← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

وَفِيهَا: عزل المهدي أبا عبيد اللَّه معاوية بن عبيد الله عَنْ ديوان الرسائل، وولاه الرَّبِيع الحاجب، واستخلف سَعِيد بْن واقد عليه، وَكَانَ أَبُو عبيد اللَّه يدخل عَلَى مرتبته [١] . وَفِيهَا: أمر المهدي بالزيادة فِي المسجد الحرام، فدخلت فِيهِ دور كثيرة، وولى بْناء مَا زَيْد فِيهِ يقطين بْن موسى، فلم يزل فِي بْنائه حَتَّى تُوُفِّيَ المهدي [٢] . وَفِيهَا: عزل يَحْيَى الحرشي عَنْ طبرستان والرويان، وما كَانَ إِلَيْهِ من تلك الناحية وولّاها عمر بْن العلاء، وولى جرجان فراشة مولى المهدي [٣] . وَفِيهَا: أظلمت الدنيا ظلمة شديدة لليال بقين من ذي الحجة حَتَّى تعالى النهار فكشف اللَّه تعالى ذلك. وأصاب الناس غير مرة تراب أحمر يجدونه فِي فرشهم، وعلى وجوههم، وظهر سعال شديد، وفشا الموت [والوباء] ببغداد والبصرة [٤] . وَفِيهَا: حج بالناس إِبْرَاهِيم بْن يَحْيَى بْن مُحَمَّد وَهُوَ عَلَى المدينة، ثُمَّ تُوُفِّيَ بعد فراغه من الحج، وقدومه المدينة بأيام، وولي مكانه إِسْحَاق بْن عيسى بْن عَلِيّ، وَكَانَ العامل عَلَى مكة والطائف عبيد اللَّه بْن قثم، وعلى اليمن سليمان بْن يزيد الحارثي، وعلى اليمامة عبيد اللَّه بْن مُصْعَب الزبيري، وعلى صلاة الكوفة وأحداثها مُحَمَّد بْن سليمان. وعلى قضائها عُمَر بْن عُثْمَان التيمي، وعلى كور دجلة وأعمال البصرة والبحرين وعمان وكور الأهواز وفارس وكرمان المعلى مولى المهدي، وعلى خراسان وسجستان الفضل بْن سليمان الطوسي، وعلى مصر مُوسَى بْن مُصْعَب وعلى إفريقية يزيد بْن حاتم، وعلى طبرستان والرويان عَمْرو بْن العلاء، وعلى جرجان ١٣٠/ أودنباوند/ وقومس فراشة، وعلى الري سَعِيد مولى المهدي [٥] .

стр. 2872

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٨٩٥- بشار بْن برد، أَبُو معاذ الشاعر، مولى عقيل [١] . ولد أعمى، وَكَانَ يشبه الأشياء فِي شعره، فيأتي بما لا يقدر البصراء عليه، فقيل [لَهُ] [٢] يوما وقد قَالَ: كَانَ مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه مَا قَالَ أحد أحسن من هَذَا التشبيه، فمن أين لك هَذَا ولم تر الدنيا قط؟ فَقَالَ: إن عدم النظر يقوي ذكاء القلب، ويقطع عنه الشغل بما تنظر إِلَيْهِ من الأشياء، فيتوفر حسه وتذكو قريحته. وَكَانَ الأصمعي يَقُول: بشار خاتمة الشعراء، والله لولا أن أيامه تأخرت لفضَّلته عَلَى كثير منهم. قَالَ الجاحظ: كَانَ بشار شاعرا خطيبا صاحب منثور ومرواج وسجع ورسائل، وَهُوَ المقدم من الشعراء المحدثين وهو بصري قدم بغداد [٣] . وَقَالَ أَبُو تمام الطائي: أشعر الناس وأشبههم فِي الشعر كلاما بعد الطبقة الأولى بشار، والسيد وأبو نواس، ومسلم بْن الوليد بعدهم. وَقَالَ أَبُو عبيدة معمر بْن المثنى: قَالَ بشار الشعر ولم يبلغ عشر سنين، وَقَالَ ثلاثة عشر ألف بيت جيد، ولا يكون عدد شعر الجاهلية والإسلام هَذَا العدد. قَالَ: وَكَانَ بشار يهوى امرأة من أَهْل البصرة يقال لها عبيدة، فخرجت عن البصرة [٤] مع زوجها إِلَى عمان [فَقَالَ بشار] : [٥] هوى صاحبي ريح الشمال إذا جرت ... وأشهى لقلبي أن تهب جنوب وما ذاك إلا أنها حين تنتهي ... تجيء وفيها من عبيدة طيب

стр. 2873

عذيري من العذال يعذلونني ... شفاها وما فِي العاذلين لبيب ١٣٠/ ب/ يقولون لو عزيت قلبك لارعوى ... فقلت وهل للعاشقين قلوب إذا انطلق القوم الجلوس فإنني ... مكب كأني فِي الجميع غريب أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرنا علي بن أيوب القمي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عمران المرزباني قال: أخبرني محمد بن يحيى قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن اليشكري قَالَ: قيل لأبي حاتم من أشعر الناس؟ قَالَ: الَّذِي يَقُول: ولها مبسم كثغر الأقاحي ... وحديث كالوشي وشي البرود نزلت فِي السواد من حبة القلب ... وزادت زيادة المستزيد عندها الصبر عَنْ لقائي وعندي ... زفرات يأكلن صبر الجليد يعني: بشارا- وَكَانَ يقدمه عَلَى جميع الناس [١] . فبلغ المهدي أن بشارا قَدْ هجاه، وشهد قوم أنه زنديق، فأمر المهدي بضربه، فضرب ضرب التلف، فمات في هذه السنة. وقيل: فِي سنة ثمان، وقد بلغ نيفا وتسعين سنة [٢] . ٨٩٦- جَعْفَر بْن زياد، أَبُو عَبْد اللَّه، وقيل: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ الأحمر الْكَوفِيّ [٣] . حدث عَنْ بيان بْن بِشْر، ومنصور بْن المعتمر، وأبي إِسْحَاق الشيباني، روى عنه: سفيان بْن عبيدة، ووكيع وغيرهما. وَكَانَ قَدْ خرج إِلَى خراسان فبلغ المنصور عنه أمر يتعلق بالإمامة، وأنّه ممن يرى رأي الرافضة، فوجه إِلَيْهِ من قبض عليه، وحمله إِلَى بغداد وأودعه السجن دهرا طويلا، ثُمَّ أطلقه. قَالَ يَحْيَى بْن معين: هو ثقة، وَكَانَ من الشيعة. تُوُفِّيَ في هذه السنة، وقيل: فِي سنة خمس وستين.

стр. 2874

٨٩٧- صالح بْن عَبْد الْقُدُّوسِ الْبَصْرِيّ [١] . لَهُ شعر حسن فِي الزهد. صلبه المهدي فِي الزندقة. [قَالَ المؤلف] : [٢] وقد ذكرنا حاله فِي الحوادث. ٨٩٨- عَبْد الرَّحْمَنِ بْن شريح بْن عبيد اللَّه [٣] ، أَبُو شريح المعافري [٤] . روى عنه: ابْن المبارك، وابْن وهب، وزيد بْن الحباب، وكانت لَهُ عبادة/ ١٣١/ أوفضل. تُوُفِّيَ في هذه السنة [٥] بالإسكندرية. ٨٩٩- عيسى بْن موسى بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس . كَانَ أَبُو الْعَبَّاس [٦] السفاح قَدْ عهد عند موته إِلَى أخيه المنصور، ومن بعده إِلَى عيسى بْن مُوسَى، ومولد عيسى سنة ثلاث ومائة أو أربع ومائة، فشرع المنصور بعد قتل مُحَمَّد وإبراهيم ابْني عَبْد اللَّه بْن حسن بْن حسن وَكَانَ قتلهما جميعا عَلَى يدي عيسى بْن موسى فِي تأخير عيسى، وتقديم المهدي فِي ولاية العهد، وذلك فِي سنة سبع وأربعين ومائة، وجرت بينهما خطوب ومكاتبات وامتناع من عيسى، ثُمَّ أجابه إِلَى ذلك، فأقر به وأشهد عَلَى نفسه، وخطب المنصور النّاس وأعلمهم مَا جرى من تقديم المهدي، ورضي عيسى بذلك وتكلم عيسى وسلم الأمر للمهدي، فبايع الناس للمهدي، ثُمَّ لعيسى من بعده، فلما ولي المهدي طالب عيسى بخلع نفسه من ولاية العهد البتة وتسليمه لموسى بْن المهدي، وألح عليه إلحاحا شديدا، وبذل لَهُ مالا عظيما، وجرت فِي ذلك خطوب، إِلَى أن أقدمه من الكوفة إِلَى بغداد وتقرر الأمر عَلَى أن يخلع نفسه، ويسلم الأمر لموسى، ويدفع المهدي إليه عشرة آلاف ألف، وقيل: عشرين ألف ألف. وقد كان عيسى ذكر أن عليه أيمانا فِي أهله وماله، فأحضر المهدي من القضاة والفقهاء من أفتاه فِي ذلك وعوضه المهدي وأرضاه فيما يلزمه من الحنث في ماله

стр. 2875

ورقيقه، فقبل ذلك، ورضي به، وخلع نفسه فِي محرم سنة ستين ومائة، وبايع المهدي، ثُمَّ لموسى بعده، وأقر بذلك عَلَى المنبر، ورجع إِلَى الكوفة. فتوفي بها لثلاث بقين من ذي الحجة في هذه السنة، وصلى عليه ابْنه الْعَبَّاس، وَكَانَ المهدي واجدا عليه، ووالي الكوفة يومئذ روح بْن حاتم، فأشهد روح على وفاته ١٣١/ ب القاضي وجماعة من الوجوه، ثُمَّ دفن وله خمس وستون سنة، وولد لَهُ واحد وَثَلاثُونَ ذكرا وعشرون أنثى وورثه من الرجال ثَلاثُونَ رجلا، ومن النساء أربع عشرة امرأة. ٩٠٠- عتبة بن أبان بن ضمعة، وَهُوَ الَّذِي يقال لَهُ: عتبة الغلام . وإنما سمي بالغلام لجده واجتهاده لا لصغر سنه، وَكَانَ كثير التعبد والبكاء، خشن العيش، وَكَانَ يشق الخوص، ويصوم الدهر، ويفطر عَلَى الخبز والملح. أَخْبَرَنَا عَبْد الوهاب الأنماطي قَالَ: أَخْبَرَنَا المبارك بن عبد الجبار قال: حدثنا علي بن أحمد الملطي قال: أخبرنا أحمد بن مُحَمَّد بْن يوسف قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن صفوان قال: أخبرنا أبو بكر القرشي قال: حدثني مُحَمَّد بْن الحسين قَالَ: حَدَّثَنَا عمار بْن عُثْمَان الحلبي قَالَ: حَدَّثَنَا سوار أَبُو عبيدة قَالَ: بكى عتبة الغلام فِي مجلس عَبْد الْوَاحِدِ بْن زيد تسع سنين لا يفتر يبكي من حين يبدأ عَبْد الْوَاحِدِ فِي الموعظة إِلَى أن يقوم، لا يكاد يفتر عنه [١] ، فقيل لعبد الواحد: إنا لا نفهم كلامك من بكاء عتبة الغلام، قَالَ: وأصنع ماذا؟ يبكي عتبة عَلَى نفسه وأنهاه أنا، لبئس واعظ قوم أنا. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أبي القاسم قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصبهاني قال: حدثنا مُحَمَّد بْن حيان قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الحسين قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن قال: حدّثني عبد الخالق المعبدي قال: كان لعتبة بيت يتعبد فِيهِ فلما خرج إِلَى الشام أقفله وَقَالَ: لا تفتحوه إِلَى أن يبلغكم موتي، فلما بلغهم قتله، فتحوه فأصابوا فيه قبرا محفورا وغلا من حديد.

