وكيع قَالَ: كَانَ الأعمش قريبا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إِلَيْهِ قريبا من سنتين، فما رأيته يقضي ركعة [١] .
أخبرنا محمد بن ناصر قال: أخبرنا المبارك بْن عَبْد الْجَبَّارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر المنكدري قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَن بْن الصلت قال: أخبرنا محمد بن القاسم الأنباري قال: حَدَّثَنِي ابْن المرزبان قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد البلخي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حميد قَالَ: حَدَّثَنَا جرير قَالَ: جئنا الأعمش يوما فوجدناه قاعدا فِي ناحية، فجلسنا فِي ناحية أخرى وفي الموضع خليج من ماء/ المطر، فجاء رجل عليه سواد، فلما بصر بالأعمش ٥٥/ أعليه فروة حقيرة قَالَ: قم عبرني هَذَا الخليج. وجذب بيده فأقامه وركبه وَقَالَ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذَا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ٤٣: ١٣ [٢] فمضى به الأعمش حَتَّى توسط به الخليج، ثُمَّ رمى به وَقَالَ: وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ٢٣: ٢٩ [٣] ثُمَّ خرج وترك المسود يتخبط فِي الماء [٤] .
قَالَ مسلم بْن إِبْرَاهِيم: سمعت شعبة يَقُول: كَانَ الأعمش إذا رأى ثقيلا قَالَ [لَهُ] [٥] : كم عرضك تقيم فِي هَذِهِ البلدة.
قَالَ الربيع بْن نافع [٦] : كنا نجلس إِلَى الأعمش فيقول: فِي السماء غيم. يعني ها هنا من نكره.
أَخْبَرَنَا ابْن ناصر بإسناد لَهُ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن زياد قَالَ: نشزت عَلَى الأعمش امرأته، وكان يأتيه رجل يقال لَهُ: أَبُو البلاد مكفوف، فصيح يتكلم بالإعراب يتطلب الحديث منه، فَقَالَ لَهُ: يا أبا البلاد، إن امرأتي قَدْ نشزت علي، وضيعت بيتي وغمتني، فأنا أحب أن تدخل عَلَيْهَا فتخبرها بمكاني من الناس وموضعي عندهم. فدخل عَلَيْهَا فَقَالَ: يا هنياه، إن اللَّه قد أحسن قسمك، هَذَا شيخنا وسيدنا، وعنه نأخذ أصل ديننا،
стр. 2697
وحلالنا وحرامنا، لا يغرنك عموشة عينيه، ولا خموشة ساقيه. فغضب الأعمش وَقَالَ: يا أعمى يا خبيث، أعمى اللَّه قلبك، قَدْ أخبرتها بعيوبي كلها، اخرج من بيتي. فأخرجه من بيته.
عَنِ الْحَسَن بْن يحيى بْن آدم قَالَ: حدثتني أمي قالت: لم تكن بالكوفة امرأة أجمل من امرأة الأعمش، فابتليت بالأعمش وبقبح وجهه، وسوء خلقه.
تُوُفِّيَ الأعمش فِي ربيع الأول من هذه السنة، وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقيل:
تُوُفِّيَ سنة سبْعٍ.
٧٨٩- عمار بْن سعد السلهمي [١] .
يروي عنه عطاء بْن دينار، وحيوة بْن شريح، وَكَانَ فاضلا، كان يقول: من تخايل ٥٥/ ب الثواب خف عليه العمل، وما لاءم القلب خف عَلَى الجسد، ولسان الحكيم فِي قلبه/ وقلب الأحمق فِي طرف لسانه، مَا خطر عَلَى قلبه نطق به.
٧٩٠- مُحَمَّد بْن عجلان، مولى فاطمة بْنت الوليد بْن عتبة، يكنى أبا عَبْد اللَّه [٢] .
وَكَانَ ثقة كثير الحديث، روى عنه حيوة بْن شريح، والليث، وغيرهما. وَكَانَ يخضب بالصفرة. توفي بالمدينة في هذه السنة.
أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّد الخلال قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد العزيز بن أحمد الغافقي قال: سمعت عياش بْن نصر البغدادي يَقُول: سمعت صفوان بْن عيسى يَقُول: مكث مُحَمَّد بْن عجلان فِي بطن أمه ثلاث سنين، فشق بطن أمه فأخرج وقد نبتت أسنانه.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الباقي بإسناد لَهُ عَنْ مُحَمَّد بْن عُمَر قَالَ: خرج مُحَمَّد بْن عجلان مَعَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن حسين حَتَّى خرج بالمدينة، فلما قتل وولي جعفر بن
стр. 2698
سليمان المدينة بعث إِلَى مُحَمَّد بْن عجلان فأتى به فبكته وكلمه كلاما شديدا وَقَالَ لَهُ:
خرجت مَعَ الكلاب. وأمر بقطع يده. فلم يتكلم مُحَمَّد بْن عجلان بكلمة إلا أنه يحرك شفتيه بشيء لا ندري مَا هو، يظن أنه يدعو. قَالَ: فقام من حضر جعفر بن سليمان من فقهاء المدينة وأشرافهم. فقالوا: أصلح اللَّه الأمير، مُحَمَّد بْن عجلان فقيه أَهْل المدينة وعابدها، وإنما شبه عليه، فظن أنه المهدي الَّذِي جاءت فِيهِ الرواية، فلم يزالوا يشفعون إِلَيْهِ حَتَّى تركه. فولى مُحَمَّد بْن عجلان منصرفا لم يتكلم بكلمة إِلَى منزله.
стр. 2699
ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائة
فمن الحوادث فِيهَا:
غزوة الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد الصائفة أرض الروم ومعه الْحَسَن بْن قحطبة، ومحمد بن الأشعث، فهلك ابن الأشعث فِي الطريق [١] .
وَفِيهَا: استتم المنصور جميع مَا أراد من البْناء ببغداد، واستتم حائط بغداد [٢] .
/ أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَلِيّ الوراق قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر النحوي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن السكوني قَالَ: قَالَ مُحَمَّد بْن خلف: أنبأني مُحَمَّد بْن موسى القيسي، عَنْ مُحَمَّد بْن موسى الخوارزمي: أن أبا جَعْفَر تحول من الهاشمية إِلَى بغداد ونزلها مَعَ جنده، وسماها: مدينة السلام، واستتم حائط بغداد وجميع عملها بعد مائة سنة وثمان وأربعين وستة أشهر وأربعة أيام من الهجرة [٣] .
وفي هذه السنة: شخص المنصور إِلَى مدينة الموصل [٤] ثم عاد إلى مدينة السلام [٥] .
стр. 2700
وعزل السري بْن عَبْد اللَّه عَنْ مكة والطائف، وولاها مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد [١] .
وفيها: حج بالناس محمد بن إبراهيم بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاس [٢] .
وكانت العمال الَّتِي فِي الأمصار في هذه السنة هم العمال فِي السنة الَّتِي قبلها غير مكة والطائف، فإن واليها كَانَ في هذه السنة مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم [٣] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٧٩١- الْحَسَن بْن يزيد، أَبُو يونس العجلي القوي .
سمع من أبي مسلمة، وسعيد بْن جبير، ومجاهد.
أَخْبَرَنَا ابْن ناصر قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن علي بْن ميمون قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن رجاء قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن عبد الله الجعفي قال: حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن أَحْمَد بْن كعب قَالَ: حدّثنا علي بْن كعب قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن زياد قَالَ: إنما [سمي] [٤] أَبُو يونس: القوي لقوته عَلَى العبادة، صلى حَتَّى أقعد، وبكى حَتَّى عمي، وصام حَتَّى صار كالحشفة.
٧٩٢- زكريا بْن أبي زائدة، أَبُو يحيى الهمداني [٥] .
سمع الشعبي، وأبا إسحاق. روى عنه: الثوري، ووكيع.
٧٩٣- سالم بْن قتيبة .
كَانَ أميرا كبيرا، غزير العقل، حسن المحضر. وولاه المنصور البصرة ثُمَّ عزله.
стр. 2701
عَنْ أبي المعلى الثقفي يَقُول: جرى ذكر رجل/ فِي مجلس سالم بْن قتيبة فتناوله بعض أهل المجلس، فَقَالَ: يا هَذَا أوحشتنا من نفسك، وآنستنا من مودتك، ودللتنا عَلَى عورتك.
قَالَ الأصمعي: أتى أهلنا سالم بْن قتيبة فِي حاجة فقالوا لَهُ: جئناك فيما لا يرزأك ولا ينكأك. فَقَالَ: لا جاء اللَّه بكم إذن، فلم جئتموني عليكم بلئام الناس.
تُوُفِّيَ سالم فِي هَذِهِ، وصلى عليه المهدي.
٧٩٤- عمران بْن حرير، أَبُو عبيدة السدوسي الْبَصْرِيّ [١] .
سمع عكرمة، وأبا مجلز. وسمع منه: شعبة، ووكيع. وتوفي في هذه السنة.
٧٩٥- عيسى بْن عُمَر الثقفي النحوي [٢] .
كَانَ فاضلا غاية فِي النحو، صنف كتبا حسانا.
٧٩٦- كرز بْن وبرة .
كوفي الأصل، سكن جرجان، أسند عن طاووس، وعطاء والربيع بْن خثيم وغيرهم. وَكَانَ متعبدا.
أَخْبَرَنَا ابْن ناصر قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الفضل بْنُ أحمد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن مالك قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قال:
حدثني شريح بن يونس قال: حدثنا مُحَمَّد بْن فضيل بْن غزوان، عَنْ أبيه قَالَ: دخلت عَلَى كرز بْن وبرة بيته وإذا عند مصلاه حفرة قَدْ ملأها تبْنا، وبسط عَلَيْهَا كساء، من طول القيام. وَكَانَ يقرأ فِي اليوم والليلة القرآن ثلاث مرات.
قَالَ أَبُو نعيم: وحدثنا مُحَمَّد بْن حيان قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الحسين الحذاء قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الدورقي قَالَ: حَدَّثَنَا جرير بْن زناد الحارثي، عَنْ شجاع بْن صبيح مولى كرز بْن وبرة قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سليمان المكتب قَالَ: صحبت كرزا إلى
стр. 2702
مكة، وَكَانَ إذا نزل أدرج ثيابه فألقاها عَلَى الرحل، ثُمَّ تنحى للصلاة، فإذا سمع رغاء الإبل أقبل فاحتبس يوما عَنِ الوقت، فانبثت أصحابه فِي طلبه. فكنت فيمن طلبه. قَالَ:
فأصبته فِي وهدة يصلي فِي ساعة حارة، وإذا سحابة تظله، فلما رآني أقبل نحوي، فَقَالَ: يا أبا سُلَيْمَان، لي إليك حاجة. قلت: وما حاجتك؟ قَالَ: أحب أن/ تكتم عليّ ٥٧/ أما رأيت. قال: قلت: ذاك لك. قال: أوثق لي. فحلفت أن لا أخبر به أحدا حَتَّى يموت.
