قَالَ التنوخي: وحدثني أَبُو الْحَسَن بْن عبيد الزجاج الشاهد قَالَ: أذكر فِي سنة سبع وثلاثمائة وقد كسرت العامة الحبوس بمدينة المنصور، فأفلت من كان فيها، وكانت الأبواب الحديد الَّتِي للمدينة باقية فغلقت، وتتبع أصحاب الشرط من أفلت من الحبوس فأخذوا جميعهم حَتَّى لم يفتهم منهم أحد. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا الحسين بن مُحَمَّد المؤدب قَالَ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن إِبْرَاهِيم بجرجان قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إسحاق الهجيمي قَالَ: قَالَ أَبُو العيناء: بلغني أن المنصور جلس يوما فَقَالَ للربيع: انظر من بالباب من وفود الملوك فأدخله. فَقَالَ: وافد من قبل ملك الروم. فَقَالَ: أدخله. فدخل فبينا هو جالس عند أمير المؤمنين إذ سمع المنصور صرخة كادت تقلع القصر. فَقَالَ: يا ربيع، ينظر مَا هَذَا؟ قَالَ: ثُمَّ سمع صرخة هي أشد من الأولي. فَقَالَ: يا ربيع، ينظر مَا هَذَا؟ قَالَ: ثُمَّ سمع صرخة هي أشد من الأوليين، فَقَالَ: يا ربيع، اخرج بْنفسك فخرج، ثُمَّ دخل فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بقرة قربت لتذبح فغلبت الجازر وخرجت تدور فِي الأسواق. فأصغى الرومي إِلَى الربيع يتفهم مَا قَالَ، ففطن المنصور لإصغاء الرومي، فَقَالَ: يا ربيع، أفهمه،

стр. 2662

فأفهمه. فَقَالَ الرومي: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنك بْنيت بْناء لم يبْنه/ أحد كَانَ قبلك، ٣٨/ ب وفيه ثلاثة عيوب، قَالَ: وما هي؟ قَالَ: أول عيب فِيهِ بعده عَنِ الماء، ولا بد للناس من الماء لشفاههم. [وأما العيب الثاني: فإنها ليس فِيهَا بساتين يتنزه فِيهَا] [١] . وأما العيب [٢] الثالث [٣] : فإن رعيتك معك فِي بْنيانك إذا كانت الرعية مَعَ الملك فِي بْنيانه فشا سره. قَالَ: فتجلد عليه المنصور فَقَالَ: أما قولك فِي الماء فحسبْنا من الماء ما بلّ شفاهنا. وأما العيب الثاني فإنا لم نخلق للهو واللعب، وأما العيب الثالث فِي سري فما لي سر دون رعيتي. ثم عرف وجه الصواب. فَقَالَ: مدوا لي قناتين من دجلة واغرسوا لي العباسية، وانقلوا الناس إلى الكرخ. قَالَ الخطيب: مد المنصور قناة من نهر دجيل الآخذ من دجلة، وقناة من نهر كرخايا الأخذ من الفرات وجرهما إِلَى مدينته فِي عقود وثيقة من أسفلها، محكمة بالصاروج والآجر من أعلاها، فكانت كل قناة منها تدخل المدينة وتنفذ فِي الشوارع والدروب والأرباض، وتجري صيفا وشتاء لا ينقطع ماؤها، وجر لأهل الكرخ وما يتصل بها أنهارا. وأما الجامع فقد ذكرنا أن المنصور جعل مساحته مائتين فِي مائتين، ولما جاء الرشيد أمر بْنقضه وإعادة بْنائه بالآجر والجص، ففعل ذلك وكتب عليه اسم الرشيد، وتسمية البْناء والنجار، وذلك ظاهر الجدران [٤] إِلَى الآن، وكانت الصلاة فِي الصحن العتيق الَّذِي هو الجامع، حَتَّى زيد فِيهِ الدار المعروفة بالقطان، وكانت قديما ديوانا للمنصور، فأمر مفلح التركي ببْنائها على يد صاحبه القطان، فنسب إِلَيْهِ، ثُمَّ زاد المعتضد الصحن الأول- وهو قصر المنصور- ووصله بالجامع، وزاد بدر مولى المعتضد من قصر المنصور السفطات المعروفة بالبدرية. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ لي هلال بْن المحسن قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الحسين مُحَمَّد بن الحسن بن محفوظ قال: / كنت ٣٩/ أ

стр. 2663

أمضي مَعَ والدي إِلَى الجامع بالمدينة لصلاة الجمعة، فربما وصلنا إِلَى باب خراسان فِي دجلة وقد قامت الصلاة، وامتدت الصفوف إِلَى الشاطئ، فنصعد ونفرش إِلَى السميرية ونصلي. قَالَ هلال: وأذكر الصفوف ممتدة من جامع الرصافة إِلَى الباب الجديد من شارع الرصافة. أما جسور بغداد فإن المنصور أمر أن تعقد ثلاثة جسور، أحدها للنساء، ثم عقد لنفسه وحشمه جسرين بباب البستان، فكان بالزندورد جسران قَدْ عقدهما المهدي، وَكَانَ الرشيد قَدْ عقد عند باب الشماسية جسرين، وَكَانَ للمنصور جسر عند [١] سويقة قطوطا، فلم تزل هَذِهِ الجسور إِلَى أن قتل الأمين فعطلت، وبقي منها ثلاثة إِلَى أيام المأمون ثُمَّ عطل واحد [٢] . أَخْبَرَنَا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أحمد بن عَلِيّ قَالَ: سمعت أبا عَلِيّ بْن شَاذَان يَقُول: أدركت ببغداد ثلاثة جسور أحدها محاذي سوق الثلاثاء، وآخر بباب الطاق، والثالث فِي أعلى البلد عند الدار المعزية [٣] . وذكر لي غير ابْن شَاذَان [٤] : أن الجسر الَّذِي كَانَ عند الدار المعزية نقل إِلَى باب الطاق فصار هُنَاكَ جسران يمضي الناس على أحدهما ويرجعون على الآخر [٥] . قَالَ الخطيب: ولم يبق ببغداد غير جسر واحد بباب الطاق إِلَى دخول سنة ثمان وأربعين. قَالَ عَبْد الرَّحْمَنِ: وأخبرنا أَحْمَد قَالَ [٦] : حَدَّثَنِي هلال بْن المحسن قَالَ: ذكر أنه أحصيت السميرات المعبرات بدجلة أيام الموفق أبي أَحْمَد فكملت ثلاثين ألفا، فقدر من كسب ملاحتها كل يوم تسعين ألف درهم.