стр. 2876

ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة فمن الحوادث فِيهَا: نقض الروم الصلح الَّذِي جرى بينهم وبين هارون وقد تقدم ذكره، وَكَانَ بين أول الصلح وبين أول الغدر اثنان وَثَلاثُونَ شهرا، فوجه عَلِيّ بْن سليمان/ وَهُوَ يومئذ ١٣٢/ أعلى الجزيرة وقيس بن يزيد بْن المنذر بْن البطال سرية فِي خيل إِلَى الروم فظفروا وغنموا [١] . وَفِيهَا: وجه المهدي سَعِيد الحرشي إِلَى طبرستان فِي أربعين ألفا [٢] . وَفِيهَا: قتل المهدي جماعة من الزنادقة ببغداد [٣] . وَفِيهَا: ولى المهدي عَلِيّ بْن يقطين زمام الأزمة عَلَى عُمَر وابْن بزيع، وَكَانَ عُمَر أول من عمل ديوان الزمام فِي خلافة المهدي، وذلك: أنه جمعت لَهُ الدواوين، ففكر فإذا هو لا يضبطها إلا بزمام يكون لَهُ عَلَى كل ديوان [فاتخذ دواوين الأزمة وولى كل ديوان] [٤] رجلا وَكَانَ وإليه عَلَى ديوان الخراج إِسْمَاعِيل بْن صبيح، ولم يكن لبني أمية دواوين أزمّة [٥] .

стр. 2877

وَفِيهَا حج بالناس عَلِيّ بْن [١] المهدي الَّذِي يقال لَهُ ابْن ريطة [٢] ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٩٠١- الحسن بن زيد بْن الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن أبي طالب [﵃] ، أَبُو مُحَمَّد الهاشمي المَدِينيّ [٣] . حدث عَنْ أبيه، وعن عكرمة، روى عنه: ابْن إِسْحَاق، ومالك وابْن أبي ذئب وابْن أبي الزناد. وَكَانَ أحد الأجواد، وولاه المنصور خمس سنين، ثُمَّ غضب عليه فعزله واستصفى كل شيء له وحبسه ببغداد فلم يزل محبوسا حَتَّى مات المنصور، فأخرجه المهدي ورد عليه مَا أخذ منه ولم يزل معه. أخبرنا أبو منصور القزاز قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر [أَحْمَد بْن عَلِيّ بْن] ثَابِت قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن زكريا قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسين بْن مُحَمَّد بْن يَحْيَى العلوي قَالَ: حَدَّثَنَا جدي قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن إِبْرَاهِيم بْن الْحَسَن قَالَ: حَدَّثَنِي عمي عبيد اللَّه بْن حسن وعَبْد اللَّه بْن الْعَبَّاس [بْن مُحَمَّد] [٤] قالا: كَانَ أول مَا عرف به شرف الْحَسَن بْن زيد أن أباه تُوُفِّيَ وَهُوَ غلام وخلف دينا أربعة آلاف دينار فحلف الحسن بن زيد أن لا يظل رأسه سقف بيت إلا سقف مسجد أو سقف بيت رجل يكلمه فِي حاجة حَتَّى يقضي دين ١٣٢/ ب أبيه، فلم يظل رأسه/ سقف بيت حَتَّى قضي دين أبيه [٥] . تُوُفِّيَ الْحَسَن بالحاجر عَلَى خمسة أميال من المدينة وَهُوَ يريد مكة من العراق في هذه السنة وَهُوَ ابْن خمس وثمانين سنة وصلى عليه المهدي [٦] : قَالَ الناقل: وهذا الْحَسَن هو أَبُو السيدة نفيسة ﵂ المدفونة فِي الديار المصرية [٧] .

стр. 2878

٩٠٢- حماد بْن سلمة، أَبُو سلمة مولى لبْني تميم، وَهُوَ ابْن أخت حميد الطويل كَانَ عالما عابدا محاسبا لنفسه لا يضيع لحظة فِي غير طاعة. قَالَ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مُحَمَّد: لو قيل لحماد بْن سلمة إنك تموت غدا مَا قدر أن يزيد فِي العمل شيئا. وَكَانَ يبيع الثياب، فإذا ربح حبة أو حبتين نهض. أَخْبَرَنَا المبارك بْن أَحْمَد الأنصاري قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد السمرقندي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن عَبْد الملك بْن شبابة قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرازي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن مهدي قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَمْرو المروزي قَالَ: حَدَّثَنَا مقاتل بْن صالح الخراساني قَالَ: دخلت عَلَى حماد بْن سلمة [فإذا] [١] ليس فِي بيته إلا حصير وَهُوَ جالس عليه، ومصحف يقرأ فيه وجراب فيه علمه، ومطهرة يتوضأ فيها، فبينا أنا عنده جالس دق داق الباب، فَقَالَ: يا صبية أخرجي فانظري من هَذَا؟ فقالت: رَسُول مُحَمَّد بْن سليمان، قَالَ: قولي لَهُ يدخل وحده، فدخل فناوله كتابا فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّد بْن سليمان إِلَى حماد بْن سلمة أما بعد، فصبحك اللَّه بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، وقعت مسألة، فإننا نسألك عنها والسلام. فَقَالَ: يا صبية هلمي الدواة، ثُمَّ قَالَ لي: اقلب الكتاب واكتب: أما بعد: وأنت فصبحك اللَّه بما صبح به أولياءه وأهل طاعته إنا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحدا، فإن كانت وقعت مسألة فأتنا وسلنا عَلَى مَا بدا لك، فإن أتيتني [٢] فلا تأتني إلا وحدك، ولا تأتني بخيلك ورجلك، فلا أنصحك ولا أنصح نفسي والسلام. فبينا أنا عنده/ دق الباب، فَقَالَ: يا صبية، أخرجي فانظري من هَذَا؟ فقالت: ١٣٣/ أمحمد بْن سليمان، قَالَ: قولي لَهُ ليدخل وحده، فدخل فسلم ثُمَّ جلس بين يديه، فَقَالَ: مَا لي إذا نظرت إليك امتلأت رعبا، فقال حماد: سمعت ثابت البناني يقول:

стр. 2879

سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْعَالِمَ إِذَا أَرَادَ بِعِلْمِهِ وَجْهَ اللَّهِ هَابَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَكْتَنِزَ بِهِ الْكُنُوزَ هَابَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» . فَقَالَ: [أربعون] ألف درهم تأخذها تستعين بها عَلَى مَا أنت عليه. فَقَالَ: أرددها عَلَى من ظلمته بها، فَقَالَ: والله مَا أعطيك إلا مَا ورثته، قَالَ: لا حاجة لي فِيهَا أزوها عني زوى اللَّه عنك أوزارك، قَالَ: فنقسمها، قَالَ: فلعلي إن عدلت فِي قسمتها أن يقول بعض من لم يرزق منها لم يعدل، أزوها عني زوى اللَّه عنك أوزارك. [قَالَ مؤلف الكتاب] [١] : أسند حماد بْن سلمة عَنْ خلق كثير من التابعين. وتوفي في هذه السنة فِي المسجد وَهُوَ يصلي. أَخْبَرَنَا ابْن ناصر، وعلي بْن أبي عُمَر قالا: أَخْبَرَنَا رزق اللَّه وطراد قالا: أَخْبَرَنَا علي بن محمد بْنُ بِشْرَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْن صَفْوَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن عبيد قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْد اللَّه التَّمِيمِيّ، عَنْ أبيه قَالَ: رأيت حماد بْن سلمة فِي النوم، فقلت: مَا فعل اللَّه بك؟ قَالَ: خيرا: قلت: فماذا؟ قَالَ: قيل لي طال مَا كدرت نفسك فاليوم أطيل راحتك وراحة المتعوبين فِي الدنيا، بخ بخ ماذا أعددت لهم. ٩٠٣- حماد عجرد [٢] . أَخْبَرَنَا القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر الخطيب قَالَ: هو حماد بْن عُمَر بْن يونس بْن كليب، مَوْلَى لبْني سوأة بْن عامر بْن صعصعة، يكنى أبا عَمْرو، وَهُوَ كوفي. ويقال: واسطي، ويقال: إن أعرابيا، مر به وَهُوَ غلام يلعب مَعَ الصبيان فِي يوم شديد البرد وَهُوَ عريان، فَقَالَ لَهُ: تعجردت يا غلام، فسمي عجرد، والمتعجرد المتعري، وَكَانَ خليعا ماجنا ظريفا، ونادم الوليد بن يزيد وهاجى بشار بْن برد- وَهُوَ فحل الشعراء/ المجيدين فانتصف منه، وَكَانَ بشار يضج منه، وقدم بغداد في أيام المهدي [٣] .

стр. 2880

أخبرنا القزاز قال: أخبرنا الخطيب قَالَ: قرأت عَلَى الْحَسَن بْن عَلِيّ الجوهري، عَنْ مُحَمَّد بْن عِمْرَانَ المرزباني قَالَ: وجدت بخط مُحَمَّد بْن القاسم بْن مهرويه قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن إِسْمَاعِيل اليزيدي قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن الجعد قَالَ: قدم علينا في أيام المهدي حماد عجرد ومطيع بْن إياس الكناني، ويحيى بْن زياد، فنزلوا بالقرب منا، وكانوا لا يطاقون خبثا ومجانة [١] . قال المرزباني: وأخبرني علي بن أبي عبد اللَّه الفارسي قَالَ: أَخْبَرَنِي أبي قَالَ: حَدَّثَنِي العنزي قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَر بْن شبة قَالَ: كَانَ مطيع بْن إياس، وحماد عجرد، ويحيى بْن زياد يقولون بالزندقة [٢] . وذكر ابْن قتيبة فِي «طبقات الشعراء» قَالَ: كَانَ بالكوفة ثلاثة يقال لهم الحمادون: حماد عجرد، وحماد الراوية، وحماد بْن الزبرقان النحوي، وكانوا يتعاشرون وكانوا كلهم يرمون بالزندقة، وحماد عجرد هو القائل: إن الكريم لتخفى عنك عسرته ... حَتَّى تراه غنيا وَهُوَ مجهود وللبخيل عَلَى أمواله علل ... زرق العيون عَلَيْهَا أوجه سود إذا تكرمت أن تعطي القليل ولم ... تقدر عَلَى سعة لم يظهر الجود بيت النوال فلا يمنعك قلته ... فكل ما سد فقرا فهو محمود روى حماد بْن إِسْحَاق، عَنْ أبيه قَالَ: اجتمع حفص بْن أبي بردة، وحماد عجرد، وكان حفص أعمش أفطس، أغصف، مقبح الوجه، فأخذ حفص يطعن عَلَى مرقش ويعيب شعره فَقَالَ حماد: لقد كَانَ فِي عينيك يا حفص شاغل ... وأنف كمثل العود عما تتبع تتبع لحنا فِي كلام مرقش ... وجهك مبْني عَلَى اللحن أجمع فأذناك إقواء وأنفك كفّأ ... وعيناك إيطاء فأنت مرقّع / ١٣٤/ أ ٩٠٤- عُمَر الكلوذاني [٣] . الَّذِي ولي عَلَى قتل الزنادقة. تُوُفِّيَ في هذه السنة، فولي مكانه حمدويه، وَهُوَ مُحَمَّد بْن عِيسَى من أَهْل ميسان.

