قَالَ الأصمعي: وتأخرت عَنِ الرشيد ثُمَّ جئته، فقال: كيف كنت يا أصمعي؟
قلت: بت والله بليلة النابغة- فَقَالَ: إنا للَّه هو والله قوله [١] :
فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش فِي أنيابها السم ناقع
فعجبت من دكائه وفطنته لما قصدت.
وَقَالَ أَبُو سَعِيد بْن مسلم: كَانَ فهم الرشيد فوق فهم العلماء. أنشده العماني فِي وصفة فرس بيت:
كَانَ أذنيه إذا تشرفا ... قادمة أو قلما محرفا
فَقَالَ الرشيد: دع كَانَ، وقل: تخال أذنيه.
وَكَانَ الرشيد يتواضع لأهل العلم والدين.
أَنْبَأَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو العلاء الواسطي قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد المزني قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طاهر عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن مرة قَالَ: حَدَّثَنَا حسن الأزدي قَالَ: سمعت عَلِيّ بْن المديني يَقُول: سمعت أبا معاوية يَقُول:
أكلت مَعَ الرشيد طعاما يوما من الأيام فصب عَلَى يدي رجل لا أعرفه، فَقَالَ هارون: يا أبا معاوية تدري من يصب عليك [٢] ؟ وقلت: لا، قَالَ: أنا/ قلت: أنت يَا أَمِيرَ ١٤٥/ أالمؤمنين، قال: نعم إجلالا للعلم [٣] .
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْن عَلِيّ المدبر قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر بْن ابْن المسلمة قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن سَعِيد بْن سويد قَالَ: حدثنا أَبُو علي الحسين بْن القاسم الكوكبي قَالَ:
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الجنيد قَالَ: سمعت عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه- يعني ابْن المديني- قَالَ: قَالَ أَبُو معاوية الضرير:
حدثت الرشيد بهذا الحديث- يعني قول النبي ﷺ : «وددت إني أقتل فِي سبيل اللَّه ثُمَّ أحيا ثُمَّ أقتل» - فبكى هارون حَتَّى انتحب، ثُمَّ قَالَ: يا أبا معاوية ترى [لي] [٤] أن أغزو؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، مكانك في الإسلام أكبر، ومقامك أعظم،
стр. 2907
ولكن ترسل الجيوش، قَالَ أَبُو معاوية: وما ذكرت النبي ﷺ إلا قَالَ صلى اللَّه عَلَى سيدي [١] .
وَكَانَ الرشيد معظما للسنة شديد النفور من البدع.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن الفضل الْعَطَّار قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر درستويه قَالَ: حَدَّثَنَا يعقوب بْن سُفْيَان قَالَ: سمعت عَلِيّ بْن المديني يَقُول: قَالَ مُحَمَّد بْن حازم: كنت أقرأ حديث الأعمش عَنْ أبي صالح على أمير المؤمنين هارون، فكلما قلت قَالَ رَسُولُ اللَّهِ [ ﷺ ] قال: صلى الله على سيدي ومولاي، حَتَّى ذكرت التقاء آدم وموسى فَقَالَ عمه: يا مُحَمَّد، أين التقيا؟ فغضب هارون الرشيد وَقَالَ: من طرح إليك هَذَا؟ وأمر به فحبس، فدخلت إِلَيْهِ فِي حبسه فَقَالَ: يا مُحَمَّد، والله مَا هو إلّا شيئا خطر ببالي، وحلف لي بالعتق وصدقة المال، وغير ذلك من معضلات الأيمان مَا سمعته من أحد ولا جرى بيني وبين أحد فِيهِ كلام. قَالَ: [فكلمته فِيهِ] [٢] فأمر به فأطلق من الحبس، وَقَالَ لي: يا مُحَمَّد، ويحك، إنما توهمت أنه طرح إِلَيْهِ بعض الملحدين بهذا الكلام فأردت أن يدلني عليهم فأستفتحهم وإلا فأنا عَلَى يقين أن القرشي لا يتزندق [٣] .
وَكَانَ الرشيد إذا عرف الصواب رجع إِلَيْهِ سريعا.
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنَا/ أَبُو عمر الْحَسَن بْن عُثْمَان الواعظ قَالَ:
حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد الواسطي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الطيب النعمان بْن أَحْمَد القاضي قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن زكريا بْن سفيان قَالَ سمعت أصحابْنا يقولون: قَالَ أَبُو معاوية:
دخلت عَلَى هارون [الرشيد] [٤] فَقَالَ لي: يا أبا معاوية، لهممت أنه من تثبت خلافته علي فعلت به وفعلت [به] . فسكت، فقال لي: تكلم [تكلم] [٥] . فقلت: إن أذنت لي تكلمت. فَقَالَ: تكلم، قلت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قالت تيم منا خليفة رسول الله، وقالت
стр. 2908
عدي: منا خليفة خليفة رسول الله، وقالت بْنو أمية، منا خليفة الخلفاء، فأين حظكم يا بْني هاشم من الخلافة؟ والله مَا حظكم فِيهَا إلا عَلِيّ بْن أبي طالب ﵁، فَقَالَ:
واللَّهِ يا أبا معاوية لا يبلغني أن أحدا لم يثبت خلافة علي إلا فعلت به كذا وكذا.
وَكَانَ الرشيد يستقبح المدح بالكذب ويذم المادح به. قَالَ يوما لبعض ولاته:
كيف تركت النّاس؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أحسنت فيهم السيرة وأنسيتهم سيرة العمرين. فغضب الرشيد واستشاط وَقَالَ: ويلك يا ابْن الفاعلة، العمرين العمرين، وأخذ سفرجلة فرماه بها فكادت تهلكه، وأخرج من بين يديه.
وَكَانَ الرشيد يكثر الحج والغزو واتخذ قلنسوة مكتوب عَلَيْهَا: غاز حاج.
قَالَ ابْن البراء: كَانَ يحج سنة ويغزو سنة، حج بالناس ست مرات، [فَقَالَ داود بْن رزين] [١] :
بهارون لاح البدر فِي كل بلدة ... وقام به فِي عدل سيرته النهج
إمام بذات اللَّه أصبح شغله ... وأكثر مَا يعنى به الغزو والحج
تضيق عيون الناس عَنْ نور وجهه ... إذا مَا بدا للناس منظره البلج
وإن أمين اللَّه هارون بالندى ... ينيل الَّذِي يرجوه أضعاف مَا يرجو [٢]
وَقَالَ أَبُو المعلى الكلابي:
فمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور
/ ففي أرض العدو علي طمر ... وفي أرض البْنية فوق كور
[٣] ١٤٦/ أوألح عليه فِي بعض غزواته الثلج، فَقَالَ بعض أصحابه: أما ترى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا نحن فيه من الجهد والرعية وادعة فَقَالَ لَهُ: أسكت، عَلَى الرعية المنام، وعلينا القيام، ولا بد للراعي من حراسة رعيته. فَقَالَ بعض الشعراء فِي ذلك:
غضبت لغضبتك القواطع والقنا ... لما نهضت لنصرة الإسلام
ناموا إِلَى كنف بعدلك واسع ... وسهرت تحرس غفلة النوّام
стр. 2909
وَكَانَ الرشيد إذا حج حج معه مائة من الفقهاء وأبْنائهم، وإذا لم يحج أحج ثلاثمائة رَجُل بالنفقة التامة والكسوة الطاهرة، وَكَانَ يصلي كل يوم مائة ركعة إِلَى أن فارق الدُّنيا، إلا أن تعرض لَهُ علة، وَكَانَ يتصدق من صلب ماله فِي كل يوم ألف درهم بعد زكاتها [١] ، وَكَانَ يقتفي أخلاق المنصور ويطلب العمل بها، إلا فِي بذل المال، وكان لا يضيع عنده إحسان محسن، ولا يؤخر ذلك، وَكَانَ يميل إِلَى أَهْل الأدب والفقه، ويكره المراء فِي الدين، ويحب الشعر والشعراء، والمدح ولا سيما من شاعر فصيح، فدخل عليه يوما مروان بْن أبي حفصة فأنشده من قصيدة لَهُ:
وسدت بهارون الثغور فأحكمت ... به من أمور المسلمين المرائر
وما انفك معقودا بْنصر لواؤه ... لَهُ عسكر عنه تشظى العساكر
فكل ملوك الروم أعطاه جزية ... عَلَى الرغم قسرا عَنْ يد وَهُوَ صاغر
إِلَى وجهه تسمو [٢] العيون وما سمت ... إِلَى مثل هارون العيون النواظر
ترى حوله الأملاك من آل هاشم ... كما حفت البدر النجوم الزواهر
إذا فقد الناس الغمام تتابعت عليهم ... بكفّيك الغيوث المواطر
١٤٦/ ب/ عَلَى ثقة ألقت إليك أمورها ... قريش كما ألقي عصاه المسافر
فطورا يهزون القواطع والقنا ... وطورا بأيديهم تهز المخاصر
ليهنكم الملك الَّذِي أصبحت بكم ... أسرته مختالة والمنابر
أبوك ولي المصطفى دون هاشم ... وإن رغمت من حاسديك المناخر
فأعطاه عشرة آلاف دينار وكساه، وأمر لَهُ بعشرة من رقيق الروم وحمله عَلَى برذون [٣] .
وللرشيد أشعار حسان، منها: مَا أَخْبَرَنَا به عبد الرحمن بْن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قَالَ: أَخْبَرَنَا سليمان بْن أَحْمَد الطبراني قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن موسى بْن حسان قَالَ: حَدَّثَنَا يعقوب بْن إِبْرَاهِيم بْن صالح قَالَ:
حَدَّثَنَا عمي عَلِيّ بْن صالح قَالَ: قَالَ الرشيد فِي ثلاث جوار:
ملك الثلاث الغانيات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان
стр. 2910
ما لي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن فِي عصياني؟
مَا ذاك إلا أن سُلْطَانَ الهوى ... وبه قوين أعز من سلطاني [١]
وَكَانَ الرشيد طيب النفس، فكها يحب المزح.
