← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

قَالَ: والله مَا رددتني عَنْ حاجة أهون علي فقدا منها [١] . أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَاجِّيُّ وحدثنا عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنا أَبُو عَبْد اللَّه أَحْمَد بْن أَحْمَد بْن سليمان الواسطي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد الفرضي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرو مُحَمَّد بْن عَبْد الواحد النحويّ/ قال: ١١٤/ ب حَدَّثَنَا ثعلب، عَنْ مُحَمَّد بْن سلّام قَالَ: لقي روح بْن حاتم بعض الحروب فَقَالَ لأبي دلامة- وقد دعاه رجل منهم إِلَى البراز- تقدم إِلَيْهِ، قَالَ: لست بصاحب قتال، قَالَ: لتفعلن، قَالَ: إني جائع فأطعمني، فدفع إِلَيْهِ خبزا ولحما، وتقدم فهم به الرجل فَقَالَ لَهُ أَبُو دلامة: اصبر يا هَذَا أي محارب تراني؟ ثُمَّ قَالَ: أتعرفني؟ قَالَ: لا، قَالَ: فهل أعرفك؟ قَالَ: لا، قَالَ: فما فِي الدنيا أحمق منا ودعاه للغداء فتغديا جميعا وافترقا، فسأل روح عما فعل، فحدث فضحك، ودعا به، وسأله عَنِ القصة فَقَالَ: إني أعوذ بروح أن تقدمني ... إِلَى القتال فيخزي بي بْني أسد إن المهلب حب الموت ورثكم ... ولا ورثت لحب الموت من أحد ٨٦٧- سفيان بْن سَعِيد بْن مسروق، أَبُو عَبْد اللَّه الثوري [٢] . من أَهْل الكوفة، ولد فِي خلافة سليمان بْن عَبْد الملك وسمع خلقا كثيرا وَكَانَ من كبار أئمة المسلمين، لا يختلف فِي إمامته وأمانته وحفظه وعلمه وزهده. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال: حدثنا عثمان بن أحمد قال: حدثنا سهل بْن عَلِيّ الدوري [٣] قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَلِيّ بْن يزيد الصدائي قَالَ: حَدَّثَنَا البراء بْن رستم قَالَ: سمعت يونس بْن عبيد يَقُول: مَا رأيت أفضل من سفيان الثوري، فَقَالَ لَهُ: يا أبا عَبْد اللَّه رأيت سَعِيد بْن جبير، وإبراهيم [٤] ، وعطاء، ومجاهدا وتقول هَذَا؟ قَالَ: هو مَا أقول، مَا رأيت أفضل من سفيان الثوري [٥] .

стр. 2837

أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن عَلي بْن ثَابِت قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسين بْن عُمَر بْن برهان قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الباقي بْن قانع قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ قَالَ: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مهدي يَقُول: مَا عاشرت فِي الناس رجلا أرق من سفيان الثوري، وكنت أرمقه فِي الليلة بعد الليلة ينهض مرعوبا ينادي: النار النار، شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات [١] . أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن علي/ قال: أخبرنا أبو عبد الله مُحَمَّد بْن عَبْد الواحد قَالَ: أَخْبَرَنَا الوليد بن بكر الأندلسي قال: حدثنا علي بن أحمد بن زكريا الهاشمي قال: حدثنا صالح بن أحمد العجلي قال: حدثني أبي قال: دخل سفيان على المهدي فقال السلام عليكم، كيف أنتم. ثُمَّ جلس فَقَالَ: حج عُمَر بْن الخطاب [﵁] فأنفق فِي حجته ستة عشر دينارا، وأنت حججت، فأنفقت فِي حجتك بيوت الأموال قَالَ: فأي شيء تريد، أكون مثلك؟ قَالَ: فوق مَا أنا فِيهِ ودون مَا أنت فِيهِ. فَقَالَ وزيره أَبُو عبيد اللَّه: يا أبا عبد الله، قد كانت كتبك تأتينا فننفذها. قَالَ: من هَذَا؟ قَالَ: أَبُو عبيد اللَّه وزيري. قَالَ: احذره، فإنه كذاب، أنا كتبت إليك. ثُمَّ قام فَقَالَ لَهُ المهدي: إِلَى أين يا أبا عبد الله؟ قال: أعود، وكان قد ترك نعله حين قام، فعاد فأخذها ثُمَّ مضى، فانتظره المهدي فلم يعد، قَالَ: وعدنا أن يعود فلم يعد، قيل: إنه عاد لأخذ نعله فغضب. وَقَالَ: قَدْ آمن الناس إلا سفيان الثوري، ويونس بْن فروة الزنديق، فإنه لبطلب وإنه لفي المسجد الحرام، فذهب فألقى نفسه بين النساء فجللنه، قيل لَهُ: لم فعلت؟ قَالَ: إنهن أرحم ثُمَّ خرج إِلَى البصرة، فلم يزل بها حَتَّى مات. فلما احتضر قَالَ: مَا أشد الغربة انظروا إليّ هاهنا أحدا من أَهْل بلادي؟ فنظروا فإذا أفضل رجلين من أَهْل الكوفة عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَبْد الملك بْن أبجر، والحسن بْن عياش أخو أبي بكر، فأوصى إِلَى الْحَسَن فِي تركته، وأوصى إِلَى عَبْد الرَّحْمَنِ بالصلاة عليه [٢] . تُوُفِّيَ بالبصرة في هذه السنة. قَالَ مؤلف الكتاب وقد أوردت أخبار سفيان الثوري [٣] فِي كتاب كبير، فلهذا اقتصرت هاهنا على هذا المقدار.

стр. 2838

٨٦٨- المؤمل بْن أميل المحاربي الشاعر [١] . مدح المهدي وله أشعار. أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قَالَ: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: قرأت على الجوهري، عن أبي عبد الله المرزباني قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس قَالَ: ذكر المؤمل بين يدي المبرد، فَقَالَ: كانوا يقولون المؤمل/ البارد. فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي شعره ذلك [ولكنه] [٢] ١١٥/ ب شاعر، قَالَ: أنشدني لَهُ [٣] عَبْد الصَّمَدِ بْن المعدل: لا تغضبْن عَلَى قوم تحبهم ... فليس ينجيك من أحبابك الغضب ولا تخاصمهم يوما وإن ظلموا ... إن القضاة إذا مَا خوصموا غلبوا يا جائرين علينا فِي حكومتهم ... والجور أعظم مَا يؤتى ويرتكب لسنا إِلَى غيركم منكم نفر إذا ... جرتم ولكن إليكم منكم الهرب قَالَ المرزباني: وأخبرني الصولي قَالَ: يقال إن المؤمل لما قَالَ: شفى المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق لَهُ بصر عمي فرأى فِي منامه إنسانا يَقُول لَهُ: هَذَا مَا تمنيت [٤] فِي شعرك. ٨٦٩- نصر بْن مالك صاحب الشرطة . تُوُفِّيَ من فالج أصابه، ودفن فِي مقابر بْني هاشم، وصلى عليه المهدي، وولي الشرطة بعده حمزة بن مالك.

стр. 2839

ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائة فمن الحوادث فِيهَا: مقتل عَبْد السَّلامِ الخارجي بقنسرين، وَكَانَ قَدْ خرج بالجزيرة وكثر بها أتباعه، واشتدت شوكته، فلقيه من قواد المهدي عدة فهزمهم، إِلَى أن بعث المهدي إِلَيْهِ جنودا كثيرة، فهرب منهم إِلَى قنسرين فلحقوه فقتلوه بها [١] . وَفِيهَا: وضع المهدي دواوين الأزمة، وولى عَلَيْهَا عُمَر بْن بزيع مولاه، فولى عُمَر [ابْن بزيع] [٢] النُّعمان بْن عُثْمَان زمام خراج العراق [٣] . وَفِيهَا: أمر المهدي أن يجري عَلَى المجذمين وأهل السجون فِي جميع الآفاق [٤] . وَفِيهَا: خرجت الروم إِلَى الحدث فهدموا سورها [٥] . وَفِيهَا: غزا الْحَسَن بْن قحطبة الصائفة فِي ثمانين ألف مرتزق سوى/ المطوعة، فأكثر التخريب والتحريق فِي بلاد الروم من غير أن يلقى جمعا أو يفتح حصنا، ثم قفل

стр. 2840

بالناس سالمين، وَكَانَ عَلَى قضاء عسكره وما تجمع من الفيء جَعْفَر بْن عُمَر بْن عامر السلمي [١] . وَفِيهَا: غزا يزيد بْن أبي أسيد السلمي [باب] [٢] قاليقلا فغنم، وافتتح ثلاثة حصون وأصابوا شيئا كثيرا وأسرى [٣] . وَفِيهَا: عزل عَلِيّ بْن سليمان عَنِ اليمن، وولي مكانه عَبْد اللَّه بْن سليمان، وعزل سلمة بْن رجاء عَنْ مصر ووليها عيسى بْن لقمان فِي المحرم، ثُمَّ عزل فِي جمادى الآخرة ووليها واضح مَوْلَى المهدي، ثُمَّ عزل فِي ذي القعدة ووليها يَحْيَى الحرشي [٤] . وَفِيهَا: ظهرت المحمرة بحرجان، وعليهم رجل يقال لَهُ: عَبْد الْقَهَّارِ، فغلب عَلَى جرجان وقتل خلقا كثيرا، فغزاه عُمَر بْن العلاء من طبرستان، فقتل عَبْد الْقَهَّارِ وأصحابه [٥] . وَفِيهَا: حبس المهدي موسى بْن جَعْفَر: فرأى فِي المنام عَلِيّ بْن أبي طالب وهو يَقُول لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا في الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ٤٧: ٢٢ [٦] فأرسل إِلَيْهِ فأطلقه. وَفِيهَا: حج بالناس إِبْرَاهِيم بْن جَعْفَر بْن المنصور، وَكَانَ الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد استأذن المهدي فِي الحج بعد ذلك، فعاتبه أن لا يكون استأذنه قبل أن يولي الموسم أحدا فيوليه إياه، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عمدا أخرت [ذلك] [٧] لأني لم أرد الولاية. وكانت عمال الأمصار في هذه السنة عمالها فِي السنة الَّتِي قبلها، غير أن الجزيرة كانت في هذه السنة إِلَى عَبْد الصَّمَدِ بْن عَلِيّ وطبرستان والرويان إِلَى سَعِيد [بْن] دعلج

стр. 2841

وجرجان إِلَى المهلهل بْن صفوان [١] . ومصر فِي آخر السنة إِلَى يَحْيَى الحرشي كما تقدم [٢] . ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٨٧٠- إبراهيم بن أدهم العجليّ كوفي . ١١٦/ ب ليس بالزاهد المشهور، قدم مصر زائر لرشدين [ين بن] / سعد حفظ عنه. تُوُفِّيَ في هذه السنة، وقيل سنة ثلاث. ٨٧١- إسرائيل بْن يونس بْن أبي إِسْحَاق السبيعي. واسم أبي إِسْحَاق: عَمْرو بْن عَبْد اللَّه الهمداني وسبيع الَّذِي نسب إِلَيْهِ هو صعب بْن معاوية بْن كثير بْن مالك، وإسرائيل: يكنى أبا يوسف، وَهُوَ كوفي [٣] . سمع جده أبا إِسْحَاق، وسماك بْن حرب، ومنصور بْن المعتمر، والأعمش. روى عنه: وكيع، وابْن مهدي، وأبو نعيم. قَالَ: يَحْيَى ثقة، وَقَالَ علي: هو ضعيف. تُوُفِّيَ في هذه السنة. وقيل: سنة إحدى وستين. وقيل سنة ستين. ٨٧٢- سفيان بْن حسين بْن حسن مولى بْني سليم. وقيل: مولى عَبْد الرَّحْمَنِ بْن سمرة، ويكنى أبا مُحَمَّد، ويقال: أبا الْحَسَن [٤] . حدث عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ، وابْن سيرين، والزهري، وَكَانَ ثقة. روى عَنْ شعبة، وهشيم، ويزيد بْن هارون، وَكَانَ من أَهْل واسط، فقدم إلى بغداد فضمه المنصور إلى المهدي، فعلمه وخرج معه إِلَى الري. وتوفي بالري في خلافة المهدي.