стр. 2881

٩٠٥- عبيد اللَّه بْن الْحَسَن بْن الحصين بْن أبي الحر [١] العنبري . قاضي البصرة، سمع داود بْن أبي هند، وخالد الحذاء، وسعيد الجريري، روى عنه: ابْن مهدي، وَكَانَ فقيها ثقة، وولي القضاء سنة ست وخمسين بعد سوار بْن عَبْد اللَّه العنبري. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا الجوهري قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عمران المرزباني قَالَ: حدثنا عبد الْوَاحِدِ بْن مُحَمَّد الخصيبي قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عيسى بْن حمدون قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سهل الرازي قَالَ: لم يشرك فِي القضاء بين أحد قط إلا بين عبيد اللَّه بْن الْحَسَن وبين عُمَر بْن عامر عَلَى قضاء البصرة، فكانا يجتمعان جميعا فِي المجلس وينظران جميعا بين الناس. قَالَ: فقدم إليهما قوم فِي جارية لا تنبت، فَقَالَ فِيهَا عُمَر بْن عامر: هَذِهِ فضيلة فِي الجسم، وَقَالَ عبيد اللَّه بْن الْحَسَن: كل ما خالف ما عليه الخلقة فهو عيب [٢] . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ محمد قال: أخبرنا [أحمد بن علي] بن ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا العتيقي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن مُحَمَّد بْن صاعد قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بْن الْحَسَن المروزي قَالَ: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مهدي يَقُول: كنا فِي جنازة فِيهَا عبيد اللَّه بْن الْحَسَن وَهُوَ عَلَى القضاء، فلما وضع السرير جلس وجلس الناس حوله، فسألته عَنْ مسألة فغلط فِيهَا، فقلت أصلحك اللَّه، القول فِي هَذِهِ المسألة كذا وكذا، فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه فقال: إذن أرجع وأنا صاغر، إذن أرجع وأنا صاغر، لأن أكون ذنبا فِي الحق أحب إلي من أن أكون رأسا فِي الباطل [٣] . أَخْبَرَنَا القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الخلال قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْن شَاذَان قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بن محمد بن سعدان قال: ١٣٤/ ب حَدَّثَنِي سليمان بْن يزيد قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو علي إِسْمَاعِيل/ بْن إِبْرَاهِيم القرشي قَالَ: حَدَّثَنَا أصحابنا أن المهدي كتب إلى عبيد الله بن الحسن- وهو قاضي البصرة- كتابا

стр. 2882

فقرأه عبيد اللَّه بْن الْحَسَن فرده، فحمل عبيد اللَّه إِلَى المهدي فعاتبه، فكان فيما عاتبه به أن قَالَ لَهُ: رددت كتابي فَقَالَ لَهُ عبيد اللَّه: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إني لم أردّ كتابك، ولكنه كان ملحونا فصدق المهدي مقالته وأجازه، ورده إِلَى عمله [١] . تُوُفِّيَ عبيد اللَّه فِي ذي القعدة [٢] في هذه السنة وقيل تُوُفِّيَ سنة ثمان وسبعين. ٩٠٦- غوث بْن سليمان بْن زياد بْن ربيعة بْن نعيم، أَبُو يَحْيَى الحضرمي . ولد سنة أربع وتسعين، وولي القضاء [بمصر] [٣] ثلاث مرات فِي أيام المنصور والمهدي. روى عنه: ابْن وهب، والواقدي، وآخر من حدث عنه بالعراق أَبُو الوليد الطيالسي. أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن ناصر الحافظ [٤] قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو القاسم وأبو عمرو قالا: أخبرنا أبو عبيد اللَّه بْن منده- وَهُوَ والدهما- قَالَ: حَدَّثَنَا أبو سعيد بن يونس الحافظ قال: حدثني عاصم بن رازح قَالَ: حَدَّثَنَا بشير بْن عَبْد الْوَاحِدِ قَالَ: سمعت أبي يَقُول: سمعت غوث بْن سليمان يَقُول: بعث إلي أمير المؤمنين أَبُو جَعْفَر المنصور، فحملت إِلَيْهِ، فَقَالَ لي: يا غوث، إن صاحبتكم الحميرية خاصمتني إليك فِي شروطها، قلت، أفيرضى أمير المؤمنين أن يحكمني عليه قال: نعم، قلت: فالحكم لَهُ شروط فيحملها أمير المؤمنين قَالَ: نعم، قلت: يأمرها أمير المؤمنين أن توكل وكيلا ويشهد عَلَى وكالته خادمين خيرين يعدلهما أمير المؤمنين عَلَى نفسه ففعل، فوكلت خادما، وبعثت معه بكتاب صداقها وشهد الخادمان عَلَى توكيلها، فقلت لَهُ: تمت الوكالة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يساوي الخصم فِي مجلسه فليفعل، فانحط عن فرشه وجلس مع الخصم، فدفع إلى الوكيل كتاب الصداق فقرأته عليه، فقلت: أيقر أمير المؤمنين بما فيه؟ قَالَ: نعم، قلت: أرى فِي الكتاب شروطا مؤكدة بها تم النكاح بينكما أرأيت/ يَا أمير ١٣٥/ أ

стр. 2883

الْمُؤْمِنِينَ لو إنك خطبت إليها ولم تشرط لها هَذَا الشرط أكانت تزوجتك؟ قَالَ: لا، قلت: فبهذا الشرط تم النكاح، وأنت أحق من وفى لها بشرطها قَالَ: قَدْ علمت إذ أجلستني هذا المجلس أنك ستحكم علي قلت: أعظم جائزتي وأطلق سبيلي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: بل جائزتك عَلَى من قضيت لَهُ، وأمر لي بجائزة وخلعة، وأمرني أن أحكم بين أَهْل الكوفة فقلت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ليس البلد بلدي، ولا معرفة لي بأهله. قَالَ: لا بد من ذلك. قلت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: فأنا أحكم بينهم فإذا أنا ناديت من لَهُ حاجة بخصومة ولم يأت أحد تأذن لي بالرجوع إِلَى بلدي؟ قَالَ: [نعم: قَالَ:] فجلست فحكمت [بينهم] [١] ، ثُمَّ انقطع الخصوم فناديت الخصوم [٢] ، فلم يأت أحد، فرحلت من وقتي إِلَى مصر. قَالَ أَبُو سَعِيد: وحدثنا عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن فرقد قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْن الحكم قَالَ: حَدَّثَنَا حماد بْن المسور أَبُو رجاء قَالَ: قدمت امرأة من الريف فِي محفة وغوث قاضي مصر إذ ذاك، فوافت غوث بْن سليمان عند السراجين رائحا إلى المسجد، فشكت إليه أمرها وأخبرته بحاجتها، فنزل عَنْ دابته فِي بعض حوانيت السراجين، ولم يبلغ المسجد، فكتب له بحاجتها [٣] وركب إِلَى المسجد، فانصرفت المرأة وهي تقول: أصابت والله أمّك حين سمتك غوثا أنت والله غوث. تُوُفِّيَ فِي جمادى الآخرة من هَذِهِ السنة. ٩٠٧- قيس بْن الربيع، أَبُو مُحَمَّد الأسدي، من ولد الحارث بْن قيس [٤] . الَّذِي أسلم وعنده تسع نسوة فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأمره النبي ﷺ أن يمسك منهن أربعة ويفارق سائرهن. سمع قيس بْن عَمْرو، وابْن مرة، ومحارب بْن دثار، وهشام بن عروة في آخرين [٥] .

стр. 2884

روى عَنْ سفيان الثوري، وشعبة، وابْن المبارك، وأبو معاوية، وعفان وغيرهم. قَالَ عفان: كَانَ قيس ثقة. / وَقَالَ شريك: مَا خلف بعده مثله [١] . تُوُفِّيَ في هذه السنة، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة خمس [٢] ، وقيل: سنة ست. ٩٠٨- مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن علاثة بْن علقمة بْن مالك أَبُو اليسير العقيلي [٣] . حدث عَنْ هِشَام بْن حسان، والأوزاعي، وغيرهما، وروى عنه ابْن المبارك، ووكيع، وغيرهم. وَكَانَ قاضيا بالجانب الشرقي ببغداد زمن المهدي. أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: قرأت فِي كتاب أبي الْحَسَن بْن الفرات بخطه: أَخْبَرَنِي أخي أَبُو القاسم عَبْد اللَّه بْن الْعَبَّاس بْن الفرات قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن سراج قَالَ: مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن علاثة يقال لَهُ: قاضي الجن وذلك أن بئرا كانت بين حران وحصن مسلمة، فكان من شرب منها خبطته الجن، قَالَ: فوقف عَلَيْهَا، فَقَالَ: أيها الجن إنا قَدْ قضينا بينكم وبين الإنس، فلهم النهار، ولكم الليل. قَالَ: فكان الرجل إذا استقى منها بالنهار لم يصبه شيء [٤] . أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَلِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد مُحَمَّد بْن موسى الصَّيْرفيّ قَالَ: سمعت أبا الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يعقوب الأصم يَقُول: سمعت الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد الدوري يَقُول سمعت يَحْيَى بْن معين يَقُول: مُحَمَّد بْن علاثة ثقة [٥] . قَالَ المصنف: وقد روينا عَنْ أبي الفتح الأزدي الحافظ أنه طعن فِي ابْن علاثة ولا يحفظ هذا عَنْ غيره، إلا أن البخاري قَالَ: فِي حفظه نظر. تُوُفِّيَ في هذه السنة. ٩٠٩- مُحَمَّد بْن ميمون، أَبُو حمزة السكري المروزي [٦] . سمع أبا إِسْحَاق السبيعي، وَعَبْد الْمَلِكِ بْن عمير، ورقبة بن مصقلة، ومنصور بن المعتمر، والأعمش، وغيرهم. وكان من أهل الفضل والفهم.