стр. 2664

وأما الأنهار، فإن نهري بغداد دجلة والفرات، وكانت الأنهار الَّتِي تجري بمدينة المنصور والكرخ، وتخترق بين المحال تأخذ من نهر عيسى بْن عَلِيّ، وَكَانَ عند فوهته [قنطرة] [١] دمما، وَكَانَ على الياسرية قنطرة، / وعلى الرومية قنطرة، وعلى الزيّاتين ٣٩/ ب قنطرة، وبعدها قنطرة عند باعة الأشنان، ثُمَّ قنطرة الشوك، ثُمَّ قنطرة عند باعة الرمان، ثُمَّ قنطرة عند الأرحاء] ، ثُمَّ قنطرة البستان، ثُمَّ قنطرة المعبدي، ثُمَّ قنطرة بْني زريق، ثُمَّ يصب فِي دجلة [٢] . والأنهار الَّتِي تجري فِي المحال كالكرخ وغيرها من نهر عيسى، وكان على الصراة قناطر يتفرع منها أنهار، وفي الجانب الشرقي نهر موسى يأخذ من [٣] نهر بين ينقسم ثلاثة: نهر يمضي إلى الزاهر، والثاني باب بييرز [٤] ، ويدخل [٥] البلد من هناك ويسمّى نهر المعلى، ويمر بين الدور إِلَى سوق الثلاثاء، ثُمَّ يدخل دار الخلافة، ويجري إِلَى دجلة. والثالث يمر [إِلَى] [٦] دار الخلافة أيضا، ونهر من الخالص يقال لَهُ: نهر الفضل، إِلَى أن ينتهي إِلَى باب الشماسية، فيأخذ [٧] منه نهر يقال لَهُ: نهر المهدي ويدخل المدينة فِي شارع المهدي، ثُمَّ يجيء إِلَى قنطرة البردان، ويخرج إِلَى سويقة نصر بْن مالك، ثُمَّ يدخل الرصافة، ويمر فِي الجامع [٨] أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا محمد بن عَلِيّ الوراق قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بن عمران قَالَ: أخبرنا أبو بكر مُحَمَّد بْن يحيى النديم قَالَ: ذكر أَحْمَد بْن أبي طاهر أن ذرع بغداد الجانبين ثلاثة وخمسون ألف جريب وسبعمائة وخمسون جريبا، منها الجانب الشرقي ستة وعشرون ألف جريب وسبعمائة وخمسون جريبا. والغربي سبعة وعشرون ألف جريب. وأن عدد

стр. 2665

الحمامات كانت فِي ذلك الوقت ببغداد ستين ألف حمام. قَالَ: أقل مَا يكون فِي كل حمام خمسة نفر: حمامي، وقيم، وزبال، ووقّاد، وسقّاء، يكون ذلك ثلاثمائة ألف رجل. وذكر أنه يكون بإزاء كل حمّام خمسة مساجد يكون ذلك ثلاثمائة ألف مسجد، وتقدير ذلك أن أقل مَا يكون فِي كل مسجد خمسة أنفس، يكون ذلك ألف ألف ٤٠/ أوخمسمائة ألف إنسان، يحتاج كل إنسان فِي ليلة العيد إلى رطل صابون، / فيكون ذلك ألف ألف وخمسمائة ألف رطل صابون، يكون [ذلك] [١]- حساب الجرة مائة وثلاثين رطلا-: ألف جرة ومائة جرة وخمسين جرة وثمانية جرار ونصفا [٢] ، يكون ذلك زيتا- حساب الجرة ستين رطلا- ستمائة ألف رطل وتسعة آلاف رطل وخمسمائة وعشرة أرطال [٣] . وقد روي أن الحمامات كانت فِي عهد [٤] معز الدولة بضعة عشر ألف حمام، وفي زمان عضد الدولة خمسة آلاف وكسر [٥] . وقد اتفق الناس أن بغداد لا نظير لها، وأحسن مَا كانت فِي أيام الرشيد، فحدثت بها الفتن، وتتابعت المحن، وانتقل قطانها [٦] . أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو القاسم التنوخي قَالَ: أَخْبَرَنِي أبي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَن مُحَمَّد بْن صالح الهاشمي في سنة ستين وثلاثمائة قَالَ: أَخْبَرَنِي رجل يبيع سويق الحمص- منفردا به-: أنه حصر ما يعمل في سوقه من هذا السويق كل سنة، فكان مائة وأربعين كرا، يكون حمصا مائتين وثمانين كرا، يخرج كل سنة حَتَّى لا يبقى منه شيء، ويستأنف عمل ذلك للسنة الأخرى [٧] . قَالَ هلال بْن المحسن: عبرت إِلَى الجانب الشرقي من مدينة السلام بعد الأحداث الطارئة فرأيت مَا بين سوق السلاح والرصافة وسوق العطش ومربعة الحرسي
следующие страницы →