قَالَ: هَذَا أعرابي قح، فَقَالَ عُمَر بْن بزيع [١] قول كثير بْن أبي جمعة:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل
قَالَ: وما هَذَا بشيء، وما [لَهُ] [٢] يريد أن ينسى ذكرها حَتَّى تمثل لَهُ، فقلت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عندي حاجتك- جعلني اللَّه فداك- قَالَ: الحق، قلت: لا لحاق لي، ليس ذاك فِي دابتي، قَالَ: احملوه عَلَى دابة، فقلت: هَذَا أول الفتح، فحملت عَلَيْهَا فلحقته، فَقَالَ: مَا عندك؟ قلت: قول الأحوص:
إذا قلت إني مشتف بلقائها ... فحم التلاقي بيننا زادنا سقما
قَالَ: أحسن [٣] والله، اقضوا عنه دينه. فقضى عني ديني.
وَكَانَ المهدي إذا جلس للمظالم قَالَ: أدخلوا علي القضاة، فلو لم يكن ردي للمظالم إلّا للحياء منهم.
وأتي المهدي [٤] برجل قَدْ تنبأ، [فلما رآه] [٥] قَالَ: أنت نبي؟ قَالَ: نعم قَالَ:
٩٩/ ب وإلى من بعثت؟ قَالَ: أتركتموني أذهب إِلَى من بعثت إِلَيْهِ، وجهت بالغداة فأخذتموني بالعشي/ ووضعتموني فِي الحبس، فضحك المهدي منه، وخلى سبيله.
قَالَ الربيع [٦] : رأيت المهدي فِي ليلة يصلي فقرأ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا في الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ٤٧: ٢٢ [٧] . قَالَ: فلما فرغ من صلاته التفت إلي فَقَالَ:
يا ربيع، قلت: لبيك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ موسى: وقام إِلَى صلاته، فقلت: من موسى؟ ابْنه موسى أم موسى بْن جَعْفَر، وَكَانَ محبوسا عندي، فجعلت أفكر فقلت: مَا هو إلا موسى بْن جَعْفَر، فأحضرته فقال: يا موسى إني قرأت هذه الآية: فَهَلْ عَسَيْتُمْ ٤٧: ٢٢
стр. 2802
إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ٤٧: ٢٢، فخشيت أن أكون قَدْ قطعت رحمك، فوثق لي أنك لا تخرج، فَقَالَ: نعم، فوثق لَهُ فخلاه.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٨٥٠- شيبان الراعي .
حج معه سفيان الثوري، فلقيا سبعا، فعرك شيبان أذنه وَقَالَ: لولا مكان الشهرة ما وضعت زادي إلا عَلَى ظهره.
أَخْبَرَنَا المحمدان ابْن ناصر وابن عبد الباقي قَالا: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حدثنا عبد الله بن أَحْمَد قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سليمان الهروي قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن يعقوب قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن نصر، عن محمد بن يزيد، عَنْ مُحَمَّد بْن حمزة الربضي قَالَ: كَانَ شيبان الراعي إذا أجنب وليس عنده ماء دعا ربه، فجاءت سحابة فأظلته فاغتسل منها، وَكَانَ يذهب إِلَى الجمعة فيخط عَلَى غنمه فيجيء فيجدها لم تتحرك.
٨٥١- عَبْد اللَّه بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاس وَهُوَ أَبُو جَعْفَر المنصور [١] .
روى عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن سليمان النوفلي، عَنْ أبيه قَالَ: كَانَ المنصور لا يستمرئ طعامه ويشكو إِلَى المتطببين ويسألهم أن يتخذوا لَهُ الجوار شنات، وكانوا يكرهون ذلك ويأمرونه أن يقل من الطعام، ويخبرونه أن الجوار شنات تهضم، ولكنها تحدث من العلل مَا هو أشد عليه. فَقَالَ/ كثير- وَكَانَ من قطيبي العراق- لا يموت أَبُو جَعْفَر إلا بالبطن، ١٠٠/ أفقلت له: وما علمك؟ فقال: هو يأخذ الجوارش فيهضم طعامه ويحلق من رأس معدته كل يوم شيئا وشحم مصارينه فيموت ببطنه، وَقَالَ: أضرب لذلك مثلا أرأيت [٢] لو أنك وضعت [٣] جرة فِي موضع [وضعت] [٤] تحتها آجرة جديدة فقطرت إنما كَانَ قطرها يثقب الآجرة عَلَى طول الدهر، فمات بالبطن.
стр. 2803
وَقَالَ بعضهم: كَانَ بدو وجعه الَّذِي مات فِيهِ من حر أصابه من ركوبه فِي الهواجر، وَكَانَ رجلا محرورا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَبْد الْجَبَّارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر المنكدري قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن الصلت قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بن الأنباري قال: حدثنا محمد بن أحمد المقدمي قال: حدثنا أبو محمد التميمي قال: حَدَّثَنَا منصور بْن أبي مزاحم قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سهل الحاسب قَالَ: حَدَّثَنِي طيفور قَالَ: كَانَ سبب إحرام المنصور من مدينة السلام أنه نام ليلة فانتبه فزعا، ثُمَّ عاود النوم فانتبه فزعا، ثُمَّ راجع النوم فانتبه فزعا فَقَالَ: يا ربيع، قَالَ: لبيك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: لقد رأيت فِي منامي عجبا قال: ما رأيت جعلني الله فداك؟ قَالَ: رأيت كَانَ آتيا أتاني فهيم بشيء لم أفهمه، فانتبهت فزعا، ثُمَّ عاودت النوم فعاودني يَقُول ذلك الشيء، ثُمَّ عاودني بقوله [١] ، حَتَّى فهمته وحفظته وَهُوَ:
كأني بهذا القصر قَدْ باد أهله ... وعرى منه أهله ومنازله
وصار رئيس القوم من بعد بهجة ... إِلَى جدث يبْنى عليه جنادله
وما أحسبْني يا ربيع إلا وقد حانت [وفاتي] [٢] ، وحضر أجلي، وما لي غير ربي، قم فاجعل لي غسلا، ففعلت فقام فاغتسل وصلى ركعتين وَقَالَ: أنا عازم عَلَى الحج.
فهيأنا آلة الحج، فخرج وخرجنا حَتَّى إذا انتهى إِلَى الكوفة نزل النجف، فأقام أياما، ثُمَّ أمر بالرحيل فتقدمت نوابه وجنده، وبقيت أنا وَهُوَ فِي القصر وشاكريته بالباب، فقال لي:
١٠٠/ ب يا ربيع جئني بفحمة من المطبخ، وَقَالَ لي: أخرج فكن مَعَ دابتي/ إِلَى أن أخرج، فلما خرج وركب، رجعت إِلَى المكان كأني أطلب شيئا، وإذا قَدْ كتب عَلَى الحائط بالفحمة شعرا:
المرء يهوى أن يعيش وطول عيش قَدْ يضره ... تفنى بشاشته ويبقى بعد حلو العيش مره
وتصرف الأيام حَتَّى مَا يرى شيئا يسره ... كم شامت بي أن هلكت وقائل للَّه دره [٣]
стр. 2804
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْد الْجَبَّارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشريف أَبُو بكر المنكدري قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَن بْن الصلت قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن الأنباري قَالَ:
حَدَّثَني أبي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه المطبخي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق الجيلي قَالَ: لما حج المنصور فِي آخر عمره دخل عَلَى [١] بعض المنازل بطريق مكة، فرأى كتابة عَلَى الحائط فقرأها، فإذا هي [٢] :
أبا جَعْفَر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك وأمر اللَّه لا بد واقع
أبا جَعْفَر هل كاهن أو منجم ... لك اليوم عَنْ حر المنية دافع [٣]
أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا محمد بن أَحْمَدَ بِنْ رِزْقٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَد الدَّقَّاق قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد البراء قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن هِشَام قَالَ: قَالَ الربيع: بينا أنا مَعَ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ فِي طريق مكة تبرز ونزل يقضي حاجته، فإذا الريح قَدْ ألقت إِلَيْهِ رقعة فِيهَا مكتوب:
أبا جَعْفَر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك وأمر [٤] اللَّه لا بد واقع
[أبا جَعْفَر هل كاهن أو منجم ... لك اليوم عَنْ حر المنية دافع] [٥]
قَالَ: فناداني: يا ربيع تنعي إلي نفسي فِي رقعة؟ قلت: لا والله مَا أعرف رقعة، ولا أدري مَا هي؟ قَالَ: فما رجع من وجهه حَتَّى مات [٦] .
قَالَ ابْن البراء: ومات ببئر ميمون، وَهُوَ محرم، فدفن مكشوف الوجه لست خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، وَكَانَ عمره ثلاثا وستين سنة، وخلافته إحدى/ وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وثمانية أيام.
قَالَ مؤلف الكتاب ﵀ [٧] تعالى: وقد اختلفوا [٨] في مقدار عمره على
стр. 2805
خمسة أقوال: أحدها: ثلاث وستون سنة كما ذكرنا، والثاني: ثلاث وستون وشهور، الثالث: أربع وستون، والرابع: خمس وستون. والخامس: ثمان وستون. واتفقوا عَلَى أن مدة خلافته اثنان وعشرون سنة تنقص أياما.
وفي ذلك المقدار الناقص خمسة أقوال: أحدها: اثنان وعشرون يوما. والثاني:
أربعة وعشرون يوما، والثالث: ثلاثة أيام، والرابع: سبعة أيام،. والخامس: يومان.
قالوا: ودفن فِي المقبرة التي عند بلبة المدينتين الَّتِي تسمى كدا، وتسمى المعلاة، لأنها بأعلى مكة.
٨٥٢- عَبْد اللَّه بْن عياش بْن عَبْد اللَّه، أَبُو الجراح الهمداني الْكَوفِيّ. ويعرف بالمنتوف [١] .
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الخطيب قَالَ: حدث ابْن عياش، عَنِ الشعبي، وروى عنه الهيثم بْن عدي، وَكَانَ راوية للأخبار والآداب. وَكَانَ من صحابة أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، ونزل بغداد فِي دور الصحابة ناحية شط الصراة، قَالَ: ويقال: إن دجلة مدت وأحاط الماء بداره، فركب المنصور ينظر إِلَى الماء، وابْن عياش معه، فرأى داره وسط الماء، فَقَالَ: لمن هذه الدار قال: لوليك يا أمير المؤمنين، فَقَالَ المنصور:
وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ من الْمُغْرَقِينَ ١١: ٤٣ [٢] ، فقال له ابن عياش وَكَانَ جريئا عليه: مَا أظن أمير المؤمنين يحفظ من القرآن آية غيرها، فضحك منه وأمر لَهُ بصلة [٣] .
أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا الجوهري قال: حدثنا محمد بْن الْعَبَّاس قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الحكيمي قَالَ: حَدَّثَنَا ميمون بْن هارون قَالَ: حَدَّثَنِي الوضاح بْن حبيب بْن يزيد التَّمِيمِيّ، عَنْ أبيه قَالَ: كنت يوما عند المنصور وعَبْد اللَّه بْن عياش المنتوف ١٠١/ ب وعَبْد اللَّه بْن الربيع الحارثي، وإسماعيل بْن خالد بن عبد الله القسري، وَكَانَ/ المنصور ولى سلم بْن قتيبة البصرة، وولى مولى له كور البصرة والأبلة، فورد الكتاب من مولى أبي جَعْفَر يخبر أن سلما ضربه بالسياط، فاستشاط أَبُو جَعْفَر، وضرب بإحدى يديه عَلَى الأخرى وَقَالَ: علي يجترئ سلم، والله لأجعلنه نكالا وعظة، وجعل يقرأ كتبا بين
стр. 2806
يديه، قَالَ: فرفع ابْن عياش رأسه- وَكَانَ من أجرئنا عليه- فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لم يضرب سلم مولاك بقوته ولا قوة ابْنه ولكنك قلدته سيفك، وأصعدته منبرك، وأراد مولاك أن يطأطئ من سلم مَا رفعت، ويفسد مَا صنعت، فلم يحتمل لَهُ ذلك، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إن غضب العربي فِي رأسه، فإذا غضب لم يهدأ حَتَّى يخرجه بلسانه أو يده، وإن غضب النبطي في استه، فإذا خري ذهب غضبه، فضحك أَبُو جَعْفَر، وَقَالَ: قبحك اللَّه يا منتوف. وكف عَنْ سلم [١] .
تُوُفِّيَ المنتوف في هذه السنة.
٨٥٣- الأسود المكي .
أخبرنا محمد بن ناصر قَالَ: أَخْبَرَنَا جعفر بْن أَحْمَد السراج قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد العزيز بن الحسن بْن إِسْمَاعِيل الضراب، قَالَ: أَخْبَرَنِي أبي قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مروان بْن المالكي قَالَ: حَدَّثَنَا سليمان بْن الْحَسَن قَالَ: حَدَّثَنِي أبي قَالَ: قَالَ ابْن المبارك: قدمت مكة فإذا الناس قَدْ قحطوا من المطر وهم يستسقون فِي المسجد الحرام، وكنت فِي الناس مما يلي باب بْني شيبة، إذ أقبل غلام أسود عليه قطعتا خيش، قَدِ ائتزر بإحداهما، وألقى الأخرى عَلَى عاتقه، فصار فِي موضع خفي إِلَى جانبي، فسمعته يَقُول: إلهي أخلقت الوجوه كثرة الذنوب ومساوىء الأعمال، وقد منعتنا غيث السماء لتؤدب الخليفة بذلك، فأسألك يا حليما ذا أناة، يا من لا [٢] يعرف عباده منه إلا الجميل، اسقهم الساعة الساعة. قَالَ ابْن المبارك: فلم يزل يَقُول الساعة الساعة حَتَّى استوت بالغمام، وأقبل المطر من كل مكان، وجلس [٣] مكانه يسبّح، وأخذت أبكي، فلما قام تبعته [٤] حَتَّى عرفت موضعه، فجئت إِلَى فضيل بن عياض/ فقال لي: ما لي ١٠٢/ أأراك كئيبا؟ فقلت: سبقنا إِلَى اللَّه غيرنا، فتولاه دوننا، قَالَ: وما ذاك؟ فقصصت عليه القصة، فصاح وسقط وَقَالَ: ويحك يا ابْن المبارك خذني إِلَيْهِ، قلت: قَدْ ضاق الوقت، وسأبحث عَنْ شأنه. فلما كَانَ من الغد صليت الغداة، وخرجت إِلَى الموضع فإذا شيخ عَلَى
стр. 2807
الباب قَدْ بسط لَهُ وَهُوَ جالس، فلما رآني عرفني وَقَالَ: مرحبا بك يا عَبْد الرحمن، حاجتك. فقلت له: احتجت إِلَى غلام أسود. فَقَالَ: نعم عندي عدة، فاختر أيهم شئت؟ فصاح يا غلام، فخرج غلام جلد، فَقَالَ: هَذَا محمود العاقبة، أرضاه لك، فقلت: ليس هَذَا حاجتي، فما زال يخرج إلي [١] واحدا واحدا حَتَّى أخرج إلي الغلام، فلما أبصرت به بدرت عيناي، فَقَالَ: هَذَا هو؟ قلت: نعم [٢] ، فَقَالَ ليس إِلَى بيعه سبيل، قلت: ولم؟ قَالَ: قَدْ تبركت لموضعه فِي هَذِهِ الدار وذاك أنه لا يزرأني شيئا، قلت: ومن أين طعامه؟ قَالَ: يكسب من قبل الشريط نصف دانق أو أقل أو أكثر فهو قوته، فإن باعه فِي يومه وإلا طوى ذلك اليوم. وأخبرني الغلمان عنه أنه لا ينام هَذَا الليل الطويل، ولا يختلط بأحد منهم مشغول [٣] بْنفسه، وقد أحبه قلبي، فقلت لَهُ: أنصرف إِلَى سفيان الثوري وإلى فضيل بْن عياض بغير قضاء حاجة؟ فَقَالَ: إن ممشاك عندي كبير، خذه بما شئت. قال: فاشتريته وأخذت نحو دار فضيل، فمشيت ساعة، فَقَالَ لي: يا مولاي، قلت: لبيك، قَالَ: لا تقل لي لبيك، فإن العبد أولى أن يلبي المولى، قلت: حاجتك يا حبيبي. قَالَ: أنا ضعيف البدن، لا أطيق الخدمة، وقد كَانَ لك فِي غيري سعة، قَدْ أخرج إليك من هو أجلد مني، فقلت: لا يراني اللَّه وأنا أستخدمك، ولكني أشتري لك منزلا وأزوجك وأخدمك أنا بْنفسي، قَالَ: فبكى، فقلت: مَا يبكيك؟
قَالَ: أنت لم تفعل فِي هَذَا إلا وقد رأيت بعض متصلاتي باللَّه تعالى، وإلا فلم اخترتني ١٠٢/ ب من بين الغلمان؟ فقلت لَهُ: ليس بك حاجة إِلَى هَذَا، فَقَالَ لي: سألتك باللَّه/ إلّا أخبرتني، فقلت: بإجابة دعوتك، فَقَالَ لي: إني أحسبك إن شاء اللَّه رجلا صالحا، إن للَّه خيرة من خلقه لا يكشف شأنهم إلا لمن أحب من عباده ولا يظهر عليهم إلا من ارتضى، ثُمَّ قَالَ لي: ترى أن تقف علي قليلا، فإنه قَدْ بقيت علي ركعات من البارحة.
قلت: هَذَا منزل فضيل قريب. قَالَ: لا. هاهنا أحب إلي [٤] أمر اللَّه لا يؤخر فدخل من باب الباعة إلى المسجد فما زال يصلي حَتَّى إذا أتى عَلَى مَا أراد التفت إلي فَقَالَ: يا أبا عبد الرحمن، هل من حاجة؟ قلت: ولم؟ قَالَ: لأني أريد الانصراف،
стр. 2808
قلت: إِلَى أين؟ قَالَ: إِلَى الآخرة. قلت: لا تفعل، دعني أسر بك. فَقَالَ لي: إنما كانت تطيب الحياة حيث كانت المعاملة بيني وبينه تعالى فأما إذا [١] اطلعت عَلَيْهَا أنت فسيطلع عَلَيْهَا غيرك فلا حاجة لي فِي ذلك، ثُمَّ خر لوجهه، فجعل يَقُول: إلهي اقبضني إليك الساعة الساعة. فدنوت منه فإذا هو قد مات. فو الله مَا ذكرته قط إلّا طال حزني وصغرت الدنيا في عيني.
стр. 2809
ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة
فمن الحوادث فِيهَا:
غزوة الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد الصائفة حَتَّى بلغ أنقرة وانصرفوا سالمين [١] .
وَفِيهَا: ولي حمزة بْن مالك سجستان، وولي جبرئيل بْن يَحْيَى سمرقند [٢] .
وعزل عَبْد الصَّمَدِ عَنِ المدينة عَنْ موجدة، واستعمل مكانه عَبْد اللَّه بْن محمد بن عبد الرحمن بن صفوان الجمحي [٣] .
وَفِيهَا: بْنى المهدي مسجد الرصافة وبْنى حائطها وحفر خندقها [٤] .
أَخْبَرَنَا [أَبُو منصور] عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن على قال:
أخبرنا الأزهري قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْعَبَّاس المنصوري قَالَ:
لما حصلت فِي يد المهدي الخزائن والأموال ودخائر المنصور أخذ في رد ١٠٣/ أالمظالم، وأخرج مَا فِي الخزائن ففرقه وبر/ أهله وأقرباءه ومواليه، وأخرج لأهل بيته أرزاقا لكل واحد منهم في كل شهر خمسمائة درهم، وأخرج لهم فِي الإقسام لكل واحد عشرة آلاف درهم.
стр. 2810
وزاد بعضهم: [وأمر ببْناء مسجد الرصافة وحاط حائطها، وخندق خندقها] [١] .
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ [أَحْمَدُ بْنُ علي] الخطيب قال: أَخْبَرَنَا الجوهري قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عياش قَالَ: حَدَّثَنَا عبيد اللَّه بْن أَحْمَد المروزي قَالَ:
حَدَّثَنِي أبي قَالَ: حكي لنا أن الربيع قَالَ: مات المنصور وفي بيت المال شيء لم يجمعه خليفة قط مائة ألف ألف درهم، وستون ألف ألف درهم، فلما صارت الخلافة إِلَى المهدي قسم ذلك وأنفقه.
قَالَ الربيع: ونظرنا فِي نفقة المنصور فإذا هو ينفق فِي كل سنة ألفي درهم. قَالَ: وفتح المنصور يوما خزائن مروان بْن مُحَمَّد فأحصى مَا فِيهَا اثني عشر ألف عدل خزفا.
فأخرج منها ثوبا وَقَالَ: يا ربيع، اقطع من هَذَا الثوب جبتين، لي واحدة ولمحمد واحدة. قلت: لا يجيء منه هَذَا. قَالَ: فاقطع لي منه جبة وقلنسوة، وبخل بثوب آخر يخرجه للمهدي.
فلما أفضت الخلافة إِلَى المهدي أمر بتلك الخزانة بعينها ففرقت عَلَى الموالي والغلمان والخدم.
وَفِيهَا: وجه المهدي عَبْد الملك بْن شهاب المسمعي فِي البحر إِلَى بلاد الهند فِي خلق كثير فوصلوا إِلَى الهند فِي سنة ستين [٢] .
وَفِيهَا: أمر المهدي بإطلاق من كَانَ فِي سجون المنصور إلا من كَانَ قبله دم أو كَانَ معروفا بالسعي فِي الأرض بالفساد، أو كَانَ لأحد قبله مظلمة. وَكَانَ ممن أطلق يعقوب ابْن داود مولى بْني سليم، وَكَانَ معه فِي الحبس الْحَسَن بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن بْن الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن أبي طالب، فحوله المهدي إِلَى نصير الوصيف فحبس عنده [٣] .