стр. 2885

حدث عنه ابْن المبارك وغيره. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرحمن بن محمد قال: أخبرنا [أحمد بْن علي بْن ثابت] [١] الخطيب قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن العباس قال: أخبرنا أبو ١٣٦/ أأيوب/ سليمان بْن إِسْحَاق الجلاب قَالَ: سمعت إِبْرَاهِيم الحربي يَقُول: قَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحَسَن: أراد جار لأبي حمزة السكري أن يبيع داره، قَالَ: فقيل لَهُ: بكم تبيعها؟ قَالَ: بألفين ثمن الدار، وألفين [حق] جوار أبي حمزة. قَالَ: فبلغ ذلك أبا حمزة، فوجه إِلَيْهِ بأربعة آلاف، وَقَالَ خذها ولا تبع دارك [٢] . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَحْمَد بْن عَلِيّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حازم العبدي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حامد الدهان قَالَ: حَدَّثَنَا خالي أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أيوب قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن حكيم قَالَ: حَدَّثَنَا معاذ بْن خالد قَالَ: سمعت أبا حمزة السكري يَقُول: مَا شبعت منذ ثلاثين سنة إلا أن يكون لي ضيف [٣] . قَالَ يَحْيَى بْن معين: كَانَ أَبُو حمزة السكري من ثقات الناس وَكَانَ إذا مرض عنده من قَدْ رحل إِلَيْهِ ينظر إِلَى مَا يحتاج إِلَيْهِ من الكفاية فيأمر بالقيام به، واسمه مُحَمَّد بْن ميمون، ولم يكن يبيع السكر، وإنما سمي السكري لحلاوة كلامه [٤] . روى الغلابي عَنْ يَحْيَى بْن معين: أن أبا حمزة كَانَ إذا مرض الرجل من جيرانه تصدق بمثل نفقة لمريض بما صرف عنه من العلة [٥] . قَالَ البخاري: مُحَمَّد بْن ميمون مات سنة ثمان وستين حدثنيه بِشْر بْن مُحَمَّد. قَالَ مؤلف الكتاب [٦] : وَقَالَ غيره سنة تسع وستين. ٩١٠- مندل بْن عَلِيّ، أَبُو عَبْد اللَّه العنزي [٧] . حدث عَنْ أبي إِسْحَاق الشيناني، وعاصم، والأعمش، وغيرهم، وقيل: إن اسمه عَمْرو، ولقبه مندل، إلا أنه غلب عليه.

стр. 2886

قَالَ يَحْيَى: مندل لا بأس به، وَقَالَ مرة: ضعيف. وَقَالَ يعقوب بْن شيبة: كَانَ رجلا فاضلا صدوقا، وَهُوَ ضعيف الحديث. تُوُفِّيَ في [رمضان] هذه السنة وقيل: في سنة سبع) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَلِيّ قَالَ حَدَّثَنَا الدسكري قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر [مُحَمَّد] بْن الْمُقْرِئ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن مخلد قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَمْرو قَالَ: قَالَ معاذ بْن معاذ: دخلت الكوفة/ فلم أر أحدا أورع من ١٣٦/ ب مندل بْن عَلِيّ [١] . أَخْبَرَنَا القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن علي قال: أخبرنا أَبُو الْقَاسِمِ الأَزْهَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحسين بْن الْعَبَّاس قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القاسم الأنباري قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الله بْن عَمْرو الرزاق قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام قَالَ: مرت جارية معها سلة فِيهَا رطب بمندل بْن عَلِيّ، وأصحاب الحديث حوله، فوقفت تنظر وتسمع، فنظر إليها مندل، ففطن أن السلة قد أهديت لَهُ، فَقَالَ: قدميها، فقدمتها، فَقَالَ لمن حوله: كلوا مَا فِيهَا وانصرفت الجارية إِلَى سيدها وقد احتبست، فَقَالَ: مَا أسرع مَا جئت، فقالت: وقفت أسمع من هَذَا الشيخ، فَقَالَ: قدمي السلة، ففعلت، فأكل الذين حوله مَا فِيهَا. وَكَانَ سيدها رجلا من العرب فَقَالَ لها: أنت حرة لوجه اللَّه [٢] .

стр. 2887

ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة فمن الحوادث فِيهَا: خروج المهدي فِي المحرم إِلَى ماسبذان. وَكَانَ سبب خروجه: أنه قَدْ عزم فِي آخر عمره أن يقدم هارون عَلَى موسى، فبعث إِلَى موسى وَهُوَ بجرجان بعض أَهْل بيته ليقطع أمر البيعة ويقدم الرشيد، فلم يفعل، فبعث إِلَيْهِ المهدي بعض الموالي فامتنع موسى من القدوم عليه، وضرب الرسول، فخرج المهدي يريده بجرجان فأصابه مَا أصابه وولي الهادي [١] . وَفِيهَا: تُوُفِّيَ المهدي باللَّه [٢] .

стр. 2888

باب ذكر خلافة موسى الهادي وَهُوَ موسى بْن مُحَمَّد المهدي بْن المنصور، ويكنى أبا محمد، وأمه: الخيزران أم ولد، وكان طويلا جسيما أبيض مشربا حمرة، وفي شفته العليا تقلص، ولد بالري، وَكَانَ يثب عَلَى الدابة وعليه درعان، وَكَانَ المهدي يسميه: ريحانتي. ذكر بيعته [١] بويع لموسى الهادي يوم تُوُفِّيَ المهدي، وَكَانَ الهادي إذ ذاك بجرجان يحارب أَهْل طبرستان، فاجتمع الموالي والقواد عَلَى هارون، وقالوا: إن علم الجند بوفاته لم نأمن الشغب، والرأي أن تنادي فِي الجند بالقفول حَتَّى نواريه ببغداد، فقال هارون: ادعوا إلي أبي يَحْيَى بْن خالد، وَكَانَ المهدي قَدْ ولى هارون المغرب كله من الأنبار إِلَى إفريقية، فأمر يَحْيَى بْن خَالِد أن يتولى ذلك، وَكَانَ يقوم بأعماله ودواوينه إِلَى أن تُوُفِّيَ، فلما جاء يَحْيَى قَالَ لَهُ هَارُون: يا أبت، مَا تقول فيما يَقُول عَمْرو بْن بزيع ونصير والمفضل [٢] ؟ قَالَ: وما قالوا؟ فأخبره، قَالَ: مَا أرى ذلك، قَالَ: ولم؟ قَالَ: لأن هَذَا لا يخفى، ولا آمن إذا علم الجند أن يتعلّقوا بمحمله ويقولون: لا نخليه حَتَّى نعطى لثلاث سنين وأكثر، ويتحكّموا ويشتطّوا، ولكن أرى أن يوارى هاهنا، وتوجه نصيرا إِلَى أمير المؤمنين الهادي بالخاتم والقضيب والتعزية والتهنئة، فإن البريد لا ينكر أحد خروجه،

стр. 2889

وأن تأمر لمن معك من الجند بجوائز مائتين مائتين، وتنادي فيهم بالقفول، فإنهم إذا قبضوا الدراهم لم يكن لهم همة سوى أهاليهم [١] وأوطانهم، فلما قبض الجند الدراهم قالوا: بغداد بغداد، فلما وصلوا إِلَى بغداد وعلموا خبر [٢] الخليفة ساروا إِلَى منزل الربيع فأخرجوه [٣] ، وطالبوا بالأرزاق وضجوا، وقدم هارون بغداد، وأعطى الجند لسنتين، فسكتوا. ووجه هارون الجنود إِلَى الأمصار ونعى لهم المهدي، وأخذ بيعتهم للهادي، وله بولاية العهد، ولما بلغ الهادي وفاة المهدي نادى من فوره بالرحيل، فلما وصل إِلَى مدينة السلام استقبله الناس، فوصل لعشر بقين من صفر، فسار من جرجان إِلَى بغداد فِي عشرين يوما، فلما قدمها نزل القصر الَّذِي يسمى الخلد، وَكَانَ لَهُ [جارية] [٤] حظيّة تحبّه، فكتبت إليه وهو بجرجان. يا بعيد المحل أمسى بجرجان نازلا [فِي أبيات أخر] [٥] / فلما دخل بغداد لم يكن لَهُ هم سواها، فدخل فأقام عندها يومه وليلته قبل أن يظهر للناس [٦] . ثُمَّ ولى الربيع الوزارة مكان عبيد اللَّه بْن زياد بْن أبي ليلى، وضم إِلَيْهِ مَا كَانَ عُمَر بْن بزيع يتولاه من الزمام، وولى الفضل بْن الربيع الحجابة، وولى مُحَمَّد بْن جميل ديوان خراج العراق، وولى ابْن زياد خراج الشام وما يليه، وأقر عَلَى حرسه عَلِيّ بْن عيسى بْن ماهان، وضم إِلَيْهِ ديوان الجند، وولى شرطه عَبْد اللَّه بْن مالك مكان عَبْد اللَّه بْن حازم، وأقر الخاتم بيد عَلِيّ بْن يقطين، وولى أبا يوسف القضاء. ذكر أولاده كَانَ لَهُ جَعْفَر وَهُوَ الَّذِي يرشحه للخلافة، والعباس، وعَبْد الله، وإسحاق،

стр. 2890

وإسماعيل، وسليمان، وموسى ولد بعد موت أبيه، وكلهم لأمهات أولاد، وَكَانَ لَهُ ابْنتان: أم عِيسَى وكانت عند المأمون، وأم الْعَبَّاس [١] . ذكر طرف من سيرته وأخباره أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن محمد قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ على بْن ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَزْهَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَحْمَد الدِّيبَاجِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الصُّولِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عبد الرحمن التَّيْمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُطَّلِبُ بْنُ عُكَّاشَةَ الْمُزَنِيُّ قال: قدمنا على أمير المؤمنين الهادي [شُهُودًا] [٢] عَلَى رَجُلٍ مِنَّا شَتَمَ قُرَيْشًا، وَتَخَطَّى إِلَى ذكر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فجلس لنا مجلسا أحضر فِيهِ فُقَهَاءُ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَمَنْ كَانَ بِالْحَضْرَةِ على بابه، وأحضر الرجل وأحضرنا، فشهدنا عليه بِمَا سَمِعْنَا مِنْهُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ الْهَادِي ثُمَّ نَكَّسَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَفَعَهُ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ أبي [المهدي] [٣] يُحَدِّثُ [٤] : عَنْ أَبِيهِ الْمَنْصُورِ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّد بْن عَلِيّ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيّ بْن عَبْد الله عن أبيه عبد الله بن عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ أَرَادَ هَوَانَ قُرَيْشٍ أَهَانَهُ اللَّهُ. وَأَنْتَ يَا عَدُّوَ اللَّهِ لَمْ تَرْضَ بِأَنْ أَرَدْتَ ذَلِكَ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى تَخَطَّيْتَ إِلَى ذكر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، اضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَمَا بَرِحْنَا حَتَّى قُتِلَ. أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا ١٣٨/ أالحسين بْن الْحَسَن النعالي قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن نصر الزراع قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن الفضل، عَنْ أبيه قَالَ: غضب موسى الهادي عَلَى رجل، فكلم فِيهِ فرضي عنه، فذهب يعتذر، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إن الرضا قَدْ كفاك مئونة الاعتذار [٥] . أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن علي [بن ثابت] [٦] قال: أخبرنا