أَخْبَرَنَا المبارك بْن علي الصيرفي قَالَ: أخبرتنا فاطمة بْنت عَبْد اللَّه الخبرية قالت:
أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن الحسين بْن الفضل قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد بْن خالد الكاتب قَالَ:
أَخْبَرَنَا علي بْن عَبْد اللَّه بْن المغيرة الجوهري قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن سعيد الدمشقي قَالَ:
حدثني الزبير بْن بكار قَالَ: حدثني عَلِيّ بْن صالح قَالَ: كَانَ مَعَ الرشيد ابْن أبي مريم المديني، وَكَانَ مضاحكا محداثا فكها، وَكَانَ الرشيد لا يصبر عَنْ محادثته، وَكَانَ قَدْ جمع إِلَى ذلك [المعرفة] [٢] بأخبار العرب من [٣] أَهْل الحجاز ومكائد المجان، فبلغ من خصوصيته به أنه أنزله منزلا فِي قصره وخلطه ببطانته وغلمانه، فجاء ذات ليلة وهو نائم وقد طلع الفجر، فكشف اللحاف عَنْ ظهره، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كيف أصبحت؟ فَقَالَ: يا هَذَا، مَا أصبحت بعد، مر إِلَى عملك، قَالَ: ويلك، قم إِلَى/ الصلاة قال: هذا وقت صلاة ١٤٧/ أأبي الجارود، وأنا من أصحاب أبي يوسف القاضي، فقام [٤] ومضى وتركه نائما، وقام الرشيد إِلَى الصلاة، فجاء غلامه فقال: أمير المؤمنين، قَدْ قام إِلَى الصلاة، فألقى عليه ثيابه ومضى نحوه، فإذا هو يقرأ فِي صلاة الصبح وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ٣٦: ٢٢ [٥] فَقَالَ لَهُ ابْن أبي مريم: لا أدري والله فما تمالك أن ضحك فِي صلاته، ثُمَّ التفت كالمغضب فَقَالَ: يا ابْن أبي مريم، فِي الصلاة أيضا؟! قَالَ: يا هَذَا، ما صنعت؟ قال:
قطعت علي الصلاة. قَالَ: والله مَا فعلت، إنما سمعت منك كلاما غمني حين قلت وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ٣٦: ٢٢ [٦] [فقلت: لا أدري] [٧] . فضحك، وَقَالَ: إياك والقرآن والدين ولك ما شئت بعدها [٨] .
стр. 2911
وَكَانَ الرشيد مَعَ حبه اللهو كثير البكاء من خشية اللَّه، محبا للمواعظ، وقد وعظه الفضيل [بْن عياض] [١] ، وابْن السماك، والعمري والبهلول، وغيرهم، وكان يتقبل الموعظة ويكثر البكاء.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا محمد بن أبي علي الأصبهاني قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن إِسْحَاق الشاهد قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن منيع قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أيوب الواعظ- أو قَالَ: العابد- قَالَ: سمعت منصور بْن عمار يَقُول: مَا رأيت أغزر دمعا عند الذكر من ثلاثة: فضيل بْن عياض، وأبي عَبْد الرَّحْمَنِ الزاهد، وهارون الرشيد، وأتاه يوما رَجُل من الزهاد، فَقَالَ: يا هارون، اتق اللَّه، فأخذه فخلا به، وَقَالَ: يا هَذَا أنصفني، أنا شر أم فرعون؟ قَالَ: بل فرعون، قَالَ:
فأنت خير أم موسى؟ قَالَ: بل موسى، قَالَ: أفما تعلم أن اللَّه تعالى لمّا بعثه وأخاه إِلَيْهِ قَالَ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً ٢٠: ٤٤ وقد جبهتني بأغلظ الألفاظ، فلا بأدب اللَّه تأدبت، ولا بأخلاق الصالحين أخذت. قَالَ: أخطأت وأنا أستغفر الله، فقال: غفر الله لك، وأمر لَهُ بعشرين ألف درهم، فأبى أن يأخذها. فهذه الأخلاق الطيبة.
وفي هذه السنة: ولد المأمون فِي ربيع الأول، وولد الأمين/ فِي شوال [٢] .
وَفِيهَا: عزل الرشيد عُمَر بْن عَبْد العزيز العمري عَنْ مدينة الرسول [﵇] ، وولاها إِسْحَاق بْن سليمان بْن عَلِيّ [٣] .
وَفِيهَا: أمر الرشيد بسهم ذوي القربى قسم فِي بْني هاشم بالسوية [٤] .
وَفِيهَا: عزل الرشيد الثغور كلها عَنِ الجزيرة وقنسرين، وجعل لها حيزا واحدا، وسمّيت العواصم [٥] .
стр. 2912
وَفِيهَا: عمرت طرسوس عَلَى يدي أبي سليم، فخرج الخادم التركي ونزلها الناس [١] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن ناصر الحافظ قال: أخبرنا المبارك بْن عَبْد الْجَبَّارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن عُمَر البرمكي قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الحسين بْن عَبْد اللَّه بْن إِبْرَاهِيم الزَّيْنبيّ قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني أحمد بْن زهير قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن البربري قَالَ: حَدَّثَنِي أبي- وَكَانَ أول من سكن طرسوس حين بْناها أَبُو سليم، وَكَانَ شيخا قديما- قَالَ: كَانَ يغازينا [٢] من الشام ثلاثة أخوة فرسان شجعان، وكانوا لا يخالطون العسكر، وكانوا يسيرون وحدهم، وينزلون كذلك، فإذا رأوا العدو لم يقاتلوا مَا كفوا، فغزوا مرة، فلقيهم الطاغية في جمع كثير، فقاتلوا المسلمين فقتلوا وأسروا، فَقَالَ بعضهم لبعض: قَدْ ترون مَا نزل بالمسلمين، وقد وجب علينا أن نبذل أنفسنا ونقاتل فتقدموا، وقالوا لمن بقي من المسلمين: كونوا وراء ظهورنا وخلوا بيننا وبين القتال نكفيكم إن شاء الله تعالى. فقاتلوا فقهروا الروم، فَقَالَ ملك الروم لمن معه من البطارقة: من جاءني برجل من هؤلاء قدمته وبطرقته. فألقت الروم أنفسها عليهم فأخذوهم أسرى، لم يصب رجل منهم كلم، فَقَالَ ملك الروم: لا غنيمة ولا فتح أعظم من أخذ هؤلاء. فرحل بهم حَتَّى نزل بهم القسطنطينية، فعرض عليهم النصرانية وَقَالَ:
إني أجعل فيكم الملك وأزواجكم بْناتي. فأبوا عليه ونادوا: يا محمداه، فَقَالَ الملك: مَا يقولون؟ قالوا: يدعون نبيهم، فَقَالَ لهم: إن أنتم أجبتموني/ وإلا أغليت قدورا ثلاثة ١٤٨/ أفيها الزيت، حَتَّى إذا بلغت أناها ألقيت كل واحد منهم فِي قدر. فأبوا، فأمر بثلاث قدور فنصبت، ثُمَّ صب فِيهَا الزيت، ثُمَّ أمر أن يوقد تحتها ثلاثة أيام يعرضون في كل يوم عَلَى تلك القدور، ويدعوهم إِلَى النصرانية، وإلى أن يزوجهم بْناته، ويجعل الملك فيهم، فيأبون أن يجيبوه، وأقاموا عَلَى الإسلام، فنادى الأكبر، ودعاه إلى دينه فأبى، فناشده وَقَالَ: إني ملقيك فِي هَذِهِ القدر. فأبى فألقاه فِي قدر منها، فما هو إلا أن سقط فِيهَا، فارتفعت عظامه تلوح، ثُمَّ فعل بالثاني مثل ذلك، فلما [رأى] [٣] صبرهم على ما فعل
стр. 2913
بهم، وحفظهم لدينهم، ندم الملك وَقَالَ: فعلت هَذَا بقوم لم أر أشجع منهم، فأمر بالصغير فأدنى منه فجعل يفتنه عَنْ دينه بكل أمر فيأبى، فقام إِلَيْهِ علج من أعلاجه فقال:
أيها الملك مَا تجعل لي إن أنا فتنته؟ قَالَ: أبطرقك، قَالَ: قَدْ رضيت، قَالَ: فبماذا تفتنه؟ قَالَ: قَدْ علم الملك أن العرب أسرع شيء إِلَى النساء، وقد علمت الروم أنه ليس فيهم [امرأة] [١] أجمل من ابْنتي فلانة، فادفعه إلي حَتَّى أخليه معها، فإنها ستفتنه، قال:
فضرب الملك بينه وبين العلج أجلا أربعين يوما، ودفعه إِلَيْهِ، فجاء به فأدخله مع ابنته، وأخبرها بالذي ضمن للملك [٢] ، وبالأجل الَّذِي ضربه بينه وبينه، فقالت: لَهُ: دعه، فقد كفيتك أمره، فأقام معها نهاره صائما، وليله قائما، لا يفتر من العمل، حَتَّى مضى أكبر الأجل، فسأل الملك العلج: ما حال الرجل؟ فرجع إِلَى ابْنته فَقَالَ لها: مَا صنعت؟
قالت: مَا صنعت شيئا هَذَا رجل فقد إخوته في هذه البلدة، فأخاف أن يكون امتناعه من أجل أخويه، كلما رأى آثارهما، ولكن استزد الملك فِي الأجل، وانقلني وإياه إِلَى بلد غير هَذَا البلد الَّذِي قتل فِيهِ أخواه، فسأل العلج الملك فزاده فِي الأجل، أياما، وأذن له في ١٤٨/ ب خروجهما/، فأخرجهما إِلَى قرية أخرى، فمكث عَلَى ذلك أياما صائم النهار، قائم الليل، حَتَّى إذا بقي من الأجل أيام قالت لَهُ الجارية ليلة من الليالي: يا هَذَا، إني أراك تقدس ربا عظيما، وإني قَدْ دخلت معك فِي دينك، وتركت دين آبائي فلم يثق بذلك منها، حَتَّى أعادت عليه مرارا، فَقَالَ لها: فكيف الحيلة فِي الهرب والنجاة مما نحن فِيهِ؟
فقالت لَهُ: أنا أحتال لك وجاءته بدواب وقالت لَهُ: قم بْنا نهرب إِلَى بلادك، فركبا، فكانا يسيران الليل ويكمنان النهار، وطلبا فخفيا، فبينما هما يسيران ذات ليلة سمع وقع حوافر [٣] خيل، فقالت لَهُ الجارية: أيها الرجل، ادع ربك الَّذِي صدقته وآمنت به أن يخصلنا من عدونا، فإذا هو بأخويه ومعهما ملائكة رسل إِلَيْهِ، فسلم عليهما وسألهما عَنْ حالهما، فقالا لَهُ: مَا كانت إلا الغطسة الَّتِي رأيت حَتَّى خرجنا فِي الفردوس، وإن الله أرسلنا إليك لنشهد تزويجك بهذه الفتاة. فزوجوه إياها ورجعوا، وخرج إِلَى بلاد الشام، فأقام معها، وكانا مشهورين بذلك، معروفين بالشام فِي الزمن الأول. وقد قيل فيهما من الشعر ما أنسيته غير هذا البيت:
стр. 2914
ستعطي الصادقين بفضل صدق ... نجاة فِي الحياة وفي الممات
وفي هذه السنة: حج بالناس الرشيد من مدينة السلام، فأعطى أَهْل الحرمين عطاء كثيرا، وقسم مالا جزيلا [١] .
وغزا الصائفة سليمان بْن عَبْد اللَّه الركابي [٢] .