وَكَانَ سبب تحويله: أنه كَانَ هو ويعقوب فِي مكان واحد فأطلق يعقوب ولم يطلق الْحَسَن، فساء ظنه وخاف عَلَى نفسه، فالتمس مخرجا لنفسه/ فدس إلى بعض ثقاته ١٠٣/ ب
стр. 2811
فحفر لَهُ سربا فِي موضع مسامت للموضع الَّذِي هو فِيهِ محبوس، وَكَانَ يعقوب بعد أن أطلق يطيف بابْن علاثة- وَهُوَ قاضي المهدي- ويلزمه حَتَّى أنس به، وبلغ يعقوب مَا عزم عليه الْحَسَن من الهرب، فأتى ابْن علاثة فأخبره أن عنده نصيحة للمهدي، فسأله إيصاله إِلَى أبي عبيد اللَّه، فدخل به إِلَيْهِ، فسأله إيصاله إِلَى المهدي ليعلمه النصيحة، فأدخله عليه فساره بذلك، فأمر بتحويل الْحَسَن إِلَى نصير، فلم يزل حَتَّى احتيل لَهُ فخرج، فطلب فلم يقدر عليه، فدعا المهدي يعقوب فأخبره خبر الْحَسَن فَقَالَ: لا علم لي بمكانه، ولكن إن أعطيتني [لَهُ] [١] أمانا يثق به ضمنت أن آتيك به. فأعطاه ذلك، فَقَالَ [لَهُ] : فاله عَنْ ذكره يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ [٢] ، ودع طلبه، فإن ذلك يوحشه، ودعني وإياه حَتَّى أحتال لَهُ، وَقَالَ يعقوب: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ بسطت عدلك، وعممت بخيرك، وقد بقيت أشياء لو ذكرتها لم تدع النظر فِيهَا بمثل مَا فعلت فِي غيرها، وإن جعلت لي سبيلا إِلَى الدخول عَلَيْك، وأذنت لي فِي رفعها إليك فعلت فأعطاه المهدي ذلك، وَكَانَ يدخل عَلَى المهدي ليلا ويرفع إِلَيْهِ النصائح [٣] الحسنة من أمر الثغور، وبْناء الحصون، وفكاك الأسارى، والقضاء عَلَى [٤] الغارمين، والصدقة عَلَى المتعففين، فحظي بذلك عنده واتخذه أخا فِي اللَّه تعالى، وأخرج بذلك توقيعا أثبت فِي الدواوين، ثُمَّ تغير عليه وأمر بحبسه [٥] .
وَفِيهَا: [٦] عزل المهدي [إِسْمَاعِيل] بْن أبي إِسْمَاعِيل عَنِ الكوفة وأحداثها، وولاها إسحاق بن الصباح الكندي، وقيل: بل ولاها عيسى بْن لقمان، وقيل: كَانَ شريك عَلَى الصلاة والقضاء، وعيسى عَلَى الأحداث [٧] .
وعزل عَنْ أحداث البصرة سَعِيد بْن دعلج، وعزل عَنِ الصلاة والقضاء عبيد اللَّه بْن الحسين، وولى مكانها عَبْد الملك بْن أيوب بْن ظبيان، وكتب إِلَيْهِ يأمره بإنصاف من
стр. 2812
تظلم/ من سَعِيد بْن دعلج، ثُمَّ صرفت الأحداث في هذه السنة عَنْ عَبْد الملك بن ١٠٤/ أأيوب إلى عمارة بن حمزة، فولاها عمارة رجلا يقال لَهُ: المسور بْن عَبْد اللَّه وأمر عَبْد الملك عَلَى الصلاة.
وَفِيهَا: عزل قثم بْن الْعَبَّاس عَنِ اليمامة عَنْ سخط فوصل كتاب عزله إِلَى اليمامة وقد تُوُفِّيَ، فاستعمل مكانه بِشْر بْن المنذر [١] الْبَجَلِيّ.
وعزل يزيد بْن منصور عَنِ اليمن فاستعمل مكانه رجاء بْن روح، وعزل الهيثم بْن سَعِيد عَنِ الجزيرة واستعمل عَلَيْهَا الفضل بْن صالح، وعزل مطر مولى المنصور عن مصر واستعمل مكانه أبو ضمرة بْن سليمان [٢] .
وَفِيهَا: أعتق المهدي الخيزران أم ولده وتزوجها [٣] .
وَفِيهَا: تزوج المهدي [أيضا] أم عبيد اللَّه بْنت صالح بْن عَلِيّ [٤] .
وَفِيهَا: وقع حريق فِي ذي الحجة فِي السفن [ببغداد، عند قصر عيسى بْن عَلِيّ، فاحترقت السفن] [٥] ، واحترق ناس كثير [٦] .
وَفِيهَا: كانت حركة من تحرك من بْني هاشم وشيعتهم من أَهْل خراسان فِي خلع عيسى بْن موسى من ولاية العهد، وتصيير ذلك لموسى بْن المهدي، فلما تبين ذلك المهدي كتب إِلَى عيسى وَهُوَ بالكوفة ليقدم عليه، فأحس عيسى بذلك، فامتنع من القدوم، وَكَانَ المهدي قَدْ سأل عيسى أن يخرج من الأمر، فامتنع عليه، فأراد الإضرار به، فولى الكوفة روح بن حاتم، وكان المهدي يحب أن يحمل روح عَلَى عيسى بعض الحمل، فلم يجد إِلَى ذلك سبيلا، وَكَانَ عيسى قَدْ خرج إِلَى ضيعته بالرحبة فلا يدخل إِلَى الكوفة إلا فِي رَمَضَان، فيشهد الجمع والعيد [٧] ، ثُمَّ يرجع إِلَى ضيعته، ثُمَّ إن
стр. 2813
المهدي ألح عَلَى عيسى وَقَالَ لَهُ: إن لم تجبْني إِلَى أن تنخلع منها حَتَّى أبايع لموسى وهارون، استحللت منك بمعصيتك مَا يستحل من العاصي، وإن أجبتني عوضتك عنها ما هو أجدى عليك إنعاما. فأجابه فبايع لهما وخلع عيسى وأمر لَهُ بعشرة آلاف ألف.
وقيل بعشرين ألف ألف [١] ، وقطائع كثيرة [٢] .
وفي هذه السنة: / حج بالناس يزيد بْن المنصور خال المهدي عند قدومه من اليمن، وكان المهدي قَدْ أمره بالانصراف إِلَيْهِ وولاه الموسم [٣] .
وَكَانَ أمير المدينة في هذه السنة عَبْد اللَّه بْن صفوان الجمحي، وَكَانَ عَلَى صلاة الكوفة وأحداثها إِسْحَاق بْن الصباح الكندي، وعلى خراجها ثَابِت بْن موسى، وعلى قضائها شريك بْن عَبْد اللَّه، وعلى صلاة البصرة عَبْد الملك بْن أيوب، وعلى أحداثها عمارة بْن حمزة وخليفته عَلَى ذلك المسور بْن عَبْد اللَّه بْن مسلم الباهلي، وعلى قضائها عبيد اللَّه بْن الْحَسَن وعلى كور دجلة وكور الأهواز وكور فارس عمارة بْن حمزة، وعلى السند البسطام بْن عَمْرو، وعلى اليمن رجاء بْن روح، وعلى اليمامة بِشْر بْن المنذر، وعلى خراسان أَبُو عون عَبْد الملك بْن يزيد، عَلَى الجزيرة الفضل بْن صالح، وعلى إفريقية يزيد بْن حاتم. وعلى مصر أَبُو ضمرة مُحَمَّد بْن سليمان [٤] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر .
٨٥٤- حميد بْن قحطبة .
عامل المهدي عَلَى خراسان.
تُوُفِّيَ في هذه السنة، فولى المهدي مكانه أبا عون عَبْد الملك بْن يزيد.
٨٥٥- سلمى بْن عَبْد اللَّه بْن سلمى، أَبُو بكر الهذلي الْبَصْرِيّ [٥] .
حدث عَنْ الحسن، وابن سيرين، وعكرمة، والشعبي والزهري.
стр. 2814
روى عنه: أَبُو معاوية وابْن المبارك، وشبابة، وَكَانَ من العلماء بأخبار الناس وأيامهم.
وَقَالَ السفاح: مَا رأيت [أحدا] [١] أغزر علما من أبي بكر الهذلي، لم يعد علي حديثا قط، إلا أن المحدثين ضعفوه وتركوا حديثه.
٨٥٦- عَبْد العزيز بْن أبي رواد مولى المغيرة بْن المهلب بْن أبي صفرة .
روى عَنْ جماعة من التابعين كعطاء، وعكرمة، ونافع، وَكَانَ من العباد، وذهب بصره فلم يعلم به أهله عشرين سنة.
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ القزاز قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت قال: أخبرني ١٠٥/ أعبد اللَّه بْن يَحْيَى اليشكري قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر الشافعي قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَر/ بْن مُحَمَّد بْن الأزهري [٢] قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن العلائي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سهل المدائني، عَنْ شعيب بْن حرب قَالَ: جلست إِلَى عَبْد الْعَزِيز بْن أبي رواد خمسمائة مجلس فما أحسب أن [٣] صاحب الشمال كتب شيئا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أبي القاسم قَالَ: أَخْبَرَنَا حمد بْن أَحْمَد قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حيان قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد بْن روح قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن حبيق قَالَ: سمعت يوسف بْن أسباط يَقُول: مكث عَبْد العزيز بْن أبي رواد أربعين سنة لم يرفع طرفه إِلَى السماء، فبينا هو يطوف حول الكعبة إذ طعنه المنصور أَبُو جَعْفَر بإصبعه فِي خاصرته فالتفت إِلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ علمت أنها إصبع جبار.
تُوُفِّيَ عَبْد العزيز في هذه السنة بمكة.
٨٥٧-[معبد] [٤] بْن الخليل .
عامل المهدي. تُوُفِّيَ بالسند وَهُوَ [عامله] [٥] عَلَيْهَا فاستعمل مكانه روح بن حاتم.
стр. 2815
٨٥٨-[مُحَمَّد] [١] بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن المغيرة بْن الحارث بْن أبي ذئب، أَبُو الحارث القرشي المدني [٢] .
ولد سنة ثمانين، سمع عكرمة، والزهري وخلقا كثيرا، وَكَانَ فقيها ورعا صالحا ثقة، يأمر بالمعروف وينهى عَنِ المنكر، أقدمه المهدي بغداد، فحدث بها، ثُمَّ رجع يريد المدينة، فمات بالكوفة في هَذِهِ السنة، وَهُوَ ابْن تسع وسبعين سنة.
روى عنه: الثوري ووكيع، ويزيد بْن هارون، وابْن المبارك، وغيرهم.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ محمد قال: أخبرنا أَحْمَد بْن عَلي قَالَ: أَخْبَرَنَا البرقاني قَالَ: أخبرنا أحمد بن محمد بْن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسين بْن إدريس الأنصاري قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد سليمان بْن الأشعث قَالَ: سمعت أَحْمَد بْن حنبل يَقُول:
كَانَ ابْن أبي ذئب يشبه سَعِيد بْن المسيب. قيل لأحمد: خلف مثله ببلاده؟ قَالَ: لا، ولا بغيرها [٣] .
وَقَالَ أَبُو داود: سمعت أَحْمَد يَقُول: كَانَ ابْن أبي ذئب ثقة صدوقا أفضل من مالك بْن أنس، إلّا أن مالكا أشد تنقية للرجال من ابْن أبي ذئب لا يبالي عمن يحدث [٤] .
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ/ قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا الجوهري قَالَ:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عمران المرزباني قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عيسى المكي قال: حدثنا محمد بن القاسم بْن خلاد قَالَ: قَالَ ابْن أبي ذئب للمنصور: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ هلك الناس، فلو أعنتهم بما فِي يديك من الفيء؟ قَالَ: ويلك لولا مَا سددت من الثغور وبعثت من الجيوش لكنت تؤتى فِي منزلك وتذبح. فَقَالَ ابْن أبي ذئب: فقد سد الثغور وجيش الجيوش، وفتح الفتوح، وأعطى الناس أعطياتهم من هو خير منك. قَالَ: ومن هو ويلك؟ قَالَ: عُمَر بْن الخطاب: فنكس المنصور رأسه، والسيف بيد [٥] المسيب والعمود بيد مالك بْن الهيثم ولم يعرض له والتفت إلى
стр. 2816
مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الإمام، فَقَالَ: هَذَا الشيخ خير أَهْل الحجاز [١] .