стр. 2891

الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن [١] عَبْد الْوَاحِدِ بْن عَلِيّ البزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيد السيرافي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أبي الأزهر النحوي قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عمي مُصْعَب بْن عَبْد اللَّه، عَنْ جدي عَبْد اللَّه بْن مُصْعَب قَالَ: دخل مروان بن أبي حفصة على الهادي فأنشده مديحا لَهُ، حَتَّى إذا بلغ قوله: تشابه يوما بأسه ونواله ... فما أحد يدري لأيهما الفضل فَقَالَ لَهُ الهادي: أيما أحب إليك ثَلاثُونَ ألفا معجلة أو مائة ألف تدور فِي الدواوين؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أنت تحسن مَا هو أحسن من هَذَا، ولكنك أنسيته، أفتأذن لي أن أذكرك؟ قَالَ: نعم، قَالَ: تعجل الثلاثون الألف، وتدور المائة الألف. قَالَ: بل تعجّلان لك جميعا، فحمل ذلك إِلَيْهِ [٢] . قَالَ سَعِيد بْن سلم: سرنا مَعَ الهادي بين أبيات جرجان، فسمع صوتا من بعض تلك البساتين من رجل يتغنى فَقَالَ لصاحب شرطته: علي بالرجل الساعة. فقلت: يَا أمير المؤمنين، ما أشبه قصة هَذَا الخائن بقصة سليمان بْن عَبْد الملك، فإنه كَانَ فِي متنزه لَهُ ومعه حرمه، فسمع من بستان آخر صوت رجل يتغنى، فدعا صاحب شرطته فَقَالَ: علي بصاحب هَذَا الصوت، فلما مثل بين يديه قَالَ: مَا حملك عَلَى الغناء وأنت إِلَى جنبي ومعي حرمي! أما علمت إن الرّماك [٣] إذا سمعت صوت الفحل حنت؟ قَالَ: فجب الرجل، فلما كَانَ فِي العام المقبل ذهب سليمان إِلَى ذلك المتنزه فجلس وذكر الرجل، ١٣٨/ ب فَقَالَ لصاحب شرطته: علي بالرجل الَّذِي جببْناه، فلما مثل/ بين يديه قال له: إمّا بعت فوفّيناك، وإما وهبت فكافأناك قال: فو الله مَا دعاه بالخلافة، ولكنه قَالَ: يا سُلَيْمَان إنك قطعت نسلي وذهبت بماء وجهي، وحرمتني لذتي، ثُمَّ تقول: إما وهبت وإما بعت؟ لا والله حَتَّى أقف بين يدي اللَّه. قَالَ: فَقَالَ موسى: يا غلام، رد صاحب الشرطة، فرده، قَالَ: لا تعرض للرجل [٤] . قَالَ عَلِيّ بْن صالح: ركب الهادي يوما يريد عيادة أمّه الخيزران من علّة كانت

стр. 2892

بها، فاعترضه عُمَر بْن بزيع فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ألا أدلك عَلَى وجه هو أعود عَلَيْك من هَذَا؟ قَالَ: وما هو يا عُمَر؟ قَالَ: المظالم، لم تنظر فِيهَا منذ ثلاثة أيام، فأومأ إِلَى المطرقة أن يميلوا إِلَى دار المظالم، وبعث إِلَى الخيزران بخادم يعتذر من تخلفه ويقول: إن عُمَر أَخْبَرَنَا من حق اللَّه بما هو أوجب علينا من حقك، فملنا إِلَيْهِ ونحن عائدون إليك فِي غد إن شاء اللَّه تعالى [١] . وَفِيهَا [٢] : اشتد طلب موسى للزنادقة، فقتل منهم جماعة، فكان فيمن قتل منهم كاتب يقطين وابْنه عَلِيّ بْن يقطين وَكَانَ علي قَدْ حج فنظر إِلَى الناس فِي الطواف يهرولون فَقَالَ: مَا أشبههم ببقر يدوس فِي البيدر. فَقَالَ شاعر: قل لأمين اللَّه [٣] في خلقه ... ووراث الكعبة والمنبر ماذا ترى فِي رجل كافر ... يشبه الكعبة بالبيدر ويجعل الناس إذا مَا سعوا ... حمرا يدوس البر والدوسر فقتله موسى [٤] ثُمَّ صلبه، فسقطت خشبته عَلَى رجل من الحاج فقتلته وقتلت حماره، وقتل من بْني هاشم يعقوب بْن الفضل بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عباس بْن ربيعة بْن الحارث بْن عَبْد المطلب، وَكَانَ المهدي أتي به وبابْن لداود بْن عَلِيّ فحبسهما لما أقرا [٥] لَهُ بالزندقة، وَقَالَ ليعقوب: لولا مُحَمَّدٍ [رَسُولِ اللَّهِ] ﷺ / من كنت! أما والله لولا ١٣٩/ أإني كنت جعلت عَلَى اللَّه عهدا إن ولاني أن لا أقتل هاشميا لما ناظرتك، ثُمَّ التفت إِلَى الهادي فَقَالَ: يا موسى، أقسمت عَلَيْك بحقي إن وليت هَذَا الأمر من بعدي أن لا تناظرهما ساعة واحدة. فمات ابْن داود بْن علي في الحبس قبل وفاة المهدي، فلما قدم الهادي من جرجان ذكر وصية المهدي، فأرسل إِلَى يعقوب فألقى عليه فراشا، وأقعدت عليه الرجال حَتَّى مات، ولها عنه، وَكَانَ الحر شديدا فقيل لَهُ: قد انتفخ، فقال: ابعثوا

стр. 2893

به إِلَى أخيه إِسْحَاق بْن الفضل فأخبروه أنه مات فِي الحبس، فبعث إِلَيْهِ، فإذا ليس فِيهِ موضع للغسل، فدفن من ساعته [١] . وَكَانَ ليعقوب ابْنة تسمى فاطمة، فوجدت حبلى منه، وأقرت بذلك، فأدخلت وامرأة يعقوب بْن دَاوُد يقال لها خديجة عَلَى الهادي- أو عَلَى المهدي- فأقرتا بالزندقة وأقرت فاطمة أنها حبلى من أبيها، فأرسل بهما إِلَى ريطة بْنت أبي الْعَبَّاس فرأتهما مكحلتين مخضوبتين، فعذلتهما، خصوصا البْنت، فقالت: أكرهني- فقالت لها: فما بال الخضاب والكحل ولعنتهما، ففزعتا فماتتا [٢] . وفي هذه السنة: خرج الحسين بْن عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن أبي طالب [﵃] . وسبب ذلك: أن إِسْحَاق بْن عيسى بْن عَلِيّ كَانَ عَلَى المدينة، فلما استخلف الهادي وفد إِلَيْهِ واستخلف عَلَى المدينة عُمَر بْن عَبْد العزيز بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الله بن عمر بن الخطاب [﵃] ، فخرج الحسين بالمدينة، وصعد المنبر وعليه قميص أبيض وعمامة بيضاء، فخطب وَقَالَ: أيها الناس أنا ابْن رسول الله [ ﷺ ] فِي حرم اللَّه وفي مسجد رسول الله ﷺ أدعوكم إلى كتاب اللَّه وسنة نبيه، فإن لم أف لكم فلا بيعة لي فِي أعناقكم [٣] . وجرت الحرب بينه وبين الولاة، ثُمَّ خرج إِلَى مكة، فبعث الهادي مُحَمَّد بْن سليمان للحرب، فقتل الحسين وأصحابه، وجيء برأسه إِلَى الهادي، وَكَانَ مبارك ١٣٩/ ب التركي/ قَدْ كره حرب الحسين، وبعث إِلَيْهِ: والله لئن أسقط من السماء أحب إلي من أن أشوكك بشوكة، ولا بد من الأعذار، فخرج إِلَيْهِ فِي نفر يسير فانهزم، فغضب عليه الهادي، وأمر بقبض أمواله وتصييره فِي ساسة الدواب، فلم يزل كذلك حَتَّى مات الهادي [٤] .

стр. 2894

وجرت في هذه السنة حادثة عجيبة: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَلِيّ بْن المحلى قَالَ: أَخْبَرَنَا أخي أَبُو نصر هبة اللَّه بْن عَلِيّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سعد مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الْحَسَن الحاسب قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد العزيز أَبُو الْحَسَن قَالَ: حَدَّثَنَا [أَبُو] مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه الجوهري قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَن الدمشقي قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن هانئ أَبُو نواس قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرو الأعجمي صاحب خبر السند أيام المنصور ثُمَّ ولاه موسى أول مَا استخلف- قَالَ: فكتب فِي خبره. أن رجلا من أشراف أَهْل السند من آل المهلب بْن أبي صفرة اشترى غلاما أسود وَهُوَ صغير، فرباه وتبْناه، فلما اشتد الغلام هوي مولاته، وراودها عَنْ نفسها فأجابته، فدخل مولاه يوما عَلَى غرة منه فإذا هو عَلَى بطن امرأته فعمد إِلَيْهِ فجب ذكره، وتركه يتشحط فِي دمه، ثُمَّ أنه أدركته عليه رقة وتخوف من فعله به، فعالجه إِلَى أن أبل من علته، فأقام بعد هَذِهِ الحادثة حينا يطلب غرة مولاه ليثأر منه ويدبر عليه أمرا يكون فِيهِ شفاء قلبه وَكَانَ لمولاه ابْنان، أحدهما طفل، والآخر يافع، فغاب الرجل عن منزله في بعض أموره، فأخذ الأسود الصبيين فصعد بهما ذروة سطح عال فنصبهما هُنَاكَ وجعل يعللهما بالمطعم وباللعب، إِلَى أن دخل مولاه فرفع رأسه، فإذا بابْنيه فِي شاهق والغلام، فَقَالَ: ويلك يا فلان عرضت ابنيّ للموت، قال: أجل قد ترى موضعهما، فو الله الَّذِي تحلف به لأن لم تجب نفسك كما جببتني لأرمين بهما. فَقَالَ: ويلك/ اللَّه اللَّه فِي وفي بنيّ، قال: دع عنك هذا، فو الله مَا هي إلّا نفسي وإني لأسمح بها من شربة ماء أسقاها، فجعل يكرر ذلك عليه ويأبى، فذهب ليروم الصعود إِلَيْهِ فأهوى بهما ليرديهما من ذروة ذلك الشاهق، فَقَالَ أبوهما: ويلك اصبر حَتَّى أخرج مدية، قَالَ: افعل مَا أردت، فأخذ مدية واستقبله ليرى ما يصنع فرمى ذكره وهو يراه، فلما علم أنه قَدْ فعل رمى بالصبيين فتقطع الصبيان، وَقَالَ: هَذَا الَّذِي فعلت ثأري، وهذا زيادة فِيهِ، فأخذ الأسود وكتب بخبره، فكتب موسى إِلَى صاحب السند بقتل الغلام، وَقَالَ: مَا سمعت بأعجب من هَذَا، وأمر أن يخرج من ملكه وملك نسائه كل أسود. وَفِيهَا [١] : حج بالناس في هذه السنة سليمان بن المنصور [٢] .