٧٩٧- كهمس بْن الْحَسَن، أَبُو عَبْد اللَّه القيسي .
كَانَ متعبدا ورعا، يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، ويقول لنفسه: قومي يا مأوى كل سوء، فو الله مَا رضيتك للَّه ساعة قط.
عَنْ عَبْد اللَّهِ بْنُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حدثني أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم قَالَ: حَدَّثَنَا مؤمل بْن إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدَّثَنَا عمارة بْن زادان قَالَ: قَالَ لي كهمس: يا أبا سلمة، أذنبت ذنبا، فأنا أبكي عليه أربعين سنة. قلت: مَا هو يا أبا عَبْد اللَّه؟ قَالَ: زارني أخ لي فاشتريت لَهُ سمكا بدانق، فلما أكل قمت إِلَى حائط جار لي، فأخذت منه قطعة طين فغسل بها يده، فأنا أبكي عليه منذ أربعين سنة.
٧٩٨- عابد علوي مديني .
أَخْبَرَنَا المحمدان: ابْن عَبْد الملك وابْن ناصر قالا: أخبرنا أَحْمَد بْن خيرون قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد العزيز بْن عَلِيّ الوراق قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ المفيد قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَبْد الْوَاحِدِ الكتاني قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الأنصاري قَالَ:
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العلاء قَالَ: حَدَّثَنِي أبي قَالَ: سمعت أبا عامر الواعظ يَقُول: بينا أنا جالس في مسجد رسول الله ﷺ جاءني غلام أسود برقعة فقرأتها، فإذا فِيهَا مكتوب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. متعك اللَّه بمسامرة الفكرة، ونعمك بمؤانسة العبرة، وأفردك بحب الخلوة، يا أبا عامر، أنا رجل من إخوانك بلغني قدومك المدينة فسررت بذلك، وأحببت زيارتك وبي من الشوق إِلَى مجالستك والاستماع لمحادثتك [١] ، مَا لو كَانَ فوقي لأظلني، ولو كَانَ تحتي لأقلني، سألتك بالذي حباك بالبلاغة لما ألحقتني جناح التوصل [٢] من زيارتك. والسلام.
стр. 2703
قَالَ أَبُو عامر: فقمت مَعَ الرسول حَتَّى أتى بي إِلَى فناء فأدخلني منزلا رحبا خربا.
فَقَالَ لي: قف ها هنا حَتَّى أستأذن لك. فوقف، فخرج إلي فَقَالَ لي: لج. فدخلت، ٥٧/ ب فإذا بيت مفرد فِي الخربة، لَهُ باب/ من جريد النخل، وإذا بكهل قاعد مستقبل القبلة، تخاله من الوله مكروبا، ومن الخشية محزونا، قَدْ ظهرت فِي وجهه أحزانه، وذهبت من البكاء عيناه، ومرضت أجفانه، فسلّمت عليه، فرد علي السلام، ثُمَّ تحرك، فإذا هو أعمى أعرج مسقام. فَقَالَ لي: يا أبا عامر، غسل اللَّه من درن الذنوب قلبك، لم يزل قلبي إليك تواقا، وإلى سماع الموعظة منك مشتاقا، وبي جرح بعد [١] ، قَدْ أعيا الواعظين دواه، وأعجز المتطببين شفاؤه، وقد بلغني نفع مراهمك للجراح والآلام، فلا تألو- رحمك اللَّه- فِي إيقاع الترياق، وإن كَانَ مر المذاق، فإني ممن يصبر عَلَى ألم الدواء رجاء الشفاء. قَالَ أَبُو عامر: فنظرت إِلَى منظر بهرني، وسمعت كلاما قطعني، فأفكرت طويلا، ثُمَّ تأتى من كلامي مَا تأتى، وسهل من صعوبته مَا منه يرق لي. فقلت:
يا شيخ، ارم ببصر قلبك فِي ملكوت السماء، وأجل سمع معرفتك فِي سكان الأرجاء، وتنقل بحقيقة إيمانك إِلَى جنة المأوى فترى مَا أعد اللَّه فِيهَا للأولياء، ثُمَّ تشرف عَلَى نار لظى فترى مَا أعد فِيهَا للأشقياء، فشتان مَا بين الدارين، أليس الفريقان فِي الموت سواء؟ قَالَ أبو عامر: فأن أنة، وصاح صيحة، وزفر والتوى، وَقَالَ: يا أبا عامر، وقع والله دواؤك عَلَى دائي، وأرجو أن يكون عندك شفائي، زدني رحمك اللَّه. فقلت لَهُ: يا شيخ، إن الله عالم بسريرتك، مطلع عَلَى خفيتك، شاهدك فِي خلوتك بعينه، [أين] [٢] كنت عند استتارك من خلقه ومبارزته. فصاح صيحة كصيحته الأولى. ثُمَّ قَالَ:
من لفقري، من لفاقتي، من لذنبي، من لخطيئتي؟ أنت يا مولاي، وإليك منقلبي. ثُمَّ خر ميتا ﵀. قَالَ أَبُو عامر: فأسقط فِي يدي وقلت: ما جنيت عَلَى نفسي.
فخرجت إِلَى جارية عَلَيْهَا مدرعة صوف، وخمار من صوف، قَدْ ذهب/ السجود بجبينها ٥٨/ أوأنفها، وأصفر لطول القيام لونها، وتورمت قدماها، فقالت: أحسنت والله يا حادي قلوب العارفين، ومثير أشجان غليل المحزونين، لا نسي لك هَذَا المقام رب العالمين، يا أبا عامر، هَذَا الشيخ والدي، مبتلى بالسقم منذ عشر سنين، صلى حتى أقعد، وبكى
стр. 2704
حَتَّى عمي، وَكَانَ يتمناك عَلَى اللَّه ويقول: حضرت مجلس أبي عامر الْبُنَانِيّ، فأحيا موات قلبي، وطرد وسن نومي، فإن سمعته ثانية قتلني، فجزاك اللَّه من واعظ خيرا، ومتعك من كلمك بما أعطاك، ثُمَّ أكبت عَلَى أبيها تقبل عينيه وهي تبكي وتقول: يا أبي، يا أبتاه، يا من أعماه البكاء، يا أبي، يا أبتاه، يا من قتله ذكر وعيد ربه ثُمَّ علا البكاء والنحيب والاستغفار والدعاء، وجعلت تقول: يا أبي، يا أبتاه، يا حليف الحرقة والبكاء. يا أبي يا أبتاه، يا جليس الابتهال والدعاء، يا أبي، يا أبتاه، يا صريخ المذكرين والخطباء، يا أبي يا أبتاه، يا قتيل الوعاظ والحكماء. قَالَ أَبُو عامر: فأجبتها: أيتها الباكية الجرباء، والنادبة الثكلى، إن أباك نحبه قَدْ قضي، وورد دار الجزاء، وعاين كل مَا عمل، وعليه يحصى فِي كتاب عند ربي، لا ينسى لمحسن فله الزلفى، أو مسيء فوارد دار من أساء. فصاحت الجارية كصيحة أبيها، ثُمَّ جعلت ترشح عرقا، وخرجت مبادرا إلى مسجد المصطفى ﷺ ، وفرغت إلى الصلاة والدعاء والاستغفار والتضرع والبكاء حَتَّى إذا كَانَ عند صلاة العصر، فجاءني الغلام الأسود فأذنني بجنازتيهما وَقَالَ: احضر الصلاة عليهما ودفنتهما. وسألت عنهما فقيل لي من ولد الحسين بْن عَلِيّ بْن أبي طالب ﵃.
قَالَ أَبُو عامر: فما زلت جزعا حذرا مما جنيت، حَتَّى رأيتهما في المنام عليهما حلتان خضراوتان، فقلت: مرحبا بكما وأهلا، فما زلت حذرا بما ووعظتكما به، ماذا/ ٥٨/ ب صنع الله بكما؟ فقال الشيخ:
أنت شريكي فِي الَّذِي نلته ... مستأهلا ذاك يا أبا عامر
وكل من أيقظ ذا غفلة ... فنصف مَا يعطاه للآمر
من رد عبدا آبقا مذنبا ... كَانَ كمن قَدْ راقب القاهر
واجتمعا فِي دار عدل وفي ... جوار رب سيد غافر
стр. 2705
ثم دخلت سنة خمسين ومائة
فمن الحوادث فيها:
خروج بعض الأعاجم بخراسان في ثلاثمائة ألف مقاتل فغلبوا عَلَى عامة خراسان، فوجه المنصور خازم بْن خزيمة إِلَى المهدي، فولاه الحرب، وضم إِلَيْهِ اثنين وعشرين ألفا. ثُمَّ ضم إليه ستة آلاف من الجند متخيرين، فالتقوا، فقتل من المشركين أكثر من سبعين ألفا، وأسر أربعة عشر ألفا، فضربت أعناقهم، ونجا ملك الأعاجم في جماعة لجئوا إلى جبل، فحاصرهم المسلمون، فنزلوا عَلَى حكمهم فحكموا بأن يؤسر الملك وأولاده ويعتق الباقون [١] .
وقد قيل: كَانَ هَذَا فِي سنة إحدى وخمسين ومائة.
وفي هذه السنة: عزل المنصور جَعْفَر بْن سليمان الهاشمي عن المدينة وولاها الحسن بن زيد بْن عَلِيّ [٢] .
وَفِيهَا: حج بالناس عَبْد الصَّمَدِ بْن عَلِيّ، وَكَانَ العامل عَلَى مكة والطائف محمد بن إبراهيم بن مُحَمَّد، وعلى المدينة الْحَسَن بْن زيد العلوي، وعلى الكوفة مُحَمَّد بْن سليمان بْن عَلِيّ، وعلى البصرة عقبة بْن مسلم، وعلى قضائها سوار، وعلى مصر يزيد بن حاتم [٣] .
стр. 2706
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر .
٧٩٩-/ حجاج بْن أرطأة، أَبُو أرطأة النخعي الكوفي [١] .
سمع عطاء بْن أبي رباح وغيره.
وروى عنه: سفيان الثوري، وهشيم، وابْن المبارك، ويزيد بْن هارون.