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَلِيّ قَالَ: حَدَّثَنِي عبيد اللَّه بْن أَحْمَد بْن عُثْمَان الصَّيْرفيّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن العباس الخزاز قَالَ: حدثنا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد البغوي قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أيوب العابد قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُمَر عَبْد اللَّه بْن كثير قَالَ:
حَدَّثَنِي حسن بْن زَيْد قَالَ: كَانَ قَدْ ولي عَبْد الصَّمَدِ عَلَى المدينة، فعاقب بعض القرشيين وحبسه [٢] ، قال: فكتب بعض قرابته إلى أبي جعفر، فكتب أبو جعفر إلى المدينة، وأرسل رسولا وَقَالَ: اذهب فانظر قوما من العلماء فأدخلهم عليه حَتَّى يروا حاله ويكتبوا إلي بها، فأدخلوا عليه فِي حبسه: مالك بْن أنس، وابْن أبي ذئب، وابْن أبي سبرة وغيرهم من العلماء، فقالوا: اكتبوا بما ترون إِلَى أمير المؤمنين. قَالَ: وَكَانَ عَبْد الصَّمَدِ لما بلغه الخبر حل عنه الوثاق وألبسه ثيابا، وكنس البيت الَّذِي كَانَ فِيهِ ورشه، ثُمَّ أدخلهم عليه. فَقَالَ لهم الرسول: اكتبوا بما رأيتم، فأخذوا يكتبون شهد فلان وفلان. فَقَالَ ابْن أبي ذئب: لا تكتبوا شهادتي أنا أكتبها بيدي إذا فرغت فارم إلي بالقرطاس قَالَ: فكتبوا رأينا محبسا لينا ورأينا هيئة حسنة، وذكروا مَا يشبه هَذَا من الكلام. قَالَ: ثُمَّ دفع القرطاس إِلَى ابْن أبي ذئب، / فلما نظر في الكتاب فرأى هذا ١٠٦/ أالموضع [٣] نادى: يا مالك داهنت وفعلت وفعلت وملت إلى الهوى، لكن اكتب: رأيت مجلسا ضيقا وأمرا شديدا. قَالَ: وجعل يذكر شدة الحبس وضيقه. قَالَ: وبعث الكتاب إِلَى أبي جَعْفَر، فقدم أَبُو جَعْفَر حاجا، فمر بالمدينة فدعاهم، فلما دخلوا عليه جعلوا يذكرون وجعل ابْن أبي ذئب يذكر شدة الحبس وضيقه، وشدة عَبْد الصَّمَدِ، وما يلقون منه. قَالَ: وجعل أَبُو جَعْفَر يتغير وجهه، وينظر إِلَى عَبْد الصَّمَدِ غضبا، قَالَ الْحَسَن بْن زيد: فلما رأيت ذلك أردت أن ألينه، وخشيت عَلَى عَبْد الصَّمَدِ من أبي جَعْفَر [٤] أن يعجل عليه، فقلت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ويرضى هَذَا أحد قَالَ ابْن أبي ذئب: أما والله إن يسألني عنك لأخبرته، فَقَالَ أَبُو جَعْفَر: فإني أسألك، فقال: يا أمير المؤمنين [ولي
стр. 2817
علينا] [١] ففعل بْنا وفعل. فأطنب فِي. فلما ملأني غيظا قلت: أفيرضي هَذَا أحدا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ سله عَنْ نفسك، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَر: فإني أسألك عَنْ نفسي فَقَالَ: لا تسألني، فقال: أنشدك باللَّه فكيف تراني؟ قَالَ: اللَّهمّ مَا أعلمك إلا ظالما جائرا، قَالَ:
فقام إِلَيْهِ وفي يده عمود، قَالَ الْحَسَن فجمعت [إلي] [٢] ثيابي مخافة أن يصيبْني من دمه وقلت: الآن يضربه بالعمود فجعل يَقُول لَهُ: يا مجوسي أتقول هَذَا لخليفة اللَّه فِي أرضه؟
وجعل يرددها عليه وابْن أبي ذئب يَقُول: إنك نشدتني باللَّه يا عَبْد اللَّه. قَالَ: ولم ينله بسوء [قَالَ] [٣] : وتفرقوا عَلَى ذلك [٤] .
عَنْ مُحَمَّد بْن خلاد قَالَ: لما حج المهدي دخل مسجد رسول الله ﷺ فلم يبق أحد إلا قام، إلّا ابْن أبي ذئب فَقَالَ لَهُ المسيب بْن زهير: من هَذَا أمير المؤمنين؟ فَقَالَ ابْن أبي ذئب: إنما يقوم الناس لرب العالمين، فَقَالَ المهدي: لقد قامت كل شعرة فِي رأسي [٥] .
стр. 2818
ثم دخلت سنة ستين ومائة
فمن الحوادث فِيهَا خروج يوسف بْن إِبْرَاهِيم من خراسان منكرا هو ومن معه عَلَى رأيه عَلَى [١] المهدي الحال التي هو بها وسيرته الَّتِي يسير بها، واجتمع معه بِشْر كثير من الناس، فتوجه إِلَى يزيد بْن مزيد فاقتتلا حَتَّى صارا إِلَى المعانقة، فأسره يزيد وبعث به إِلَى المهدي، وبعث معه من وجوه أصحابه بعده فلما انتهى بهم إِلَى النهروان حمل يوسف عَلَى بعير قَدْ حول وجهه إِلَى ذنب البعير وأصحابه عَلَى بعير، فأدخلوهم الرصافة عَلَى تلك الحال، فأدخلوا عَلَى المهدي، فأمر هرثمة بْن أعين بقطع يدي يوسف ورجليه، وضرب عنقه وأعناق أصحابه وصلبهم عَلَى جسر دجلة الأعلى مما يلي عسكر المهدي، وإنما أمر هرثمة بقتله لأنه كَانَ قتل أخا لهرثمة بخراسان [٢] .
وَفِيهَا: خلع عيسى بْن موسى مما كَانَ لَهُ من البيعة بعد المهدي وذلك أنه أحضر وجوه رؤساء الشيعة وألح عليه المهدي، فرضي بالخلع والتسليم، فخلع يوم الأربعاء لأربع بقين من المحرم بعد صلاة العصر وبايع للمهدي ولموسى من بعده يوم الخميس لثلاث بقين من المحرم وقت ارتفاع النهار، ثُمَّ أذن المهدي لأهل بيته فأخذ بيعتهم لنفسه ولموسى بْن المهدي من بعده، ثُمَّ خرج إِلَى مسجد الجماعة بالرصافة، فصعد المنبر وصعد موسى، فقام دونه، وقام عيسى عَلَى أول عتبة من المنبر، فحمد اللَّه، وأثنى عليه- أعني المهدي- وصلى على النبي ﷺ ، وأخبر بما أجمع عليه أهل بيته
стр. 2819
وشيعته وقواده وأنصاره من خلع عيسى وتصيير الأمر الَّذِي كَانَ عقد لَهُ فِي أعناق المسلمين لموسى ابْن أمير المؤمنين لاختيارهم لَهُ ورضاهم به وأن عيسى قَدْ خلع نفسه، وحللهم مما كَانَ لَهُ من البيعة فِي أعناقهم، وأن مَا كَانَ لَهُ من ذلك فقد صار لموسى ابن أمير ١٠٧/ أالمؤمنين بعقد من أمير المؤمنين وأهل بيته/ وشيعته فِي ذلك، وأن موسى عامل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه محمد [١] ﷺ ، بأحسن [٢] السيرة، وأعدلها، وقرأ على عيسى كتاب ذكر الخلع، فأقر بذلك وتتابع [٣] أَهْل بيت أمير المؤمنين والقواد يبايعون للمهدي ثُمَّ لموسى، ويمسحون على أيديهما، ثُمَّ نزل المهدي ووكل ببيعته من بقي من الخاصة والعامة خالد بْن يزيد بْن مَنْصُور، وكتب عَلَى عيسى بخلعه كتاب ليكون حجة عليه، وفيه: أنه قَدْ نزل عما كَانَ حقا لَهُ لموسى بْن المهدي وأنه إن لم يف بذلك فكل زوجة هي عنده من يوم كتب هَذَا الكتاب أو يتزوجها طالق ثلاثا البتة إِلَى ثلاثين [٤] سنة، وكل مملوك لَهُ عنده اليوم أو يملكه إِلَى ثلاثين سنة أحرار لوجه اللَّه، وكل مال لَهُ من نقد أو عرض أو أرض أو قليل أو كثير ويستفيده إِلَى ثلاثين سنة صدقة عَلَى المساكين، وعليه من مدينة السلام المشي حافيا إِلَى بيت اللَّه العتيق نذرا واجبا ثلاثين سنة، وأشهد عَلَى نفسه بإقراره هَذَا مائة وثلاثين رجلًا من بْني هاشم والموالي والوزراء والقضاة، وكتب فِي صفر سنة ستين وختم عليه عيسى بْن موسى [٥] .
[وفي هذه السنة] [٦] : وصل عَبْد الملك بْن شهاب المسمعي فِي خلق كثير من المطوعة وغيرهم إلى بلد الكفار فنصبوا عَلَيْهَا المجانيق وفتحوها عنوة، وقتلوا أهلها واستشهد من المسلمين بضعة وعشرون رجلا، وهاج البحر فلم يقدروا عَلَى ركوبه، وأقاموا إِلَى أن سكن فأصابهم [٧] فِي أفواههم داء فمات منهم نحو من ألف [٨] رجل،
стр. 2820
فيهم الربيع بْن صبيح، ثُمَّ انصرفوا وسبى منهم ابْنة الملك [١] .
[وَفِيهَا] [٢] : جعل أبان بْن صدقة كاتبا للمهدي ووزيرا [لَهُ] [٣] .
[وَفِيهَا] [٤] : عزل أَبُو عون عَنْ خراسان وولي مكانه معاذ بْن مسلم [٥] /.
[وَفِيهَا] [٦] : غزا ثمامة بْن الوليد الصائفة، وغزا الغمر بْن الْعَبَّاس الخثعمي بحر الشام [٧] .
وَفِيهَا: رد المهدي إِلَى أبي بكرة من نسبهم فِي ثقيف إِلَى ولاء رسول الله ﷺ وألحقهم به، وأخرج آل زياد من قريش والعرب، وَكَانَ يَقُول ابن سميّة الزانية، ويقبّح استلحاق معاوية زيادا [٨] .
وَفِيهَا: ولى المدينة- أعني قضاءها [٩]- عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عمران الطلحي [١٠] .
وَفِيهَا: خرج عَبْد السَّلامِ بْن هاشم [اليشكري] [١١] الخارجي، وسيأتي خبر مقتله [١٢] .
وَفِيهَا: عزل بسطام بْن عَمْرو عَنِ السند واستعمل عَلَيْهَا روح بْن حاتم [١٣] .
стр. 2821
وَفِيهَا: حج المهدي بالناس واستخلف عَلَى مدينة السلام ابْنه موسى، وترك معه يزيد بْن المنصور بأمر المهدي وزيرا لَهُ ومدبرا لأموره، وخرج مَعَ المهدي ابْنه هارون وجماعة من أَهْل بيته، فكان ممن شخص معه: يعقوب بْن داود عَلَى منزلته الَّتِي كانت عنده فأتاه حين وافى مكة بالحسن بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه الَّذِي استأمن لَهُ يعقوب، فأحسن المهدي صلته وجائزته، وأقطعه مالا من الصوافي بالحجاز.