стр. 2895

وَكَانَ عَلَى المدينة عُمَر بْن عَبْد العزيز العمري، وَكَانَ عَلَى مكة والطائف عبيد اللَّه بْن قثم، وعلى اليمن إِبْرَاهِيم بْن سلم بْن قتيبة، وعلى اليمامة والبحرين سويد بْن أبي سويد الخُراسانيْ، وعلى صلاة الكوفة وأحداثها موسى بْن عيسى، وعلى صلاة البصرة وأحداثها مُحَمَّد بْن سليمان، وعلى قضائها عُمَر بْن عُثْمَان، وعلى جرجان الحجاج مولى الهادي، وعلى قومس زياد بْن حسان، وعلى طبرستان والرويان صالح بْن شيخ ابْن أبي عميرة الأسدي [١] . ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٩١١- الْحَسَن بْن الخليل بْن مرة . كَانَ كثير التعبد طويل البكاء. أَخْبَرَنَا ابْن ناصر قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طاهر مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر أَحْمَد بن إبراهيم بن شاذان قال: حدثنا أبو أيوب سُلَيْمَان بْن أَحْمَد بْن يَحْيَى الْبَصْرِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بْن مُحَمَّد [بْن بادا] [٢] قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صالح قَالَ: مَا رأيت بمصر من أفضله عَلَى الْحَسَن بن الخليل ١٤٠/ ب فِي زهده وورعه، ولقد رأيته يحمل دقيقا في جراب/ للناس بأجرة، يتقوب فِي كل جمعة بحمل يوم، ثُمَّ زاد أمره فلم يكن يدخر لوقت ثاني، وعليه مدرعة قيمتها أقل من درهم، وأجمع أَهْل مصر أنه مستجاب الدعوة. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أيوب قال: أخبرنا الحسن بن محمد الخلال قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم قَالَ: حَدَّثَنَا سليمان بْن أَحْمَد قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بْن مُحَمَّد [بْن بادا] [٣] قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن صالح قَالَ: حَدَّثَنِي موسى بْن هارون قَالَ: رأيت الْحَسَن بْن الخليل مرة بعرفات فكلمته ثُمَّ رأيته يطوف بالبيت، فقلت: ادع اللَّه لي أن يتقبل حجي، فبكى ودعا لي، ثُمَّ أتيت مصر، فقلت إن

стр. 2896

الْحَسَن بْن الخليل كَانَ معنا بمكة، فقالوا: مَا حج العام، وقد كَانَ يبلغني أنه يمر إِلَى مكة فِي ليلة فما كنت أصدق حَتَّى رأيته فعاتبْني وَقَالَ: شهرتني، مَا كنت أحب أن تحدث بهذا، فلا تعد بحقي عَلَيْك [١] . ٩١٢- الْحَسَن بْن صالح بْن حي . ولد هو وأخوه علي توأم سنة [٢] مائة، فكانا وأمهما يقومون الليل كله عَلَى الثلث ويقرأ ثلث القرآن، ثُمَّ ينام ويقوم الْحَسَن الثلث، ويقرأ ثلث القرآن، فماتت أمهما فحزبا الليل بينهما، ثُمَّ مات علي فقام الْحَسَن به كله، وَكَانَ يختم كل ليلة. وباع الْحَسَن جارية فَقَالَ: أخبروهم أنها تنخمت عندنا مرة دما. أَخْبَرَنَا عَبْد الْخَالِقِ بْن أَحْمَد قَالَ: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين ابْن أخي ميمي قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن صفوان قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر القرشي قَالَ: حَدَّثَنَا أبي قَالَ: أَخْبَرَنِي سليمان بْن إدريس المنقري قَالَ: اشتهي الْحَسَن أخي سمكا، فلما أتي به ضرب بيده إِلَى سرة السمكة فاضطربت يده، فأمر به فرفع، ولم يأكل شيئا، فقيل لَهُ فِي ذلك، فَقَالَ: إني ذكرت لما ضربت بيدي إِلَى بطنها إن أول مَا ينتن من الْإِنْسَان بطنه، فلم أقدر أن أذوقه. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَحْمَد قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن هبة اللَّه الطبري قال: أخبرنا/ ١٤١/ أعلي بْن مُحَمَّد بْن بِشْرَان قَالَ أَخْبَرَنَا ابْن صفوان قَالَ: حدثنا أبو بكر بن عبيد قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الحُسَيْن قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن صالح قَالَ: حَدَّثَنِي خلف بْن تميم أن حسن بْن صالح كَانَ يصلي إِلَى السحر، ثُمَّ يجلس يبكي فِي مصلاه، ويجلس علي فيبكي فِي حجرته، قَالَ: وكانت أمهم تبكي اللّيل والنهار، قَالَ: فماتت ثُمَّ مات علي، ثُمَّ مات حسن، فرأيت حسنا فِي منامي، فقلت: مَا فعلت الوالدة؟ قَالَ: بدلت بطول ذلك البكاء سرور الأبد، قلت: وعلي؟ قَالَ: وعلي عَلَى خير. قلت: فأنت فمضى وَهُوَ يَقُول: وهل يتكل إلا عَلَى عفوه. تُوُفِّيَ الْحَسَن في هذه السنة.

стр. 2897

٩١٣- خالد بْن حميد بْن خالد، أَبُو حميد النهري . روى عَنْ قيس بْن الحجاج، وحميد بْن هاني، حدث عنه ابْن وهب وغيره، وآخر من حدث عنه بمصر روح بْن صلاح المرادي. وتوفي بالإسكندرية في هذه السنة. ٩١٤- عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أويس بْن مالك بْن [أبي] عامر، أَبُو أويس [١] المديني الأصبحي [٢] . كَانَ زوج أخت مالك بْن أنس، وابْن ابْن عمه لحا، قدم بغداد وحدّث بها عن الزهري، ومحمد بن المنكدر، وأبي الزناد، وهشام بن عروة. روى عنه ابناه أبو بكر، وإسماعيل، وشبابة، والقعنبي. وثقه يحيى، [في رواية] [٣] وضعفه في أخرى، وَقَالَ أَحْمَد: هو صالح. وَقَالَ النسائي: ليس بالقوي. قَالَ أَبُو نعيم: قدم علينا وإذا معه جوار يضربْن- يعني القيان- قَالَ: فقلت لا والله لا أسمع منه شيئا. ٩١٥- عُثْمَان بْن طلحة بْن عُمَر بْن عبيد اللَّه بْن معمر التيمي . من أَهْل مدينة رسول الله ﷺ ، ولاه بعض أمراء المدينة القضاء عَلَى إكراه، فلم يأخذ عليه رزقا. وَكَانَ محمود السيرة جميل الذكر. روى عَنْ مُحَمَّد بْن المنكدر، فلما قدم المهدي المدينة استعفاه من القضاء، وجرت لَهُ في ذلك قصة قَدْ ذكرناها فِي سنة ستين فأعفاه. ١٤١/ ب ٩١٦- عقبة/ بْن أبي الصهباء، أَبُو خريم [٤] . مولى باهلة الْبَصْرِيّ، سمع سالم بْن عَبْد اللَّه، وبكر المزني، والحسن، وابن

стр. 2898

سيرين، وروى عنه يزيد بن هارون، وكان ثقة، انتقل عَنِ البصرة فنزل المدائن، ثُمَّ دخل إِلَى مدينة السلام [١] بغداد. وتوفي في هذه السنة ببغداد. ٩١٧- مُحَمَّد المهدي بْن عَبْد اللَّه المنصور [٢] . رأى مناما قبل وفاته يدل عَلَيْهَا. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أَبُو الحسين بْن عَلِيّ [بْن مُحَمَّد] بْن المعدل قال أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ لي عَلِيّ بْن يقطين: خرجنا مَعَ المهدي فَقَالَ لنا يوما: إني داخل البهو فنائم فِيهِ فلا يوقظني أحد حَتَّى استيقظ، قَالَ: فنام ونمنا، فما أنبهنا إلا بكاؤه، فقمنا فزعين، فقلنا: ما شأنك يا أمير المؤمنين، فقال: أتاني الساعة آت في منامي، شيخ والله لو كَانَ فِي مائة ألف شيخ لعرفته، فأخذ بعضادتي الباب وَهُوَ يَقُول: كأني بهذا القصر قَدْ باد أهله ... وأوحش منه ركنه ومنازله وصار عميد القوم من بعد بهجة ... وملك إِلَى قبر عليه جنادله ولم يبق إلا ذكره وحديثه ... تنادي عليه بالعويل حلائله واختلفوا فِي سبب وفاته عَلَى قولين: أحدهما: رواه واضح قهرمان المهدي قَالَ: خرج المهدي يتصيد بقرية من قرى ماسبذان فلم أزل معه إِلَى بعد العصر وانصرفت إِلَى مضربي، وَكَانَ بعيدا من مضربه، فلما كَانَ وقت السّحر ركبت لإقامة الوظائف ولقيني أسود عريان، فدنا مني، ثُمّ قَالَ: أبا سهل، أعظم اللَّه أجرك فِي مولاك أمير المؤمنين. فدخلت فإذا به مسجى فِي قبة. فقلت: فارقتكم بعد [صلاة] [٣] العصر وَهُوَ أسر مَا كَانَ حالا وأصحه

стр. 2899

١٤٢/ أبدنا، فما كَانَ الخبر؟ فقالوا: اطردت الكلاب ظبيا فما زال يتبعها فاقتحم الظبي/ باب خربه، فاقتحمت الكلاب خلفه واقتحم الفرس خلف الكلاب، فدق ظهره باب الخربة فمات من ساعته [١] . القول الثاني: ذكره أَبُو نعيم المروزي قَالَ: بعثت جارية من جواري المهدي إِلَى ضرة لها لبْنا [٢] فِيهِ سم وَهُوَ قاعد فِي البستان بعد خروجه من عيساباد، فدعا به فأكل، ففرقت الجارية أن تقول إنه مسموم [٣] . وروى أَحْمَد بْن مُحَمَّد الرازي: أن المهدي كَانَ جالسا فِي علية قصر بماسبذان، وكانت جاريته حسنة قَدْ عمدت إِلَى كمثرى فجعلته فِي صينية وسمّت واحدة في أحسنه وأنضجه، وردت القمع عَلَيْهَا ووضعتها فِي أعلى الصينية، وأرسلت بذلك مَعَ وصيفة لها إلى جارية المهدي- وكانت حظية عنده- تريد قتلها، فمرت الوصيفة بالصينية، فرآها المهدي، فدعاها فمدّ يده فأخذ الكمثراة الَّتِي فِي أعلى الصينية وهي المسمومة، فأكلها فصرخ: جوفي. فأخبرت حسنة الخبر، فجاءت تلطم وجهها وتبكي وتقول: أردت أن أنفرد بك فقتلتك، فهلك من يومه فجعلت حسنة عَلَى قبتها المسوح فَقَالَ أَبُو العتاهية فِي ذلك: رحن فِي الوشي وأصبحن ... عليهن المسوح كل نطاح من الدهر ... لَهُ يوم نطوح لست بالباقي ولو ... عمرت مَا عُمَر نوح فعلى نفسك نح إن ... كنت لا بد تنوح [٤] توفي المهدي بقرية يقال لها الرّد من ماسبذان فِي ليلة الخميس لثمان بقين من المحرم، سنة تسع وستين، وَهُوَ ابْن ثلاث وأربعين سنة، ولم توجد لَهُ جنارة يحمل عَلَيْهَا، فحمل عَلَى باب، وصلى عليه ابْنه هارون، ودفن تحت جوزة كان يجلس تحتها

стр. 2900

فِي المكان الَّذِي قبض فِيهِ، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا ونصف شهر، وقيل: عشر سنين وتسعة وأربعين يوما. ٩١٨- نافع بْن عَبْد الرَّحْمَنِ/ بْن أبي نعيم الْقَارِئ المديني، ويكنى أبا نعيم. وقيل: أبا ١٤٢/ ب رويم، وقيل: أبا عَبْد الرَّحْمَنِ، وقيل: أبا الْحَسَن [١] . وَهُوَ مولى جعونة بْن شعوب الليثي حليف حمزة بْن عَبْد المطلب، وأصله من أصبهان. سمع من نافع مولى عُمَر، وعامر بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر. قَالَ الليث بْن سعد: قدمت المدينة سنة عشر ومائة فوجدت نافعا إمام الناس فِي القراءة لا ينازع. تُوُفِّيَ في هذه السنة، وقيل: سنة تسع وخمسين وأقرأ من مائة سنة.