وَكَانَ من حفاظ الحديث ومن الفقهاء. استفتي وَهُوَ ابْن ست عشرة سنة. وولي القضاء بالبصرة، إلا أنه كَانَ مدلسا، يروي عَنْ من لم يلقه، فيرسل تارة عَنْ مجاهد، وتارة عَنِ الزُّهْرِيّ ولم يلقهما، وَكَانَ مَعَ المنصور فِي بْناء مدينته، وتولى خطها، ونصب قبلة مسجدها، وَكَانَ فِي هَذَا الرجل تيه كثير، وكبر خارج عَنِ الحد.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال:
أخبرني حمد بن محمد بن طاهر الدقاق قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ قال: حدثنا أبو الْحَسَن عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن عبيد قَالَ: سمعت أبا قلابة يَقُول: سمعت أبا عاصم يَقُول: أول من ولي القضاء لبني العباس بالبصرة الحجاج بن أرطأة، فجاء إلى حلقة البتي، فجلس في عرض الحلقة، وقيل له: ارتفع إلى الصدر. فقال أنا صدر حيث كنت. قَالَ: وَقَالَ: أنا رجل حبب إلي الشرف [٢] .
أَخْبَرَنَا القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ علي بن ثابت قَالَ: أخبرني مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن علان قَالَ: أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جرير الطبري قَالَ:
حدثت عَنْ قيس بْن الوليد قَالَ: سمعت أبا يوسف يَقُول: كَانَ الحجاج بْن أرطأة لا يشهد جمعة ولا جماعة، ويقول: أكره مزاحمة الأنذال [٣] .
أَخْبَرَنَا القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ علي بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أخبرني الأزهري قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ معروف قال: أخبرنا الحسين بن الفهم قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سعد قَالَ: كَانَ الحجاج بْن أرطأة فِي أصحاب أبي جَعْفَر، فضمه
стр. 2707
إلى المهدي، فلم يزل معه حَتَّى تُوُفِّيَ بالري والمهدي بها يومئذ فِي خلافة أبي جَعْفَر.
وَكَانَ ضعيفا فِي الحديث [١] .
٨٠٠- عَبْد الملك بْن عَبْد العزيز بْن جريج المكي، مولى/ أمية بْن خالد. وَكَانَ يكنى أبا الوليد، وأبا خالد [٢] .
سمع من طاووس مسألة واحدة، ومن مجاهد حرفين فِي القراءات. وسمع الكثير من عطاء بْن أبي رباح، وعمرو بْن دينار، وابْن المنكدر وغيرهم.
روى عنه: الأوزاعي، والثوري، وابْن المبارك، وغيرهم.
وَكَانَ ثقة، يقال إنه أول من صنف الكتب، وَكَانَ عطاء يَقُول: ابْن جريج سيد شباب أَهْل الحجاز، وقيل لَهُ: من نسأل بعدك؟ فَقَالَ: هَذَا الفتى إن عاش- يعني ابْن جريج.
وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاقِ: كنت إذا رأيت ابْن جريج علمت أنه يخشى [اللَّه] [٣] ، وما رأيت أحدا أحسن صلاة منه.
وَقَالَ مالك: كَانَ ابْن جريج صاحب ليل.
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُعَدَّلُ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصفار قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عبيد اللَّه المنادي قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حنبل قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاقِ قَالَ: أَهْل مكة يقولون أخذ ابْن جريج الصلاة من عطاء، وأخذها عطاء من أبي الزُّبَيْر، وأخذها أَبُو الزُّبَيْر من أبي بكر، وأخذها أَبُو بكر من النبي ﷺ .
قَالَ عَبْد الرَّزَّاقِ: وَكَانَ ابْن جريج حسن الصلاة.
تُوُفِّيَ في هذه السنة، هكذا قَالَ يحيى بْن سعيد، ومكي بْن إِبْرَاهِيم، وخليفة بن خياط.
стр. 2708
وَقَالَ عَلِيّ بْن المديني: سنة إحدى وخمسين.
وَقَالَ أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه العجلي سنة تسع وأربعين.
٨٠١- عَبْد الملك بْن سعيد بْن أبجر المتطبب [١] .
أسند عَنْ أبي الطفيل عامر بْن وائلة، وذر، والشعبي، وغيرهم. وَكَانَ شديد الورع، خصوصا في نطقه، وكان من البكاءين.
أخبرنا محمد بن أبي القاسم قال: أخبرنا حمد بن أحمد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الأصفهاني قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم فِي كتابه قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن الْحَسَن قَالَ: حدّثنا موسى بْن عَبْد الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا حسن الجعفي، عَنْ عَبْد الملك بْن أبجر قَالَ: مَا من الناس إلا مبتلى بعافية لينظر كيف شكره- أو يبليه لينظر كيف صبره.
٨٠٢-/ عَبْد العزيز بْن سليمان، أَبُو مُحَمَّد الراسبي .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو علي الْحَسَن بْن أَحْمَد قَالَ: أَخْبَرَنَا هلال بْن مُحَمَّد قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَر الخالدي قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الحسين قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد العزيز بْن سلمان قَالَ: سمعت دهثما- وَكَانَ من العابدين- يَقُول: اليوم الَّذِي كنت لا آتي فِيهِ عَبْد العزيز أكون مغبونا، وأبطأت عليه ذات يوم ثُمَّ أتيته فقال [٢] : ما الّذي بطأ بك. قلت: خير. قَالَ: عَلَى حال. قلت:
شغلنا العيال، كنت ألتمس لهم شيئا. [قَالَ:] [٣] فوجدته لهم؟ قلت: لا. قَالَ: هلم فلندع. قَالَ: فدعا فأمنت ودعوت فأمن، ثُمَّ نهضنا لنقوم، فإذا واللَّهِ الدنانير والدراهم تتناثر فِي حجورنا. فَقَالَ: دونكها. ومضى ولم يلتفت إليّ. قال: فأخذتها، فإذا [٤] [هي] [٥] مائة دينار ومائة درهم. قَالَ مُحَمَّد: فقلت لَهُ: مَا صنعت بها؟ قَالَ: احتبست
стр. 2709
قوت عيالي جمعة حَتَّى لا يشغلني عَنْ عبادته وشكره وخدمته فكر فِي شيء من عرض الدنيا. ثُمَّ أمضيتها والله فِي سبيل اللَّه.
أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ وَمُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالا: أَخْبَرَنَا طِرَادُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْن بشران قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن صفوان قَالَ: حدثنا أبو بكر بن عبيد قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الحُسَيْن قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد العزيز بْن سليمان قَالَ: حَدَّثَنِي واقد الصفار قَالَ: دعا عَبْد العزيز بْن سليمان يوما لمقعد كَانَ فِي مجلسه وأمن إخوانه. قال:
فو الله مَا انصرف المقعد إِلَى أهله إلا ماشيا عَلَى رجليه.
أَخْبَرَنَا عَبْد الوهاب وعلي بْن عُمَر قالا: أَخْبَرَنَا رزق اللَّه قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن يوسف قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَفْوَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إدريس قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أبي الحواري قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد العزيز بْن عمير قَالَ: قيل لعبد العزيز الراسبي- وكانت رابعة تسميه: سيد العابدين- مَا بقي مما تلذ به؟
قَالَ: سرداب أخلو فِيهِ.
٦٠/ ب
٨٠٣- مقاتل بْن/ سليمان بْن بِشْر، أَبُو الْحَسَن البلخي [١] .
قدم بغداد فحدث بها عَنْ عطية العوفي، وسعيد المقبري والضحاك، وعمرو بْن شعيب، وغيرهم.
وجمع تفاسير الناس، فجعلها لنفسه، وَكَانَ يروي عَنِ الضحاك، وقد مات الضحاك قبل مولد مقاتل بأربع سنين.
قَالَ ابْن عيينة: قلت له: لم تحدّث عن الضحاك وقد زعموا أنك لم تسمع منه؟
قَالَ: كَانَ يغلق علي وعليه الباب. قَالَ ابْن عيينة: قلت فِي نفسي: باب المدينة.
وَكَانَ أَحْمَد بْن سيار يَقُول: مقاتل متهم متروك الحديث، كَانَ يتكلم فِي الصفات بما لا يحل.
وَقَالَ وكيع: كَانَ مقاتل كذابا، فلم نسمع منه.
стр. 2710
وَقَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ النسائي: مقاتل من المعروفين بوضع الحديث عَلَى رسول الله ﷺ .
وَقَالَ البخاري: مقاتل لا شيء البتة.
وَقَالَ أَبُو حفص عُمَر بْن عَلِيّ: مقاتل كذاب متروك الحديث. وكذلك قَالَ الساجي.
تُوُفِّيَ مقاتل في هذه السنة.
٨٠٤- مسعود الضرير، أَبُو جهير الْبَصْرِيّ [١] .
أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن أَحْمَد المتوكلي الهاشمي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ علي بن ثابت قَالَ: حدثني عَبْد اللَّهِ بْن أبي الفتح الفارسي قَالَ: حَدَّثَنِي عبيد الله بن عثمان الدقاق قال: حدثنا علي بْن مُحَمَّد الواعظ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عيسى أَبُو سعيد الخراز قَالَ:
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بن عبد الله الختلي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الحسين قَالَ: حَدَّثَنَا شعيب بْن محرز الأودي قَالَ: حَدَّثَنَا صالح المري قَالَ: قَالَ مالك بْن دينار: أغد علي يا صالح إِلَى الجبان فإني قد وعدت نفرا من إخواني بأبي جهير مسعود الضرير. فسلم عليه. قَالَ صالح المري: وَكَانَ أَبُو جهير هَذَا رجلا قَدِ انقطع إِلَى زاوية يتعبد فِيهَا، ولم يكن يدخل البصرة إلا يوم جمعة فِي وقت الصلاة، ثُمَّ يرجع من ساعته. قَالَ: فغدوت إِلَى موعد [٢] مالك إِلَى الجبان، فانتهيت إِلَى مالك وقد سبقني ومعه مُحَمَّد بْن واسع، وإذا ثَابِت الْبُنَانِيّ وحبيب، فلما رأيتهم قد اجتمعوا قلت: هذا والله يوم سرور. قَالَ: فانطلقنا نريد أبا جهير. قَالَ: فكان مالك إذا مر بموضع نظيف قَالَ: يا ثَابِت صل ها هنا، لعله يشهد لك غدا. قَالَ: فكان ثَابِت يصلي، قَالَ: ثُمَّ انطلقنا حَتَّى أتينا موضعه فسألنا عنه، فقالوا: الآن يخرج إِلَى الصلاة. قَالَ: فانتظرنا فخرج علينا رجل إن شئت قلت: قَدْ نشر من قبره. قَالَ: فوثب رجل فأخذ بيده حَتَّى أقامه عند باب المسجد، فأمهل يسيرا، ثم دخل المسجد فصلى مَا شاء اللَّه، ثُمَّ أقام الصلاة فصلينا معه، فلما قضى صلاته جلس كهيئة المهموم فتوافد [٣] القوم فِي السلام عليه، فتقدم مُحَمَّد بن واسع، فسلّم عليه، فرد ﵇ وَقَالَ: من أنت؟ لا أعرف صوتك. قَالَ: أنا من أهل البصرة.