стр. 2842

٨٧٣- عباد بْن عباد أَبُو عتبة الخواص [١] . [قَالَ المؤلف] [٢] : كذلك ذكره البخاري وغيره، وقد اشتهر بأبي عبيدة الخواص، [٣] كَانَ من أَهْل الوجد والشوق، وأسند الحديث عَنِ [٤] الأوزاعي وغيره. أَخْبَرَنَا أَبُو بكر العامري قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن أبي صادق قَالَ: أخبرنا ابن باكويه قال: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زكريا قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن ماهان الجويني قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى الأزدي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الأعلى بْن سليمان قَالَ: رأيت أبا عبيدة الخواص عَلَى سرته خرقة، وعلى رقبته خرقة، وهو يمشي ويقول: وا شوقاه إلى من يراني ولا أراه. أَخْبَرَنَا سليمان بْن مسعود قَالَ: أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَبْد الْجَبَّارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طالب مُحَمَّد بْن عَلِيّ البيضاوي قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَر بْن سعد قَالَ: حدثني محمد بن الحسين قَالَ: حَدَّثَنَا عبيد اللَّه بْن مُحَمَّد قَالَ: حَدَّثَنَا عقبة بْن فضالة قَالَ: سمعت أبا عبيدة الخواص بعد ما/ كبر وَهُوَ آخذ بلحيته يبكي ويقول: قَدْ كبرت ١١٧/ أفأعتقني. ٨٧٤- عيسى بْن أبي عيسى، واسمه: ماهان، وكنيته: أَبُو جَعْفَر التَّمِيمِيّ [٥] . أصله من مرو، وسكن الري، ومات بها، فنسب إليها، سمع عطاء بْن أبي رباح، وعمرو بْن دينار، وقَتَادَةَ، ومنصور بْن المعتمر، وغيرهم. حدث عنه شعبة، وجرير، ووكيع، وَكَانَ ثقة صدوقا. لكن كَانَ سيئ الحفظ، يهم كثيرا، وَكَانَ صديق سفيان فابتلي بأن صحبهم ولبس السواد، وزامل المهدي إلى مكة فهجره سفيان. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا البرقاني قال: أخبرنا مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الفضل جعفر بن محمد

стр. 2843

الصندلي [١] قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حفص عُمَر بْن ياسر الْعَطَّار، عَنْ بِشْر بْن الحارث قَالَ: كَانَ أَبُو جَعْفَر الرّازيّ صديقا لسفيان الثوري، وكانت لَهُ معه بضاعة، وَكَانَ يكثر الحج، فكان إذا قدم الكوفة تلقاه سفيان من القنطرة، فإذا خرج إِلَى مكة شيعه إِلَى النجف، فقدم سنة من السنين مدينة السلام، فاجتمع إِلَيْهِ الأضراء. فقالوا: يا أبا جَعْفَر، تكلم لنا أمير المؤمنين فإنه قَدْ ولى علينا رجلا يقطع أرزاقنا، ويسيء فيما بيننا وبينه، فلم يجبهم إلى شيء فبلغ ذلك سفيان، فتلقاه عَلَى القنطرة وشيعه حَتَّى جاوز النجف، وزاده فِي البر، فَلَمَّا كَانَ العام المقبل قدم أَبُو جَعْفَر وَهُوَ يريد الحج، فاجتمع إِلَيْهِ الأضراء وكلموه بما كلموه به فِي العام الماضي، فرق لهم، فأتى باب الذهب فَقَالَ للحاجب استأذن لي عَلَى أمير المؤمنين فأخبره أن بالباب أبا جَعْفَر الرازي، فأسرع الرسول أن أدخل، فدخل على المنصور، فأكرمه بغاية الكرامة، وجعل يسأله عَنْ أحواله ويسأله هل لَهُ حاجة، فَقَالَ: نعم، فقص عليه قصة الأضراء، فَقَالَ: يعزل عنهم كاتبهم، وولي عليهم من أحبوا، ١١٧/ ب ونأمر لأبي جَعْفَر بعشرة آلاف/ [درهم] [٢] لسؤاله إيانا هَذِهِ الحاجة، فلما صارت الدراهم بيده سقط في يديه، وعلم أنه قد أخطأ، فجلس بسور القصر، ثُمَّ دعا بخرق وجعلها صررا، وفرقها عَلَى قوم، فنفض ثوبه وليس معه منها شيء، فبلغ ذلك سفيان الثوري، فلما دخل أبو جعفر الرازيّ الكوفة توارى سفيان فطلبه، فلم يقدر عليه، وسأل عنه، فلم يدل عليه فانتقض عليه [٣] لذلك بعض إخوان سفيان فقال له: ألك إِلَيْهِ حاجة؟ فَقَالَ: نعم، فَقَالَ: اكتب كتابا وادفعه إلي أوصله لك إِلَيْهِ، فكتب كتابا ودفعه إليه. قَالَ: فصرت بالكتاب إِلَى سفيان، فإذا أنا به فِي غرفة وإذا هو مستلق عَلَى قفاه مستقبل القبلة، فسلمت عليه، وأظهرت الكتاب، وقلت: كتاب أبي جَعْفَر الرازي، فَقَالَ: أقرأه، فقرأته، فَقَالَ لي: اكتب جوابه فِي ظهره. فكتبت: بسم الله الرحم الرحيم: وقلت: ماذا أكتب؟ قَالَ: أكتب لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ ٥: ٧٨ [٤] إِلَى آخر الآية..، اردد إلينا بضاعتنا لا حاجة لنا في أرباحها. قال: فأتيته بالكتاب والناس إذ ذاك متوافرون بالكوفة، فنظر في الكتاب، فأجمع رأيهم على أنهم يوجهون بكتابين إِلَى ابْن أبي ليلى، ولا يعلمونه ممن الكتاب ولا من صاحب الجواب ليعرفوا مَا عنده من الرأي، فوجهوا بالكتابين، فنظر فيهما، فقال:

стр. 2844

أما الأول: فكتاب رجل مداهن، وأما الجواب فجواب رجل يريد اللَّه بفعله [١] . ٨٧٥- مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المطلب [٢] . كَانَ فاضلا دينا وعاقلا لبيبا مشهورا بالجود والمروءة، وَكَانَ لَهُ اختصاص بالمنصور. أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عبيد اللَّه بن أبي الفتح قال: أخبرنا أحمد بن إِبْرَاهِيم البزاز قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عرفة قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْعَبَّاس المنصوري، عَنْ يَحْيَى بْن زكريا مولى/ عَلِيّ بْن عبيد ١١٨/ أالله عَنْ أبيه قَالَ: كَانَ المنصور يعجب بمحمد بْن جَعْفَر بْن عبيد اللَّه بْن الْعَبَّاس بمؤانسته ومفاوضته ومداعبته [٣] ويلتذ لمحادثته، وَكَانَ أديبا لبيبا لسنا، وَكَانَ لحسن منزلته عند المنصور، وعظيم قدره عنده تفزع إِلَيْهِ الناس فِي حوائجهم فيكلمه فِيهَا فيقضيها حتى أكثر عليه من الحوائج وأفرط فِيهَا، فأمر الربيع أن يحجبه، فلما حجبه قعد فِي منزله أياما فظمئ المنصور إِلَى رؤيته، وتشوق إِلَى محادثته فَقَالَ: يا ربيع، إن جميع لذات مولاك قَدْ أخلقن [عنده] [٤] ورثثن في عينه سوى لذته من محادثة مُحَمَّد بْن جَعْفَر، فإنها تتجدد عنده فِي كل يوم وقد كدرها علي ما بحملني عليه من حوائج الناس، فاحتل لمولاك فيما كدر عليه من لذته. فقال الربيع: أفعل يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وخرج من عنده، فأتى مُحَمَّد بْن جَعْفَر فعاتبه عَلَى مَا يحمل المنصور عليه من حوائج الناس ويسأله إعفاءه عَنْ ذلك فنضح عَنْ نفسه فيما عاتبه عليه وأجابه أن لا يسأله حاجة لأحد وأمره بالغدو عَلَى المنصور، ورجع إِلَى المنصور فأعلمه بذلك، وبلغ قوما من قريش قدموا العراق بحوائجهم مَا كَانَ من أمر مُحَمَّد بْن جَعْفَر [ومن الربيع، وأنه عازم عَلَى الغدو عَلَى المنصور فكتبوا حوائجهم فِي رقاع ووقفوا بها عَلَى طريق مُحَمَّد بْن جَعْفَر] [٥] . فلما غدا

стр. 2845

يريد المنصور عرضوا لَهُ بها ومتوا إِلَيْهِ بقراباتهم، وتوسلوا [بأرحامهم] [١] . وسألوه إيصال رقاعهم إِلَيْهِ فاعتذر إليهم وسألهم أن يعفوه من ذلك فأبوا وألحوا عليه، فَقَالَ: لست أكلم المنصور فِي حاجة لأحد، فإن أحببتم أن تودعوا رقاعكم كمي فافعلوا فقدموا رقاعهم فِي كمه، ومضى حَتَّى دخل عَلَى المنصور وَهُوَ فِي القبة الخضراء مشرف عَلَى مدينة السلام ودجلة والصراة وما حولها من البساتين والمزارع فعاتبه، فنفح عن نفسه، ثم حادثة ساعة، فقال له المنصور: أما ترى حسن مستشرفنا هَذَا؟ قَالَ: أرى يا أمير المؤمنين ١١٨/ ب فبارك اللَّه لك فيما أتاك وهنأك بإتمام النعمة عَلَيْك فيما أعطاك، فما/ بْنت العرب في دولة الإسلام والعجم في مدة الكفر مدينة أحصن ولا أحسن ولا أجمع للخصال المحمودة منها، وقد سمجتها [٢] فِي عيني يا أمير المؤمنين خصلة، قال: [و] ما هي؟ قَالَ: ليس [لي] [٣] فِيهَا ضيعة. فتبسم، ثم قال: فإنّي أحسنها فِي عينك بثلاث ضياع أقطعك فِي أكنافها فاغد عَلَى أمير المؤمنين يسجل لك بها، فَقَالَ: أنت والله يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سهل الموارد، كريم المصالح، فجعل اللَّه باقي عمرك أكثر من ماضيه، فلقد بررت فأفضلت [٤] ، ووصلت فأجزلت، وأنعمت فأسبغت فبدت الرقاع من كمه وَهُوَ يتشكر لَهُ، فأقبل يردهن فِي كمه ويقول: لترجعن خاسئات، فضحك- يعني الخليفة- وَقَالَ: بحق أمير المؤمنين عَلَيْك لما أخبرت [٥] خبر هَذِهِ الرقاع، فأعلمه. فَقَالَ: أبيت يا ابْن معلم الخير إلا كرما، فف للقوم بضمانك وألقها عَنْ كمك لننظر فِي حوائجهم، فطرحها بين يديه فتصفحها ثم دفعها إِلَى الربيع، ثُمَّ التفت إِلَيْهِ، فتمثل بقول امرئ القيس: لسنا وإن أحسابْنا كرمت ... يوما عَلَى الأحساب نتكل نبْني كما كانت أوائلنا ... تبْني ونفعل مثل مَا فعلوا وَقَالَ: قَدْ قضى أمير المؤمنين حوائجهم، فأمرهم بلقاء الربيع، قال محمد: فخرجت من عنده وقد ربحت وأربحت [٦] .