وَكَانَ العامل عَلَى مكة والطائف عَبْد اللَّه بْن قثم، وعلى المدينة إِسْحَاق بْن سليمان الهاشمي، وعلى الكوفة موسى بْن عيسى وخليفته عَلَيْهَا ابْنه الْعَبَّاس بْن موسى، وعلى البصرة والبحرين وعمان واليمامة وكور الأهواز وفارس مُحَمَّد بْن سليمان بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عباس/ [٣] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٩١٩- جوهرة العابدة البراثية [٤] .
نزلت مَعَ زوجها أبي عَبْد اللَّه البراثي، وكانت جارية لبعض الملوك فعتقت وتركت الدنيا، وتزوجت أبا عَبْد اللَّه، وتعبدت معه، وكانت تحرضه عَلَى العبادة، وتوقظه من الليل وتقول: يا أَبَا عَبْد اللَّه كاروان برفت، معناه: قَدْ سارت القافلة.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أَحْمَد بْن عَلِيّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الوراق قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ قال: حدثنا محمد بن الحسين البرجلاني قَالَ: حَدَّثَنَا حكيم بْن جَعْفَر قَالَ:
كنا نأتي أبا عَبْد اللَّه بْن أبي جَعْفَر الزاهد، وَكَانَ يسكن براثا، وكانت لَهُ امرأة متعبدة يُقَالُ لها جوهرة، وَكَانَ يجلس عَلَى جلة خوص بحرانية، وجوهرة جالسة حذاءه على جلة أخرى، فأتيناه يوما وَهُوَ جالس عَلَى الأرض ليست الجلة تحته، فقلنا له يا أبا
стр. 2915
عَبْد اللَّه، مَا فعلت الجلة الَّتِي كنت تقعد عَلَيْهَا؟ قَالَ: أرى جوهرة أيقظتني البارحة، فقالت: أليس يقال فِي الحديث «إن الأرض تقول لابْن آدم تجعل بيني وبينك سترا وأنت غدا فِي بطني» ؟ قَالَ: قلت: نعم، قالت: هَذِهِ الجلال لا حاجة لنا فِيهَا. فقمت والله فأخرجتها [١] .
وقد روينا عَنْ أبي شعيب الزاهد البراثي أن جارية من بنات الكبار من أبْناء الدنيا نظرت إِلَى زهده، فتزوجت به وتركت الدنيا وجرت لها معه مثل هَذِهِ القصة فِي فرش من خوص.
٩٢٠- الربيع بْن يونس بْن مُحَمَّد بْن يونس بن أبي فروة- واسم أبي فروة: كيسان [٢] -.
مولى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ وحاجبه، ووزر لَهُ بعد أبي أيوب المرزباني.
أَنْبَأَنَا أَبُو بكر بْن مُحَمَّد بْن الحسين الحاجي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن أَحْمَد بْن سليمان الواسطي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَد الفرضي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عمر الزاهد قال: أخبرنا ١٤٩/ ب/ ثعلب، عن ابن شبيب، عن الزُّبَيْر قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرو بْن عُثْمَان قَالَ: دخل المنصور أمير المؤمنين قصرا فرأى في جداره مكتوبا:
وما لي لا أبكي بعين حزينة ... وقد قربت للظاعنين حمول
وتحته مكتوب: إيه إيه. قَالَ أَبُو عُمَر: ويروى آه آه. فَقَالَ المنصور: أي شيء أه أه؟ فقال له الربيع وَهُوَ إذ ذاك تحت يدي أبي الخصيب الحاجب: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنه لما كتب البيت أحب أن يخبر أنه يبكي، فَقَالَ قائله: اللَّه، مَا كَانَ أظرفه، فكان هَذَا أول مَا ارتفع به الربيع.
وقد روى أَبُو الفرج الأصبهاني: أن الربيع قَالَ: كنت فِي خمسين وصيفا أهدوا للمنصور، ففرقنا فِي خدمته، فصرت إِلَى ياسر صاحب وضوئه، فكنت أراه يعطيه الأبريق فِي المستراح، ويقف مكانه لا يبرح. فَقَالَ لي يوما: كن مكاني في هذا، فكنت
стр. 2916
أعطيه الأبريق، وأخرج مبادرا، فإذا سمعت حركته بادرت إِلَيْهِ فَقَالَ لي: مَا أخفك عَلَى قلبي يا غلام، ثُمَّ دخل قصرا فرأى حيطانه مملوءة من الشعر وإذا بخط [١] منفرد فقرأه فإذا هو:
وما لي لا أبكي وأندب ناقتي ... إذا صدر الرعيان نحو المناهل
وكنت إذا مَا أشتد شوقي رحلتها ... فسارت لمحزون طويل البلابل
وتحته مكتوب: أه أه، فلم يدر مَا هو، وفطنت لَهُ، فقلت: يَا أمير المؤمنين قال الشعر، ثم تأوّه فكتب تأوهه بْنفسه فَقَالَ لي: مالك قاتلك اللَّه، قَدْ أعتقتك ووليتك مكان ياسر.
قَالَ أَبُو بكر الصولي: لم يزل الربيع وزير المنصور حَتَّى تُوُفِّيَ المنصور بمكة، فأخذ الرَّبِيع للمهدي البيعة، فشكر المهدي لَهُ ذلك، وجعله حاجبه، ولم يستوزره.
أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أخبرنا الحسين بن علي الصيمري قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد/ بْن علي الصيرفي قال: ١٥٠/ أحدّثنا مُحَمَّد بْن عُمَر بْن سالم الحافظ قَالَ: ذكروا أنه لم ير فِي الحجابة أعرق من الربيع، حاجب أبي جَعْفَر ومولاه، ثُمَّ صار وزيره، ثُمَّ حجب للمهدي، ومن ولده الفضل [بْن الربيع] [٢] حجب هارون، ومحمد الأمين، وابْنه عباس بْن الفضل حجب الأمين، فعباس حاجب ابْن حاجب ابْن حاجب [٣] .
وقد مدحهم أَبُو نواس فِي قوله:
سار الملوك ثلاثة مَا منهم ... إن حصلوا إلا أعز قريع
عباس عباس إذا اخترم الورى ... والفضل فضل والربيع ربيع
[تُوُفِّيَ الربيع في هذه السنة] [٤] .
стр. 2917
٩٢١- فتح بْن مُحَمَّد بْن وشاح، أَبُو مُحَمَّد الأزدي الموصلي .
ذكر المعافى بْن عمران أنه لم يكن أعقل منه.
[قَالَ مؤلف الكتاب] [١] : وليس هَذَا بفتح الموصلي المكني بأبي نصر، فإن أبا نصر مات فِي سنة عشرين ومائتين وابْن وشاح مات سنة سبعين ومائة وأكثر الحكايات عَنْ أبي نصر لا عَنْ أبي مُحَمَّد.
٩٢٢- موسى الهادي، أمير المؤمنين ابْن المهدي [٢] .
اختلفوا فِي سبب موته قَالَ بعضهم: كَانَ فِي جوفه قرحة، وكانت سبب منيته.
وحكى أَبُو جَعْفَر ابْن جرير الطبري عَنْ جماعة أنهم قالوا: إن الخيزران أمه أمرت بقتله، فأنا أستبعد ذلك.
قالوا: وكانت فِي أول خلافته تفتات عليه فِي أمور، وتسلك به مسلك أبيه فِي الاستبداد بالأمر والنهي، وكانت إذا سألته حاجة قضاها فانثال الناس إليها [٣] ، فأرسل إليها: لا تخرجي من خفر الكفاية إِلَى بذاذة التبذل، فإنه ليس من قدر النساء الاعتراض فِي أمر الملك، وعليك بصلاتك وسبحتك، ولك بعد هَذَا طاعة مثلك، فكلمته يوما فِي أمر فاعتل بعلة، فقالت: لا بد من إجابتي، فَقَالَ: لا أفعل، قالت: فإنّي قد ضمنت ١٥٠/ ب [قضاء] [٤] هَذِهِ الحاجة. قَالَ: والله لا أقضيها لك، فقالت: إذا والله لا/ أسألك حاجة أبدا. قَالَ: إذن والله لا أبالي، وغضب، فقامت مغضبة، فَقَالَ: مكانك [حَتَّى] [٥] تستوعبي كلامي والله، وإلا فأنا نفي من قرابتي من رسول الله ﷺ ، لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد لأقبضن ماله، ولأضربْن عنقه، مَا هَذِهِ المواكب الَّتِي تغدو وتروح إلى بابك؟! أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكرك أو يصونك!؟ إياك ثُمَّ إياك أن تفتحي بابك لملي أو ذمي [٦] . فانصرفت ما تعقل [٧] .
стр. 2918
قَالَ ابْن جرير: وذكر قوم أن سبب موت الهادي: أنه لما أخذ فِي خلع هارون والبيعة لابْنه جَعْفَر خافت الخيزران عَلَى هارون منه، فدست من جواريها لما مرض من غمه وجلس عَلَى وجهه، ووجهت إِلَى يَحْيَى بْن خالد: إن الرجل قَدْ تُوُفِّيَ، فاجدد فِي أمرك [١] .
وَكَانَ الهادي قَدْ أمر أن لا يسار قدام الرشيد بحربة، فاجتنبه الناس وتركوه، وطابت نفس هارون بالخلع لشدة خوفه عَلَى نفسه، فخلعته جماعة من القواد وبايعوا لجعفر بْن مُوسَى [٢] ، ودخل هارون عَلَى موسى فَقَالَ لَهُ: يا هارون، كأني بك تحدث نفسك بتمام الرؤيا، فقال: إني لأرجو [أن يفضي] [٣] الأمر إلي، فأنصف وأصل، فَقَالَ لَهُ: ذلك الظن بك، فأجلسه معه وأمر له بألف ألف دينار، وكانت الرؤيا أن المهدي قَالَ: رأيت فِي منامي كأني دفعت إِلَى موسى قضيبا وإلى هارون قضيبا فأورق قضيب موسى من [٤] أعلاه قليلا، وأورق فِي قضيب هارون من أوله إِلَى آخره، فدعا المهدي الحكم بْن موسى فَقَالَ لَهُ: أعبر هَذِهِ الرؤيا، فقال: يملكان جميعا فتقل أيام موسى، ويبلغ هارون آخر مدى مَا عاش خليفة، وتكون أيامه أحسن أيام. فلم يلبث الهادي إلا يسيرا حَتَّى اعتل ثلاثة أيام ومات.
وحكى أَبُو بكر الصولي: أنه خرج عَلَى ظهر قدمه بثرة، فصارت كاللوزة، وافتصد ومات بعد ثلاث، وجاءت أمه الخيزران/ وبه رمق، فأخذت خاتمه من يده وقالت: ١٥١/ أأخوك أحق بهذا الأمر منك. وَهُوَ يرى ذلك ولا يقدر عَلَى حيلة.