стр. 2711
قَالَ: مَا اسمك يرحمك اللَّه؟ قَالَ: أنا مُحَمَّد بْن واسع. قَالَ: مرحبا وأهلا، أنت الّذي يقول هؤلاء القوم- وأومأ بيده إِلَى البصرة- إنك أفضلهم، للَّه أبوك إن قمت بشكر ذلك، اجلس، فجلس فقام ثَابِت البُنَانِيّ فسلم عليه، فرد عليه، وَقَالَ: من أنت يرحمك اللَّه؟
قَالَ: أنا ثابت البناني. فقال: مرحبا بك يا ثَابِت، أنت الَّذِي يزعم أَهْل هَذِهِ القرية أنك من أطراهم صلاة، اجلس فقد كنت أتمناك عَلَى ربي. فقام إِلَيْهِ حبيب أَبُو مُحَمَّد، فسلم عليه، فرد السلام وَقَالَ: من أنت يرحمك اللَّه؟ قَالَ: أنا حبيب، أَبُو مُحَمَّد. فَقَالَ:
مرحبا بك يا أبا مُحَمَّد، أنت الّذي يزعم هؤلاء القوم أنك لم تسأل اللَّه شيئا إلا أعطاك، ألا سألته أن يخفي لك ذلك، اجلس يرحمك الله. قال: وأخذ بيده فأجلسه إِلَى جنبه.
قَالَ: فقام إِلَيْهِ مالك بْن دينار فسلم عليه، فرد ﵇ وَقَالَ: من أنت رحمك اللَّه؟
قَالَ: أنا مالك بْن دينار. قَالَ: بخ بخ أَبُو يحيى إن كنت كما يقولون، أنت الَّذِي يزعم هؤلاء أنك أزهدهم، اجلس فالآن تمت أمنيتي عَلَى ربي فِي عاجل الدنيا. قَالَ صالح:
فقمت إِلَيْهِ لأسلم عليه، فأقبل عَلَى القوم فَقَالَ: انظروا كيف تكونون غدا بين يدي اللَّه فِي مجمع القيامة. قَالَ: فسلمت عليه فرد علي وَقَالَ: من أنت يرحمك الله؟ قلت:
صالح المري. قَالَ: أنت الفتى الفارسي؟ أنت أَبُو معشر؟ قلت: نعم. قَالَ: فاقرأ يا صالح. فابتدأت فقرأت، فما استتممت الاستعاذة حَتَّى خر مغشيا عليه، ثُمَّ أفاق فَقَالَ:
عد فِي قراءتك. قال صالح: فعدت فقرأت: وَقَدِمْنا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ٢٥: ٢٣ [١] . قَالَ: فصاح صيحة ثُمَّ انكب لوجهه، وانكشف بعض جسده، فجعل بخور كما يخور الثور، ثُمَّ هدأ فدنونا منه ننظر، فإذا هو قَدْ خرجت نفسه كأنه خشبة، فخرجنا فسألنا: هل لَهُ أحد؟ قيل: عجوز تخدمه، تأتيه الأيام، فبعثنا إليها، فجاءت فقالت: ما له؟ قلنا: قرئ عليه القرآن فمات. قالت: حق له، من ذا الَّذِي قرأ عليه؟
لعله صالح المري الْقَارِئ؟ قلنا: نعم، وما يدريك؟ من صالح؟ قالت: لا أعرفه غير أن كثيرا مما كنت أسمعه يَقُول: إن قرأ علي صالح قتلني. قلنا: فهو الَّذِي قرأ عليه.
قالت: هو الَّذِي قتل حبيبي. فهنأناه، ودفناه ﵀] [٢] .
٨٠٥- النعمان بْن ثَابِت، أَبُو حنيفة التيمي، إمام أصحاب الرأي [[٣]] .
стр. 2712
ولد سنة ثمانين، رأى أنس بْن مالك، وسمع من عطاء بْن أبي رباح، وأبي إسحاق السبيعي، ومحارب بْن دثار، وحماد بْن أبي سليمان، ومحمد بْن المنكدر، ونافع مولى ابْن عُمَر، وهشام بْن عُرْوَة وغيرهم.
وروى عنه: هشيم، وابْن المبارك، ووكيع، ويزيد بْن هارون وغيرهم.
وَكَانَ ربعة من الرجال تعلوه سمرة، حسن الثياب، كثير التعطر كريما. وَكَانَ فِي أول أمره يبيع الخز، ثُمَّ تشاغل بالعلم.
أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الخلال قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن عُمَر الجريري: أن عَلِيّ بْن مُحَمَّد النخعي حدثهم قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن أبي مالك، عَنْ أبي يوسف قَالَ: قَالَ/ أَبُو حنيفة: لما أردت أطلب ٦١/ أالعلم جعلت أتخير العلوم، وأسأل عَنْ عواقبها، فقيل لي: تعلم القرآن. فقلت: إذا تعلمت القرآن وحفظته فما يكون آخر أمري؟ قالوا [١] : تجلس فِي المسجد ويقرأ عليك الناس: الصبيان والأحداث، ثُمَّ لا تلبث أن تخرج منهم من هو أحفظ منك أو يساويك فِي الحفظ، فتذهب رئاستك. قلت: فإن سمعت الحديث وكتبته حَتَّى لم يبق فِي الدنيا أحفظ مني؟ قالوا: إذا كبرت وضعفت حدثت واجتمع عَلَيْك الصبيان والأحداث، ثُمَّ لا تأمن أن تغلط فيرمونك بالكذب، فيصير عارا عَلَيْك فِي عقبك. فقلت: لا حاجة لي فِي هَذَا. ثُمَّ قلت: أتعلم النحو، فإذا حفظت النحو والعربية، مَا يكون آخر أمري؟
قالوا: تقعد معلما، فأكثر رزقك ديناران إِلَى ثلاثة قلت: وهذا لا عاقبة لَهُ. قلت: فإن نظرت في الشعر فلم يكن أحد أشعر مني، مَا يكون من أمري؟ قالوا: تمدح فيهب لك ويحملك عَلَى دابة، ويخلع عَلَيْك خلعة، وإن حرمك هجوته، فصرت تقذف المحصنات. فقلت: لا حاجة لي في هذا. قلت: فإن نظرت فِي الكلام؟ مَا يكون آخره؟ قالوا: لا يسلم من نظره فِي الكلام من مشنعات الكلام، فيرمى بالزندقة، فإما أنك تؤخذ فتقتل، وإما تسلم فتكون مذموما ملوما. قلت: فإن تعلمت الفقه؟ قالوا: تسأل
стр. 2713
فتفتي الناس، وتطلب للقضاء، وإن كنت شابا. قلت: فليس فِي العلوم شيء أنفع من هذا. فلزمت الفقه [١] .
حدثنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بْن ثَابِت قَالَ: أَخْبَرَنَا الصيمري قَالَ:
حَدَّثَنَا عَمْرو بْن إِبْرَاهِيم الْمُقْرِئ قَالَ: حَدَّثَنَا مكرم بْن أَحْمَد قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن محمد الحماني قَالَ: حَدَّثَنَا الفضيل بْن غانم قَالَ: كَانَ أَبُو يوسف مريضا شديد المرض، فعاده أَبُو حنيفة مرارا، فصار إِلَيْهِ آخر مرة فرآه ثقيلا [٢] فاسترجع وقال: كنت ٦١/ ب أؤملك للمسلمين بعدي، ولئن أصيب/ الناس بك ليموتن معك علم كثير، ثُمَّ رزق اللَّه أبا يوسف العافية، وأخبر بقول أبي حنيفة فِيهِ، فارتفعت نفسه، وانصرفت وجوه الناس إِلَيْهِ، فعقد لنفسه مجلسا فِي الفقه، وقصر [عَنْ] [٣] لزوم مجلس أبي حنيفة، فسأل عنه فأخبر أنه قَدْ عقد لنفسه مجلسا، وأنه بلغه كلامك فِيهِ، فدعا رجلا كَانَ لَهُ عنده قدر فَقَالَ: صر إِلَى مجلس يعقوب فقل له: ما تقول في رجل دفع إِلَى قصار ثوبا ليقصره بدرهم فصار إِلَيْهِ بعد أيام فِي طلب الثوب، فَقَالَ لَهُ القصار: مالك عندي شيء.
وأنكره، ثُمَّ إن رب الثوب رجع إِلَيْهِ، فدفع لَهُ الثوب مقصورا، أله أجره؟ فإن قَالَ لَهُ أجرة، فقل أخطأت، وإن قَالَ لا أجرة له فقل أخطأت فصار إليه فسأله فقال أَبُو يوسف:
لَهُ الأجرة. فَقَالَ: أخطأت. فنظر ساعة ثُمَّ قَالَ: لا أجرة لَهُ. فَقَالَ: أخطأت. فقام أبو يوسف من ساعته، فأتى أبا حنيفة فَقَالَ لَهُ: مَا جاء بك إلا مسألة القصار. قَالَ: أجل قَالَ: سبحان اللَّه، من قعد يفتي الناس وعقد مجلسا يتكلم فِي دين اللَّه وهذا قدره لا يحسن [أن] [٤] يجيب فِي مسألة من الإجارات. فَقَالَ: يا أبا حنيفة، علمني. فَقَالَ: إن قصره بعد غصبه فلا أجرة لَهُ، لأنه قصره لنفسه، وإن كَانَ قصره قبل أن يغصبه فله الأجرة، لأنه قصره لصاحبه، ثُمَّ قَالَ: من ظن أنه يستغني عَنِ التعلم فليبك عَلَى نفسه [٥] .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا
стр. 2714
القاضي أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن أَحْمَد السمناني قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد الْحَسَن بْن أبي عبد الله السمناني [١] قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين [٢] بْن رحمة قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن شجاع الثلجي [٣] قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سماعة، عَنْ أبي يوسف قَالَ: سمعت أبا حنيفة يَقُول:
إذا كلمت القدري فإنما هو حرفان، إما أن يسكت، وإما أن يكفر، يقال لَهُ [٤] : هل علم اللَّه/ فِي سابق علمه أن تكون هَذِهِ الأشياء كما هِيَ؟ فإن قَالَ: لا، فقد كفر، وإن قال: ٦٢/ أنعم، يقال لَهُ: أفأراد أن يكون كما علم؟ أو أراد أن يكون بخلاف مَا علم؟ فإن قَالَ: أراد أن يكون كما علم فقد أقر أنه أراد من المؤمن الإيمان، ومن الكافر الكفر. وإن قَالَ: أراد أن يكون بخلاف مَا علم فقد جعل ربه متمنيا متحسرا، لأن من أراد أن يكون مَا علم أنه لا يكون، أو يكون مَا علم أنه يكون فإنه متمن متحسر، ومن جعل ربه متمنيا متحسرا فهو كافر [٥] .