стр. 2901

ثم دخلت سنة سبعين ومائة فمن الحوادث فِيهَا: وفاة الهادي واستخلاف أخيه هارون [١] الرشيد. باب ذكر خلافة الرشيد [٢] واسمه هارون بْن مُحَمَّد المهدي، ويكنى أبا جَعْفَر، وأمه الخيزران، ولد بالري لثلاث بقين من ذي الحجة سنة تسع وأربعين فِي خلافة المنصور. وقيل: ولد في يوم من المحرم سنة خمسين ومائة. وَكَانَ الفضل بْن يَحْيَى البرمكي ولد قبله بسبعة أيام، فجعلت أم الفضل ظئرا لَهُ، وهي زينب بْنت منير، فأرضعت الرشيد بلبان الفضل وأرضعت الخيزران الفضل بلبان [٣] الرشيد. وَكَانَ الرشيد أبيض طويلا سمينا جميلا وسيما جعدا ولم يمت وخطه الشيب.

стр. 2902

قَالَ الصولي: وَكَانَ به حول فِي فرد عين، لا يتبين إلا لمن تأمله. وسمع الحديث من مالك بْن أنس، وإبراهيم بْن سعد الزهري، وأكثر حديثه عَنْ آبائه. روى عنه: أَبُو يوسف القاضي، والشافعي، وَكَانَ يحب الحديث وأهله. ذكر أزواجه [١] تزوج زبيدة وهي أم جَعْفَر بْنت جَعْفَر بْن [أَبِي جَعْفَرٍ] [٢] الْمَنْصُورِ وأعرس بها فِي سنة خمس وستّين فِي خلافة المهدي ببغداد فولدت الأمين. وتزوج أمة العزيز أم ولد موسى بعد موسى. وتزوج عباسة/ بْنت سليمان بْن المنصور وأعرس بها في ذي الحجة سنة سبع ١٤٣/ أوثمانين. وتزوج أم مُحَمَّد بْنت صالح، وأعرس بها فِي الرقة فِي ذي الحجة أيضا، وكانت أملكت من إِبْرَاهِيم بْن المهدي، ثُمَّ خلعت منه فتزوجها الرشيد فحملتا جميعا إِلَيْهِ. وتزوج عزيزة بْنت الغطريف وكانت قبله عند سليمان ابْن أبي جَعْفَر فطلقها، فخلف عَلَيْهَا الرشيد. وتزوج الجرشية العثمانية من أولاد عُثْمَان بْن عفان، وسمّيت الجرشيّة لأنها ولدت بجرش باليمن. فمات الرشيد عَنْ أربع مهائر، أم جَعْفَر، وأم مُحَمَّد، وعباسة، والعثمانية. ذكر أولاده [٣] مُحَمَّد الأكبر وَهُوَ الأمين، أمه زبيدة، وعَبْد اللَّه المأمون وأمه أم ولد يقال لها

стр. 2903

مراجل، والقاسم وأمه أم ولد يقال لها قصف، ومحمد المعتصم وأمه أم ولد يقال لها ماردة، وعلي أمه أمة العزيز، وصالح أمه أم ولد يقال لها رئم، ومحمد أَبُو عيسى أمه أم ولد يقال لها عرابة، ومحمد أَبُو يعقوب أمه أم ولد يقال لها شذرة، ومحمد أَبُو الْعَبَّاس أمه أم ولد يقال لها خبث، ومحمد أَبُو سليمان أمه أم ولد يقال لها رواح، ومحمد أَبُو علي أمه أم ولد يقال لها دواج [١] ، وأبو مُحَمَّد وَهُوَ اسمه ولقبه كريب، أمه أم ولد يقال لها شجر، ومحمد أبو أَحْمَد أمه أم ولد يقال لها كتمان. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَحْمَد بْن عَلِيّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو العلاء الواسطي قَالَ قرأنا عَلَى الحسين بْن هارون الضبي، عن أبي العباس بن سعيد قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن أبي عرابة قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن حبيب، عَنْ هِشَام بْن مُحَمَّد وغيره من أصحابه قَالَ: أَبُو الْعَبَّاس، وأبو أَحْمَد، وأبو إسحاق، وأبو عيسى، وأبو يعقوب، وأبو أيوب بْنو هارون الرشيد، وكل اسمه محمد، وكان للرشيد من الإناث: سكينة وهي أخت القاسم من أمه، وأم حبيب وهي أخت المعتصم لأمه. وأم الْحَسَن/ وهي أخت أبي عيسى لأمه، وخديجة وهي أخت كريب لأمه، وأم مُحَمَّد وهي حمدونة، وفاطمة وأمها غصص، وأم سلمة وأمها رحيق، وأم القاسم وأمها حزق، ورملة أم جَعْفَر وأمها حلي، وأم علي وأمها أنيق، والغالية وأمها سمندل، وريطة وأمها زينة [٢] . ذكر بيعة الرشيد [٣] بويع للرشيد بالخلافة فِي الليلة الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا أخوه [الهادي] أخرجه هرثمة بْن أعين ليلا فأقعده للمبايعة، وكانت تلك الليلة ليلة السبت لأربع عشر بقيت من شهر ربيع الأول سنة سبعين. وَفِيهَا مات الهادي واستخلف الرشيد وولد المأمون، فلما جلس للخلافة سلم عليه بالخلافة عمه سليمان بْن المنصور، وعم أبيه العباس بن محمد،

стр. 2904

وعم جده المنصور بْن عَبْد الصَّمَدِ بْن عَلِيّ، واستدعى الرشيد يَحْيَى بْن خالد بْن برمك- وَكَانَ قَدْ حبسه الهادي لميله إِلَى هارون، وعزم عَلَى قتله وقتل هارون- فحضر يحيى فقلّده الوزارة، وكانت الخيزران هي الناظرة فِي الأمور، فكان يَحْيَى يعرض عليها [١] ويصدر عن رأيها، وكان الرشيد يَقُول ليحيى: يا أبي. وذكر الصولي: أنه كَانَ يَحْيَى يساير الرشيد يوما فقام رجل فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عطبت دابتي، فَقَالَ: يعطى خمسمائة درهم، فغمزه يَحْيَى، فلما نزل قَالَ: يا أبة، أومأت إلي بشيء وقت مَا أمرت بالدراهم فما هو؟ فَقَالَ: مثلك لا يجري هَذَا المقدار عَلَى لسانه، إنما يذكر مثلك خمسة آلاف ألف، عشرة آلاف ألف، قَالَ: فإذا سئلت مثل هَذَا كيف أقول، قَالَ: تقول: نشتري لَهُ دابة يفعل به فعل نظرائه. ولما بويع للرشيد خرج فوصل إِلَى كرسي الجسر فدعا الغواصين، فَقَالَ لهم: كَانَ المهدي وهب لي خاتما شراؤه مائة ألف دينار، فدخلت عَلَى أخي وَهُوَ فِي يدي، فلما انصرفت لحقني سُلَيْمَان الأسود فَقَالَ: يأمرك أمير المؤمنين أن تعطيني الخاتم، فرميت/ به في هذا الموضع. فغاصوا فأخرجوه، فسر به غاية السرور [٢] . وَكَانَ الهادي قَدْ خلع الرشيد وبايع لابْنه جَعْفَر، وَكَانَ خزيمة بْن خازم فِي خمسة آلاف من الموالي عليهم السلاح تلك الليلة، فهجم، فأخذ جَعْفَر من فراشه، فَقَالَ: والله لأضربْن عنقك أو تخلعها، فلما كَانَ من غد ركب الناس إِلَى باب جَعْفَر، فأتى به خزيمة فأقامه على باب الدار فِي العلو، والأبواب مغلقة، فنادى جَعْفَر: يا معشر الناس، من كَانَ لي فِي عنقه بيعة فقد أحللته منها والخلافة لعمي هارون، لا حق لي فِيهَا [٣] . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرني الأزهري قال: أخبرنا أحمد بن إِبْرَاهِيم قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عرفة قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْعَبَّاس المنصوري، عَنْ عَمْرو بْن بحر قَالَ: أجمع الرشيد مَا لم يجمع لأحد من جد وهزل: وزراؤه البرامكة لم ير مثلهم سخاء [وسرورا] [٤] ، وقاضيه أَبُو يوسف، وشاعره مروان بْن أبي حفصة كان

стр. 2905

فِي عصره كجرير فِي عصره، ونديمه عم أبيه الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد صاحب العباسية، وحاجبه الفضل بْن الربيع أتيه الناس وأشدهم تعاظما، ومغنيه إِبْرَاهِيم الموصلي أوحد عصره، وضاربه زلزل [، وزامره برصوما] [١] ، وزوجته أم جَعْفَر أرغب الناس فِي خير، وأسرعهم إِلَى كل بر ومعروف، وهي التي أدخلت الماء الحرم بعد امتناعه من ذلك، إِلَى أشياء من المعروف [٢] ، ومن كبار قواده المعلي ولي البصرة وفارس والأهواز واليمامة والبحرين وغير ذلك، وإليه ينسب نهر معلى. ذكر طرف [من] [٣] وأخباره وسيرته كَانَ الرشيد يحب العلم ويؤثره ويستفيده، فنال علما كثيرا، وكانت لَهُ فطنة قوية. أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلي مُحَمَّد بْن الحسين الجازري قَالَ: حَدَّثَنَا المعافى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن دريد قال: حدثنا أبو ١٤٤/ ب حاتم عَنِ/ الأصمعي قَالَ: دخلت عَلَى هارون الرشيد ومجلسه حافل، فَقَالَ: يا أصمعي مَا أغفلك عنا، وأجفاك لحضرتنا؟ فقلت: والله يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا ألاقتني بلاد بعدك حَتَّى أتيتك. فأمرني بالجلوس فجلست، فلما تفرق الناس- إلا أقلهم- نهضت للقيام، فأشار إلي أن أجلس، فجلست حَتَّى خلى المجلس [٤] ، فلم يبق غيري وغيره ومن بين يديه [من] الغلمان، فَقَالَ لي: يا أبا سعيد: ما ألاقتني؟ قلت: [ما] [٥] أمسكتني، [وأنشدته] : كفاك كف لا تليق درهما جودا ... وأخرى تعط بالسيف الدما فَقَالَ لي: أحسنت، وهكذا فكن وقرنا فِي الملأ، وعلمنا فِي الخلاء، فأمر لي بخمسة آلاف [٦] درهم. وفي رواية دينار.