وفي هذه السنة [١] : نزع المهدي كسوة الكعبة الَّتِي كانت عَلَيْهَا، وكساها كسوة جديدة، وذلك أن حجبة الكعبة رفعوا إِلَيْهِ أنهم يخافون عَلَى الكعبة لكثرة مَا عَلَيْهَا من الكسوة، فأمر أن يكشف عنها فكشف مَا عَلَيْهَا حَتَّى بقيت مجردة، ثُمَّ طلي البيت كله بالخلوق، ولما بلغوا إِلَى كسوة هِشَام وجدوها ديباجا ثخينا ووجدوا كسوة من كَانَ قبله عامتها من متاع اليمن [٢] .
وقسم المهدي في هذه السنة فِي أَهْل مكة والمدينة مالا كثيرا، فذكر أنه قسم في ١٠٨/ أتلك السفرة ثلاثين ألف ألف درهم حملت معه، ووصل/ إليه من مصر ثلاثة مائة ألف دينار ومن اليمن مائتا ألف دينار قسم ذلك كله، وفرق من الثياب مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب، ووسع فِي مسجد رسول الله ﷺ ، وأمر بْنزع المقصورة الَّتِي فِي مسجد رسول الله ﷺ فنزعت، وأراد أن ينقض [منبر] [٣] مسجد رسول الله ﷺ فيعيده إِلَى مَا كَانَ عليه، ويلقي مَا كَانَ معاوية زاده فِيهِ، فشاور فِي ذلك، فقيل لَهُ: إن المسامير الَّذِي أحدثه معاوية فِي الخشب الأول وَهُوَ عتيق لا نأمن إن خرجت المسامير الَّتِي فِيهِ وزعزعت أن ينكسر، فتركه عَلَى حاله، وأمر المهدي أيام مقامه بالمدينة بإثبات خمسمائة رجل من الأنصار ليكونوا معه حرسا لَهُ [٤] بالعراق [وأنصارا] [٥] ، وأجرى عليهم أرزاقا سوى أعطياتهم، وأقطعهم عند قدومهم معه بمدينة السلام قطيعة تعرف بهم، ودخل عليه عُثْمَان بْن طلحة فاستعفاه من القضاء [٦] .
стр. 2822
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَبُو بَكْرٍ [أَحْمَدُ] [١] بْنُ ثَابِتٍ قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَبْد الصَّمَدِ بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن نصر بْن مكرم قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن سعيد المعدل قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بْن القاسم الكوكبي قَالَ: حدثنا أبو الفضل الربعي قال: حَدَّثَنِي أبي قَالَ: استقضى بعض أمراء المدينة عُثْمَان بْن طلحة بْن عُمَر بْن عبيد اللَّه بْن معمر، فامتنع عليه، فأشرف عليه بضرب السياط، فلما رأى ذلك قضى بين الناس حَتَّى استوجب رزق عشرة أشهر، وقدم المهدي المدينة حاجا، فدخل عليه عُثْمَان بْن طلحة، فسأله أن يعزله عَنِ القضاء، فَقَالَ: ليس إِلَى ذلك سبيل، قَالَ لَهُ عُثْمَان: والله يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لو علمت أن بلد الروم تجيرني ولا تمنعني من الصلاة لاستجرت به، قَالَ المهدي: وإنك عَلَى مَا قلت. قَالَ: فإني والله لعلى مَا قلت، قَالَ:
فإني قَدْ عزلتك فاقبض/ مَا لك عندنا من الرزق. قَالَ: والله مَا فِي عنه غنى، ولكن كان ١٠٨/ ب لي نظر وأشباه [ذلك] [٢] يكرهون من هَذَا العمل مَا أكره، ثُمَّ أكرهوا عليه، فدخلوا فيه، فلما عزلوا كرهوا العزل، فلم أجد معناهم فِي كراهتهم العزل إلا هَذَا الرزق، فلذلك كرهت أخذه.
وتزوج المهدي فِي أيام مقامه بالمدينة رقية بْنت عَمْرو [٣] العثمانية [٤] .
وَفِيهَا: [٥] رد المهدي عَلَى أَهْل بيته وغيرهم قطائعهم الَّتِي كانت مقبوضة عنهم [٦] .
وَفِيهَا: حمل مُحَمَّد بْن سليمان الثلج للمهدي، حَتَّى وافى مكة، فكان المهدي أول من حمل لَهُ الثلج من الخلفاء إِلَى مكة [٧] .
وَفِيهَا [٨] : تزوج الهادي لبابة بْنت جعفر بن المنصور، وهي أخت زبيدة.
стр. 2823
وَكَانَ في هذه السنة عَلَى صلاة الكوفة وأحداثها إِسْحَاق بْن الصباح الكندي، وعلى قضائها شريك بْن عَبْد اللَّه النخعي، وعلى صلاة البصرة وأحداثها وأعمالها [١] ، وعلى كور دجلة، والبحرين، وعمان وكور الأهواز، وفارس مُحَمَّد بْن سليمان، وَكَانَ عَلَى قضاء البصرة عبيد اللَّه بْن الْحَسَن، وعلى خراسان معاذ بْن سالم، وعلى الجزيرة الفضل بْن صالح، وعلى السند رواح بْن حاتم. وعلى إفريقية يزيد [٢] بْن حاتم، وعلى مصر سليمان بْن عَلِيّ [٣] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٨٥٩- إبراهيم بْن أدهم بْن منصور بْن يزيد بْن جَابِر العجلي، ويقال: التَّمِيمِيّ [٤] .
أصله من بلخ وَكَانَ من أولاد الملوك، وروى عَنْ جماعة من التابعين كأبي إسحاق السبيعي، وأبي حازم، وقتادة، ومالك بْن دينار، وأبان، والأعمش، واشتغل بالتزهد عَنِ الرواية، وَكَانَ يكون بالكوفة ثُمَّ بالشام.
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيد أَحْمَد بْن مُحَمَّد البغدادي قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الوهاب بْنِ أَبِي/ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ قَالَ: أَخْبَرَنَا أبي [قَالَ: سمعت عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن الحارث قَالَ:
سمعت إِسْمَاعِيل بْن بِشْر البلخي] [٥] قَالَ: سمعت عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد العابد يَقُول:
سمعت يونس بْن سليمان البلخي يَقُول: كَانَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم من الأشراف، وَكَانَ أبوه كثير المال والخدم، فخرج إِبْرَاهِيم يوما إلى الصيد مَعَ الغلمان والخدم والجنائب والبزاة فبينا إِبْرَاهِيم في ذلك وهو على فرسه يركضه، إذا هو بصوت من فوقه: يا إِبْرَاهِيم، مَا هَذَا العبث أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ٢٣: ١١٥ [٦] اتق اللَّه، وعليك بالزاد ليوم الفاقة، قَالَ: فنزل عن دابته ورفض الدنيا وأخذ في عمل الآخرة.
стр. 2824
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الباقي قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الحافظ قَالَ: حَدَّثَنَا الغطريفي قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن ديمهر قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعِيد قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْر بْن المنذر قَالَ: كنت إذا رأيت إِبْرَاهِيم بْن أدهم كأنه ليس فِيهِ روح لو نفخته الريح لوقع، قَدِ اسود متدرعا بعباءة.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الباقي بإسناده، عَنْ شقيق بْن إِبْرَاهِيم يَقُول: قلت لإبراهيم بْن أدهم: تركت خراسان، قَالَ: مَا تهنيت بالعيش إلا فِي بلاد الشام أفر بديني من شاهق إِلَى شاهق، ومن جبل إِلَى جبل، فمن يراني يَقُول: موسوس، ومن يراني يَقُول: حمال.
عَنْ أَحْمَد [١] بْن أبي الحواري قَالَ: سمعت أَحْمَد بْن داود يَقُول: مر يزيد [٢] بإبراهيم بْن أدهم وَهُوَ ينظر كرما، فَقَالَ: ناولني من هَذَا العنب، فَقَالَ: مَا أذن لي صاحبه، فقلت: السوط، وجعل يقنع رأسه فطأطأ إِبْرَاهِيم [٣] رأسه، وَقَالَ: اضرب رأسا طال مَا عصى اللَّه. قَالَ: فأعجز الرجل عنه.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد قَالَ: أَخْبَرَنَا حمد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الحسين بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد الجرجاني قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَلِيّ الطوسي قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَد بن سعيد الدارمي قال: حدثنا محبوب بن موسى قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيّ بْن بكار قَالَ: كنا جلوسا بالمصيصة وفينا إِبْرَاهِيم بْن أدهم، فقدم رجل من خراسان فَقَالَ: أيكم إِبْرَاهِيم بْن أدهم، فَقَالَ القوم: هَذَا. قَالَ: إن إخوتك بعثوني إليك، فلما/ سمع بذكر إخوته قام فأخذ بيده فنحّاه، فقال: ما جاء بك؟ فَقَالَ: أنا مملوك معي فرس وبغلة وعشرة ١٠٩/ ب آلاف درهم، بعث بها إليك إخوتك، قَالَ: إن كنت صادقا فأنت حر، وما معك لك، اذهب فلا تخبر أحدا. فذهب.
عَنْ أحمد [٤] بن أبي الحواري قال: سمعت أبا علي الجرجاني يحدّث أبا
стр. 2825
سُلَيْمَان الداراني قَالَ: صلى إِبْرَاهِيم بْن أدهم خمس عشرة صلاة بوضوء واحد.
قَالَ مؤلف الكتاب ﵀ [١] : اقتصرت ها هنا عَلَى مَا ذكرت من أخباره، لأني قَدْ جمعت أخباره فِي مجلد فكرهت الإعادة فِي التواليف [٢] .
تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيم بالجزيرة، وحمل إِلَى صور فدفن هُنَاكَ.
٨٦٠- الْحَسَن بْن أبي جَعْفَر، أَبُو سَعِيد الجعفري واسم جَعْفَر: عجلان .
أسند عَنْ أبي الزُّبَيْر، وثابت الْبُنَانِيّ، وغيرهما.
أَخْبَرَنَا ابْن ناصر قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد بن العباس قال:
حدثنا سلمة بْن شبيب قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الجنيد قَالَ: حَدَّثَنَا القواريري قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ التمار قَالَ: غدوت يوما قبل الفجر إِلَى مسجد الجفري، فإذا باب المسجد مغلق، وإذا حسن جالس يدعو، وإذا ضجة فِي المسجد وجماعة يؤمنون عَلَى دعائه فقام فأذن وفتح باب المسجد، فدخلت، فلم أر فِي المسجد أحدا، فلما أصبح وتفرق عنه الناس، قلت لَهُ: يا أبا سَعِيد، إني والله رأيت عجبا، قَالَ: وما رأيت؟ فأخبرته بالذي رأيت وسمعت، قَالَ: أولئك جن من أَهْل نصيبين يجيئون فيشهدون معي ختم القرآن كل ليلة جمعة.
٨٦١- زمعة بْن صالح المكي [٣] .
روى عَنْ سلمة بن وهرام، وابن طاووس. وروى عنه: وكيع.