قَالَ مؤلف الكتاب ﵀ [٦] : لا يختلف الناس فِي فهم أبي حنيفة وفقهه.
كَانَ سفيان الثوري، وابْن المبارك يقولان: أَبُو حنيفة أفقه الناس.
وقيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ فَقَالَ: رأيت رجلا لو كلمك فِي هَذِهِ السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته.
قَالَ الشافعي رحمة اللَّه عليه: الناس عيال عَلَى أبي حنيفة فِي الفقه.
قَالَ مؤلف الكتاب [٧] : وبعد هَذَا فاتفق الكل عَلَى الطعن فِيهِ، ثُمَّ انقسموا عَلَى ثلاثة أقسام:
فقوم طعنوا فِيهِ لما يرجع إِلَى العقائد والكلام فِي الأصول.
وقوم طعنوا فِي روايته وقلة حفظه وضبطه.
стр. 2715
وقوم طعنوا فِيهِ لقوله بالرأي فيما يخالف الأحاديث الصحاح.
فأما القسم الأول: فأخبرنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا علي بْن مُحَمَّد المعدل قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو البختري الرزاز قَالَ: حَدَّثَنَا حسن بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حمزة بْن الحارث بْن عمير [١] ، عَنْ أبيه قَالَ: سمعت رجلا يسأل أبا حنيفة فِي المسجد عَنْ رجل قَالَ: أشهد أن الكعبة حق، ولكن لا أدري هي هَذِهِ الَّتِي بمكة أم لا؟ فَقَالَ: مؤمن حقا.
وسأله عَنْ رجل قال: أشهد أن محمدا عَبْد اللَّه نبي، ولكن لا أدري هو هَذَا الَّذِي قبره بالمدينة أم لا؟ قَالَ: مؤمن حقا.
/ قَالَ الحميدي: ومن قَالَ هَذَا فقد كفر [٢] .
أَخْبَرَنَا القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن علي الحافظ قال: أخبرنا محمد بن الحسين بْن الفضل قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن درستويه [٣] قَالَ: حَدَّثَنَا يعقوب بْن سفيان قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن عثمان بْن نفيل قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مسهر قَالَ: حدّثنا يحيى بن
стр. 2716
حَمْزَة: أن أبا حنيفة قَالَ: لو أن رجلا عَبْد هَذَا البغل [١] يتقرب به إِلَى اللَّه لم أر بذلك بأسا [٢] .
أَخْبَرَنَا القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْن عَبْد اللَّه السراج قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عبدوس قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن سعيد الدارمي قَالَ: حَدَّثَنَا محبوب بْن موسى الأنطاكي [٣] قَالَ: سمعت أبا إسحاق الفزاري يَقُول: سمعت أبا حنيفة يَقُول: إيمان أبي بكر الصديق وإيمان إبليس واحد، قَالَ إبليس: يا رب. وَقَالَ أَبُو بكر: يا رب.
قَالَ أَبُو إسحاق: ومن كَانَ من المرجئة ثُمَّ لم يقل هَذَا أنكر عليه قوله [٤] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سليمان المؤدب قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن الْمُقْرِئ قَالَ: حَدَّثَنَا سلامة بْن محمود قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عُمَر قَالَ: سمعت أبا مسهر يَقُول: كَانَ أَبُو حنيفة رأس المرجئة [٥] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ قَالَ:
المشهور عَنْ أبي حنيفة أنه كَانَ يَقُول بخلق القرآن ثُمَّ استتيب منه [٦] .
وأخبرنا الخلال قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَر بْن الْحَسَن القاضي [٧] قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن عَبْد الْعَظِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن يونس قال: كان أبو
стр. 2717
حنيفة فِي مجلس عيسى بْن موسى فَقَالَ: القرآن مخلوق. فَقَالَ: أخرجوه، فإن تاب، وإلا فاضربوا عنقه [١] .
قَالَ أَبُو بكر الحافظ: وأخبرني الْحَسَن بْن مُحَمَّد أخو الخلال قَالَ: أَخْبَرَنَا جبريل بن محمد العدل قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن حيوية قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن غيلان.
قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن آدم قَالَ: سمعت شريكا يَقُول: استتيب أَبُو حنيفة [٢] مرتين.
٦٣/ أأخبرنا عبد/ الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أبو بكر الحافظ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن رزق قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن جَعْفَر بْن سلمة قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَلِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سعيد قَالَ: حَدَّثَنَا محبوب بْن موسى قَالَ: سمعت يوسف بْن أسباط يَقُول: قَالَ أَبُو حنيفة: لو أدركني رسول الله ﷺ وأدركته لأخذ بكثير من قولي.
القسم الثاني: أنهم ضعفوه لعلة حفظه وضبطه، وكثرة خطأه فيما روى:
أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثَابِت قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْمَاطِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن أَحْمَد بْن سليمان الصرفي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن سعيد بْن أبي مريم قَالَ: سألت يحيى بْن معين عَنْ أبي حنيفة قَالَ: لا تكتب حديثه [٣] .
أَخْبَرَنَا القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرني علي بن محمد المالكي قال: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّهِ بن عثمان الصفار قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عثمان الصيرفي قَالَ:
حَدَّثَنَا عبد الله بْن عَلي بْن عبد الله المديني قَالَ: سألت عَنْ أبي حنيفة فضعفه جدا.
وَقَالَ: روى خمسين حديثا أخطأ فِيهَا.
أخبرنا القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن الفضل قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عثمان بْن أَحْمَد الدقاق قَالَ: حَدَّثَنَا سهل بْن أَحْمَد الواسطي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حفص عَمْرو بْن عَلِيّ قَالَ: أَبُو حنيفة ليس بالحافظ، مضطرب الحديث، واهي الحديث.
стр. 2718
وَقَالَ أَبُو بكر ابْن أبي داود: جميع مَا روى أَبُو حنيفة من الحديث مائة وخمسون حديثا أخطأ أو قَالَ: غلط فِي نصفها.
القسم الثالث: قوم طعنوا فِيهِ لميله إِلَى الرأي المخالف للحديث الصحيح، وقد كان بعض الناس يقيم عذره ويقول: مَا بلغه الحديث، وذلك ليس بشيء لوجهين:
أحدهما: أنه لا يجوز أن يفتي من يخفى عليه أكثر الأحاديث الصحيحة.
والثاني: أنه كَانَ إذا أخبر بالأحاديث المخالفة لقوله لم يرجع عَنْ قوله.
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَبُو بكر أَحْمَد بْن عَلِيّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سعيد الحسن بْن مُحَمَّد بْن حيوية الأصفهاني/ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن ٦٣/ ب عيسى الخشاب قال: حدّثنا أَحْمَد بْن مهدي قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد السَّلامِ بْن عَبْد الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عيسى بْن عَلِيّ الهاشمي قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو إسحاق الفزاري قَالَ: سألت أبا حنيفة عَنْ مسألة فأجاب فِيهَا فقلت: إنه يروى عَنِ النبي ﷺ فِيهِ كذا وكذا فَقَالَ: حك هَذَا بذنب الخنزير [١] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي الحافظ قال أخبرنا محمد بن أبي نصر النَّرْسِيِّ [٢] قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ بَهْتَةَ الْبَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْكَوفِيُّ [٣] قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ قال: حدثني أبو بكر بن أبي الأسود، عَنْ بِشْرِ بْنِ مُفَضَّلٍ قَالَ:
قُلْتُ لأَبِي حَنِيفَةَ: رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: «الْبَائِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» قَالَ: هَذَا زَجْرٌ [٤] .
قلت: قتادة عَنْ أنس: أن يهوديا رضخ رأس جارية بين حجرين فرضخ النبي ﷺ رأسه بين حجرين. فقال: هذيان [٥] .
стр. 2719
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْبَرْقَانِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ الْمَحْمُودِيِّ: حَدَّثَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ [١] ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذكر لأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» فَقَالَ: هَذَا سَجْعٌ. وَذكر لَهُ قَوْلٌ قَالَهُ عُمَرُ فَقَالَ: هَذَا قَوْلُ شَيْطَانٍ [٢] .
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بْن عَلِيّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الخلال قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن عثمان الصفار قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن مخلد قال: حدثنا العباس بن مُحَمَّد قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن شماس قَالَ: سمعت وكيعا يَقُول: سأل ابْن المبارك أبا حنيفة عَنْ رفع اليدين فِي الركوع فَقَالَ أَبُو حنيفة: يريد أن يطير فيرفع يديه؟
٦٤/ أفقال له ابن المبارك: إن كان طار فِي الأولى فإنه يطير فِي الثانية. فسكت/ أَبُو حنيفة [٣] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد الْمَتُّوثِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ [٤] قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ بِشْرٍ الْمَرْثَدِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا رَجَاءُ بْنُ السَّنَدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ السَّرِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَوَانَةَ يَقُولُ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَأَتَاهُ رَسُولٌ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ فَقَالَ: يَقُولُ الأَمِيرُ: رَجُلٌ سَرَقَ وَدِيًّا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ- غَيْرُ مِتَتَعْتِعٍ- إِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاقْطَعُوهُ. فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقُلْتُ لأَبِي حَنِيفَةَ: أَلا تَتَّقِي اللَّهَ؟ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَيَّان، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: أن رسول الله ﷺ قال: «لا
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ أَدْرَكَنِي النبي ﷺ وأدركته لأخذ بكثير من قَوْلِي، وَهَلِ الدِّينُ إِلا الرَّأْيُ الْحَسَنُ [١] .
قَالَ بعض العلماء: العجب من أبي حنيفة، كيف يقول: وهل الدين إلا الرأي، وهل يعلم أن كثيرا من التكاليف لا يهتدي إليها القياس، ولهذا يأخذ هو بالحديث الضعيف ويترك القياس.