تُوُفِّيَ الهادي بعيساباذ للنصف من ربيع الأول من هَذِهِ السنة، وقيل: لثلاث عشرة بقيت من ربيع وَهُوَ ابْن ست وعشرين سنة، وقيل: ثلاث وعشرين، وصلى عليه أخوه هارون ودفن فِي بستانه بعيساباذ، وكانت خلافته سنة وشهرا وثلاثة عشر يوما، وقيل:
سنة وثلاثة أشهر، وقيل وشهرين وأحد عشر يوما [٥] .
стр. 2919
٩٢٣- معاوية بْن عبيد اللَّه بْن يسار، أَبُو عبيد اللَّه الأشعري مولاهم من أَهْل طبرية [١] .
ولد سنة مائة، وكتب الحديث، وسمع أبا إِسْحَاق السبيعي، ومنصور بْن المعتمر ونحوهما، وَكَانَ خيرا فاضلا عالما، وَكَانَ يكتب للمهدي قبل الخلافة رسمه لَهُ المنصور، وَكَانَ جميع أمر المهدي إِلَيْهِ، فلا يخالفه فِي شيء، ثُمَّ وزر لَهُ.
أَنْبَأَنَا المحمدان ابْن عَبْد الباقي وابْن عَبْد الملك قالا: أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَن الدارقطني قَالَ: حَدَّثَنِي القاضي أَبُو الطاهر مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عبيد اللَّه بْن نصر قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بْن عَبْد الملك السراج قَالَ: حَدَّثَنِي عيسى بْن أبي عباد قَالَ: حَدَّثَنِي عبيد اللَّه بْن سليمان بْن أبي عبيد اللَّه قَالَ: أبلى أبو عبيد الله مصليين، وأسرع فِي الثالث- أو ثلاثة وأسرع فِي الرابع- موضع الركبتين والوجه واليدين لكثرة صلاته، [قَالَ:] [٢] وَكَانَ لَهُ فِي كل يوم كر دقيق يتصدق به عَلَى المساكين، وَكَانَ يلي ذلك مولى لَهُ، فلما اشتد الغلاء أتاه فَقَالَ: قَدْ غلا السعر، فلو نقصنا من هَذَا؟ فَقَالَ: أنت شيطان، أو رَسُول الشيطان، صيرة كرين. فكان لَهُ فِي كل يوم بعد ذلك كران يخبزان للمساكين قال: وأخبرت أن الجسور [٣] يوم مات امتلأت فلم يعبر عَلَيْهَا إلا من تبع جنازته من مواليه واليتامى والأرامل والمساكين، ودفن فِي مقابر قريش ببغداد وصلى عليه عَلِيّ بْن المهدي [٤] .
تُوُفِّيَ في هذه السنة، وقيل: / في السنة التي قبلها.
стр. 2920
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائة
فمن الحوادث فِيهَا:
قدوم أبي الْعَبَّاس الفضل بْن سليمان الطوسي مدينة السلام منصرفا عَنْ خراسان، وَكَانَ خاتم الخلافة مَعَ جَعْفَر بْن مُحَمَّد الأشعث، فلما قدم أبو العباس أخذه الرشيد منه ودفعه إِلَى أبي الْعَبَّاس، ثُمَّ لم يلبث أَبُو الْعَبَّاس إلا يسيرا حَتَّى تُوُفِّيَ، فدفع الخاتم إِلَى يَحْيَى بْن خَالِد [١] .
وَفِيهَا: أمر الرشيد بإخراج من كَانَ بمدينة السلام من الطالبيين إِلَى مدينة رسول الله ﷺ خلا الْعَبَّاس بْن الْحَسَن بْن عَبْد اللَّه بْن الْعَبَّاس بْن عَلِيّ بْن أبي طالب، وَكَانَ أَبُو الْحَسَن فيمن شخص [٢] .
وَفِيهَا: خرج الفضل بْن سَعِيد الحروري فقتله أَبُو خالد المروروذي [٣] .
وَفِيهَا: خرجت الخيزران فِي شهر رَمَضَان إِلَى مكة فأقامت بها إِلَى وقت الحج وحجت [٤] .
وَفِيهَا: حج بالناس [٥] عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب [٦] .
стр. 2921
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٩٢٤- حيان بْن عَلِيّ الْكَوفِيّ، أَبُو علي أخو مندل .
حدث عَنْ الأعمش، وسهيل بْن أبي صالح، روى عنه حجر بْن المثنى وخلف بن هشام، وكان صالحا دينا فقيها.
قَالَ يَحْيَى: هو صدوق، وفي رواية عنه يضعفه.
تُوُفِّيَ في هذه السنة. وقيل: فِي السنة الَّتِي تليها [١] .
٩٢٥- سَعِيد بْن السائب الطائفي [٢] .
روى [عنه] [٣] سفيان ووكيع.
أَخْبَرَنَا عَبْد الوهاب بن المبارك قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال:
أخبرنا علي بن أحمد الملطي قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: أخبرنا الحسين بْن صفوان قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن عبيد قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الحسين قَالَ:
حَدَّثَنَا الحميدي، عَنْ سفيان قَالَ: كَانَ سَعِيد بْن السائب الطائفي لا يكاد تجف لَهُ دمعة، إنما دموعه جارية دهره، إن صلى فهو يبكي، وإن جلس فهو يقرأ في المصحف ١٥٢/ أفهو يبكي. قَالَ سفيان: فحدثوني أن/ رجلا عاتبه عَلَى ذلك فبكى، ثُمَّ قَالَ: إنما ينبغي أن تعذلني وتعاتبْني عَلَى التقصير والتفريط، وأنهما قد استوليا علي.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، وَمُحَمَّدُ بْن ناصر الحافظ، وعلي بْن عُمَر قالوا: أَنْبَأَنَا طراد قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن بشران قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن صفوان قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو بكر بن عبيد قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن الصباح قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يزيد بْن حسن قَالَ: سمعت الثوري يَقُول: جلست ذات يوم أحدث ومعنا سَعِيد بْن السائب الطائفي، فجعل سَعِيد يبكي حَتَّى رحمته، فقلت: يا سَعِيد، مَا يبكيك وأنت تسمعني أذكر أَهْل الخير وفعالهم، قَالَ: يا سفيان، وما يمنعني من البكاء، وإذا ذكرت مناقب [٤]
стр. 2922
أَهْل الخير كنت منهم بمعزل، قَالَ: يَقُول سفيان: وحق لَهُ أن يبكي.
تُوُفِّيَ عَبْد اللَّه في هذه السنة.
٩٢٦- عُمَر بْن ميمون بْن الرماح، أَبُو علي [١] .
قاضي بلخ، تولى القضاء بها أكثر من عشرين سنة، وَكَانَ محمودا فِي ولايته، مذكورا بالعلم والحلم والصلاح والفهم، حدث عَنْ سهيل بْن أبي صالح، والضحاك، روى عنه: سريج بْن النُّعمان، وَكَانَ ثقة، وعمي فِي آخر عمره، وتوفي ببلخ فِي رَمَضَان هَذِهِ السنة.
٩٢٧- عيسى بْن يزيد بْن بكر بْن داب، أَبُو الوليد [٢] .
أحد بْني الليث بْن بكر المديني، قدم بغداد وأقام بها، وحدث عَنْ صالح بْن كيسان، وهشام بْن عُرْوَة، وَكَانَ راوية عَنِ العرب، وافر الأدب، عالما بالنسب، حافظا للسير عارفا بأيام الناس، إلا أنهم قدحوا فيه، فقالوا: يزيد في الأحاديث ما ليس فيها، ونسبه خلف الأحمر إلى الكذب، ووضع الحديث.
أَخْبَرَنَا القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن علي الخطيب قال: أخبرنا الأزهري قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عرفة قَالَ: لم يتول الخلافة قبل الهادي بسنه أحد، لأنه كَانَ حدثا وَكَانَ يحب الأدب وأهله ويعطي عليه [٣] .
وَكَانَ عيسى بْن داب يجالسه، وَكَانَ أكثر أَهْل الحجاز أدبا، وأعذبهم ألفاظا، وَكَانَ قَدْ حظي/ عند الهادي، وَكَانَ يَقُول لَهُ: مَا استطلت بك يوما ولا ليلة قط، ولا ١٥٢/ ب غبت عَنْ عيني إلا تمنيت ألا أرى غيرك. وأمر لَهُ بثلاثين ألف دينار، فلما أصبح ابْن داب، وجه قهرمانه فطالب بالمال، فلقي الحاجب فأبلغه رسالته [فأعلمه] [٤] أن ذلك ليس إِلَيْهِ، وأنه يحتاج إِلَى توقيع، فأمسك ابْن داب، فبينا الهادي فِي مستشرف لَهُ نظر إِلَى ابْن داب قَدْ أقبل وليس معه غلام، فَقَالَ لإبراهيم الحداني: أما ترى ابن داب، ما
стр. 2923
غير حاله؟ ولا تزيي لنا، وقد برزناه بالأمس لنرى أثرنا عليه، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: إن أمرني أمير المؤمنين عرضت لَهُ بشيء من هَذَا، قَالَ: لا هو أعلم بأمره. ودخل ابْن داب، فأخذ فِي حديثه إِلَى أن عرض لَهُ الهادي شيئا من أمره، فَقَالَ: أرى ثوبك غسيلا، وهذا شتاء يحتاج إِلَى لبس الجديد واللين، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ باعي قصير عما أحتاج إِلَيْهِ، فَقَالَ:
كيف ذاك [١] وقد صرفنا إليك من برنا مَا فِيهِ صلاح شأنك؟ قَالَ: مَا وصل إلي، فدعا بصاحب بيت مال الخاصة، فَقَالَ: عجل الساعة لَهُ بثلاثين ألف دينار، فحملت بين يديه [٢] .
٩٢٨- المفضل بن محمد بن يعلى الظبي [٣] .
سمع سماك بْن حرب، وأبا إِسْحَاق السبيعي، والأعمش وغيرهم.
وروى القراءات عَنْ عاصم بْن أبي النجود، روى عنه: الكسائي، والفراء، وغيرهما، وَكَانَ راوية للآداب وأيام الأعراب، علامة موثقا فِي روايته.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قال: أخبرنا أحمد بن علي الحافظ قال: أَخْبَرَنَا الحسين بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الخالع فيما أذن أن نرويه عنه قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن السري قَالَ: قَالَ لنا جحظة: قَالَ الرشيد للمفضل الضبي: مَا أحسن مَا قيل فِي الذئب ولك هَذَا الخاتم الّذي في يدي وشراؤه ألف وستمائة دينار؟ فَقَالَ: قول الشاعر:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
١٥٣/ أ/ فَقَالَ [٤] : مَا ألقي هَذَا عَلَى لسانك إلا لذهاب الخاتم. ورماه إِلَيْهِ، فاشترته أم جَعْفَر بألف وستّمائة دينار وبعثت به إِلَيْهِ، وقالت: قَدْ كنت أراك تعجب به فالتقطه الضبي وَقَالَ: خذه وخذ الدنانير، فما كنا نهب شيئا فنرجع فيه [٥] .