стр. 2846

ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة فمن الحوادث فِيهَا: هلاك المقنع، وذلك أن سعيدا الحرشي حصره بكش فاشتد عليه الحصار، فلما أحسّ بالهلكة شرب سما وسقاه نساءه، فمات ومتن، فدخل المسلمون قلعته فاجتزوا رأسه ووجهوا به إِلَى المهدي [١] . وَفِيهَا: قطع المهدي البعوث للصائفة عَلَى جميع الأجناد من أَهْل خراسان وغيرهم، وخرج فعسكر بالبردان فأقام بها نحوا من شهرين يتهيأ ويعطي الجنود، وأخرج/ بها صلات لأهل بيته الذين خرجوا معه. وتوفي عيسى بْن عَلِيّ فِي آخر جمادى الآخر [٢] . وخرج المهدي من الغد من البردان متوجها إِلَى الصائفة، واستخلف بمدينة السلام ابْنه مُوسَى، وكاتبه يومئذ أبان بْن صدقة، وعلى خاتمه عَبْد اللَّه بْن علاثة، وعلى حرسه عَلِيّ بْن عِيسَى، وعلى شرطته عَبْد اللَّه بْن خازم، وإنما خرج مشيعا لولده هارون، وضم إِلَيْهِ الربيع، والحسن بْن قحطبة، وخالد بْن برمك، والحسن وسليمان ابْني برمك. ووجه معه عَلَى أمر العسكر ونفقاته والقيام مَعَ ابْنه هارون [٣] بإمرة يَحْيَى بْن خالد، وَكَانَ أمر هارون كله إِلَيْهِ، ففتح الله عليهم فتوحا كثيرة [٤] .

стр. 2847

وفي مسير المهدي مَعَ ابْنه هارون عزل عَبْد الصَّمَدِ بْن عَلِيّ عَنِ الجزيرة وولى مكانه زفر بْن عاصم الهلالي. وَكَانَ السبب أن المهدي سلك فِي سفرته هَذِهِ طريق الموصل وعلى الجزيرة عَبْد الصَّمَدِ، فلما بلغ أرض الجزيرة ولم يتلقه عَبْد الصَّمَدِ ولا هيأ لَهُ، ولا أصلح القناطر، فاضطغن ذلك عليه، فلما لقيه تجهمه وأظهر لَهُ جفاء فبعث إليه عبد الصمد بألطاف لم يرضها، فردها وازداد عليه سخطا، وأغلظ لَهُ، فرد عليه عَبْد الصَّمَدِ، فأمر بحبسه وعزله عَنِ الجزيرة، ولم يزل فِي حبسه إِلَى أن رضي عنه. وأتي المهدي وَهُوَ بحلب بزنادقة فقتلهم وصلبهم وقطع كتبا كانت معهم، ثُمَّ عرض بها جنده، وأمر بالرحلة وأشخص جماعة ومن وافاه [١] من أَهْل بيته مَعَ ابْنه هارون إِلَى الروم وشيع المهدي ابْنه هارون حَتَّى قطع الدروب، وبلغ جيحان وارتاد بها المدينة الَّتِي تسمى المهدية، وودع هارون عَلَى نهر جيحان، فسار هارون حَتَّى نزل رستاقا من رساتيق أرض الروم، فِيهِ قلعة، فأقام عَلَيْهَا ثمانيا وثلاثين ليلة، ونصب عَلَيْهَا المجانيق، ففتحها اللَّه تعالى بعد أن أصاب الناس- يعني أهلها- عطش وجوع، وأصاب المسلمون قتل وجراح، وقفل هارون بالمسلمين [٢] . وفي هَذِهِ السفرة صار المهدي/ إِلَى بيت المقدس فصلى فِيهِ [٣] . وَفِيهَا: ولى المهدي ابْنه هارون المغرب كله وأذربيجان وأرمينية وجعل كاتبه عَلَى الخراج ثَابِت بْن موسى، وعلى رسائله يَحْيَى بْن خالد بْن برمك [٤] . وَفِيهَا: عزل زفر بْن عاصم، عَنِ الجزيرة، وولى مكانه عَبْد اللَّه بْن صالح بْن عَلِيّ. وعزل معاذ بْن مسلم عَنْ خراسان، ووليها المسيب بن زهير، وعزل يحيى الحرشي عَنْ أصبهان، وولى الحكم بن معبد مكانه. وعزل سعيد بن دعلج عَنْ طبرستان والرويان، ووليها عُمَر بن العلاء. وعزل

стр. 2848

مهلهل بْن صفوان عَنْ جرجان، ووليها هِشَام بْن سَعِيد [١] . وَفِيهَا: حج بالناس عَلِيّ بْن المهدي [٢] . وَكَانَ عَلَى مكة والمدينة والطائف واليمامة جعفر [٣] بن سليمان وعلى الصلاة والأحداث بالكوفة إِسْحَاق بْن الصباح الكندي، وعلى قضائها شريك، وعلى البصرة وأعمالها، وكور دجلة والبحرين، وعمان، وكور الأهواز، وكور فارس: مُحَمَّد بْن سليمان، وعلى خراسان المسيب بْن زهير، وعلى السند نصر بْن مُحَمَّد بْن الأشعث [٤] . ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر . ٨٧٦- إبراهيم بْن طهمان، أَبُو سَعِيد الخراساني [٥] . ولد بهراة، ونشأ بْنيسابور، ورحل فِي طلب العلم، فلقي جماعة من التابعين مثل: عَبْد اللَّه بْن دينار مولى ابْن عُمَر، وأبي الزُّبَيْر مُحَمَّد بْن مسلم، وعمرو بْن دينار، وأبي حازم الأعرج، وأبي إِسْحَاق الشيباني. وورد بغداد وحدث بها، ثُمَّ انتقل إِلَى مكة فسكنها إِلَى آخر عمره [٦] . وَكَانَ ثقة صالحا دينا جوادا، وَكَانَ يميل إِلَى الإرجاء. أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أخبرنا محمد بن عُمَر بْن بكير قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسين بْن أَحْمَد قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن ياسين قَالَ: سمعت إِسْحَاق بْن مُحَمَّد يَقُول: قَالَ مالك بْن سليمان: كَانَ لإبراهيم بْن طهمان جراية من بيت المال فاخرة، وَكَانَ يسخو بذلك، فسئل يوما مسألة فِي مجلس الخليفة فَقَالَ: لا أدري. فقالوا لَهُ: تأخذ فِي كل شهر كذا/ وكذا ولا تحسن مسألة؟ قال: إنما آخذه ١٢٠/ أعلى مَا أحسن، ولو أخذت عَلَى مَا لا أحسن لفني بيت المال ولا يفنى مَا لا أحسن.

стр. 2849

فأعجب أمير المؤمنين جوابه، وأمر لَهُ بجائزة فاخرة وزاد فِي جرايته. [١] أَخْبَرَنَا القزاز قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ قال: أخبرنا محمد بْن نعيم قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الفقيه قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن صالح الصيمري قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زرعة قَالَ: سمعت أَحْمَد بْن حنبل- وذكر عنده إِبْرَاهِيم بْن طهمان، وَكَانَ متكئا من علة فاستوى جالسا- وَقَالَ: لا ينبغي أن يذكر الصالحون متكئ، ثُمّ قَالَ أَحْمَد: حَدَّثَنِي رجل من أصحاب ابْن المبارك، قَالَ: رأيت ابْن المبارك فِي المنام [٢] ومعه شيخ مهيب، فقلت: من هَذَا معك؟ قَالَ: أما تعرف؟ هَذَا سفيان الثوري. قلت: من أين أقبلتم؟ قَالَ: نحن نزور كل يوم إِبْرَاهِيم بْن طهمان. قلت [٣] : وأين تزورونه؟ قَالَ: فِي دار الصديقين، دار يَحْيَى بْن زكريّا [٤] . تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيم بْن طهمان بمكة في هذه السنة. ٨٧٧- جرير بْن عثمان بن عفان بن خيبر بْن أَحْمَد بْن أسعد بْن عُثْمَان، وقيل: أبو عون الرحبيّ الحمصي . سمع عَبْد اللَّه بْن بشير صاحب رسول الله ﷺ وخلقا كثيرا من التابعين. روى عنه: إِسْمَاعِيل بْن عياش، وبقية، ويزيد بْن هارون، واتفق العلماء على أنه ثقة ثبت لكنه اتهموه بأنه كَانَ ينتقض لعلي بْن أبي طالب ﵇. أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أبي جَعْفَر قَالَ: أَخْبَرَنَا يوسف بْن أَحْمَد الصيدلاني قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو العقيلي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَلِيّ الخولاني قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن أبان قَالَ: سمعت جرير بْن عُثْمَان يَقُول لأخيه: قتل إياي- يعني عليا ﵇. أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: حدّثنا محمد بن

стр. 2850

عَبْد اللَّه بْن أبان الهيتي قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسين بن عبد الله بن روح الجواليقيّ قَالَ: حَدَّثَنِي هارون بْن رضى مولى مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ/ بْن إِسْحَاق القاضي قَالَ: ١٢٠/ ب حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سنان قَالَ: سمعت يزيد بْن هارون يَقُول: رأيت رب العزة تعالى فِي المنام، فَقَالَ لي: يا أبا يزيد لا تكتب عَنْ جرير بْن عُثْمَان، فقلت: يا رب مَا علمت منه إلا خيرا، فَقَالَ لي: يا أبا يزيد لا تكتب عنه فإنه يسب عليا. أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الحسين بْن مُحَمَّد الأزرق قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الحسين النقاش قَالَ: حَدَّثَنَا مسيح بْن حاتم قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيد بْن شادي الواسطي قَالَ: كنت فِي مجلس أَحْمَد بْن حنبل فَقَالَ لَهُ رجل: يا أبا عبد الله رأيت يزيد بن هارون في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي ورحمني وعاتبني، فقلت: غفر لك ورحمك وعاتبك، فقال: نعم، قَالَ لي: يا يزيد بْن هارون كتبت عَنْ جرير بْن عُثْمَان؟ قلت: يا رب العزة مَا علمت إلا خيرا، قَالَ: إنه كَانَ يبغض أبا الحسن علي بن أبي طالب. [قَالَ المؤلف] : [١] وقد روينا من طريق آخر قَالَ: والله مَا سببته قط وإني أترحم عليه. تُوُفي هذه السنة، وقيل: فِي سنة ست وستين. ٨٧٨- سليمان بْن القاسم بْن عَبْد الرَّحْمَنِ مولى قريش، ثُمَّ مولى لبْني سهم . روى عنه: عَبْد اللَّه بْن وهب وغيره، وَكَانَ من العابدين الزهاد. تُوُفِّيَ في هذه السنة. ٨٧٩- عُثْمَان بْن الحكم الجذامي [٢] . روى عَنْ موسى بْن عقبة وغيره، وَكَانَ فقيها متدينا. عرض عليه القضاء بمصر فلم يقبل. وَكَانَ الليث أشار بولايته فهجر الليث لذلك. تُوُفِّيَ في هذه السنة.