فأما المسائل الَّتِي خالف فِيهَا الحديث فكثيرة، إلا أن من مشهورها الَّذِي خالف فِيهِ الصحاح:
مسألة: بول الغلام الَّذِي لم يأكل الطعام يرش. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يغسل وفي الصحيحين [٢] أن رسول الله ﷺ أتي بصبي لم يأكل الطعام فبال، فدعا بماء فرشه عليه. مسألة: لا يجوز تخليل الخمر، وإذا خللت لم تطهر. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يجوز وتطهر. وفي صحيح مسلم [٣] : من حديث أنس: أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عَنْ أيتام ورثوا خمرا فَقَالَ: أهرقها. قَالَ: أفلا أجعلها خلا؟ قَالَ: لا. مسألة: يجوز الآذان للفجر قبل طلوعه. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لا يجوز. وفي الصحيحين [٤] : عَنِ النبي ﷺ : أنه قَالَ: «إن بلال يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حَتَّى يؤذن ابْن أم مكتوم» . / مسألة: إذا لم تقدر عَلَى الركوع والسجود لم يسقط عنه القيام. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:
يسقط. وفي صحيح البخاري [٥] : عَنْ عمران، عَنِ النبي ﷺ أنه قَالَ: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» . مسألة: يسن رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه. وقال أبو حنيفة: لا يسن.
стр. 2722
وفي الصحيحين [١] : من حديث ابْنِ عُمَرَ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حَتَّى تحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين. وفي الصحيحين: من حديث مالك بْن الحويرث مثله. وقد رواه عَنْ رسول الله ﷺ نحو عشرين صحابي. مسألة: إذا طلعت الشمس وَهُوَ فِي صلاة الصبح أتم. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تبطل صلاته. وفي الصحيحين [٢] : من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قَالَ: «من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها، ومن أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة» . مسألة: يجوز الوتر بركعة. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بثلاث. وفي الصحيحين [٣] : من حديث ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يوتر بركعة. مسألة: تسن الصلاة للاستسقاء. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لا تسن. وفي الصحيحين [٤] : أن رسول الله ﷺ صلى صلاة الاستسقاء. مسألة: ويجوز تحويل الرداء فِي صلاة الاستسقاء وقلبه. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لا يسن. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فعل ذلك [٥] . مسألة: / يستحب فِي غسل الميت فِي الغسلة الأخيرة شيء من كافور. وقال أبو ٦٥/ ب حنيفة: لا يستحب وفي الصحيحين [٦] : أن رسول الله ﷺ قَالَ للواتي غسلن ابْنته: «اجعلن في الغسلة الأخيرة كافورا» . مسألة: يسن استلام الركن اليماني فِي الطواف. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لا يسن. وفي
стр. 2723
صحيح مسلم [١] : من حديث ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لا يستلم [إلا] [٢] الحجر الأسود والركن اليماني. مسألة: إشعار البدن، وتقليدها سنة. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يكره الإشعار، فإنه مثلة.
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أشعر بدنته وقلدها [٣] . مسألة: يجوز بيع العرايا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لا يجوز. وفي الصحيحين [٤] : من حديث زيد بْن ثَابِت: أن رسول الله ﷺ رخص فِي بيع العرايا. مسألة: إذا اشترى مصراة ثبتت لَهُ خيار الفسخ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لا يثبت. وفي الصحيحين [٥] : من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تصروا الغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر» . مسألة: لا يجوز بيع الكلب وإن كَانَ معلما. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يجوز. وفي الصحيحين [٦] : من حديث ابْن مسعود أن رسول الله ﷺ نهى عَنْ ثمن الكلب. مسألة: إذا أراق عَلَى ذمي خمرا أو قتل لَهُ خنزيرا لم يضمن. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:
يضمن. وقد صح عَنْ رسول الله ﷺ أنه قَالَ: إن اللَّه حرم الخمر وثمنها. مسألة: لا يقتل المسلم بالكافر. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يقتل بالذمي. وفي صحيح/ ٦٦/ أالبخاري [٧] من حديث علي ﵇: عَنِ النبي ﷺ / أنه قَالَ: «لا يقتل مسلم بكافر» . مسألة: يجب القصاص فِي القتل بالمثل. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لا يجب إلا فيما له
стр. 2724
حد. وفي الصحيحين [١] : من حديث أنس: أن يهوديا رضخ رأس امرأة بين حجرين فقتلها، فرضخ رسول الله ﷺ رأسه بين حجرين. مسألة: إذا ضربت حامل فماتت، ثم انفصل عنها جنين ميت وجبت فِيهِ الغرة.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لا شيء فِي الجنين، وفي الصحيحين [٢] : عَنِ المغيرة أنه قَالَ: قضى رسول الله ﷺ بالغرة عبدا أو أمة. مسألة: الإسلام ليس بشرط فِي الإحصان. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هو شرط. وقد صح عَنْ رسول الله ﷺ أنّه رجم يهوديا ويهودية [٣] . مسألة: النصاب فِي السرقة ربع دينار أو ثلاثة دراهم. وقال أبو حنيفة: دينار أو عشرة دراهم. وفي الصحيحن [٤] : من حديث عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يقطع فِي ربع دينار فصاعدا. مسألة: إذا اطلع فِي بيت إنسان عَلَى أهله فله أن يرمي عينه، فإن فقأها فلا ضمان عليه. وقال أَبُو حنيفة: لزمه الضمان. وفي الصحيحين [٥] : من حديث سهل بْن سعد قَالَ: اطلع رجل في حجرة مِنْ حُجَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومعه مدري يحك به رأسه، فَقَالَ:
«لو أعلمك تنظر لطعنت به فِي عينيك» . وَفِي الصحيحين [٦] : من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «من اطلع عَلَى قوم فِي بيتهم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه. مسألة: الإمام مخير فِي الأسرى بين القتل والاسترقاق والمنّ والفداء. وقال أبو حنيفة: / لا يجوز المن والفداء. وقد صح عَنْ رسول الله ﷺ أنه من على ثمامة بن ٦٦/ ب أثال، وفدى الأسرى يوم بدْر. مسألة: هدايا الأمراء كبقية أموال الفيء، لا يختصون بها، وقال أبو حنيفة:
стр. 2725
يختصون بها. وفي الصحيحين [١] : من حديث أبي حميد: أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا فجاء فَقَالَ: هَذَا لكم وهذا أهدي لي. فَقَالَ رسول الله ﷺ : «مَا بال العامل نبعثه فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي، أفلا جلس فِي بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إِلَيْهِ أم لا، والذي نفسي بيده لا يأتي أحد منكم بشيء إلا جاء به يوم القيامة عَلَى رقبته» . مسألة: لا يجوز الزكاة بالسن والظفر. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بها إذا كانا منفصلين. وفي الصحيحين [٢] : من حديث رَافِع بْن خديج قال: قلت: يا رسول الله، إنا ملاقو العدو غدا وليست معنا مدي. فَقَالَ: «مَا أنهر الدم، وذكر اسم اللَّه عليه فكل ليس السن والظفر» . مسألة: يحل أكل الضب. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لا تحل. وقد صح [٣] عَنْ رسول الله ﷺ أنه لم يحرم الضب، وإنما قذره، فإن خالد بْن الوليد قَالَ لَهُ وقد قدم إِلَيْهِ: أحرام هو؟ قَالَ: «لا، ولكنه لا يكون بأرض قومي فأجدني أعافه» فأكل خالد ورسول الله ﷺ ينظر. مسألة: يحل أكل لحوم الخيل. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لا تحل. وفي الصحيحين [٤] :
من حديث جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نهى عَنْ لحوم الحمر، وأذن فِي لحوم الخيل. مسألة: النبيذ حرام. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنما يحرم المسكر منه. وقد صح أن رسول ٦٧/ أالله ﷺ قَالَ: «كل مسكر حرام» [٥] . وفي حديث عائشة عَنِ النبي ﷺ / أنه قَالَ: «مَا أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام [٦] . مسألة: حكم الحاكم لا يحيل الشيء عَنْ صفته. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يحيله فِي العقود والفسوخ. وفي الصحيحين: من حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه سمع
стр. 2726
خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فَقَالَ: «إنما أنا بِشْر مثلكم، وإنه يأتيني الحكم فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه قَدْ صدق، فأقضي لَهُ بذلك، فمن قضيت لَهُ بحق مُسْلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو فليتركها» . مسألة: يجوز الحكم بشاهد ويمين فِي المال وما يقصد به المال. وَقَالَ أبو حنيفة: لا يجوز. وقد روى جَابِر بْن عَبْد اللَّه أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مَعَ الشاهد. ورواه عُمَر، وعلي بْن أبي طالب، وابْن عباس، وابْن عُمَر، وابْن عَمْرو، وزيد بْن ثَابِت، وأبو سَعِيد الخدري، وسعد بْن عبادة، وعامر بْن ربيعة، وسهل بْن سعد، وعمارة بْن حزم، وأنس، وبلال بْن الحارث، والمغيرة بْن شعبة، وسلمة بْن قيس فِي آخرين. فهذا من مشهور المسائل والمتروك أضعافه، ولكونه خالف مثل هَذِهِ الأحاديث الصحاح سعوا بالألسن فِي حقه، فلم يبق معتبر من الأئمة إلا تكلم فِيهِ، ولا يؤثر أن نذكر مَا قالوا، والعجب منه إذا رأى حديثا لا أصل لَهُ هجر القياس ومال إِلَيْهِ، كحديث: نقض الوضوء بالضحك. فإنه شيء لا يثبت، وقد ترك القياس لأجله] [١] .
وَكَانَ ابْن هبيرة قَدْ أمر أبا حنيفة أن يلي قضاء الكوفة فلم يفعل، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط، كل يوم عشرة، فلما رآه لا يفعل تركه. ثُمَّ إن المنصور أراده عَلَى القضاء فأبي، فحلف ليفعلن، فحلف أَبُو حنيفة أن لا يفعل فَقَالَ الربيع: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف؟ فَقَالَ: هو أقدر مني عَلَى الكفارة [فسجنه] [٢] .
/ وقيل: بل دخل فِي القضاء يومين، ثُمَّ مرض ومات.
وقيل: إنما حبس لأنه [٣] تكلم فِي أيام خروج إِبْرَاهِيم عَلَى المنصور، فحبس، وتوفي بسوق يَحْيَى سنة خمسين ومائة، وَهُوَ ابْن سبعين سنة.
وقرأت بخط أبي الوفاء بْن عقيل: كَانَ قبر أبي حنيفة عليه خربشة رأيته وأنا صبي قبل دخول الغز بغداد، ثُمَّ عمل عليه بعض أمراء التركمان سقفا، ثم قدم شرف الملك
стр. 2727
في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة فأحدث هَذِهِ القبة، وَكَانَ قَدْ وضع أساس مسجد بين يدي ضريح أبي حنيفة، فهدم شرف الملك أبْنية ذلك وما يحيط بالقبر وحفروا أساسات وكانوا يطلبون الأرض الصلبة فأخرجوا أربعمائة صن من عظام الموتى.