стр. 2924
٩٢٩- أبو عبد الله الحربي الزاهد .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو علي حسن بن أحمد قال: حدّثنا ١٥٣/ ب عبد الغفار بن محمد المؤدب قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَر بْن أَحْمَد الواعظ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن دليل قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد المقدمي قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد العزيز قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه الجروي قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن شبيب بْن شيبة قَالَ: كنا نتجالس فِي الجمعة فأتى رَجُل عليه ثوب واحد ملتحف به، فجلس إلينا، فألقى مسألة، فما زلنا نتكلم فِي الفقه حَتَّى انصرفنا، ثُمَّ جاءنا فِي الجمعة المقبلة، فأجبْناه وسألناه عَنْ منزله، قَالَ: أنزل الخريبة، فسألنا عَنْ كنيته، فَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: فرغبْنا فِي مجالسته ورأينا مجلسنا مجلس فقه، فمكثنا بذلك زمانا، ثُمَّ انقطع عنا، فَقَالَ بعضنا لبعض، مَا حالنا وقد كَانَ مجلسنا عامرا بأبي عَبْد اللَّه، وقد صار يوحشنا فوعد بعضنا بعضا إذا أصبحنا أن نأتي الخريبة فنسأل عَنْهُ، فأتيناه الخريبة وكنا عددا، فجعلنا نستحي أن نسأل عَنْ أبي عَبْد اللَّه، فنظرنا إِلَى صبيان قَدِ انصرفوا من الكتاب فقلنا: أَبُو عَبْد اللَّه، فقالوا:
لعلهم يعنون الصياد، قلنا: نعم، قَالُوا: هَذَا وقته الآن يجيء، فقعدنا ننتظره، فإذا هو قد أقبل مؤتزرا بخرقة، على كتفه خرقة ومعه أطيار مذبحة وأطيار أحياء، فلما رآنا تبسم إلينا وَقَالَ: مَا جاء بكم؟ فقلنا: فقدناك، وقد كنت عمرت مجلسنا، فما غيبك عنا؟ قَالَ:
أصدقكم، كَانَ لنا جار كنت أستعير منه كل يوم ذلك الثوب الَّذِي كنت آتيكم فِيهِ، وَكَانَ غريبا، فخرج إِلَى وطنه، فلم يكن لي ثوب آتيكم فِيهِ، هل لكم أن تدخلوا المنزل فتأكلوا مما رزق اللَّه ؟ فَقَالَ بعضنا لبعض: ادخلوا منزله، فجاء إِلَى الباب فسلم ثُمَّ صلى قليلا ثُمَّ دخل، فأذن لنا فدخلنا، فإذا هو قد أتى بقطع من البواري فبسطها لنا فقعدنا، فدخل إِلَى المرأة، فسلم إليها الأطيار المذبحة، وأخذ الأطيار الأحياء ثُمّ قَالَ:
أنا آتيكم إن شاء اللَّه عَنْ قريب، فأتى السوق فباعها واشترى لنا خبزا، فجاء وقد صنعت المرأة ذلك الطير وهيئته، فقدم إلينا خبزا ولحم الطير، فأكلنا، فجعل يقوم فيأتينا بالملح والماء، فكلما قام قَالَ بعضنا لبعض: رأيتم مثل هَذَا؟ ألا تغيرون وأنتم سادة أَهْل البصرة؟! فقال أحدهم: عليّ خمسمائة، وقال الآخر: على ثلاثمائة، وَقَالَ هَذَا وَقَالَ هَذَا، ضمن بعضهم أن يأخذ لَهُ من غيره، فبلغ الَّذِي جمع له فِي الحساب خمسة آلاف درهم، فقالوا: قوموا بْنا نذهب فنأتيه بهذا المال ونسأله أن يغير مَا هو فِيهِ، فقمنا فانصرفنا عَلَى حالنا ركبانا، فمررنا بالمربد، وإذا بمحمد بْن سُلَيْمَان أمير البصرة قاعد فِي منظره
стр. 2925
لَهُ، فَقَالَ: يا غلام، آتيني بإبراهيم بْن شبيب بْن شيبة من بين القوم، فجئت فدخلت عليه، فسألني عَنْ قصتنا ومن أين أقبلنا، فصدقته الحديث، فَقَالَ: أنا أسبقكم إِلَى بره، يا غلام، آتيني ببدرة دراهم، فجاء فَقَالَ: أحمل هَذِهِ البدرة مَعَ هَذَا الرجل حَتَّى يدفعها إِلَى من أمرناه، ففرحت، ثُمَّ قمت مسرعا، فلما أتيت الباب سلمت فأجابْني أَبُو عَبْد اللَّه، ثُمَّ خرج إلي، فَلَمَّا رأى الفراش والبدرة عَلَى عنقه كأني سفيت فِي وجهه الرماد، فأقبل علي بغير الوجه الأول وَقَالَ: مَا لي ولك، تريد أن تفتنني؟ فقلت: يا أبا عَبْد اللَّه أقعد حَتَّى أخبرك، إنه من القصة كذا وكذا، وَهُوَ الَّذِي تعلم أحد الجبارين- يعني مُحَمَّد بْن سليمان- ولو كَانَ أمرني أن أضعها حيث أرى لرجعت إِلَيْهِ فأخبرته إني ١٥٤/ أقد وضعتها، فاللَّه اللَّه فِي نفسك، فازداد علي غيظا، وقام فدخل منزله وصفق/ الباب فِي وجهي فجعلت أقدم وأؤخر، مَا أدري مَا أقول للأمير، ثُمَّ لم أجد بدا من الصدق، فجئت فأخبرته الخبر فَقَالَ: حروري والله يا غلام، علي بالسيف، فجاء بالسيف فَقَالَ:
خذ بيد هَذَا حَتَّى يذهب بك إِلَى هَذَا الرجل، فإذا خرج إليك فاضرب عنقه وآتيني برأسه، قَالَ إِبْرَاهِيم: فقلت: أصلح اللَّه الأمير، الله الله، فو الله لقد رأينا رجلا مَا هو من الخوارج، ولكني أذهب فآتيك به، وما أريد بذلك إلا افتداء منه، قال: فضمنيه، فمضيت حَتَّى أتيت الباب فسلمت، فإذا المرأة تحن وتبكي، ثُمَّ فتحت الباب وتوارت وأذنت فدخلت، فقالت: مَا شأنكم وشأن أبي عَبْد اللَّه؟ قلت: وما حاله؟ قالت: دخل فمال إِلَى الركي فنزع منها ماء فتوضأ ثُمَّ صلى ثُمَّ سمعته يَقُول: اللَّهمّ اقبضني إليك ولا تفتني. ثُمَّ تمدد وَهُوَ يَقُول ذلك، فلحقته وقد قضى، فهو ذاك ميت، فقلت: يا هَذِهِ إن لنا قصة عجيبة، فلا تحدثوا فِيهِ شيئا، فجئت مُحَمَّد بْن سليمان فأخبرته الخبر، فَقَالَ:
أنا أركب فأصلي عَلَى هَذَا، قَالَ: وشاع خبره بالبصرة، فشهده الأمير وعامة أَهْل البصرة، ﵀.
стр. 2926
ثم دخلت سنة إثنين وسبعين ومائة
فمن الحوادث فِيهَا:
شخوص الرشيد إِلَى مرج القلعة، ثُمَّ مرتادا بها منزلا ينزله، وَكَانَ قَدِ استثقل مدينة السلام وَكَانَ يسميها البخار، فخرج إِلَى مرج القلعة فاعتل بها، وانصرف، وسميت تلك السفرة بسفرة المرتاد [١] .
وَفِيهَا: عزل الرشيد يزيد بْن مزيد عَنْ أرمينية وولاها عبيد اللَّه بْن مُحَمَّد المهدي [٢] .
وَفِيهَا: غزا الصائفة إِسْحَاق بْن سليمان بْن عَلِيّ [٣] .
وَفِيهَا: وضع [الرشيد] [٤] عَنْ أَهْل السواد العشر الَّذِي كَانَ يؤخذ منهم بعد النصف [٥] .
وَفِيهَا: تزوج مُحَمَّد بْن سليمان بْن عَلِيّ العباسة بْنت المهدي، وهي أول بْنت خليفة من بْني/ هاشم نقلت من بلد إِلَى بلد، نقلها إِلَى البصرة، وأول بْنت خليفة نقلت ١٥٤/ ب من خلفاء بني أمية صفية بْنت معاوية، نقلت إِلَى البصرة إِلَى مُحَمَّد بْن زياد ذكره الصولي.
وَفِيهَا: ولي معاذ بن معاذ القضاء.
стр. 2927
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر [أحمد] [١] بن علي قال: أخبرني الأزهري قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عرفة قَالَ:
ولي معاذ بن معاذ قضاء البصرة سنة اثنتين وسبعين، وَكَانَ لَهُ محل ومنزلة، فلم يحمد [٢] أَهْل البصرة أمره [وكتبوا] [٣] وكثر الكارهون لَهُ والوقائع عليه، فلما صرف عَنِ القضاء أظهر أَهْل البصرة السرور، ونحروا النحور وتصدقوا بلحمها، واستتر فِي بيته خوف الوثوب عليه، ثُمَّ شخص بعد ذلك إِلَى الرشيد فاعتذر، فقبل عذره ووهب لَهُ ألف دينار، وَكَانَ من الأثبات فِي الحديث [٤] .
وَفِيهَا: حج بالناس يعقوب بْن أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ [٥] .
وعمال السنة مَا قبلها [٦] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر .
٩٣٠- الحسن بن عياش بْن سالم، مولى بْني أسد وَهُوَ أخو أبي بكر بْن عياش الْقَارِئ [٧] .
من أَهْل الكوفة، وَكَانَ وصي سفيان الثوري، وسمع أبا إِسْحَاق الشيباني، وإسماعيل بْن أبي خَالِد، والأعمش، وغيرهم، وَكَانَ ثقة.
تُوُفِّيَ في هذه السنة.
٩٣١- عَبْد الرَّحْمَنِ بْن سليمان بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَبْد اللَّه بْن حنظلة بْن الغسيل الأنصاري المَدِينيّ [٨] .
رأى سهل بْن سعد وأنس بْن مالك، وسمع عكرمة، روى عنه أَبُو نعيم الفضل بْن دكين، وَكَانَ ثقة.
تُوُفِّيَ في هذه السنة. وقيل: السنة الَّتِي قبلها.
стр. 2928
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة
فمن الحوادث فِيهَا:
[أن الرشيد] [١] أقدم جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن الأشعث من خراسان وولاها ابْنه الْعَبَّاس بْن جَعْفَر [٢] .