стр. 2906

قَالَ الأصمعي: وتأخرت عَنِ الرشيد ثُمَّ جئته، فقال: كيف كنت يا أصمعي؟ قلت: بت والله بليلة النابغة- فَقَالَ: إنا للَّه هو والله قوله [١] : فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش فِي أنيابها السم ناقع فعجبت من دكائه وفطنته لما قصدت. وَقَالَ أَبُو سَعِيد بْن مسلم: كَانَ فهم الرشيد فوق فهم العلماء. أنشده العماني فِي وصفة فرس بيت: كَانَ أذنيه إذا تشرفا ... قادمة أو قلما محرفا فَقَالَ الرشيد: دع كَانَ، وقل: تخال أذنيه. وَكَانَ الرشيد يتواضع لأهل العلم والدين. أَنْبَأَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو العلاء الواسطي قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد المزني قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طاهر عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن مرة قَالَ: حَدَّثَنَا حسن الأزدي قَالَ: سمعت عَلِيّ بْن المديني يَقُول: سمعت أبا معاوية يَقُول: أكلت مَعَ الرشيد طعاما يوما من الأيام فصب عَلَى يدي رجل لا أعرفه، فَقَالَ هارون: يا أبا معاوية تدري من يصب عليك [٢] ؟ وقلت: لا، قَالَ: أنا/ قلت: أنت يَا أَمِيرَ ١٤٥/ أالمؤمنين، قال: نعم إجلالا للعلم [٣] . أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْن عَلِيّ المدبر قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر بْن ابْن المسلمة قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن سَعِيد بْن سويد قَالَ: حدثنا أَبُو علي الحسين بْن القاسم الكوكبي قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الجنيد قَالَ: سمعت عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه- يعني ابْن المديني- قَالَ: قَالَ أَبُو معاوية الضرير: حدثت الرشيد بهذا الحديث- يعني قول النبي ﷺ : «وددت إني أقتل فِي سبيل اللَّه ثُمَّ أحيا ثُمَّ أقتل» - فبكى هارون حَتَّى انتحب، ثُمَّ قَالَ: يا أبا معاوية ترى [لي] [٤] أن أغزو؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، مكانك في الإسلام أكبر، ومقامك أعظم،

стр. 2907

ولكن ترسل الجيوش، قَالَ أَبُو معاوية: وما ذكرت النبي ﷺ إلا قَالَ صلى اللَّه عَلَى سيدي [١] . وَكَانَ الرشيد معظما للسنة شديد النفور من البدع. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن الفضل الْعَطَّار قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر درستويه قَالَ: حَدَّثَنَا يعقوب بْن سُفْيَان قَالَ: سمعت عَلِيّ بْن المديني يَقُول: قَالَ مُحَمَّد بْن حازم: كنت أقرأ حديث الأعمش عَنْ أبي صالح على أمير المؤمنين هارون، فكلما قلت قَالَ رَسُولُ اللَّهِ [ ﷺ ] قال: صلى الله على سيدي ومولاي، حَتَّى ذكرت التقاء آدم وموسى فَقَالَ عمه: يا مُحَمَّد، أين التقيا؟ فغضب هارون الرشيد وَقَالَ: من طرح إليك هَذَا؟ وأمر به فحبس، فدخلت إِلَيْهِ فِي حبسه فَقَالَ: يا مُحَمَّد، والله مَا هو إلّا شيئا خطر ببالي، وحلف لي بالعتق وصدقة المال، وغير ذلك من معضلات الأيمان مَا سمعته من أحد ولا جرى بيني وبين أحد فِيهِ كلام. قَالَ: [فكلمته فِيهِ] [٢] فأمر به فأطلق من الحبس، وَقَالَ لي: يا مُحَمَّد، ويحك، إنما توهمت أنه طرح إِلَيْهِ بعض الملحدين بهذا الكلام فأردت أن يدلني عليهم فأستفتحهم وإلا فأنا عَلَى يقين أن القرشي لا يتزندق [٣] . وَكَانَ الرشيد إذا عرف الصواب رجع إِلَيْهِ سريعا. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنَا/ أَبُو عمر الْحَسَن بْن عُثْمَان الواعظ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد الواسطي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الطيب النعمان بْن أَحْمَد القاضي قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن زكريا بْن سفيان قَالَ سمعت أصحابْنا يقولون: قَالَ أَبُو معاوية: دخلت عَلَى هارون [الرشيد] [٤] فَقَالَ لي: يا أبا معاوية، لهممت أنه من تثبت خلافته علي فعلت به وفعلت [به] . فسكت، فقال لي: تكلم [تكلم] [٥] . فقلت: إن أذنت لي تكلمت. فَقَالَ: تكلم، قلت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قالت تيم منا خليفة رسول الله، وقالت

стр. 2908

عدي: منا خليفة خليفة رسول الله، وقالت بْنو أمية، منا خليفة الخلفاء، فأين حظكم يا بْني هاشم من الخلافة؟ والله مَا حظكم فِيهَا إلا عَلِيّ بْن أبي طالب ﵁، فَقَالَ: واللَّهِ يا أبا معاوية لا يبلغني أن أحدا لم يثبت خلافة علي إلا فعلت به كذا وكذا. وَكَانَ الرشيد يستقبح المدح بالكذب ويذم المادح به. قَالَ يوما لبعض ولاته: كيف تركت النّاس؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أحسنت فيهم السيرة وأنسيتهم سيرة العمرين. فغضب الرشيد واستشاط وَقَالَ: ويلك يا ابْن الفاعلة، العمرين العمرين، وأخذ سفرجلة فرماه بها فكادت تهلكه، وأخرج من بين يديه. وَكَانَ الرشيد يكثر الحج والغزو واتخذ قلنسوة مكتوب عَلَيْهَا: غاز حاج. قَالَ ابْن البراء: كَانَ يحج سنة ويغزو سنة، حج بالناس ست مرات، [فَقَالَ داود بْن رزين] [١] : بهارون لاح البدر فِي كل بلدة ... وقام به فِي عدل سيرته النهج إمام بذات اللَّه أصبح شغله ... وأكثر مَا يعنى به الغزو والحج تضيق عيون الناس عَنْ نور وجهه ... إذا مَا بدا للناس منظره البلج وإن أمين اللَّه هارون بالندى ... ينيل الَّذِي يرجوه أضعاف مَا يرجو [٢] وَقَالَ أَبُو المعلى الكلابي: فمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور / ففي أرض العدو علي طمر ... وفي أرض البْنية فوق كور [٣] ١٤٦/ أوألح عليه فِي بعض غزواته الثلج، فَقَالَ بعض أصحابه: أما ترى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا نحن فيه من الجهد والرعية وادعة فَقَالَ لَهُ: أسكت، عَلَى الرعية المنام، وعلينا القيام، ولا بد للراعي من حراسة رعيته. فَقَالَ بعض الشعراء فِي ذلك: غضبت لغضبتك القواطع والقنا ... لما نهضت لنصرة الإسلام ناموا إِلَى كنف بعدلك واسع ... وسهرت تحرس غفلة النوّام

стр. 2909

وَكَانَ الرشيد إذا حج حج معه مائة من الفقهاء وأبْنائهم، وإذا لم يحج أحج ثلاثمائة رَجُل بالنفقة التامة والكسوة الطاهرة، وَكَانَ يصلي كل يوم مائة ركعة إِلَى أن فارق الدُّنيا، إلا أن تعرض لَهُ علة، وَكَانَ يتصدق من صلب ماله فِي كل يوم ألف درهم بعد زكاتها [١] ، وَكَانَ يقتفي أخلاق المنصور ويطلب العمل بها، إلا فِي بذل المال، وكان لا يضيع عنده إحسان محسن، ولا يؤخر ذلك، وَكَانَ يميل إِلَى أَهْل الأدب والفقه، ويكره المراء فِي الدين، ويحب الشعر والشعراء، والمدح ولا سيما من شاعر فصيح، فدخل عليه يوما مروان بْن أبي حفصة فأنشده من قصيدة لَهُ: وسدت بهارون الثغور فأحكمت ... به من أمور المسلمين المرائر وما انفك معقودا بْنصر لواؤه ... لَهُ عسكر عنه تشظى العساكر فكل ملوك الروم أعطاه جزية ... عَلَى الرغم قسرا عَنْ يد وَهُوَ صاغر إِلَى وجهه تسمو [٢] العيون وما سمت ... إِلَى مثل هارون العيون النواظر ترى حوله الأملاك من آل هاشم ... كما حفت البدر النجوم الزواهر إذا فقد الناس الغمام تتابعت عليهم ... بكفّيك الغيوث المواطر ١٤٦/ ب/ عَلَى ثقة ألقت إليك أمورها ... قريش كما ألقي عصاه المسافر فطورا يهزون القواطع والقنا ... وطورا بأيديهم تهز المخاصر ليهنكم الملك الَّذِي أصبحت بكم ... أسرته مختالة والمنابر أبوك ولي المصطفى دون هاشم ... وإن رغمت من حاسديك المناخر فأعطاه عشرة آلاف دينار وكساه، وأمر لَهُ بعشرة من رقيق الروم وحمله عَلَى برذون [٣] . وللرشيد أشعار حسان، منها: مَا أَخْبَرَنَا به عبد الرحمن بْن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قَالَ: أَخْبَرَنَا سليمان بْن أَحْمَد الطبراني قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن موسى بْن حسان قَالَ: حَدَّثَنَا يعقوب بْن إِبْرَاهِيم بْن صالح قَالَ: حَدَّثَنَا عمي عَلِيّ بْن صالح قَالَ: قَالَ الرشيد فِي ثلاث جوار: ملك الثلاث الغانيات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان

стр. 2910

ما لي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن فِي عصياني؟ مَا ذاك إلا أن سُلْطَانَ الهوى ... وبه قوين أعز من سلطاني [١] وَكَانَ الرشيد طيب النفس، فكها يحب المزح. أَخْبَرَنَا المبارك بْن علي الصيرفي قَالَ: أخبرتنا فاطمة بْنت عَبْد اللَّه الخبرية قالت: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن الحسين بْن الفضل قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد بْن خالد الكاتب قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بْن عَبْد اللَّه بْن المغيرة الجوهري قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن سعيد الدمشقي قَالَ: حدثني الزبير بْن بكار قَالَ: حدثني عَلِيّ بْن صالح قَالَ: كَانَ مَعَ الرشيد ابْن أبي مريم المديني، وَكَانَ مضاحكا محداثا فكها، وَكَانَ الرشيد لا يصبر عَنْ محادثته، وَكَانَ قَدْ جمع إِلَى ذلك [المعرفة] [٢] بأخبار العرب من [٣] أَهْل الحجاز ومكائد المجان، فبلغ من خصوصيته به أنه أنزله منزلا فِي قصره وخلطه ببطانته وغلمانه، فجاء ذات ليلة وهو نائم وقد طلع الفجر، فكشف اللحاف عَنْ ظهره، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كيف أصبحت؟ فَقَالَ: يا هَذَا، مَا أصبحت بعد، مر إِلَى عملك، قَالَ: ويلك، قم إِلَى/ الصلاة قال: هذا وقت صلاة ١٤٧/ أأبي الجارود، وأنا من أصحاب أبي يوسف القاضي، فقام [٤] ومضى وتركه نائما، وقام الرشيد إِلَى الصلاة، فجاء غلامه فقال: أمير المؤمنين، قَدْ قام إِلَى الصلاة، فألقى عليه ثيابه ومضى نحوه، فإذا هو يقرأ فِي صلاة الصبح وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ٣٦: ٢٢ [٥] فَقَالَ لَهُ ابْن أبي مريم: لا أدري والله فما تمالك أن ضحك فِي صلاته، ثُمَّ التفت كالمغضب فَقَالَ: يا ابْن أبي مريم، فِي الصلاة أيضا؟! قَالَ: يا هَذَا، ما صنعت؟ قال: قطعت علي الصلاة. قَالَ: والله مَا فعلت، إنما سمعت منك كلاما غمني حين قلت وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ٣٦: ٢٢ [٦] [فقلت: لا أدري] [٧] . فضحك، وَقَالَ: إياك والقرآن والدين ولك ما شئت بعدها [٨] .
следующие страницы →