قَالَ ابْن عقيل: فقلت: مَا يدريكم لعله قَدْ خرجت عظامه فِي هَذِهِ العظام، وبقيت القبة فارغة من مقصود [١] بانيها.
وأنبأنا عَلِيّ بْن عبيد اللَّه، عَنْ أبي الحسين المهتدي قَالَ: لا يصح أن قبر أبو حنيفة في هذا الموضع الَّذِي بْنوا عليه القبة، كَانَ الحاج يردون فيطوفون حول المقبرة يزورون أبا حنيفة لا يعينون موضعا.
стр. 2728
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة
فمن الحوادث فِيهَا:
إغارة الكرك عَلَى جدة فِي البحر.
وَفِيهَا: ولي عُمَر بْن حفص بْن عُثْمَان بْن أبي صفرة إفريقية، وعزل عَنِ السند، وولي مكانه هِشَام بْن عُرْوَة الثعلبي.
وسبب عزل عُمَر: أنه لما خرج مُحَمَّد وإبراهيم بعث إِلَيْهِ مُحَمَّد بولده عَبْد اللَّه فِي جماعة من أصحابه إِلَى السند بحجة خيل حملوها، فلما عرضت عليه قَالَ لَهُ بعضهم:
أدنني منك. فلما أدناه قَالَ لَهُ: إنما جئناك بما هو خير من الخيل فأعطنا أمانا عَلَى خلتين: إما قبلت ما آتيناك به، وإما/ سترت حَتَّى نخرج من أرضك. فأعطاهم الأمان، ٦٨/ أفقالوا: ما للخيل أتيناك، ولكن هَذَا ابْن رسول الله ﷺ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن حسن بْن حسن أرسله أبوه إليك، وقد خرج بالمدينة، ودعا لنفسه بالخلافة، وخرج أخوه إِبْرَاهِيم بالبصرة، وغلب عَلَيْهَا لَهُ. قَالَ لَهُ: بالرحب والسعة، ثُمَّ بايعهم وأمر به فتوارى عنده، ودعا أَهْل بيته وقواده، وكبراء أَهْل البلد إِلَى البيعة فأجابوه، وقطع أعلاما بيضاء، وملابس بيضا، وهيأ لبسته من البياض يصعد فِيهَا [إِلَى] [١] المنبر، وتهيأ لذلك يوم الخميس، فجاءه الخبر بقتل مُحَمَّد، فدخل عَلَى ابْنه فأخبره الخبر وعزاه، فَقَالَ لَهُ: إن مكاني قَدْ عرف، ودمي فِي عنقك، فقال: ها هنا ملك من ملوك السند كثير التبع، وَهُوَ عَلَى شركه أشد [٢] الناس تعظيما لرسول الله ﷺ ، وهو رجل وفي، فأرسل إليه، فاعقد
стр. 2729
بينك وبينه عقدا، قَالَ: أفعل فأرسل إِلَيْهِ، فأظهر كرامة وبرا، فخرج في أربعمائة من أصحابه يتصيد ويتنزه، وبلغ الخبر المنصور فعزل عُمَر، وولى هشاما، وَقَالَ لَهُ: إن أسلم ذلك الملك عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد وإلا حاربه، وكتب إِلَى عُمَر بولاية إفريقية، فكان هِشَام يدفع عَنْ عَبْد اللَّه ويتمادى فِي أمره، فخرجت خارجة ببلاد الشام فبعث إليهم أخاه، فبينا هو يسير إذا [هو] [١] برهج، فظنه مقدمات العدو الَّذِي يقصده، فوجه طلائعه فقالوا: ليس بعدوك، ولكن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ركب متنزها، فمضى يريده، فَقَالَ لَهُ نصاحه [٢] : هَذَا ابْن رسول الله، وقد علمت أن أخاك قَدْ تركه مخافة أن يبوء بدمه ولم يقصدك. فأعرض عنه، فَقَالَ: لا أدع حظي من التقرب من المنصور بأخذه أو قتله، فقصده، وَكَانَ فِي عشرة آلاف، فقاتله فقتل عَبْد اللَّه وأصحابه كلهم، فكتب بذلك إلى ٦٨/ ب المنصور فشكره، وأمره بمحاربة الملك الَّذِي آواه فحاربه وظفر به وقتله/ وَكَانَ عَبْد اللَّه قَدِ اتخذ بحضرة ذلك الملك جواري فأولد منهن جارية، فحملها وابْنها إِلَى المنصور، فأمر أن يسلم إِلَى أقربائه.
وفي هذه السنة: قدم المهدي من خراسان فِي شوال عَلَى المنصور، فوفد إِلَيْهِ عامة أَهْل بيته [من كل بلد] [٣] يهنئونه فأجازهم وكساهم وحملهم، وفعل بهم المنصور مثل ذلك، وأجرى عَلَى كل رجل منهم خمس مائة درهم.
وفي هذه السنة: ابتدأ المنصور ببْناء الرصافة فِي الجانب الشرقي من مدينة السلام لابْنه المهدي.
وَكَانَ السبب فِي ذلك: أن الراوندية لما حاربوا المنصور [٤] عَلَى باب الذهب دخل عليه قثم بن الْعَبَّاس بْن عَبْد اللَّه بْن الْعَبَّاس، وَهُوَ يومئذ شيخ كبير ومقدم عند القوم، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَر: أما ترى مَا نحن فِيهِ من التياث العسكر علينا، قَدْ خفت أن نجتمع كلمتهم فيخرج هَذَا الأمر من أيدينا، فما ترى؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عندي
стр. 2730
فِي هَذَا رأي، إن أنا أظهرته لك فسد، وإن تركتني أمضيه صلحت لك خلافتك وهابك جندك، فَقَالَ: أفتمضي [١] فِي خلافتي بشيء لا تعلمني مَا هو؟ فَقَالَ لَهُ: إن كنت عندك متهما عَلَى دولتك فلا تشاورني، وإن كنت مأمونا عَلَيْهَا فدعني أمضي رأيي قَالَ: فَقَالَ لَهُ المنصور: أمضه، قَالَ: فانصرف قثم إِلَى منزله فدعا غلاما لَهُ فَقَالَ: إذا كَانَ غدا فتقدمني فاجلس فِي دار أمير المؤمنين، فإذا رأيتني قَدْ دخلت وتوسطت أصحاب المراتب، فخذ بعنان بغلتي واستوقفني واستحلفني بحق رسول الله [ ﷺ ] [٢] وبحق الْعَبَّاس، وبحق أمير المؤمنين لما وقفت لك وسمعت مسألتك وأجبتك عنها، فإني سأنتهرك وأغلظ لك فلا يهولنك ذلك مني، وعاودني بالقول والمسألة، فإني سأضربك بالسوط، فلا يشق عَلَيْك ذلك، وقل: أي الحيين أشرف؟ أَهْل اليمن أو مضر؟ فإذا أجبتك فخل عنان بغلتي وأنت حر، فغدا الغلام فجلس حيث أمره، / فلما جاء فعل ما ٦٩/ أأمره به [٣] إِلَى أن قَالَ: أي الحيين أشرف أَهْل اليمن أو مضر؟ فَقَالَ لَهُ قثم: مضر، منها رسول اللَّه ﷺ ، وَفِيهَا كتاب اللَّه ، وَفِيهَا بيت اللَّه، ومنها [٤] خليفة اللَّه. قَالَ:
فامتعضت أَهْل [٥] اليمن إذ لم يذكر لها شيئا من شرفها فَقَالَ قائل من قواد أَهْل اليمن لغلامه: قم فخذ بعنان بغلة الشيخ فاكبحها كبحا عنيفا تطأ من به، ففعل الغلام حَتَّى كاد يقعيها عَلَى عراقيبها، فامتعضت [من ذلك مضر] وقالت: أيفعل هَذَا بشيخنا وأمر رجل منهم غلامه فَقَالَ: اقطع يد العبد، فقام ذلك إِلَى غلام اليماني فقطع يده، فتفرق الحيان، وصرف قثم بغلته، فدخل عَلَى أبي جَعْفَر، وافترق الجند، وصارت مضر فرقة، واليمن فرقة، وربيعة فرقة، والخراسانية فرقة، فَقَالَ قثم لأبي جَعْفَر: قَدْ فرقت بين جندك وجعلتهم أحزابا، كل حزب منهم يخاف أن يحدث [٦] عَلَيْك حدثا، فتضربه بالحزب الآخر، وقد بقي عَلَيْك فِي التدبير بقية، قَالَ: وما هي؟ قَالَ: اعبر بابْنك، فابْن لَهُ من ذلك الجانب قصرا وحول معه من جيشك قوما فيصير ذلك بلدا وهذا بلدا، فإن
стр. 2731
فسد عَلَيْك أَهْل هَذَا الجانب ضربتهم بأهل ذلك الجانب [١] ، فإن فسدت عَلَيْك مضر ضربتها باليمن وربيعة والخراسانية، وإن فسدت عَلَيْك اليمن ضربتها بمن أطاعك من مضر وغيرها.
فقبل رأيه وأمره فاستوى له ملكه، وَكَانَ سبب البْناء فِي الجانب الشرقي، فبْنى الرصافة للمهدي، وعمل لها سورا وخندقا وميدانا وبستانا، وأجرى لَهُ الماء، وأقطع القواد هُنَاكَ قطائع، وتولى صالح صاحب المصلى القطائع فِي الجانب الشرقي، وفعل كفعل أبي الْعَبَّاس الطوسي فِي فصول القطائع فِي الجانب الغربي.
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بْن عَلِيّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن مخلد الوراق قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جعفر التميمي قال: حدّثنا الحسن بن ٦٩/ ب مُحَمَّد السكوني/ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خلف قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد الشروي، عَنْ أبيه [قَالَ] [٢] : قدم المهدي من المحمدية بالري سنة إحدى وخمسين ومائة، فِي شوال، ووفدت إِلَيْهِ الوفود، وبْنى لَهُ المنصور الرصافة، وعمل لها سورا وخندقا وميدانا وبستانا، وأجرى لها الماء.
قَالَ ابْن خلف: وَقَالَ يَحْيَى بْن حسن: كَانَ بْناء المهدي بالرهوص [٣] إلا مَا كا [ن] يسكنه [٤] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَلِيّ قَالَ: [أَخْبَرَنِي القاضي أبو عبد الله الحسين بْن عَلِيّ الصيرمي، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عمران المرزباني، قال:
أخبرني محمد بن يحيى، قَالَ:] [٥] أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن موسى المنجم أن المعتصم وابْن أبي دؤاد اختلفا فِي مدينة أبي جَعْفَر والرصافة أيهما أعلى؟ [قَالَ] : فأمر بي المعتصم فوزنتهما [٦] فوجدت [المدينة] [٧] أعلى من الرصافة بذراعين وثلثي ذراع [٨] .