قَالَ الصولي: وخرج [٣] بالناس الرشيد محرما من بغداد [٤] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٩٣٢- إسماعيل بن زكريا بْن مرة، أَبُو زياد الخلقاني، مولى أسد بْن خزيمة يلقب شقوصا [٥] .
كوفي الأصل، سمع إِسْمَاعِيل بْن أبي خالد، وأبا إِسْحَاق والأعمش وغيرهم وَكَانَ ثقة.
أَخْبَرَنَا القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا [أَبُو بكر] [٦] ابْن ثَابِت قَالَ: أَخْبَرَنِي الأزهري قال:
стр. 2929
حدّثنا مُحَمَّد بْن عباس قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قال: أخبرنا [الحسين] [١] بن الفهم قال: حدثنا محمد بن سعد قال إسماعيل بن زكريا: كَانَ تاجرا فِي الطعام وغيره، وَهُوَ من أَهْل الكوفة، نزل بغداد فِي ربض حميد بْن قحطبة ومات بها فِي أول سنة ثلاث وسبعين ومائة، وَهُوَ ابْن خمس وستين سنة [٢] .
٩٣٣- الخيزران جارية المهدي [٣] .
اشتراها فأعتقها وتزوجها، فولدت لَهُ الهادي والرشيد، ولم تلد امرأة خليفتين غير ثلاث نسوة هي إحداهن، والثانية ولادة العنسية بْنت الْعَبَّاس زوجة عَبْد الملك بْن مروان أم الْوَلِيد وسليمان، والثالثة: شاهفريذ بْنت فيروز بْن يزدجرد ولدت للوليد بْن عَبْد الملك إِبْرَاهِيم ويزيد فوليا الخلافة [٤] .
وَقَدْ أَسْنَدْتُ الْحَدِيثَ، عَنِ الْمَهْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَقَاهُ اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ» [٥] .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَحَلِّيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الصَّرِيفِينِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الصَّيدَلانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَحْمُودٍ الْكَاتِبُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الطَّوِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَأْمُونِ قَالَ: لَمَّا عُرِضَتِ الْخَيْزُرَانُ عَلَى الْمَهْدِيِّ قَالَ لَهَا: وَاللَّهِ يَا جَارِيَةُ إِنَّكِ لَعَلَى غَايَةِ التَّمَنِّي، وَلَكِنَّكِ خَمْشَةُ السَّاقَيْنِ، فَقَالَتْ يَا مَوْلَانَا [٦] ، إنك أحوج ما تكون إليهما لا تَرَاهُمَا، فَقَالَ اشْتَرُوهَا فَحَظِيَتْ عِنْدَهُ، فَأَوْلَدَهَا مُوسَى وَهَارِونَ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قال: أخبرنا أحمد بن علي ابن ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الأَزْهَرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُقْرِئِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الصَّرِيفِينِيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْمَقْرِيُّ قال: حدّثنا علي بن
стр. 2930
مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ/ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الطَّوِيلِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ يَوْمًا إِلَى الْمَهْدِيِّ فَدَعَا بِمِحْبَرَتِهِ وَدْفَتِرِه، وَكَتَبَ عَنِّي أَشْيَاءَ حَدَّثْتُهُ بِهَا، ثُمَّ نَهَضَ وَقَالَ: كُنْ بِمَكَانِكَ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ، وَدَخَلَ إِلَى دَارِ الْحَرَمِ ثُمَّ خرج متنكرا ممتلئا غيظا، فلما جلس: قُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَرَجْتَ عَلَى خِلافِ الْحَالِ الَّتِي دَخَلْتَ عَلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ دَخَلْتُ عَلَى الْخَيْزُرَانِ فَوَثَبْت إِلَيَّ وَمَدَّتْ يَدَهَا إِلَيَّ وَخَرَقَتْ ثَوْبِي، وَقَالَتْ: يَا قَشَّاشُ، وَأَيُّ خَيْرٍ رأيت منك؟ وإنما اشْتَرَيْتُهَا مِنْ نَخَّاسٍ وَرَأَتْ مِنِّي مَا رَأَتْ وَعَقْدُتَ لابْنَيْهَا وِلايَةَ الْعَهْدِ وَيْحَكِ وَأَنَا قَشَّاشٌ؟ قال: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهُنَّ يَغْلِبْنَ الْكِرَامَ وَيَغْلِبْهُنَّ اللِّئَامُ» وَقَالَ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي» ، وَقَالَ: «خُلِقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ ضِلْعٍ أَعْوَجَ إِنْ قَوَّمْتَهُ كَسَرْتَهُ» . وحدثته فِي هَذَا الباب بكل مَا حضرني، فسكن غضبه، وأسفر وجهه، وأمر لي بألفي دينار، وَقَالَ: أصلح بهذه من حالك، وانصرفت، فلما وصلت إِلَى منزلي وافاني رسول الخيزران، فقال: تقرأ عليك ستي السلام، وتقول لك: يا عم قَدْ سمعت جميع مَا كلمت به أمير المؤمنين، فأحسن اللَّه جزاك، وَهَذِهِ ألفا دينار إلا عشرة دنانير بعثت بها إليك لأني لم أحب أن أساوي صلة أمير المؤمنين ووجهت إلي بأثواب [١] .
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيّ البسري، عَنْ أبي عَبْد اللَّه بن بطة قال: حدّثنا أبو عَلِيّ بْن الحسين بْن القاسم قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الفضل بْن الربعي قَالَ:
حَدَّثَنِي أبي قال: سأل رجل الخيزران حاجة ثُمَّ أرسل إليها بهدية فأجابته: إن كَانَ مَا وجهت به من هديتك ثمنا لرأيي فيك فلقد بخستني القيمة، وإن كَانَ استزادة فقد استغششتني في المودّة وردتها عليه.
وقد حكى نحوه أَبُو بكر الصولي فَقَالَ: لما ولي مُحَمَّد بْن سليمان البصرة أهدى إِلَى الخيزران مائة وصيف بيد كل وصيف [٢] جام من ذهب/ مملوء مسكا. فقبلت ذلك، ١٥٦/ أوكتبت إِلَيْهِ: عافاك اللَّه إن كَانَ مَا وصل إلينا منك ثمن رأينا فيك، فقد بخستنا فِي القيمة، وإن كَانَ وزن مثلك إلينا فظننا بك فوقه.
قَالَ ابْن الأعرابي: كتب المهدي إلى الخيزران وهي بمكة:
стр. 2931
نحن فِي أفضل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السرور
عيب مَا نحن فِيهِ من أَهْل ودي ... أنكم غيب ونحن حضور
فأجدوا فِي السير بل إن قدرتم ... أن تطيروا مَعَ الرياح فطيروا
فأجابته، أو قالت لمن أجابه:
قَدْ أتانا الَّذِي وصفت من الشوق ... فكدنا وما فعلنا نطير
ليت إن الرياح كن تؤدين ... إليكم مَا قَدْ يجن الضمير
لم أزل صبة فإن كنت بعدي ... فِي سرور فدام ذاك السرور
توفيت الخيزران ليلة الجمعة لثلاث بقين من جمادى الآخرة من هَذِهِ السنة، ودفنت بمقابر قريش.
وروى يَحْيَى بْن الْحَسَن أن أخاه حدثه قَالَ: رأيت الرشيد يوم ماتت الخيزران وعليه طيلسان أزرق قَدْ شد به وسطه وَهُوَ آخذ بقائمة السرير حافيا يعدو فِي الطين حَتَّى أتى مقابر قريش فغسل رجليه ودعا بخف، فصلى عَلَيْهَا ودخل قبرها، فلما خرج من المقبرة وضع لَهُ كرسي فجلس عليه، ودعا الفضل بْن الربيع وَقَالَ لَهُ: وحق المهدي- وكان لا يحلف بها إلا إذا اجتهد- إني لأهم بالشيء لك من التولية [١] وغيرها فتمنعني أمي فأطيع أمرها، فخذ الخاتم من جَعْفَر وولي الفضل نفقات العامة والخاصة وبادوريا والكوفة، فتمت حاله، وانصرف الرشيد من جنازتها يتمثل بقول متمم بْن نويرة:
كنا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَة ... مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لن تتصدعا
١٥٦/ ب/ فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا ... لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نبت ليلة معا
وكانت غلة الخيزران ألف ألف وستين ألف درهم، فاتسع الرشيد بغلتها وأقطع الناس من ضياعها.
٩٣٤- سعد بْن عَبْد اللَّه بْن سعد، أَبُو عُمَر المعافري .
روى عنه عَبْد اللَّه بْن وهب، ويقال هو الَّذِي أعان ابْن وهب عَلَى تصنيف كتبه، وكانت لَهُ عُبَادة وفضل. تُوُفِّيَ بالإسكندرية في هذه السنة.
стр. 2932
٩٣٥- عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أبي الموالي، ويقال: ابْن زيد ابْن أبي الموالي، أَبُو مُحَمَّد المدني، مَوْلَى عَلِيّ بْن أبي طالب، وقيل: مولى أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
حدث عَنْ مُحَمَّد بْن كعب القرظي، وابْن المنكدر، روى عنه: الثوري، وابْن المبارك، وأبو عامر العقدي، والقعنبي، وقتيبة، وَكَانَ ثقة.
وتوفي في هذه السنة.
٩٣٦- غادر جارية الهادي .
حكى جَعْفَر بْن قدامة قَالَ: كَانَ لموسى الهادي جارية يقال لها: غادر، وكانت من أحسن النساء وجها وغناء، وَكَانَ يحبها حبا شديدا، فبينا هي تغنيه يوما عرض لَهُ فكر وسهو تغير له لونه، فسأله من حضر عَنْ ذلك، فَقَالَ: وقع فِي فكري أني أموت، وأن أخي هارون يلي الخلافة ويتزوج جاريتي هَذِهِ، فقيل لَهُ: نعيذك باللَّه، ونقدم الكل قبلك، فأمر بإحضار أخيه وعرّفه [١] بما خطر لَهُ فأجابه بما يوجب زوال هَذَا الخاطر، فَقَالَ: لا أرضى حَتَّى تحلف لي إني متى مت لم تتزوجها. فأحلفه واستوفى عليه الأيمان من الحج راجلا، وطلاق نسائه [٢] ، وعتق المماليك، وتسبيل مَا يملكه، ثُمَّ نهض إليها فأحلفها بمثل ذلك فما لبث إلا نحو شهر حَتَّى تُوُفِّيَ، وولي الرشيد فبعث يخطب الجارية، فقالت: كيف يميني ويمينك؟ فَقَالَ: أكفر عَنِ الكل وأحج راجلا، فتزوجها/ وزاد شغفه بها عَلَى شغف أخيه حَتَّى إنها كانت تضع رأسها على حجره وتنام ولا يتحرك ١٥٧/ أحتى تنتبه، فبينا هي ذات يوم عَلَى ذلك انتبهت فزعة تبكي، فسألها عَنْ ذلك، فقالت:
رَأَيْت أخاك الساعة وَهُوَ يَقُول:
أخلفت وعدي بعد ما جاورت سكان المقابر ... ونسيتني وحنثت في أيمانك الكذب الفواجر
ونكحت غادرة أخي صدق الذي سماك غادر ... أمسيت في أهل البلاد وغدوت في حور الغرائر
لا يهنك الألف الجديد ولا تدر عنك الدوائر ... ولحقت بي قبل الصباح فصرت حيث غدوت صائر
стр. 2933
والله يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فكأني لما سمعتها كتبها فِي قلبي فما أنسيت منها كلمة، فَقَالَ لها الرشيد: أضغاث أحلام، فقالت: كلا. ثُمَّ لم تزل تضطرب وترتعد حَتَّى ماتت بين يديه.