стр. 2851

٨٨٠- عَبْد الْحَمِيدِ بْن سالم مولى مهرة . روى عنه ابْن وهب مقطعات، وَكَانَ كاتبا فِي ديوان مصر فِي خلافة بْني أمية. [قَالَ المؤلف] : [١] وليس بِعَبْدِ الْحَمِيدِ الَّذِي يضرب به المثل فِي الكتابة ذلك كما ذكرنا تُوُفِّيَ قبل هَذَا. وهذا تُوُفِّيَ في هذه السنة. ٨٨١- عَبْد الرَّحْمَنِ بْن خالد بْن يزيد، أَبُو الْحَسَن مولى بْني جمح . روى عنه: الليث، وابْن وهب، ورشدين بْن سعد، وَكَانَ فقيها وهو أوّل من قدم ١٢١/ أ/ بمسائل مالك إلى مصر. وتوفي بالإسكندرية في هذه السنة. ٨٨٢- عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس، عم السفاح المنصور [٢] . حدث عَنْ أبيه، وروى عنه: شيبان بْن عَبْد الرَّحْمَنِ التَّمِيمِيّ، وإليه ينسب ببغداد قصر عيسى ونهر عيسى. قَالَ يَحْيَى بْن معين: كَانَ لَهُ مذهب جميل، وَكَانَ معتزلا للسلطان. أَخْبَرَنَا القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَلِيّ قَالَ: أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيم بْن مخلد قال: أخبرنا إسماعيل بن علي الخطبي قَالَ: تُوُفِّيَ عيسى بْن عَلِيّ فِي سنة ثلاث وستين ومائة، وصلى عليه موسى بْن المهدي، ومشى فِي جنازته من قصر عيسى إِلَى مقابر قريش، وَكَانَ سنة ثمانيا وسبعين سنة ﵀. وفي رواية: أن المهدي عسكر بالبردان فِي سنة أربع وستين يريد الشام، وتوفي عيسى، فرجع من عسكره فصلى عليه فِي مقابر قريش، وعاد إِلَى عسكره [٣] . ٨٨٣- عبيدة بْنت أبي كلاب . بكت من خشية اللَّه أربعين سنة حَتَّى ذهب بصرها. أَخْبَرَنَا عبيد اللَّه بْن عَلِيّ الْمُقْرِئ قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسين بْن أحمد بن طلحة قال:

стр. 2852

أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عبيد اللَّه الحنائي قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ قَالَ: حدثنا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الختلي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن معلى الْكَوفِيّ، عَنْ يَحْيَى بْن بسطام قال: حدّثني سلمة الأفقم قَالَ: قلت لعبيدة بْنت أبي كلاب مَا تشتهي؟ قالت: الموت، قلت: ولم؟ قالت: لأني والله فِي كل يوم أصبح أخشى أن أجني عَلَى نفسي جناية يكون فِيهَا عطبي أيام الآخرة. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَحْمَد قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن هبة اللَّه قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرَان قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن صفوان قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّدً قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الحسين قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْن مرحوم قَالَ: حدثتني عبيدة بْنت أبي كلاب قالت: رأيت رابعة فِي المنام، قلت: مَا فعلت عبيدة بْنت أبي كلاب؟ قالت: هيهات سبقتنا والله إِلَى الدرجات العلى. قلت: وبم وقد كنت عند الناس أكبر منها. قالت: إنها لم تكن تبالي عَلَى مَا أصبحت من الدنيا وأمست. ٨٨٤- مُحَمَّد بْن النضر/ الحارثي، ويكنى أبا عَبْد الرَّحْمَنِ . كَانَ كثير التعبد مؤثرا للعزلة. أَخْبَرَنَا أَبُو بكر العامري قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي صادق قال: أخبرنا ابن باكويه قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يوسف بْن إِبْرَاهِيم قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد الكرماني، عَنْ أبي أسامة قَالَ: قلت: لمحمد بْن النضر كأنك تكره أن تزار قَالَ: أجل، قلت: أما تستوحش؟ قَالَ: كيف استوحش وَهُوَ يَقُول: «أنا جليس من ذكرني» !؟ ٨٨٥- موسى بْن عَلِيّ بْن رباح بْن قيصر بْن القشب، أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ اللخمي، أمير مصر لأبي جعفر المنصور . ولد بأفريقية سنة تسعين، قدم وافدا عَلَى هِشَام بْن عَبْد الملك سنة عشرة ومائة، وكان يخضب بالسواد. روى عنه: الليث بْن سعد، وابْن المبارك، وابْن وهب. تُوُفِّيَ [بالإسكندرية] في هذه السنة.

стр. 2853

ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة فمن الحوادث فِيهَا: غزوة عَبْد الْكَرِيمِ بْن عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْن الخطاب، فأقبل إِلَيْهِ بطريق فِي تسعين ألفا، فعجز عنه عَبْد الْكَرِيمِ فانهزم، فأراد المهدي ضرب عنقه فكلم فِيهِ فحبسه [١] . وَفِيهَا: بْنى المهدي بعيساباذ الكبرى قصرا من لبْن إِلَى أن أسس قصره الَّذِي بالآجر، وَكَانَ تأسيسه إياه يوم الأربعاء فِي شهر ذي القعدة [٢] . وَفِيهَا: عزل المهدي مُحَمَّد بْن سليمان عَنْ أعماله ووجه صالح بْن داود عَلَى مَا كَانَ إِلَى مُحَمَّد بْن سليمان [٣] . أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الملك قَالَ: أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عمران المرزباني قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن عَلِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سَعِيد قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار قَالَ: حَدَّثَنِي مُصْعَب قَالَ: لما بْنى المهدي عيساباذ نزل منزله بها، فأمر أن يكتب لَهُ أبْناء المهاجرين وأبْناء الأنصار، فكتبوا ودعا نقباءهم وجلس مجلسا عاما لهم، ففرق فيهم ثلاثة آلاف ألف درهم، فأغنى كل عائل، وجبر كل كسير، وفرج ١٢٢/ أعن كل مكروب، ثُمَّ قامت الخطباء فخطبت، ودخل الشعراء فأنشدوا/ ففرق فيهم خمسمائة ألف درهم، ثم دعا بغدائه، وحضر خاصته وبطانته، وأهل المراتب من قوّاده

стр. 2854

فطعموا فلم ينصرف واحد منهم إلا بحباء وكرامة، فكثر الدعاء لَهُ فِي الطرقات والبوادي، وَقَالَ الناس: هَذَا مفتاح الخير، هَذَا مهدي هذه الأمة الّذي بشرّ به النبي ﷺ . وقام في هذا اليوم مروان بْن أبي حفصة فأنشده: مَا يلمع البرق إلا حسن مغترب ... كأنه من دواعي شوقه وصب مجالس الأنس غيثا طل وابله ... علي من راحة المهدي ينسكب شمسا فما أخطفتنا من مخايله ... سحابة صوبها الأوراق والذهب صدقت يا خير مأمول ومعتمد ... ظني بأضعاف مَا قَدْ كنت أحتسب أعطيت سبعين ألفا غير متبعها ... منا ولست بمنان بما تهب قَدْ لاح للناس بالمهدي نور هدى ... يضيء والصبح فِي الظلماء محتجب خليفة طاهر الأثواب معتصم ... بالحق ليس لَهُ فِي غيره أدب وَفِيهَا: شخص المهدي حين أسس هَذَا القصر إِلَى الكوفة حاجا، فأقام برصافة الكوفة أياما ثم خرج متوجها إِلَى الحج حَتَّى انتهى إِلَى العقبة، فعرف قلة الماء، وأخذته حمى، فرجع من العقبة، وعطش الناس فغضب عَلَى يقطين لأنه كَانَ صاحب المصانع، فرجع المهدي وبعث أخاه صالح بْن المنصور فحج بالناس [١] . وَفِيهَا: عزل عَبْد اللَّه بْن سليمان عَنِ اليمن عَنْ سخطة، ووجه من يستقبله ويفتش متاعه ويحصي مَا معه، ثُمَّ حبسه عند الربيع حين قدم حَتَّى أقر من المال والجوهر والعنبر [٢] ، بما أقر به، واستعمل مكانه منصور بْن يزيد [٣] . وَكَانَ العامل عَلَى مكة والمدينة والطائف واليمامة جَعْفَر بْن سليمان، وعلى اليمن منصور بن يزيد، وعلى صلاة الكوفة/ وأحداثها وكور دجلة والبحرين وعمان وكور ١٢٢/ ب الأهواز وفارس صالح بن داود بْن عَلِيّ. وعلى خراسان المسيب بْن زهير، وعلى الموصل مُحَمَّد بْن الفضل، وعلى قضاء البصرة عبيد الله بن الحسن، وعلى مصر إِبْرَاهِيم بْن صالح، وعلى إفريقية يزيد بن

стр. 2855

خَالِد، وعلى طبرستان والرويان وجرجان يَحْيَى الحرشي، وعلى الري خلف بْن عَبْد اللَّه [١] ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٨٨٦- حماد الراوية: وَهُوَ حماد بْن ميسرة مولى بْني شيبان، وقيل: هو حماد بْن سابور . وَكَانَ من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها. وكانت بْنو أمية تقدمه وتسني عطاءه، ودخل عَلَى المنصور والمهدي. وروى المدائني أن الوليد بْن يزيد قَالَ لحماد: لم سميت الراوية، وما بلغ من حفظك حَتَّى استحققت هَذَا الاسم؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إن كلام العرب تجري عَلَى ثمانية وعشرين حرفا، أنا أنشدك عَلَى كل حرف منها مائة قصيدة. فَقَالَ: هات، فأنشد حَتَّى مل الوليد، ثم استخلف من يسمع منه حَتَّى وفاه مَا قَالَ فأجزل صلته. وفي رواية أنه أنشده ألفين وسبعمائة قصيدة للجاهلية، فأمر لَهُ بمائة ألف درهم، وَقَالَ الطرماح: أنشدت حماد الراوية قصيدة لي ستين بيتا فسكت ساعة ثُمَّ قَالَ: أهذه لك؟ قلت: نعم. قَالَ: ليس الأمر كذلك، ثُمَّ ردها علي كلها وزيادة عشرين بيتا زادها فِي وقته. قَالَ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الموصلي: دخل مطيع بْن إياس، ويحيى بْن زياد عَلَى حماد الراوية، فإذا سراجه عَلَى ثلاث قصبات قَدْ جمع أعلاهن وأسفلهن بطين فَقَالَ يَحْيَى: يا حماد، إنك لمسرف متبذل، تحر المتاع، فَقَالَ لَهُ مطيع: ألا تبيع هَذِهِ المنارة وتشتري أقل ثمنا منها وتنفق علينا وعلى نفسك الباقي وتتسع فَقَالَ لَهُ يحيى: ما أحسن/ ١٢٣/ أظنك به ومن أين لَهُ هَذِهِ المنارة؟ هَذِهِ وديعة، أو عارية، فَقَالَ مطيع: إنه لعظيم الأمانة عند الناس. قال لا يَحْيَى: وعلى عظم أمانته فما أجمل من يخرج هَذِهِ من داره ويأمن عَلَيْهَا غيره. قَالَ مطيع، مَا أظنها عارية ولا وديعة، ولكني أظنها مرهونة عنده عَلَى مال، وإلا فمن يخرج هَذِهِ من بيته؟ فَقَالَ حَمَّاد: شر منكما من يدخلكما إلى بيته.