أَخْبَرَنَا عَبْد الوهاب بْن المبارك قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَن بْن عَبْد الجبار قَالَ:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الدقاق قال: أخبرنا ١١٠/ أأبو الحسين بْن صفوان قَالَ: أَخْبَرَنَا/ أَبُو بكر القرشي قَالَ: حَدَّثَنِي المفضل بْن غسان، عَنْ مؤمل بْن إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدَّثَنَا القاسم بْن راشد الشيباني قَالَ: كَانَ زمعة نازلا عندنا، وَكَانَ لَهُ أَهْل وبْنات، وَكَانَ يقوم فيصلي ليلا طويلا، فإذا كَانَ السحر نادى بأعلى صوته:
стр. 2826
أيُّها الركب المعرسون، أكل هَذَا الليل ترقدون، ألا تقومون، فترحلون. فيسمع من هاهنا باك، ومن هاهنا داع، ومن هاهنا قارئ، ومن هاهنا متوضئ. فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته: عند الصباح يحمد القوم السرى.
٨٦٢- سليمان الخواص .
كَانَ من المتعبدين الفطناء أَخْبَرَنَا أَبُو بكر العامري قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الْغَفَّارِ بْن مُحَمَّد الشيروي قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن باكويه قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن سَعِيد الأموي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سهل الكرماني قَالَ: حَدَّثَنَا يوسف بْن موسى المروزي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سلام قَالَ:
سمعت يزيد بْن سَعِيد يَقُول: دخل سَعِيد بْن عَبْد العزيز عَلَى سليمان الخواص فَقَالَ لَهُ:
أراك فِي ظلمة، قَالَ: ظلمة القبر أشد من هَذَا. قَالَ: أراك وحدك. قَالَ: إن للصاحب عَلَى الصاحب حقا فخفت أن لا أقوم بحق صاحبي، قَالَ: فأخرج سَعِيد صرة فِيهَا شيء، فَقَالَ لَهُ: تنفق هَذَا، وأنا أحلها لك بين يدي اللَّه تعالى، إنه حلال. قَالَ: لا حاجة لي فِيهَا، فَقَالَ لَهُ: رحمك اللَّه مَا ترى مَا الناس فِيهِ دعوة. قَالَ: فصرخ سليمان صرخة، ثُمَّ قَالَ: مالك يا سَعِيد فتنتني بالدنيا وتفتني بالدين، ما لي وللدعاء من أَنَا، فخرج سَعِيد، فأخبر بما كَانَ الأوزاعي، فَقَالَ الأوزاعي: دعوا سليمان، لو كَانَ سليمان من الصحابة كَانَ مثلا.
٨٦٣- شعبة بْن الحجاج بْن الورد، أَبُو بسطام العتكي مولاهم، واسطي الأصل بصري الدار [١] .
ولد بواسط سنة ثلاث ومائتين، ونشأ بها، وانتقل إِلَى البصرة، ورأى الحسن، وابن سيرين، وسمع قتادة، ويونس بْن عبيد، وأيوب السجستاني، وخالد الحذاء، وعبد الملك بن عمير، وأبا إسحاق/ السبيعي، وطلحة بن مصرف، ومنصور بن ١١٠/ ب المعتمر، والأعمش وغيرهم.
وقد روى عنه: أيوب، والأعمش، وابن عيينة، وابن المهدي، وكان أكبر من سفيان الثوري بعشر سنين، وكان عالما حافظا للحديث صدوقا زاهدا متعبدا، عارفا بالشعر.
стр. 2827
قَالَ الأصمعي: لم نر أحدا أعلم بالشعر من شعبة.
أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو القاسم عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مُحَمَّد السراج قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو منصور مُحَمَّد بْن القاسم الضبعي قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرو الخفاف قَالَ: حَدَّثَنَا الدوري قَالَ: حَدَّثَنَا قرار أَبُو نوح قَالَ: رأى علي شعبة قميصا فَقَالَ: بكم أخذت هَذَا؟ قلت: بثمانية دراهم. قَالَ: ويحك، أما تتقي اللَّه تلبس قميصا بثمانية دراهم [١] ؟ ألا اشتريت قميصا بأربعة دراهم، وتصدقت بأربعة [٢] .
قَالَ الضبعي: وحدثنا أَبُو عَمْرو أَحْمَد بْن مُحَمَّد الحيري قَالَ: حَدَّثَنَا أبي قَالَ:
سمعت مُحَمَّد بْن مُعَاوِيَة وسليمان بْن حرب إِلَى جنبه يَقُول: خرج الليث بْن سعد يوما فقوموا ثيابه ودابته وخاتمه وما كَانَ عليه ثمانية عشر ألف درهم إِلَى عشرين ألفا، فَقَالَ سليمان بن حرب: خرج شعبة يوما فقوموا حماره وسرجه ولجامه بثمانية عشر درهما إِلَى عشرين درهما [٣] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرني الأزهري قال: حدثنا محمد بن الْعَبَّاس قَالَ: حَدَّثَنَا [أَبُو عَبْد اللَّه بْن مغلس] قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ الفلاس قَالَ: سمعت أبا بحر البكراوي يَقُول: مَا رأيت أعبد للَّه من شعبة، لقد عَبْد اللَّه حَتَّى جف جلده عَلَى عظمه ليس بينهما لحم [٤] .
قَالَ مؤلف الكتاب [٥] : كَانَ شعبة متشاغلا بالعلم، لا يكسب شيئا من الدنيا، وَكَانَ لَهُ إخوة يقومون بأموره، فاشترى أحد أخوته طعاما من السلطان فخسر فِيهِ، فقدم شعبة على المهدي في ذلك فعابه بالدخول عليهم سفيان الثوري، فَقَالَ شعبة: هو لم يحبس أخوه.
١١/ أأخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت/ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَلي بْن مخلد قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بْن محمد بْن عمران قال: أخبرنا محمد بن يحيى
стр. 2828
الصولي قَالَ: حَدَّثَنَا المبرد قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن الفرج الرياشي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عاصم قَالَ: اشترى أخ لشعبة من طعام السلطان فخسر هو وشركاؤه، فحبس عَلَى [١] ستة آلاف دينار تخصه، فخرج شعبة إِلَى المهدي ليكلمه فِيهِ فلما دخل عليه قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أنشدني قَتَادَة وسماك بْن حرب لأمية بْن أبي الصلت:
أأذكر حاجتي أم قَدْ كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
كريم لا يغيره صباح ... عَنِ الخلق الكريم ولا مساء
فأرضك أرض مكرمة بْنتها ... بْنو تيم وأنت لهم سماء
فَقَالَ: لا يا أبا بسطام، لا تذكرها، قَدْ عرفناها وقضيناها لك، ادفعوا إِلَيْهِ أخاه، ولا تلزموه شيئا [٢] .
أَخْبَرَنَا القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الحافظ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه المعدل قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق السراج قَالَ: سمعت بعض أصحابْنا يَقُول: وهب المهدي لشعبة ثلاثين ألف درهم فقسمها، وأقطعه ألف جريب بالبصرة، فقدم البصرة فلم يجد شيئا يطيب لَهُ فتركها ولم يرجع [٣] .
تُوُفِّيَ شعبة بالبصرة فِي هذه السنة وَهُوَ ابْن سبع وسبعين سنة.
٨٦٤- عَبْد اللَّه بْن صفوان الجمحي [٤] .
والي المدينة. تُوُفِّيَ فولي مكانه زفر بْن عاصم.
٨٦٥- عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَبْد اللَّه بْن عتبة بْن عَبْد اللَّه بْن مسعود الهذلي المسعودي [٥] .
سمع القاسم بْن عَبْد الرَّحْمَنِ، وسلمة بْن كهيل وعاصم بْن بهدلة وغيرهم.
روى عنه: الثوري، وشعبة، وابْن عتبة، ووكيع ويزيد بن هارون وغيرهم.
стр. 2829
قَالَ الأثرم: سئل أَبُو عَبْد اللَّه أَحْمَد بْن حنبل عَنْ أبي عمير وَعَبْد الرَّحْمَنِ المسعودي: أيهما أحب إليك؟ قَالَ: كلاهما ثقة، المسعودي عَبْد الرَّحْمَنِ أكثرهما ١١١/ ب حديثا، قيل: لَهُ إخوة؟ قَالَ: نعم. قيل لَهُ: هما من/ ولد عَبْد اللَّه بْن مسعود أو من ولد عتبة؟ فَقَالَ: هما من ولد عبيد الله بن عتبة بْن مسعود، وابْن عتبة بْن عَبْد اللَّه بْن مسعود، فَقَالَ: ابْن عتبة بْن عَبْد اللَّه بْن مسعود.
قَالَ: وَقَالَ رجل للمسعودي: إنك من ولد عتبة بْن مسعود فغضب، وَقَالَ: أنا من ولد عَبْد اللَّه بْن مسعود. وقد اتفقوا عَلَى أن عَبْد الرَّحْمَنِ ثقة، وإنما ذكروا أنه اختلط في آخر عمره.
تُوُفِّيَ سنة ستين، وقيل: سنة خمس وستين، والأول أصح.
стр. 2830
ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة
فمن الحوادث فِيهَا:
خروج حكيم المقنع بخراسان من قرية من قرى مرو، وَكَانَ فيما ذكر يَقُول بتناسخ الأرواح، فاستغوى بشرا كثيرا، وسار إِلَى مَا وراء النهر، فوجه المهدي لقتاله عدة من قواده، فيهم مُعَاذ بْن سالم وَهُوَ يومئذ عَلَى خراسان، ومعه عقبة بْن سالم، وجبرئيل بْن يَحْيَى، وليث مولى المهدي، ثُمَّ أفرد المهدي لمحاربته سَعِيد الحرشي، وضم إِلَيْهِ هؤلاء القواد، فابتدأ المقنع يجمع الطعام فِي قلعة بكش عدة للحصار [١] .
وَفِيهَا: ظفر بِشْر بْن مُحَمَّد بْن الأشعث الخزاعي بعَبْد اللَّه بْن مروان بالشام، فقدم به عَلَى المهدي ولم يعرض لَهُ [٢] .
وَفِيهَا: غزا الصائفة ثمامة بْن الوليد، وخرج إِلَى الروم، وأصيب من المسلمين عدة [٣] .
وَفِيهَا: أمر المهدي ببْناء القصور بطريق مكة أوسع من القصور الَّتِي كَانَ أَبُو الْعَبَّاس بْناها من القادسية إِلَى زبالة، وأمر بالزيادة فِي قصور أبي الْعَبَّاس، وترك منازل أبي جَعْفَر الَّتِي كَانَ بْناها عَلَى حالها، وأمر باتخاذ المصانع فِي كل منهل، وبتجديد الأميال والبرد، وحفر الركايا مَعَ المصانع، وولى ذلك يقطين بْن موسى، فلم يزل ذلك إِلَيْهِ إِلَى سنة إحدى وسبعين ومائة، وَكَانَ خليفة يقطين فِي ذلك أخوه أبو موسى [٤] .
стр. 2831
١١٢/ أوفيها: / أمر المهدي بالزيادة فِي المسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد الجامع بالبصرة، فزيد فِي مقدمته مما يلي القبلة، وعن يمينه مما يلي رحبة بْني سليم [١] ، وولى ذلك مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان، وَهُوَ يومئذ والي البصرة.
وَفِيهَا [٢] : أمر المهدي بْنزع المقاصير، وتقصير المنابر وتصييرها إِلَى المقدار الَّذِي عليه مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [اليوم] [٣] ، وكتب بذلك إِلَى الآفاق فعمل به [٤] .