٩٣٧- مُحَمَّد بْن سليمان بْن عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عباس الهاشمي
أمه أم حسن بْنت جَعْفَر بْن حسن بْن حسن بْن عَلِيّ بْن أبي طالب [﵃] [١] .
كَانَ من رجال بْني هاشم وشجعانهم، وَكَانَ قَدْ ولاه المنصور البصرة والكوفة، وزوّجه المهدي بابْنته العباسة، ونقلها إِلَيْهِ إِلَى البصرة، وَكَانَ لَهُ خاتم من ياقوت أحمر لم ير مثله، فسقط ليلة من يده [٢] [ليلة بْنائه بالعباسة] [٣] فجعلوا يطلبونه فلم يجدوه، فَقَالَ: أطفئوا الشمع ففعلوا فرأوه، وَكَانَ لَهُ خمسون ألف مولى منهم عشرون ألف عتاقة، وكانت به رطوبة فكان يتداوى بالمسك يستعمل منه كل يوم عشرين مثقالا ويتركه فِي عكن بطنه، وأقره على ولايته الهادي والرشيد، وكانت غلته كل يوم مائة ألف درهم.
وروي عنه حديث مسند لا يعرف لَهُ غيره/.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحَسَن مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمُسْتَمْلِي قَالَ:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صاعد قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ حَيَّانَ الْعَتَكِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ النَّاجِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي الأَكْبَرِ- يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: «امْسَحْ عَلَى رَأْسِ الْيَتِيمِ هَكَذا إِلَى مَقْدِمِ رَأْسِهِ وَمَنْ لَهُ أَبٌ هَكَذَا إِلَى مُؤَخَّرِ رَأْسِه» [٤] .
أَخْبَرَنَا القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن علي قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الأَزْهَرِيُّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عرفة قَالَ: لما بويع الرشيد بالخلافة قدم عليه مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان وافدا، فأكرمه وعظمه وبره وصنع به ما لم يصنع
стр. 2934
بأحد، وزاده فيما كَانَ يتولى من أعمال البصرة وكور دجلة والأعمال المفردة والبحرين وعمان واليمامة، وكور الأهواز وكور فارس، ولم تجمع هَذِهِ لأحد غيره، فلما أراد الخروج شيعه الرشيد إِلَى كلواذي.
وتوفي فِي جمادى الآخر من هَذِهِ السنة، وسنه إحدى وخمسون سنة وخمسة أشهر، وأمر الرشيد بقبض أمواله [١] .
وذكر ابْن جرير: أن الرشيد بعث رجلا يصطفي مَا خلفه من الصامت، ورجلا إِلَى الكسوة و [ولى] [٢] الفرش والرقيق والدواب والطيب والجوهر، فجعل لكل آلة رجلا يصطفيها، فأصابوا لَهُ ستّين ألف ألف، وأخرج من خزانته ثيابه الَّتِي كَانَ يلبسها كل سنة فِي زمن الصغر وأخرجوا مَا كَانَ يهدي إِلَيْهِ من البلاد حَتَّى الدهن والسمك، فوجدوا أكثر ذلك فاسدا، فألقي فِي الطريق فأنتنت الطريق.
وحكى الصولي: أن الرشيد قبض مَا خلفه مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان من المال فكان ثلاثة آلاف ألف دينار، ولم يتعرض للضياع ولا الدور ولا المستغلات/ ولا الجوهر ولا الفرش ١٥٨/ أولا العطر ولا الكسوة.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَحْمَد قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الطبري قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: أَخْبَرَنَا أَبُو صفوان [قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ عُبَيْدٍ] [٣] قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّد العتكي قَالَ: حَدَّثَنِي الحسين بْن سلام مولى آل سُلَيْمَان بْن عَلِيّ] [٤] قَالَ: لما احتضر مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بْن عَلِيّ كَانَ رأسه فِي حجر أخيه جَعْفَر بْن سُلَيْمَان، فَقَالَ جَعْفَر: وانقطاع ظهراه، فَقَالَ مُحَمَّد: وانقطاع ظهر من يلقى الجبار غدا [والله] ليت أمك لم تلدني، ليتني كنت حمالا، وأني لم أكن فيما كنت فِيهِ، وولى الرشيد مكانه عمه سُلَيْمَان بْن أبي جَعْفَر.
وحكى ابْن جرير أن قوما قالوا: كانت وفاة مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان والخيزران فِي يوم واحد [٥] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر الحافظ قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال: أخبرنا
стр. 2935
مُحَمَّد بْن عبد الواحد قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيمِ المازني قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو علي الحسين بْن القاسم الكوكبي قَالَ: حدثنا مُحَمَّد بْن يزيد قَالَ: بلغني أن جارية من جواري مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان وقفت عَلَى قبره فقالت:
أمسى التراب لمن هويت مبيتا ... ألق التراب فقل لَهُ حييتا
إنا نحبك يا تراب وما بْنا ... إلا كرامة من عليه حثيتا
٩٣٨- هيلانة جارية الرشيد [١] .
أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قال: أخبرنا [أحمد بْن علي بْن ثابت] [٢] الخطيب قَالَ:
أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الجوهري قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عمران المرزباني قَالَ: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى المكي قال: حدثنا محمد بن القاسم بْن خلاد قَالَ: حَدَّثَنَا الأصمعي قَالَ: كَانَ الرشيد شديد الحب لهيلانة، وكانت قبله ليحيى بْن خالد بْن برمك، فدخل يوما إِلَى يَحْيَى قبل الخلافة فلقيته فِي ممر فأخذت بكمه فقالت: نحن لا ١٥٨/ ب يصيبنا منك يوم، فقال لها: فكيف السبيل إِلَى ذلك، فقالت: تأخذني/ من هَذَا الشيخ، فَقَالَ ليحيى: أحب أن تهب لي فلانة فوهبها له حَتَّى غلبت عليه، وكانت تكثر [٣] أن تقول هي إلا أنه، فسماها هيلانة، فأقامت عنده ثلاث سنين ثُمَّ ماتت، فوجد عَلَيْهَا وجدا شديدا وأنشد:
قَدْ قلت لما ضمنوك الثرى ... وجالت الحسرة فِي صدري [٤]
اذهب فلا والله لا سرني ... بعدك شيء آخر الدهر
أَخْبَرَنَا القزاز قَالَ: أخبرنا [أحمد بن علي بن ثابت] [٥] الخطيب قَالَ: أَخْبَرَنَا الأصبهاني قَالَ: أَخْبَرَنَا العسكري عَنْ أبي بكر الصولي قَالَ: أَخْبَرَنَا الغلابي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ قَالَ: لما توفيت هيلانة جارية الرشيد أمر الْعَبَّاس بْن الأحنف أن يرثيها فَقَالَ:
يا من تباشرت القبور بموتها ... قصد الزمان مساءتي فرماك
أبغي الأنيس فلا أرى لي مؤنسا ... إلا التردد حيث كنت أراك
ملك بكاك وطال بعدك حزنه ... لو يستطيع بملكه لفداك
стр. 2936
يحمي الفؤاد عَنِ النساء حفيظة ... كيلا يحل حمى الفؤاد سواك
فأمر لَهُ بأربعين ألف درهم لكل بيت عشرة آلاف وَقَالَ: لو زدت لزدناك.
الخاتمة تم الجزء الثامن من كتاب «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» تأليف الشيخ الإمام العالم الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي الجوزي غفر الله له.
يتلوه في الجزء التاسع:
ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة: فمن الحوادث فيها: أن الرشيد ولى إسحاق بن سليمان الهاشمي السند ومكران.
стр. 2937
[المجلد التاسع]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة
فمن الحوادث فيها:
أن الرشيد ولى إسحاق بن سليمان الهاشمي السند [ومكران] [١] ، واستقصى، [الرشيد فيها] [٢] يوسف بن أبي يوسف وأبوه حي [٣] .
وغزا الصائفة عبد الملك بن صالح [٤] .
وفيها: خرج الرشيد إلى البصرة يريد الحج، فزاد في مسجد البصرة مما يلي القبلة، وخرج فبدأ بالمدينة، فقسم في أهلها مالا عظيما [٥] .
ووقع الوباء في هذه السنة بمكة، فأبطأ عن دخولها، ثم دخلها [٦] فقضى طوافه وسعيه، ولم ينزل مكة [٧] .
стр. 2938
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٩٣٩- بكر بن مضر بن محمد بن حكيم، أبو عبد الملك، مولى ربيعة بن شرحبيل بن حسنة
[١] ولد سنة مائة، وكان عابدا، وتوفي يوم عرفة من هذه السنة.
٩٤٠- عبد الله [٢] بْن لهيعة بن عقبة بن فرغان، أبو عبد الرحمن الحضْرَمِيّ
[٣] .
ولد سنة سبع وتسعين. وروى عَن مشرح [٤] بن هاعان، وغيره. وكان قاضي مصر، وروى عنه: الليث، وابن المبارك [٥] .
وتوفي فِي ربيع/ الأول من هذه السنة، وكان ضعيفا.
٩٤١- عبد الرحمن بن أبي الزناد، يكنى: أبا عبد الله
[٦] .
تُوُفّي في هذه السنة.
٩٤٢- محمد بن عبد الرحمن بن أبي الزناد
[٧]- واسم أبي الزناد: عبد الله بن ذكوان- مولى رملة بنت شَيْبة، وكنية محمد: أبو عبد الله، المَدِيني.
كان يطلب الحديث مع أَبِيهِ، ولقي عامة شيوخه، وكان بينهما في السن سبع عشرة سنة، وحديثه قليل، روى عنه محمد بن عمر الواقدي [٨] . وكان عالما بالقراءة
стр. 2939
والحديث، والفرائض، والحساب، والعروض.
توفي في هذه السنة وهو ابن أربع وخمسين سنة، ومات أبوه قبله بإحدى وعشرين ليلة، ودفنا في مقابر باب التين. وقيل: في مقبرة الخيزران.