стр. 2856

وَقَالَ الجاحظ: كَانَ حماد الراوية وحماد بْن الزبرقان وحماد عجرد ووالبة بْن الحباب وبشار بْن برد اللاحقي كلهم كَانَ متهما فِي دينه. ٨٨٧- شيبان بن عبد الرحمن، أَبُو معاوية التَّمِيمِيّ المؤدب الْبَصْرِيّ [١] . وذكر أَبُو أَحْمَد العسكري أن شيبان النحوي ينسب إِلَى بطن يقال لهم بْنو نحو بْن شمس، بضم الشين من بطن من الأزد. وَقَالَ أَبُو الحسين بْن المنادي: المنسوب إِلَى القبيلة الَّتِي يقال لها نحو هو يزيد النَّحْويّ لا شيبان. أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن ثَابِت قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن يَحْيَى السكري قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ الشافعي قال: حدثنا جعفر بْن مُحَمَّد الأزهر قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الغلابي، عَنْ يَحْيَى بْن معين قَالَ: كَانَ شيبان بْن عَبْد الرَّحْمَنِ ثقة، وَكَانَ مؤدبا لسليمان بْن داود الهاشمي وَكَانَ أصله من البصرة فانتقل إِلَى الكوفة [٢] . قَالَ مؤلف الكتاب ﵀: حدث شيبان عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ، وقتادة، ويحيى بْن أبي كثير. وتوفي ببغداد في هذه السنة، ودفن فِي مقابر قريش بباب التبن، كذلك قال ابن سعد. وقال يحيى بْن معين: دفن فِي مقابر الخيزران. ٨٨٨- شبيب بْن شيبة، أَبُو معمر الخطيب المنقري الْبَصْرِيّ [٣] . حدث عَنْ الْحَسَن، وعطاء بْن أبي رباح، وهشام بْن عُرْوَة. روى عَنْ عيسى بْن يونس، والأصمعي، وغيرهما. وقدم بغداد فِي أيام المنصور فاتصل به ثم بالمهديّ من بعده وَكَانَ مقدما عندهما. وَقَالَ لَهُ المنصور/ عظني وأوجز ١٢٣/ ب فقال: يا أمير المؤمنين إن اللَّه لم يرض من نفسه بأن يجعل فوقك أحدا من خلقه، فلا ترضى لَهُ من نفسك بأن يكون عبدا لَهُ أشكر منك، فقال: والله لقد أوجزت.

стр. 2857

وخرج من دار المهدي فقيل لَهُ: كيف تركت الناس فَقَالَ: تركت الداخل راجيا والخارج راضيا. أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر بن ثابت قال: أخبرنا الجوهري قال: أَخْبَرَنَا محمد بن عمران بن موسى قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عيسى قال: حدثنا محمد بن القاسم بن خلاد، عَنْ موسى بْن إِبْرَاهِيم قَالَ: كَانَ شبيب بن شيبة يصلي بنا الصبح يوما وقرأ السجدة وهَلْ أَتى ٧٦: ١، ولما قضى الصلاة قام رجل فَقَالَ: لا جزاك اللَّه عني خيرا، فإنّي كنت غدوت لحاجة فلما أقمت الصلاة دخلت أصلي فأطلت الصلاة حَتَّى فاتتني حاجتي. قَالَ: وما حاجتك؟ قَالَ: قدمت من الثغر فِي شيء فِيهِ مصلحته، وكنت وعدت البكور إِلَى الخليفة لأتنجز ذلك قَالَ: فأنا أركب معك، فركب معه، ودخل عَلَى المهدي فأخبره الخبر وقص عليه القصة، قَالَ: فيريد ماذا؟ قَالَ: يقضي حاجته، فقضى حاجته وأمر لَهُ بثلاثين ألف درهم فدفعها إلى الرجل، ودفع إِلَيْهِ شبيب من ماله أربعة آلاف درهم، وَقَالَ لَهُ: [لم] [١] تضرك السورتان [٢] . قَالَ مؤلف الكتاب ﵀: كَانَ شبيب بْن شيبة فصيحا ذا لسان، لكنه كَانَ يخطئ فِي العربية أحيانا. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الحسين المرزباني بإسناده عَنِ الْحَسَن بْن عَبْد الله بن سعيد العسكري قال: أخبرني أبي قَالَ: أَخْبَرَنَا عبيد بْن ذكوان، عَنِ الرياشي قَالَ: تُوُفِّيَ ابْن لبعض المهالبة فأتاه شبيب بْن شيبة المنقري يعزيه وعنده بكر بْن حبيب السهمي، فَقَالَ شبيب: بلغنا أن الطفل لا يزال محتبطا عَلَى باب الجنة يشفع لأبويه فَقَالَ بكر: إنما هو محتبطا بالطاء غير المعجمة [٣] . فَقَالَ شبيل القول لي هَذَا وما بين لابتيها أفصح مني، فَقَالَ بكر: وهذا خطأ، تأتي ماء البصرة واللوب أهلك، غيرك قولهم: ما بين لابتي ١٢٤/ أالمدينة/ يريدون الحرة، قَالَ أَبُو أَحْمَد: الحرة أرض تركبها حجارة سود، وهي اللابة والجمع لابات، فإذا أكثرت فهي اللوب، وللمدينة لابتان من جانبيها، وليس للبصرة لابة ولا حرة. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عبيد: المحتبطي بغير همز: المتعصب المستبطئ للشيء والمحتبطئ بالهمز: العظيم البطن المنتفخ.

стр. 2858

وقد تكلم أصحاب الحديث فِي شبيب. سئل ابْن المبارك أنأخذ عَنْ شبيب؟ فَقَالَ: خذوا عنه، فإنه أشرف من أن يكذب. وَقَالَ الساجي: هو صدوق يهم. وَقَالَ أَبُو علي صالح بْن مُحَمَّد. هو صالح الحديث. فأما ابْن معين فَقَالَ: ليس بثقة. وَقَالَ أَبُو داود: ليس بشيء. ٨٨٩- عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة: ميمون مولى آل الهدير التيمي، وكنية عَبْد العزيز أَبُو عَبْد اللَّه. وقيل: أَبُو الأصبغ [١] . سمع الزهري، وابْن المنكدر، وأبا حازم وغيرهم. روى عنه: وكيع، وابْن مهدي، ويزيد بْن هارون، وَكَانَ عالما فقيها صدوقا ثقة ثبتا. أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر بن ثابت قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد العتيقي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن العباس قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ الجلاب قَالَ سمعت الحربي يَقُول: الماجشون فارسي وإنما سمي الماجشون لأن وجنتيه كانتا حمراوين [٢] . أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر بْن ثابت قَالَ: أخبرنا العتيقي قال: حدثنا عَلِيّ بْن مُحَمَّد الْعَطَّار قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أبي داود قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو طاهر قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن وهب قَالَ: حججت سنة ثمان وأربعين وصائح يصيح: لا يفتي الناس إلا مالك بْن أنس وَعَبْد الْعَزِيزِ بن أبي سلمة [٣] . أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَلِيّ قَالَ: أَخْبَرَنِي الحسين بْن أبي طالب قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عمران قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه الْعَطَّار قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِبْرَاهِيم أَحْمَد بْن سَعِيد الزهري قَالَ: سمعت عَمْرو بْن خالد الحراني يَقُول: / حج أَبُو جَعْفَر المنصور فشيعه المهدي، فلما أراد الوداع قَالَ: يا بنى، ١٢٤/ ب استهدني قَالَ: استهدتك رجلا عاقلا، فأهدى لَهُ عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون [٤] .

стр. 2859

تُوُفِّيَ عَبْد العزيز ببغداد في هذه السنة. وجاء المهدي حَتَّى صلى عليه فِي خلافته ودفن فِي مقابر قريش [١] . ٨٩٠- المبارك بْن فضالة بْن أبي أمية، أَبُو فضالة، مولى زيد بْن الخطاب [٢] . حدث عَنْ الْحَسَن بْن أبي الْحَسَن الْبَصْرِيّ [٣] ، وثابت، وحميد الطويل، وخلق كثير. روى عنه: يزيد بْن هارون وعفان وعلي بْن أبي الجعد. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عبيد اللَّه الْحَرْبِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيم الشَّافِعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ المُثَنَّي قَالَ: حَدَّثَنَا سَوَّارٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ قال: أني يوما لعند أَبِي جَعْفَر إِذْ أُتِيَ بِرَجُلٍ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: يُقْتَلُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَا حَاضِرٌ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلا أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنَ الْحَسَن قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ حَيْثُ يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ فَيَقُومُ مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّه [تَعَالَى] فَيَقُولُ: لَيَقُومَنَّ مَنْ لَهُ عَلَى اللَّه يَدٌ فَلا يَقُومُ إِلا مَنْ عَفَا» . فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: آللَّه سَمِعْتَهُ مِنَ الْحَسَنِ؟ فَقُلْتُ: آللَّه سَمِعْتُهُ مِنَ الْحَسَن، فَقَالَ: خَلِّيَا عَنْهُ [٤] . [قَالَ المؤلف] [٥] اختلف كلام يَحْيَى بْن معين فِي المبارك فَقَالَ مرة: صالح. وَقَالَ مرة: ثقة، وَقَالَ مرة: ضعيف. تُوُفِّيَ المبارك في هذه السنة. وقيل: فِي سنة ست وستين.