وَفِيهَا: أمر المهدي يعقوب بْن داود بتوجيه الأمناء فِي جميع الآفاق، ففعل وَكَانَ لا ينفذ للمهدي كتاب [٥] إِلَى عامل فيجوز حَتَّى يكتب يعقوب إِلَى ثقته وأمينه بإنفاذ ذلك [٦] .
وَفِيهَا: اتضعت منزلة أبي عبيد اللَّه وزير المهدي، وسبب ذلك أن الموالي كانوا يشنعون عليه عند المهدي ويحرضونه عليه، ولما رأى أَبُو عبيد اللَّه غلبة [٧] الموالي عَلَى المهدي، وخلوتهم به، ضم إِلَى المهدي رجالا من قبائل شتى من أَهْل الأدب والعلم وكانوا فِي صحابته، ولم يكونوا ليدعوا الموالي يخلون به، ولما تولى الربيع أمر البيعة للمهدي وقدم عَلَى أبي عبيدة، فلم يتحرك لَهُ ولم يكرمه ولم يسأله كيف كَانَ أمر البيعة، فابتدأ الربيع يحدثه، فَقَالَ: قَدْ بلغنا نبأكم، فخرج الربيع مجتهدا فِي أذى أبي عبيد اللَّه، فاتهم ابنه مُحَمَّد ببعض حرم المهدي، حَتَّى استحكمت الظنة عند المهدي بمحمد بْن أبي عُبَيْد اللَّه، فأمر فأحضر، فَقَالَ: يا مُحَمَّد، اقرأ، فاستعجمت عليه القراءة، فَقَالَ: يا معاوية، ألم تعلمني أن ابْنك جامع للقرآن، فَقَالَ: بلى، ولكن فارقني منذ سنين فنسي، فَقَالَ: قم فتقرب إِلَى الله تعالى بدمه. فذهب يقوم فوقع، فَقَالَ الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد: إن رأيت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أن تعفي الشَّيْخ، ففعل، وأمر به فضربت عنقه، ثُمَّ اتهم المهدي أبا عُبَيْد اللَّه فِي نفسه فَقَالَ لَهُ الرَّبِيع، قتلت ابْنه وليس ينبغي أن
стр. 2832
يوثق به فأوحش المهدي/ منه واشتفى الربيع [١] .
وروى القاسم بْن الربيع قَالَ: دخل الربيع عَلَى المهدي وأبو عبيد اللَّه يعرض عليه كتبا، فقال لَهُ أَبُو عُبَيْد اللَّه: مر هَذَا أن [٢] يتنحى- يعني الربيع- فَقَالَ لَهُ: تنح، قَالَ: لا أفعل قال: كأنك تراني بالعين الأولى، قَالَ: لا بل أراك بالعين الَّتِي أنت بها، قَالَ: فلم لا تتنحى إذ أمرتك، قَالَ: أنت ركن الإسلام، وقد قتلت ابْن هَذَا، فلا آمن أن يكون معه حديدة يغتالك بها، فقام المهدي مذعورا وأمر بتفتيشه فوجد بين جوربه وخفه سكينا، فردت الأمور كلها إلى الربيع، وعزل أَبُو عبيد اللَّه، وولي يعقوب بْن داود مكانه، وَكَانَ بلغ المهدي من قبل الربيع أن ابْن أبي عبيد اللَّه زنديق، فأتي به، فأقر بذلك، فاستتيب فلم يتب، فقتله وصلبه على باب أبي عبيد اللَّه.
أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، عَنْ أبي القاسم عَلِي بْن المحسن التنوخي، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الحسين عَلِيّ بْن هِشَام قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الكاتب المعروف بابْن أبي عُمَر قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُحَمَّد العتابي قَالَ: حَدَّثَنَا خالي أَبُو مُحَمَّد قَالَ: سمعت إِبْرَاهِيم بْن العباسي الصوفي يَقُول: حدثت عَنِ المأمون، عَنِ الرشيد أنه سمع المهدي يقول: بعد زوال أبي عبيد اللَّه [٣] عَنِ الوزارة، وتفويض الأمر إِلَى يعقوب بْن داود، مَا رأيت أحزم ولا أفهم ولا أعف ولا أكفأ من أبي عبيد اللَّه، ولقد كنت أحبه وأجريه مجرى الوالد، ومذ خدمني اجتهدت أن يدعوني إِلَى داره فيمتنع ويزعم أنه لا تتسع همته ولا نعمته لذلك فاعتل، فكتب إلي باستعلاله، وأنه عَلَى الركوب إلي عازم [٤] بعد يوم أو يومين، فسابقته فركبت إِلَيْهِ وقلت: قَدْ كنت أجتهد بك أن تدعوني فتأبى، وقد جئتك جامعا للعيادة والتهنئة بالعافية والدعوة، فقال: والله يا أمير المؤمنين:
ما لي طعام ولا غلمان ولا زي يصلح لدعوتك، فقلت: قَدْ فرغت لك من ذلك وتقدمت إِلَى غلماني بحمل الآلات والطعام، وإنما أردت تشريفك والأنس بك، وجاء الغلمان بالآلات/ وجلسنا فأكلنا وجعل يتحفني بالفاخر من الفرش والآنية والآلات التي في بيته ١١٣/ أهدية لي، فأخذت أحسنها فازداد ابتهاجا، فلما أردت الانصراف قال لي: أريد أن أبكي
стр. 2833
وأنا أتطير أن أبكي بعد انصراف أمير المؤمنين، وأنا أستأذن فِي البكاء بحضرته، وانحدرت دموعه، بعد عقيب الكلام، وبكى بكاء شديدا، فقلت: يا هَذَا، أنا أعلم فيك سخاء نسميه حسن تدبير، فإن كَانَ بك مَا أهديته فهو مردود عَلَيْك. فحلف بأيمان عظيمة أنه مَا بكى لذلك، وَقَالَ: كيف أبكي عَلَى مَا أسر به، حيث جعلتني أهلا لقبوله، قلت: فلم؟ قَالَ: لم يبق مرتبة تنال إلا وقد نلتها وبلغتها بفضل أمير المؤمنين حَتَّى انتهت بي الحال إِلَى أن يعودني أمير المؤمنين أو يهنئني بحال تورده أو يصير إِلَى دعوتي، فلما كَانَ اليوم جمع لي أمير المؤمنين ذلك [١] ، فعلمت أني قَدْ بلغت النهاية وأنه ليس بعدها إلا الانحطاط، فبكيت لذلك فرققت لَهُ، وعلمت فضله، وقلت لَهُ: أما فِي أيامي فأنت آمن من ذاك، واعتقدت أن لا أنكبه، فلما رأى الربيع منزلته حسده، فجد فِي السعاية إلي به، والفساد بيننا، والحيلة عليه، إِلَى أن جرى فِي أمر ابْنه وإقراره بالزندقة مَا لم يسع معه إلا أن يقتل فقتله، وخفت أن يكون قَدِ استوحش لذلك، فلم آمنه عَلَى نفسي، فاحتجت إِلَى صرفه فصرفته وَكَانَ الأمر عَلَى ظنه من النقصان بعد التناهي [٢] .
وَفِيهَا [٣] : غزا الغمر بْن الْعَبَّاس الخثعمي فِي البحر [٤] .
وَفِيهَا: ولي نصر بْن مُحَمَّد بْن الأشعث السند مكان روح بْن حاتم، وشخص إليها، ثُمَّ عزل وولي مكانه مُحَمَّد بْن سليمان، فوجه إليها عَبْد الملك بْن شهاب المسمعي، وأبا نصر بْن مُحَمَّد عَلَى السند، فرجع إِلَى عمله، وإنما أقام بها عَبْد الملك ثمانية عشر يوما ورجع إِلَى البصرة [٥] .
وَفِيهَا استقضى المهدي عافية بْن يزيد الأزدي، فكان هو وابْن غلاثة يقضيان في ١١٣/ أعسكر المهدي بالرصافة، وَكَانَ القاضي/ بالمدينة الشرقية عُمَر بْن حبيب العدوي [٦] .
وَفِيهَا: عزل الفضل بْن صالح عَنِ الجزيرة واستعمل عَلَيْهَا عَبْد الصَّمَدِ بن علي،
стр. 2834
وولي يزيد بْن منصور سواد الكوفة، وحسان الشروي الموصل، وبسطام بْن عُمَر أذربيجان [١] .
وَفِيهَا: صرف أبان بْن صدقة عَنْ هارون بْن المهدي إِلَى موسى بْن المهدي، وجعل كاتبا لَهُ ووزيرا، وجعل مكانه مَعَ هارون يَحْيَى بْن خالد بْن برمك [٢] .
وَفِيهَا: عزل مُحَمَّد بْن سليمان عَنْ مصر فِي ذي الحجة، ووليها سلمة بْن رجاء [٣] .
وَفِيهَا: حج بالناس موسى بْن المهدي وَهُوَ فِي عهد أبيه، وَكَانَ عامل مكة والطائف والمدينة جَعْفَر بْن سليمان، وعامل اليمن عَلِيّ بْن سليمان، وَكَانَ عَلَى صلاة الكوفة وأحداثها إِسْحَاق بْن الصباح الكندي. وعلى سوادها يزيد بْن منصور [٤] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٨٦٦- زند- بالنون [٥]- بْن الجون، أَبُو دلامة الشاعر .
[قَالَ المؤلف] [٦] : ومن قَالَ: زيد [فقد] [٧] صحف، وَكَانَ كوفيا أسود، مولى لبْني أسد، وَكَانَ أبوه عبدا لرجل منهم يقال لَهُ: قصاقص فأعتقه، أدرك آخر بْني أمية- أعني أَبُو دلامة- لكن لم يكن لَهُ نباهه فِي أيامهم ونبغ فِي أيام بْني الْعَبَّاس، فانقطع إِلَى السفاح والمنصور والمهدي، وكانوا يقدمونه ويفضلونه ويستطيبون نوادره، ومدح المنصور، وذكر قتل أبا مسلم فَقَالَ فِيهَا:
أبا مسلم خوفتني القتل فانتحى ... عَلَيْك بما خوفتني الأسد الورد
стр. 2835
أبا مسلم مَا غير اللَّه نعمة ... عَلَى عبده حَتَّى يغيرها العبد
وأنشدها المنصور فِي محفل من الناس فَقَالَ: لَهُ عشرة آلاف درهم، فأمر له بها، فلما خلا به قال لَهُ: أما والله لو تعديتها لقتلتك.
وقد قيل إنه بقي إِلَى خلافة/ الرشيد ولا يثبت. وَكَانَ مطبوعا كثير النوادر.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: سمعت ثعلبا يَقُول: لما ماتت حمادة بْنت عِيسَى امرأة المنصور، وقف المنصور والناس معه عَلَى حفرتها ينتظرون مجيء الجنازة وأبو دلامة، فأقبل عليه المنصور فَقَالَ: يا أبا دلامة مَا أعددت لهذا المصرع؟ قَالَ: حمادة بْنت عِيسَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فأضحك القوم [١] .
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن على قال: أخبرنا أحمد بن مُحَمَّد العتيقي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن دريد قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أخي الأصمعي قَالَ: سمعت الأصمعي يَقُول: أمر المنصور أبا دلامة بالخروج نحو عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ فَقَالَ لَهُ أَبُو دلامة: نشدتك اللَّه يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أن تحضرني شيئا من عساكرك، فإني شهدت تسعة عساكر انهزمت كلها، وأخاف أن يكون عسكرك العاشر.
فضحك منه وأعفاه [٢] .