٩٤٣- منصور، مولى عيسى بن جعفر، ولقبه: زلزل فغلب عليه ونسي اسمه .
وكان يضرب بالعود، فيضرب به المثل، وعمل ببغداد بركة للسبيل كان يضرب بها المثل.
أَخْبَرَنَا أَبُو منصور القزاز قَالَ: أَخْبَرَنَا [أبو بكر] أحمد [بن علي] [١] الخطيب قال:
أنشدنا الحَسَن بن أبي بَكْر قَالَ: أنشدنا أَبِي [٢] قَالَ: أنشدنا إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه لنفسه:
لو انَّ زهيرا [٣] وامرأ القيس أبصرا ... ملاحة ما تحويه بركة زلزل
/ لما وصفا سلمى ولا أم سالم ... ولا أكثرا ذكر الدخول فحومل
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّازُ قَالَ: أنبأنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حيويه قَالَ: أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان قال: أخبرنا أبو العباس المروزي قَالَ: حدَّثني المفضل قَالَ: حدَّثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي، عن أَبِيهِ قَالَ: قال لي زلزل: عندي جارية من حالها من قصتها قد علمتها الغناء. فكنت أشتهي أن أراها، وأستحي أن أساله، فلما توفي زلزل بلغني أن ورثته يعرفون الجارية، فصرت إليهم، فأخرجوها فإذا هي [٤] جارية كاد الهزال يكويها، لولا ما تم منها ونقص منه، فقلت لها: غني، فغنت وعيناها تذرفان، ثم شهقت، ظننت أن نفسها قد خرجت.
فركبت من ساعتي، فدخلت على أمير المؤمنين، فأخبرته خبرها، فأمر بإحضارها، فلما دخلت عَلَيْهِ قَالَ: غني. فغنت وجعلت تريد البكاء، فتمنعها هيبة [٥] أمير المؤمنين،
стр. 2940
فرحمها وأعجب بها، وقَالَ: أتحبين أن أشتريك؟ فقالت: يا سيدي، أما إذ خيرتني فقد وجب نصحك عليّ، والله لا يشتريني أحد بعد زلزل فينتفع بي. فأمر بشرائها وأعتقها وأجرى عليها رزقا.
وفي رواية أخرى: أنه قَالَ: أتحبين/ أن أشتريك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، لقد عرضت علي ما يقصر عنه الأمل، ولكن ليس من الوفاء أن يملكني أحد فينتفع بي. فزاد رقة عليها، وقال: غني [صوتا] [١] فغنت:
العين تظهر كتماني وتبديه ... والقلب يكتم ما ضمنته فيه
وكيف ينكتم المكنون بينهما ... والعين تظهره والقلب يخفيه
فاشتراها وأعتقها، وأجرى عليها إلى أن مات.
٩٤٤- عابد مصري مبتلى .
أخبرنا عبد الوهاب الأنماطي قَالَ: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال: أخبرنا أحمد بن علي التوذي قَالَ: أَخْبَرَنَا عمر بْن ثابت [قَالَ:] أَخْبَرَنَا علي بْن أحمد بْن أبي قيس [قَالَ:] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا [قَالَ:] [٢] حدثنا علي بن الحُسَين، عن موسى بن عيسى، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ قَالَ: حدثني بعض الحكماء قَالَ: خرجت وأنا أريد الرباط، حتى إذا كنت بعريش مصر أو دونه إذا أنا بمظلة، وإذا فيها رجل قد ذهبت يداه ورجلاه وبصره، وإذا هُوَ يقول: اللَّهمّ إني أحمدك حمدا يوافي محامد خلقك، كفضلك على سائر خلقك، إذ فضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا.
فقلت: والله لأسألنه أعلمه أم ألهمه، فدنوت منه، فسلمت عَلَيْهِ فرد علي السلام فقلت لَهُ: إني/ سائلك عن شيء تخبرني بِهِ. قَالَ: إن كان عندي منه علم أخبرتك. فقلت:
على أي نعمة من نعمه تحمده أم على أي فضيلة تشكره؟ قَالَ: أليس ترى ما قد صنع بي؟ قُلْتُ: بلى. قال: فو الله لو أن الله صب علي السماء نارا فأحرقتني، وأمر الجبال فدمرتني، وأمر البحار فغرقتني، وأمر الأرض فخسفت بي، ما ازددت له إلا حبا
стр. 2941
وشكرًا وإن لي إليك حاجة. قُلْتُ: وما هِيَ؟ قَالَ [١] : كان لي من [٢] يتعاهدني [٣] في وقت صلاتي [٤] ويطعمني عند إفطاري، وقد فقدته منذ أمس، انظر [لي] [٥] ، هل تحسه لي. فقلت: إن في قضاء حاجة هذا العبد لقربة إلى الله تعالى، فخرجت في طلبه حتى إذا كنت في كثبان من رمل، إذا سبع قد افترس الغلام فأكله، فقلت: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦، كيف آتي هذا العبد الصالح من وجه رقيق فأخبره الخبر لئلا يموت، فأتيته، فسلمت عَلَيْهِ، فرد علي السلام، فقلت لَهُ [٦] : إني سائلك عن شيء، أتخبرني بِهِ؟
قَالَ: إن كان عندي منه علم أخبرتك بِهِ. قُلْتُ: أنت أكرم على الله [٧] منزلة أم أيوب ﵇؟ قَالَ: بل أيوب ﵇ [٨] كان أكرم على الله مني، وأعظم منزلة. فقلت: أليس [قد] [٩] ابتلاه فصبر، حتى استوحش منه من كان يأنس به، وصار غرضا لمرار الطريق؟ فَقَالَ: بلى. قُلْتُ: إن ابنك الذي أخبرتني من قصته ما أخبرتني [١٠] ، خرجت في طلبه، حتى إذا كنت/ بين كثبان رمل، إذا أنا بالسبع قد افترس الغلام وأكله. فقال: الحمد للَّه الّذي لم يجعل في قلبي حسرة من الدنيا. ثم شهق شهقة فمات. فقلت: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦، من يعينني على غسله وتكفينه ودفنه. فبينا أنا كذلك إذا بركب يريدون الرباط، فأشرت إليهم فأقبلوا، فقالوا: ما أنت وهذا؟
فأخبرتهم بالذي كان من أمره، فثنوا رحلهم [١١] فغسلناه بماء البحر، وكفناه بأثواب كانت معهم، ووليت الصلاة عليه من بينهم، ودفناه في مظلته تلك، ومضى القوم إلى
стр. 2942
رباطهم، وبت في مظلته تلك الليلة آنسا به.
فلما مضى من الليل مثل ما بقي، إذا أنا بصاحبي في روضة خضراء عليه ثياب خضر قائما يتلو الوحي، فقلت: أليس أنت صاحبي؟ قَالَ: بلى. قُلْتُ: فما الذي صيرك إلى ما أرى؟ قَالَ: وردت من الصابرين على درجة لم ينالوها إلا بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء [١] .
فقال الأوزاعيّ ما زلت أحب أهل ذلك البلاء منذ حدثني الحكيم بهذا الحديث
стр. 2943
ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة
فمن الحوادث فيها:
عقد الرشيد لابنه محمد من بعده ولاية [١] العهد، فأخذ له بيعة القواد والجند ببغداد/، وسماه: الأمين، وله يومئذ خمس سنين، فقدّمه على المأمون، والمأمون أكبر ٥/ أمنه، لأن [٢] أمه زبيدة [٣] .
وقد روى أبو بكر الصولي قَالَ: حدثنا سليمان بن داود [المهلبي قَالَ:] [٤] حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: كان الرشيد يَقُولُ: إني لأتعرف في عبد الله حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزة نفس الهادي، فلو أشاء أن أنسبه إلى الرابعة في لنسبته، وإني لأرضى سيرته، وأحمد طريقته، واستحسن سياسته، وأرى قوته وذهنه، وأمن ضعفه ووهنه، وإني لأقدم محمدا عَلَيْهِ، وأعلم أنه منقاد لهواه، متصرف في طريقه، مبذر لما حوته يده، مشارك للنساء والإماء في رأيه، ولولا أم جعفر وميل بني هاشم إليه لقدمت عبد الله عليه [٥] .
стр. 2944
قال الصولي: ثم جعل يرى فضل المأمون، وعقله فيندم [١] على تقديمه محمدا، فقال:
لقد بان وجه الرأي لي غير أنني ... غلبت على الأمر الذي كان أحزما
فكيف يرد الذر في الضرع بعد ما ... توزع حتى صار نهبا مقسما
/ أخاف التواء الأمر بعد انصداعه [٢] ... وأن ينقض الأمر الذي كان أبرما
[٣] وكان السبب في التقدم لمحمد: أن جماعة من بني العباس مدوا أعناقهم إلى الخلافة بعد الرشيد، إذ لم يكن له ولي عهد، فمضى عيسى بن جعفر إلى الفضل بن يحيى، فقال لَهُ: أنشدك الله لما عملت في البيعة لابن أختي- يعني محمد بن زبيدة- فإنه ولدك، وخلافته لك. فوعده أن يفعل، فلما صار الفضل إلى خراسان فرق فيهم أموالا وأعطى [الجند] [٤] عطيات متتابعة، ثم أظهر البيعة لمحمد، فبايع الناس لَهُ، وكتب إلى الآفاق فبويع لَهُ، فأنكر قوم البيعة لصغر سنه [٥] .
وفيها: [٦] عزل الرشيد العباس بن جعفر عن خراسان، وولاها خاله الغطريف بن عطاء [٧] .
وفيها: صار يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن إلى الديلم، فتحرك هناك [٨] .
وفيها: غزا الصائفة [٩] عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح [١٠] .
стр. 2945
[قال الواقدي: الذي غزاها عبد الله بن صالح] [١] . قَالَ: وأصابهم في هذه الغزاة [٢] برد قطع أيديهم وأرجلهم [٣] .
/ وفيها [٤] : حج بالناس الرشيد [٥] . وقيل: بل سليمان بن المنصور.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٩٤٥- الحكم بن فضيل، أبو محمد الواسطي
[٦] .
نزل المدائن، وحدث بها عن خالد الحذّاء، ويعلى بن عطاء، روى عنه: أبو النضر هاشم [٧] بْن القاسم، وكان الحكم ثقة عند أهل زمانه، توفي في هذه السنة.
٩٤٦- شعوانة العابدة
[٨] .
كانت كثيرة التعبد، شديدة الخوف، طويلة البكاء، وسألها الفضيل بن عياض الدعاء فقالت: يا فُضَيْل، أما بينك وبين الله ما إن دعوته استجاب لك؟ فشهق الفضيل وخر مغشيا عَلَيْهِ.
أخبرنا [محمد بن] [٩] ناصر قَالَ: أَخْبَرَنَا [١٠] جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا [١١]