стр. 2860

ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة فمن الحوادث فِيهَا: غزوة هارون بْن المهدي الصائفة من أرض الروم، وجهه أبوه فِي يوم السبت لإحدى [عشر] [١] ليلة بقيت من جمادى الآخرة غازيا إِلَى بلاد الروم، وضم إليه الربيع مولاه/ فأوغل هارون فِي بلاد الروم فلقيته خيول فقاتلها فانهزمت، وسار هارون في ١٢٥/ أخمسة وتسعين ألفا وسبعمائة وثلاثة وتسعين، وحمل من الفيء مائة ألف دينار وثلاثة وسبعين ألفا وأربع مائة وخمسين دينارا، ومن الورق أحد وعشرون ألف ألف وأربعمائة ألف وأربعة عشر ألف وثمانمائة درهم، وسار هارون حَتَّى بلغ خليج البحر الّذي على القسطنطينية، وصاحب الروم يومئذ امرأة أليون، وذلك أن زوجها هلك وابْنها صغير، [فكان] [٢] فِي حجرها فجرت بينها وبين هارون رسل وسفراء فِي طلب الصلح والموادعة وإعطاء الفدية [٣] . فقبل ذلك منها هارون، وشرط عليها الوفاء بما أعطت، وأن تقيم لَهُ الأدلاء والأسواق فِي طريقه، وذلك أنه دخل مدخلا ضيقا مخوفا عَلَى المسلمين، فأجابته إِلَى مَا سأل، والذي وقع عليه الصلح بينه وبينها سبعون ألف دينار تؤديها فِي نيسان فِي أول سنة، وفي كل سنة فِي حزيران، فقبل ذلك منها، وكتبوا كتاب الهدنة إِلَى ثلاث سنين، وسلمت الأسارى، فكان الَّذِي أفاء الله على هارون إلى أن أذعنت الروم بالجزية خمسة آلاف رأس وستمائة وثلاثة وأربعين رأسا، وقتل من الأساري ألفان

стр. 2861

وسبعون أسيرا [صبرا] [١] ، وأفاء اللَّه عليه من الدواب الذلل بأدواتها عشرين ألفا، وذبح من البقر والغنم مائة ألف، وكانت المرتزقة سوى المطوعة وأهل الأسواق مائة ألف [٢] . وَفِيهَا: عزل خلف بْن عَبْد اللَّه عَنِ الري ووليها عيسى مولى جَعْفَر [٣] . وفي هذه السنة: تزوج الرشيد زبيدة بْنت جَعْفَر بْن المنصور وبْنى بها، وسقط ببغداد ثلج قام فِي الأرض نحو ذراعين [٤] . وَفِيهَا: حج بالناس صالح بْن أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وكانت عمال الأمصار في هذه ١٢٥/ ب السنة/ عمالها فِي السنة الماضية، غير أن العامل عَلَى أحداث البصرة والصلاة بأهلها كَانَ روح بن حاتم، وعلى كور دجلة، والبحرين، وعمان، وكسكر، وكور الأهواز، وفارس، وكرمان المعلى مولى أمير المؤمنين، وعلى السند الليث مولى المهدي أمير المؤمنين [٥] . ذكر من توفي فِي هذه السنة من الأكابر ٨٩١- الياقوتة بْنت المهدي توفيت فجزع عَلَيْهَا جزعا شديدا، فدخل عليه شبيب بْن شيبة فأنشده يَقُول: فحسبي بقاء اللَّه من كل ميت ... وحسبي ثواب اللَّه من كل هالك إذا كَانَ رب العرش عني راضيا ... فإن شفاء النفس فيما لك [٦] فدعا بالطعام ثُمَّ أكل. ٨٩٢- داود بْن نصير الطائي الْكَوفِيّ [٧] . سمع عَبْد الملك بْن عمير، والأعمش، ومحمد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أبي ليلى، وغيرهم.

стр. 2862

روى عنه: ابن علية، وأبو نعيم، وغيرهما، وكان قد اشتغل بالعلم والفقه، ثم انقطع إلى العبادة ولازم المجاهدة، وقدم بغداد في أيام المهدي، ثم عاد إلى الكوفة وبها كانت وفاته. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلي عبد الرحمن بْن مُحَمَّد بْن فضالة قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضِل السلمي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عمران موسى بْن الْعَبَّاس الجويني قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن الحجاج الرقي قَالَ: حَدَّثَنَا عبيد بْن جناد قَالَ: سمعت عطاء يَقُول: كَانَ لداود الطائي ثلاثمائة درهم فعاش بها عشرين سنة ينفقها عَلَى نفسه، وكنا ندخل عَلَى داود فلم يكن فِي بيته إلا بارية، ولبْنة يضع عَلَيْهَا رأسه وإجانة فِيهَا خبز، ومطهرة يتوضأ منها ومنها يشرب [١] . أَخْبَرَنَا القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت قال: أخبرنا علي بن مُحَمَّد بن/ عبد الله المعدل قَالَ: حدّثنا عثمان بن أحمد بن الدقاق قال: حدّثنا إسحاق بن ١٢٦/ أإبراهيم بْن أبي حسان الأنماطي قال: حدثنا أحمد بْن أبي الحواري قَالَ: قَالَ أَبُو سليمان الدارانيّ: ورث داود الطائي من أمه دارا، فكان ينتقل فِي بيوت الدار كلما خرب بيت من الدار انتقل منه إِلَى آخر ولم يعمره، حَتَّى أتى عَلَى عامة بيوت الدار [٢] . أَخْبَرَنَا القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَلِيّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن رزق قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَر الخالدي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الحضرمي قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن حرب قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن زبان قَالَ: قالت داية لداود: يا أبا سليمان أما تشتهي الخبز؟ قال: يا داية، بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية [٣] . توفي في هذه السنة. وقيل في سنة ستين. ٨٩٣- عَبْد اللَّه بْن العلاء بْن زبر بن عطاء، أبو زبر العجليّ الدمشقيّ [٤] .

стр. 2863

ولد سنة خمس وسبعين، وحدث عَنْ القاسم بْن مُحَمَّد بْن أبي بكر، وسالم، والزهري، ومكحول [١] . روى عنه: الوليد بْن مسلم وشبابة، وَكَانَ ثقة. تُوُفِّيَ في هذه السنة. ٨٩٤- رواد العجلي . عاهد اللَّه سبحانه أن لا يضحك حَتَّى يراه. أَخْبَرَنَا عَبْد الوهاب بْن المبارك قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال: أخبرنا علي بن أحمد الملطي قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن صفوان قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر القرشي قال: حدثني محمد بن الحسين قال: حَدَّثَنَا عُمَر بْن حفص قَالَ: حَدَّثَنِي سكين بْن مسكين قَالَ: كانت بيننا وبين رواد قرابة، فسألت أختا لَهُ كانت أصغر منه؟ كيف كَانَ ليله؟ قَالَتْ: يبكي عامة الليل ويصرخ. قلت: فما كَانَ طعامه؟ قالت: قرصا من أول الليل وقرصا فِي أخره عند السحر، قلت: فتحفظين من دعائه شيئا. قالت: نعم، كَانَ إذا كَانَ السحر أو قريب من طلوع الفجر سجد، ثم ١٢٦/ ب بكى، ثُمّ قَالَ: مولاي عبدك يحب الاتصال بطاعتك فأعنه عَلَيْهَا/ بتوفيقك. مولاي عبدك يحب اجتناب خطيئتك فأعنه عَلَى ذلك بمنك. مولاي عبدك عظيم الرجاء لخيرك فلا تقطع رجاءه يوم يفرح بخيرك الفائزون. قالت: فلا يزال عَلَى هَذَا ونحوه حَتَّى يصبح، قالت: وَكَانَ قَدْ كل من الاجتهاد جدا وتغير لونه. قَالَ سكين: فلما مات رواد وحمل إِلَى حفرته نزلوا ليدلوه فِي حفرته فإذا اللحد مفروش بالريحان، وأخذ بعض القوم من ذلك الريحان شيئا فمكث سبعين يوما طريا لا يتغير، يغدوا الناس ويروحون وينظرون إِلَيْهِ، قَالَ فكثر الناس فِي ذلك حَتَّى خاف الأمير أن يفتتن الناس فأرسل إِلَى الرجل، فأخذ ذلك الريحان وفرق الناس، وفقده الأمير من منزله لا يدري كيف ذهب.

стр. 2864

ثم دخلت سنة ست وستين [١] ومائة فمن الحوادث فِيهَا: قدوم هارون ومن كَانَ معه من خليج القسطنطينية فِي المحرم لثلاث عشرة ليلة بقيت فِيهِ. وقدمت الروم بالجزية معهم، وجاءوا مَعَ المال بثلاثين ألف رطل من المرعزي [٢] . وَفِيهَا: أخذ المهدي البيعة لهارون عَلَى قواده بعد موسى بْن المهدي، وسماه الرشيد [٣] . وَفِيهَا: اعتمر المهدي عمرة فِي شهر رَمَضَان، وأفطر بالمدينة، وصلى بهم فِي الفطر، واستقضى أبا سفيان. وَفِيهَا: عزل عبيد اللَّه بْن الْحَسَن عَنْ قضاء البصرة، وولى مكانه خالد بْن طليق بْن عمران بْن حصين، فلم تحمد ولايته، واستعفى أَهْل البصرة منه [٤] . وَفِيهَا: عزل جَعْفَر بْن سليمان عَنْ مكة والمدينة وما كَانَ إِلَيْهِ من العمل. وَفِيهَا: سخط المهدي على يعقوب بن داود. وكان سبب سخطه: أن داود بْن طهمان- وَهُوَ أَبُو يعقوب- كان كاتبا لنصر بن سيار،

стр. 2865

١٢٧/ أوقد [١] [كتب قبله لبعض ولاة خراسان، فلما كانت أيام يَحْيَى بْن زيد أتاه طهمان مطمئنا لما بينه وبينه، فآمنه أَبُو مسلم فلم يعرض لَهُ نفسه، وأخذ أمواله الَّتِي استفادها أيام نصر، ونزل منازله بمرو وضيعة كانت لَهُ ميراثا، فلما مات داود خرج ولده أهل [أدب] [٢] وعلم بأيام الناس وسيرهم وأشعارهم، ونظروا فإذا ليس لهم عند بني العباس منزلة فلم يطمعوا في خدمتهم لأجل أن أباهم كَانَ كاتبا لنصر، فلما رأوا ذلك أظهروا مقالة الزيدية ودنوا من ال الحسين وطمعوا أن يكون لهم دولة فيعيشوا فِيهَا. وَكَانَ يعقوب يجوب البلاد منفردا بْنفسه ومعه إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه أحيانا فِي طلب البيعة لمحمد بْن عَبْد اللَّه، فلما ظهر مُحَمَّد وإبراهيم كتب عَلِيّ بْن داود- وَكَانَ أسن من يعقوب- لإبراهيم بْن عَبْد اللَّه وخرج يعقوب مَعَ عدة من إخوته مَعَ إِبْرَاهِيم، فلما قتل مُحَمَّد وإبراهيم تواروا من المنصور، فجد فِي طلبهم، فأخذ يعقوب وعليا فحبسهما أيام حياته، فَلَمَّا تُوُفِّيَ المنصور من عليهما المهدي فيمن من عليه بتخلية سبيله، وَكَانَ معهما فِي السجن إِسْحَاق بْن الفضل بْن عَبْد الرَّحْمَنِ، وكانا لا يفارقانه ولا يفارقان إخوته المحبوسين معهم، فجرت بينهم بذلك صداقة، فلما خلى المهدي سبيل يعقوب مكث مدة يطلب عيسى بْن زيد والحسن بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه، هرب الْحَسَن من حبسه، فَقَالَ المهدي يوما: لو وجدت رجلا من الزيدية لَهُ معرفة بآل الْحَسَن وبعيسى بْن زيد، وله فقه، فأجتلبه إِلَى طريق الفقه، ويدخل بيني وبين أَهْل حسن وعيسى، فدل عَلَى يعقوب فأتي به فدخل عليه ذو عمامة كرابيسي وكساء أبيض [٣] غليظ فكلمه فوجده رجلا كاملا، فسأله عَنْ عيسى بْن زيد فوعد الدخول بينه وبينه وارتفع أمره عند المهدي وممن أرفع به استأمنه للحسن [٤] بْن إِبْرَاهِيم فجمع بينهما بمكة وما زال يعلو أمره عنده حَتَّى استوزره، وفوض إِلَيْهِ الخلافة، فأرسل إِلَى الزيدية فأتى بهم [من كل] [٥] أوب، وولاهم من أمر الخلافة فِي الشرق والغرب كل عمل نفيس.