стр. 2732
أخبرنا القزاز قال: أخبرنا الخطيب قال: وقيل إن الدروب والسكك أحصيت ببغداد، فكانت ستة آلاف درب وسكة بالجانب الغربي، وأربعة آلاف درب وسكة بالجانب الشرقي.
وفي هذه السنة: جدد المنصور البيعة لنفسه ولابْنه المهدي من بعده، ولعيسى بْن موسى من بعد المهدي عَلَى أَهْل بيته فِي مجلسه فِي يوم جمعة، قَدْ عمهم الإذن فِيهِ، فكان كل من بايعه منهم يقبل يده ويد المهدي، ثُمَّ يمسح عَلَى يد عيسى بْن موسى، ولا يقبل يده.
وفي هذه السنة: غزا الصائفة عَبْد الوهاب بْن إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد.
وَفِيهَا: شخص عقبة بْن سلم من البصرة واستخلف عَلَيْهَا ابنه نافع بن عقبة على البحرين، فقتل سليمان بْن حكيم العبدي وسبى أَهْل البحرين، وبعث ببعض من سبى منهم إِلَى أبي جَعْفَر، فقتل منهم عدة، ووهب بقيتهم للمهدي، فمن عليهم وأعتقهم، وكسا كل إنسان منهم ثوبين مرويين [١] ، ثُمَّ عزل عقبة عَنِ البصرة.
وَفِيهَا: ولى أَبُو جَعْفَر معن بْن زائدة سجستان، وحميد بن قحطبة خراسان، وقد كان المنصور طلب معنا ليهلكه ثُمَّ أمنه وولاه.
أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن أبي طاهر البزاز قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِيّ بْن أبي على الْبَصْرِيّ، عَنْ أبيه قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو الفرج بْن عَلِيّ بْن الحسين القرشي قَالَ: أَخْبَرَنِي حبيب بْن نصر المهلبي، قال:
حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بن أبي سعد قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن نعيم البلخي قَالَ: حدث مروان بْن أبي حفصة قَالَ: كَانَ المنصور قَدْ طلب معن بْن زائدة الشيباني طلبا شديدا، وجعل فِيهِ مالا، فحدثني معن باليمن أنه اضطر لشدة الطلب حَتَّى قام فِي الشمس حَتَّى لوحت وجهه، وخفف عارضه ولحيته، ولبس جبة صوف غليظة، وركب حملا من حمال النقالة، وخرج ليمضي إِلَى البادية، وقد كان أبلى فِي حرب بين يدي عُمَر بْن هبيرة بلاء عظيما، فغاظ المنصور فِي طلبه قَالَ معن: فَلَمَّا خرجت من باب حرب تبعني أسود متقلد سيفا حَتَّى إذا غبت عَنِ الحرس قبض عَلَى خطام الجمل فأناخه، وقبض عليّ، فقلت: مالك؟ فقال:
стр. 2733
أنت طلبة أمير المؤمنين، فقلت: ومن أنا حَتَّى يطلبْني أمير المؤمنين، فَقَالَ: أنت معن بْن زائدة، فقلت: يا هَذَا اتق اللَّه، وأين أنا من معن بْن زائدة، فَقَالَ: دع ذا عنك فأنا واللَّهِ أعرف بك من نفسك، فقلت لَهُ: إن كَانَ كما تقول فهذا جوهر حملته معي بأضعاف مَا بذله المنصور لمن جاء بي، فخذه ولا تسفك دمي، قَالَ: هاته، فأخرجته إِلَيْهِ فنظر إِلَيْهِ ساعة وَقَالَ: صدقت فِي قيمته ولست نائله حَتَّى أسألك عَنْ شيء، فإن صدقتني أطلقتك، قلت: قل، قَالَ: فإن الناس قَدْ وصفوك بالجود، فأخبرني هل وهبت قط مالك كله، قلت: لا، قَالَ: فنصفه، قلت: لا، قَالَ: فثلثه قلت: لا، حَتَّى بلغ العشر فاستحييت، فقلت: أظن إني قَدْ فعلت ذلك، قال: ما أراك فعلته أنا والله رجل راجل رزقي مَعَ أبي جَعْفَر عشرون درهما، وهذا الجوهر قيمته آلاف دنانير، وقد وهبته ٧٠/ ب لك ووهبتك نفسك لجودك المأثور بين الناس، / ولتحتقر بعد هَذَا كل شيء تفعله ولا تتوقف فِي مكرمة، ثُمَّ رمى بالعقد فِي حجري وخلى خطام البعير وانصرف، فقلت: يا هذا، قد والله فضحتني، ولسفك دمي أهون علي مما فعلته، فخذ مَا دفعته إليك فإني غني عنه، فضحك وَقَالَ: أردت أن تكذبْني فِي مقامي هَذَا، والله لا آخذه ولا أتخذ لمعروف ثمنا أبدا، ومضى، فو الله لقد طلبته بعد أن أمنت وبذلت لمن جاءني به مَا شاء، فما عرفت لَهُ خبرا.
وَفِيهَا: حج بالناس مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس وَكَانَ هو العامل عَلَى مكة والطائف، وَكَانَ عَلَى المدينة الْحَسَن بْن زيد، وعلى الكوفة مُحَمَّد بْن سليمان، وعلى البصرة جَابِر بْن توبة الكلابي، وعلى قضائها سوار بْن عَبْد اللَّه، وعلى مصر يزيد بْن حاتم.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر .
٨٠٦- أشعث الحداني:
أَخْبَرَنَا عَبْد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال:
أخبرنا علي بن أحمد الملطي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن صفوان، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّدً، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَر بْن عَلِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عامر، قَالَ: حَدَّثَنَا حزم، قَالَ: قَالَ لنا أشعث الحداني:
стр. 2734
انطلقوا إِلَى حبيب أبي مُحَمَّد نسلم عليه- قَالَ: وذاك عند ارتفاع النهار- فانطلقنا معه نسلم، فخرج حبيب فأخذوا فِي البكاء، فما زالوا يبكون حتى حضرت الظهر، فصلينا ثم أخذوا فِي البكاء فما زالوا يبكون حَتَّى حضرت العصر. قال: فصلينا العصر، فما زالوا يبكون حتى حضرت المغرب، ثُمَّ أدنينا حماره فركب فَقَالَ لنا: إن ناسا ينهون عَنْ هَذَا أفأطيعهم؟ قلنا: أنت أعلم، قَالَ: إذا والله لا أطيعهم
٨٠٧- جَعْفَر الأكبر ابْن المنصور:
كَانَ يتولى إمارة الموصل/ ومات فِي حياة أبيه.
٨٠٨- حميد بْن جَابِر الشامي، الأمير:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر، والمبارك بْن عَلِيّ، قالا: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن الْعَلافُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْحِمَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد الخواص، قال: حدّثنا إبراهيم بن نصر مولى منصور بْن المهدي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بْن يسار، قَالَ:
كنت يوما من الأيام مارا مَعَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم فِي صحراء، إذ أتينا عَلَى قبر مسنم، فوجم عليه وبكى، فقلت: من هَذَا؟ قَالَ: قبر حميد بْن جَابِر أمير هَذِهِ المدائن كلها، كَانَ غرقا في بحر [١] الدنيا أخرجه اللَّه منها واستنقذه، لقد بلغني أنه سر ذات يوم بشيء من ملاهي ملكه ودنياه وغروره، ثُمَّ نام فِي مجلسه ذلك مَعَ من يخصه من أهله، فرأى رجلا واقفا عَلَى رأسه بيده كتاب، فناوله إياه ففتحه وقرأه فإذا فِيهِ مكتوب بالذهب [٢] : لا تؤثرون فانيا عَلَى باق، ولا تغتر [٣] بملكك وسلطانك وعبيدك ولذاتك، فإن الَّذِي أنت فِيهِ جسيم لولا أنه عديم، وَهُوَ ملك لولا أن بعده هلك، وَهُوَ فرح وسرور لولا أنه لهو وغرور، وَهُوَ يوم لو كان يوثق فِيهِ بغد، فسارع إِلَى أمر اللَّه ، فإن اللَّه قَالَ:
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ من رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ٣: ١٣٣ [٤] ، فانتبه فزعا وَقَالَ: هَذَا تنبيه [٥] من اللَّه وموعظة. فخرج من ملكه إذ لا يعلم
стр. 2735
به، وقصد هَذَا الجبل، فتعبد فِيهِ، فلما بلغني قصته وحدثت بأمره قصدته فسألته فحدثني ببدء أمره [١] ، فما زلت أقصده حَتَّى مات ودفن هاهنا، فهذا قبره.
٨٠٩- حسان بْن أبي سنان: [٢]
روى عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ، وأنس، وثابت.
أَنْبَأَنَا أَبُو القاسم الجريري، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ العشاري، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن محمد بن يوسف، قال: أخبرنا الحسين بْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر ٧١/ ب القرشي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الدورقي، قَالَ: حَدَّثَنِي غسان بْن الفضل، / قَالَ: حَدَّثَنَا شيخ لنا يقال لَهُ أَبُو حكيم، قَالَ:
خرج [حسان بْن أبي سنان] [٣] يوم العيد، فلما رجع قالت لَهُ امرأته: كم امرأة حسنة قَدْ رأيت اليوم؟ فلما أكثرت قَالَ: ويحك مَا نظرت إلا فِي إبهامي منذ خرجت من عندك حَتَّى رجعت إليك.
قَالَ أَبُو بكر القرشي: وحدثنا أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن شقيق، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه، قَالَ:
كتب غلام [٤] لحسان بْن أبي سنان إِلَيْهِ من الأهواز: إن قصب السكر أصابته آفة فاشتر السكر فيما قبلك. فاشترى من رجل فلم يأت عليه إلا قليل، فإذا فيما اشترى ربح ثلاثين ألفا. قَالَ: فأتى صاحب السكر فَقَالَ: يا هَذَا، إن غلامي كَانَ كتب إلي ولم أعلمك فأقلني فيما اشتريت منك، قَالَ الآخر: قَدْ أعلمتني الآن وطيبته لك. فرجع فلم يحتمل قلبه، فأتاه فقال: يا هَذَا، إني لم آت الأمر من وجهه فأحب أن تسترد هَذَا البيع، فما زال به حَتَّى رده عليه.
وَقَالَ عاصم [٥] بْن فرقد: دخلنا عَلَى حسان بْن أبي سنان وقد حضره الموت،