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن مَخْلَد قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن عمران قَالَ: حَدَّثَنَا تمام بْن المنتصر قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العيناء قَالَ: أَخْبَرَنِي العتابي قَالَ: دخل أَبُو دلامة عَلَى المهدي فطلب كلبا فأعطاه، ثُمَّ قائده فأعطاه، ثُمَّ دابة، ثُمَّ جارية تطبخ الصيد، فأعطاه قَالَ: من يعولها، أقطعني ضيعة أعيش فِيهَا وعيالي. قَالَ: قَدْ أقطعك أمير المؤمنين مائة جريب من العامر، ومائة من الغامر قَالَ: وما الغامر؟ قَالَ: الخراب الَّذِي لا ينبت، قَالَ أَبُو دلامة: قَدْ أقطعت أمير المؤمنين خمسمائة جريب من الغامر أرض بْني أسد، قَالَ: فهل بقيت لك من حاجة، قَالَ: نعم. قَالَ: تأذن لي أن أقبل يدك، قَالَ: ما إلى ذلك سبيل.
стр. 2836
قَالَ: والله مَا رددتني عَنْ حاجة أهون علي فقدا منها [١] .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَاجِّيُّ وحدثنا عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ:
أَخْبَرَنا أَبُو عَبْد اللَّه أَحْمَد بْن أَحْمَد بْن سليمان الواسطي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد الفرضي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرو مُحَمَّد بْن عَبْد الواحد النحويّ/ قال: ١١٤/ ب حَدَّثَنَا ثعلب، عَنْ مُحَمَّد بْن سلّام قَالَ: لقي روح بْن حاتم بعض الحروب فَقَالَ لأبي دلامة- وقد دعاه رجل منهم إِلَى البراز- تقدم إِلَيْهِ، قَالَ: لست بصاحب قتال، قَالَ:
لتفعلن، قَالَ: إني جائع فأطعمني، فدفع إِلَيْهِ خبزا ولحما، وتقدم فهم به الرجل فَقَالَ لَهُ أَبُو دلامة: اصبر يا هَذَا أي محارب تراني؟ ثُمَّ قَالَ: أتعرفني؟ قَالَ: لا، قَالَ: فهل أعرفك؟
قَالَ: لا، قَالَ: فما فِي الدنيا أحمق منا ودعاه للغداء فتغديا جميعا وافترقا، فسأل روح عما فعل، فحدث فضحك، ودعا به، وسأله عَنِ القصة فَقَالَ:
إني أعوذ بروح أن تقدمني ... إِلَى القتال فيخزي بي بْني أسد
إن المهلب حب الموت ورثكم ... ولا ورثت لحب الموت من أحد
٨٦٧- سفيان بْن سَعِيد بْن مسروق، أَبُو عَبْد اللَّه الثوري [٢] .
من أَهْل الكوفة، ولد فِي خلافة سليمان بْن عَبْد الملك وسمع خلقا كثيرا وَكَانَ من كبار أئمة المسلمين، لا يختلف فِي إمامته وأمانته وحفظه وعلمه وزهده.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال: حدثنا عثمان بن أحمد قال: حدثنا سهل بْن عَلِيّ الدوري [٣] قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَلِيّ بْن يزيد الصدائي قَالَ: حَدَّثَنَا البراء بْن رستم قَالَ: سمعت يونس بْن عبيد يَقُول: مَا رأيت أفضل من سفيان الثوري، فَقَالَ لَهُ: يا أبا عَبْد اللَّه رأيت سَعِيد بْن جبير، وإبراهيم [٤] ، وعطاء، ومجاهدا وتقول هَذَا؟ قَالَ: هو مَا أقول، مَا رأيت أفضل من سفيان الثوري [٥] .
стр. 2837
أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن عَلي بْن ثَابِت قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسين بْن عُمَر بْن برهان قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الباقي بْن قانع قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ قَالَ: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مهدي يَقُول: مَا عاشرت فِي الناس رجلا أرق من سفيان الثوري، وكنت أرمقه فِي الليلة بعد الليلة ينهض مرعوبا ينادي: النار النار، شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات [١] .
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن علي/ قال: أخبرنا أبو عبد الله مُحَمَّد بْن عَبْد الواحد قَالَ: أَخْبَرَنَا الوليد بن بكر الأندلسي قال: حدثنا علي بن أحمد بن زكريا الهاشمي قال: حدثنا صالح بن أحمد العجلي قال: حدثني أبي قال:
دخل سفيان على المهدي فقال السلام عليكم، كيف أنتم. ثُمَّ جلس فَقَالَ: حج عُمَر بْن الخطاب [﵁] فأنفق فِي حجته ستة عشر دينارا، وأنت حججت، فأنفقت فِي حجتك بيوت الأموال قَالَ: فأي شيء تريد، أكون مثلك؟ قَالَ: فوق مَا أنا فِيهِ ودون مَا أنت فِيهِ. فَقَالَ وزيره أَبُو عبيد اللَّه: يا أبا عبد الله، قد كانت كتبك تأتينا فننفذها.
قَالَ: من هَذَا؟ قَالَ: أَبُو عبيد اللَّه وزيري. قَالَ: احذره، فإنه كذاب، أنا كتبت إليك. ثُمَّ قام فَقَالَ لَهُ المهدي: إِلَى أين يا أبا عبد الله؟ قال: أعود، وكان قد ترك نعله حين قام، فعاد فأخذها ثُمَّ مضى، فانتظره المهدي فلم يعد، قَالَ: وعدنا أن يعود فلم يعد، قيل:
إنه عاد لأخذ نعله فغضب. وَقَالَ: قَدْ آمن الناس إلا سفيان الثوري، ويونس بْن فروة الزنديق، فإنه لبطلب وإنه لفي المسجد الحرام، فذهب فألقى نفسه بين النساء فجللنه، قيل لَهُ: لم فعلت؟ قَالَ: إنهن أرحم ثُمَّ خرج إِلَى البصرة، فلم يزل بها حَتَّى مات. فلما احتضر قَالَ: مَا أشد الغربة انظروا إليّ هاهنا أحدا من أَهْل بلادي؟ فنظروا فإذا أفضل رجلين من أَهْل الكوفة عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَبْد الملك بْن أبجر، والحسن بْن عياش أخو أبي بكر، فأوصى إِلَى الْحَسَن فِي تركته، وأوصى إِلَى عَبْد الرَّحْمَنِ بالصلاة عليه [٢] .
تُوُفِّيَ بالبصرة في هذه السنة.
قَالَ مؤلف الكتاب وقد أوردت أخبار سفيان الثوري [٣] فِي كتاب كبير، فلهذا اقتصرت هاهنا على هذا المقدار.
стр. 2838
٨٦٨- المؤمل بْن أميل المحاربي الشاعر [١] .
مدح المهدي وله أشعار.
أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قَالَ: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: قرأت على الجوهري، عن أبي عبد الله المرزباني قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس قَالَ: ذكر المؤمل بين يدي المبرد، فَقَالَ: كانوا يقولون المؤمل/ البارد. فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي شعره ذلك [ولكنه] [٢] ١١٥/ ب شاعر، قَالَ: أنشدني لَهُ [٣] عَبْد الصَّمَدِ بْن المعدل:
لا تغضبْن عَلَى قوم تحبهم ... فليس ينجيك من أحبابك الغضب
ولا تخاصمهم يوما وإن ظلموا ... إن القضاة إذا مَا خوصموا غلبوا
يا جائرين علينا فِي حكومتهم ... والجور أعظم مَا يؤتى ويرتكب
لسنا إِلَى غيركم منكم نفر إذا ... جرتم ولكن إليكم منكم الهرب
قَالَ المرزباني: وأخبرني الصولي قَالَ: يقال إن المؤمل لما قَالَ:
شفى المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق لَهُ بصر
عمي فرأى فِي منامه إنسانا يَقُول لَهُ: هَذَا مَا تمنيت [٤] فِي شعرك.
٨٦٩- نصر بْن مالك صاحب الشرطة .
تُوُفِّيَ من فالج أصابه، ودفن فِي مقابر بْني هاشم، وصلى عليه المهدي، وولي الشرطة بعده حمزة بن مالك.
стр. 2839
ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائة
فمن الحوادث فِيهَا:
مقتل عَبْد السَّلامِ الخارجي بقنسرين، وَكَانَ قَدْ خرج بالجزيرة وكثر بها أتباعه، واشتدت شوكته، فلقيه من قواد المهدي عدة فهزمهم، إِلَى أن بعث المهدي إِلَيْهِ جنودا كثيرة، فهرب منهم إِلَى قنسرين فلحقوه فقتلوه بها [١] .
وَفِيهَا: وضع المهدي دواوين الأزمة، وولى عَلَيْهَا عُمَر بْن بزيع مولاه، فولى عُمَر [ابْن بزيع] [٢] النُّعمان بْن عُثْمَان زمام خراج العراق [٣] .
وَفِيهَا: أمر المهدي أن يجري عَلَى المجذمين وأهل السجون فِي جميع الآفاق [٤] .
وَفِيهَا: خرجت الروم إِلَى الحدث فهدموا سورها [٥] .
وَفِيهَا: غزا الْحَسَن بْن قحطبة الصائفة فِي ثمانين ألف مرتزق سوى/ المطوعة، فأكثر التخريب والتحريق فِي بلاد الروم من غير أن يلقى جمعا أو يفتح حصنا، ثم قفل
стр. 2840
بالناس سالمين، وَكَانَ عَلَى قضاء عسكره وما تجمع من الفيء جَعْفَر بْن عُمَر بْن عامر السلمي [١] .
وَفِيهَا: غزا يزيد بْن أبي أسيد السلمي [باب] [٢] قاليقلا فغنم، وافتتح ثلاثة حصون وأصابوا شيئا كثيرا وأسرى [٣] .
وَفِيهَا: عزل عَلِيّ بْن سليمان عَنِ اليمن، وولي مكانه عَبْد اللَّه بْن سليمان، وعزل سلمة بْن رجاء عَنْ مصر ووليها عيسى بْن لقمان فِي المحرم، ثُمَّ عزل فِي جمادى الآخرة ووليها واضح مَوْلَى المهدي، ثُمَّ عزل فِي ذي القعدة ووليها يَحْيَى الحرشي [٤] .
وَفِيهَا: ظهرت المحمرة بحرجان، وعليهم رجل يقال لَهُ: عَبْد الْقَهَّارِ، فغلب عَلَى جرجان وقتل خلقا كثيرا، فغزاه عُمَر بْن العلاء من طبرستان، فقتل عَبْد الْقَهَّارِ وأصحابه [٥] .
وَفِيهَا: حبس المهدي موسى بْن جَعْفَر: فرأى فِي المنام عَلِيّ بْن أبي طالب وهو يَقُول لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا في الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ٤٧: ٢٢ [٦] فأرسل إِلَيْهِ فأطلقه.
وَفِيهَا: حج بالناس إِبْرَاهِيم بْن جَعْفَر بْن المنصور، وَكَانَ الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد استأذن المهدي فِي الحج بعد ذلك، فعاتبه أن لا يكون استأذنه قبل أن يولي الموسم أحدا فيوليه إياه، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عمدا أخرت [ذلك] [٧] لأني لم أرد الولاية.
وكانت عمال الأمصار في هذه السنة عمالها فِي السنة الَّتِي قبلها، غير أن الجزيرة كانت في هذه السنة إِلَى عَبْد الصَّمَدِ بْن عَلِيّ وطبرستان والرويان إِلَى سَعِيد [بْن] دعلج