стр. 2866

ومال يعقوب إِلَى إِسْحَاق بْن الفضل فقيل للمهدي لو أراد أخذ لَهُ الدنيا فِي يوم. فملأ ذلك قلب المهدي عليه. ودخل عليه يوما فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، قد عرفت اضطراب مصر فأمرتني أن ألتمس لها رجلا يجمع أمرها وقد أصبته. قَالَ: من هو؟ قَالَ: ابْن عمك إِسْحَاق بْن الفضل، فرأى فِي وجه المهدي التغير، فنهض وأتبعه المهدي طرفه، وَقَالَ: قتلتني والله إن لم أقتلك. ولم يزل موالي المهدي يحرضونه عليه، ودخل عليه يوما وَهُوَ فِي مجلس متناهي الْحَسَن، وعنده جارية فِي غاية الكمال، فَقَالَ لَهُ: يا يعقوب كيف ترى مجلسنا؟ قَالَ: عَلَى غاية الْحَسَن فمتع اللَّه أمير المؤمنين به، فَقَالَ: هو لك احمله بما فِيهِ، وَهَذِهِ الجارية ليتم سرورك به، فدعا لَهُ فَقَالَ: ولي إليك حاجة فأحب أن تضمن لي قضاءها، فَقَالَ: الأمر لأمير المؤمنين وعلي السمع والطاعة، فَقَالَ: والله، ثلاث مرات، فَقَالَ: وحياة رأسي، فَقَالَ: فحياة رأسك قَالَ: فضع يدك عليه فاحلف، ففعل لتقضين حاجته فَقَالَ: هَذَا فلان بْن فلان من ولد علي، أحب أن تكفيني مئونته وتريحني منه، وتعجل ذلك، فَقَالَ: أفعل، قَالَ: فخذه إليك فحوله وحول الجارية وجميع مَا كَانَ فِي البيت، وأمر لَهُ بمائة ألف درهم، فلما مضى إِلَى منزله لم يصبر عن الجارية فضرب بينه وبينها سترا، ودعا بالعلوي، فإذا أعقل الناس، فسأله عَنْ حاله فَأَخْبَرَه، فَقَالَ: يا يعقوب تلقى اللَّه بدمي، وأنا من ولد فاطمة] [١] / بنت رسول ١٢٨/ أالله ﷺ ؟ فقال له: لا والله، فهل فيك أنت خير؟ قَالَ: إن فعلت خيرا شكرت [٢] ، فَقَالَ لَهُ: أي الطريق أحب إليك؟ فقال: طريق كذا وكذا. قال: فمن هاهنا تأنس به وتثق بموضعه؟ قَالَ: فلان وفلان، فقال: فابعث إليهما وخذ هَذَا المال وامض معهما مصاحبا فِي ستر اللَّه، موعدك فِي خروجك من داري وقت كذا وكذا من الليل، فسمعت الجارية ذلك، فبعثت به مَعَ خادم لها إِلَى المهدي وقالت: هَذَا جزاؤك من الَّذِي آثرته عَلَى نفسك، فبعث المهدي من وقته فشحن تلك الطرق [٣] والمواضع برجال، فلم يلبث أن جاءوه بالعلوي وصاحبيه والمال، وأصبح يعقوب من غد ذلك اليوم، فإذا رسول المهدي يستحضره، فدخل عليه، فَقَالَ: يا يعقوب مَا فعل الرجل؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدِ أراحك اللَّه منه، قَالَ: مات؟ قَالَ: نعم، قَالَ: والله، قَالَ: والله، قَالَ: فقم فضع يدك

стр. 2867

عَلَى رأسي واحلف، ففعل، فَقَالَ: يا غلام أخرج إلينا مَا فِي هَذَا البيت، ففتح بابه عَنِ العلوي وصاحبيه والمال بعينه فأبلس يعقوب، فَقَالَ المهدي: لقد حل لي دمك لو آثرت إراقته، ولكن احبسوه، ولا أذكر به، فحبسوه فِي مطمورة ثُمَّ أصيب فِيهَا [١] بصره، وطال شعره إِلَى أن ولي الرشيد، فدعا به، فأدخل عليه، فقيل لَهُ: سلم عَلَى أمير المؤمنين فسلم، فَقَالَ لَهُ: أي أمير المؤمنين أنا؟ فَقَالَ: المهدي، فَقَالَ: رحم اللَّه المهدي، فَقَالَ: فالهادي، فَقَالَ: رحم اللَّه الهادي. قَالَ: الرشيد. قَالَ: نعم، فما حاجتك؟ قَالَ: المقام بمكة، فخرج إِلَى مكة فبقي قليلا ثُمَّ مات [٢] . ولما عزل [٣] المهدي يعقوب أمر بعزل أصحابه عَنِ الولايات فِي الشرق والغرب، وأن يؤخذ أهل بيته وأن يحبسوا ففعل بهم ذلك [٤] . وفي هذه السنة: خرج موسى الهادي إِلَى جرجان، وجعل عَلَى قضائه أبا يوسف يعقوب بْن إِبْرَاهِيم [٥] . وَفِيهَا: / تحول المهدي إِلَى عيساباذ فنزلها ونزل معه الناس، وضرب بها الدنانير والدراهم [٦] . وَفِيهَا: أمر المهدي بإقامة إبل وبغال تكون بريدا بين المدينة ومكة واليمن [٧] . وَفِيهَا: أخذ داود بْن روح بْن حاتم، وإسماعيل بْن سليمان بْن مجالد [٨] ، ومحمد بْن أبي أيوب المكي، ومحمد بْن طيفور فِي الزندقة، فأقروا فاستتابهم المهدي وخلى سبيلهم وبعث بداود بْن روح إِلَى أبيه، وَكَانَ عاملا عَلَى البصرة، فمنّ عليه وأمره بتأديبه [٩] .

стр. 2868

وَفِيهَا: أخرج المهدي عَبْد الصَّمَدِ بْن عَلِيّ من حبسه، وعزل منصور بْن يزيد بْن منصور عَنِ اليمن، واستعمل مكانه عَبْد اللَّه بن سليمان الربيعي [١] . وَفِيهَا: أجدبت الأرض فخرجوا للاستسقاء. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ [٢] بْن المحسن التنوخي، عَنْ أبي عبيد اللَّه مُحَمَّد بْن عمران قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر الجرجاني قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أبي خيثمة قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَب بْن عَبْد اللَّه الزبيري قَالَ: حَدَّثَنَا الفضل بْن الربيع قَالَ: قحط الناس عَلَى عهد المهدي سنة ست وستين ومائة، فنادى فِي الناس أن صوموا ثلاثة أيام وأخرجوا للاستسقاء في اليوم الرابع، فخرجوا فسقوا، فَقَالَ لقيط بْن بكر المحاربي: يا إمام الهدى سقينا بك الغيث ... وزالت عنا بك اللأواء أحسب [٣] الأرض إذ عزمت لتستسقي ... وجادت بالغيث منها السماء بت تعنى بالناس والناس نوام ... عليهم من الظلام غطاء فسقينا وقد قحطنا وقلنا ... سنة قَدْ تنكرت حمراء بدعاء أخلصته فِي سواد الليل ... للَّه فاستجيب الدعاء بغيوث تحيا بها الأرض ... حَتَّى أصبحت وهي زهرة خضراء وَفِيهَا: حج بالناس إِبْرَاهِيم بْن يَحْيَى بْن مُحَمَّد، وَكَانَ عامل الكوفة/ على ١٢٩/ أالصلاة والأحداث روح بْن حاتم، وعلى قضائها خالد بْن طليق، وعلى كور دجلة وكسكر وأعمال البصرة والبحرين وكور الأهواز وفارس وكرمان المعلى مولى أمير المؤمنين [٤] . وعلى خراسان وسجستان الفضل بْن سليمان الطوسي وعلى مصر إِبْرَاهِيم بْن صالح، وعلى إفريقية يزيد بْن حاتم، وعلى طبرستان والرويان وجرجان يحيى

стр. 2869

الحرشي، وعلى دنباوند وقومس فراشة مولى المهدي، وعلى الري سعد مولاه أيضا [١] . وعزل المنصور يزيد بْن منصور عَنِ اليمن، واستعمل مكانه عبيد اللَّه بْن سليمان [٢] . ولم يكن في هذه السنة صائفة لأجل الهدنة. وَمَا عرفنا أحدا من الأكابر تُوُفِّيَ فِي هذه السنة.

стр. 2870

ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة فمن الحوادث فِيهَا: توجيه المهدي ابْنه موسى فِي جند كثيف إِلَى جرجان للحرب [١] . وَفِيهَا: جد المهدي فِي طلب الزنادقة والبحث عنهم فِي الآفاق وقتلهم، وولى أمرهم عمر الكلواذيّ، فأخذ يزيد بْن الفيض كاتب المنصور، فأقر فحبس فهرب من الحبس [٢] . أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: اتهم المهدي صالح بْن عَبْد الْقُدُّوسِ الْبَصْرِيّ بالزندقة، فأمر بحمله إِلَيْهِ فأحضر، فلما خاطبه أعجب بغزارة علمه وأدبه وحسن ثيابه فأمر بتخلية سبيله، فما ولي رده فَقَالَ: ألست القائل: والشيخ لا يترك أخلاقه ... حَتَّى يوارى فِي ثرى رمسه إذا ارعوى عاد إِلَى جهله ... كذا الضنى عاد إِلَى نكسه قَالَ: بلى، قَالَ: وأنت لا تترك أخلاقك، ونحن نحكم فيك بحكمك. ثُمَّ أمر به فقتل وصلب عَلَى الجسر. قَالَ ابْن ثَابِت: وقيل إنه بلغه عنه أبيات يعرض فيها/ بالنبي ﷺ ، قال: ويقال ١٢٩/ ب انه كان مشهورا بالزندقة وله مَعَ أبي الهذيل العلاف مناظرات.

стр. 2871

وَفِيهَا: عزل المهدي أبا عبيد اللَّه معاوية بن عبيد الله عَنْ ديوان الرسائل، وولاه الرَّبِيع الحاجب، واستخلف سَعِيد بْن واقد عليه، وَكَانَ أَبُو عبيد اللَّه يدخل عَلَى مرتبته [١] . وَفِيهَا: أمر المهدي بالزيادة فِي المسجد الحرام، فدخلت فِيهِ دور كثيرة، وولى بْناء مَا زَيْد فِيهِ يقطين بْن موسى، فلم يزل فِي بْنائه حَتَّى تُوُفِّيَ المهدي [٢] . وَفِيهَا: عزل يَحْيَى الحرشي عَنْ طبرستان والرويان، وما كَانَ إِلَيْهِ من تلك الناحية وولّاها عمر بْن العلاء، وولى جرجان فراشة مولى المهدي [٣] . وَفِيهَا: أظلمت الدنيا ظلمة شديدة لليال بقين من ذي الحجة حَتَّى تعالى النهار فكشف اللَّه تعالى ذلك. وأصاب الناس غير مرة تراب أحمر يجدونه فِي فرشهم، وعلى وجوههم، وظهر سعال شديد، وفشا الموت [والوباء] ببغداد والبصرة [٤] . وَفِيهَا: حج بالناس إِبْرَاهِيم بْن يَحْيَى بْن مُحَمَّد وَهُوَ عَلَى المدينة، ثُمَّ تُوُفِّيَ بعد فراغه من الحج، وقدومه المدينة بأيام، وولي مكانه إِسْحَاق بْن عيسى بْن عَلِيّ، وَكَانَ العامل عَلَى مكة والطائف عبيد اللَّه بْن قثم، وعلى اليمن سليمان بْن يزيد الحارثي، وعلى اليمامة عبيد اللَّه بْن مُصْعَب الزبيري، وعلى صلاة الكوفة وأحداثها مُحَمَّد بْن سليمان. وعلى قضائها عُمَر بْن عُثْمَان التيمي، وعلى كور دجلة وأعمال البصرة والبحرين وعمان وكور الأهواز وفارس وكرمان المعلى مولى المهدي، وعلى خراسان وسجستان الفضل بْن سليمان الطوسي، وعلى مصر مُوسَى بْن مُصْعَب وعلى إفريقية يزيد بْن حاتم، وعلى طبرستان والرويان عَمْرو بْن العلاء، وعلى جرجان ١٣٠/ أودنباوند/ وقومس فراشة، وعلى الري سَعِيد مولى المهدي [٥] .

стр. 2872

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٨٩٥- بشار بْن برد، أَبُو معاذ الشاعر، مولى عقيل [١] . ولد أعمى، وَكَانَ يشبه الأشياء فِي شعره، فيأتي بما لا يقدر البصراء عليه، فقيل [لَهُ] [٢] يوما وقد قَالَ: كَانَ مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه مَا قَالَ أحد أحسن من هَذَا التشبيه، فمن أين لك هَذَا ولم تر الدنيا قط؟ فَقَالَ: إن عدم النظر يقوي ذكاء القلب، ويقطع عنه الشغل بما تنظر إِلَيْهِ من الأشياء، فيتوفر حسه وتذكو قريحته. وَكَانَ الأصمعي يَقُول: بشار خاتمة الشعراء، والله لولا أن أيامه تأخرت لفضَّلته عَلَى كثير منهم. قَالَ الجاحظ: كَانَ بشار شاعرا خطيبا صاحب منثور ومرواج وسجع ورسائل، وَهُوَ المقدم من الشعراء المحدثين وهو بصري قدم بغداد [٣] . وَقَالَ أَبُو تمام الطائي: أشعر الناس وأشبههم فِي الشعر كلاما بعد الطبقة الأولى بشار، والسيد وأبو نواس، ومسلم بْن الوليد بعدهم. وَقَالَ أَبُو عبيدة معمر بْن المثنى: قَالَ بشار الشعر ولم يبلغ عشر سنين، وَقَالَ ثلاثة عشر ألف بيت جيد، ولا يكون عدد شعر الجاهلية والإسلام هَذَا العدد. قَالَ: وَكَانَ بشار يهوى امرأة من أَهْل البصرة يقال لها عبيدة، فخرجت عن البصرة [٤] مع زوجها إِلَى عمان [فَقَالَ بشار] : [٥] هوى صاحبي ريح الشمال إذا جرت ... وأشهى لقلبي أن تهب جنوب وما ذاك إلا أنها حين تنتهي ... تجيء وفيها من عبيدة طيب

стр. 2873

عذيري من العذال يعذلونني ... شفاها وما فِي العاذلين لبيب ١٣٠/ ب/ يقولون لو عزيت قلبك لارعوى ... فقلت وهل للعاشقين قلوب إذا انطلق القوم الجلوس فإنني ... مكب كأني فِي الجميع غريب أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرنا علي بن أيوب القمي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عمران المرزباني قال: أخبرني محمد بن يحيى قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن اليشكري قَالَ: قيل لأبي حاتم من أشعر الناس؟ قَالَ: الَّذِي يَقُول: ولها مبسم كثغر الأقاحي ... وحديث كالوشي وشي البرود نزلت فِي السواد من حبة القلب ... وزادت زيادة المستزيد عندها الصبر عَنْ لقائي وعندي ... زفرات يأكلن صبر الجليد يعني: بشارا- وَكَانَ يقدمه عَلَى جميع الناس [١] . فبلغ المهدي أن بشارا قَدْ هجاه، وشهد قوم أنه زنديق، فأمر المهدي بضربه، فضرب ضرب التلف، فمات في هذه السنة. وقيل: فِي سنة ثمان، وقد بلغ نيفا وتسعين سنة [٢] . ٨٩٦- جَعْفَر بْن زياد، أَبُو عَبْد اللَّه، وقيل: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ الأحمر الْكَوفِيّ [٣] . حدث عَنْ بيان بْن بِشْر، ومنصور بْن المعتمر، وأبي إِسْحَاق الشيباني، روى عنه: سفيان بْن عبيدة، ووكيع وغيرهما. وَكَانَ قَدْ خرج إِلَى خراسان فبلغ المنصور عنه أمر يتعلق بالإمامة، وأنّه ممن يرى رأي الرافضة، فوجه إِلَيْهِ من قبض عليه، وحمله إِلَى بغداد وأودعه السجن دهرا طويلا، ثُمَّ أطلقه. قَالَ يَحْيَى بْن معين: هو ثقة، وَكَانَ من الشيعة. تُوُفِّيَ في هذه السنة، وقيل: فِي سنة خمس وستين.

стр. 2874

٨٩٧- صالح بْن عَبْد الْقُدُّوسِ الْبَصْرِيّ [١] . لَهُ شعر حسن فِي الزهد. صلبه المهدي فِي الزندقة. [قَالَ المؤلف] : [٢] وقد ذكرنا حاله فِي الحوادث. ٨٩٨- عَبْد الرَّحْمَنِ بْن شريح بْن عبيد اللَّه [٣] ، أَبُو شريح المعافري [٤] . روى عنه: ابْن المبارك، وابْن وهب، وزيد بْن الحباب، وكانت لَهُ عبادة/ ١٣١/ أوفضل. تُوُفِّيَ في هذه السنة [٥] بالإسكندرية. ٨٩٩- عيسى بْن موسى بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس . كَانَ أَبُو الْعَبَّاس [٦] السفاح قَدْ عهد عند موته إِلَى أخيه المنصور، ومن بعده إِلَى عيسى بْن مُوسَى، ومولد عيسى سنة ثلاث ومائة أو أربع ومائة، فشرع المنصور بعد قتل مُحَمَّد وإبراهيم ابْني عَبْد اللَّه بْن حسن بْن حسن وَكَانَ قتلهما جميعا عَلَى يدي عيسى بْن موسى فِي تأخير عيسى، وتقديم المهدي فِي ولاية العهد، وذلك فِي سنة سبع وأربعين ومائة، وجرت بينهما خطوب ومكاتبات وامتناع من عيسى، ثُمَّ أجابه إِلَى ذلك، فأقر به وأشهد عَلَى نفسه، وخطب المنصور النّاس وأعلمهم مَا جرى من تقديم المهدي، ورضي عيسى بذلك وتكلم عيسى وسلم الأمر للمهدي، فبايع الناس للمهدي، ثُمَّ لعيسى من بعده، فلما ولي المهدي طالب عيسى بخلع نفسه من ولاية العهد البتة وتسليمه لموسى بْن المهدي، وألح عليه إلحاحا شديدا، وبذل لَهُ مالا عظيما، وجرت فِي ذلك خطوب، إِلَى أن أقدمه من الكوفة إِلَى بغداد وتقرر الأمر عَلَى أن يخلع نفسه، ويسلم الأمر لموسى، ويدفع المهدي إليه عشرة آلاف ألف، وقيل: عشرين ألف ألف. وقد كان عيسى ذكر أن عليه أيمانا فِي أهله وماله، فأحضر المهدي من القضاة والفقهاء من أفتاه فِي ذلك وعوضه المهدي وأرضاه فيما يلزمه من الحنث في ماله

стр. 2875

ورقيقه، فقبل ذلك، ورضي به، وخلع نفسه فِي محرم سنة ستين ومائة، وبايع المهدي، ثُمَّ لموسى بعده، وأقر بذلك عَلَى المنبر، ورجع إِلَى الكوفة. فتوفي بها لثلاث بقين من ذي الحجة في هذه السنة، وصلى عليه ابْنه الْعَبَّاس، وَكَانَ المهدي واجدا عليه، ووالي الكوفة يومئذ روح بْن حاتم، فأشهد روح على وفاته ١٣١/ ب القاضي وجماعة من الوجوه، ثُمَّ دفن وله خمس وستون سنة، وولد لَهُ واحد وَثَلاثُونَ ذكرا وعشرون أنثى وورثه من الرجال ثَلاثُونَ رجلا، ومن النساء أربع عشرة امرأة. ٩٠٠- عتبة بن أبان بن ضمعة، وَهُوَ الَّذِي يقال لَهُ: عتبة الغلام . وإنما سمي بالغلام لجده واجتهاده لا لصغر سنه، وَكَانَ كثير التعبد والبكاء، خشن العيش، وَكَانَ يشق الخوص، ويصوم الدهر، ويفطر عَلَى الخبز والملح. أَخْبَرَنَا عَبْد الوهاب الأنماطي قَالَ: أَخْبَرَنَا المبارك بن عبد الجبار قال: حدثنا علي بن أحمد الملطي قال: أخبرنا أحمد بن مُحَمَّد بْن يوسف قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن صفوان قال: أخبرنا أبو بكر القرشي قال: حدثني مُحَمَّد بْن الحسين قَالَ: حَدَّثَنَا عمار بْن عُثْمَان الحلبي قَالَ: حَدَّثَنَا سوار أَبُو عبيدة قَالَ: بكى عتبة الغلام فِي مجلس عَبْد الْوَاحِدِ بْن زيد تسع سنين لا يفتر يبكي من حين يبدأ عَبْد الْوَاحِدِ فِي الموعظة إِلَى أن يقوم، لا يكاد يفتر عنه [١] ، فقيل لعبد الواحد: إنا لا نفهم كلامك من بكاء عتبة الغلام، قَالَ: وأصنع ماذا؟ يبكي عتبة عَلَى نفسه وأنهاه أنا، لبئس واعظ قوم أنا. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أبي القاسم قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصبهاني قال: حدثنا مُحَمَّد بْن حيان قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الحسين قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن قال: حدّثني عبد الخالق المعبدي قال: كان لعتبة بيت يتعبد فِيهِ فلما خرج إِلَى الشام أقفله وَقَالَ: لا تفتحوه إِلَى أن يبلغكم موتي، فلما بلغهم قتله، فتحوه فأصابوا فيه قبرا محفورا وغلا من حديد.
следующие страницы →